النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والستون وأربعمائة
واحد كلها صفات قدم في القديم ومحدثة في المحدث لظهورها فيه ولم تكن ظاهرة فحدثت
عند المتصف بها كما قال: ﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] وليس إلاَّ
كلام الله القديم فجمعنا عليه ماله مع نسبته إلينا فسمّى من فعل ذلك صاحب جمع ووجود
فمحكوم حكم الممكنات وجود الحق لا غيره فمن فهم الجمع هكذا علم الأمور كيف هي
[مجزوء الخفيف]:
عَلِمَ الأمْرَ كَيْفَ هُوْ
مَنْ دَرَى الجَمْعَ هكذا
هُ فلا تَسْمَعَنْهُ
فهو الحَقُّ لا سِوَا
وأما القطب الخامس الذي على قدم داود عليه السلام فسورته من القرآن: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾
ولها نصف القرآن ومنازله بعدد آيها وحاله التفرقة وله مقام المحبة فهو معلول للحب فداؤه
دواؤه وماله علم يتقدم فيه على غيره إلاَّ علم ثبوت المحبة الإلهية والكونية، ولهذا كان في
مقام التفرقة وكان من الأئمة فنقل إلى القطبية، يقول هذا القطب: إن الحب ما ثبت وكل حب
يزول فليس بحب أو يتغير فليس بحب لأن سلطان الحب أعظم من أن يزيله شيء، حتى أن
الغفلة التي هي أعظم سلطان تحكم على الإنسان لا يتمكن لها أن تزيل الحب من المحب
يتمكن عنده أن يغفل الإنسان عن نفسه بمحبوبه ولا يتمكن للمحب أن يغفل بأحد عن محبوبه
فذلك هو المحب وذلك هو الحب: [المتقارب]
فِدَاءُ المَحَبَّة ما لا يَزُولُ
وإنّ الشّفاء له مُسْتَحِيلُ
ولا تُضْغِيَنْ إلى ما يقولُ
فلا تزكُنَنْ إلى غير ذا
فبحب الله أحببنا الله وحب الحق لا يتغير، فحب الكون لا يتغير، فقيل له: فحب
الكون الكون هل يتغير؟ قال: لا لأن الكون محبوب لذاته، والمحبة الذاتية لا يمكن زوالها،
قيل له: فقد رأينا من تستحيل مودته، فقال: تلك إرادة ما هي محبة إذ لو كانت محبة ثبتت ألا
تراها تسمّى وداً لثبوتها وثبوت حكمها؟ وذلك أنه ما في المحب لغير محبوبه فضلة من ذاته
يتمكن للمزيل أن يدخل عليه منها هذا سبب ثبوتها، فإنه يشاهد عين محبوبه في كل شيء
يشهده فلا يفقده، فلو صحّ للمحب أن يشهد غير محبوبه في عين ما لدخل عليه من ذلك ما
يزيل حبه وهذا ليس بواقع في الحب، فالتبس على من هذه حالته حكم الإرادة بحكم الحب
وما كل مريد محب وكل محب مريد، وما كل مراد محبوب وكل محبوب مراد، فمقام هذا
القطب ما ذكرناه وشأنه عجيب وتفصيل حاله يطول ومذهبنا الاختصار.
وأما القطب السادس الذي على قدم سليمان عليه السلام فسورته الواقعة ولها الحياة
الدائمة، ومنازله بعدد آيها، اختصّ بعلم الحياة والحيوان لا يأخذ حالاً من أحواله إلاَّ عن
ربه، فأحواله أحوال ربه هديه هدي الأنبياء كما أمر الله نبيه # لما ذكر له الأنبياء عليهم
السلام قال: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] وما قال فبهم اقتده، فعلمنا
أن محمداً مساوٍ لجميع من ذكره من الأنبياء ومن لم يذكره فإنه لكل نبي هدى كما ذكر:
١٢٢
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والستون وأربعمائة
﴿يَكُلٍ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] فهو سبحانه نصب الشرائع وأوضح المناهج
وجمع ذلك كله في محمد مهر، فمن رآه فقد رأى جميع المقربين، ومن اهتدى بهديه فقد
اهتدى بهدي جميع النبيين [السريع]:
وما على الله بمُسْتَنْكَرٍ
أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدٍ
وأعني بقولي إن أحوال هذا القطب أحوال ربه ما قال الحق عن نفسه من أنه كل يوم في
شأن فهذا عبارة عن اختلاف الأحوال، فهو من القوم الذين يشاهدون الحق في شؤونه
فينظرون إلى ماله من الشؤون فيهم فيتلبسون بها منه فهم من أحوالهم على بصيرة، فمن هذه
حاله ما هو مثل من حاله التخلق بالأسماء الإلهية بل لهذا ذوق ولهذا ذوق، فمثل هذا الرجل
يكون مجهول الحال لأن مواطن الحق خفية لا يدركها إلاَّ من كان مقامه التلبس بالشؤون،
والدليل على ذلك أنا قد جمعنا على أنه لا موجد إلاَّ الله وأنه حكيم يضع الأمور مواضعها ولا
يتعدى بها موطنها، فكل شيء ظهر في العالم فهو حكمة في موضعه، وقد جمعنا أن جميع
الخلق وأن أهل الله أكثرهم يقولون: لو كان كذا عن فعل من الأفعال ظهر في الوجود على يد
إنسان لكان أحسن من هذا الفعل الذي فعلت وأولى، يقولون للذي يظهر ذلك الفعل الإلهي
فيه وعلى يديه فهل هذا إلاَّ لجهلهم بحكمة الله فيما وقع لهم فيه مثل هذا القول؟ فهذا ما وقع
من أهل الله إلاَّ بغفلتهم عن الله لا بجهلهم، فإذا ذكروا تذكروا ويقع من غير أهل الله بجهله لا
بغفلته، فإنه لا يزول عمّا ذهب إليه في ذلك الفعل من اللوم حتى تبدو له حكمة الله فيه متى
بدت حينئذٍ يعترف بجهله ويعرف قصور علمه وعقله، وما رأيت أحداً من أهل هذا الذوق ولا
سمعت بأنه ريء وهو قريب في غاية الظهور، ولكن الأغراض تمنع والأهواء من التعمّل في
تحصيله، وذلك أن حجة من لا يروم تحصيله من أهل الدين يقول: إن الشرع قد أمرنا أن
ننكر أشياء وأن نقول: الأولى ترك هذا من فعله مع علمي بأن الفعل لله، قلنا: صدقت ولكن
ما خرج مثل هذا الاعتراض من شخص فهم رتبتي وذلك أني قلت إنه جهل حكمة الله فيما
اعترض فيه، فمن اعترض باعتراض الشرع فهو ناقل اعتراض الله فيما اعترض ما هو
المعترض، وذلك الاعتراض إذا وجد من الله يعلم صاحب هذا الذوق حكمته ومنزلته،
وصاحب هذا الحال يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقيم الحدود وهو يشاهد حكمة ذلك
كله ويراها في الشؤون الإلهية المشهودة له ولا يشهدها إلاَّ عند تكوينها خاصة، هذا هو مقام
صاحب هذا الحال، فإن من أهل الله أيضاً من يشاهد هذه الشؤون قبل أن يكون الحق فيها،
وهو الذي يشاهد أعيان الممكنات في حال عدمها كما يشهدها الحق، ولهذا يعين الحق منها
ما يعين بالتكوين دون غيرها من الممكنات، فإن الحق لا يوجدها إلاَّ بما هي عليه في حال
عدمها من غير زيادة ولا نقصان، ومن أهل الله من يشهد الأمر قبل ظهوره في الحسّ وهو
التكوين الآخر يشهده في الإمام المبين وهو اللوح المحفوظ الحاوي على المحو والإثبات
فكل شيء فيه، فلذلك الشيء تكوين أول في التسطير، وهذا الكشف دون كشف الذي يريه
الله أعيان الممكنات على ما تكون عليه في حال الوجود فيحكم بها حكم الله فيها، ولإدراك
١٢٣
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والستون وأربعمائة
هذه الشؤون قبل ظهورها في الحسّ مدارك كثيرة أعلاها ما ذكرناه أي أقصاها وبعده مشاهدة
الحق في تكوينها، فإن ذلك أعلى من مشاهدة المشاهد إياها في الإمام المبين وفي غيره،
ودون هذا الشهود كل شهود يكون للعبد قبل تكوين الشأن، هذا حال من قال: ما رأيت شيئاً
إلاَّ رأيت الله معه، وهو أعلى حالاً من الذي يقول: ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الله قبله، فإن
الأولى كلمة تحقيق وإن كانت الأخرى مثلها في التحقيق لكن بينهما فرقان، فالواحد قوله مثل
من يقول: رأيت زيداً يصنع كذا، ويقول الآخر: رأيت الصانع يصنع كذا، فهذا الفرق بين
الشخصين فيما يشهدانه، فإن الأسماء الأعلام ما وضعت إلاّ للتخاطب بها في حال غيبة
المسمّى بها وفي الحضور ما هي مطلوبة وإن جيء بها فإما لأدب يقتضيه الحال، وإما تأكيد
في الإخبار فقد أبنت لك من حال هذا القطب ما سمعت وله أحوال كثيرة أعرفها أفعله في كل
قطب ما أذكر جميع أحواله لأن ذلك يتسع الخرق فيه حيث أنه لا يفي به الوقت.
وأما القطب السابع الذي على قدم أيوب عليه السلام وسورته البقرة وهي البيضاء
الحاوية على سيدة آي القرآن، ومنازله بعدد حروفها لا آيها، حال هذا القطب العظمة بحيث
أنه يرى أن العالم لا يسعه لأن ذوقه كونه وسع الحق قلبه، وقد ورد في الخبر أن الحق
يقول: ((مَا وَسِعَنِي أَرْضِي وَلاَ سَمَائِي وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي))، وما كل قلب يسع الحق، وقال:
﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فبين مكان القلوب، فإذا كان مشهود العبد
كون الحق في قلبه فكما لا يسع العالم الحق لا يسع العالم أيضاً هذا العبد، فهذا سبب شهود
ضيق العالم عنه، وما رأيت من تحقق بهذا المقام وشهوده إلاَّ رجلاً بالموصل من أهل حديثة
الموصل كان بهذه المثابة وأطلعه الحق على أمر ولم يطلعه على سره فيه، وكان يطلب على
من يوضح له حاله فذكرني له الإمام نجم الدين محمد بن أبي بكر بن شاي الموصلي
المدرس بمدرسة سيف الدين بن علم الدين بحلب في هذا الزمان الذي نحن فيه وهو سنة
ثمان وعشرين وستمائة فطلب الاجتماع بنا، فلما وصل ذكر نازلته فأوضحتها له فسري عنه
واستبشر وخرج لي بحاله لما رآني فهمته فوجدته قد أخذ من مقام العظمة بحظ وافر لكنه دون
ذوق هذا القطب فيه لأنه أخبرني أن النخامة كانت تدور في فيه لا يقدر أن يلقيها من فيه لأنه
لا يجد لها محلاً تقع فيه خالياً من الحق، وقد علم ما جاء في الأدب في إلقائها في الشرع
فكان يتحير، ورأيت آخر مثله بإشبيلية من بلاد الأندلس، وروينا عن الحلاج أنه ذاق من هذا
المقام حتى ظهر عليه منه حال المقام فكان له بيت يسمّى بيت العظمة إذا دخل فيه ملأه كله
بذاته في عين الناظر حتى نسب إلى علم السيميا في ذلك لجهلهم بما هم عليه أهل الله من
الأحوال، والمتمكن في هذا المقام لا يظهر عليه بالحال ما يدل على أنه صاحب هذا الذوق
ولكن نعوته تجري بحكم هذا المقام لا حاله، فإن الحال يعطي خرق العوائد كما قال صاحب
محاسن المجالس فيها لما ذكر الأحوال أنها للمريدين قال: والأحوال للكرامات يريد خرق
العوائد، وليست الكرامات في عرف هذا اللسان الأخرق العوائد مع الاستقامة في الحال أو
تنتج الاستقامة في الفور لا بدّ من ذلك عندهم، وسبب هذا التحديد أن خرق العادة قد لا
١٢٤
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والستون وأربعمائة
يكون كرامة من الله للعبد، فأكملهم في مقام العظمة من يجهل حاله ولا يعرف فيعرف ما
يعامل به ويحار الناظر فيه إلاَّ أنه على بينة من ربه وبصيرة من أمره، فمن أراد أن يعرف أحوال
هذا الإمام فليتدبر آيات سورة البقرة آية بعد آية حتى يختمها، فهذا القطب مجموع آيها وبالله
التوفيق .
وأما القطب الثامن الذي على قدم إلياس عليه السلام وسورته آل عمران وهي البيضاء
أيضاً، ومنازله بعدد آيها، ولست أعني بقولي القطب الأول والثاني أن هذا الترتيب بالزمان
إنما أريد به ترتيب العدد إلى أن يكمل اثنا عشر قطباً فقد يكون الثاني عشر أو غيره هو الأول
بالزمان، وإنما أعلمت بذلك لئلا يتوهم من قد أوقفه الله وأطلعه على العلم بأزمان هؤلاء
الأقطاب فيرى هذا الترتيب الذي سقناه فيهم أنه ترتيب أزمانهم فلذلك بينت أنه ترتيب العدد
لا غير، وحال هذا القطب العلم بالمتشابه من كلام الله الذي لا يعلم تأويله إلاَّ الله، فيعلمه
هذا القطب بإعلام الله خاصة ولا يعلم أبداً إلاَّ بإعلام الله فيكون عنده محكماً في تشابهه
فيعرف من أيّ وجه كان التشابه فيه فيحصل له علم المناسبة التي جمعت بين الله وبين من وقع
معه التشابه في الآية كآيات التشبيه كلها، أو ترقع التشبيه من طريق دلالة اللفظ المشترك الذي
لا يكون إلاَّ لمناسبة خفية، فإن المناسبة في التشبيه جلية وفي الاشتراك خفية كالنور للعلم
جلي، فتسمّى العلم نوراً والنور نوراً كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢] يعني الوحي وهو
العلم ﴿نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وفي الاشتراك كالعين، فالمناسبة في
العينية في كل مسمّى بالعين خفية فهي عند هذا القطب جلية بإعلام الله. وأما أصحاب التأويل
بالنظر في ذلك فما هم على علم وإن صادفوا العلم، ومن هذا العلم تعلم أن النساء شقائق
الرجال، ألا ترى حوّاء خلقت من آدم؟ فلها حكمان: حكم الذكورة بالأصل وحكم الأنوثة
بالعارض فهي من المتشابه، فإن الإنسانية مجمع الذكر والأنثى، وأين حقيقة الفاعل من
المنفعل لمن هو فيه فاعل ولا يفعل إلاَّ في مشاكله، وذلك أنه أول ما أحدث الانفعال في
نفسه فظهر فيه صورة ما ينفعل عنه، وبتلك القوّة انفعل عنه ما انفعل وظهر كالبديع والمخترع
والحق قد قدمنا تحقيق العلم بالعالم أن العلم يتبع المعلوم والعلم صفة العالم والمعطي العلم
ما هو المعلوم عليه، ثم يعطي العالم إيجاد المعلوم كما يعطي المخترع إيجاد الأمر المخترع
وإظهاره في الوجود، فمن هنا يعرف لما حبّب الله النساء لمحمد وَّر، فمن أحب النساء حب
النبيّ ◌َّ لهنّ فقد أحب الله، والجامع الانفعال لما كان من إعطاء المعلوم العلم ليقال فيه إنه
عالم فهو أول منفعل لمعلوم، وظهر في عيسى انفعاله عن مريم في مقابلة حواء من آدم: ﴿إِنَّ
فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ [َ: ٣٧] فيفهم قول الله عزّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُمْ
مِن ذَكَرٍ﴾ مثل حوّاء ﴿وَأَنَتَى﴾ [الحجرات: ١٣] مثل عيسى، وبالمجموع مثل بني آدم باقي الذرية،
فهي الجامعة لخلق الناس، ولقد كنت من أكره خلق الله تعالى في النساء وفي الجماع في أول
دخولي إلى هذا الطريق وبقيت على ذلك نحواً من ثمان عشرة سنة إلى أن شهدت هذا المقام
وكان قد تقدم عندي خوف المقت لذلك لما وقفت على الخبر النبوي أن الله حبّب النساء
١٢٥
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والستون وأربعمائة
لنبيه وَ ل﴾ فما أحبهن طبعاً ولكنه أحبهن بتحبيب الله إليه، فلما صدقت مع الله في التوجه إليه
تعالى في ذلك من خوفي مقت الله حيث أكره ما حببه الله لنبيه أزال عني ذلك بحمد الله
وحببهن إليّ، فأنا أعظم الخلق شفقة عليهن وأرعى لحقهن، لأني في ذلك على بصيرة وهو
عن تحبّب لا عن حب طبيعي، وما يعلم قدر النساء إلاَّ من علم وفهم عن الله ما قاله في حق
زوجتي رسول الله وَي* عندما تعاونا عليه وخرجا عليه كما ذكر الله في سورة التحريم وجعل
في مقابلة هاتين المرأتين في التعاون عليه، من يعاون رسول الله وَل عليهما وينصره وهو الله
وجبريل وصالحو المؤمنين ثم الملائكة بعد ذلك، وليس ذلك إلاَّ لاختلاف السبب الذي
لأجله يقع التعاون، فثم أمر لا يمكن إزالته إلاَّ بالله لا بمخلوق، ولذلك أمرنا أن نستعين بالله
في أشياء وبالصبر في أشياء وبالصلاة في أشياء فاعلم ذلك، وكان ثم أمر وإن كان بيد الله،
فإنّ الله قد أعطى جبريل اقتداراً على دفع ذلك الأمر، فأعان محمداً بَّ في دفعه أن تعاونا
عليه وأن رجعا عنه وأعطيا الحق من نفوسهما سكت عنهما كما سكتنا، فكان لهما الأمر من
قبل ومن بعد، وهو نعت إلهيّ فإنه لحركتهما تحرك من تحرك ولسكونهما سكن الذي أراد
التحرك، وكذلك صالحو المؤمنين كان عندهما أمر نسبته في الإزالة بصالحي المؤمنين أقرب
من نسبته إلى غيرهم، فيكون صالح المؤمنين معيناً لمحمد وَلّ ثم الملائكة بعد ذلك إذا لم
يبق إلاَّ ما يناسب عموم الملائكة التي خلقت مسخرة يدفع بها ما لا يندفع في الترتيب الإلهيّ
إلاَّ بالملائكة مع انفراد الحق بالأمر كله في ذلك والقيام به ولكن الجواز العقلي فأخبر الحق
بالواقع لو وقع كيف كان يقع فما يقع إلاَّ كما قاله، وما قال إلاَّ ما علم أنه يقع بهذه الصورة،
وما علم إلاّ ما أعطاه المعلوم من نفسه أنه عليه بما شهده أزلاً في عينه الثابتة في حال عدمه،
فانظر يا وليّ كيف تبدي الأمور حقائقها الذي فهم وقلب، جعلنا الله وإياكم من أهل الفهم عن
الله ممّن له قلب يعقل به عن الله وألقى السمع لخطاب الله وهو شهيد لما يحدثه الله في كونه
من الشأن .
وأما القطب التاسع الذي على قدم لوط عليه السلام فسورته سورة الكهف ولها العصمة
والاعتصام، ومنازله بعدد آيها حاله العصمة من كل ما يؤدي إلى سوء الأدب الذي يبعد
صاحبه عن البساط فهو محفوظ عليه وقته أبداً، وعلمه علم الاعتصام، وقد عيّنه الله وحصره
في أمرين الاعتصام به فقال عز من قائل: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِالَّهِ﴾ [الحج: ٧٨] والاعتصام الآخر
بحبله وهو قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] فمن الناس من اعتصم
بالله، ومنهم من اعتصم بحبل الله، وقال: إن الاعتصام بحبل الله هو عين الاعتصام بالله،
وهذا القطب جمع بين هذين الاعتصامين، والفرق بين الاعتصامين أن حبل الله هو الطريق
الذي يعرج بك إليه مثل قوله: ﴿إِلَيّهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّْلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]
وليس حبله سوى ما شرعه وتفاضل فهم الناس فيه فمنهم ومنهم ولذلك فضل الله بعضهم على
بعض، فمن لم يخط طريقه فهو المعصوم والتمسك به هو الاعتصام، وعليه حال المؤمنين
الذين بلغوا الكمال في الإيمان، ومثل هؤلاء يعتصمون بالله في اعتصامهم بحبل الله وهو
١٢٦
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والستون وأربعمائة
قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقوله: ﴿أُسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وأما الاعتصام
بالله فهو قوله {وََّ قوله في الاستعاذة: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) فإنه لا يقاومه شيء من خلقه فلا
يستعاذ به إلاَّ منه، فإن الإنسان لما حصل في سمعه أنه مخلوق على صورة الحق ولم يفرق
بين الإنسان الكامل وبين الإنسان الحيوان وتخيّل أن الإنسان لكونه إنساناً هو على الصورة وما
هو كما وقع له ولكنه بما هو إنسان هو قابل للصورة إذا أعطيها لم يمتنع من قبولها فإذا أعطيها
عند ذلك يكون على الصورة ويعد في جملة الخلفاء فلا يتصرف من هو على الصورة إلاَّ
تصرف الحق بها، وتصرف الحق عين ما هو العالم عليه وفيه، وأنت تعلم بكل وجه ما العالم
فيه من مكلف وغير مكلف، وممّا ينكر ويعرف ولا يعرف ما ينكر وما يعرف من العالم
المكلف إلاّ الخليفة وهو صاحب الصورة، فالحق له حكم الإنكار لا للعبد، فالمعتصم بالله
إذا كان صاحب الصورة لا يعتصم إلاّ منه بأن يظهر به في موطن ينكره عليه، وإن كانت صفته
فليس له أن يتلبس بها في كل موطن ولا يظهر به في كل مشهد بل له الستر فيها والتحلي بها
بحسب ما يحكم به الوقت، وهذا هو المعبر عنه بالأدب، ولو كان مشهده أنه لا يرى إلاَّ الله
بالله وأنّ العالم عين وجود الحق، وأعظم من هذا الصارف عن الإنكار فلا يكون ولكن لا بدّ
من الإنكار إن صحّ له هذا المقام فهو ينكر بحق على حق لحق ولا يبالي وحجته قائمة .
وأما القطب العاشر الذي على قلب هود عليه السلام فسورته سورة الأنعام ولها الكمال
والتمام في الطوالات، ومنازله بعدد آيها، ولهذا القطب علوم جمة منها علم الاستحقاق الذي
يستحقه كل مخلوق في خلقه، وعلم ما يستحقه ذلك الخلق من المراتب، فأما استحقاق
الخلق فقوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾ [طه: ٥٠] وأما المراتب فالتنبيه عليها من قوله تعالى:
﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ [الأنعام: ١٩] و﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]
وهو أن تزيده على مرتبته أو تنقصه منها، وما يتميز العالم العاقل من غيره إلاَّ بإعطاء كل ذي
حق حقه وإعطاء كل شيء خلقه، ومتى لم يعلم ذلك فهو جاهل بالحق، ومتى علم ولم يعمل
بعلمه فهو غير عاقل، فلا بدّ لصاحب هذا المقام أن يكون تام العقل كامل العلم، وهذا هو
الحفظ الإلهيّ والعناية العظمى والسلوك على هذه الطريقة المثلى التي هي الطريقة الزلفى هو
السلوك الأقوم. ولما أتمّ الله خلق العالم روحاً وصورة وأنزل كل خلق في رتبته جعل بين
العالم التحاماً روحانياً وجسمانياً لظهور أشخاص كل نوع من العالم، إذ كان دخول أشخاص
كل نوع في الوجود مستحيلاً، وإنما فعل ذلك ليظهر فضل الفاعل على المنفعل بالذوق
فيعلمون فضل الحق على عباده ويعرفون كيف يتحققون معه في عبودتهم ونسب إليهم الخلق
فقال: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ [المائدة: ١١٠] وقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]
فذكر أن ثم خالقين الله أحسنهم خلقاً فإنه تعالى يخلق ما يخلق عن شهود، والخالق من العباد
لا يخلق إلاَّ عن تصوّر يتصوّر من أعيان موجودة يريد أن يخلق مثلها أو يبدع مثلها، وخلق
الحق ليس كذلك فإنه يبدع أو يخلق المخلوق على ما هو ذلك المخلوق عليه في نفسه وعينه
فما يكسوه إلاَّ حلة الوجود بتعلق يسمّى الإيجاد، فمن أوقفه الله كشفاً على أعيان ما شاء من
١٢٧
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والستون وأربعمائة
الممكنات فليس في قوّته إيجادها أي ليس بيده خلعة الوجود التي تلبسها تلك العين الثابتة
الممكنة أعني بالمباشرة ولكن له الهمة وهي إرادة وجودها لا إرادة إيجادها منه لأنه يعلم أن
ذلك محال في حقه، فإذا علق همته بوجودها يتعلق الحق القول بالتكوين فتعلم قول ربها من
قول الخلق، سواء كان القول على لسان الخلق أو كان من الحق بارتفاع الوسائط، فيتكوّن
ذلك الشيء ولا بدّ، فيقال في الشاهد فعل فلان بهمته كذا وكذا، وإن تكلم يقال: قال فلان
كذا وكذا فانفعل عن قوله كذا، فمن عرف ذلك عرف ما للعبد في ذلك التكوين وما للحق فيه
فلذلك قال: إنه ﴿أَحْسَنُ الْخَلِفِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فإذا ظهر عين ذلك المكوّن أيّ شيء كان
تشوّفت إليه مرتبته لأن مزاجه يطلبها وأعني المرتبة الأولى، فيكتسب الاستعداد لأمور علية أو
دنية بحسب ما يعطيه ذلك الاستعداد المكتسب فيظهر في العالم بصورة ذلك، فإذا نظر فيه
الأجنبيّ وأعني بالأجنبيّ الذي لا علم له بالحقائق ونظر إلى استعداده فأعطاه نظره أنه نازل عن
رتبته أو رتبته فوق ذلك أعني الرتبة التي ظهر فيها والأمر في نفسه ليس كما ظهر لصاحب هذا
النظر، فإن الاستعداد المؤثر إنما هو في الخلق وهو استعداد ذاتي، وأما الاستعداد العرضي
فلا حكم له، بل الاستعداد العرضي رتبة أظهرها الاستعداد الذاتيّ وغاب هذا القدر من العلم
عن أكثر الخلق، مثال ذلك: أن يروا شخصاً ساكناً قد تصوّر العلوم وأحكمها وأعطي من
المراتب أخسّها ممّن لا ينبغي لمن جمع هذه الفضائل والعلوم أن يكون غايته تلك الرتبة فيقال
إنه قد حطّ هذا الرجل عن رتبته وما أنصف في حقّه وما عندهم خبر بأن رتبته إنما هي عين
تلك الفضائل التي جمعها وتلك العلوم التي أحكمها، ومن جملتها هذه المرتبة الخسيسة التي
ولاّه السلطان عليها إن كان من الولاة وإن لم يكن من الولاة ولا نال شيئاً مع هذا الفضل من
المناصب قيل فيه إنه محروم وما هو محروم، وإنما الموطن اقتضى ذلك وهو أن الدنيا
اقتضت أن يعامل فيها الجليل بالجلال في وقت، وفي وقت يعامل الجليل بالصغار، وفي
وقت يعامل الصغير بالصغار، وفي وقت يعامل الصغير بالجلال، بخلاف موطن الآخرة فإن
العظيم بها يعامل بالعظمة والحقير بها يعامل بالحقارة، ولو نظر الناظر لرأى في الدنيا من
يقول في الله ما لا يليق به تعالى، ومن يقول فيه ما يليق به من التنزيه والثناء وأعظم من الحق
فلا يكون هذا العبد، فمن علم المواطن علم الأمور كيف تجري في العالم وإلى الله يرجع
الأمر كله ما صحّ منه وما اعتلّ، فلا تنظر إلى المناصب، وانظر إلى الناصب الذي يعمل
بحكم المواطن لا بما يقتضيه النظر العقلي، فإن الناظر إذا كان عاقلاً علم بعقله أن موطن
الدنيا كذا يعطى ويترك عنه الجواز العقليّ الذي يمكن في كل فرد فرد من أفراد العالم، فإن
هذا الجواز في عين الشهود ليس بعلم ولا صحيح، وليكن العاقل مع الواقع في الحال، فإن
ذلك صورة الأمر على ما هو عليه في نفسه لا تعلق لعاقل بالمستقبل إلاَّ إن أطلعه الله كشفاً
على أعيان الممكنات قبل وقوعها في الوجود، فلا فرق بينه وبين من شهدها في وقوعها، لأن
هذا المكاشف يزول عنه حكم الجواز العقليّ فيما كوشف به وأطلعه الله عليه فهذا بعض علم
هذا القطب .
١٢٨
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والستون وأربعمائة
وأما القطب الحادي عشر الذي على قدم صالح عليه السلام فسورته من القرآن سورة
﴿طه﴾ ولها الشرف التام، ومنازله بعدد آيها. اعلم أن هذا القطب دون سائر الأقطاب أشرف
بهذه السورة من سائر الأقطاب لأن هذه السورة أشرف سورة في القرآن في العالم السعيد،
فإنها السورة التي يقرؤها الحق تعالى في الجنة على عباده بلا واسطة، وهذا القطب له علوم
جمّة له البطش والقوّة كما قال أبو يزيد البسطاميّ وقد سمع قارئاً يقرأ: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾
[البروج: ١٢] فقال: بطشي أشد، وكان حاله حال من ينطق بالله، فقول الله عن نفسه إن بطشه
شديد على لسان عبده أشد من بطشه بغير لسان عبده، ثم بطشه على لسان عبده الطبيعي أشد
من بطشه على لسان عبده الإلهيّ بما لا يتقارب، وأكثر علم هذا الإمام في التنزيه والإحاطة
وليس التنزيه والإحاطة التي يعلم هو المفهوم المتعارف بل هو تنزيه التنزيه المتعارف وجعله
في ذلك علم الإحاطة، وذلك أن تنزيهه عدم المشاركة في الوجود فهو الوجود ليس غيره
والمعبر عنه عنده بالعالم إنما هو الاسم الظاهر وهو وجهه فما بطن منه عن ظاهره فهو الاسم
الباطن وهو هويته فيظهر له ويغيب عنه، وأما الآلام واللذات فتقابل الأسماء وتوافقها وبها
تكثرت الصور فإنها التي تشكلت فأدرك بعضها بعضاً فكان محيطاً بها منزّهاً عنها فله الستر
عنها والتجلي فيها فتختلف عليه الصور فينكر حاله مع علمه أنه هو، وهو ما تسمعه من قول
الإنسان عن نفسه إني في هذا الزمان أنكر نفسي فإنها تغيرت عليّ وما كنت أعرف نفسي هكذا
وهو هو ليس غيره، فمن حيث تشكل الأسماء له الإمكان، ومن حيث العين القابلة لاختلاف
الصور الأسمائية عليها له الوجوب، فهو الواجب الممكن والمكان والمتمكن المنعوت
بالحدوث والقدم كما نعت كلامه العزيز بالحدوث مع اتصافه بالقدم فقال: ﴿مَا يَأْنِهِم﴾
الضمير يعود على صور الأسماء إلاَّ الرب ﴿مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فنعته
بالحدوث فهو حادث عند صورة الرحمن ﴿وَمَا يَأْنِهِم﴾ الضمير مثل الأوّل إلَّ الرحمن ﴿مِّن ذِكْرٍ
مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] فنعته بالحدوث فهو حادث عند صورة الرب، فإن تقدّم إتيان ذكر
الرب كان ذكر الرحمن جوابه، وإن تقدّم ذكر الرحمن كان ذكر الرب جوابه، فالمتقدم أبداً من
الذكرين قرآن والثاني فرقان ﴿لَيَّسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] للمتقدم منهما وهو القرآن
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] للآخر منهما وهو الفرقان ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَاَلَخِرُ﴾ كما هو
﴿الظَّاهِرُ وَالْبَالِنٌ﴾ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] وليس إلاَّ قبول صور الأسماء وكل للإحاطة
فانحصر الأمر فيه، فما قال ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] إلاَّ له، ولا كنى بيكون إلاَّ عنه، ألا تراه تسمّى
بالدهر وأنه يقلب الليل والنهار، وليس الدهر غير الليل والنهار، وليس التقليب سوى اختلاف
الصور، فالأيام والساعات والشهور والأعوام هي عين الدهر، وفي الدهر وقع التفصيل بما
ذكرناه، فمن وجه هو ساعة ومن وجه هو يوم وليل ونهار وجمعة وشهر وسنة وفصول ودور
[مجزوء الرجز]:
وكل شَرّ ليس له
فكُلُّ خَيْرِ هُوَلَهُ
وفَقْدُهُ ما هولَةْ
فَهْوَ الوُجُودُ كُلُّهُ
١٢٩
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والستون وأربعمائة
يَجْهَلُهُ مَنْ جَهِلَةْ
يَعْلَمُهُ مِن عَلِمَةْ
في كُلّ أحوالي ولَهْ
فـإنّما أنا بِهِ
وأنْتَ لَهُ مَا أنْتَ لَهْ
فأنْتَ هُوْ ما أنْتَ هُوْ
ولو صَنَعْتَ صُنْعَهُ
ولو عَمِلْتَ عَمَلَهْ
فهذا من بعض أنفاس علم هذا القطب، وهكذا مجراه في علومه كلها على كثرتها
و تفاصيلها .
وأما القطب الثاني عشر الذي على قدم شعيب عليه السلام فسورته من القرآن سورة:
﴿تَبَرَكَ اَلَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] وهي التي تجادل عن قارئها، ومنازله بعدد آيها، انظر في
جدالها في قوله: ﴿مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَُّتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ كَِّ﴾ ينبه على النظر في
المقدمتين ﴿هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] يعني خللاً يكون منه الدخل فيما يقيمه من الدليل
﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ﴾ وهو النظر ﴿خَاسِئًا﴾ بعيداً عن النفوذ فيه بدخل أو شبهه ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾
[الملك: ٤] أي قد عيي أي أدركه العيا وكل آية في هذه السورة فإنها تجري على هذا النسق إلى
أن ختم بقوله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِعَلٍ مَعِينٍ ﴾ [الملك: ٣٠] ألا ترى الوجود
كله من غير تعليم؟ هل تراه في حال اضطراره يلجأ إلى غير الله ما يلجأ إلاَّ إلى الله بالذات؟
فلو كان غيراً ما عرفه حتى يلجأ وهو قول العامة فيمن رزىء مالك لما ترجع في رزيتك إلاَّ
إلى الصبر، والصبر ليس إلاَّ صفة الصابر، فتسمى أيضاً بالصبور، يقول: أنا هو ما ثم غيري،
وهذا عين ما ادعاه في علمه القطب الذي على قدم صالح صلَّى الله على نبينا محمد وعليه
وسلّم [مخلع البسيط]:
لكنّه شاهدٌ وَغَيْبْ
فيا شُعَيْبُ ما ثَمَّ عَيْبُ
خطاب فيها ما فيه رَيْبْ
فانْظُز إلى حكمة وفَضْل الـ
ولهذا القطب علم البراهين وموازين العلوم ومعرفة الحدود كله روح مجرّد لطيفة حاكم
على الطبيعة مؤيد للشريعة، بين أقرانه ضخم الدسيعة، يطعم ولا يطعم وينعم ولا يتنعم،
الغالب عليه التفكّر ليتذكر والدخول في الأمور الواضحة التنكر، فهو المجهول الذي لا
يعرف، والنكرة التي لا تتعرّف، أكثر تصرّفه فيما يتصرّف فيه من الأسماء الإلهية الاسم المدبر
والمفصل والمنشىء والخالق والمصوّر والبارىء والمبدىء والمعيد والحكم والعدل، ولا
يرى الحق في شيءٍ من تجليه دون أن يرى الميزان بيده يخفض ويرفع، فما ثم إلاَّ خفضٍ
ورفع لأنه ما ثم إلاّ معنى وحرف وروح وصورة وسماء وأرضٍ ومؤثر ومؤثر فيه، فما ثم إلاّ
شفع وكل واحد من الشفع وتر فما ثم إلا وتر ﴿ وَالْفَجْرِ
وَالشَّفْعِ وَاُلْوَتْرِ﴾
وَلَيَالٍ عَشْرٍ
[الفجر: ١- ٣] فالشفع يطلب الشفع والوتر يطلب الوتر وهو طلب الثأر [السريع]:
ووَتْرُهُ فِي شَفْعِهِ مُنْدَرِجْ
فشَفْعُهُ فِي وَثْرِهِ ظاهرٌ
فكان ما كان بأَمْرٍ مَرَجْ
وجَادَتِ السُّخبُ بأمطارها
وأنْبَتَتْ من كل زَوْجِ بَهِجْ
فَحَدَّثَتْ أرْضُكَ أخبارَها
الفتوحات المكية ج ٧ - ٩٣
١٣٠
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الرابع والستون وأربعمائة
بِعَيْن غير الحَقّ فيها المُهَجْ
تَفْنَى إذا شاهَدَتْ أعيانَها
وشَكْلُهُ بِشَكْلِه مُزْدَوِجْ
يُبَاينُ الضّدُّ بها ضِدَّهُ
ونُزْهَةُ الأبصار فيما بَدَا
في العالم العُلْويِّ بين الفُرَجْ
عنه إذا حَقَّقْتَهُ ما خَرَجْ
فكلّ ما للعَيْنِ من ظاهر
جمع لهذا القطب بين القوتين: القوّة العلمية والقوّة العملية، فهو صنع لا يفوته صنعة
بالفطرة، وله في كل علم ذوق إلهيّ من العلوم المنطقية والرياضية والطبيعية والإلهية، وكل
أصناف هذه العلوم عنده علوم إلهية، ما أخذها إلاَّ عن الله وما رآها سوى الحق ولا رأى لها
دلالة على الحق، فكل علم أو مسألة من ذلك العلم له آية ودلالة على الله لا يعرف لها دلالة
على غيرها لاستغراقه في الله لأنه مجذوب مراد لم يكن له تعمل فيما هو فيه، بل وجد فيه أنه
هو ثم فتح عينيه فرأى كل شيء رؤية إحاطة بما رأى، فالزيادة التي يستفيدها إنما هي في
تفصيل ما رأى دائماً أبداً لأنه كل مرئي في الوجود فإنه يتنوّع دائماً فلا تزال الإفادة دائماً، وكل
استفادة زيادة علم لم يكن عنده في معلوم لم يزل عالماً به مشهوداً له.
فهذا قد ذكرنا من أحوال الاثني عشر قطباً ما يسّر الله ذكره على لساني والله يقول الحق
وهو يهدى السبيل. فواحد من هؤلاء الأقطاب له الواحد من العدد وهو صاحب التوحيد
الخالص، وآخر له الثاني من العدد، وهكذا كل واحد إلى العاشر والحادي عشر له المائة،
والثاني عشر له الألف، والمفرد له تركيب الأعداد من أحد عشر إلى ما لا نهاية له، وذلك
للأفراد وهم الذين يعرفون أحدية الكثرة وأحدية الواحد، جعلنا الله وإياكم ممّن فهم عن الله ما
سطره في العالم من العلم به سبحانه الدال عليه عزّ وجلّ، إنه الولي المحسان الجواد الكريم
المنان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع والستون وأربعمائة
في حال قطب هِجِّيرُهُ لا إله إلاَّ الله
[نظم: البسيط ]
ذاك الإمام الذي تُبْدِيهِ آياتٌ
مَنْ كان هِجْيرَهُ نَفْيّ وإثْبَاتُ
وما تُقَيِّدُهُ فينا علاماتُ
وَثْرٌ وليس له شَفْعٌ يُعَدِّدُهُ
وما له في شُهُودِ الذات لَذَّاتُ
وما له في وجود النَّعْتِ من صِفَةٍ
فنَعْتُهُمْ فيه أحياءٌ وأمواتُ
تأثّرَ الكلُّ فيه من تَأْثُّرِهِ
ولا يقوم بهم للموت آفاتُ
هم المُصانون لا تُخْصَى مناقبُهم
قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] اعلم أن الهجير هو الذي
يلازمه العبد من الذكر كان الذكر ما كان، ولكل ذكر نتيجة لا تكون لذكر آخر، وإذا عرض
الإنسان على نفسه الأذكار الإلهية فلا يقبل منها إلاَّ ما يعطيه استعداده، فأوّل فتح له في الذكر
قبوله له، ثم لا يزال يواظب عليه مع الأنفاس، فلا يخرج منه نفس في يقظة ولا نوم إلاَّ به
١٣١
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الرابع والستون وأربعمائة
لاستهتاره فيه، ومتى لم يكن حال الذاكر على هذا فليس هو بصاحب هجير، فمن كان ذكره
لا إله إلاَّ الله فمعقول ذكره الألوهة وهي مرتبة لا تكون إلاَّ لواحد هو مسمّى الله، وهذه المرتبة
هي التي تنفيها وهي التي تثبتها ولا تنتفي عمّن تنتفي عنه بنفي النافي، ولا ثبيت لمن تثبت
بثبت الثابت المثبت، فثبوتها لها ونفيها لها غير ذلك ما هو فلا تنتج للذاكر إلاَّ شهودها،
وليس شهودها سوى العلم بها، وليس معلوم هذا العلم إلا نسب، والنسبة أمر عدمي،
والحكم للنسبة والمنسوب والمنسوب إليه، وبالمجموع يكون الأثر، والحكم مهما أفردت
واحداً من هذه الثلاثة دون الباقي لم يكن أثر ولا صحّ حكم، فلهذا كان الإيجاد بالفردية لا
بالأحدية، خلافاً لمن يقول أنه ما صدر إلاَّ واحد فإنه عن واحد فهو قول صحيح لا أنه واقع.
ثم جاء الكشف النبويّ والإخبار الإلهيّ بقوله عن ذات تسمّى إلهاً ﴿إِذَا أَرَّدَ شَيْئًا﴾ فهذان
أمران قال له ﴿كُنْ﴾ فهذا أمر ثالث والثلاثة أوّل الأفراد فظهر التكوين عن الفرد لا عن الأحد،
وهذه كلها راجعة إلى عين واحدة، فإذا ظهر المكوّن بالتكوين عن كن لم يكن غير تجلي إلهيّ
في صورة ممكن لصورة ممكن ناظر بعين إلهيّ كما أنه ما سمع ﴿فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] إلاَّ
بسمع إلهي، ولهذا أسرع بالظهور لأنه المريد والمراد والقائل والمقول له والقول، فحاله في
التكوين أن ينطق بالله فينفخ فيه فيكون طائراً بإذن الله ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَ﴾ بأمره ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيَاً﴾
[البقرة: ٢٦٠] لأنه السامع الذي دعاهن، ولهذا الذكر من المعارف معرفة النفي والإيجاب
والتنكير والتعريف، وله من الحروف الألف المزادة والألف الطبيعية والهمزة المكسورة وألف
الوصل واللام والهاء، ومن الكلمات أربعة متقابلة في عين واحدة يقابل النفي منها الإثبات
والإثبات النفي والمنفي الثابت والثابت المنفي، فأما معرفة النفي فهو اطلاع على ما ليس هو
فيما قيل فيه إنه هو وإن كان الذي قيل إنه هو صحيح كشفاً لكنه محال عقلاً، ولهذا التزم بعض
أهل الله ذكر الله الله، ورأيت على هذا الذكر شيخنا أبا العباس العريبي من أهل العليا من غرب
الأندلس، والتزم آخرون الهاء من الله لدلالتها على الهوية وجعله ذكر خاصة الخاصة وهو أبو
حامد الغزاليّ وغيره. وأما الأكابر فيلتزمون لا إله إلاَّ الله على غير ما يعطيه النظر العقلي أي
الوجود هو الله والعدم منفي الذات والعين بالنفي الذاتي والثابت ثابت الذات والعين بالإثبات
الذاتي وتوجه النفي على النكرة وهو إله، وتوجه الإثبات على المعرفة وهو الله، وإنما توجه
النفي على النكرة وهو إله لأن تحتها كل شيء وما من شيء إلاَّ وله نصيب في الألوهة يدعيه
فلهذا توجه عليه النفي لأن الإله من لا يتعين له نصيب فله الأنصباء كلها، ولما عرف أن الإله
حاز الأنصباء كلها عرفوا أنه مسمّى الله وكل شيء له نصيب فهو اسم من أسماء مسمّى الله فالكل
أسماؤه، فكل اسم دليل على الهوية بل هو عينها ولهذا قال: ﴿قَلِ أَدّعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيََّ مَّا
تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وهذا حكم كل اسم تدعونه ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
[طه: ٨] فله أسماء العالم كله، فالعالم كله في المرتبة الحسنى، فالأمر تنكير في عين تعريف
ونكرة في عين معرفة وتعريف في عين تنكير ومعرفة في عين نكرة فما ثم إلاَّ منكور ومعروف.
وأما حروف هذا الهجير فالألف المزادة وهي كل ألف لها موجب يوجب الزيادة فيها،
١٣٢
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الرابع والستون وأربعمائة
والزيادة ظهور مثل على صورتها فتكون ألفان والألف أبداً ساكنة فالظاهر أحد الألفين أبداً: إما
عبد، وإما رب، وإما حق، وإما خلق. والموجب له في موطن رتبة التقدم وفي موطن رتبة
التأخر وهما موجبان الواحد ما يدل على الاتحاد وهو التضعيف، والآخر ما يدل على الباعث
للتكوين أو الإعدام وهو التحقيق المعبر عنه بالمهمزة، وقد يكون هذان الموجبان في مقام
النزول مثل: ﴿فَسْئَلِ الْعَآَدِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] و﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] و﴿إِى وَرَبِّ إِنَّهُ
لَحَقٌ﴾ [يونس: ٥٣] وقد يكون في مقام رفيع الدرجات و﴿سَيِّعِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]
مثل: ﴿يُحَادُّونَ اللَّهَ﴾ [المجادلة: ٥] وأولياء أولئك وأتوا الكتاب. وقد يكون الموجب في مقام
البرزخ وهو الوسط مثل: ﴿مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة: ٢٢] ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]
و﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ فِ صُدُورِهِم﴾ [الحشر: ١٣] فإن كان الموجب اسم فاعل رباً كان الموجب
أو خلقاً، وإن كان الموجب خلقاً كان الموجب بفتح الجيم حقاً فأثر ظاهر من خلق في حق
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] وأثر ظاهر من حق في خلق ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]
وذلك إما عن باعث وإما عن اتحاد، والإيجاد إبداله الاسم الآخر ليس له في الأوّل قدم،
والباعث يكون له الأوّل والآخر، فالباعث حق وخلق والإيجاد حق وخلق، إلاَّ أنه لا يكون
حقاً مفرداً إلاَّ بخلق كالمعرفة بالله من حيث كونه إلهاً لا يكون إلاَّ بخلق لا بدّ من ذلك فهي
حق في خلق والخلق متأخر حيث عقل أبداً.
وأما الألف الطبيعية في مثل قال وسار فهو الأمر الواحد الذي يجمع الطبيعة فيظهر
العالم ويفرّقها فيفنى العالم وهو الأصل المفرق المجمع، وكل ألف مزادة فإنما تظهر على
حكم التشبيه بها، والموجب لهذا الأمر المفرق المجمع إنما هو الفتح وهو الأصل، وقد
يكون الفتح بما يسرّ وهو الرحمة، وبما يسوء وهو فتح العذاب وهو على نوعين: فتح عذاب
فيه رحمة، وفتح عذاب لا يشوبه رحمة إلاَّ عندنا فإنه ما ثم عذاب لا يشوبه رحمة قط فإن
الرحمة وسعت كل شيء. وأما الميل الطبيعي وهو مثل الألف التي يسمّى واو علة وياء علة
فهو ميلها إلى جانب الحق مثل قولوا ومثل فيه. وأما الهمزة المكسورة في هذا الذكر فهو
باعث الحق إلى النزول إلى السماء الدنيا وإلى كل ما يكون لجانب الخلق هذا في باعث
الحق. وأما إذا كان باعث الخلق فهو أن نظره في نفسه يبعثه على التعمّل في تحصيل علمه
بربه، فلذلك كانت الهمزة مكسورة في النفي وفي كلمة الإثبات والمنفي مكسور أبداً. وأما
ألف الوصل فهو وصل علم بتمييز مع وجود تشبيه إن لم يكن هناك وجود تشبيه فهي ألف
قطع لا ألف وصل. وأما اللام فهي جبروتية لأنها من الوسط من ﴿رَفِيعُ اُلَّرَحَتِ﴾ [غافر: ١٥]
والهاء ملكوتية فإنها من الصدر من أوّل مجرى النفس وهي أصلية في هاتين الكلمتين في
المنفي والمثبت، وما ثمّ إلاَّ هويتان: هوية خلق وهي المنفية في دعواها ما ليس لها، وهوية
حق وهي الثابتة فإنها لم تزل فإن العبد من حيث عينه هالك. وإذا كان الحق هويته فليس هو
ففي كل وجه ما هو هو فتنتفي هوية الحق إذا لبست الخلق ولا تنفي هوية الخلق إذا لبست
الحق، فعلى كل حال ما ثم إلاّ حق ثابت غير منفي .
١٣٣
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الخامس والستون وأربعمائة
وأما الكلمات الأربع أداة نفي على منفي وأداة إثبات على ثابت، وبقي لمن يضاف
العمل هل للأداة أو للذي دخلت عليه؟ فإن كان الحكم لمن دخلت عليه فإنه الذي يطلبها فإنه
ما انتفى بها وإنما جاءت الأداة معرفة للسامع بأن الذي دخلت عليه منفي أو ثابت، وما عملت
الأداة فيمن دخلت عليه إلاَّ تعيين مرتبة العلو أو السفل أو ما بينهما، فبالأداة تظهر المراتب
وبمن دخلت عليه تتعين الأداة الخاصة من غيرها من الأدوات، كما ارتبط وجود الخلق
بالحق، وارتبط وجود العلم القديم بالمحدث، فهذا بعض ما ينتجه لا إله إلاَّ الله من العلم
الإلهي، وله ستة وثلاثون وجهاً يعطي كل وجه ما لا يعطيه الوجه الآخر، قد ذكرنا هذه
الوجوه في باب النفس بفتح الفاء.
واعلم أنه ما قسمنا الحروف تقسيم من يعقل على طريق التجوّز بل ذلك على الحقيقة،
فإنّ الحروف عندنا وعند أهل الكشف والإيمان حروف اللفظ، وحروف الرقم وحروف
التخيّل أمم من جملة الأمم لصورها أرواح مدبرة فهي حية ناطقة تسبح الله بحمده طائعة ربها،
فمنها ما يلحق بعالم الجبروت، ومنها ما يلحق بعالم الملكوت، ومنها ما يلحق بعالم الملك،
فما الحروف عندنا كما هي عند أهل الحجاب الذين أعماهم الله وجعل على بصرهم غشاوة
وهم ينظرون كما قال تعالى: ﴿وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] فإذا قال
العبد: لا إله إلاَّ الله كان خلاقاً لهذه الكلمات فتسبح خالقها ويحق لها ذلك والحق منزه
بالأصالة لا بتنزيه المنزه، وقد نسب تعالى الخلق لعبده ووصف نفسه بالأحسن فيه في قوله :
﴿أَحْسَنُ اْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فيعود تسبيح هذه الكلمة وكل كلمة على قائلها، فإذا كان
العبد من أهل الكشف لما ذكرناه هو الذي نقل عنه من الرجال أنه قال سبحاني ولا علم لمن
كفره بذلك [مخلع البسيط]:
ولا تَكُنْ دونهم فتَشْقَى
فكُنْ مَعَ القَوْم حيث كانوا
أراهُمُ الله الحَقّ حَقَّا
فإنّما القَوْمُ أهْلُ كَشْفٍ
رَقَوْا من العِلْم كُلَّ مَرْقَى
فهم عبادُ الإِلهِ صِدْقاً
وقد تقدم في الحروف في هذا الكتاب كلام مختصر شاف في الباب الثاني من هذا
الكتاب في صغارها وكبارها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخامس والستون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان منزله الله أكبر
[نظم: البسيط]
فإنَّ افْعَلَ تُعْطيها وتَطْلُبُها
الله أكْبَرُ لا أَبْغِي مُفَاضَلَةٌ
وأنه بوجود العَيْنِ يُذْهبُها
وقد تصحُ إذا جاءت عقائدُنا
فإنّ افْعَلَ تأتي وهي تَحْجُبُها
إلاَّ إذا كان بالآيات يطلُبُنا
وردت السنة بلفظ هذا الذكر ولا سيما في الصلاة والأذان لها والإقامة وعقيب الصلاة
١٣٤
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الخامس والستون وأربعمائة
المفروضة عند النوم وفي مواضع كثيرة، وجاء بلفظة ((أفعل))، وهذه لفظة ((أفعل)) يأتي في
الأغلب بطريق المفاضلة، وفي أماكن لا تقتضي المفاضلة بحسب ما يقتضيه دليل الوقت،
فيعقل منها عند ذلك ما يعقل، فإذا كانت هجيراً لأحد فإن كان المثابر عليها يذكر بها ربّه
بالمفاضلة كان الكشف له من عند الله بحسب ما نوى فلا يرى إلاَّ مفاضلة وهو كشف معين
سأذكره في هذا الباب، وإن كان الذاكر به ربه يستحيل عنده المفاضلة كان الكشف له من عند
الله بحسب ما نوى فلا يرى مفاضلة وهو كشف معين سأذكره في هذا الباب إن شاء الله، وإن
كان الذاكر به ربه من حيث هو ذكر مشروع لا تخطر له فيه المفاضلة ولا ترك المفاضلة نتج له
ما هو الأمر عليه من غير تقييد فيكون ما حصل لمن نوى المفاضلة، ومن لم ينوها تحت علم
هذا الذاكر الثالث وهذه الهجيرات هي قوله تعالى: ﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِّ﴾
[الأحزاب: ٣٥] فالهجير هو الكثرة من الذكر دائماً فإذا تقرّر هذا فلنقل:
فصل فيمن ذكر هذه اللفظة بطريق المفاضلة: اعلم أن المفاضلة في هذا الذكر وأمثاله
على قسمين: قسم يرجع الفاضل فيه والمفضول إلى الحق. وقسم يرجع الفاضل فيه إلى
الحق والمفضول إلى الخلق. فلنبدأ بما يرجع إلى الحق وهو على قسمين: قسم يرجع إلى
هذا الاسم من حيث لفظه، وقسم يرجع إلى غير لفظه من الأسماء، فالذي يرجع إلى لفظه
كالكبير في قوله تعالى: إنه ﴿ اَلْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] وكالمتكبر في قوله تعالى:
﴿ اَلْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] فيكون الكبير أفضل من المتكبر لأن الكبير لنفسه هو كبير
والمتكبر تعمّل في حصول الكبرياء، وما هو بالذات أفضل ممّا هو بالتعمّل، فإن التعمّل
اكتساب، وإنما كان التكبر من صفات الحق لما كان من نزوله في الصفات إلى ما يعتقده
أصحاب النظر وأكثر الخلق أنه صفة المخلوق، فلما علم ذلك منهم وهو سبحانه قد وصف
لهم نفسه بتلك الصفات حتى طمعوا فيه وضلّ بها قوم عن طريق الهدى كما اهتدى بها قوم
في طرق الحيرة قام لهم تعالى في صفة التكبّر عن ذلك النزول ليعلمهم أنه وإن اشترك معهم
في الاسمية فإن نسبتها إليه تعالى ليست كنسبتها إلى المخلوق فيكون مثل هذا تكبّراً ولا يحتاج
الكبير إلى هذا كله فتبين لك المفاضلة بين الكبير والمتكبر.
وأما المفاضلة التي لهذه الكلمة أعني قولك: الله أكبر فهي كلمة مفاضلة على كل اسم
من الأسماء الإلهية بما يعطيه فهم الخلق فيه أعني في كل اسم اسم، لأن فهم العالم لا بدّ أن
يكون يقصر عمّا هو الأمر عليه ولا يتمكن أن يقبل توصيل ذلك لو تمكن أن يوصله الحق
إليك، فنحن لا قوة لنا على التحصيل ولا قوة في نفس الأمر على التوصيل فلا بدّ من قصور
الفهم، فتدل لفظة الله أكبر من كل ما أعطاه فهم من نسبة الكبرياء إلى الله بأي اسم كان من
الأسماء الإلهية بهذا اللفظ وغيره، فإن الله يقال فيه إنه أعظم وأكرم وأجلّ وأعلى وأرحم
وأسرع وأحسن وأحكم وأمثال ذلك ممّا لا يحصى كثرة، ألا ترى إلى المشركين لما قالوا:
أعل هبل أعل هبل وهبل اسم صنم كان يعبد في الجاهلية وهو الحجر الذي يطأه الناس في
العتبة السفلى في باب بني شيبة هو مكبوب على وجهه فقال النبيّ وَّ لأصحابه لما سمع
١٣٥
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الخامس والستون وأربعمائة
المشركين يقولون ذلك قولوا: الله أعلى وأجل يعني بالمفاضلة عندهم في اعتقادهم فساقه في
معرض الحجة عليهم، لأن النبي ◌َّر ما دعاهم إلاّ إلى الإيمان بالله الذي هو عندهم وفي
اعتقادهم أعلى وأجل من هبل ومن سائر الآلهة بما قالوه عن نفوسهم فقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فاتخذوهم حجبة، فالله أعلى وأجل من هبل عندهم، فكان
ذلك تنبيهاً من رسول الله ولو للمشركين فإنه في نفس الأمر ليس هبل بإله حتى يكون الله أعلى
وأجل في الألوهة من هبل، ولو قالها رسول الله وَّل على طريق المفاضلة في نفس الأمر لكان
تقريراً منه وَل# الألوهة هبل، إلاَّ أن الله أعلى منه وأجل في الألوهة وهذا محال على النبيّ وَّل
وعلى كل عالم أن يعتقده لأنه الجهل المحض على كل وجه، فهذه أيضاً مفاضلة مقرّرة
شرعية في قولك: الله أكبر، فصاحب هذا الهجير بطريق المفاضلة يطالعه الحق بسريان هويته
في جميع الخلق مثل قوله في الصحيح: ((إنَّ اللهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ)»
وقوله: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ)) إلى غير ذلك، وقوله: ((فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ)) ولكن
نسبة القول إليه دون نسبة القول إليه بلسان عبده أعلى من نسبة القول إليه بلسان الخلق فهو
أكبر في ذاته من كبريائه في خلقه فاعلم ذلك، فنقول عند ذلك: الله أكبر مفاضلة إذ لم يخرج
عنه كأنه يقول: ذكرك نفسك أعظم وأكبر من ذكري إياك وإن ذكرتك بك فلا بدّ للنسبة من أثر
لأن غاية شرف ذكري إياك أن أذكرك بك فتكون أنت الذاكر نفسك بلساني ونسبة الذكر إليك
أكبر من نسبته إليّ ولو كنت بك.
فصل في الذكر لا على طريق المفاضلة: وينقسم أيضاً الذاكرون به هنا على هذا الوجه
إلى قسمين: طائفة تمنع المفاضلة في الذكر لأنه عين كل ذاكر من حيث ما هو ذاكر فلا ترى
ذاكراً إلاَّ الله، وهو من حيث هويته وعينه لا يقبل المفاضلة لأن الواحد لا يفضل نفسه فينتج له
هذا الذكر على هذا الحد كشف هذا ذوقاً فيتبين له أنه الحق عينه، وطائفة أخرى وهم القسم
الآخر لا يرون التفاضل إلاَّ مع وجود المناسبة، ولا مناسبة بين الله وبين خلقه، فذكر الله نفسه
ذكر، وذكر العبد ربه ذكر كل على حقيقة، لا يقال هذا الذكر أفضل ولا أكبر من هذا بل هو
الذكر الكبير من غير مفاضلة لله تعالى وهو في حق العبد المذكور كبير عند العبد لا أكبر، فإن
العبد عبد لذاته والرب رب لذاته، فلا يحجبنك ما تراه من تداخل الأوصاف فإن ذلك وإن
كان حقيقة فكل حقيقة على ما هي عليه ما لها أثر في الأخرى يخرجها عمّا تقتضيه ذاتها،
فالحقائق لا تتبدل ولو تبدلت لارتفع العلم من الله ومن الخلق، فإذا ذكر من هذه صفته أنتج له
ذلك كشفاً وذوقاً أن الأمر كما نواه وقال به .
فصل في الذكر به من حيث ما هو ذكر مشروع: اعلم أن الذاكر به على ما ذكرنا من
كونه ذكراً مشروعاً ينقسم إلى قسمين: طائفة تذكره على أنه مشروع للخلق ويقولون بأن الله
تعالى لما أوجد العالم ما خلقهم إلاَّ ليعبدوه ويسبحوه فما من شيء إلاَّ وهو يسبح بحمده
ولكن لا نفقه تسبيحه، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فخلق
العالم لعبادته، فهؤلاء إذا ذكروا الله ذكروه من حيث إن الله شرع لهم كيف يذكرونه ولا
١٣٦
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السادس والستون وأربعمائة
يعلمون ما تحت ذلك الذكر المشروع عند الله وإن علموه في اللسان فينتج لهم هذا الذكر لماذا
شرعه الحق في العالم بهذا القول الخاص دون غيره أيّ ذكر كان، والقسم الآخر يعتقد أن
العالم ما اكتسب من الحق إلاَّ الوجود وليس الوجود غير الحق فما أكسبهم سوى هويته فهو
الوجود بصور الممكنات وما يذكره إلاَّ موجود وما ثم إلاَّ هو، فما شرع الذكر إلاَّ لنفسه لا
لغيره فإن الغير ما هو ثم وهو عالم بما شرع فيفتح لصورة الممكن ما ذكرناه كشفاً هذا الذكر
وهو قولهم: لا يذكر الله إلاّ الله، ولا يرى الله إلاّ الله، فالمفيد والمستفيد عين واحدة، فهو
ذاكر من حيث إنه قابل، وهو مذكور من حيث إنه عين مقصودة بالذكر والعالم على أصله في
العدم والحكم له فيما ظهر من وجود الحق، فما ثم إلاَّ الحق مجملاً ومفصلاً لأن المحدث
إذا قرنته بالقديم لم يبق له أثر، وإن بقي له عين فإن العين بلا أثر ما هي معتبرة، ولهذا قلنا
فيمن دلّ على معرفة الواجب لنفسه لا يتمكن له أن يثبت له أثراً حتى يعلم أن هذه الآثار
الكائنة في العالم تحتاج إلى مستند لإمكانها، فعند ذلك يقوم لهم البرهان على استنادها
لواجب الوجود لنفسه وذلك كمال العلم فإن الكمال للمرتبة أي بالمرتبة، والتمام بما ترجعٍ
إليه في نفسها أعني التام، فينتج لهذا القسم هذا الذكر ما قرّرناه من أنه يستحيل أن يذكره إلاّ
هو، أو يسمع ذكره إلاَّ هو، أو يكون المذكور إلاَّ هو، ومن ذكرت به فهو المذكور لا أنت
﴿هَلْ أَنَى عَلَى الْإِنَنِ مِينٌ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴾ [الإنسان: ١] حتى ذكر بربه فكان مذكوراً
بربه لا به، وسيرد في باب الأسماء الإلهية ما يشفي في هذا النوع إن شاء الله تعالى من هذا
الكتاب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب السادس والستون وأربعمائة
في معرفة حال قطب كان هجيره ومنزله سبحان الله
[نظم: البسيط]
فَهْوَ المُنَزَّهُ عن مِثْلٍ وَتَشْبِيهِ
إنّ الوُجُودَ على التَّسْبِيحِ فِطْرَتُهُ
بأنه رُبَّ تشبيهٍ وتَنْزِيهِ
وثم في ثاني حال جاء يُعَلِّمُنا
يدري بذلك ذو فِكْرٍ وتَنْبِيهِ
له النَّقيضان فهو الكَوْنُ أجْمَعُهُ
قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وقد ورد الأمر
بالتسبيح في القرآن في مواضع كثيرة، ولكل موضع حكم ليس للآخر، وتنقسم الطوائف في
تسبيح الحق بحسب كل آية وردت في القرآن في التسبيح لولا التطويل أوردناها وتكلمنا على
الذاکر بها .
اعلم أن هذا الذكر ينتج للذاكر به ما قاله أبو العباس بن العريف الصنهاجي في محاسن
المجالس لما ذكر حال العابد والمريد والعارف قال: والحق وراء ذلك كله لا بدّ من ذلك،
وإن كان مع ذلك كله أو عين ذلك كله فهو مع ذلك كله بقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمَّ﴾
[الحديد: ٤] وهو عين ذلك كله بقوله تعالى: ﴿سَخِرِيهِمْ ءَايَئِنَا فِ الْآَفَاقِ وَفِىّ أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ
١٣٧
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السادس والستون وأربعمائة
لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقٌ﴾ [فصلت: ٥٣] أو لم يكف بربك وهو من وراء جميع ما ذكره محيط بقوله:
﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَآءِهِم ◌ُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] وبقوله: ﴿أَلَّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] فمن
أراد أن يسبح الحق في هجيره فليسبحه بمعنى قوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بَذِهِ﴾
[الإسراء: ٤٤] أي بالثناء الذي أثنى به على نفسه فإنه ما أضافه إلاّ الله، هكذا هو تسبيح كل ما
سوانا فإنا لا نفقه تسبيحهم إلاّ إذا أعلمنا الله به وهذا ضد ما تعطيه حقيقة التسبيح، بل هذا
تسبيح عن التسبيح مثل قولهم: التوبة من التوبة، فإن التسبيح تنزيه ولا ينزه إلاَّ عن كل نعت
محدث يتصف به المخلوق، وما نزل إلينا من الله نعت في كتاب ولا سنّة إلاَّ وهو شرب
المخلوق وجعل ذلك تعالى حمد نفسه وذكر عن كل شيء أنه يسبح بحمده أي بالثناء الذي
أنزله من عنده والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً، فمن سبحه عن هذه المحامد فما سبحه
بحمده بل أكذبه، وإنما سبحه بعقله ودليله في زعمه، والجمع بين الأمرين أن تسبحه بحمده
وهو التنزيه عن التنزيه وذلك عين الاشتراك في النسبة كعدم العدم الذي هو وجود وإن أرادوا
به المبالغة في التنزيه فذلك ليس بحمد الله بل حمد الله نفسه بما ذكرناه، فإذا سبحه بحمده
وهو الإقرار بما ورد من عنده ممّا أثنى به على نفسه أو ممّا أنزله عليك في قلبك وجاء به إليك
في وجودك ممّا لم ينقل إليك واجعل ذلك التسبيح كالصورة، واجعل قوله: والحق وراء ذلك
كله كالروح التي لا تشاهد عينها لتلك الصورة، ويكفيك من العلم بها مشاهدتك أثرها فإنك
تعلم أن وراء تلك الصورة أمراً آخر هو روحها، كذلك تعلم أن الحق وراء كل ثناء لك فيه
شرب، ومن المحال أن يكون عندك ثناء على الله معين في الدنيا والآخرة لا يكون لك فيه
شرب فإنه لا يصحّ لك أن تثني عليه بما لا تعقله، ومهما عقلت شيئاً أو علمته كان صفتك ولا
بدّ، فلا يصحّ في الكون على ما تعطيه الحقائق التسبيح الذي يتوهمه علماء الرسوم، إنما
يصحّ التسبيح عن التسبيح ما دام رب وعبد ولا يزال عبد ورب فلا يزال الأمر هكذا فسبح بعد
ذلك أو لا تسبّح، فأنت مسبح شئت أو أبيت وعلمت أم جهلت، ولولا ما هو الأمر على هذا
في نفسه ما صحّ أن يظهر في العالم عين شرك ولا مشرك، وقد ظهر في الوجود المشرك
والشرك فلا بدّ له من مستند إلهيّ عنه ظهر هذا الحكم، وليس إلاَّ ما ذكرنا من أن العبد له
شرب في كلٍ ما يسبّح به ربه من المحامد وأعلى المحامد بلا خلاف عقلاً وشرعاً ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ ثم تمّم الآية لنعرف المقصود ويصحّ أول الآية فقال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ
اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فلو لم يتمّم لكان أول الآية يؤذن بأنا لسنا بعيد وليس هو لنا بإله فلا بدّ
من رابط وليس إلاّ الاشتراك، إلاّ أنه عين الأصل في ذلك ونحن فيه كنسبة الفرع إلى الأصل
والولد إلى الوالد وإن كان على صورته فليس هو عينه فارتبط به فلا ينسب إلاَّ إليه لأن له عليه
ولادة، وغيره من الناس من أبناء جنسه ما له عليه ولادة، فلا يقال إنه ابنه ونسبتنا من وجه مثل
هذه النسبة لأن الوجود له وهو الذي استفاده منه المحدث، إلاَّ أن النسبة التي ورد بها السمع
نسبة العبد إلى السيد، والمخلوق إلى الخالق، والرب إلى المربوب، والمقدور إلى القادر،
والمصنوع إلى الصانع، فإن نسبة البنوة أبعد النسب لتقلبه في الأطوار بما ليس للأب فيه
١٣٨
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السادس والستون وأربعمائة
تعمّل، وإنما له إلقاء الماء في الرحم عن قصد بنوة وعن لا قصد فبعدت النسبة لذلك كانت
النطفة مخلقة وغير مخلقة، ولو كان الأمر فيها للأب لكانت تامة أبداً، ألا ترى إلى النسبة
القريبة في خلق عيسى الطير بيده ثم نفخ فأتم خلقه فقربت نسبة الخلق إليه، وكذلك صنائع
المخلوقين كلهم، فالبنوة من الأبوّة أبعد نسبة من جميع الأمور وهي أصحّ النسب، وما كفر
من قال: إن المسيح ابن الله إلاَّ لاقتصاره، وكذلك كفر من قال: ﴿غَحْنُ أَبْنَوُا الَّهِ وَأَحِبََّؤُمُ﴾
[المائدة: ١٨] لاقتصارهم لأنهم ذكروا نسبة تعمّ كل ما سوى الله إن كانت صحيحة، فإن لم
تكن في نفس الأمر صحيحة فهم والعالم فيها على السواء. ولما كان الأمر النسبي في تولد
العالم عن الله وأن وجوده فرع عن الوجود الآلي نبّه تعريضاً في تصريح لمن فهم الإشارة
وقسم العبارة وذلك بقوله: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [الزمر: ٤] فجوز ذلك وإنما نفى تعلق
الإرادة باتخاذ الولد والإرادة لا تتعلق إلاَّ بمعدوم والأمر وجود فلا تعلق للإرادة، فإن
المقصود حكم البنوة لا عين الشخص المسمّى ابناً، ثم تمّم فقال: ﴿لَّاَضْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا
يَشَآءُ﴾ [الزمر: ٤] فتدبّر هذه الآية إلى تمامها. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَنَّخِذَ لَوَّ
لَّأَتَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧] أي ما كنا فاعلين أن نتخذه من غيرنا لأنه ابن
مريم المدعو بالابن، ومن جعل إن شرطاً لا نفياً يكون معنى ﴿إِن كُنَّا فَعِلِينَ﴾ أن نتخذ لهواً
نتخذه من عندنا لا من عندكم فإنه ما عندكم ينفد وما عند الله باق، وما من شيء إلاَّ عندنا
خزائنه، فما عندنا هو عند الله ونحن من عند الله، وسيأتي هذا الهجير فإنه حال بعض
الأقطاب فاعترف الحق بما أنكر ولذلك يكون الإنكار اعترافاً بأن دعوى المدعي باطلة فيلزمه
اليمين ما لم تقم بينة .
وبعد أن حصل من البيان ما حصل فلا بدّ أن نبين ما بقي في المسألة بالإجمال وهو أن
التسبيح إذا سبح به المسبح أعني بلفظه الخاص به الدال عليه فلا بدّ أن يقيده باسم ما من
الأسماء الإلهية الظاهرة أو المضمرة والمضافة والمطلقة وهو أن يقول: سبحان الله أو سبحان
الرب أو العالم فهذا معنى الاسم الظاهر. وأما الاسم المضمر فمثل قوله: سبحانه وسبحانك.
وأما المضاف فقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠] وأما المطلق ﴿سُبْحَنَ اَللَّهِ وَتَعَلَى
عَمَا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] فأي اسم نسبحه من أسماء الله تعالى وبأي حال نربطه فإن
النتيجة التي تحصل لهذا الذاكر مناسبة لذلك الاسم ومرتبطة بتلك الحال، ولا يظهر له صورة
في الذاكر إلاَّ بهذه المناسبة الخاصة، فلا يتعين في هذا الذاكر لنا أمر نقتصر عليه إلاَّ ما ذكرناه
ممّا يعم حكمه فإن النتائج تختلف، فإن المحامد لا تقف عند حدّ والمسبح لا يسبحه إلاَّ
بحمده، وتتبعنا الكتاب والسنة في طلب الأسماء فوجدناها تدور على الله والرب المضاف
والاسم الناقص والاسم المضمر كالهاء، والملك والعلي، فالله قوله: ﴿فَسُبْحَنَ اُللَّهِ حِينَ
تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] والرب قوله: ﴿سُبْحَانَ رَيِّكَ﴾ [الصافات: ١٨٠] والاسم الناقص: ﴿سُبْحَانَ
الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ [الإسراء: ١] والمضمر قوله: ﴿سُبْحَكِنَّهُ وَتَعَلَى﴾ [الأنعام: ١٠٠] والملك
مثل الذي ورد في السنة: ((سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ)) والعلي كما ورد في السنة: ((سُبْحَانَ العَلِيِّ
١٣٩
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السادس والستون وأربعمائة
الأَعْلَى)) وقد ورد من غير تقييد في السنة مثل قوله: ((سُبُّوح)) وهذا ذكر المذكور ونتيجته أعظم
النتائج لأنه كناية عن عين المسبح بالتسبيح، فاسمه هنا عينه، وهذا أكمل تسبيح العارفين لأنه
غاب عن الاسم فيه بالمسمى [المنسرح]:
فاسْلُكْ مع القَوْم أيَّةً سَلَكُوا
إلاَّ إذا ما تَرَاهُمُ مَلَكُوا
بمَعْزِلٍ عنهم إذا سَلَكُوا
وهُلْكُهُمْ أنْ تُرَى شَرِيعَتُهُم
تَأَسِّيَاً بالإله إذا تَرَكُوا
فاتْرُكُهُمْ لا تَقُلْ بِقَوْلِهِمُ
فإن جماعة من العقلاء جعلوا الشريعة بمعزل فيما زعموا، والشريعة أبداً لا تكون
بمعزل فإنها تعمّ قول كل قائل، واعتقاد كل معتقد، ومدلول كل دليل، لأنها عن الله المتكلم
فيه قد نزلت، وإنما قلنا في هذه الطائفة المعينة إنها جعلت الشريعة بمعزل مع كونها قالت
ببعض ما جاءت به الشريعة، فما أخذت من الشريعة إلاَّ ما وافق نظرها، وما عدا ذلك رمت به
أو جعلته حطاباً للعامة التي لا تفقه هذا، إذا عرفت واعتقدت أن ذلك من عند الله لا من نفس
الرسول وهو قوله تعالى الذي قال عنهم على طريق الذمّ لهم: ﴿ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ
وَنَكْفُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًاٌ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠،
١٥١] وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍٍ﴾ [البقرة: ٨٥] فهذا معنى قولي
إنهم جعلوا الشرع بمعزل، وإن كان قد جاء الشرع بما هم عليه فما أخذوا منه ما أخذوا من
كون الشرع جاء به وإنما قالوا به للموافقة احتجاجاً وطائفتنا لا ترمي من الشريعة شيئاً بل تترك
نظرها وحكم عقلها بعد ثبوت الشرع لحكم ما يأتي به الشرع إليها ويقضي به فهم سادات
العالم [مجزوء الخفيف]:
ومع المَجْدِ يملكُونْ
إنَّما القَوْمُ سَادةٌ
معهم حيث يَسْلُكُونْ
أيَّةً يسلُكون كُنْ
للذي شاء أن يَكُون
إنّما القولُ منه كُنْ
ـحقّ مع فعلهم يَهُونْ
كُلُّ شيء يريده الـ
وهو سَهْلٌ فلا يَهُونْ
والذي لا يُريدُه
واعلم أن الله تعالى لما جعل بين الأشياء مناسبات ليربط العالم بعضه ببعض ولولا ذلك
لم يلتئم ولم يظهر له وجود أصلاً، وأصل ذلك المناسبة التي بيننا وبينه تعالى لولاها ما وجدنا
ولا قبلنا التخلّق بالأسماء الإلهية فما من حضرة له تعالى إلاَّ ولنا فيها قدم، ولنا إليها طريق
أمم، وسأورد ذلك إن شاء الله في باب الأسماء الإلهية من هذا الكتاب، وأعظم الحضرات
الإلهية في هذا الباب أنه لا يشبهه شيء وما ثم إلاَّ نحن ومن لم يشبهك فلم تشبهه، فكما
انتفت المثلية عنه انتفت المثلية عن العالم وهو كل ما سواه بالمجموع، فإن العالم إنسان واحد
كبير لا يماثل أي لا مثل له، ولهذا هو كل مبدع على غير مثال فلا يخلو أهل الله إما أن
يجعلوا الحق عين العالم فلا يماثله شيء لأنه ليس ثمّ إلاَّ الله والعالم صور تجليه ليس غيره
فهو له، وإن كان العالم وجوداً آخر فما ثمّ إلاَّ الله، ومسمّى العالم فلا مثل لله إلاَّ أن يكون إله
١٤٠
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السادس والستون وأربعمائة
ولا إله إلاَّ الله فلا مثل لله ولا مثل للعالم إلاَّ أن يكون عالم ولا عالم إلاَّ هذا العالم وهو
الممكنات فلا مثل للعالم، فصحّت المناسبة من وجهين: من نفي المثلية ومن قبوله للأسماء
والحضرات الإلهية، وكل ما في العالم من المماثلة بعضه ببعض فإنه لا يقدح في نفي
المماثلة، فإن تفاصيل العالم وأجزاءه المتماثلة والمختلفة والمتضادّة كالأسماء لله المختلفة
والمتماثلة والمتضادّة كالعليم والعالم والعلام هذه متماثلة. وهو أيضاً الضار النافع فهذه
المتضادّة ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] فهذه المختلفة ومع هذا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فهذه الآية له ولنا من أجل الكاف والاشتراك يؤذن بالتناسب، وإذا كان
لا بدّ من التناسب فنظرنا أي شيء من المناسبات بين الحج والتسبيح حتى شبهه به تعالى
فقلنا: إن التسبيح هو الذكر العامّ في قوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]
وقالِ وَّ: ((إنَّمَا شُرْعَتِ المَنَاسِكُ لإِقَامَةِ ذِكْرِ الله)) لاختلاف العالم لأن ذكر الله كله تسبيح
بحمده أي بما أثنى على نفسه، كما جعل التهليل مماثلاً لعتق الرقاب النفيسة، والعتق إنما هو
أمر يخرج العبد من العبودية، ولا يخرج من العبودية إلاَّ أن يكون الحق سمعه وبصره وجميع
قواه فيكون حقاً كله فناسب قوله: لا إله إلاَّ الله، وقد يكون عتق الرقاب من الألوهية
بالعبودة، فإن الشخص يتقيد بالربوبية فيطلب منه ما ليس بيده منه شيء وإنما ذلك بيد الله
فيحار فيعتقه الله من هذه النسبة إليه بما أظهر فيه عند المعتقد فيه ذلك من الجبر والافتقار
وسلب هذه الأوصاف فعاد حرّاً في عبوديته فلم يكن له قدم في الربوبية فاستراح، فهذا عتق
أيضاً شريف حيث تخلص لنفسه من تعلّق الغير به، كما خلص بالتهليل الألوهة لله من رق
الدعوى بالآلهة المتخذة وهو قولهم: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا وَجِدًا﴾ كما هو الأمر في نفسه: ﴿ إِنَّ
هَذَا لَشَىْء ◌ُجَابٌ﴾ [ص: ٥] فجعل وَّلَه بوحيه المنزل وكشفه الممثل التهليل مناسباً لعتق الرقاب،
كما جعل التحميد مناسباً للحمل في سبيل الله وهو باب النعم، والحمد لله شكراً لما يكون
منه كما يكون من الأسباب للمسببات شكر بما نراه من آثارها فيها كما قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ
وَلَوْلِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] ﴿وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَمَا رَبََّنِى صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] وسيرد في هجير
الحمد لله ما يشفي الغليل إن شاء الله تعالى. وكذلك من كبر ناسب بين التكبير وبين عظم ما
لصاحبه من غير تعيين، وما قرنه بشيء معين مثل ما فعل في التسبيح والتحميد والتهليل فقيد
هناك واطلق هنا ليشمل الذكر التقييد والإطلاق، وقد ورد في هذا خبر حسن عن
رسول الله وَّرَ: «أَنَّهُ مَنْ سَبَّحَ الله مائَةً بِالغَدَاةِ وَمِائَةً بِالعَشِيّ وهو قوله عزّ وجلّ: ﴿وَسَبِّعْ بِحَمْدٍ
رَيِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾ [طه: ١٣٠] وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ
تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وقرن ذلك بالمائة لأنه ليس لنا دار نسكنها إلاَّ الجنة أو النار والجنة مائة
درجة فمن أكملها مائة فقد حاز من كل درجة حظاً وافراً بحسب ذكره بما يناسب ذلك الذكر
من تلك الدرجات)) وكذلك دركات النار مائة درك تقابل درج الجنان له من جانب النار بهذا
الذكر التنزيه من كل درك وله من الجنان الإنعام من كل درج فاعلم ذلك.
ثم نرجع إلى سرد الحديث وهو ما حدثنا به زاهر بن رستم الأصفهانيّ عن الكروحي