النص المفهرس
صفحات 101-120
في المنازلات / الباب الرابع والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة لا يقوى معنا في حضرتنا غريب ١٠١ وورد في الخبر في إثبات النسب بيننا وبين الله: (إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: اليَوْمَ أَضَعُ نَسَبَكُمْ وَأَرْفَعُ نَسَبِي أَيْنَ المُتَّقُونَ؟)) وهم الذين جعلوا نفوسهم وقاية يحمون بها جانب الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] أي أشدّكم وقاية لأنه جاء في باب أفعل، فالمدار على صحة النسب الإلهيّ، فإذا صحّ النسب لم تبق غربة في حق من صحّ نسبه، ولا يصح النسب حتى يقع التناسب في الصفة، فإذا كان العبد أحديّ الذات في شأنه معروفاً عند الله مجهولاً في العالم لا يعرف نسبه ولا ينال منصبه يسأل الله به ويلجأ إليه عند الاضطرار من غير تعيين ولا تمييز وهو الذي يدعى به إذا جاءت الشدائد فيقول صاحبها: اللهمّ بحرمة الصالحين عندك افعل لي كذا وكذا فهو المجهول المعين، ولم يتولد عنه أمر يوجب تمييزه عند الأجانب من الأجانب ولم يدل عليه لأنه لا يدل عليه حتى يكون مطلوباً والذي لا يؤبه له لا يطلب، ثم إنه يكون على حالة لا يزنه فيها أحد من خلق الله إلاَّ من له هذا المقام، فإذا كان بمثل هذه الصفات صحّ النسب. ورد في الخبر أن اليهود قالت لمحمد ◌َّ: يا محمد انسب لنا ربك، فنزلت: ﴿قُلَّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] [الخفيف]: فانْظُرُوا فيه تعرفوا ما هُو نَسَبُ اللَّهِ قُلْ هو اللَّهُ ليس يَذري ما هُوَ إلاَّ هُوْ أَحَدِيٌّ لذاته صَمَدٌ لم تَلِذهُ العقولُ إِذْ نَظَرَتْ وهو الناظرُ الذي ما هُو لا ولا واحدٌ فقُلْ ما هُوْ واحدٌ ما يكون عنه زكى وكَثِيرٌ فليس إلاَّ هُو قُلْتُهُ لا إلهَ إلاَّهُوْ هو عَيْنُ الوجود فهو حَسْبي فانْظُرُوا الحَقَّ في تَنَاقُضِ ما فحضرته لا تحمل الغرباء لأنه وصل للرحم فهو أرحم الرحماء، فقرابته مجهولة، والجاهلون بها منهم أنزلهم جهلهم منزلة الغرباء الذين لا نسب بينهم وبينه وهو سبحانه ما يعامل عبده إلاَّ بما جاءه به لا يزيده عليه. وهو قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتْكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] فهو لهم في اعتقادهم جار جنب فهم قطعوا رحمهم فقطعهم الله فما أشرف العلم بالأنساب، ولهذا كانت العرب تثابر على علم الأنساب حتى قال الله ما قلناه من إثبات النسب بالطريقين: طريق أرفع نسبي وطريق الرحم شجنة من الرحمن وهو قوله: الولد سرّ أبيه، فكم بين رجل يأتي يوم القيامة عارفاً بنسبه مدلاً بقرابته متوسلاً إلى الرحمن برحمه، وبين من يأتي جاهلاً بهذا كله يعتقد الأجنبية وبعد المناسبة، وإن علم بالخبر فيكون عنده بمنزلة كون أبيه آدم منه وهو ابن آدم فيجعل هذا مثل ذلك، فإن هذا النسب لا يعطي سعادة عنده وهو غالط بل يعطي ويعطى، ولقد رأيت ذلك ذوقاً بمكة في عمرة اعتمرتها عن أبينا آدم عليه السلام فظهر لي ذلك في مبشرة رآها بعض الناس لنا وللجماعة التي أمرتهم في تلك الليلة بالاعتمار معي عن أبينا آدم رأى فيها من التقريب الإلهيّ وفتح أبواب السماء وعروج تلك الجماعة وتلقاهم الملأ الأعلى بالتأهيل والسهل والترحيب إلى أن بهت وذهل ممّا رأى، فإن رحم آدم منا رحم مقطوعة عند أكثر الناس من أهل الله فكيف حال العامة في ذلك؟ ولقد وصلتها بحمد الله ووصلت بسببي ١٠٢ في المنازلات/ الباب الخامس والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة من أقبلت عليه بظاهري لا يسعد أبداً وجرى فيها على سنني، وكان عن توفيق إلهيّ لم أر لأحد في ذلك قدماً أمشي على أثره فيها، فحمدت الله على الإنعام وما اهتديت إلى ذلك إلاَّ بالنسب الإلهيّ فإنه أبعد مناسبة وقد نفع وذكر وما تفطن الناس لقول الله تعالى في غير موضع: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] يذكر ولا أحد ينتبه لهذه الأبوّة والبنوّة ولا يتذكر إلاَّ أولو الألباب جعلنا الله وإياكم ممّن برّ أباه، وما أشبه هذا الذكرى من الله في بني آدم بقوله: ﴿يَتَأُخْتَ هَرُونَ﴾ [مريم: ٢٨] وأين زمان هارون منها؟ فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الخامس والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة من أقبلت عليه بظاهري لا يسعد أبداً ومن أقبلت عليه بباطني لا يشقى أبداً وبالعكس [البسيط]: أمْرٌ تَحَفَّقْتُهُ ما الحکمُ للسَّبَبِ الحُكْمُ للقَدَرِ المعلومِ والنَّسَبِ من العمومة فالأحكامُ للنَّسَبِ هذا بلالٌ وخَبَّابٌ وأين هما في غير جَهْدٍ ولا كَدّ ولا نَصَبِ فالله يَجْعَلُنا من ذا على حَذَرٍ ما كنت من يتقي مَصارِعَ النُّوَبِ لولا الشريعةُ عند العارفين بها وما هما بمحلٌ الخُسْرِ والعَطَبِ يا رَحْمَةً سَبَقَتْ يا رحمةً شَمَلَتْ قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَالِنٌ﴾ [الحديد: ٣] تنبيهاً أنه الوجود كله فإن هذا تقسيمه فليس إلاَّ هو، والنعيم نعيمان: نفسيّ وهو الباطن وحسيّ وهو الظاهر في النفس الحساسة، والعذاب عذابان: نفسيّ وهو الباطن وحسيّ وهو الظاهر، والحال حالان: حال سابق وهو الأوّل وحال لا حق وهو الآخر، وما ثم إلاَّ رحمة سابقة وغضب لا حق ثم رحمة شاملة سارية في الكل فهي لاحقة سابقة فيغضب ويرضى فيعذب رحمة لغضبه ليزول الغضب، فانظر ما أحكم تعذيبه كيف أدرج الرحمة فيه لإزالة الغضب حتى يزول حكمه فتشمل الرحمة بنفسها من حقّت عليه كلمة العذاب، فبرحمته عذب من عذب لأنه لولا العذاب لتسرمد يكون الغضب وهو أشد على المغضوب من العذاب الواقع به لمن عقل ما أقول، وإذا كان الأمر كما قرّرناه وهو كما ذكرناه فقد في الإقبال الظاهر سعادة ليسعد به المقبول عليه، وقد يكون في الإقبال الظاهر شقاوة ليشقى به المقبول عليه، وقد يكون في الإقبال الباطن مثل ما ذكرناه في الإقبال الظاهر، والمقبول عليه غيب وشهادة وروح وصورة وحيوان وناطق، فلا بدّ من النفس والحسّ أن ينفعلا لهذه الإقبالات وأحكام النسب بها يظهر حكم الحاكم في المحكوم عليه، وقد ذكر الله أنّ الهوية العائدة عليه هي عين هذا الذي ذكرناه فلم يقع تصرّف منه إلاَّ فيه، نبّه على ذلك بقاتل نفسه وأن الجنة محرّمة عليه فلا حجاب عليه فإنه ظاهر له لا يتمكن أن يستتر عنه هو، وجعل ذلك مبادرة له لأنه ذكر أمرين من أوّل وآخر فقد يبادر الآخر فيكون له حكم الأولية ويكون للأول بالنسبة إلى هذا المبادر حكم الآخرية، في المنازلات/ الباب السادس والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة من تحرّك عند سماع كلامي ١٠٣ ولهذا جاءت العبارة التي ذكرها الترجمان عن الله: بادرني عبدي بنفسه حرّمت عليه الجنة فلا يستره شيء بعد هذا الكشف لأنه يعلم من سبق ومن لحق كما يعلم من خلق ﴿وَهُوَ اُلَّطِيفُ﴾ فلا يظهر ﴿الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] لتحصيله العلم ذوقاً الذي كسبه المعلوم فإن المعلوم متقدم بالرتبة على العلم وإن تساوقا في الذهن من كون المعلوم معلوماً لا من كونه وجوداً أو عدماً فإنه المعطي العالم العلم فلا بدّ في الكون من سعادة وشقاء ولو ببرد الهواء وحرّه فما زاد فما يلايم المزاج كان سعادة وما لا يلايمه كان شقاء، ثم تمشي بهذا الحكم على الغرض والكمال والشريعة وتحكم في ذلك كله حكمك بالملايمة وعدمها، فافهم فإني أريد الاختصار والتنبيه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب السادس والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة من تحرّك عند سماع كلامي فقد سمع يريد الوجد الذي يعطي الوجود [البسيط]: أعْيَانُنا وسَعَتْ منه على قَدَمِ لولا سَمَاعُ كلام الله ما بَرَزَتْ على مَدَارجها لحالة العَدَمِ إلى الوجود ولولا الشَّمْعُ ما رَجِعَتْ بين الحُدوث وبين الحُكْمِ بِالقِدَمِ فنحن في بَرْزَخ والحَقُّ يَشْهَدُنا ليس التكوّنُ ممّن لا كلامَ له إنّ التكوَّنَ عن قَصْدٍ وعن كُلِمٍ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: ٤٠] يعني حكم ممّا توجه عليه أمر ﴿كُنْ﴾ كان ما كان، فيعدم به ويوجد فليس متعلقه إلاَّ الأثر، ولهذا سمّاه في اللسان العربيّ كلاماً مشتقاً من الكلم وهو الجرح وهو أثر في المجروح، فلما وجد الأثر سمّى ما وجد عنه كلاماً كان ما كان فافهم، والحركة انتقال من حال إلى حال أي من حال یکون علیه السامع إلی حال یعطیه سماعه عند کلام المتكلم وهو فيه بحسب فهمه فهو مجبور على الحركة، ولهذا لا تسلم الصوفية حركة الوجد الذي يبقى معه الإحساس بمن في المجلس حتى تسلم له حركته بالله، فمهما أحسّ تعين عليه أن يجلس إلاَّ أن يعرّف الحاضرين بأنه متواجد لا صاحب وجد فيسلم له ذلك، ولكن لا تحمد هذه الحالة عندهم على كل حال لأنهم يكرهون الحركة في الأصل بنفس المتحرّك ويحمدونها بالمحرّك، فأصل السماع الذي يقول به أهل الطريق شريف وهو يسري في كل شيء فلا يختص به حال إيقاع وغناء على طريق خاص طبيعيّ، فإن الوزن الطبيعيّ إنما يؤثر فيما تركب من الطبيعة على مزاج خاص لا يشترط في حركة الطبع الفهم بخلاف حركة النفوس العقلية وإن كان للطبيعة فيها أثر في أصل وجودها ولكن ليست لها في النفوس العاقلة تلك القوّة إلاَّ بالفهم فلا يحرّكه إلاَّ الفهم، ألا ترى الكائنات ما ظهرت ولا تكوّنت إلاَّ بالفهم لا بعدم الفهم لأنها فهمت معنى ﴿كُنْ﴾ فتكوّنت ولهذا قال: ﴿فَيَكُونُ﴾ يعني ذلك الشيء لأنه فهم عند السماع ما أراد بقوله: ﴿كُنْ﴾ ١٠٤ في المنازلات/ الباب السابع والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة التكليف المطلق فبادر لفهمه دون غير التكوين من الحالات، فما سميت هذه الحركة بالوجد إلاّ لحصول الوجود عندها أعني وجود الحكم سواء كان بعين أو بلا عين فإنه عين في نفسه هذا الكائن. ثم إن الحق أعطى هذه الصفة لعباده وجعل نفسه سامعاً وأقام نفسه محلاً لتكوين ما يطلبه منه العبد في سؤاله سمّاه إجابة وجعل ذلك بلفظ الأمر كما جعل ﴿كُنْ﴾ ليريه أن الحقائق لا نفسها تكون أحكامها ما هي بجعل جاعل لمن عقل وعلم الأمور على ما هي عليه، فإن العلم بهذا النوع من العلوم المختزنة عن أكثر الناس بل يحرم كشفها لهم من العارف بها لما يؤدّي إلى إنكار الحق مع علمهم بأن المعاني توجب أحكامها لمن قامت به عقلاً يريدون أن ذلك لذاتها، ولهذا تمكن المتكلم بالردّ على من يقول بالإرادة الحادثة لا في محل. وأما كلام الله من الشجرة لموسى فهو عند بعضهم دليل على أن الكلام ينسب لمنِ خلقه كما تقول الطائفة الأخرى أن السمع تعلّق بالمناسب وهو الخطاب من الشجرة وليس إلاّ كلام الله كما قال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ومعلوم بماذا تعلق السمع منه، وهؤلاء القائلون بأن المتكلم من قامت به صفة الكلام وأهل الكشف الذين يرون أن الوجود لله بكل صورة جعلوا الشجرة هي صورة المتكلم كما كان الحق لسان العبد وسمعه وبصره بهويته لا بصفته كما يظهر في صورة تنكر وتتحوّل إلى صورة تعرف وهو هو لا غيره إذ لا غير، فما تكلم من الشجرة إلا الحق فالحق صورة شجرة، وما سمع من موسى إلاّ الحق فالحق صورة موسى من حيث هو سامع، كما هو الشجرة من حيث هو متكلم، والشجرة شجرة وموسى موسى لا حلول لأن الشيء لا يحل في ذاته فإن الحلول يعطي ذاتين وهنا إنما هو حكمان: [البسيط] والعَقْلُ یعلم ما الإحساسُ یزمِي پِهْ فالحسُّ يَشْهَدُ ما الأفكارُ تُنْكِرُهُ وانظر إلى حكمه في حُسْنٍ تَرْتِيبِهْ فانْظُزْ إليه ترى في صُورِهِ عَجَباً وليس يُذْرِيهِ مَنْ يَذْرِيهِ إلاَّ بِه تراه عَيْنُ الذي يراه من کَثَبٍ فانظر إلى هذه النكت الإلهيّة في هذه المنازلات ما أخصرها وما أعطاها للأمور على ما هي عليه في إيجاز، والله يقول الحق هو يهدي السبيل. الباب السابع والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة التكليف المطلق [البسيط]: من عَهْدٍ والدنا المنعوتِ بالنَّاسِي حُكْمُ التكاليف بين الله والناسٍ فإن دَعَانا أتَيْنَاهُ على الرَّاسِ فالأمر منّي له كالأمر منه لنا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنَّى﴾ [البقرة: ١٨٦] يقول للرسول أن يقول: ﴿فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِ﴾ [البقرة: ١٨٦] يعني إذا دعوتهم إلى القيام بما شرعته لهم وكل ذلك شرع، فقد أدخل نفسه فيما كلف به عباده وجعل الأمر بأيديهم في ذلك ١٠٥ في المنازلات/ الباب السابع والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة التكليف المطلق فهو إعلامٍ على الحقيقة بما هو الأمر عليه ما هو بالجعل فإنه يتعالى عن الجعل فيما ينسبه لهويته إلا إذا ظهر بصورة خلق فيقضي ما يعطيه البصران أحكام ما وقعت عليه العين مجعولة، وتعطي الحقيقة أن الأمر ما هو كما تدركه العين، فلا تزال المنازعة بين القلب والعين في المعارف الإلهية في الخصوص كما تعرفه العامة في العموم في المحبة، ولنا في ذلك في التشبيب على ما وقع في العموم [البسيط]: هذا الذي بفؤادي من هَوَى شَرَفٍ يَسُوقُ رُوحي بلا شَكُّ إلى الثَّلَفِ فقال عَيْنُكَ قادَتْني إلى الثَّلَفِ أقول للقلب قد أوْرَثْتَنِي سَقَّماً فإن أمُتْ فيه ما للحُبِّ من خَلَفٍ لو لم تَرَ العَيْن ما أمسيت حلف من الضَّنَا والجَوَى والدَّمْعِ والأسَفِ لذاك قَسَمْتُ ما عندي على بَدَني فالتكليف المطلق يطلق ويراد به أمران: الأمر الواحد أن يعمّ الإنسان أجمعه مثل قوله: يصبح على كل سلامي منكم صدقة وهو قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] بنون الجمع لعموم التكليف وإطلاقه في ذات المكلف، ومن هذا الباب أعني إطلاق التكليف ما اجتمعت فيه جميع الشرائع ولم تنفرد به شريعة دون أخرى وهو قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾ [الشورى: ١٣] فعمّ وأطلق، والأمر الآخر من الإطلاق إدخاله نفسه معنا تعريفاً أنه مأمور وآمر وناه ومنهي ﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِءٌ﴾ [البقرة: ٢٨٦] والأمر ﴿ وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاً﴾ [البقرة: ٢٨٦] فانصرنا هذا منا عن أمر مشروع، والجواب منه في الصحيح: قد فعلت قد فعلت، والأمر منه ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [المزمل: ٢٠] ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [المزمل: ٢٠] ﴿وَأَفْرِضُواْ اللَّهُ﴾ [المزمل: ٢٠] الجواب منا على قسمين بخلاف ما كان منه، فجواب موافق لجوابه وهو قولنا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً﴾ [البقرة: ٢٨٥] وجواب غير موافق من جميع الجهات لإجابته وهو قوله: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ وهذا كلام من أبعده الله عن سعادته وقرب إليه بهذه الإجابة شقاوته، فقد أبنت لك عن إطلاق التكليف، وهذا من إنصاف الحق عباده ليطلب منهم النصف، ثم إنه في موطن آخر جعل لقوم آخرين ممّن كتب عليهم شقاء مستنداً إلهياً لم يقم فيه مقام الإنصاف فأعمى عليهم فعموا فنسب إليهم ما هو إليه وأشقاهم به ثم قال: ﴿فَلِلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] لأن النزاع وقع بينه وبينه لأنه في نفس الأمر ما ثم إلاَّ حكمان ما ثم ذاتان فافهم، وعندنا ما كانت الحجة البالغة لله على عباده إلاَّ من كون العلم تابعاً للمعلوم ما هو حاكم على المعلوم، فإن قال المعلوم شيئاً كان لله الحجة البالغة عليه بأن يقول له: ما علمت هذا منك إلاَّ بكونك عليه في حال عدمك وما أبرزتك في الوجود إلاَّ على قدر ما أعطيتني من ذاتك بقبولك فيعرف العبد أنه الحق فتندحض حجة الخلق في موقف العرفان الإلهيّ الخاص. وأما في العموم فالأمر فيه قريب والحكم يختلف بحسب فهم الرجال فيه، فما كل أحد تقام عليه حجة تقام على الآخر، فلكل صنف حجة عند الله بها يظهر على عباده ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ﴾ بالحجة ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] حيث يظهر على كل صنف بما تقوم به الحجة الله عليه، فلولا إطلاق التكليف ما ١٠٦ في المنازلات / الباب الثامن والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة إدراك السبحات الوجهية كان خصماً ولا عمل لنا معه مجلس حكم ولا ناظرناه فافهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثامن والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة إدراك السبحات الوجهية [المديد] : وهي بالإدراك تُعْدِمُنا سُبْحَاتُ الوَجْهِ تُذْرِكُنا أَحَدّ منكمْ يُفَهُمُنا غيرةً منها عليه فهل نَلْقَ موجوداً يُعَرِّفُنا كيف كان الأمر فيه فلم قال الله تعالى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] وقال ◌َّر في الحجب الإلهية المرسلة بينه وبين خلقه: ((إنه تعالى لَوْ رَفَعَها لَأَحْرَقَتْ سبحاتُ الوَجْهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)) وقيل له وَّهِ: أَرَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فقال: ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)) فهذه الحجب إن كانت مخلوقة فكيف تبقى للسبحات فإنها غير محجوبة عنها، لكن اعلم أنه سرّ أخفاه الله عن عباده سمّي ذلك الإخفاء حجباً نورية وظلامية، فالنور منها ما حجب به من المعارف الفكرية به، والظلمة منها ما حجب به من الأمور الطبيعية المعتادة، فلو رفع هذه الحجب عن بصائر عباده لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه، وهذا الإحراق إنما هو اندراج نور أدنى هم فيه بل هم هو في نور أعلى، كاندراج أنوار الكواكب في نور الشمس، كما يقال في الكوكب إذا كان تحت الشعاع مع وجود النور في ذات الكوكب إنه محترق فلا يراد به العدم بل تبدّل الحال على العين الواحدة في نظر الناظر، فانتقل الاسم عليه وعنه بانتقال الحكم كان الحطب حطباً فلما احترق سمّي فحماً والجوهر واحد، ومعلوم أن الكواكب على ضوئها في نفسها ولكن لا نراها لضعف الإدراك، فلو رفعها في حق العلماء لرأوا نفوسهم عينه وكان الأمر واحداً لكنه رفعها عنهم فرأوا ذواتهم ذاتاً واحدة فقالوا ما حكى عنهم من أنا الله وسبحاني، لكن العامة لم ترفع عنهم فلم يشهدوا الأمر على ما هو عليه فتنازعوا أمرهم بينهم وأسر العارفون النجوى أدباً مع الله فإنهم الأدباء، قال بَلَّ: ((لا تُعْطُوا الحِكْمَةَ غَيْرَ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا وَلا تَمْتَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ)) فما قال الشارع للعارفين شيئاً أشدّ تكليفاً من هذا الحكم لأنه أمرهم بالمراقبة لكل شخص شخص، فهم يراقبون العالم من أجل هذا الحديث لأنهم أهل حكمة، فمن رأوا فيه الأهلية أعطوه لئلا يتصفوا بالظلم في حقه، وإن لم يروا فيه أهلية لم يعطوه لئلا يتصفوا بالظلم في حقها، فلا يزالون مراقبين للعالم دائماً أبداً وهذا حظّهم من قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ زَّقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] فمن راقب بعين الله لم يشغله شأن عن شأن، فهو يتصرف في كل شيء بذاته لأنه إلهي المشهد والقبول من المتصرف فيه، فالمتصرف مستريح من هذا الوجه، ومن راقب بعين نفسه من خلف حجاب ذاته فهو في غاية من الجهد والتعب فلا يزال في نصب ما دامت هذه صفته [المتقارب]: في المنازلات / الباب التاسع والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ١٠٧ وبالنُّورِ يُذْرَكُ ما يُذْرَكُ فبالنُّورِ تُذْرَكُ أنْوَارُهُ يَمْلكُ بالذات ولا يُمْلَكُ فمن يَكُنْ بنَعْتِ حَقّ له وهذا القدر من الإشارة في هذه المنازلة كاف لمن عقل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب التاسع والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [السريع] : ذو الظُلْم والسَّابقُ والمُقْتَصِدْ ثلاثةٌ كُلُّهُمُ مُضْطَفَى بالعِلْم في ذاك عن المُعْتَقَدْ وَرَّتَهُمْ كِتابَهُ فَاعْتَلَوْا هِمَّتُهُمْ عِن كل أمر شُهِذْ واختارَهم لنفسه فاغْتَّلَتْ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] أي كل ذلك بأمر الله، فالظالم لنفسه لعلمه بقدرها عند الله فهو يظلم لها لا يظلمها فيعطي كل ذي حق حقّه إلاَّ الحق فإنه لا يعطيه كل حقّه بل يعطيه من حقّه تعالى ما يسمّى به أديباً وما لا يسمّى به أديباً يظلمه فيه من أجل نفسه حتى يلحق برتبة الأنبياء، فمثل هذا الظلم من الفضل الإلهيّ على عبده، فمن كان مشهده هذا سمّي ظالماً لنفسه مع أنه مصطفى وما أوقفه على ذلك إلاّ علمه بالكتاب فهو يحكم به كما قال الذي عنده علم من الكتاب لسليمان عليه السلام: ﴿أَنَاْ ءَائِكَ ◌ِهِ، قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] فلولا الكتاب ما علم آصف بن برخيا ذلك، وأما المقتصد فهو الذي اقتصد في كل موطن على ما يقتضيه حكم الموطن فهو بحكم الموطن لا بحكم نفسه، وهم أهل الله الأخفياء الأبرياء، فمشهد الظالم ما يجب للحق فلا ينسبه إليه، ومشهد المقتصد المواطن وما تستحق، فالظالم يدخل في حكم المقتصد ولهذا كان المقتصد وسطاً لأنه على حقيقة ليست للطرفين، وفيه من حكم الطرفين ما يحتاج إليه أو يندرج فيه، وأما السابق بالخيرات فهو الذي يتهيأ لحكم المواطن قبل قدومها عليه، وتجتمع هذه الأحوال في الشخص الواحد فيكون ظالماً مقتصداً سابقاً بالخيرات، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الستون وأربعمائة في معرفة منازلة الإسلام والإيمان والإحسان الأول والثاني [مجزوء الوافر]: ولكنْ ما فَهِمْتُ عَلِمْتُ أني هَمِمْتُ لكوني ما شَهـدْتُ مُرَادَ الله فيه بقَوْلي قد سَيِمْتُ فإسلامٌ تَبَدَّى ١٠٨ في المنازلات/ الباب الأحد والستون وأربعمائة في معرفة منازلة من أسدلت عليه حجاب كنفي به من كُلّ سوءٍ به أيضاً نَعِمْتُ ولكن ما كَتَّمْتُ وإيمانْ خَفِيٍّ بتَشْبيه فقُلْتُ وإحسانٌ أراه لأني قد جَهِلْتُ تَعَالَى عن شهودي وحَقّاً ما قَصْدْتُ بأن الحَقَّ فيه بأني قد شَهِدْتُ وعِلْمِي شاهدٌ لي قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وقال: ﴿مَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ ﴾ [الرحمن: ٦٠] وورد في الخبر الصحيح الفَرْقُ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ: ((فَالإِسْلَامُ عَمَلٌ، وَالإِيمَانُ تَصْدِيقٌ، وَالإِحْسَانُ رُؤْيَةٌ أَوْ كَالرُّؤْيَةِ)) فالإسلام انقياد، والإيمان اعتقاد، والإحسان إشهاد، فمن جمع هذه النعوت وظهرت عليه أحكامها عمّ تجلى الحق له في كل صورة فلا ينكره حيث تجلى، ولا يظهره في الموطن الذي يحب أن يخفى فيه فيساعد الحق لعلمه بإرادته لعلمه بالمواطن وما يستحقه، فما أشرف هذه المنزلة لمن تدلّى عليها من شرف، فهو المؤمن للمؤمن، والمحسن للمحسن، وهو المسلم للإسلام، فإن الحق إذا فعل ما يريده منه العبد فقد انقاد له فيقول العبد: ﴿رَّتِّ اغْفِرْ لِ﴾ [نوح: ٢٨] فيغفر له لأنه صادق في قوله هل من المستغفر فاغفر له فلقد فات الناس خير كثير لجهلهم وما توغلوا فيه من تنزيه الحق حتى أكذبوه ولهذا قال: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ إِلَّا الْحَقّ﴾ [النساء: ١٧١] وليس الحق إلاَّ ما قاله عن نفسه، فلولا ما علم أن العالم يعلمه ما قال لهم: ﴿ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ فحاجة الحق في نفسه إلى ظهوره أعظم من حاجة المظهر له إلى إظهاره، فإن الحق قد حجر علينا إظهار الحق في مواطن كالغيبة والنميمة وكتم الأسرار، وكلها حق ممنوع الظهور في الكون القوليّ لا في عينه من حيث هو صفة لمن قام به فهو الظاهر الخفي، فالإحسان من الحق رؤية ومن العبد كأنه والإيمان من الحق والخلق على حقيقته، وكذلك الإسلام عند العارفين به، غير أنه لا يقال في الحق أنه مسلم، فما كل ما يدرى يقال، ولا كل ما يشهد يذاع، صدور الأحرار قبور الأسرار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الأحد والستون وأربعمائة في معرفة منازلة من أسدلت عليه حجاب كنفي فهو من ضنائني لا يعرف ولا يعرف [البسيط]: مُخَدَّرون فلا تُذْرَى ولا تَذري إنّ الضَّنائنَ عند الله في سِتْرٍ بين اللّيالي صَوْناً ليلةُ القَدْرِ يغارُ منهم عليهم مثل ما حُجِبَتْ نَعْتُ يجرّده من عالم الأمْرِ فلا يراها سوى من لا يُقَيِّدُهُ في المنازلات / الباب الأحد والستون وأربعمائة في معرفة منازلة من أسدلت عليه حجاب كنفي ١٠٩ من أول اللّيل حتى مطلع الفَجْرِ تبدو لناظِرِهِ من خَلْف زَافِرِهِ قال الله تعالى: ﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ لَلِيَامِ ﴾ [الرحمن: ٧٢] وهم العارفون إشارة لا تفسيراً، المجهولون في العالم، فلا يظهر منهم ولا عليهم ما يعرفون به، وهم لا يشهدون في الكون إلاَّ الله، لا يعرفون ما العالم لأنهم لا يشهدونه عالماً [البسيط]: فالحَقُّ سَارٍ ولكن ليس يَدْرِیهِ إلاَّ الذي قال فيه إنَّهُ فِيهِ لكل مليك حرم وحرم، وهؤلاء العارفون العلماء به حرمه وحرمه الذي هم فيه العوائد العامة فما سترهم إلاّ بما هو مشهود للعام والخاص، فالعالم يشهد الحق اعتقاداً وعيناً ويشهد العالم حسّاً، وهؤلاء يشهدون الحق عيناً ويشهدون العالم إيماناً لكون الحق أخبرهم أن ثم عالماً فيؤمنون به ولا يرونه، كما أن العالم يؤمنون بالله ولا يرونه، فهم شهداء حق بحق وهم في مقعد صدق فيما تحققوا به، فإن قيل لهم: فقولكم بالشاهد والمشهود فرق، فيقولون عند ذلك: أليس تشهد ذاتك بذاتك فأنت غيرك، وكلامهم في هذا كله مع الحق شهوداً ومع الإيمان بأن ثم عالماً أدباً وإيماناً فهم المؤمنون حقاً والعلماء صدقاً، وهذا بعض ما وقفنا عليه من منازلات الحق فإنها أكثر من أن يحصرها عد أو يضبطها حد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . وها نحن بحمد الله ومعونته وإلهامه نشرع في الأقطاب والهجيرات التي كانوا عليها ابتغي بذلك الإعلام بأنه من عمل على ذلك وجد ما وجدوا وشهد ما شهدوا، إذ بنيت كتابي هذا بل بناه الله لا أنا على إفادة الخلق، فكله فتح من الله تعالى، وسلكت فيه طريق الاختصار أيضاً عن سؤال من العبد ربه في ذلك لأنه لا يقتضي حالنا إلاَّ إبلاغ ما أمر الحق بإبلاغه، ويفعل الله ما يشاء، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى السفر التاسع والعشرون بانتهاء الباب الأحد والستين وأربعمائة من هذا الكتاب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ [السفر الثلاثون] الفصل السادس في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية الباب الثاني والستون وأربعمائة في الأقطاب المحمديين ومنازلهم [نظم: البسيط] ولا مقامٌ ولا حَالٌ يُعَيِّنُهُ اليَثْرِبِيُّ الذي لا نَعْتَ يَضْبِطُهُ قامتْ فلا أحدٌ منّا يُبَيِّئُهُ مُرْخَى العنان على الإطلاق نشَأْتُه علم به عندما يبدو مُكَوِّنُهُ من قال إن له نعتاً فليس له وجَهْلُنا هو في عِلْمِي يُزَيِّنُه فعِلْمُنَا إنّ عَلِمْناهُ يشير به قال الله تعالى عن الملائكة والملأ الأعلى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] وقال: ﴿يَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] فأشبه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أي تشبه هذه الآية الآية الأخرى، وأصل باب الأقطاب قوله وَّرَ: ((كُلَّكُمْ رَاع)) حتى الإنسان على جوارحه وجميع قواه من بادية وهي الظاهرة وحاضرة وهي الباطنة. فَاعلم أن الأمور كثيرة مختلفة في العالم، فكل شيء يدور عليه أمر ما من الأمور فذلك الشيء قطب ذلك الأمر، وما من شيء إلاَّ وهو مركب من روح وصورة، فلا بدّ أن يكون لكل قطب روح وصورة، فروحه تدور عليه أرواح ذلك الأمر الذي هذا قطبه، وصورة ذلك القطب تدور عليه صورة ذلك الأمر الذي هذا قطبه يسمّى الوجه الواحد من القطب جنوبياً وهو الروح والآخر شمالياً وهو الصورة، فمن جملة أصناف العالم الأناسي وهم المقصودون من وجود العالم بالقصد الثاني لا بالقصد الأوّل، وأما القصد الأوّل فالقصد بوجود العالم عبادة الله أعني عبادة العرفان الحادث لكمال الوجود غير أنه في كل صنف من أصناف العالم تام غير كامل، وما كمل إلاَّ بهذه النشأة الإنسانية الكاملة، وما عدا الكاملة فهو الإنسان الحيوان المسمّى بالحدّ حيواناً ناطقاً والأقطاب من الكمل. ثم إن الله جعل العالم الجسمي والجسماني في منزلين: منزل يسمّى الدنيا ومنزل يسمّى الآخرة، وجعل سكانهما الإنس والجان والمعتبر فيهما الإنس والمعتبر من الإنس الكمل لا غير، وهم الذين ذكرهم الله لا يزيدون عليه في نفوسهم هذا ذكرهم في نفوسهم وفي خلواتهم ١١٠ ١١١ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثاني والستون وأربعمائة باللسان. وأما في العموم فلا إله إلاَّ الله ثم بعدها أنواع الذكر من سبحان الله المقيد والمطلق والحمد لله وكذلك والله أكبر كذلك ولا حول ولا قوّة إلاَّ بالله كذلك، فعمر بهذا الصنف المقصود من العالم أوّلاً الدار الدنيا من الدارين وجعل سكناهم فيها بآجال مسماة ينتهون إليها ثم ينتقلون عند فراغ مدتهم إلى الدار الآخرة، ونقلتهم على ضربين: منهم من ينتقل بموت وهو مفارقة الحياة الدنيا فيحيى بحياة الآخرة، ومنهم من ينتقل بالحياة الدنيا من غير موت وهو الشهيد في سبيل الله خاصة وما يقال فيه بأنه أفضل من الميت إلاَّ أنه أفضل من بعض الموتى، ثم إن الله جعل هذا الصنف الإنساني في الدنيا أمماً كثيرين، ثم بعث في كل أمة رسولاً ليعلمها ما هو الأمر عليه الذي خلقوا له، ويعلمهم بما للحق عليهم أن يفعلوه وما لهم إذا فعلوا ذلك من الخير عند الله في الدار الآخرة، وماذا عليهم إذا لم يفعلوا من العقوبة عند الله في الدار الدنيا إذا علم ولاة أمرهم ذلك وفي الآخرة، ثم جعل الفضل فيهم فمنهم الفاضل والأفضل من الأمم ومن الرسل. وختم الأمم بأمة محمد وَّ وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وختم بمحمد رَّيو جميع الرسل عليهم السلام وختم بشرعه جميع الشرائع فلا رسول بعده يشرع ولا شريعة بعد شريعته تنزل من عند الله إلاّ ما قرّره شرعه من اجتهاد علماء أمته في استنباط الأحكام من كتابه وسنة نبيه وأعني بالسنّة الحديث لا من قياس، وأعني بالقياس هنا قياس فرع على فرع لا قياس فرع على أصل، فإن قياس الفرع على الأصل هو المستنبط الذي ثبت بالاجتهاد وجعله الفقهاء أصلاً رابعاً كما جعلوا الإجماع أصلاً ثالثاً وهو إجماع الصدر الأوّل وقالوا إنهم ما أجمعوا على أمر إلاَّ ولا بدّ أن يعرفوا فيه نصاً يرجعون فيه إليه إلاَّ أنه ما وصل إلينا مع قطعنا به فإنه من المحال أن يجتمعوا على حكم لا يكون لهم فيه نص لأن نظرهم وفطرهم مختلفة فلا بدّ من الاختلاف وقد أجمعوا على أمر فذلك الحكم مقطوع به عندنا أنهم فيه على نص من الرسول وَّر، ولا حكم بإجماع بعد إجماع الصدر الأوّل، فلما كان الأمر على ما قرّرناه في هذا الباب فاشتغلنا بذكر الأقطاب المحمديين لكون محمد مرَال سيد الناس يوم القيامة وهو وأمته الآخرون الأولون فاعتبرنا من الرسل محمداً وَالر ومن الأمم أمته ◌َفية . واعلم أن الأقطاب المحمديين على نوعين: أقطاب بعد بعثته، وأقطاب قبل بعثته. فالأقطاب الذين كانوا قبل بعثته هم الرسل وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً. وأما الأقطاب من أمته الذين كانوا بعد بعثته إلى يوم القيامة فهم اثنا عشر قطباً والختمان خارجان عن هؤلاء الأقطاب فهم من المفردين، وسيأتي في آخر الكتاب ذكر الختم، ويأتي بعد هذا الباب ذكر الاثني عشر قطباً مستوفى إن شاء الله تعالى، فأما منازل الأقطاب المحمديين الذين هم الرسل صلوات الله عليهم أجمعين. فلا سبيل لنا إلى الكلام على منازلهم، فإن كلامنا عن ذوق ولا ذوق لنا في مقامات الرسل عليهم السلام وإنما أذواقنا في الوراثة خاصة، فلا يتكلم في الرسل إلاَّ رسول، ولا في الأنبياء إلاَّ نبي أو رسول، ولا في الوارثين إلاَّ رسول أو نبي أو ولي أو من هو منهم، هذا هو الأدب الإلهيّ، فلا تعرف مراتب الرسل إلاّ من الختم العام الذي يختم الله ١١٢ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثاني والستون وأربعمائة به الولاية العامة في آخر الزمان وهو عيسى ابن مريم روح الله، فإن سُئِل عن ذلك فهو يترجم عنهم وعن تفاضلهم فإنه رسول منهم، وأما نحن فلا سبيل إلى ذلك، فكلامنا في أقطاب الأمم الذين هم ورثة أنبيائهم وأرسالهم وفي أقطاب هذه الأمة المحمدية المتأخرة المنعوتة بالخيرية على جميع الأمم السالفة مؤمنيهم وكافريهم، فكافرهم شرّ من كافري الأمم، ومؤمنهم خير من مؤمني الأمم فلهم التقدم كما ورد في الخبر في قريش أنهم المقدمون على جميع القبائل في الخير والشرّ. وجعل الإمامة فيهم سواء عدلوا أم جاروا، فإن عدلوا فلرعيتهم ولهم، وإن جاروا فلرعيتهم وعليهم، يعني ما فرطوا فيه من حقوق الله وحقوق من استرعاهم الله عليهم، فأقطاب هذه الأمة المختارة مقدمون على الأقطاب المتقدمين في الأمم السالفة أعني الأقطاب الوارثين المتبعين آثار رسلهم. ثم نرجع ونقول: إن أقطاب هذه الأمة المحمدية على أقسام مختلفة، وما أعني بالأقطاب الذين لا يكون في كل عصر منهم إلاَّ واحد إنما نذكر ذلك في الاثني عشر قطباً في الباب الذي يلي هذا الباب، وإنما أذكر في الأقطاب المحمديين كل من دار عليه أمر جماعة من الناس في إقليم أو جهة كالأبدال في الأقاليم السبعة لكل إقليم بدل هو قطب ذلك الإقليم، وكالأوتاد الأربعة لهم أربع جهات يحفظها الله بهم من شرق وغرب وجنوب وشمال لكل جهة وتد، وكأقطاب القرى فلا بدّ في كل قرية من وليّ لله تعالى به يحفظ الله تلك القرية سواء كانت تلك القرية كافرة أو مؤمنة فذلك الوليّ قطبها. وكذلك أصحاب المقامات فلا بدّ للزهاد من قطب يكون المدار عليه في الزهد في أهل زمانه، وكذلك في التوكل والمحبة وسائر المقامات والأحوال لا بدّ في كل صنف صنف من أربابها من قطب يدور عليه ذلك المقام، ولقد أطلعني الله تعالى على قطب المتوكلين فرأيت التوكل يدور عليه كأنه الرحى حين تدور على قطبها وهو عبد الله بن الأستاذ الموروري من مدينة مورور ببلاد الأندلس كان قطب التوكل في زمانه عاينته وصحبته بفضل الله وكشفه لي، ولما اجتمعت به عرفته بذلك فتبسم وشكر الله تعالى. وكذلك اجتمعت بقطب الزمان سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بمدينة فاس أطلعني الله عليه في واقعة وعرفني به فاجتمعنا يوماً ببستان بن حيون بمدينة فاس وهو في الجماعة لا يؤبه له فحضر في الجماعة وكان غريباً من أهل بجاية أشل اليد، وكان في المجلس معنا شيوخ من أهل الله معتبرون في طريق الله منهم أبو العباس الحصار وأمثاله، وكانت تلك الجماعة بأسرها إذا حضروا يتأدّبون معنا فلا يكون المجلس إلاَّ لنا ولا يتكلم أحد في علم الطريق فيهم غيري، وإن تكلموا فيما بينهم رجعوا فيها إليّ فوضع ذكر الأقطاب وهو في الجماعة فقلت لهم: يا إخواني إني أذكر لكم في قطب زمانكم عجباً، فالتفت إلي ذلك الرجل الذي أراني الله في منامي أنه قطب الوقت وكان يختلف إلينا كثيراً ويحبنا فقال لي: قل ما أطلعك الله عليه ولا تسم الشخص الذي عين لك في الواقعة وتبسم وقال: الحمد لله، فأخذت أذكر للجماعة ما أطلعني الله عليه من أمر ذلك الرجل فتعجب السامعون وما سميته ولا عينته وبقينا في أطيب مجلس مع أكرم إخوان إلى العصر ولا ذكرت للرجل أنه هو، فلما ١١٣ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والستون وأربعمائة انفضت الجماعة جاء ذلك القطب وقال: جزاك الله خيراً ما أحسن ما فعلت حيث لم تسم الشخص الذي أطلعك الله عليه والسلام عليك ورحمة الله، فكان سلام وداع ولا علم لي بذلك، فما رأيته بعد ذلك في المدينة إلى الآن. فالأقطاب المحمديون هم الذين ورثوا محمداً أَّ فيما اختصّ به من الشرائع والأحوال ممّا لم يكن في شرع تقدمه ولا في رسول تقدمه، فإن كان في شرع تقدم شرعه وهو من شرعه أو في رسول قبله وهو فيه وَّ فذلك الرجل وارث ذلك الرسول المخصوص ولكن من محمد ◌ّلتر، فلا ينسب إلاَّ إلى ذلك الرسول، وإن كان في هذه الأمة فيقال فيه موسوي إن كان من موسى أو عيسوي أو إبراهيمي أو ما كان من رسول أو نبي، ولا ينسب إلى محمد وَ لَّ إلاَّ من كان بمثابة ما قلناه ممّا اختصّ به محمد رأَّل، وليس أعمّ في الاختصاص من عدم التقييد بمقام يتميز به، فما يتميز المحمدي إلاَّ بأنه لا مقام له بتعين فمقامه أن لا مقام، ومعنى ذلك ما نبينه وهو أن الإنسان قد تغلب عليه حالته فلا يعرف إلاَّ بها فينسب إليها ويتعين بها، والمحمدي نسبة المقامات إليه نسبة الأسماء إلى الله فلا يتعين في مقام ينسب إليه بل هو في كل نفس وفي كل زمان وفي كل حال بصورة ما يقتضيه ذلك النفس أو الزمان أو الحال فلا يستمر تقيده، فإن الأحكام الإلهية تختلف في كل زمان فيختلف باختلافها فإنه عزّ وجلّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فكذلك المحمدي وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ [قَ: ٣٧] ولم يقل عقل فيقيده والقلب ما سمي إلاَّ بتقلبه في الأحوال والأمور دائماً مع الأنفاس. فمن عباد الله من يعلم ما يتقلب فيه في كل نفس، ومنهم من يغفل عن ذلك، فالقطب المحمدي أو المفرد هو الذي يتقلب مع الأنفاس علماً كما يتقلب معها حالاً كل واحد من خلق الله، فما زاد هذا الرجل إلاَّ بالعلم بما يتقلب فيه وعليه لا بالتقليب فإن التقلب أمر يسري في العالم كله وفيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك على التفصيل والتعيين، وإن علموه على الإجمال فمنازلهم على قدر علمهم فيما يتقلبون فيه وعليه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وشرح هذا الباب وبسطه يطول فرأينا الاقتصار على ما ذكرناه وأومأنا إليه وتوخيناه، وفي ذكرنا هجيرهم يتبين مقامهم والله يتولى التوفيق. الباب الثالث والستون وأربعمائة في معرفة الاثني عشر قطباً الذين يدور عليهم عالم زمانهم [نظم: المديد] لاثْنَتَيْ عشر مع العقَدِ مُنْتَهَى الأسماء في العَدَدِ في وجود الحَقِّ من عَدَدٍ فبهم حِفْظُ الوُجُودِ وما وهو المنعوتُ بالأحَدِ وهو المَنْعُوتُ بالعدد في التي قامت بلا عَمَدِ ظَهَرَتْ أحكامُ نشأتهـم في أبٍ منها وفي وَلَدِ تمّ في الأركان حُكْمُهُمُو قال الله تعالى لنبيه وَله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] وعرفه فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الفتوحات المكية ج٧ - ٨٢ ١١٤ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والستون وأربعمائة اْنَ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُّلْسِدُونَ فِيَّ أَسْمََيِّ﴾ [الأعراف: ١٨٠] يقول: يميلون عن أسمائه لا بل يقول: يميلون في أسمائه إلى غير الوجه الذي قصد بها ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] من ذلك فكل يجزى بما مال إليه فيما أوحينا يقول: ﴿أَلَّعَ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن زَّيِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] ولا تمل بميلهم فإني خلقتك متبعاً لا متبعاً اسم مفعول لا اسم فاعل، ولذلك قال له عند ذكر الأنبياء: ﴿فَبِهُدَ هُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] لا بهم وهداهم ليس سوى شرع الله فقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ اُلِدِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] وذكر من ذكر فكان الشارع لنا الله الذي شرع لهم فلو أخذ عنهم لكان تابعاً فافهم. فأقطاب هذه الأمة اثنا عشر قطباً عليهم مدار هذه الأمة، كما أن مدار العالم الجسميّ والجسمانيّ في الدنيا والآخرة على اثني عشر برجاً قد وكلهم الله بظهور ما يكون في الدارين من الكون والفساد المعتاد وغير المعتاد، أما المفردون فكثيرون والختمان منهم أي من المفردين فما هما قطبان، وليس في الأقطاب من هو على قلب محمد وَالر. وأما المفردون فمنهم من هو على قلب محمد ◌ّطير والختم منهم أعني خاتم الأولياء الخاص. فأما الأقطاب الاثنا عشر فهم على قلوب الأنبياء عليهم السلام فالواحد منهم على قلب وإن شئت قلت على قدم وهو أولى فإني هكذا رأيته في الكشف بإشبيلية وهو أعظم في الأدب مع الرسل والأدب مقامنا، وهو الذي أرتضيه لنفسي ولعباد الله، فنقول: إن الأوّل أعني واحداً منهم على قدم نوح عليه السلام. والثاني: على قدم إبراهيم الخليل عليه السلام. والثالث: على قدم موسى عليه السلام. والرابع: على قدم عيسى عليه السلام. والخامس: على قدم داود عليه السلام. والسادس: على قدم سليمان عليه السلام. والسابع: على قدم أيوب عليه السلام. والثامن: على قدم إلياس عليه السلام. والتاسع: على قدم لوط عليه السلام. والعاشر: على قدم هود عليه السلام. والحادي عشر: على قدم صالح عليه السلام. والثاني عشر: على قدم شعيب عليه السلام. ورأيت جميع الرسل والأنبياء كلهم مشاهدة عين، وكلمت منهم هوداً أخا عاد دون الجماعة، ورأيت المؤمنين كلهم مشاهدة عين أيضاً من كان منهم ومن يكون إلى يوم القيامة أظهرهم الحق لي في صعيد واحد في زمانين مختلفين، وصاحبت من الرسل وانتفعت به سوى محمد * جماعة منهم إبراهيم الخليل قرأت عليه القرآن، وعيسى تبت علی یدیه، وموسى أعطاني علم الكشف والإيضاح وعلم تقليب الليل والنهار، فلما حصل عندي زال الليل وبقي النهار في اليوم كله فلم تغرب لي شمس ولا طلعت، فكان لي هذا الكشف إعلاماً من الله أنه لا حظ لي في الشقاء في الآخرة، وهود عليه السلام سألته عن مسألة فعرفني بها فوقعت في الوجود كما عرفني بها هذا إلى زماني هؤلاء، وعاشرت من الرسل محمداً وَلايه وإبراهيم وموسى وعيسى وهوداً وداود وما بقي فرؤية لا صحبة. واعلم أن كل قطب من هؤلاء الأقطاب له لبث في العالم أعني دعوتهم فيمن بعث إليهم آجال مخصوصة مسماة تنتهي إليها، ثم تنسخ بدعوة أخرى كما تنسخ الشرائع بالشرائع وأعني بدعوتهم ما لهم من الحكم والتأثير في العالم، فلنذكر مدد أعمارهم في حياتهم الدنيا. فمنهم ١١٥ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والستون وأربعمائة من كان عمره في ولايته ثلاثة وثلاثين سنة وأربعة أشهر. ومنهم من كانت مدته ثلاثين سنة وثلاثة أشهر وعشرين يوماً. ومنهم من دامت مدته ثمانياً وعشرين سنة وثلاثة أشهر وعشرة أيام. ومنهم من دامت مدته خمساً وعشرين سنة. ومنهم من دامت مدته اثنتين وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وعشرين يوماً. ومنهم من دامت مدته تسع عشرة سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام. ومنهم من دامت مدته ستة عشر سنة وثمانية أشهر. ومنهم من دامت مدته ثلاث عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرين يوماً. ومنهم من دامت مدته إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر وعشرة أيام. ومنهم من دامت مدته سنتين وتسعة أشهر وعشرة أيام. ومنهم من دامت مدته ثمان سنين وأربعة أشهر. ومنهم من دامت مدته خمس سنين وستة أشهر وعشرين يوماً وهجيرهم واحد وهو الله، الله بسكون الهاء وتحقيق الهمزة ما لهم هجير سواه، وما عدا هؤلاء الأقطاب من أقطاب القرى والجهات والأقاليم وشيوخ الجماعات فأنواع كثيرة وهي التي أذكر منها في هذا الفصل ما تيسّر، وما أذكر ذلك إلاَّ لأجل نتيجة ذلك الذكر لمن دام عليه على الحال المعروفة في الذكر في ﴿ وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَبِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ولو لم نقصد ذلك لم يكن في ذكري وتعييني له في هذا الكتاب منفعة، فلنذكر أوّلاً من أحوال هؤلاء الأقطاب ما تيسّر مع أحدية هجيرهم، وإنما توحد لتوحد مقام القطبية فذلك هو هجير القطبية لا هجير الشخص، ولكل واحدٍ منهم هجير في أوقات خلاف هذا، وقال عليه السلام: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يَبْقَى فِي الأَرْضِ مَنْ يَقُولُ: الله الله)) يريد لا يبقى قطب يكون عليه مدار العالم ولا مفرد يحفظ الله بهمته العالم وإن لم يكن قطباً فلا تقوم الساعة إلاَّ على أشرار الناس. فأما أحد الأقطاب فهو على قدم نوح عليه السلام فله من سور القرآن سورة يس فإنه لكل قطب سورة من القرآن من هؤلاء الاثني عشر، وقد يكون لمن سواهم من الأقطاب الذين ذكرناهم السورة من القرآن والآية الواحدة من القرآن، وقد يكون للواحد منهم ما يزيد على السورة، وقد يكون منهم من له القرآن كله كأبي يزيد البسطاميّ ما مات حتى استظهر القرآن. فلنذكر ما يختص به هؤلاء الاثنا عشر من سور القرآن، فهذا القطب الواحد له سورة ﴿يس﴾ وهو أكمل الأقطاب حكماً جمع الله له بين الصورتين الظاهرة والباطنة، فكان خليفة في الظاهر بالسيف وفي الباطن بالهمة ولا أسميه ولا أعينه فإني نهيت عن ذلك وعرفت لأي أمر منعت من تعيينه باسمه، وليس في جماعة هؤلاء الأقطاب من أوتي جوامع ما تقتضيه القطبية غير هذا، كما أوتي آدم عليه السلام جميع الأسماء، كما أوتي محمد بَّر جوامع الكلم، ولو كان ثم قطب على قدم محمد # لكان هذا القطب إلاّ أنه ما ثم أحد على قدم محمد بي له إلاَّ بعض الأفراد الأكابر ولا يعرف لهم عدد وهم أخفيا في الخلق أبرياء علماً بالله لا يرزؤون ولا يعرفون فيرزؤون مقامهم الحفظ فيما يعلمون، لا يدخل عليهم في علمهم شبهة تحيرهم فيما علموه بل هم على بينة من ربهم هذا حال الأفراد. فلنرجع إلى ذكر هذا القطب فنقول: إن منازله عند الله على عدد آيات هذه السورة، وكذلك كل قطب منازله على عدد آيات سورته وسورهم معلومة أذكرها جملة ثم أذكرها إن ١١٦ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والستون وأربعمائة شاء الله تعالى، فالواحد له كما قلنا سورة ﴿يَسّ﴾. والثاني: سورة الإخلاص. والثالث: سورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ والرابع: سورة ﴿اَلْكَفِرُونَ﴾. والخامس: سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾. والسادس: سورة البقرة. والسابع: سورة المجادلة. والثامن: سورة آل عمران. والتاسع: سورة الكهف وهو الذي يقتله الدجال ويدرك عيسى عليه السلام. والعاشر: سورة الأنعام. والحادي عشر: سورة طه. وهذا القطب هو نائب الحق تعالى كما كان علي بن أبي طالب نائب محمد بَّفي تلاوة سورة براءة على أهل مكة، وقد كان بعث بها أبا بكر ثم رجع عن ذلك فقال: ((لا يُبَلِّغُ عنّي القرآن إلاَّ رجلٌ من أهل بيتي)) فدعا بعلي فأمره فلحق أبا بكر فلما وصل إلى مكة حج أبو بكر بالناس وبلغ عليّ إلى الناس سورة براءة وتلاها عليهم نيابة عن رسول الله وَالر، وهذا ممّا يدلك على صحة خلافة أبي بكر الصديق ومنزلة عليّ رضي الله عنهما. والثاني عشر: سورة تبارك الملك. فهذه سور الأقطاب من القرآن، إلاَّ أن صاحب سورة المجادلة التي هي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِىِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىَ إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] إنما هو سورته الواقعة وله تولع بهذه السورة. وكذلك الذي له سورة الإخلاص لا غير ومنازلهم كما قد ذكرنا، غير أن المنازل بحسب الآيات ومن ذكر وما ذكر فيها، فإن التفاضل في الآيات مشهور على الوجه الذي جاء، وفضلها يرجع إلى التالي من حيث ما هي عليه الآية في التلاوة متكلم بها لا من حيث أنها كلام الله، فإن ذلك لا تفاضل فيه، وإنما التفاضل يكون فیما تكلم به لا في كلامه فاعلم ذلك . فأما حال هذا القطب فله التأثير في العالم ظاهراً وباطناً يشيد الله به هذا الدين أظهره بالسيف وعصمه من الجور فحكم بالعدل الذي هو حكم الحق في النوازل، وربما يقع فيه من خالف حكمه من أهل المذاهب مثل الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة ومن انتمى إلى قول إمام لا يوافقها في الحكم هذا القطب وهو خليفة في الظاهر، فإذا حكم بخلاف ما يقتضيه أدلة هؤلاء الأئمة قال أتباعهم بتخطئته في حكمه ذلك وأثموا عند الله بلا شك وهم لا يشعرون، فإنه ليس لهم أن يخطئوا مجتهداً لأن المصيب عندهم واحد لا بعينه، ومن هذه حاله فلا يقدم على تخطئة عالم من علماء المسلمين، كما تكلم من تكلم في إمارة أسامة وأبيه زيد بن حارثة حتى قال في ذلك رسول الله وَّلو ما قال، فإذا طعن فيمن قدمه رسول الله وَّل وأمره ورجحوا نظرهم على نظر رسول الله وَّر فما ظنك بأحوالهم مع القطب وأين الشهرة من الشهرة؟ هيهات فزنا وخسر المبطلون، فوالله لا يكون داعياً إلى الله إلاَّ من دعا على بصيرة لا من دعا على ظنّ وحكم به، لا جرم أن من هذه حاله حجر على أمّة محمد ربَّ ما وسع الله به عليهم، فضيق الله عليهم أمرهم في الآخرة وشدّد الله عليهم يوم القيامة المطالبة والمحاسبة لكونهم شدّدوا على عباد الله أن لا ينتقلوا من مذهب إلى مذهب في نازلة طلباً لرفع الحرج، واعتقدوا أن ذلك تلاعب بالدين وما عرفوا أنهم بهذا القول قد مرقوا من الدين، بل شرع الله أوسع وحكمه أجمع وأنفع ﴿ وَقِفُوُْ إِنَهُم ◌َسْئُولُونَ (٦) مَا لَكُمْ لَا تَنَصَرُونَ ﴿٢٥ بَلْ هُ الْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٦] هذا حال هؤلاء يوم القيامة فلا يؤذن لهم فيعتذرون. ولهذا القطب مقام ١١٧ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والستون وأربعمائة الكمال فلا يقيده نعت هو حكيم الوقت لا يظهر إلاَّ بحكم الوقت، وبما يقتضيه حال الزمان الإرادة بحكمه ما هو بحكم الإرادة فله السيادة وفيه عشر خصال: أوّلها الحلم مع القدرة لأن له الفعل بالهمة فلا يغضب لنفسه أبداً، وإذا انتهكت محارم الله فلا يقوم شيء لغضبه فهو يغضب الله. والثانية: الأناة في الأمور التي يحمد الله الأناة فيها مع المسارعة إلى الخيرات فهو يسارع إلى الأناة ويعرف مواطنها. والثالثة: الاقتصاد في الأشياء فلا يزيد على ما يطلبه الوقت شيئاً فإن الميزان بيده يزن به الزمان والحال فيأخذ من حاله لزمانه ومن زمانه لحاله فيخفض ويرفع. والرابعة: التدبير وهو معرفة الحكمة فيعلم المواطن فيلقاها بالأمور التي تطلبها المواطن كما فعل أبو دجانة حين أعطاه النبيّ ◌َلَّ السيف بحقه في بعض غزواته فمشى به الخيلا بين الصفين فقال رسول الله وَ﴿ وهو ينظر إلى زهوه: ((هذِهِ مِشْيَةٌ يَبْغُضُهَا الله وَرَسُولُهُ إلاَّ فِي لهذا المَوْطِنِ)) ولهذا كان مشي رسول الله وَّر فيه سرعة كأنما ينحط في صبب، فصاحب التدبير ينظر في الأمور قبل أن يبرزها في عالم الشهادة فله التصرّف في عالم الغيب فلا يأخذ من المعاني إلاَّ ما تقتضيه الحكمة فهو الحكيم الخبير، فما ينبغي أن يبديه مجملاً أبداه مجملاً، وما ينبغي أن يبديه مفصلاً أبداه مفصلاً، وما ينبغي أن يبديه محكماً أبداه محكماً، وما ينبغي أن يبديه متشابهاً أبداه متشابهاً. والخصلة الخامسة: التفصيل وهو العلم بما يقع به الامتياز بين الأشياء ممّا يقع به الاشتراك، فينفصل كل أمر عن مماثله ومقابله وخلافه، ويأتي إلى الأسماء الإلهية القريبة التشابه كالعليم والخبير والمحصي والمحيط والحكيم وكلها من أسماء العلم وهي بمعنى العليم، غير أن بين كل واحد وبين الآخر دقيقة وحقيقة يمتاز بها عن الباقي، هكذا في كل اسم يكون بينه وبين غيره مشاركة. والسادسة: العدل وهو أمر يستعمل في الحكومات والقسمة والقضايا وإيصال الحقوق إلى أهلها وهو في الحقوق شبيه بما ذكر الله عن نفسه أنه أعطى كل شيء خلقه، وقوله في موسى: ﴿قَدْ عَلِرَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠] وقوله في ناقة صالح: ﴿لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ويتعلق به علم الجزاء في الدارين والعدل بين الجناية والحد والتعزير. والسابعة: الأدب وهو العلم بجوامع الخيرات كلها في كل عالم وهو العلم الذي يحضره في البساط ويمنحه المجالسة والشهود والمكالمة والمسامرة والحديث والخلوة والمعاملة بما في نفس الحق في المواطن من الجلوة، فهذا وأمثاله هو الأدب. والثامنة: الرحمة ومتعلقها منه كل مستضعف وكل جبار فيستنزله برحمته ولطفه من جبروته وكبريائه وعظمته بأيسر مؤنة في لين وعطف وجنان. والتاسعة: الحياء فيستحي من الكاذب عن الكاذب ويظهر له بصورة من صدقه في قوله: لا يظهر له بصورة من تعامى عنه حتى يعتقد فيه الكاذب أنه قد مشى عليه حديثه وأنه جاهل بمقامه وبما جاء به فيذل في شغله ثم لا يكون في حقه عند ربه إلاَّ واسطة خير يدعو له بالتجاوز فيما بينه وبين الله عند الوقوف والسؤال يوم القيامة، وقد ورد في الخبر: ((إنَّ الله يَوْمَ القِيَامَةِ يَدْعُو بِشَيْخِ فَيَقُولُ لَهُ ما فَعَلْتَ؟ فَيَقُولُ مِنَ المُقَرّباتِ ما شَاءَ الله وَالله يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي قَوْلِهِ فَيَأْمُرُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: يَا رَبِّ إِنَّهُ كَذَبَ فِيمَا ادْعَاهُ، فَيَقُولُ ١١٨ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والستون وأربعمائة الحَقُّ: قَدْ عَلِمْتُ ذُلِكَ وَلْكِنِّي اسْتَخْيَيْتُ مِنْهُ أَنْ أُكَذْبَ شَيْبَتَهُ)) وما أوصل إلينا رسول الله وَل هذا الخبر عن الله إلاَّ لنكون بهذه الصفة فنحن أحق بها لحاجتنا أن يعاملنا الحق بها . والعاشرة: الإصلاح وأعظمه إصلاح ذات البين وهو قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] وقد ورد في الخبر: ((إنَّ الله يُضْلِحُ بَيْنَ عِبَادِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُوقِفُ الظَّالِمَ وَالمَظْلُومَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِلْحُكُومَةِ وَالإِنْصَافِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُمَا: ارْفَعَا رُؤُ وسَكُمَا فَيَنْظُرَانِ إِلى خَيْرٍ كَثِيرٍ فَيَقُولاَنِ: لِمَنْ هُذا الخَيْرُ؟ فَيَقُولُ الله لَهُمَا: لِمَنْ أَعْطَانِي الثَّمَنَ، فَيَقُولُ المَظْلُومُ: يَا رَبَ وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَّ ثَمَنْ هُذَا؟ فَيَقُولُ الله لَهُ: أَنْتَ بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيكَ هذا، فَيَقُولُ المَظْلُومُ: يا رَبِّ قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ الله لَهُ: خُذْ بِيَدِ أَخِيكَ فَادْخُلا الجَنَّةَ))، ثم تلا رسولُ اللهِ وَّهِ: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] ((فَإِنَّ اللَّه يُصْلِحُ بَيْنَ عِبَادِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)). وأما القطب الثاني من الاثني عشرة فهو على قدم الخليل إبراهيم عليه السلام وهو الذي له سورة الإخلاص الذي حبّه إياها أدخله الجنة ولقارئها ثلث القرآن وله من المنازل بعدد آيها وهو صاحب الحجة والدليل النظريّ يكون له خوض في المعقولات فيصيب ولا يخطىء، وذلك أنّ الناس قد اختلفوا في العلم الموهوب الذي من شأنه أن يدركه العاقل بفكره ويوصله إليه دليل النظر، فقال بعضهم مثل هذا العلم إذا وهبه الله من وهبه وهبه بدليله فيعلم الدليل والمدلول لا بدّ من ذلك. ورأيت أبا عبد الله الكتاني بمدينة فاس إماماً من أئمة المسلمين في أصول الدين والفقه يقول بهذا القول فقلت له: هذا ذوقك هكذا أعطاكه الحق فذوقك صحيح وحكمك غير صحيح بل قد يعطيه العلم الذي لا يحصل إلاَّ بالدليل النظري ولا يعطيه دليله وقد يعطيه إياه ويعطيه دليله كإبراهيم الخليل، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ،﴾ [الأنعام: ٨٣] وهو أكمل من الذي يعطي العلم الذي يوصل إليه بالدليل ولا يعطي الدليل ولا يشترط أحد تخصيص دليل من دليل إنما يعطي دليلاً في الجملة، فإن الأدلة على الشيء الواحد قد تكثر، ومنها ما يكون في غاية الوضوح، ومنها ما يغمض كمسألة إبراهيم الخليل في إحياء الموتى وإماتة الأحياء، وعدوله إلى إتيان الشمس من المشرق أن يأتي بها الخصم من المغرب وكلاهما دليل على المقصود، وهذا القطب من الدعاة إلى الله بالأمر الإلهيّ، ومسكنه في الهواء في فضاء الجوّ في بيت جالس على كرسي له نظر إلى الخلق لا يزال تالياً عنده جماعة من أهل الله وخاصته كلامه في الأحدية الإلهية وفي أحدية الواحد وفي أحدية الوحدانية بالأدلة النظرية وما حصلها عن نظر، ولكن هكذا وهبها الحق تعالى له وحاله الحضور دائماً إلاَّ أنه لم يحر مثل ما حار غيره، بل أبان الله له ما وقف عنده ولم يشغل خاطره بما يوجب عنده الحيرة قد تفرغ مع الله لقضاء حوائج الناس يعرف الأسماء الإلهية معرفة تامة يقول بنفي المثلية في جانب الحق أخبرني الحق بالطريقة التي جرت العادة أن يخبر بها عباده في أسرارهم أن هذا العبد أعطاه الرحمة لعباده والصلة لرحمه فسأله في أمر فلم يجبه الله إليه وهو أنه سأله أن يرث مقامه عقبه فقال له: ليس ذلك إليك لا يكون مقام الخلافة بالورث ذلك في العلوم والأموال. وأما الخلافة فكل خليفة في قوم بحسب زمانهم فإن الناس في زمانهم ١١٩ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والستون وأربعمائة أشبه منهم بآبائهم، فإن الحق لا يحكم عليه خلق إلاَّ في العلم، والخلق لا يعرف أن له هذه المرتبة إلاّ من أعلمه الله بذلك، ولقد رأيت من فتح الله عليه بصحبتي واستفاد أحوالاً وعلوماً وخرق عوائد أعطاه الله ذلك من حسن معاملته مع الله وأخبرني أنه ما استفاد شيئاً مما هو عليه يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ إلاَّ مني وأنا لا علم لي بذلك إنما أدعو إلى الله والله يعلم من يجيب ( فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] وصدقوا، وكذا هو الأمر، فلا علم لأحد إلاّ من يعلمه الله، وما عدا هذه الطريقة الإلهية في التعليم فإنما هو غلبة ظنّ أو مصادفة علم أو جزم على وهم وأما علم فلا، فإن جميع الطرق الموصلة إلى العلمٍ فيها شبه لا تثق النفس الطاهرة التي أوقفها الله على هذه الشبه أن تقطع بحصول علم منها إلا بالطريقة الإلهية وهي قوله تعالى: ﴿إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] وقوله: عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣و٤] فهو يبين عمّا في نفسه ولهذا القطب خَلَقَ الْإِنِسَنَ أسرار عجيبة . وأما القطب الثالث وهو على قدم موسى عليه السلام فسورته: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾ ومنازله بعدد آيها ولها ربع القرآن، وهذا القطب كان من الأوتاد ثم نقل إلى القطبية كما كان القطب الثاني من الأئمة ثم نقل إلى القطبية وهو صاحب جهد ومكابدة لا ينفك عن الاشتغال بالخلق عند الله، أعطاه الله في منزل النداء اثني عشر ألف علم ذوقاً في ليلة واحدة، ومنزل النداء من أعظم المنازل وقد عيناه في منزل المنازل من هذا الكتاب ولنا فيه جزء مفرد أعني في طبقات المنازل وكمياتها. فمن علوم هذا القطب علم الافتقار إلى الله بالله وهو علم شريف ما رأيت له ذائقاً لما ذقته، ومعنى هذا وسرّه أن الله أطلعه على أن حاجة الأسماء إلى التأثير في أعيان الممكنات أعظم من حاجة الممكنات إلى ظهور الأثر فيها وذلك أن الأسماء لها في ظهور آثارها السلطان والعزّة، والممكنات قد يحصل فيها أثر تتضرر به وقد تنتفع به وهي على خطر، فبقاؤها على حالة العدم أحب إليها لو خيّرت فإنها في مشاهدة ثبوتية حالية ملتذة بالتذاذ ثبوتي منعزلة كل حالة عن الحالة الأخرى لا تجمع الأحوال عين واحدة في حال الثبوت فإنها تظهر في شيئية الوجود في عين واحدة فزيد مثلاً الصحيح في وقت هو بعينه العليل في وقت آخر، والمعافى في وقت هو المبتلى في وقته ذلك بعينه، وفي الثبوت ليس كذلك فإن الألم في الثبوت ما هو في عين المتألم وإنما هو في عينه فهو ملتذ بثبوته كما هو ملتذ بوجوده في المتألم والمحل متألم به، وسبب ذلك أن الثبوت بسيط مفرد غير قائم شيء بشيء وفي الوجود ليس إلاَّ التركيب فحامل ومحمول، فالمحمول أبداً منزلته في الوجود مثل منزلته في الثبوت في نعيم دائم، والحامل ليس كذلك فإنه إن كان المحمول يوجب لذة التذّ الحامل وإن أوجب ألماً تألم الحامل ولم يكن له ذلك في حال الثبوت بل العين الحاملة في ثبوتها تظهر فيما تكون عليه في وجودها إلى ما لا يتناهى، فكل حال تكون عليها هو إلى جانبها ناظر إليها لا محمول فيها، فالعين ملتذة بذاتها والحال ملتذ بذاته، فحال الأحوال لا يتغير ذوقه بالوجود، وحال الحامل يتغير بالوجود وهو علم عزيز، وما تعلم الأعيان ذلك في ١٢٠ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والستون وأربعمائة الثبوت إلاَّ بنظر الحال إليها ولكن لا تعلم أنه إذا حملته تتألم به لأنها في حضرة لا تعرف فيها طعم الآلام بل تتخذه صاحباً، فلو علمت العين أنها تتألم بذلك الحال إذا اتصف به لتألمت في حال ثبوتها بنظره إياها لعلمها أنها تتلبس به وتحمله في حال وجودها فتألفها به في الثبوت تنعم لها، وهذا الفن من أكبر أسرار علم الله في الأشياء شاهدته ذوقاً إلهياً لأن من عباد الله من يطلعه الله كشفاً على الأعيان الثبوتية فيراها على صورة ما ذكرناها من المجاورة والنظر ما يرى فيها حالاً ولا محلاً [مخلع البسيط]: من غير شَوْبٍ ولا اتِّحَادِ بَلْ كُلُّ ذات على انْفِرَادِ ولا اتّفاقٍ ولا عِنَادِ ولا حُلُولٍ ولا انْتِقَالٍ فإذا فهمت الفرق بين الوجود والثبوت وما للأعيان في الوجود وما لها في الثبوت من الأحكام علمت أن بعض الأعيان لا تريد ظهور الأثر فيها بالحال ما لها في ذلك ذوق فهي بالحال لو عرض عليها ذوق الألم في حال الثبوت لضجت، فإن أمرها في حال الوجود إذا حملت الألم قد تحمل الصبر وقد لا تحمله، وفرضناها في حال الثبوت حاملة فاقدة للصبر فما لها بلسان الحال ذلك الافتقار إلى طلب الوجود وإن طلبته بالقول الثبوتي من الله، فإذا وجدت تقول كما قد نقل عن بعضهم ليتني لم أخلق، ليت عمر لم تلده أمه، ليتها كانت عاقراً، وأمثال هذا، فتكون الأعيان أقل افتقاراً من الأسماء، والأسماء أشد افتقاراً لما لها في ذلك من النعيم ولا سيما وهي تشاهد من الحق الابتهاج الذاتي بالكمال من حيث استصحاب الممكنات في ثبوتها لذاته وأنه منزه عن أثرها والتأثّر بسببها، فهو من حيث ذاته في كمال عن التأثّر في حال ثبوت الأعيان وحال وجودها لأنه ما زاد في نفسه علماً بما لم تكن عليه فيها فإنها أعطته العلم بشأنها أزلاً وبتلك الصورة توجد، فالمجاورة في الثبوت حلول في الوجود ففي الثبوت إلى جانبها وفي الوجود حال فيها، فهذا علم واحد من تلك العلوم فاعلم ذلك. وأما القطب الرابع الذي على قدم عيسى عليه السلام فسورته من القرآن: ﴿قُلْ يَكَأَيُها اُلْكَفِرُونَ﴾ ولها ربع القرآن، ومنازله بعدد آيها، وهذا القطب من الضنائن المصانين له التجلي الدائم كلامه في الجمع والوجود وعلم المزيد، إذا رأى شبهة في أحد تحول بينه وبين العلم أزالها حتى يتبين لصاحبها صورة الحق في ذلك الأمر، له ستمائة مفتاح مقام في كل مقام من العلوم ما شاء الله، له علم الامتزاج والتركيب الاعتداليّ لا يعرف الانحراف ولا النقص ولا الزيادة، مسكنه بقبة أرين منقطع عن الخلق إلاَّ من شاء الله عاش طيباً مع الله إلى أن توفاه الله، وكان من الأوتاد أيضاً فانتقل إلى القطبية يقول: إن الوجود وجود الحق، وإن الجمع جمع الحق صفات القدم والحدوث وهو علم غريب في الجمع ما رأيت من يقول به من أهل الله غير هذا القطب، فإني شاهدت هؤلاء الأقطاب أشهدنيهم الحق وإن كانوا قد درجوا من الدنيا وهو العلم الذي وردت به الشرائع في جانب الحق فنقول ذلك هو الجمع، وعنده أن المحدث صاحب دعوى في تلك الصفات المسماة محدثة، ولأجل دعواه قلنا إنه جمع، وإلاَّ فالأمر