النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
في المنازلات/ الباب الثالث والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة واجب الكشوف العرفاني
في كشوف يكون أو في جنان
وعيون تَعَلَّقَتْ بمثال
والذي تدركُ الجُفُونُ كياني
هو لا مُذْرَكْ بعين وعَقْلٍ
قال الله تعالى إن موسى: ﴿قَالَ رَبٍّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ قَالَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] له ربه ﴿لَنْ
تَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] لأنه قال: ﴿أَنْظُرْ﴾ بالهمزة فلو قال بالنون أو بالياء والتاء ربما لم يكن
الجواب: ﴿لَنْ تَرَِ﴾ والله أعلم والسؤال مجمل في قوله: ﴿أَنْظُرْ﴾ والجواب مجمل في
قوله: ﴿لَنْ تَرَِ﴾ .
اعلم أن رؤية المرئي تعطي العلم به ويعلم الرائي أنه راء أمراً ما وقد أحاط علماً بما
رآه، ورأينا الذي يرى الحق لا تنضبط له رؤيته إياه، وما لا ينضبط لا يقال فيه أن الذي رآه
عرف أنه رآه، إذ لو رآه لعلمه وقد علم بتنوّع الصور عليه في ترداد رؤيته مع أحدية العين
في نفس الأمر فما رآه حقيقة، فلا يعلم الحق إلاَّ من يعلم أنه ما رآه ﴿قَالَ رَبٍّ أَرِفِ أَنْفُرْ
إِلَيْكَ﴾ بعيني فإن الرؤية بأداة إلى رؤية العين قال له: ﴿لَنْ تَرَدِ﴾ بعينك لأن المقصود من
الرؤية حصول العلم بالمرئي، ولا تزال ترى في كل رؤية خلاف ما تراه في الرؤية التي
تقدمت فلا يحصل لك علم برؤية أصلاً في المرئي فقال له: ﴿لَنْ تَرَِ﴾ فإني لا أقبل من
حيث أنا التنوّع وأنت ما ترى إلاَّ متنوّعاً وأنت ما تنوّعت فما رأيتني ولا رأيت نفسك وقد
رأيت فلا بدّ أن تقول: رأيت الحق وأنت ما رأيتني فلم تصدق أو تقول: رأيت نفسي وما
رأيت نفسك فلم تصدق وما ثم إلاَّ أنت والحق ولا واحد من هذين رأيت وأنت تعلم أنك
رأيت فما هذا الذي رأيت فلن تراني بعينك، فهل إذا كان الحق بصرك هل يمكن أن تصدق
في أنك رأيته إذا رأيت؟ أو الحال واحدة في بصره إذا كان في مادة عينك أو بصرك؟ وهذا
مشهد من مشاهد الحيرة في الله تعالى، ولا تتعجب من طلب موسى عليه السلام رؤية ربه
فإنه ثم مقام يقتضي طلب الرؤية والإنسان بحكم الوقت فإن الوقت حكمه مطلق حقاً
وخلقاً. وهذا القدر كاف في هذه المنازلة، فإن مجالها لا يتسع لأكثر من هذه العبارة، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث والأربعون وأربعمائة
في معرفة منازلة واجب الكشوف العرفاني
[البسيط]:
فواجبُ الكَشْفِ عِزْفَانٌ بآحادِ
إنّ المعارفَ تُعْطي واحداً أبداً
من نفسه وله الإسعادُ في النّادي
فإن تَعَدَّى إلى ثانٍ فإن له
العلمُ وقتاً فإسعادٌ بإسعادِ
تساعدُ العِلْمَ وقتاً إذ يساعدُها
علمٌ كمعرفةٍ والحكمُ للبادي
لا تَعْلَمُونَهُمُ الله يعلمهم
اعلم أيّدنا الله وإياك أن الذي أوجب الكشوف العرفاني الطمع الطبيعي في الربوبية
ليشهد ما هو عليه الرب من الصفات المؤثرة في الأكوان فيظهر بها في ربوبيته عن كشف
الفتوحات المکیة ج٧ - م٦

٨٢
في المنازلات/ الباب الثالث والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة واجب الكشوف العرفاني
وتحقيق فلا نتعدى بالصفة أثرها فإن الأسماء الإلهية تتقارب، وربما يتخيل من لا كشف له
عليها ولا ذوق له فيها أنها متداخلة أو مترادفة وإنما هي في أنفسها مشتبهة، ولا يصل إلى
تحقيق ذلك أحد إلاَّ بالكشف إلاَّ أن هنا دقيقة وهي أن نسبة ذلك الاسم الإلهي إلى الرب
تعالى ما يكون على مثل نسبته إلى المخلوق، فإن الأمور إذا نسبت إلى شيء تختلف نسبتها
باختلاف من تنسب إليه، وإن كان معنى ذلك الاسم المنسوب على حقيقة واحدة، فإذا اطلع
أهل الكشف من نفوسهم على تهييء المحال التي تتأثر لها يشوّقها ذلك إلى تحصيل الوجوه
التي تبقي عليها الأدب مع الله إذا أثرت بها لأنها قد علمت بالخبر الإلهي أنها مخلوقة على
الصورة الإلهية وأن الخلافة ما صحّت لها إلاَّ بالصورة وأن كل إنسان ما هو على الصورة، فإنه
ثم إنسان حيوان وإنسان خليفة، ولم يعلم هذا الإنسان الطالب أي إنسان هو هل هو الحيوان
أو الإمام؟ فأوجب له هذا الاطلاع أن يطلب من الحق تجلياً خاصاً في ربوبيته ويرى انفعال
الأكوان عنه كما قال الصديق: ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الله قبله، فيرى صدور الأكوان عنه في
الأكوان ويرى صورة التعلّق، وهل يكون الحق في ذلك التحلّي على صورة ما يتكوّن عنه أو
على صورة النسبة التي يكوّن بها التي يقول للشيء كن فيكون ذلك الشيء، ويرى من أين يقبل
المأمور بالتكوين التكوّن هل يقبله من أمر وجودي أم لا؟ فإذا ظهر هل يظهر بصورة الاسم
الذي قال به الحق له كن أو يكون هو عين الصورة التي قال بها كن، فكانت في حق الحق
أسماء، وفي جوهر المكوّن فيه خلقاً وصورة، وإذا كانت بهذه المثابة فهل تبقى تلك الصورة
الاسمية على ما شهدها في الحق أو تظهر بذلك الاسم في صورة أخرى لتكوين عين أخرى
لاختلاف الأمثال لما بينهم من التميز الذي به يقال: هذا ليس هذا أو هذا مثل هذا، كل هذا
يطلبه العارف حتى يقف عليه من نفسه، وهذا هو الشخص الذي يدعو إلى الله على بصيرة
ويكون من نفسه على بصيرة ويرى تأثير الخلق في الخلق هل هو أمر صحيح أو هو تأثير حق
في خلق أو خلق في حق أو حق في حق أو هو المجموع أو لا أثر في نفس الأمر؟ وإن ظهر
أنه أثر كما تقدم في الرؤية هل المرئي الحق أو نفس الرائي؟ وليس هذا مع ثبوت مرئي لا
يعرف ما هو، كذلك ربما يكون ثبوتٍ أثر في الكشف وفي الوقوع، فإن جعلنا محله حقاً أو
خلقاً لم يصدق هذا الجعل وما ثم إلاَّ حق وخلق فأين محل الأثر؟ وهذا من أشكل ما تروم
النفس تحصيله، فإذا اطلع العارف على الوجه الصحيح انتقل من درجة المعرفة إلى درجة
العلم فكان عالماً إلهياً بعدما كان عارفاً ربانياً، ولا يقال إلهيّ إلاَّ فيمن هذه صفته فإن له الأمر
العام الجامع، فإذا نظرت إليه قلت: إنه حق، ثم تنظر إليه فتقول: إنه خلق، ثم تنظر إليه
فتقول: لا حق ولا خلق، ثم تنظر إليه فتقول: حق خلق، فتحار فيه حيرتك في الله، فحينئذٍ
تعرف أنه قد حصل الصورة وأنه فارق الإنسان الحيوان، ومتى لم يعرف الإنسان هذا من نفسه
ذوقاً وحالاً وكشفاً وشهوداً فليس بالإنسان المخلوق على الصورة الذي له الإمامة في الكون
صاحب العهد، فإن الله لا ينال عهده الظالمون، وليس عهده سوى صورته فاعلم ذلك، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل.

في المنازلات/ الباب الرابع والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة من كتب له كتاب العهد الخالص لا يشقى ٨٣
الباب الرابع والأربعون وأربعمائة
في معرفة منازلة من كتب له كتاب العهد الخالص لا يشقى
[الرمل]:
هكذا دَلَّ دليلي فوَجَبْ
ليس يَمْحُو الله خيراً قد كَتَبْ
يَتَجَلَّى ثم من بُعْدُ اخْتَجَبْ
وكذا حُكْمُ تَجَلِيهِ فما
بعد هذا العلم جهلاً يَنْقَلِبْ
كلّ ما أعطاك علماً لا ترى
فلهذا الربِّ فاسْجُدْ واقْتَرِبْ
ولهذا عَمِلُوا واجتَهَدُوا
ما له من ذاته حُكْمٌ غصبْ
يحكمُ الجودُ به من نفسه
بامتنان ووجوبٍ قد كتب
فيكون الكلُّ في رحمته
وكذا حكم عُبَيْدٍ يَكْتَسِبْ
يطمعُ الشيطانُ في رحمته
قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الْذِينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] ألا إنه العهد الذي خلص لنفسه في
وفاء العبد به ما استخلصه العبد من الشيطان ولا من الباعث عليه من خوف ولا رغبة ولا جنة
ولا نار، فإنه قد يكون الباعث للمكلف مثل هذه الأمور في الوفاء بعهد الله، فيكون العبد من
المخلصين ويكون الدين بهذا الحكم مستخلصاً من حد من يعطي المشاركة فيه فيميل العبد به
عن الشريك ولهذا قال فيه حنفاء لله أي مائلين به إلى جانب الحق الذي شرعه وأخذه على
المكلفين من جانب الباطل، إذ قد سماهم الحق مؤمنين في كتابه فقال في طائفة إنهم آمنوا
بالباطل وكفروا بالله فكساهم حلة الإيمان، فما الإيمان خصوص بالسعداء ولا الكفر خصوص
بالأشقياء فوقع الاشتراك وتميزه قرائن الأحوال، فلم يبق يعرف الإيمان من الكفر ولا الإيمان
من الإيمان ولا الكفر من الكفر إلاَّ بلابسه، فالعهد الخالص هو الذي لما أخذ الله من بني آدم من
ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ثم ولد كل بني آدم على الفطرة وهو قوله وَله: «كُلّ
مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ)) وهو المیثاق الخالص لنفسه الذي ما ملکه أحد غصباً فاستخلص منه بل
لم يزل خالصاً لنفسه في نفس الأمر طاهراً مطهراً، ولكن هنا نكتة لا يمكن إظهارها كما كان
الحق منزها لنفسه ما هو منزّه لتنزيه عباده ولهذا قال من قال من العارفين سبحاني، فإذا ولد
المولود ونشأ محفوظاً قبل التكليف كسهل بن عبد الله وأبي يزيد البسطامي ومن اعتنى الله به من
أمثالهما ممّن کان من الناس قبلهما وبعدهما وفي زمانھما ممّن لم یصل إلینا خبره کما وصل إلينا
خبر هذين السيدين ولم يرزأه في عهده هذا بشيء ممّا ذكرناه آنفاً فبقي عهده على أصله خالصاً
وهو الدين الخالص لا المخلص فقام بالعبد من غير استخلاص فما هو من العباد الذين أمروا أن
يعبدوا الله مخلصين إذ لا فعل لهم في الاستخلاص بل لم يعرفوا إلا هذا الدين الخالص من غير
شوب خالطه حتى يستخلصوه منه فيكونون مخلصين، هذا لم يذوقوا له طعماً مثل ما ذاقه الغير،
ومن كان هذا حاله من الدين فهو صاحب العهد الخالص فلا يشقى، فإنه لا يشقى إلاَّ أهل
المكابدة والمجاهدة في استخلاص الدين ممّن أمرهم الله أن يستخلصوه منه وليس على الحقيقة

٨٤ في المنازلات/ الباب الرابع والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة من كتب له كتاب العهد الخالص لا يشقى
إلاَّ هوى أنفسهم، وهؤلاء في المرتبة الثانية من السعادة، والطبقة الأولى هم الذين يغبطهم
الأنبياء والشهداء أصحاب المنابر يوم القيامة المجهولون في الدنيا فهم لا يشفعون ولا
يستشفعون ولا يرون للشفاعة قدراً في جنب ما هم فيه من الحال الطاهر القدوس لا المقدس.
ومن هذا المقام قال أبو يزيد: لو شفعني الله في جميع الخلائق يوم القيامة لم يكن ذلك
عندي بعظيم لأنه ما شفعني إلاَّ في لقمة طين يعني خلق آدم من طين ونحن منه كما قال من
نفس واحدة خلقت تلك النفس من طين، فانظر ما أعجب إشارة أبي يزيد وإياك أن يخطر لك
في هذا الرجل احتقار منه للمقام المحمود الذي لمحمد وّلويوم القيامة وأنه يفتح فيه أمر
الشفاعة وهو مقام جليل، واعلم أنه ما سمّي مقاماً محموداً لمجرد الشفاعة بل لما فيه من
عواقب الثناء الإلهي الذي يثني رسول الله وَّر بها على ربّه عزّ وجلّ ممّا لا يعلم بذلك الثناء
الخاص اليوم، فما حمد إلاّ من أجل الله لا من أجل الشفاعة، ثم جاءت الشفاعة تبعاً في هذا
المقام، فيقال له عند فراغه من الثناء: سل تعطه واشفع تشفع، فيشفع في الشافعين أن يشفعوا
فيبيح الله الشفاعة للشافعين عند ذلك فيشفعون، فلا يبقى ملك ولا رسول ولا مؤمن إلاّ
ويشفع ممّن هو من أهل الشفاعة وأهل العهد الخالص على منابرهم ﴿لَا يَخْزُنُهُمُ الْفَرَعُ
اُلْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] على نفوسهم ولا على أحد لأنهم لم يكن لهم تبع في الدنيا، وكل
من كان له تبع في الدنيا فإنه وإن أمن على نفسه فإنه لا يأمن على من بقي وعلى تابعه لكونه لا
يعلم هل قصر وفرّط فيما أمره به أم لا، فيحزنه الفزع الأكبر عليه، تقول بعض النساء من
العارفين لجماعة من رجال الله: أرأيتم لو لم يخلق جنة ولا ناراً أليس هو بأهل أن يعبد؟ تشير
هذه المرأة إلى الدين الخالص وهو هذا المقام وهي رابعة العدوية ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن
يَشَدَءُ﴾ [المائدة: ٥٤] ويقول فيه أبو يزيد الأكبر لا صفة لي فلو استخلص عهده لكان مخلصاً،
وإذا كان مخلصاً كان ذا صفة فلم يصدق في قوله وهو عندنا صادق، وهذه الطائفة هم الذين
عمّهم قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ وهذا العهد الخالص فأمسكه الله عليهم
﴿فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي من وفى بعهده فإن النحب العهد ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَنْتَظِرِّ﴾ لأن العبد ما
دام في الحياة الدنيا لا يأمن التبديل فإن الله يفعل ما يريد، وما يدري العبد على الحقيقة ممّا
كان عليه من الحال في حال عدمه إذ كان مشهوداً لله لا لنفسه إلاَّ ما مضى، وما يقع فهو في
علم الله، فلا يأمن مكر الله لعلمه بالله ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] فللَّهِ رجال بهذه المثابة
جعلنا الله منهم، فما أعظم بشارتها من آية ولا بلغ إلينا تعيين أحد من أهل هذه الصفة إلاّ
طلحة بن عبيد الله من العشرة صحّ فيه عن رسول الله وَّرَ أنه قال: ((هذا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ»
وهو في الحياة الدنيا فأمن من التبديل وهذا عظيم ويدخل في هذا المقام وإن لم يبلغ فيه
مبلغ من له العهد الخالص بالأصالة من عهد الله على القيام بدينه عند توبته فوفى بما عاهد
عليه الله. قال لي السيد سليمان الدنبليّ إنّ له خمسين سنة ما خطر له خاطر سوء، فمثل
هذا يلحق بهؤلاء إذا مات عليه ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اَللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وكل من جدّد
عهداً مع الله فهو من المخلصين ما هو ممّن له الدين الخالص، فصاحب الدين الخالص مهما

٨٥
في المنازلات / الباب الخامس والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة هل عرفت أوليائي الذين أدّبتهم بآدابي
تجدّد له من الله حكم بشرع لم يكن يعرفه قبل ذلك، وقد كلفه الحق به في كتابه أو على لسان
رسوله، فإن هذا العبد يتلقاه بالدين الخالص والعهد الأوّل ولا يضرّه جهله بالمسألة المعينة
الخاصة، هذا لا يقدح في صاحب هذا المقام كأبي بكر الصديق الذي ما رأى شيئاً إلاَّ رأى الله
قبله بالدين الخالص والعهد الإلهيّ الذي كان عليه وفي شهوده، ولهذا لما واجهه رسول
الله ◌َ له بالإيمان برسالته بادر وما تلكأ ولا طلب دليلاً على ذلك منه بل صدقه بذلك العهد
الخالص فإنه رأى رسالته هناك كما رأى رسول الله ◌َ لتر نبوّته قبل وجود آدم كما روي عنه:
((كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ وَالطِّينِ)) أي لم يكن موجوداً وإنما عرف بذلك لقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ
التَِّيْئِنَ مِشَقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] وكان هذا الميثاق قبل وجود جسد آدم، فلما وجد آدم وقبض
الحق على ظهره واستخرج منه كأمثال الذر يعني بنيه أشهدهم على أنفسهم كما جاء في القرآن
فشهدوا فهذا هو الميثاق الثاني، والميثاق الأول هو ما أخذه على الأنبياء فلما ولدوا ﴿فَمِنْهُم
مَن قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ومنهم من خذله الله فأشرك، جعلنا الله ممّن قضى نحبه ولم
يبدّل آمين بعزّته، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخامس والأربعون وأربعمائة
في معرفة منازلة هل عرفت أوليائي الذين أدّبتهم بآدابي
[الرمل] :
أنبياءُ الله ما أذَّبَهُم
غَيْرُهُ فاعْتَصَمُوا بالأدَبِ
هكذا عينهم في الكُتُب
فَهُمُ السادةُ لا يَخْذُلُهُمْ
هو مَعدودٌ بذا في النُّجُب
فالذي يَمْشي على آثارهم
لم يزل لذاك خَلْفَ الحُجُب
فإذا كان كذاثم كذا
أَسْعَدُ الناس بهم تَابِعُهُمْ
لَزِمُوا المحرابَ حتى وَرِمَتْ
فتراه مِثْلَهم في النَّصَب
منْهُمُ أقدامُهم في قرب
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ومن أحبّ
الله ذلّ، ومن أحبه الله دلّ، فالمحب ذليل والمحبوب ذو دلال ودلال. وقال ◌َله: ((إنَّ الله
أَدَّبَنِي فَأَحْسَنَ أَدَبِي)) واعلم أنه لتعريف الله بمنازل الخلق عنده من وليّ وغيره طريقين: الطريق
الواحدة الكشف فيرى منازل الخلق عند الله فيعامل كل طائفة بمنزلها من الله. والطريق
الأخرى ملازمة الأدب الإلهي، والأدب الإلهي هو ما شرعه لعباده في رسله وعلى ألسنتهم،
فالشرائع آداب الله التي نصبها لعباده، فمن وفى بحق شرعه فقد تأذّب بأدب الحق وعرف
أولياء الحق، فإذا رأيت من جمع الخير بيديه وملأهما به فتعلم أنه قد أخذ بأدب الله فإن
رسول الله وََّ يقول لربه وهو الصادق العالم بربه: ((وَالخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ)) فالخير إذا أردت أن
تعرفه فاعلم أنه جماع مكارم الأخلاق وهي معروفة عرفاً وشرعاً، وكل ما تراه من إقامة
الحدود على من لو لم يأمرك الحق بذلك لكنت تعفو عنه فذلك لا يقدح في مكارم الأخلاق

٨٦ في المنازلات/ الباب الخامس والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة هل عرفت أوليائي الذين أدّبتهم بآدابي
مع هذا الشخص فإنك ما فعلت به ما فعلت لنفسك وإنما الله فعل بعبده ما شاء على يدك،
وكلاكما عبد لسيد واحد، وإنما كلامنا فيما يرجع إليك لا لأمر سيدك، فإنه من مكارم
الأخلاق في العبيد امتثال أوامر سيدهم في عباده والوقوف عند حدوده ومراسمه فيهم ﴿لَّا
تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَاذُونَ مَنْ حَاذَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ
أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] فكونهم حادّوا الله ورسوله هو الذي عاد
عليهم، فهم جنوا على أنفسهم ما جنى عليهم صاحب مكارم الأخلاق، فمن تعرّض لأمر فقد
أحب أن يتعرض إليه فيه فما فعلت معه في عدم ودّك فيه إلاّ ما أحب، ولا تكون مكارم
الأخلاق إلاَّ أن تفعل مع الشخص ما يحبه منك فإنه قد بغضك أوّلاً لإيمانك بالله واليوم الآخر
واتخذك عدوّاً، فمن مكارم خلقك معه أن تتلطف به في إيمانه، فإن لم ينفع فلتقابله بالقهر،
فإن لم يفعل ولجَّ فقدرت على قتله فاقتله بمكارم خلق منك حتى لا يبقى في الحياة الدنيا
فيزيد كفراً وطغياناً فيزيده الله عذاباً كما فعل من شهد الله له بأنه رحيم وهو خضر اقتلع رأس
الغلام وقال: إنه طبع كافراً فلو عاش أرهق أبويه طغياناً وكفراً، وانتظم الغلام في سلك الكفار
فقتله الخضر رحمة به وبأبويه، أما الصبي حيث أخرجه من الدنيا على الفطرة فسعد الغلام
والله أعلم وسعد أبواه، وهذا من أعظم مكارم الأخلاق.
كان بعض الصالحين يسأل الله الغزاة فلا يسهل الله له أسبابها ويحول بينه وبين الجهاد
في سبيل الله وكان من الأولياء الأكابر عند الله ممّن له حديث مع الله فبقي حائراً في تأخّره
وتعذّر الأسباب عليه مع ما قد حصل في نفسه من حب الجهاد لما فيه من مرضاة الله ولما
للشهداء عند الله، فلما علم الله أنه قد ضاق صدره لذلك أعلمه الله بالطريقة التي كان يأخذ
العلم عن الله بها فقال له: لا يضيق صدرك من أجل تعذر أسباب الجهاد عليك فإني قضيت
عليك لو غزوت لأسرت ولو أسرت لتنصرت ومت نصرانياً، وإن لم تغز بقيت سالماً في بيتك
ومت عبداً صالحاً على الإسلام، فشكر الله على ذلك وعلم أن الله تعالى قد اختار له ما هو
الأسعد في حقه، فسكن خاطره وعلم أن الله قد اختار له ما له فيه الخيرة عنده أيضاً من آداب
الله الذي ينبغي للعبد أن يتأدب بها مع الله، فإذا رأيت من سلم واستسلم وقامت به آداب الحق
وقام بها في نفسه وفي عباده وتأدّب مع الصفة لا مع الأشخاص ويتخيل صاحب الصفة أنه
تأذّب معه وما عنده خبر بحال هذا الأديب فإنه ينظر العالم بعين الحق وعين الحق تنظر إليهم
بما أعطاها علم الله بهم، وعلم الله بهم ما هم عليه من الأحوال، فإن الذوات التي تقوم بها
الأحوال لا يحكم عليهم من حيث ذواتهم سعادة ولا شقاء، وإنما ذلك بما يقوم بالذوات من
الصفات، فالصفات لا تتصف بالشقاء لذاتها ولا بالسعادة، والذوات الحاملة للصفات لا
تتصف أيضاً لنفسها وعينها بسعادة ولا شقاء، فإذا قامت الصفات بالذوات وظهرت أحكامها
فيها اتصفت الذوات بحسب ما حصل من الامتزاج الذي لم يكن ولا لواحد منهما على
الانفراد فقيل عند ذلك في الشخص سعيد أو شقيّ. فانظر ما أعجب حديث السعادة والشقاء
حيث لم يظهر واحد منهما إلاَّ بحسب الامتزاج، كما لم يظهر سواد المداد إلاّ بامتزاج العفص

في المنازلات/ الباب الخامس والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة هل عرفت أوليائي الذين أدبتهم بآدابي ٨٧
والزاج، كما لم يظهر بياض الشقة إلاّ بين الشقة والقصارة، فالخوف كله من التركيب،
والآفات كلها إنما تطرأ على الشخص من كونه مركباً والخروج عن التركيب يعقل وليس بواقع
في العالم أصلاً المركب ولهذا قال أبو يزيد: إنه لا صفة له فإنه أقيم في معقولية بساطته فلم يرٍ
تركيباً فقال: لا صفة لي فصدق، ولكنه غير واقع في الوجود الحسّيّ العيني، فما ثم إلاّ
مركب يقبل السعادة أو الشقاء بحسب ما تقتضيه مزجته فقد فرغ ربك وما كان فراغه عن مانع
شغل وإنما أراد بذلك التنزيه أي أن الأمور لا تقع إلاَّ على ما هي عليه في نفسها، ومن عصمه
الله من الزلل الذي يقتضيه هذا المشهد فقد اعتنى الله به الاعتناء الأعظم، ومن هنا زلّت
الأقدام كما جاء في الشريعة نظيره لما ذكر النبي ◌َّ من سبق الكتاب على العبد بالسعادة أو
بالشقاء فقالت الصحابة: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال لهم رسول الله وَّهُوَ: ((اعْمَلُوا فَكُلِّ
مُيَسَّرٌ لِمَا يُسْرَ لَهُ)) وقد بيّن الحق بإرساله عليهم أسباب الخير وطرقه وأسباب الشقاء والشر
وطرقه، وجعل السلوك في طرق الخير بشرى فانظرها في نفسك، فإن وجدت الأمر عندك إذا
كنت في الخير مثلاً واجداً باطنك وظاهرك فيه على السواء غير مرتاب فتلك البشرى فافرح بها
في السعادة فإن الله ما يبدلك، وإن رأيت الخير في ظاهرك وتجد في باطنك نكتة من شك أو
اضطراب فيما أنت فيه من عبادة ويقع لك خاطر يقدح في أصلها بما يخالف ظاهر الفعل
فاعلم أن الله لم يعطك إيماناً ولا نوّر قلبك بنوره، فابك على نفسك أو اضحك فما لك في
الآخرة من خلاق، هذا ميزانك في نفسك وأنت أعرف بنفسك وما يخطر لك فيها، ولهذا قال
رسول الله وَّ في الصحيح: ((إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ)) فإنه يبدو لله
منه هذا الخاطر الذي يقدح في الإيمان من الشك القائم به أن الأمر الذي هو فيه من الشرع ما
هو على ما يعطيه الظاهر هذا هو البلاء المبين ((وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلٍ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو
لِلنَّاسِ)) يعني من المخالفات والذي يبدو لله من باطنه خلاف هذا من نور الإيمان والصدق مع
الله في أن هذا الحال التي هو عليها مخالف لأمر الله فيبكي باطناً ويخالف ظاهراً فيبدو الله منه
ما لا يبدو للناس فقد أبان ول* في هذا الخبر ما الناس عليه في أنفسهم.
ثم لتعلم أن في ترجمة هذه المنازلة من الحق إشارة لطيفة المعنى في استفهامه عزّ وجلّ
عمّا هو به عالم مثل قوله لملائكته: كيف تركتم عبادي؟ والملائكة تعلم أنه تعالى أعلم بعباده
منهم، ألا يعلم من خلق وجميع ما هم فيه خلقه تعالى: ﴿وَهُوَ اَللَّطِيفُ﴾ بسؤاله ﴿اَلْخِيرُ﴾
[الأنعام: ١٠٣] بما سأل عنه لأنه واقع، فكل علم عنده عن وقوع فهو به خبير وتعلقه به قبل
وقوعه هو به عليم، فمن أدب الملائكة لعلمهم بما قصد الحق منهم أجابوه تعالى فقالوا:
تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون لأن عروج الملائكة عنهم ونزولهم علیھم کان عند
صلاة العصر وصلاة الصبح كذا ورد الخبر، فأقول مجيباً للحق: عرفتهم لما عرفت آدابك
فنسبتهم إليك فقلت: هؤلاء أولياء الله وعلامتهم إذا رأوا ذكر الله لتحققهم بالله وليس إلاّ
العبودة المحضة الخالصة التي لا تشوبها ربوبية بوجه من الوجوه فهذه آدابك، وكل نعت يرى
فيهم فيه رائحة ربوبية فهو أدب الخلافة لا أدب الولاية، فالوليّ ينصر ولا ينتصر، والخليفة

٨٨ في المنازلات / الباب السادس والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة في تعمير نواشىء الليل فوائد الخيرات
ينتصر وينصر، والزمان لا يخلو من منازع، والوليّ لا يسامح فإن سامح فليس بوليّ ولا يؤثر
على جناب الحق شيئاً فهو كله لله، والخليفة هو الله فى وقت وللعالم في وقت، فوقتا يرجح
جناب الحق غيرة، ووقتاً يرجح جناب العالم فيستغفر لهم مع ما وقع منهم ممّا يغار له الوليّ،
وهؤلاء هم المفردون الذين تولّى الله آدابهم بنفسه يقول الخليفة: لأزيدن على السبعين في
وقت ويدعو على رعل وذكوان وعصية في وقت، وأين الحال من الحال فالخليفة تختلف عليه
الأحوال والوليّ لا تختلف عليه الحال، فالوليّ لا يتهم أصلاً، والخليفة قد يتهم لاختلاف
الحال عليه، فما يدّعي دعوى إلاَّ وعجزه يكذبه مع صدقه حال آخر يبدو منه، فآداب الأولياء
آداب الأرواح الملكية، ألا ترى إلى جبريل عليه السلام يأخذ حال البحر فيلقمه في فم فرعون
حتى لا يتلفظ بالتوحيد ويسابقه مسابقة غيرة على جناب الحق مع علمه بأنه قد علم أنه لا إله
إلا الله، وغلبه فرعون فإنه قال كلمة التوحيد بلسانه كما أخبر الله تعالى عنه في الكتاب العزيز،
والخليفة يقول لعمّه: ((قُلْها في أذني أَشْهَد لك بها عند الله)) وهو يأبى، وأين هذا الحال من
حال قول الخليفة الآخر: ﴿رٍَّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ولعلهم لو طال
عليهم الأمد لرجعوا وفي أصلابهم من يؤمن بالله فتقرّ به أعين المؤمنين، فآداب الأولياء
غضب في المغضوب عليهم لا رجوع فيه، ورضا في المرضي عنهم لا رجوع فيه، فإن ذلك
أدب الحق والحق الواقع الواجب وقوعه، وآداب الخلفاء الرضا في المرضيّ عنهم، والعفو
وقتاً والغضب وقتاً في المغضوب عليهم، ولهذا خصّ الأولياء دون غيرهم في قوله: هل
عرفت أوليائي والكل أولياء ولكن هؤلاء أولياء الأسماء الإلهية وهؤلاء أولياء الإضافة فهم
أولياء أنّة لا أولياء أسماء، وسأعرّفك بالفرق بين أسماء الكنايات والأسماء الظاهرة إن شاء الله
في باب الأسماء من آخر هذا الكتاب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والأربعون وأربعمائة
في معرفة منازلة في تعمير نواشىء الليل فوائد الخيرات
[البسيط]:
فيها النزولُ من الرحمن بالكَرَمِ
نَوَاشىءُ اللَّيْلِ فيها الخَيْرُ أجْمَعُهُ
بما يُذْلِيهِ من طرائف الحِكْمِ
يَدْنُو إلينا بنا حتى يساعدنا
إلاَّ الذي خُصَّ بالخُسْران والنّقَمّ
فالكل يَعْبُدُهُ والكل يشكُرُهُ
إن الوليَّ تراه وقت غَفْلَته
يا رَبِّ يا رَبِّ لا يَبْغي به بدلاً
يبكي ويدعوه في داجٍ من الظُّلَمِّ
خلقاً عظيماً كما قد جاء في القَلَمَ
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةً أَلَّلِ هِىَ أَشَدُّ وَعْطَاً
وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] ولما سئلت عائشة عن خلق رسول الله وَّه قالت: ((كان خلقه القرآن))،
وإنما قالت ذلك لأنه أفرد الخلق، ولا بدّ أن يكون ذلك الخلق المفرد جامعاً لمكارم الأخلاق
كلها، ووصف الله ذلك الخلق بالعظمة كما وصف القرآن في قوله: ﴿ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾

في المنازلات / الباب السادس والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة في تعمير نواشىء الليل فوائد الخيرات ٨٩
[الحجر: ٨٧] فكان القرآن خلقه، فمن أراد أن يرى رسول الله وَل﴿ ممّن لم يدركه من أمته
فلينظر إلى القرآن فإذا نظر فيه فلا فرق بين النظر إليه وبين النظر إلى رسول الله وَ لقر، فكأن
القرآن انتشأ صورة جسدية يقال لها محمد بن عبد الله بن عبد المطلب والقرآن كلام الله وهو
صفته، فكان محمد صفة الحق تعالى بجملته، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله لأنه لا ينطق
عن الهوى فهو لسان حق، فكان ◌َّو ينشىء في ليل هيكله وظلمة طبيعته بما وفقه الله إليه من
العمل الصالح الذي شرعه له صوراً عملية ليلية لكون الليل محل التجلي الإلهي الزماني من
اسمه الدهر تعالى يستعين بالحق لتجليه في إنشائها على الشهود وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ
الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] ولم تكن هذه الصور إلاَّ الصلاة بالليل دون سائر الأعمال،
وإنما قلنا بالاستعانة لقوله تعالى: ((قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي)) وقوله: ﴿أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ﴾
[الأعراف: ١٢٨] ولا يطلب العون إلاَّ من له نوع تعمل في العمل وهو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فكن أنت يا وارثه هو المراد بهذا الخطاب في هذا العمل، فيكون
محمد ◌َّ ما فقد من الدار الدنيا لأنه صورة القرآن العظيم، فمن كان خلقه القرآن من ورثته
وأنشأ صورة الأعمال في ليل طبيعته فقد بعث محمداً وَّله من قبره، فحياة رسول الله ◌َّل بعد
موته حياة سنته: ﴿وَمَنْ أَخْيَاهَا فَكَأَنََّآَ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] فإنه المجموع
الأتم والبرنامج الأكمل، ولهذا قال في: ﴿نَاشِئَةَ الَلِ﴾ إنها أقوم قيلاً ولا أقوم قيلاً من
القرآن، وكذلك ﴿أَشَدُّ وَطَا﴾ أي أعظم تمهيداً لأنه قال: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِنْ شَىْءٍ﴾
[الأنعام: ٣٨] وليس إلاَّ القرآن الجامع وأشد ثباتاً فإنه لا ينسخ كما نسخت سائر الكتب قبله به
وإن ثبت ما ثبت منها ممّا ورد في القرآن، ولهذا جاء بلفظ المفاضلة في الثبوت فهو أشد ثبوتاً
منها لاتصاله بالقيامة وفيه ما في الكتب وما ليس في الكتب، كما كان في محمد ◌َّ ما كان
في كل نبيّ وكان فيه ما لم يكن في نبي لأن القرآن كان خلقه فأعطي هو وأمته ما لم يعط نبيّ
قبله، فإذا أنشأ من أنشأ صورة هذه الأعمال الليلية ونفخ الحق لشهوده من كونه معيناً له
أرواحها فيها قامت حية ناطقة عن أصل كريم الطرفين بين عبد متحقق بعبوديته موف حق سيده
لم يلتفت إلى نفسه ولا إلى صورة ما خلقه الله عليها التي توجب له الكبرياء بل كان عبداً
محضاً مع هذه المنزلة ولهذا قدم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فإنه ما قبل الصورة إلاَّ في حالٍ ثانٍ فقالٍ
بذاته: ﴿إِنَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وقالِ بالصورِةِ: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ثم رجع فقال: ﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطَ
صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِينَ﴾
الْمُسَفِرَ ﴾
[الفاتحة: ٦و ٧] فجمع بين الأمرين وبين رب عظيم وفاه حقّه على قدر ما شرعه له لا يطالب
بغير ذلك، فإنه تعالى هو الذي أدّبه أي جمع له وفيه جميع فوائد الخيرات، فلما نشأت هذه
الصورة العملية الليلية بين هذين الطرفين الكريمين كانت وسطاً جامعة للطرفين، فكانت عبداً
سيداً حقاً خلقاً، وبهذه الصفة أنشأ الله العالم ابتداء، فإن له في أسمائه ونعوته الطرفين، فإنه
وصف نفسه بما يتعالى به عن الخلق، ووصف نفسه بما هو عليه الخلق، ولم يزل بهذين
النعتين موصوفاً لنفسه وهما طرفا نقيض فجمع بين الضدين، ولولا ما هو الأمر على هذا ما

٩٠ في المنازلات/ الباب السابع والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة من دخل حضرة التطهير نطق عني
خلق الضدين في العالم والمثلان ضدان فهما ضدا المماثلة حتى تعلم أن العالم على صورته
في قبول الضدين بل هو العالم الذي هو عين الضدين صورة من أنشأه فظهر العالم بالأصالة
بين الطرفين، ومشى الأمر في خلق ما خلق الله بأيدي العالم، فللعالم إنشاء الصور، وللحق
أرواحها وحياتها، كما قال في حق عيسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ اُلْطِينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾
[المائدة: ١١٠] في الصورة الخلقية ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] فجعل الصورة للخلق
وكونه طائراً للحق وفي إنشائك قال: ﴿فَإِذَا سَوَيْتُهُ﴾ [الحجر: ٢٩] هو مثل ﴿تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ
كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ ثم قال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [الحجر: ٢٩] وهو قوله: ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِّ﴾
[المائدة: ١١٠] فمن كان مع الحق في مقام الشهود والجمع عند إنشاء العبد صور الأعمال قامت
حية ناطقة، وإن أنشأها على غير هذا النعت من الجمع والشهود كانت صوراً بلا أرواح،
كصور المصوّرين الذين يقول الله لهم يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم فلا يستطيعون لأن الإحياء
ليس لهم وإنما هو لله، وأعني بالإحياء الإحياء الذي تقع به الفائدة من الحيّ، فإن الطبيعة
تعطي حياة في الصورة ولكن حياة لا فائدة معها وهي الحياة التي توجد في المعفنات، فليس
في قوّة الطبيعة أكثر من وجود الإحساس لا غير، وأما القوى الروحانية التي عنها تكون
الصنائع العملية بالتفكّر فمن الروح الإلهيّ، فمن علم مراتب الأرواح يعلم ما أومأنا إليه في
هذه العجالة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السابع والأربعون وأربعمائة
في معرفة منازلة من دخل حضرة التطهير نطق عني
[المتقارب]:
يكون الإلهُ هو النَّاطقُ
إذا طهر العَبْدُ من كَوْنِهِ
ركوع الصلاة هو الصَّادقُ
كمثل المُصلِّي إذا قام من
فليس يَقُومُ به عَائِقُ
يَنُوبُ عَنِ الحَقِّ في نُطْقِهِ
وكلّ شراب له رائقُ
فكُلُ كلام له صادقٌ
قال الله تعالى: ﴿يَُّ تَنْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] يعني
بها، ولا تشهد إلاَّ بالأجنبية إذ لا بدّ من شهود عليه، وإن لم يكن على ما قلناه وكان عين
الشاهد عين المشهود عليه فهو إقرار لإشهاده، وما ذكر الله تعالى أنه إقرار فدل على أن
الجوارح ارتبطت بالنفس الناطقة ارتباط الملك بمالكه كما هو الأصل عليه والأصل هو الحق
ولم يزل في أزله مدبراً، فلا بدّ أن يكون تدبيره في مدبر معين له أزلاً وليس إلاَّ أعيان
الممكنات فهي مشهودة له في حال عدمها فإنها ثابتة فيدبر فيها ما يكون من تقدم بعضها على
بعض وتأخرها في تكوين أعيانها وصور ما توجد فيها، وهنالك هو سرّ القدر الذي أخفى الله
تعالى علمه عن خلقه حتى يظهر الحكم به في الصور الموجودة في رأي العين، فكذلك لما
أراد الله إنشاء الأرواح المدبرة فهي لا تكون إلاَّ مدبرة، فإن لم يكن لها أعيان وصور يظهر

في المنازلات/ الباب السابع والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة من دخل حضرة التطهير نطق عني ٩١
تدبيرها فيها بطلت حقيقتها إذ هي لذاتها مدبرة، هكذا هو الأمر عند أهل الكشف، وهنا سرّ
عجيب غريب أومىء إليه إن شاء الله في هذا التفصيل فنقول: إن الله أنشأ هذه الصور الجسدية
من نور ونار وتراب وماء مهين على اختلاف أصول هذه النشأة المتعددة، فعندما كملت
التسوية في الصورة التي هي محل تدبير الأرواح المدبرة أنشأ الله منها أي من قبولها ما ينفخ
فيها من أوجدها وهو الفيض الدائم أرواحاً مدبرة لها قائمة بها على صورة قبولها، فتفاضلت
الأرواح لتفاضل النشآت، فلم يكونوا على مرتبة واحدة إلاَّ في كونهم مدبرين، فالأرواح
المدبرة إنما ظهرت بصور مزاج القوابل، فلا تتعدى الأرواح في التدبير ما تقتضيه الهياكلِ
المدبرة، فانظر إلى أعيان الممكنات قبل ظهورها في عينها لا يمكن أن يظهر الحق فيها إلاّ
بصورة ما تقبله فما هي على صورة الحق في الحقيقة وإنما المدبر على صورة المدبر إذ لا
يظهر فيه منه إلاَّ على قدر قبوله لا غير، فليس الحق إلاَّ ما هو عليه الخلق لا يرى من الحق
ولا يعلم غير هذا وهو في نفسه على ما علم وله في نفسه ما لا يصحّ أن يعلم أصلاً، وذلك
الأمر الذي لا يعلم أصلاً هو الذي له بنفسه المشار إليه بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾
[آل عمران: ٩٧] وهذا الذي نبهناك عليه من العلم بالله تعالى ما أظهرناه باختبارنا، ولكن حكم
الجبر به علينا فتحفظ به ولا تغفل عنه فإنه يعلمك الأدب مع الله تعالى، ومن هذا المقام نزل قوله
تعالى: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَينِ نَّفْسِكٌ﴾ [النساء: ٧٩] أي ما أعطيتك إلاَّ على قدر قبولك، فالفيض
الإلهيّ واسع لأنه واسع العطاء فما عنده تقصير ومالك منه إلاَّ ما تقبله ذاتك، فذاتك حجرت
عليك هذا الواسع وأدخلتك في الضيق، فذلك القدر الذي حصل تدبيره فيك هو ربك الذي
تعبده ولا تعرف إلاَّ هو، وهذه هي العلامة التي يتحوّل لك فيها يوم القيامة على الكشف وهي
في الدنيا في العموم على الغيب يعلمها كل إنسان من نفسه ولا يعلم أنها المعلومة له، ولهذا
تقول العامة: إن الله ما عوّدني إلاَّ كذا وكذا، فإذا فهمت هذا علمت أن الحق معك على ما أنت
عليه ما أنت معه، وقد نبهك على هذا في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمّ﴾
[الحديد: ٤] ما أنتم معه ولا يصحّ أن يكون أحد مع الله، فالله مع كل أحد بما هو عليه ذلك الواحد
من الحال، فانظر إلى أفراد العالم فما تراه فيه فذلك عين الحق لا غيره [الوافر]:
ولا من بَعْد هذا الوَصْفِ وَصْفُ
فليس وَرَاءَ هذا الكَشْفِ كَشْفُ
وشَاهِدُهُ بذا شَرْعٌ وعُزفُ
فسبحان الذي يبدو ويَخْفَى
فلا يصحّ التجريد عن التدبير لأنه لو صحّ بطلت الربوبية وهي لا تبطل فالتجريد محال
فلا مستند للتجريد لأنك لا تعقل إلهك إلاَّ مدبراً فيك فلا تعرفه إلاَّ من نفسك، فلا بدّ أن
تكون على تدبير، فلا بدّ من جسم وروح دنيا وآخرة كل دار بما يليق بها من النشآت، وتتنوع
أرواحها لتنوعها صورة الخلق والحق كما تقدم ذكره في هذا الكتاب في هذا المعنى في
الترجمة عن الحق [المجتث]:
كما تكونُ أكون
كن كيف شِئْتَ فإنّي
هكذا هو الأمر في عينه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٩٢ في المنازلات / الباب الثامن والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة من كشفت له شيئاً مما عندي بهت
الباب الثامن والأربعون وأربعمائة
في معرفة منازلة من كشفت له شيئاً مما عندي بهت فكيف يطلب أن يراني هيهات
[المتقارب]:
عليّ فكيف بنا إذْ نَرَاهُ
إذا كان ما عنده حاكم
وهل ثَمَّ عَيْنْ تراه سِوَاهُ
فليس يَرَاهُ سوى عَيْنِهِ
وعين السِّوَى هو عينُ الإله
يغالطنا بوجود السُّوَى
وُجُوداً وفَقْداً بنا في حِمَّاه
فإمكاننا لم يَزَلْ قائماً
فعين ضلالتنا من هُدَاهُ
فلسنا سواه ولا نحن هو
قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَّ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولهذا كفر وما كان إلاَّ الشروق
والغروب وهو الوجدان والفقد، هذه شمس حق شرقت من المشرق ولولا شروقها ما كان
مشرقاً ذلك الجناب ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهذا في الحقيقة لو أتى بها أي لو
شرقت من المغرب لكان مشرقاً فما شرقت إلاَّ من المشرق فبهت الكافر وهو موضع البهت
لأنه علم أنه حيث كان الشروق لها أتبعه اسم المشرق فليس للمغرب سبيل في نفس الأمر،
فما بهت الكافر إلاَّ من عجزه كيف يوصل إلى إفهام الحاضرين مع قصورهم موضع العلم فيما
جاء به إبراهيم الخليل عليه السلام، فأظلم عليه الأمر وتخبط في نفسه فظهرت حجة إبراهيم
الخليل عليه السلام عليه أمام الحاضرين، وإنما نسب الكفر إليه بالمسألة الأولى فإنه علم ما
أراده الخليل بقوله: ﴿رَنِىَ الَّذِى يُحْيِ وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فستره فسمّي كافراً فقال: ﴿أَنّ
أُعِىِ، وَأُمِيتٌ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ويقال فيمن أبقى حياة الشخص عليه إذا استحق قتله أن يقال أحياه
ولم يكن مراد الخليل إلاَّ ما فهمه نمروذ فعدل إبراهيم إلى ما هو أخفى في نفس الأمر وأبعد
وهو أوضح عند الحاضرين فجاء بالمسألة الثانية فبهت الذي كفر في أمر إبراهيم كيف عدل
إلى ما هو أخفى في نفس الأمر وأبعد لإقامة الحجة وقامت له الحجة عليه عند قومه فكان بهته
في هذا الأمر المعجز الذي أعمى بصائر الحاضرين عن معرفة عدوله من الأوضح إلى الأخفى
فحصل من تعجبه وبهته في نفوس الحاضرين عجزه وهو كان المراد، ولم يقدر نمروذ على
إزالة ما حصل في قلوب العارفين الحاضرين من ذلك فعلم صدقه ولكن الله ما هداه أي ما
وفقه للإيمان لقوله رَّير: فإنه عالم بأنه على الحق ولا يصحّ بهت إلاَّ في تجلي ما عند الحق
وما عند الحق إلاَّ ما أنت عليه، فإنه ما يظهر إليك إلاَّ بك فتقرّ به فيك وتنكر ما أنت به مقر فيه
وذلك لجهلك بك وبربك لأنك لو عرفت نفسك عرفت ربك فما ثم إلاَّ خلق وهو ما تراه
وتشهده، ولو فتشت على دقائق تغيراتك في كل نفس لعلمت أن الحق عين حالك وأنه من
حيث هو وراء ذلك كله كما هو عين ذلك كله، فالحق خلق وما الخلق حق وإن اختلفت عليه
الأسماء أليس ممّا عند الله دد جبل موسى فصعق وهو أعظم من البهت وما أصعقه إلاَّ ما عنده
وهو ممّن طلب أن يرى ربه فلما علم موسى عليه السلام عند ذلك ما لم يكن يعلم من صورة

٩٣
في المنازلات / الباب التاسع والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة قول من قال عن الله ليس عبدي من تعبد عبدي
الحق مع العالم قال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي لا أطلب رؤيتك على الوجه الذي
كنت طلبتها به أولاً فإني قد عرفت ما لم أكن أعلمه منك ﴿ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]
بقولك: ﴿لَنْ تَرَِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فإنك ما قلت ذلك إلاَّ لي وهو خبر، فلذلك ألحقه
بالإيمان لا بالعلم، ولولا ما أراد الإيمان بقوله: ﴿لَن تَرَنِ﴾ ما صحّت الأولية، فإن المؤمنين
كانوا قبله ولكن بهذه الكلمة لم يكن، فكل من آمن بعد البهت أو الصعق فقد آمن على بصيرة
فهو صاحب علم في إيمان، وهذا عزيز الوجود في عباد الله، وقليل في أهل الله من يبقى معه
الإيمان مع العلم، فإنه لما انتقل إلى الأوضح وهو العلم فقد انتقل عن إيمانه، والكامل هو
المؤمن في حال علمه بما هو به مؤمن لا بما كان به مؤمناً، فيقال فيه مؤمن عالم بعين
واحدة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب التاسع والأربعون وأربعمائة
في معرفة منازلة قول من قال عن الله ليس عبدي من تعبد عبدي
[مجزوء الرجز]:
سُبْحَانَهُ مَا أَكْمَلَهْ
العَبْدُ مَنْ لا عَبْدَلَهْ
كُلَّ وجودٍ أَمَّلَه
قد جَمَعَ اللَّهُ له
مُجْمَلَهُ مُفَصَّلَةْ
مُشْتَبِهاً ومُخْكِماً
وبعد هذا فَصَّلَهْ
سوَاه إذا عَدَّلَةْ
بكل علم فَضَّلَةْ
بكل عين أَشْهَدَه
في كل أحوالي ولَهُ
فإنما أنابَـه
أنا وهو والكُرَُّة
حُزْنَا الكمالَ كُلَّهُ
قال عزّ وجلّ لمحمد: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمَرَ كُلُّ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] فقلنا: الأمر كله لله ألا
له الخلق والأمر فهو الخلق والأمر. اعلم أنه لا يملك المملوك إلاَّ سيده، ولهذا يسمّي
الترمذي الحكيم الحق سبحانه ملك الملك غير سيده ما يملك عبد فإن العبد في كل حال
يقصد سيده، فلا يزال يصرف سيده بأحواله في جميع أموره، ولا معنى للملك إلا التصريف
بالقهر والشدة، ومهما لم يقم السيد بما يطلبه به العبد فقد زالت سيادته من ذلك الوجه،
وأحوال العبد على قسمين: ذاتية وعرضية، وهو بكل حال منها يتصرف في سيده والكل عبيد
الله، فمن كان دنيء الهمة قليل العلم كثيف الحجاب غليظ القفا ترك الحق وتعبد عبيد الحق
فنازع الحق في ربوبيته فخرج من عبوديته، فهو وإن كان عبداً في نفس الأمر فليس هو بعبد
مصطنع ولا مختص، فإذا لم يتعبد أحداً من عباد الله كان عبداً خالصاً لله فتصرف في سيده
بجميع أحواله فلا يزال الحق في شأن هذا العبد خلاقاً على الدوام بحسب انتقالاته في
الأحوال، قال رَّرَ: ((خَادِمُ القَوْم سَيّدُهُمْ)) لأنه القائم بأمورهم لأنهم عاجزون عن القيام بما
تقتضيه أحوالهم، فمن عرف صورة التصريف عرف مرتبة السيد من مرتبة العبد، فيتصف العبد

٩٤
في المنازلات/ الباب الخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة من ثبت لظهوري كان بي
بامتثال أمر سيده والسيد بالقيام بضرورات عبده، فلا يتفرغ العبد مع ما قررناه من حاله مع
حال سيده أن يقتني عبداً يتصرف فيه لأنه يشهد عياناً أن ذلك العبد الآخر يتصرف في سيده
تصرفه فيعلم أنه مثله عبد لله، وإذا كان عبداً لله لم يصحّ أن يتعبده هذا العبد فما ملك عبد إلاّ
بحجاب، لقيت سليمان الدنبليّ فأخبرني في مباسطة كانت بيني وبينه في العلم الإلهيّ فقلت
له: أريد أن أسمع منك بعض ما كان بينك وبين الحق من المباسطة، فقال: نعم باسطني يوماً
في سري في الملك فقال لي: إن ملكي عظيم، فقلت له: ملكي أعظم من ملكك، فقال لي:
كيف تقول؟ فقلت له: مثلك في ملكي وليس مثلك في ملكك فمن أعظم ملكاً؟ فقال:
صدقت. أشار إلى التصريف بالحال والأمر وهو ما قررناه، فإذا علمت هذا علمت قدرك
ومرتبتك ومعنى ربوبيتك وعلى من تكون رباً في عين عبد، وهو بالعلم قريب، وبالحال أقرب
وألذ في الشهود، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخمسون وأربعمائة
في معرفة منازلة من ثبت لظهوري كان بي لأنه
سبحانه كان به لا بي وهو الحقيقة والأول مجاز
[المتقارب]:
فإن الإلهَ هو الثَّابِتُ
وأعطَاكَهُ فهو القَانِتُ
فبالله قل لي من المائتُ
فهو به الناطقُ الساكتُ
لوَحدَتِه نَفَسٌ خَافِتُ
إذا كان هذا ولا شامتُ
وبِتُّ به فمن البّائتُ
بما شاءه وأنا الصامتُ
لما فَضُلَ العَسْجَدَ الصَّامتُ
إذا نَكَتَ العالمَ الناكتُ
فِعَبْدُ الإلهِ هنا الباهتُ
إذا ثَبت العَبْدُ في مَوْطِنٍ
إذا قُلْتَ يا ربِّ هَبْ لي كذا
إذا لم يَكُنْ غَيْرُهُ عَيْنَنَا
تَرْجَمَ عنه لسانٌ بدا
ولم يبق للعبد من عينه
وليس له في الوَرَى حاسدٌ
إذا جئتُ ليلاً إلى منزلي
هو الحَقُّ ينطقُ في كونه
فلولا اللّجَيْنُ وأمثالُه
تعجّبتُ منه ومن عِزّه
وليس يغارُ على عِرْضِهِ
قال الله عزّ وجلّ: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهٌَ﴾ [القصص: ٨٨] اعلم أن عباد الله الذين
أهلهم الله له واختصهم من العباد على قسمين: عباد يكونون له به، وعباد يكونون له
بأنفسهم، وما عدا هؤلاء فهم لأنفسهم بأنفسهم ليس لله منهم شيء، فلا كلام لنا مع هؤلاء
فإنهم جاهلون ونعوذ بالله أن نكون من الجاهلين. فأما العباد الذين هم له تعالى بأنفسهم فهم
الذين تحققوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فهم العبيد
الصمّ الشداد الأشداء الرحماء بينهم، وعلامتهم الاتصاف بجميع الأحوال من فناء وبقاء ومحو

في المنازلات / الباب الحادي والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة في المخارج معرفة المعارج ٩٥
وإثبات وغيبة وحضور وجمع وفرق إلى ما يقبله الكون من الأحوال، وكذلك من نعوتهم التي
تنسب إلى المقامات المذكورة من توكل وزهد وورع ومعرفة ومحبة وصبر وشكر ورضا
وتسليم إلى سائر المقامات المذكورة في الطريق، فإن نفوسهم تقبل التغيير والتحويل من حال
إلى حال ومن مقام إلى مقام، ولكن ذلك كله لله لما سمعوا دعاءه إياهم من هذه الأمور كلها
فدخلوا عليه بها ذوقاً وحالاً لا علماً ولا اعتقاداً، فإن سائر المؤمنين والعلماء علماء الرسوم
يعلمون هذه الأمور كلها ولكن لا قدم لهم فيها، فهؤلاء إذا تجلى لهم الحق لم يثبتوا لظهوره
لأن المحدث إذا ظهر له القديم يمحو أثره إذ لا طاقة للمحدث على رؤية القديم، ولهذا جاء
الخبر الصحيح الإلهيّ بأن الحق قد يكون بصر العبد وسمعه حتى يثبت لظهور الحق في
التجلي أو في الكلام، ألا ترى إلى موسى عليه السلام لما كان الحق سمعه ثبت لكلام الله
فكلمه فلما وقع التجلي ولم يكن الحق عند ذلك بصر موسى كما كان سمعه صعق ولم يثبت
فلو كان بصره لثبت، وأما العبيد الآخرون فهم له به فيثبتون في كلِ موطن مهول من حادث
وقديم للقوّة الإلهية السارية في ذواتهم، فلا يبقى حال ولا مقام إلاَّ ويظهرون به وفيه بطريق
التحكّم به والتصرف فيه، فهم يملكون الأحوال والمقامات ولا يملكهم شيء إلاَّ ما قررناه من
ذلك الأمر الذي يملك الحق إذا كان الحق ملك الملك، فبذلك القدر يكونون في ذواتهم، فيه
تعالى يسمعون ويبصرون ويأكلون ويشربون وينامون ويقومون، وله يسمعون ويبصرون
ويأكلون ويشربون وينامون ويقومون وهو قول رسول الله رَّ في بعض خطبه في الثناء على
الله: ((فإنّما نحنُ به وله))، فإذا اجتمع عبدان الواحد له بنفسه والآخر له به أنكر من هو له
بنفسه على من هو له به ولم ينكر من هو له به على من هو له بنفسه لأنه عبد محض خالص
والآخر حق محض خالص، والصورة الظاهرة منهما صورة خلق، والباطنة ممّن هو لله بنفسه
صورة خلق، والصورة الباطنة من الآخر صورة حق، فهذا يتصرف بحق في حق لحق،
والآخر يتصرّف بخلق في خلق لحق، ومنهم من يتصرّف في حق لحق بخلق أعني من الذين
هم بأنفسهم فخرق العوائد لمن كان لله بنفسه والمنزلة لمن كان لله بالله، فهؤلاء أصحاب
كرامات وهؤلاء أهل منازل، وأصحاب الكرامات معلومون عند الله معلومون عند الخلق،
وأهل المنازل معلومون عند الله وعند أبناء الجنس مجهولون عند الخلق، إلاَّ أن أهل خرق
العوائد يبطن في حالهم المكر الإلهيّ والاستدراج، وأهل المنازل مخلصون من المكر لأنهم
على بصيرة وبينة من ربهم، فهم أهل وصول إلى عين الحقيقة، جعلنا الله وإياكم من عبيد
الاختصاص آمين بعزّته، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الحادي والخمسون وأربعمائة
في معرفة منازلة في المخارج معرفة المعارج
[الرجز]:
ما لاح عَيْنُ الحَرْفِ بالمَخَارِجِ
لولا وُجُودُ الكَوْنِ في المَعَارج

٩٦ في المنازلات/ الباب الحادي والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة في المخارج معرفة المعارج
قد ازْتَقَى في رُتَبِ المَعَارِجِ
أخرجه ضَرْبُ مثالٍ للذي
يبينُ عن منازل المَدَارج
فالنَّفَسُ الدارجُ في طريقه
قال الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ
اَلْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]. اعلم أن
الممكنات هي كلمات الله التي لا تنفد وبها يظهر سلطانها الذي لا يبعد وهي مركبات لأنها
أتت للإفادة، فصدرت عن تركيب يعبر عنه في اللسان العربيّ بلفظة ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] فلا
يتكوّن عنه إلاَّ مركب من روح وصورة ثم تلتحم الصور بعضها ببعض لما بينهما من
المناسبات فتحدث المعاني فينا بحدوث تأليفها الوضعيّ، وما وقع فيها الوضع في الصور
المخصوصة إلاَّ لذاتها لا بحكم الإنفاق ولا بحكم الاختيار لأنها بأعيانها أعطت العلم الذي لا
يتحوّل والقول الذي لا يتبدّل، والمشيئة الماضية فهي في الشهادة بحسب ما هي عليه في
الغيب، فهي في الغيب بصورة كل ما تتقلب إليه في الظاهر ممّا لا نهاية له في الغيب من
التقليب وهو في الظاهر يبدو مع الآيات إذ لا يصحّ دخول ما لا يتناهى في الوجود لأن ما لا
يتناهى لا ينقضي فلا يقف عند حدّ، والمادة التي ظهرت فيها كلمات الله التي هي العالم هي
نفس الرحمن ولهذا عبّر عنه بالكلمات، وقيل في عيسى عليه السلام إنه كلّمه الله.
ثم اعلم أن الله تعالى لما أظهر من كلماته ما أظهر قدر لهم من المراتب ما قدر، فمنهم
الأرواح النورية والنارية والترابية وهم على مراتب مختلفة، وكلهم أوقفهم مع نفوسهم
وأشهدهم إياها واحتجب لهم فيها، ثم طلب منهم أن يطلبوه ونصب لهم معارج يعرجون
عليها في طلبها إياه فدخل لهم بهذه المعارج في حكم الحدّ وجعل لهم قلوباً يعقلون بها
ولبعضهم فكراً يتفكرون به، ثم جعل من معارجهم نفي المثلية عنه من جميع الوجوه، ثم
تشبه لهم بهم فأثبت عين ما نفى ثم نصب لهم الدلالة على صدق خبره إذا أخبرهم فتفاضلت
أفهامهم لتفاضل حقائقهم في نشآتهم، فكل طائفة سلكت فيه مسالك ما خرجت فيها عمّا هي
عليه، فلم يجدوا في انتهاء طلبهم إياه غير نفوسهم، فمنهم من قال بأنه هو، ومنهم من قال
بالعجز عن ذلك وقال: لم يكن المطلوب منا إلاَّ أن نعلم أنه لا يعلم فهذا معنى العجز،
ومنهم من قال: يعلم من وجه ويعجز عن العلم به من وجه، ومنهم من قال كل طائفة مصيبة
فيما ذهبت إليه وأنه الحق سواء سعد أو شقي فإن السعادة والشقاء من جملة النسب المضافة
إلى الخلق، كما نعلم أن الحق والصدق نسبتان محمودتان، ومع هذا فلها مواطن تذمُ فيه
شرعاً وعقلاً، فما ثم شيء لنفسه وما ثم شيء إلاَّ لنفسه، وبالجملة فالخلق كله مرتبط بالله
ارتباط ممكن بواجب سواء عدم أو وجد وسعد أو شقي والحق من حيث أسماءه مرتبط
بالخلق، فإن الأسماء الإلهيّة تطلب العالم طلباً ذاتياً، فما في الوجود خروج عن التقييد من
الطرفين، فكما نحن به وله فهو بنا ولنا وإلاَّ فليس لنا برب ولا خالق وهو ربنا وخالقنا، فبنا
لكونه به ولنا لكونه له، إلاّ أن له الإمداد فينا الوجوديّ ولنا فيه الإمداد العلمي، فتكليفه إیانا
تكليف له فبنا تكلف للتكليف فما كلفنا سوانا ولكن به لا بنا فتداخلت المراتب فهو الرفيع

في المنازلات / الباب الثاني والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة كلامي كله موعظة لعبيدي لو اتعظوا ٩٧
الدرجات مع النزول الذاتيّ والخلق في النزول مع العروج والصعود الذاتيّ فما خرج موجود
عن تأثير وجودي وعدمي ولا مؤثر في الحقيقة إلاَّ النسب وهي أمور عدمية عليها روائح
وجودية، فالعدم لا يؤثر من غير أن تشمّ منه روائح الوجود، والوجود لا أثر له إلاَّ بنسبة
عدمية، فإذا ارتبط النقيضان وهما الوجود والعدم فارتباط الموجدين أقرب فما ثم إلاَّ ارتباط
والتفاف كما نبّه تعالى: ﴿وَاُلْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] أي التفّ أمرنا بأمره وانعقد فلا
ننحل عن عقده أبداً ولما تمّم وهو الصادق بقوله: ﴿ إِلَى رَبِّكَ﴾ أثبت وجود رتبته بك ﴿يَوْمَّدٍ﴾
يعني يوم يكشف عن الساق ﴿اَلْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٣٠] رجوع الكل إليه من سعد، أو من شقي،
أو من تعب، أو من استراح. قال ◌َّفي الدجال: ((إِنَّ جَنَّتَهُ نَارٌ وَنَارَهُ جَنَّةٌ)) فأثبت الأمرين
ولم يزلهما، فالجنة جنة ثابتة والنار نار ثابتة، والصور الظاهرة لرأي العين قد تكون مطابقة لما
هو الأمر عليه في نفسه وقد لا تكون، وعلى كل حال فهما أمران لا بدّ منهما خيالاً كان أو
غير خيال، وإذا ارتبط الأمران كما قلنا هذا الارتباط فلا بدّ من جامع بينهما وهو الرابط وليس
إلاَّ ما تقتضيه ذات كل واحد منهما لا يحتاج إلى أمر وجوديّ زائد فارتبطا لأنفسهما لأنه ما ثم
إلاَّ خلق وحق، فلا بدّ أن يكون الرابط أحدهما أو كلاهما، ومن المحال أن ينفرد واحد منهما
بهذا الحكم دون الآخر لأنه لا بدّ أن يكونا عليه من قبول هذا الارتباط فبهما يظهر لا بواحد
منهما، ومع هذا الارتباط فما هما مثلان بل كل واحد منهما ليس مثله شيء، فلا بدّ أن يتميزا
بأمر آخر ليس في واحد منهما أمر الآخر به يشار إلى كل واحد منهما، فالافتقار موجب للميل
وقبول الحركة والغنا ليس حكمه ذلك في الغنى فإنا نعلم أن بين المغناطيس والحديد مناسبة
وارتباطاً لا بدّ منه كارتباط الخلق والخالق، ولكن إذا مسكنا المغناطيس جذب الحديد إليه
فعلمنا أن في المغناطيس الجذب وفي الحديد القبول ولهذا انفعل بالحركة إليه، وإذا مسكنا
الحديد لم ينجذب إليه المغناطيس فهما وإن ارتبطا فقد افترقا وتميزا، فالناس بل العالم فقراء
إلى الله والله غنيّ عن العالمين [مجزوء الخفيف]:
فلا تَلْتَفِتْ إلى سِوَاهُ
هكذا صُورةُ الوُجُودِ
وهو الواحدُ الإلهُ
فيه كان شَفْعُنـا
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني والخمسون وأربعمائة
في معرفة منازلة كلامي كله موعظة لعبيدي لو اتعظوا
[الکامل]:
فهو المُوفي حَقَّ كُلِّ مَقَامٍ
مهما وَعَظْتَ فَعِظْ بِعَيْن كلامي
معناه إلاَّ أنه بغِدَامٍ
جَمَعَ العُلُومَ قَدِيمَها وحديثَها
الجامعاتُ لعين كل كلام
وفدامُه ألفاظُنا وحروفُنا
قال الأنامُ به بغير مَلامِ
فنقول قال الله بالحَزف الذي
الفتوحات المکیة ج٧ - ٧٢

٩٨ في المنازلات / الباب الثاني والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة كلامي كله موعظة لعبيدي لو اتعظوا
والكَشْفُ يأبى ما ترى أحلامي
بمعارج الأرواح والأجسام
والحُكْمُ للأقدام في الإقدام
نور يمازجه كيانُ ظلام
شَمْسٌ تُشَاهَدُ في حِجَابٍ غَمَامِ
حَكَمَتْ عليه مشارقُ الأيامَ
مع كونه يسمو على الأحكام
مع كونها من جملة الخُدَّام
يبدو لك الإحكامُ في الأحكام
فتردُّه أحلامُنا بدليلها
والحُكْمُ للأمرين عند من ازْتَقَى
فانظر إليه مُنَزَّهاً ومُشَبَّهاً
علم الوجود ضياؤه وظلامه
ما أنْ رأيتُ ولا سمعتُ بمثله
إني حَكَمْتُ على الزمان بمثل ما
فالدهرُ محكومٌ عليه وحاكمٌ
حَكَمَتْ عليه شرائعٌ ودلائلٌ
واعلم بأنك إنْ نَظَرْتَ بعينه
قال الله تعالى لنبيّه وَّ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِطُكُمْ بِوَحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] فقال بعض السامعين:
﴿سَوَّهُ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنَ مِّنَ اُلْوَعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] فاعتنى الله بأهل الإيمان فقال:
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَِ نَنَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] فالتفت إلى القابل وما التفت إلى المعرض فلم
يرتبط الوجود إلاّ بالمؤمن، وهو سبحانه المؤمن المهيمن على المؤمنين، فجزاء الله عندنا
على هذا الاعتناء العمل بما شرع والمبادرة لما به نهى وأمر اعتناء باعتناء وهو أحق بنا، فإن
اعتناءنا بالقبول يعود علينا نفعه لافتقارنا إلى ذلك النفع، واعتناؤه بنا امتنان منه لأنه غني حميد
بغناه، فوعظنا بالحوادث الواقعة على خلاف الأغراض ممّا تنفر عنه طباعنا وذكرنا بأنا
معرضون لحلولها بنا إلاَّ أن يعصم الله في بعضها لا في كلها فإن منتهى الدوائر وأعظمها
الموت ولا بدّ منه بأيّ وجه كان، ولست أعني بالموت إلاَّ الانتقال عن هذه الدار فإن الشهيد
منتقل وإن لم يتصف بالموت، هكذا أمرنا المؤذّب أن نقول، فإن لنا نصيباً من الأدب الإلهيّ
الذي أدّب به الله رسوله الله وَل#، فليس أدّب الله خاصاً بأحد دون أحد، فمن قبله سعد وكان
ممّن أذّبه الله وانتمى إلى الله في الأدب وهو أحسن الأدب، وقد نهانا أن نقول لمن يقتل في
سبيل الله أنه ميت ولا نحسب أنه ميت بل هو حي عند ربه وفي إيماني يرزق، وذكرنا تعالى
بموعظته ذكرى حال إذا أصاب من قبلنا بوقوع تلك الدوائر عليهم [الوافر]:
بعقلك إذا رأتك سَنَى الوُجُودِ
ألذُّ الفِعْلِ فِعْلُ القَهْرِ فانْظُرْ
وإن لمْ فَاعْتَبِرْ فالجودُ جُودي
فكُنْ لي إن تَكُنْ لي أنت كُلِّي
وقد أغْنَى المَجِيدُ عن المَجِيدِ
لقد تُبْنَا وما خِفْنَا عقاباً
لقد غِبْتُمْ عَنِ أَحسان المَجِيدِ
فقُلْ للمنكرين صَحِيحَ قولي
وذكر بأمور أخبر عنها في المستقبل عند الانتقال إلى الدار الآخرة تقع بالعباد ممّا يسرّ
وقوعها وممّا لا يسرّ وممّا يوافق الغرض ويلايم الطبع وممّا لا يلايم الطبع ولا يوافق الغرض،
وممّا يدل على الكمال والنقص، فذكر بالرغبة في ذلك والرهبة من ذلك، وذكر بنفسه لما علم
تعالى أن إفراط القرب حجاب عظيم عن القرب. وقد قال إنه أقرب إلينا من حبل الوريد،
وحبل الوريد نعلم قربه ولا تراه أبصارنا، كذلك قرب الحق منا نؤمن بقربه ولا تدركه

٩٩
في المنازلات / الباب الثالث والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة كرمي ما وهبتك من الأموال
أبصارنا، فلذلك ذكر بنفسه لا لبعده لأنه حفيظ والحفظ يطلب القرب بلا شك فنحن بعينه
وهو معنا حيثما كنّا لا بل أينما كنا، ونستغفر الله من عثرات اللسان وإن كان من عند الله
فالأدب أولى ولا سيما فيما ينسب إلى الجناب الإلهيّ، لا ينبغي للأديب أن يتكل على المعنى
بل الأدب في مراعاة الألفاظ فإنه تعالى لم يعدل إلى لفظ دون غيره سدى فلا نعدل عنه فإن
العدول عنه إلى مثله في المعنى تحريف بغير فائدة ويقنع العدوّ من الكبراء بهذا القدر، فهي
مزلة قدم ومكر خفيّ ورعونة نفس وإظهار مرتبة دنية يتخيل مظهرها أنها زلفى وأنها رتبة أسنى
وأعلى، فلما ذكر بنفسه ذكر أنه إليه يرجع الأمر كله لنعلم أن المرجع إليه فلا نقوم في شيء
نحتاج فيه إلى الاعتذار عنه أو نستحي منه عند المرجع إليه، والعبد الصحيح العبودية مع
الموافقة لا يكون له إدلال فكيف مع المخالفة؟ ولما ذكر بنفسه أحال عباده على أنفسهم وقال
لهم: إن عرفتم نفوسكم عرفتموني، فمن الأدب أن نرجع بالنظر إلى نفسي فإن نظرت فيه
وتركت نفسي فما تأذّبت، وإذا لم أكن أديباً لم نكن من أهل البساط فحرمت المشاهدة
فحرمت العلم الذي يعطيه الشهود، فإني إن نظرت فيه حتى أعرفه فربما أعرفه المعرفة التي
تليق بهذا النظر وليست المطلوبة، فإن الذي طلب سبحانه أن نعرفه معرفة الارتباط به وتلك
المعرفة التي عدل إليها من عدل لا تعطي الارتباط، فلم تحصل الفائدة التي قصد الله بها
عبده، فالأديب يرجع بالنظر إلى نفسه عن أمر ربه، فإذا عرف نفسه فكراً أو شهوداً عرف
ارتباطه بربه فعرف ربه تنزيهاً وتشبيهاً معرفة عقلية شرعية إلهية تامّة كاملة غير ناقصة كما شاء
الحق، فإنه تعالى أبان لنا في هذه الإحالة عن أحسن الطرق والعلم به، فتبين لنا أنه الحق وأنه
على كل شيء شهيد، وقال في حق من عدل عن هذا النظر بالنظر فيه ابتداء: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ فِى
مِرْيَةٍ مِّن لِّفَآءِ رَبِّهِمْ﴾ [فصلت: ٥٤] فلو رجعوا إلى ما دعاهم إليه من النظر في نفوسهم لم
يكونوا في مرية من لقاء ربهم فإنهم يجدونه في عين نفوسهم، ثم تمّم وقال: ﴿ أَلَاَ إِنَّهُ بِكُلِّ
شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] وأراد هنا شيئية الوجود لا شيئية الثبوت، فإن الأمر هناك لا يتصف
بالإحاطة، فمن وقف مع ما ذكرناه كان ممّن اتعظ، فإن شاء أخذ بنصيبه من الورث فوعظ،
وإن شاء بقي في النظر على حاله بنفسه دائماً، فإن النفس بحر لا ساحل له لا يتناهى النظر
فيها دنيا وآخرة وهي الدليل الأقرب، فكلما ازداد نظراً ازداد علماً بها، وكلما ازداد علماً بها
ازداد علماً بربه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث والخمسون وأربعمائة
في معرفة منازلة كرمي ما وهبتك من الأموال وكرم كرمي
ما وهبتك من عفوك عن الجاني عليك
[الكامل]:
ذاك المُسَمَّى عندنا كَرَمَ الكَرَمْ
حُكْمُ الكريم بأنه لا يَمْنَعُ
ولديه بالبرهان مفتاحُ النَّعَمْ
فهو الذي يَهبُ النَّعِيمَ لذاته

١٠٠ في المنازلات / الباب الرابع والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة لا يقوى معنا في حضرتنا غريب
ما عنده مَنْعٌ ولا في ذاك ذَمْ
انْظُرْ لحمد الحمد إنْ حَقَّقْتَهُ
قال الله تعالى معلماً ومنبهاً: ﴿بَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] فنبّهه
حتى يقول كرمك فهذا من باب كرم الكرم، فما أمرك بالعفو عمّن جنى عليك إلاَّ ليعفو عنك
إذا جنيت عليه في ظنك وما جنيت إلاَّ على نفسك وظنك أرداك حيث ظننت أنك جنيت عليه
كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَتْكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم
بِرَبِّكُمْ أَزْدَنَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢ ،٢٣] ﴿فَمَا رَبِحَت تَجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ
مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦].
اعلم أن أعظم الجنايات من يبهتك وهو أن ينسب إليك ما لم يكن منك وإن ظهر منك
فيكون من كرم خلقك أن تصدقه فيما نسب إليك إيثاراً لجنابه على نفسك وهو على خلق
كريم في ذلك، وقد علم منك أنك تأدّبت معه فما يكون جزاؤك عنده؟ فمثل هذا لا يبلغ كنه
ما يستحقه من الإفضال عليه والإنعام لأنّ الإعراض عند ذوي الهيئات والمروءات أعظم في
الحرمة من الدماء والأموال، وما فعل مثل هذا في حقك إلاَّ ليرى صبرك وتحملك مثل هذا
الأذى والجفاء فإنه يعلم أنك تعلم براءة ساحتك ممّا نسب إليك من المذام التي كانت منه لا
منك إيجاداً وحكماً وأنت بريء منها إيجاداً وحكماً، فلم تفش له سرّاً ولم تنازعه، ففزت
زائداً على ما تستحقه بدرجات الصابرين والراضين والمؤثرين، واستعذبت كل ذلك في جنبه،
ونبهنا تبارك وتعالى على عظيم المنزلة لمن هذه صفته بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾
[الشورى: ٤٠] وأعظم العفو على الجناية العظيمة من العظيم الشأن، ثم رميه بها من لم تصدر
منه تنزيهاً له وإيثاراً لنفسه قال: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فيا ليت شعري لم كان أجره على
الله ولم يقل فأجره على صبره وإيثاره كذا وكذا؟ فتنبه إلى هذا الأمر العجاب ولا تكن من
الغافلين، وألزم الحضور والأدب مع الله قلبك إن أردت أن تكون من أهل الله وخاصته الذين
جعلوا نفوسهم وقاية لله جعلنا الله ممّن اتقاه بنفسه لا به فيحشر في زمرة الأدباء. وفي هذه
الإشارة في كرم الكرم غنية وكفاية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع والخمسون وأربعمائة
في معرفة منازلة لا يقوى معنا في حضرتنا
غريب وإنما المعروف الأولي القربى
[الوافر]:
وفي أموالنا ولنا القِيَادُ
أُولُو القُرْبَى هُمُ الحُكّامُ فينا
ويَرْحَلُ مُسْرعاً وهو المرادُ
فإن جاء الغريبُ يُقِيمُ يَوْماً
جمعناها فيحسدُنا العبادُ
قريبُ قرابة وقريبُ قُرْبى
ولا كونٌ يزولُ ولا فسادُ
فما أحَدٌ يدومُ به شقـاءٌ
قال الله تعالى آمراً لنبيه وَلّهِ: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ اُلْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىُ﴾ [الشورى: ٢٣]