النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ في المنازلات / الباب التاسع والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من تصاغر لجلالي الباب التاسع والعشرون وأربعمائة في معرفة منازلة من تصاغر لجلالي نزلت إليه ومن تعاظم عليّ تعاظمت عليه [الرجز]: فاخذَرْ فما أنت له مُقَابلُ يعامل الحقّ بما يُعَاملُ فإنه ليس له مُمَائِلُ وكُنْ له عَيْناً ولا تَكُنْ بِهِ بعينه فالبَطَلُ المُنَازِلُ من حارب الله يرى صَرْعَتَهُ له من الله به المَنَازلُ هو الذي يرمي السلاح والذي قد قال طَيْفُورٌ بأن بَطْشَهُ أشَدُّ والقول بذاك نَازِلُ وكونُنا فيه وُجُودٌ حاصلُ فكونه فينا وجودٌ ثابتٌ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ﴾ [الأنفال: ٣٣] لأنه قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وما خص مؤمناً من غير مؤمن، فإذا كان العبد على مقامه الذي هو عينه مسلوب الأوصاف ولم يظهر منه تلبس بصفة محمودة ولا مذمومة فهو على أصله وأصله الصغار، ويريد الحق ظهور الصفات فيه، فلا بد أن ينزل إليه من هويته التي تقتضي له الغنى عن العالم فإن الله غنيّ عن العالمين، والنبيّ وَّ# يقول يوم بدر لربّه تعالى: (إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةَ فَلَنْ تُعْبَدَ بَعْدَ اليَوم)) فلو قال مثل هذه المقالة غير رسول الله وَّه لقال المنكر ما شاء مما يليق به من حيث إنكاره لجهله، ومثل هذه النفحات تهب على قلوب العارفين من أهل الله فإن نطقوا بها كفرهم المؤمن وجهلهم صاحب الدليل [السريع]: والحمد لله الذي قد عَصَمْ فالحَمْدُ لله الذي قد وَهَبْ وهو الذي قال به من عصمْ فلم يَقُلْ ما شَانَهُ قَوْلُهُ ويُشْهِدُ الله به من رَحِمْ فيحجبُ الله به من حَرَمْ ورد في الخبر: ((أَنَّهُ مَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ الله)) وهو عين نزول الحق إليه ((وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى الله وَضَعَهُ الله)) وما وضعه إلا بشهود عظمته فإنه تعالى العليّ العظيم. ولما قال ربَّ: ((إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ عَلَيْكُمْ)) علمنا أنا ما نرى من الحق إلا ما نحن عليه، فمن شاء فليعمل ومن شاء لا يعمل، وهذه كلمة نبوية حق كلها فإن العمل ما يعود إلا على عامله وقد أضاف الأعمال إلينا، فمن علم منا من هو العامل منا علم من يعود إليه العمل في الرد، وهذا القدر من الإشارة في هذا الحديث كاف. ولما كان الله هو الكبير المتكبر علمنا نسبة الكبر إليه وتحير في نسبة التكبر إليه، فلو علم نزول الحق لعباده إذ ليس في قوة الممكن نيل ما يستحقه الحق من الغنى عن العالم وفي قوة الحق مع غناه من باب الفضل والكرم للنزول لعباده لعلمنا تلك النسبة، فإن جهل أحد من العباد قدر هذا النزول الإلهي وتعاظم العبد في نفسه لنزول الحق له ولم يعلم أن نزول الحق لعباده ما هو لعين عباده وإنما ذلك لظهور أحكام أسمائه الحسنى في أعيان الممكنات فما علم أنه لنفسه نزل لا لخلقه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا ٦٢ في المنازلات/ الباب الثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة إن حيرتك أوصلتك إليّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فما خلقهما إلا من أجله، والخلق نزول من مقام ما يستحقه من الغنا عن العالمين، فالمتخيل من العباد خلاف هذا وأنه تعالى ما نزل إلا لما هو المخلوق عليه من علو القدر والمنزلة فهذا أجهل الجاهلين، فأعطى الحق هذا النزول أو ما توهمه الجاهل أن يتسمى الحق بالمتكبر عن هذا النزول ولكن بعد هذا النزول لا قبله وجوداً وتقديراً لابد من ذلك فالكبير ليس كذلك، وسيرد تحقيق هذا الفصل في آخر الكتاب في الباب الثامن والخمسين وخمسمائة إن شاء الله تعالى، فهذه المنازلة تعطيك أن الحق مرآة العالم فلا يرون فيها غير ما هي صورهم عليه وهم في صورهم على درجات، فهذا حصر لباب هذه المنازلة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة إن حيرتك أوصلتك إليّ [مجزوء الرمل]: والذي اهْتَدَى انْفَصَلُ(١) كُلُّ مَنْ حَارَ وَصَلْ للذي عَزَّ وجَلْ وهوَ نَعْتُ ثابتٌ لعُبَيْدِ قد عَقَلْ وهُوَ نَعْتُ حاصلٌ إنه اهْتَّدَى غَفَلْ فإذا قال فَتَّى في حُلِيٍّ وحُلَـلْ وتراه زاهياً كاشفاً عَوْرَتَهُ مثل ما جاء المَثَلْ المثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((رُبَّ كَاسِيَةٍ عَارِيَةٍ)) قال الله تعالى في الحيرة: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم ◌َا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] ومن باب الحيرّة ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] وكذلك ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَثَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] والقتل ما شوهد إلا من المخلوق، فنفى ما وقع به العلم الضروري في الحس، قال رسول الله وَّر في هذه المنازلة: ((لا أُخْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ)) وهذا مقام عزة الحيرة ((أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) وهذا حال الوصول. وقال الصديق في هذه المنازلة: ((العجز عن درك الإدراك إدراك))، فتحير فوصل فالوصول إلى الحيرة في الحق هو عين الوصول إلى الله، والحيرة أعظم ما تكون لأهل التجلي لاختلاف الصور عليهم في العين الواحدة، والحدود تختلف باختلاف الصور، والعين لا يأخذها حد ولا تشهد كما أنها لا تعلم، فمن وقف مع الحدود التابعة للصور حار، ومن علم أن ثم عيناً هي التي تتقلب في الصور في أعين الناظرين لا في نفسها علم أن ثم ذاتاً مجهولة لا تعلم ولا تشهد، فتحصل من هذا أن العلماء بالله أربعة أصناف: صنف ما له علم بالله إلا من طريق (١) الشطر الثاني مختلّ الوزن. ٦٣ في المنازلات / الباب الأحد والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة من حجبته حجبته النظر الفكري وهم القائلون بالسلوب. وصنف ما له علم بالله إلا من طريق التجلي وهم القائلون بالثبوت والحدود .. وصنف ثالث يحدث لهم علم بالله بين الشهود والنظر فلا يبقون مع الصور في التجلي ولا يصلون إلى معرفة الذات الظاهرة بهذه الصور في أعين الناظرين. والصنف الرابع ليس واحداً من هؤلاء الثلاثة ولا يخرج عن جميعهم وهو الذي يعلم أن الله قابل لكل معتقد كان ما كان ذلك المعتقد، وهذا الصنف ينقسم إلى صنفين: صنف يقول عين الحق هو المتجلي في صور الممكنات، وصنف آخر يقول أحكام الممكنات وهي الصور الظاهرة في عين الوجود الحق، وكل قال ما هو الأمر عليه، ومن هنا نشأت الحيرة في المتحيرين وهي عين الهدى في كل حائر، فمن وقف مع الحيرة حار ومن وقف مع كون الحيرة هدى وصل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الأحد والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة من حجبته حجبته [الوافر]: بأنّ وُجُودَهُ عَيْنُ الحِجَابْ حجابُ العَبْد منه وليس يَذْري بما قد قال في أُمّ الكِتاب فيا قَوْمِ اسْمَعُوا قولي تَفُوزوا وأفعالي وعيني في تَبَاب فلفظة نستعين قد أظهَرَتْنا ونحن الواقفون بكل باب فنحن التائهون بكل قَفْرٍ قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ فَوْمِهِ ﴾ [إبراهيم: ٤] فإذا خاطبهم ما يخاطبهم إلا بما تواطؤوا عليه، وإذا ظهر لهم في فعل من الأفعال فلا يظهر لهم إلا بما ألفوه في عاداتهم، ومن عاداتهم مع الكبير عندهم إذا مشى أن يحجبوه، ومعناه أن يكونوا له حجبة بين يديه كما قال: ﴿نُرُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: ٨] وسبب ذلك أن الكبير لو تقدم الجماعة لم يعرف ولم تتوفر الدواعي إلى تعظيمه، فإذا تقدم الحجاب بين يديه طرقوا له وتأهّبت العامة لرؤيته وحصل في قلوبها من تعظيمه على قدر ما يعرفونه من عظمة الحجبة في نفوسهم فيعظم شأنه، فإذا أراد الله تعظيم عبد عند عباده عدل به عن منزلته وكساه خلعته وأعطاه أسماءه وجعله خليفة في خلقه وملكه أزمة الأمور وحمل الغاشية بين يديه كما يحمل الملك الغاشية بين يدي ولي عهده، وإن كان في المنزلة أعظم منه ولا بد لمن هذه حالته أن يعطي المرتبة حقها فلا بد أن ينحجب عن رتبة عبوديته، وعلى قدر ما ينحجب عنها ينحجب عن ربه ولا يمكن إلا هذا فإن الحضرة في الوقت له والوقت وقته والحكم للوقت في كل حاكم، ألا ترى الحق يقول عن نفسه أنه ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فهو بحسب الوقت لأنه لا يعطي إلا بحسب القابل فالقبول وقته حتى يجري الأمور على الحكمة، ولما كان الوقت لصاحبه حكم عليه بما يظهر به. وقال بَّرَ: ((لا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ وَلا يُقْعَذْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلاَّ بِذْنِهِ)) ولو كان الخليفة بنفسه إذا دخل دار أحد من رعيته فالأدب الإلهي المعتاد ٦٤ في المنازلات/ الباب الثاني والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة ما ارتديت بشيء إلا بك يحكم عليه بأن يحكم عليه رب البيت فحيثما أقعده قعد ما دام في سلطانه، وإن كان الخليفة أكبر منه وأعظم ولكن حكم المنزل حكم عليه فرده مرؤوساً، ألا ترى أن وجود العبد وأعني به العالم ما ظهر إلا بوجود الحق وإيجاده لأن الحكم له ثم تأخر المتقدم وتقدم المتأخر فلم يظهر للعلم بالله عين حتى أظهره العلم بالعالم فكان ذلك جزاء الإيجاد وعاد ذلك الجزاء على العالم بذلك الناظر فيه إذ لم يكن الحق محلاً للجزاء، فعاد عمل العبد عليه كما عاد عمل الحق على الحق بما وقع به الثناء عليه من المحدثات، وقد اتفق العارفين من أهل زماننا فقال لي أبو البدر: دخلت على الواحد منهما بميافارقين فذكرت له شأن العارف الذي ببغداد فقال لي: إنه من جملة من يمضي أمري فيه، قال: فجئت إلى العارف الآخر ببغداد فقلت له: إني أدخلت بميافارقين على الوكاف فذكرت له شأنك فقال لي: إني رأيته في جملة من يمضي أمري فيه من حولي، فقال: كذا يزعم والله لقد رأيته يحمل الغاشية بين يدي، قال أبو البدر: فحرت بينهما وكلاهما صادقان عندي فأزل عني هذه الغمة فقلت له رحمه الله: كل واحد منهما صدق وإن كل واحد منهما رأى صاحبه في سلطانه وفي محله والحكم لصاحب المحل فذلك كان حكم المحل لا حكم مراتبهما، وأما مقامهما فلا يعرف من هذا وإنما يعرف من أمر آخر، فسر بذلك وعرف أنه الحق، فينبغي للمنصف أن يعرف المواطن وأحكامها أين موطن الغضب الإلهي من موطن الرضا يفعل العبد فعلاً فيسخط ربه به عليه فهو جنى على نفسه، والحق بحكم ذلك الواقع بين عفو ومؤاخذة ويفعل ذلك العبد فعلاً يرضي به ربه فهو الذي أرضاه كما أسخطه، فالحق مع عباده بحسب أحوالهم غير هذا ما يكون، انظر في أحوال الخلق في الكثيب إذا نزلوا على الحق هنالك يتفرج العارفون فيما ذكرناه، فإذا عادوا إلى جناتهم وأهليهم وتجلى الحق لهم يتغير الحال منهم لكون المنازل لهم ومنزل الكثيب له إذا كان الحق سمعك وبصرك فقد نزل بك، فإن تأذّبت معه في النظر والاستماع بقي عندك، وإن أسأت الأدب رحل عنك، وصورة الأدب معه موجودة فيما شرع لك أن تعامله به، فإذا دخلت عليه في بيته وهو المسجد کان له الحکم فیك بسبب إضافة الدار إليه والحكم له، فأوجب عليك أن تحييه بركعتين وأن لا تعمل فيه ما لم يأذن لك في عمله فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثاني والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة ما ارتديت بشيء إلا بك فاعرف قدرك وذا عجب شيء لا يعرف نفسه [البسيط]: هو الرّداءُ الذي الرحمنُ لابسُهُ إن الزّداء الذي لم يَذْرِ لابسُهُ به تَزَيَّنَ عند العالمين من الأ فإن بَدَتْ منه أخلاق تَحِيدُ به رواح والملأ القلبيّ حارسُهُ عن الهُدَى فرَسُولُ الله سائسُهُ ٦٥ في المنازلات/ الباب الثالث والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة انظر أي تجل يعدمك قال الله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وقال تعالى في الخبر عنه: ((وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ)) فالأمر حق ظاهره صورة خلق فهو من وراء ما بدا، كما أن المرتدي من وراء ردائه فالعبد هو كبرياء الحق وعظمته فإنه قال: ((الكبرياء ردائي)) ولهذا كان المخلوق محل عظمة الله لأن العظمة صفة في المعظم لا في المعظم، ولو كانت في المعظم لما تعوّذ منه من لا يعرفه. قال الله لأبي يزيد لما خلع عليه أسماءه: اخرج إلى عبادي بصورتي فمن رآك رآني فلما خطا خطوة غشي عليه فقال: ردّوا عليّ حبيبي فإنه لا صبر له عني، فمن عرف نفسه عرف الله ومن عرف الله لم يعرف نفسه، والعلم بالله تعالى جهلك بك، والعلم بك علمك بالله فإنك منه، كما قال جميعاً منه ما هو منك وليس إلا معرفة المنزلة والقدر ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: ١] عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] فأنت ليلةُ القدر لأنك من طبيعة وحق ١٩٣ ﴿نَزَّلَ بِهِ الزُُّحُ الْأَمِيُّ إ فشهد لك بعظم القدر قبل نزول القرآن عليك وأنت ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] أي خير من الكل لأنه منتهى العدد البسيط الذي يقع فيه التركيب إلى ما لا يتناهى، كذلك ما يخلق الله لا يتناهى دائماً فإنه خالق على الدوام، وجاء بالشهر لشهرة ذلك في كل شهر من الألف ليلة القدر لا بد من ذلك، فإن خير الشهور ما كان فيه ليلة القدر فهي ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] فيه ليلة القدر فهي جامعة لكل أمر فهي العامة في جميع الموجودات، فالعبد في هذه المنازلة حافظ محفوظ حافظ من حيث إنه يحفظ المرتدي به غيرة وصوناً، ومحفوظ من حيث إن المرتدي يحتاط عليه لئلا يضيع فإنه معرّض للضياع فإنه مخلوق، فلا بد له من حافظ هذا جزاء دوري فافهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثالث والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة انظر أي تجل يعدمك فلا تسألنيه فنعطيك فلا أجد من يأخذه [مجزوء الكامل] : يُفْنيك عنك فإنّني لا تَطْلُبَنَّ تَجَلْياً لفناء عينك فأنْثَنِ أُعْطي ولست بآخذٍ أمْراً عليه يَنْبَني عن مِثْلٍ هذا واطْلُبَنْ بما تُسَمَّى تَكْتَني عَيْنُ البقاءِ ولا تكن قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاَءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] اعلم أن البقاء والفناء لا يعقلان في هذا الطريق إلا مضافين: الفناء عن كذا والبقاء مع كذا، ولا يصح الفناء عن الله أصلاً فإنه ما ثم إلا هو فإن الاضطرار يردّك إليه، ولهذا تسمى تعالى لنا بالصمد لأن الكون يلجأ إليه في جميع أموره ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] فلم يبق أن يكون فناؤك إلا عنك، ولا تفنى عنك حتى تفنى عن جميع الأكوان والأعيان أعني فناء أهل الله، فإن أتحفك الحق بتحفة منه تعالى فتحفه من جملة أكوانه فهي محدثة فتطلبك التحفة لتقبلها الفتوحات المكية ج٧ - م٥ ٦٦ في المنازلات/ الباب الرابع والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة لا يحجبنك لو شئت فتجدك فانياً عنها فعادت إلى معطيها فكان ذلك سوء أدب منك في الأصل حيث سألت ما قادك إلى مثل هذا فإن الله يعطي دائماً، فينبغي للعبد أن يكون قابلاً دائماً، فلا تسأل إن كنت من أهل الله إلا عن أمر إلهي أعني على التعيين وإلا فاسأل الله من فضله من غير تعيين. واعلم أن تجليات الحق على نوعين: تجل يفنيك عنك وعن أحكامك، وتجل يبقيك معك ومع أحكامك، ومن أحكامك ملازمة الأدب في الأخذ والعطاء، فمثل هذا التجلي فاسأل ما دمت في دار التكليف، فإذا انتقلت إلى غير هذا الموطن فكن بحسب ذلك الموطن، ولولا التكليف ما وقعت من الله وصية لأحد من عباد الله، فما أوصى العليم بالأمور إلا وقد علم أن للوصية أثراً في الأمور، وسيرد الكلام في تحقيق الوصايا في آخر باب من أبواب هذا الكتاب إن شاء الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الرابع والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة لا يحجبنك لو شئت فإني لا أشاء بعد فاثبت [البسيط]: إنّ المشيئةَ عَزْشُ الذّات ليس لها وهي الوجودُ فلا عَيْنٌ تُغايرها عزّتْ فليس يرى سلطانَها ملكٌ بِكَوْنِ آدَمَ مخصوصاً بصُورته له المقاليدُ فى الأكوان أجْمَعِهَا فَمِنْ تَنَزُّله أنْ قال نُدركه مع الشَّنَزُّهِ عن تشبيه خالقنا في غيرها نسبةٌ تَبْدُو ولا أَثَرُ تَفْنَى وتُعْدَمُ لا تُبْقي ولا تَذَرُ وليس يدركها في الصورة البَشَرُ لأن فيه جَمِيعَ الكَوْنِ مُخْتَصَرُ له التنزُّلُ والآياتُ والسُّوَرُ في صورة هي شمسُ الحقّ أو قَمَرُ وقد حَوَتْهُ بما قد قاله الصُّوَرُ قال الله عز وجل: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ [قَ: ٢٩] وإن عارضته المشيئة، وما في النسب أعجب منها الاستصحاب ((لو)) لها، و((لو)) لها أثر ما لها أثر فهو حرف عجيب. اعلم أنه ما اختص آدم بالخلافة إلا بالمشيئة ولو شاء جعلها فيمن جعلها من خلقه، قلنا: لا يصح أن تكون إلا في مسمى الإنسان الكامل، ولو جمعها في غير الإنسان من المخلوقات لكان ذلك الجامع عين الإنسان الكامل، فهو الخليفة بالصورة التي خلق عليها. فإن قلت: فالعالم كله إنسان كبير فكان يكفي. قلنا: لا سبيل فإنه لو كان هو عين الخليفة لم يكن ثم على من، فلا بد من واحد جامع صور العالم، وصورة الحق يكون لهذه الجمعية خليفة في العالم من أجل الاسم الظاهر يعبر عن ذلك الإمام بالإنسان الكبير القدر الجامع الصورتين، فبعض العالم أكبر من بعض الإنسان لا بالمجموع فإنه في الإنسان الكامل ما ليس في الواحد الواحد من العالم، فما هو بالمشيئة إلا في النوع الإنساني لكون هذا النوع فيه خلفاء ثم عم تأثيره في الجميع فيطلب من الحق أن يمده فيمده، وهذا أثر في الصورة الحقية، ويطلب أيضاً الأمر في العالم فيمضي، ثم إنه مؤثر فيه من العالم ومن الحق، فاختلط الأمر ٦٧ في المنازلات/ الباب الرابع والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة لا يحجبنك لو شئت والتبس على أهل الله فطلب بعض العارفين الخروج من هذا الالتباس فأطلعه الله على صورة الأمر فرأى ما لا يمكن التلفظ به إلا لرسول قد عصم، فكن أنت ذلك الطالب حتى ترى ما رأيت فتقول كما قلنا [البسيط]: كَوْني فَكنت بكُنْ مَلِكاً ولم أَكُنٍ مَأَكْثَنِي مُلْكَ كسرى إذْ تَمَلَّكَ كُنْ وكل كَوْنٍ لكُمُ فِالكون لم يَكُنِ لكنني كنت كُنْ والكونُ مملكةٌ وهو قوله: ﴿وَمَّ أَمْرُنَآَ إلَّا وَحِدَةُ﴾ [القمر: ٥٠] ثم شبه الإمضاء بلمح البصر أو هو أقرب وكذلك هو أقرب، فانظر حكمة الله تعالى في هذا التشبيه وما حوته تلك اللمحة من الكثرة في الوحدة فعندها تعرف ما هو الأمر فأثبت ولا تفشه تكن من الأمناء الأخفياء الأبرياء، واعلم أن قوله تعالى: ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ١٦] ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفالِ: ٢٣] يقتضي نفي العلم بكذا ونفي المشيئة عن الحق، كما يقتضي قوله: ﴿قَدّ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَا﴾ [النور: ٦٣] وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فأثبت العلم والمشيئة معاً لله، وعلم الله لا يخلو من أحد أمرين، وكذلك إرادته إما أن تكون صفة له قائمة به زائدة على ذاته وإن كان مثبتو الصفات يقولون لا هي هو ولا هي غيره، ولكن لا بد أن يقولوا بأنها زائدة كما يعتقده الأشعري، أو تكون عين ذاته إلا أن لها نسبة خاصة لأمر ما تسمى بتلك النسبة علماً، وهكذا سائر ما تسمى به مما يطلبه تعالى فما أثبت ولانفى إلا تعلق العلم والإرادة، ولكن ما ورد الكلام إلا بنفي العلم بأمر ما والإرادة فتعلم قطعاً أن نفي العلم علم، وأن العلم تابع للمعلوم يصير معه حيث صار، ويتعلق به على ما هو عليه في نفسه وذاته لا ينتفي عنها الوجود، ولا كل ما ثبت له القدم من صفة وغيرها، فما بقي أن ينتفي إلا التعلق الخاص وهو أمر يحدث أو نسبة كيف شئت فقل، ولا يتوجه النفي والإثبات إلا على حادث أي على ممكن، سواء كان ذلك الحكم موصوفاً بالوجود أو بالعدم، فناب العلم هنا مناب التعلق حين نفيته بأداة لو في قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ﴾ [الأنفال: ٢٣] ﴿وَلَوْ شَآءَ﴾ [يونس: ١٦] فما علم وما شاء، هذا هو الأمر الحادث المعين فقد علم أنه لو علم، ولا يقال أنه قد شاء أن يقول لو شاء فإن المشيئة متعلقها العدم، ولا يصح أن يحدث القول في ذات الله فإنه ليس بمحل للحوادث فلا يقال قد شاء أن يقول والتحقيق أنه ما أراد من المراد إلا ما هو المراد عليه من الاستعداد في حال العدم أن يكون به في حال الوجود أو يتصف به عند انتفائه عن الوجود أو انتفاء حكم الوجود عنه كيف شئت فقل. ولما بان الفرقان بين المشيئة والعلم علمنا أنهما نسبتان لذات العالم والمريد، أو صفتان في مذهب من يقول بالصفات من المتكلمين، ولولا علمنا بالأصل الذي هوّن علينا سماع مثل هذا لكانت الحيرة في الله أشد، والأصل ما هو إلا أن الله تعالى ما أرسل رسولاً إلا بلسان قومه لأنه يريد إفهامهم، فمن المحال أن يخرج في خطابه إياهم عما تواطؤوا عليه في لسانهم فوجد العاقل في ذلك راحة، وأما أهل الشهود فلا راحة عندهم في ذلك لما رأوه من اختلاف الصور على المشهود فما هم مثل أهل اللسان، وجاءت الطبقة العليا فقالت علمنا أن الشهود تابع للاعتقاد كما أن الخطاب تابع لما تواطأ عليه أهل ذلك ٦٨ في المنازلات/ الباب الخامس والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة أخذت العهد على نفسي اللسان فهان عليهم الأمر فرأوه في كل معتقد كما فهموه في كل لسان فما حاروا واهتدوا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الخامس والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة أخذت العهد على نفسي فوقتاً وفيت ووقتاً على يد عبدي لم أف وينسب عدم الوفاء إلى عبدي فلا تعترض فإني هناك [الطويل]: فأتركُه إن شئتُ والوَعْدُ نَاجِزُ وَعَدْنا وأوْعَذْنَا فأمَا وَعِيدُنا كما قد ذَكَرْنا والقضاءُ يُناجز فإني كريمٌ والكريمُ نُعُوتُهُ تلقَّاه قَرْمٌ للسماح مُبَارِزُ فإنّ هَمَّ إنْفاذَ الوعيد لصِدْقِهِ لأن له الرُّخمَى فمنها يُبَارزُ فيَرْدَعُهُ عن هَمِّهِ بنُفُوذه جهولٌ بما قلنا عن الحق عاجزُ وليس يرى إلا نفاذاً لا مُقَصِّرٌ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] هذا في الوعد، وقال في الوعيد: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [الفتح: ١٤] فاعلم أن هذه المنازلة هي قوله: ((إنّ رحمتي تغلبُ غضبي)) وهي قوله: ﴿وَمَا قَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] فإذا وعد العبد وعداً وشاء الله أن يخلف ذلك العبد وعده وما عاهد عليه شاء من العبد أن يشاء نقض العهد، ولولا ذلك ما تمكن للمخلوق أن يشاء، فشاء العبد عند ذلك نقض العهد وإخلاف الوعد بمشيئة الله في خلق مشيئة العبد فهو قوله: وقتاً لم أف، فلا تعترض على العبد فإنه مجبور في اختياره بمشيئتي، ولكن ينبغي لصاحب هذه المنازلة إذا رأى من وقع منه مثل هذا أن ينظر إلى خطاب الشرع فيه، فإن رأى أن ذلك المحل الظاهر منه مثل هذا من نقض العهد وإخلاف الوعد قد أطلق الحق عليه لسان الذم فيذمه بذم الحق فيكون حاكياً ولا يذمه بنفسه هذا هو الأدب وليس ذلك إلا في الخير، كما يقيم الحدود على المتعدي بأمر الحق لا بنفسه، ولهذا ليس للعبد أن يؤقت حداً ولا يشرعه. وأما في الوعيد إذا لم يكن حداً مشروعاً وكان لك الخيار فيه وعلمت أن تركه خير من فعله عند الله فلك أن لا تفي به وأن تتصف بالخلف فيه مثل قوله: ((من حَلَفَ على يمين فرأى خَيْراً منها فليُكفِّر عن يمينه ولْيَأْتِ الذي هو خير))، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ﴾ [النور: ٢٢] قال الشاعر: [الطويل] لمُخْلِف إيعادي ومُنْجز مَوْعدي وإني إذا أوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ وإنما عوقب بالكفارة لأنه أمر بمكارم الأخلاق واليمين على ترك فعل الخير من مذام الأخلاق فعوقب بالكفارة، وهو عندنا على غير الوجه الذي هو عند العامة من الفقهاء فإن الله قد جعل لنا عيناً ننظره به، وهو أن المسيء في حقنا الذي خيرنا الله بين جزائه بما أساء وبين العفو عنه أنه لما أساء إلينا أعطانا من خير الآخرة ما نحن محتاجون إليه حتى لو كشف الله الغطاء بيننا وبين ما لنا من الخير في الآخرة في تلك المساءة حتى نراه عياناً لقلنا أنه ما أحسن في المنازلات / الباب السادس والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة لو كنت عند الناس كما أنت عندي ما عبدوني ٦٩ أحد في حقنا ما أحسن هذا الذي قلنا عنه إنه أساء في حقنا، فلا يكون جزاؤه عندنا الحرمان فنعفو عنه فلا نجازيه ونحسن إليه مما عندنا من الفضل على قدر ما تسمح به نفوسنا فإنه ليس في وسعنا، لا يملك مخلوق في الدنيا ما يجازي به من الخير من أساء إليه ولا يجد ذلك الخير ممن أحسن إليه في الدنيا، ومن كان هذا عقده ونظره كيف يجازى المسيء بالسيئة إذا كان مخيراً فيها؟ فلما آلى وحلف من أسيء إليه فما وفى المسيء حقه وإن لم يقصد المسيء إيصال ذلك الخير إليه ولكن الإيمان قصده فينبغي له أن يدعو له إن كان مشركاً بالإسلام، وإن كان مؤمناً بالتوبة والصلاح ولو لم يكن ثم إخبار من الله بالخير الأخرويّ لمن أسيء إليه إذا صبر ولم يجاز لكان المقرر في العرف بين الناس كافياً فيما في التجاوز والعفو والصفح عن المسيء فإن ذلك من مكارم الأخلاق، ولولا إساءة هذا المسيء إلي ما اتصفت أنا ولا ظهرت مني هذه المكارم من الأخلاق كما أني لو عاقبته انتفت عني هذه الصفات في حقه وكنت إلى الذم أقرب مني إلى أن أحمد على العقاب، فكيف والشرع قد جاء في ذلك بأن أجر من يعفو ويتجاوز ولا يجازي أنه على الله، فقد علمت أن قوله: ((وقتاً وفيت ووقتاً لم أف)) أن ذلك راجع للوعد والوعيد بوجه، وراجع لما في خلق الله من الوفاء وعدم الوفاء من كونهم ما فعلوا الذي فعلوه إلا بمشيئة الله فهو بالأصالة إليه ولهذا قال: فلا تعترض إلا أن يكون الحق هو المعترض بأمره إياك أن تعترض فاعترض فإنه لا فرق عند ذلك بين أن تعترض أو تقيم الحد إذا كنت من أولي الأمر فيمن عين لك أن تقيمه حتى لو تركته لكنت عاصياً مخالفاً أمر الله، فالمؤمن العالم المستبرىء لنفسه لا يفوته أمثال هذه المشاهد والمواقف فإنه لا يزال باحثاً عن مكارم الأخلاق حتى يتصف بها ويقوم فيها قيام الأدباء الأمناء ويراعون الشريعة في ذلك، فربّ مكرمة عرفاً لا تكون مكرمة شرعاً، فلا تجعل أستاذك إلا الحق المشروع، فإذا أمرك فامتثل أمره وإذا نهاك فانته عما نهاك، وإذا خيرك فاعمل الأحب إليه والأرجح، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة لو كنت عند الناس كما أنت عندي ما عبدوني [البسيط]: لو أنّ جِنْسَكَ والأكْوَانَ أجْمَعها سواك إذ كُنْتَ مشهوداً لهم وأنا إني حَجَبْتُكَ عن قوم بصُورتك الدُّنْ لو أنهم عَلِمُوا الأسماءَ ما وقفوا ولا تَغَيُرُ أحوالٍ تقوم بهم وكل ذلك مخصوصٌ بصورتنا لكنهم غلطوا فينا وقام بهم يَذْرُونَ منك الذي أَذريه ما عَبَدُوا غَيْبٌ ولولا وجودُ الغيب ما جَحَدُوا يَا ولو علموا القُصْوَى لما عَبَدُوا مع المثال ولم يَصْرِفْهُمُ الجَسَدُ ولا تَرَاكُبُ أضدادٍ ولا عَدَدُ وليس ينكرُه في ذاتنا أحَدُ لمثلهم حين لم أعْصِمْهُمُو حَسَدُ ٧٠ في المنازلات / الباب السادس والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة لو كنت عند الناس كما أنت عندي ما عبدوني قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وقال: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠] وقال لبعض خلفائه ﴿ وَلَا تَشَّعِ اَلْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] ومن هنا تعرف مراتب الناس من الخلفاء وأن الخلفاء يفضل بعضهم بعضاً. وقال رسول الله وَله: ((إنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَمَا خَلَقَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ وَمَا اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ إلاَّ الرَّحْمُنُ)) ولما عمت رحمة الله أبا يزيد البسطامي ولم ير للكون فيها أثراً يزيل عنها حكم العموم قال للحق: لو علم الناس منك ما أعلم ما عبدوك، وقال له الحق تعالى: يا أبا يزيد لو علم الناس منك ما أعلم لرجموك. فاعلم أن الذي يريد أن يستنيب في عباده من يقوم فيهم مقامه لا بد أن يكسوه صفته ونعته فيكون الخليفة هو الظاهر والذي استخلفه الباطن، فيكون كسور الأعراف باطنه فيه الرحمة لأنه الحق الذي غلبت رحمته غضبه وظاهره من قبله العذاب، فما العذاب في ظاهره وإنما العذاب قبله فيراه قبلاً ممن استخلف عليهم، وقد حد الحق حدوداً له يعاملهم بها ليكون إذا قام بها عند المؤمن بها وبه محموداً لا يتطرق إليه ذم كما لا يتطرق لمن استخلفه ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فلا يذمه إلا من لا يعرفه ولا يعرف الله، فالراحم منا من له رحمتان: رحمة طبيعية وهي ذاتية له اقتضاها مزاجه، ورحمة موضوعة فيه من الله بخلقه على الصورة، وهذه الرحمة تتضمن مائة رحمة التي لله فإن الله مائة رحمة بعدد أسمائه، فإن له تعالى تسعة وتسعين اسماً ظاهرة وأخفى المائة للوترية فإنه يحب الوتر لأنه وتر، فلكل اسم رحمة، وإن كان من أسمائه المنتقم ففي انتقامه رحمة سأذكرها في باب الأسماء الإلهية من هذا الكتاب إن شاء الله، فللرحيم من العباد مائة رحمة ورحمة من أجل الوترية فإنه يحب الوتر لأنه يحب الله، ودرجات الجنة مائة درجة لكل درجة رحمة، وللنار مائة درك في كل درك رحمة مبطونة تظهر لمن هو في ذلك الدرك بعد حين فإن الغضب مغلوب وبالرحمة مسبوق، فما يظهر في محل إلا والرحمة قد سبقته إلى ذلك المحل فيغالبها فتغلّبه لأن الدفع أهون من الرفع، فلا حكم للغضب في المغضوب عليه إلا زمان المغالبة خاصة فإن هذا المحل هو ميدانهما فينال هذا المحل من المشقة فيما يطرأ بين الرحمة والغضب بقدر ما تدوم المحاربة بينهما إلى وقت غلبة الرحمة، وبالرحمة الطبيعية تقع الشفاعة من الشافعين لا بالرحمة الموضوعة، فإن الرحمة الإلهية الموضوعة يصحبها في العبد العزة والسلطان فهي لا عن شفقة، والرحمة الطبيعية عنها تكون الشفقة، ولو لم تصحب الرحمة الإلهية العزة وتتنزه عن الشفقة ما عذب الله أحداً من خلقه أصلاً، فهذه الرحمة التي يجدها العبد على خلق الله هي حكم الرحمة الطبيعية لا الرحمة الموضوعة فإن الرحمة الموضوعة لا تقوم إلا بالخلفاء، ألا ترى الإنسان إذا رأى الخليفة يعاقب ويظلم ويجور على الناس كيف يجد الشفقة على المظلومين المعاقبين ويقول ما عنده رحمة ولو قمت أنا مقامه لرحمتهم ولرفعت هذا الظلم عنهم، فإذا ولي هذا القائل ذلك المنصب حجبه الله عن الرحمة الطبيعية التي تورث الشفقة وجعل فيه الرحمة التي تصحبها العزة والسلطان فيرحم بالمشيئة لا بالشفقة ولا للحاجة لأنه العزيز الغنيّ في نفسه فيظلم ويعاقب ربما أكثر من الآخر الذي ٧١ في المنازلات/ الباب السابع والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة من عرف حظه من شريعتي كان يذمه على ذلك قبل حصوله في مقام الخلافة، فإذا قيل له في ذلك يقول: والله ما أدري إذا لم يكن عالماً فإني لا أجد في نفسي إلا ما ترون، والآن قام لي عذر الذي تقدمني فيما كان يفعله وكنت أجد عليه في ذلك وأخبرني صادق أن مثل هذا وقع من الإمام الناصر لدين الله رحمه الله أحمد بن الحسن مع أبيه المستضيء بحضور الوزير وأنه عتب مع الوزير في حق أبيه فلما أفضت إليه الخلافة ظهر منه ما ظهر من أبيه مما أخذه عليه فنبهه الوزير على قوله فقال: الحال الذي كنت أجده في ذلك الوقت ذهب عني وما أجد الساعة إلا ما ترى أثره والآن قام عندي عذر أبي رحمه الله. فمضمون هذه المنازلة أن الله أنشأ المحمدي على ما أنشأ عليه محمداً وَل# فأنشأه بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، وأرسله رحمة للعالمين، حتى أن دعاءه على رعل وذكوان من الرحمة بهم لئلا يزيدوا طغياناً فيزدادوا من الله بعداً ومن رحمته قال: لأزيدنْ على السبعين، أو قال: لو علمت أن الله يغفر لهم لزدت على السبعين إذا قيل له: إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، فلو عرف الناس من محمد ربّ ما علم الله منه بما جبله الله عليه ما عبد الله أحد بما كلفه بل كان الناس يتبعون أهواءهم بعلم لأنّ الله ما أخذ من اتبع هواه إلا لكونه اتبع هواه بغير علم، فحرمان الجهل أوقع بهم، قال تعالى : ﴿بَلِ أَتَّبَعَ الَِّينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ [الروم: ٢٩] ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ أَتَّعَ هَوَّنَهُ بِغَيْرِ هُدَى ◌ِّرِ﴾ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] وقوله تعالى لداود عليه السلام: ﴿وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [ص: ٢٦] ولم يقل عن الله، وسبيل الله ما شرعه لدار القرار التي هي محل سعادتك، وأما تمام الآية فهو من أعجب الإشارة الإلهية لأهل الفهم عن الله وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ أَلْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة من عرف حظه من شريعتي عرف حظه مني فإنك عندي كما أنا عندك مرتبة واحدة [مجزوء الرجز]: كمِثْلِ ما هُوْ لا أَزِيدْ من كان لي كنتُ له له مقاماتُ العَبِيدْ فالشرعُ غَيْبٌ ظاهرٌ يخدمه بلا مَزِيد يستخدمُ الكَوْنَ كما فَهْوَ وَفِيٍّ بالعُهُوذ فمن يفي بعَهْده له النزولُ نحونـا كما لنا عينُ الصعود إليه في أعمالنا وهو الحفيظ والشَّهِيذ فخَصَّنا بلَذّة الـكـ شف ولذّاتِ الشُّهُوذ قال الله تعالى: ﴿فَذَكَرُونِيَّ أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] رأيت سائلاً يسأل شخصاً بوجه الله أو بحرمة الله عندك أعطني شيئاً ومعي عبد صالح يقال له مدوّر من أهل أسبجة ففتح الرجل صرة ٧٢ في المنازلات/ الباب السابع والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة من عرف حظه من شريعتي فيها قطع فضة صغار وكبار فأخذ يطلب على أصغر ما فيها من القطع فقال لي العبد الصالح: أتدري على ما يطلب؟ قلت له: قل، قال: على قيمته عند الله وقدره، فكلما أخرج قطعة كبيرة يقول بلسان الحال: ما نساوي مثل هذه عند الله فأخرج أصغر ما وجد فأعطاه إياها، إلا أن الله وصف نفسه بالغيرة وعلم من أكثر عباده أنهم يهبون جزيل المال وأنفسه في هوى نفوسهم وأغراضهم فإذا أعطى أكثرهم لله أعطى كسرة باردة وفلساً وثوباً خلقاً وأمثال هذا هذا هو الكثير والأغلب، فإذا كان يوم القيامة وأحضر الله ما أعطى العبد من أجله بينه وبين عبده حيث لا يراه أحد فأحضر ما أعطى لغير الله فيقول له: يا عبدي أليست هذه نعمتي التي أنعمت بها عليك؟ أين ما أعطيت لمن سألك بوجهي، فيعين ذلك الشيء التافه الحقير ويقول له: فأين ما أعطيت لهوى نفسك فيعين جزيل المال من ماله فيقول: أما استحييت مني أن تقابلني بمثل هذا وأنت تعلم أنك ستقف بين يدي وسأقررك على ما كان منك؟ فما أعظمها من خجلة، ثم يقول له: قد غفرت لك بدعوة ذلك السائل لفرحه بما أعطيته لكني قد ربيتها لك وقد محقت ما أعطيته لهوى نفسك فإن صدقتك أخذتها وربيتها لك فيحضرها أمام الأشهاد وقد رجع الفلس أعظم من جبل أحد، وما أعطى لغير الله قد عاد هباء منثوراً، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرَبَوَأْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتُ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. فالعارفون بالله صغيرهم كبير وكبيرهم لا أعظم منه فإنهم لا يعطون لله إلا أنفس ما عندهم وأحقر ما عندهم فكلهم لله وكل ما عندهم الله العبد وما يملكه لسيده فيعطون بيد الله ويشاهدون يد الله هي الآخذة وهم مبرؤون في العطاء، والأخذ مع غاية الاستقامة والمشي على سنن الهدى والأدب المشروع، فيكونون عند الحق بمنزلة ما هو الحق في قلوبهم، يعظمون شعائر الله وحرمات الله فيعظمهم الله يوم يقوم الأشهاد بمرأى منهم ويقيم الآخرين على مراتبهم فذلك يوم التغابن فيقول فاعل الشر: يا ليتني فعلت خيراً، ويقول فاعل الخير: ليتني زدت، والعارف لا يقول شيئاً فإنه ما تغير عليه حال كما كان في الدنيا كذلك هو في الآخرة أعني من شهوده ربه وتبريه من الملك والتصرّف فيه، فلم يقم له عمل مضاف إليه يتحسر على ترك الزيادة منه وبذل الوسع فيه، وما كان منهم من زلل مقدر وقع منهم بحكم التقدير، فإن الله يتوب عليهم فيه بتبديله على قدر الزلة سواء لا يزيد ولا ينقص، فإن العارف في كل نفس تائب إلى الله في جميع أفعاله الصادرة منه توبة شرعية وتوبة حقيقية، فالتوبة المشروعة هي التوبة من المخالفات، والتوبة الحقيقية هي التبري من الحول والقوة بحول الله وقوته، فلم يزل العارف واقفاً بين التوبتين في الحياة الدنيا في دار التكليف، فإن كان له اطلاع إلهي على أنه قد قيل له افعل ما شئت فقد غفرت لك فإن ذلك لا يخرجه عن تبريه ولم تبق له بعد هذا التعريف توبة مشروعة لأنه بين مباح وندب وفرض لا حظ له في مكروه ولا محظور، لأن الشرع قد أزال عنه هذا الحكم في الدار الدنيا، ورد ذلك في الخبر الصحيح عن الله في العموم وفي أهل بدر في الخصوص لكنه في أهل بدر على الترجي وفي وقوعه في العموم واقع بلا شك، فمن أطلعه الله عليه من نفسه بأنه من تلك الطائفة فذلك بشرى من الله في الحياة الدنيا قال الله ٧٣ في المنازلات/ الباب الثامن والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة من قرأ كلامي رأى غمامتي لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْأَخِرَةِ لَا نَبْدِيلَ تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لِكَلِمَتِ اَللَّهِ﴾ [يونس: ٦٣ و ٦٤] هذا حال المؤمن المتقي فكيف بحال العارف النقي الذي ما لبس ثوب زور وما زال نوراً في نور، فمن حافظ على آداب الشريعة وأعطى الطبيعة ما أوجب الله عليه من حقها وما تعدى بها منزلتها كان من العارفين الأدباء وأصحاب السرّ الأمناء، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثامن والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة من قرأ كلامي رأى غمامتي فيها سرج ملائكتي تنزل عليه وفيه فإذا سكت رفعت عنه ونزلت أنا [الوافر]: وإنَّ المِثْلَ للأمْثَالِ ضِدُّ كلامي ليس غَيْري وهو غَيْري كلامَ الله فالوجدان فَقْدُ فقُلْ للعارفين إذا قرأتم وفي الغيب المعاني وهي حَدُّ دليلي في شهادته حروفٌ فعين القرب في التحقيق بُعدُ وأُسبلت الستور فما رآه ولا ينظرْ فإن السّمَّ شَهْدُ فمن قرأ القُران فلا يُفَكِّز قال الله تعالى في آية طالوت: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ، أَنْ يَأْنِيَكُمُ الثَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّنْ زَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٤٨] وأنزلها الله في قلوب المؤمنين من أمة محمد وَّ، وبهذا وأمثاله كانت هذه الأمة المحمدية ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال الله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ السَّكِينَةَ فِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] فما كان شهادة في غير هذه الأمة نزل غيباً في هذه الأمة فوجده أهل الأذواق في قلوبهم فكانت صفة من صفاتهم، وكانت فيمن تقدم هذه الأمة من الأمم أجنبية عنها، فعلامة هذه الأمة في قلوبهم استفت قلبك وإن أفتاك المفتون ومع كونها منزلة في قلوبهم ثم أشهدها الله تعالى بعض أصحاب محمد ◌َّله في تلاوته القرآن وكانت له فرس فجعلت تخبط فرفع رأسه فرأى غمامة فيها سرج كلما قرأ نزلت ودنت منه وإذا سكت ارتفعت، فلما ذكر ذلك لرسول الله وَ الر قال له رسول الله وَله: ((تلك السَّكينةُ نزلتْ للقرآن))، فرأى هذا الصاحب ممثلاً خارجاً عنه ببصره ما كان فيه، فكان الحق له مرآة رأى صورة ما في قلبه فيها، فإن القرآن ذكر الله ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَبِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] كذا ذكر الله لنا في كتابه العزيز، والطمأنينة سكينة أنزلها القرآن في قلوب المؤمنين، فكانت آيات بني إسرائيل ظاهرة وآياتنا في قلوبنا، وهذا الفرق بين الورثة المحمديين وسائر الأنبياء، فورثة الأنبياء يعرفون في العموم بما يظهر عليهم من خرق العوائد، ووارث محمد رَّةٍ مجهول في العموم معلوم في الخصوص لأنّ خرق عادته إنما هو حال وعلم في قلبه، فهو في كل نفس يزداد علماً بربه علم حال وذوق لا يزال كذلك. وقد نبّه الجنيد على ذلك باختلاف أجوبته عن المسألة الواحدة من التوحيد في المجلس الواحد ٧٤ في المنازلات/ الباب الثامن والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة من قرأ كلامي رأى غمامتي لاختلاف دقائق الزمان، ذكر ذلك القشيريّ في صدر رسالته المنسوبة إليه، وكلما ازداد المحمديّ علماً بربه ازداد قرباً فهم المقرّبون، وأحوالهم الظاهرة تجري بحكم العوائد فيعرفون ولا يعرفون، ويأتون بما أعطاهم الله من العلم به في طريق النصح لهذه الأمة، فلا تعرف العامة قدر ذلك لأنها اعتادت من علماء الرسوم مثل هذا إذا تكلموا في العلم بالله عزّ وجلّ من طريق الدليل ولم تفرق بين علم الدليل وبين علم الذوق، وأما علماء الرسوم فيكفرونهم غالباً مع كونهم يسلمونه لرسول الله وَّل بعينه إذا نقل عنه في قرآن أو خبر إلهي وغير إلهي، فانظر ما أشدّ هذا العمى، ولولا أنّ رسول الله وَّ بعثه رسولاً ما ظهرت عليه آية ظاهرة في العموم كما ظهرت على من تقدم، فما ظهر عنه بَّر من الآيات المنقولة في العموم إنما كان ذلك من كونه رسولاً رفقاً من الله تعالى بهذه الأمة وإقامة حجة على من كذبه وكذب ما جاء به، ألا ترى إلى رسول الله وَل # كيف أسري به إلى المقام الذي قد عرف وجاء به القرآن والخبر الصحيح، فلما خرج إلى الناس بكرة تلك الليلة وذكر للأصحاب ما ذكر ممّا جرى له في إسرائه بينه وبين ربه تعالى أنكر عليه بعض أصحابه لكونهم ما رأوا لذلك أثراً في الظاهر بل زادهم حكماً في التكليف، وموسى عليه السلام لما جاء من عند ربه كساه الله نوراً على وجهه يعرف به صدق ما ادعاه فما رآه أحد إلاَّ عمي من شدّة نوره، فكان يتبرقع حتى لا يتأذى الناظر إلى وجهه عند رؤيته. وكان شيخنا أبو يعزى بالمغرب موسويّ الورث فأعطاه الله هذه الكرامة فكان ما يرى أحد وجهه إلاَّ عمي فيمسح الرائي إليه وجهه بثوب ممّا هو عليه فيرد الله عليه بصره، وممّن رآه فعمي شيخنا أبو مدين رحمة الله تعالى عليهما حين رحل إليه فمسح عينيه بالثوب الذي على أبي يعزى فردّ الله عليه بصره وخرق عوائده بالمغرب مشهورة وكان في زماني وما رأيته لما كنت عليه من الشغل، وكان غيره من الأولياء المحمديين ممّن هو أكبر منه في العلم والحال والقرب الإلهي لا يعرفهم أبو يعزى ولا غيره، فمن جعل الله آيته في قلبه وكان على بينة من ربه في قربه فقد ملأ يديه من الخير كله واختصه واصطنعه لنفسه وكساه الصفة الحجابية غيرة منه عليه، فلم تشهد حاله الأبصار في الدنيا وهم الأخفياء والأبرياء، فمن تحققهم بالحق وليسوا برسل مشرعين حجبهم الحق لاحتجابه إلى يوم القيامة، فيظهرهم الله في الموطن الذي يتجلى الله فيه لأبصار عباده ويظهر بنفسه وعينه الخاص والعام، فهناك يعرف قدر المحمديّ في القرب الإلهيّ بمقامه في تلاوته كلام ربّه عزّ وجلّ وهو سكونه لما يتلوه من كشفه واطلاعه على معانيه، فهو في حال تلاوته يستذكر ما عنده فيطلع على نفسه ويسمعه الله نثر كلامه ونظمه بتأييد الروح القدسي لما جاء في النظم المسمّى شعراً من نفخ الشيطان إلاَّ مثل هذا النظم، وقد صحّ في الخبر أن حسان بن ثابت لما أراد أن يهجو قريشاً ينافح بذلك عن رسول الله وَّرُ قال له رسول الله وَّر: ((قُلْ يَا حَسَّانُ فَإنَّ رُوحَ القُدُسِ يُؤَيِّدُكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ عِرْضٍ رَسُولِ الله)) فلم يجعل للشيطان عليه سبيلاً، وإذا كان هذا لمن ينافح فما ظنك بحال من ينطق عن الله بالله، فيكون القائل منه عند قوله ربّه عزّ وجلّ كما ورد في الصحيح أن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده في الصلاة، في المنازلات / الباب التاسع والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة قاب قوسين الثاني الحاصل بالوراثة النبوية ٧٥ والحاضرون ما سمعوا إلاَّ صوت المصلي وكلامه بهذا المتكلم به ما ينسبه الحق تعالى جلاله إلاَّ إلى نفسه لا إلى المصلي، فاعلم أيها الوليّ الحميم ذلك تسعد إن شاء الله [الوافر]: كما قلنا رَمَيْتَ وما رَمَيْئًا كلامي ليس غَيْري وهو غَيْري بمشهدك التحاماً قُولي هَيْئًا فيا نَفْسي إذا طَلَبَتْ نفوسٌ وتعلو بالعطاء إذا عَلَوْتًا ولا تَبْخَلْ فإن البُخْلَ شُؤْمٌ وكن عين القُران إذا تَلَوْتًا وكُنْ حَقّاً ولا تظهر بزُورٍ يناديه بما يَثْلُوهِ صَوْتًا لأن الله لم يسمع لعبدٍ وكان خَالَهُ المشهودُ مَيْتًا فإنْ يتلُو بحقّ قال عبدي لذا كتبوا على الأحياء مَوْتًا لأن الحَقَّ ليس يراه حَيٍّ فكل من تلا وسكن لما تلا بصدق بصورة ظاهر وحكمة باطن فذلك تال وصاحب سكينة، فإن هو تلا وسكن ظاهراً ولم يسكن باطناً والسكون الباطن فهم المعنى الساري في الوجود من تلك الآية المتلوة لا يقتصر بها على ما تدل عليه في الظاهر خاصة، فمن تلا هكذا فليس بصاحب سكينة أصلاً ولا هو وارث محمديّ وإن كان من أمة محمد بيّ، فإن تلا وسكن باطناً ولم يسكن ظاهراً وتعدّى الظاهر المشروع فذلك ليس بوارث ولا محمديّ ولا بمؤمن وهو أبعد الناس من الله، فإن الروح القدسيّ أوّل من يرميه ويرمى به والنبيّ محمد ◌َّل يقول لربّه فيه يوم القيامة سحقاً سحقاً والله عند ذلك لا يسعده ولا يساعده، وأعظم حسرة تقوم به إذا عاين يوم القيامة من سكن إليه إذا تلاه ظاهراً وباطناً فيرى ما سكن إليه باطناً قد سعد به هذا الآخر وشقي هو به، وما شقي إلاَّ بعدم سكون الظاهر فيفوته خير كثير حين فاته الإيمان به فإنه أتى البيت من ظهره لم يأته من بابه، جعلنا الله وإياكم ممّن تلا فسكن. وفي التلوين في تلاوته بحسب الآيات ثبت وتمكن، إنه الملي بذلك والقادر عليه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب التاسع والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة قاب قوسين الثاني الحاصل بالوراثة النبوية للخواص منا [الرمل]: قَابَ قوسين لمن أُسْرِيّ بِهْ قَابَ قَوْسَيْنِ لنا من قَبْلِنَا ولذا نِلْنَاه منه فائْتَبهْ غير أنّي وارثْ مستخدمٌ ماهنا بينهما من مُشْتَبِةْ فحلالٌ وحرامٌ بَيِّنْ عَيْنُ من أَسْرَى به ما أنابِهْ إنما الشُّبْهَةُ من قال أنا ليس يدري ذاك غيرُ المُنْتَبِة وهو يَذري أنه وارثه قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ اُلْصَلِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وقال نَّهِ: ((العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ)) وذكر أن الأنبياء ورثوا العلم ما ٧٦ في المنازلات/ الباب التاسع والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة قاب قوسين الثاني الحاصل بالوراثة النبوية ورثوا ديناراً ولا درهماً، فالوارث مستخدم بالمعنى من ورث منه ما جمعه غير أنّ الموروث في مثل هذا الورث ما نقصه شيء من علمه بوراثة الوارث منه ففارق ميراث الدينار والدرهم بهذه الحقيقة، والله يرث الأرض ومن عليها ممّا تعلق به علمه من العلم الابتلائيّ، فهذا هو قدر ميراث الحق من عباده وهو قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ فاستخدمهم بما ابتلاهم حتى يعلم ﴿اَلْمُجَهِدِينَ﴾ من عباده ﴿وَالصَّبِينَ﴾ [محمد: ٣١] ويبلو أخبارهم، وما عدى هذا النوع في حق الحق فهو علم لا علم وراثة، فكأن الورثة من طريق المعنى استخدموا من ورثوا منه العلم الذي حصله من الله بحكم الكسب ابتداء وبحكم التكليف، كل ذلك ورثوا منه الورثة من علماء الأمم، وممّا ورثوا منه قرب قاب قوسين وهو قولنا الثاني أعني الذي ينبغي للأولياء من هذا التقريب المحمدي ممّن قرب منه هذا القرب، فالأوّل من ذلك له وَل، والثاني للوارث وهو عينه، وإنما جعلناه ثانياً لكونه ما حصل له حتى تقدم به هذا الرسول المعين وَلّ فناله منه فهو في غاية البيان لا يقبل الشبه هذا العلم الموروث مثل ما يقبلها العلم النظري، ولهذا نبّه أبو المعالي لما ذكر النظر قال بحصول العلم عقيب النظر ضرورة، فلو كان ذلك العلم الحاصل عقيب النظر نتيجة النظر ضرورة لما قبل الدخل بعد ذلك ولا الشبهة مثل ما لا يقبل ذلك العلم الضروري، فتأوّلوا على إمام الحرمين ما لم يقصده بكلامه، وإنما أراد رضي الله عنه ما أردناه أنّ النظر جعله الله سبباً من الأسباب يفعل الأشياء عنده لا به، فإذا وفى النظر في الدليل حقّه خلق الله له العلم الضروري في نفسه ليس غير هذا، فاعتماده على العلم الضروري الذي لا يقبل الشبه، فإن لم يخلق له العلم الضروري فهو العالم الذي يقبل الدخل فيما علمه فيعلم عند ذلك أنه ما علمه علماً ضرورياً، ولهذا ما يقبل الدخل إلاَّ دليله لا ما يقول أنه علمه عقيب النظر فرجوعه أو توقفه عمّا كان أنتج له ذلك الدليل أخرجه أن يكون ذلك عنده علماً ضرورياً، فليفرق الوارث في علمه بربه بين ما يأخذه ورثاً وبين ما يأخذه ابتداء من غير ورث، فأي عامل من العاملين عمل بأمر مشروع له من نص لا من تأويل وحصل له عن ذلك العمل علم بالله فهو من العلم الموروث. ثم إنه لا يخلو ذلك النص المعمول به هل كان شرعاً لمن قبل محمد وَالّ أو لم يكن إلاَّ من الشرع المختص به لا من الشرع المقرّر الذي قرّره لأمّته ممّا كان الله قد تعبد به نبياً قبله، فوارث مثل هذا وارث من كان ذلك العمل شرعه من الأنبياء بلغوا ما بلغوا، ووارث أيضاً محمداً وَ لّ فيه فهو وارث من وارث، فإن كان ممّا اختصّ به رسل الله وَلَر فالوارث وارث محمد وَّي فيه خاصة لا ينتسب إلى غيره من الأنبياء عليهم السلام، ويتميز بذلك عن سائر ورثة علماء الأنبياء عليهم السلام قبله، ويحشر بذلك العلم في صفوف الأنبياء عليهم السلام وخلف محمد ◌َلّ، فإن نشأة الآخرة تشبه في بعض الأحكام النشأة البرزخية فترى نفسها وهي واحدة في صور كثيرة وأماكن مختلفة في الآن الواحد، فيرى نفسه إن كان ورث عن وارث خلف محمد نَّ وخلف كل نبيّ كان ذلك العمل شرعاً له، ولو كانوا مائة ألف لرأى نفسه في أماكن على عددهم وفي صور، ويعلم أنه هو وليس غيره في كل ٧٧ في المنازلات/ الباب الأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة اشتد ركن من قوي قلبه بمشاهدتي صورة، وهو مع كونه واحداً عين كل صورة وهكذا يكون يوم القيامة، فإن النبي وَّله يطلبه الناس في مواطن القيامة فيجدونه من حيث طلبهم في كل موطن يقتضيه ذلك الطلب في الوقت الذي يجده الطالب الآخر في الموطن الآخر بعينه، فمن لم يجده في طلبه في موطن ما فإنما ذلك لكونه طلبه في غير الموطن الذي يقتضيه طلبه، فإن طلبه في موطن اقتضى حاله الجهل لوجده، فذلك الجهل إذا وقع إن وقع فسببه ما ذكرناه وهو غير واقع والله أعلم. ثم نرجع ونقول: وإن كان ذلك العمل الذي أقيم فيه العبد لا عن نص مشروع بل كان قلّد فيه مجتهداً من علماء الأمّة صاحب نظر وتأويل فيما حكم به لا عن نص من ذلك المجتهد اتبعه فإنه يكون يوم القيامة وارث ذلك المجتهد ومتبعاً إياه ومتبعاً أيضاً، والنبيّ وَّير وإن كان ذلك في نفس الأمر شرعاً له كما تقدم، وإن كان العامل لا عن نص ولا عن تقليد بل كان عن نظر واجتهاد وتفقه فهذا لا يكون وارثاً في مثل هذه المسألة إلاَّ إن أصاب الحكم فيها، فإن أصاب الحكم كان وارثاً وإن أخطأ الحكم لم يكن وارثاً ويحشر في صف من هذه صفته ولهم صف مخصوص، ثم هم في المواطن بحسب ما يكون عليه ذلك الحكم من مصادفة من تقدمه أنه شرع له، فتكون له صور متبعة خلف ذلك الموروث منه كان من كان والكل خلف محمد بَّله، وتختلف مراتبه خلف رسول الله وفض له وخلف الرسل عليهم السلام لاختلاف ما ظهر له في الذي عمل به، فإن انفرد به جملة عن كل رسول ونبيّ ومجتهد فإنه يكون أمة وحده كقس بن ساعدة قال فيه رسول الله وَ الر أنه يبعث يوم القيامة أمة وحده مع كونه خلف محمد نَّو لا بدّ من ذلك من حيث إنه وَلّ أعطاه المادّة التي نظر فيها حتى انقدح له ما لم يخطر له إلاَّ في تلك المسألة النازلة وأخطأ فيها حكم رسول الله ◌َّير لا بدّ من ذلك بخلاف حكم المصيب، فتحقق هذه المنازلة فإنها غريبة في المنازلات قليل من أهل الله من تكون له فإنها تنبىء عن تحقيق عظيم وذوق غريب ورفع إشكال، وليس يكون في القيامة أدل ولا أعرف بمواطن القيامة ولا بصور ما فيها أعظم من صاحب هذه المنازلة ولا تحصل إلاَّ بالوهب الإلهيّ لمن حصلت له، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة اشتد ركن من قوي قلبه بمشاهدتي [البسيط]: إنّ القَويَّ الذي ما زال يَشْهَدُني فمن يُعانِدُني فيما أَفُوهُ به ولو يراه لفَدَّاهُ بناظره لكِنْ له حُجُبٌ على العيون فَهُمُ عند الشؤون وما في الحَقْ من حَرَجٍ من الحقائق فَلْيَرْقَ على دَرَجي وبالنفوس وبالأرواح والمُهَجِ في الضيق في الملأ العلويّ في فرّج ٧٨ في المنازلات/ الباب الأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة اشتد ركن من قوي قلبه بمشاهدتي في الذلّ والمقلةِ النجلاءِ والدَّعَجِ إني مريضٌ عليلُ القلبِ مبتئسٌ غَرِقْتُ من بحرها اللُّجِّيِّ في اللُّججِ إني لفي ظُلُماتٍ من تراكُمها أين السواحل يا هذا من الثَّبَجِ الناسُ في سِيفِ هذا البحر في نِعَم قال الله عزّ وجلّ جلاله حكاية عن نبيه لوط عليه السلام إذ قال لقومه: ﴿لَوَ أَنَّ لِىَ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَّكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] فقال رسول الله وَّر في الصحيح عنه: ((يَرْحَمُ الله أَخِي لُوطاً لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ» يعني من القبيلة، فاعلم أن أقوى الأقوياء من كان الحق قواه ومع هذه القوّة بهذه الصفة، فما يكون إلاَّ ما سبق به الكتاب، ولا كتب إلاَّ ما علم، وما علم إلاّ ما هو عليه المعلوم ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اَللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤] ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَآ أَنَّأْ ◌ِظَلَّمِ لِلمِيدِ﴾ [ق: ٢٩] فقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود: ٨٠] أي همّة فعالة، ومن كان الحق قواه فلا همة تفعل فعل من هذه صفته لكن الأمر على ما قرّرناه من سبق الكتاب فلا يقع إلاَّ ما هو الأمر عليه فأداة أو أنما أعطته عطاها الإمكان لا غير، فلو أراد بالقوّة إظهار الأثر الذي جاء به فيهم وأراد بالركن الشديد إذ لم يتمكن الأثر فيهم أن يحمي نفسه عنهم حتى لا يؤثروا فيه فلهذا وَّر ذكر الأمرين: القوّة والإيواء، ولا شك أن الرسل عليهم السلام هم أعلم الناس بالله فلا يأوون إلاَّ إلى الله وهو قوله بَّهِ: ((يَرْحَمُ الله أَخِي لُوطاً لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكُنٍ شَدِيدٍ)) يعني بذلك إيواءه إلى الله فأوى إلى من يفعل ما يريد ولا اختيار في إرادته ولا رجوع عن علمه، فآوى إلى من لا تبديل لديه [الطويل]: فما ثَمَّ تخييرٌ وما ثَمَّ مُنْقَلَبْ فما الجَبْرُ إلاَّ ظاهرٌ مُتَحَقٌّقٌ فإن لم تُوافِقْهُ فما ينفعُ الھَرَبْ فلا تَهْرُبَنْ فالأمر ما قد سَمِعْتَهُ فِعِلْمُ إلهي عَيْنُ حالي فما أنا عليه فأمْلِيهِ عليه إذا كتبْ يؤدّي إلى الفوز العظيم أو العَطَبْ فأنت سَبَقْتَ القولَ والعلمَ والذي فلا ركن أشد من ركنك وما نفعك، وإنما قلنا إنك أشدّ الأركان من كون القضاء ما جرى عليك إلاَّ بما كسبت يداك وهو ما أعطته قدرتك، فأضاف الفعل إليك وليس إلاَّ ما قررناه من أنه ما علم منك إلاَّ ما أنت عليه، فإذا وها ركنك بالنظر إلى غرضك فلم نفسك فإن الحق المحكوم به تابع أبداً لحال المحكوم به عليه، فالمحكوم عليه هو الذي جنى على نفسه لا الحاكم بالمحكوم به، وإنما تعددت الأركان من أجل الحجب التي أرسلها الحق بينك وبين الأصل، وكون الأمر جعله مثل البيت على أربعة أركان: ركن العلم، وركن القول وهو قوله عزّ جلّ: ﴿هَذَا كِتَبُنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] وركن المشيئة، وركن الأصل وهو أنت، وهو الركن الأول من البيت والثلاثة الأركان توابع، فمن الناس من استند في حاله إلى علم الله فيه، ومنهم من استند إلى مشيئته، ومنهم من استند إلى ما كتب الله عليه، وصاحب الذوق من يرى جميع ما ذكرناه ووقف مع نفسه وقال: أنا الركن الذي مرجع الكل إليه، فهو الأول الذي انبنى من هذا البيت ولكن صاحبه عزيز فإن الصحيح عزيز، فالكل معلول عندهم وعندي أن ٧٩ في المنازلات / الباب الأحد والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة عيون أفئدة العارفين العالم هو عين العلة والمعلول ما أقول أن الحق علة له كما يقوله بعض النظار فإن ذلك غاية الجهل بالأمر، فإن القائل بذلك ما عرف الوجود ولا من هو الموجود، فأنت يا هذا معلول بعلتك والله خالقك، فافهم واعلم أنه من أوجدك له لا لك ففي حق نفسه عمل لا في حقك فما أنت المقصود لعينك، قال عزّ وجلّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لَلْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فذكر ما ظهر وهو مسمّى الإنس، وما استتر وهو مسمّى الجن، فإذا نظرت إلى هذا الخبر وسعدت أنت بهذه الوجوه فإنما سعدت بحكم التبعية، فاعلم ما يقول له إذا قرر عليك النعم فإنما يقررها عليك لسان الإمكان، فإن شئت فاسمع واسكت وإن شئت فتكلم كلاماً يسمع منك، وليس إلاَّ أن تقول له ما قاله، فبكلامه تحتج إن أردت أن تكون ذا حجة، وإن تأدبت وسكت فإنه يعلم منك على ما سكت وانطويت عليه، فما كل حق ينبغي أن يقال ولا يذاع، ولا سيما في موطن الإشهاد والخصم قويّ والحاكم الله ولا يحكم إلاّ بالحق الذي سأل منه رسول الله وَلّر أن يحكم به في قوله: ﴿قَلَ رَبِّ أَعْكُمُ بِالْحَيُّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] ولولا ما هو الرحمن ما اجترأ العبد أن يقول: ﴿رَبِّ اعْكُ بِلَلَقُّ﴾ فإنه تعالى ما يحكم إلاَّ بالحق فإنه ما يتعدّى علمه فيه الذي أخذه منه أزلاً وظهر حكمه أبداً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الأحد والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة عيون أفئدة العارفين ناظرة إلى ما عندي لا إليّ [البسيط]: عُيُونُ أفئدةٍ للعارفين سِوَاكْ لو كان عِنْدَك ما عندي لما نَظَرَتْ فإن نَظَرْتَ بعين الجمع تَخْطَ بنا وإن نَظَرْتَ بأخرى كان ذاك هَوَاكْ وما هنا عينُ شيء لا يكون هُنَاك ما في الوجود وجودٌ غير خالقِه إن لم يَكُنْ هكذا کَوْني فليس بذَاْ بل كلّه عينُه جَمْعاً وتفرقةٌ قال الله عزّ وجلّ في العارفين: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] ولم يقل علموا ﴿ يَقُولُونَ رَبَّآَ ءَامَنَا فَأَكْبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] ولم يقولوا علمنا ﴿وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٨٤] ولم يقل نعلم ﴿وَمَا جَآءَنَا مِنَ اُلْحَقِّ وَنَطْمَعُ﴾ [المائدة: ٨٤] وما قالوا نتحقق ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ اُلْقَوْمِ الصَّلِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٤] وهي الدرجة الرابعة ﴿فَثَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ﴾ [المائدة: ٨٥] ولم يقل بما علموا ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥] والجنات عند الله، فلهذا قال ناظرة إلى ما عندي فإنه قال في حق طائفة آخرين: ﴿وُجُوهُ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةُ ﴿ إِلَى يَتِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] على أن تكون إلى حرف أداة غاية لا تكون اسم جمع النعمة فإن ذلك في اللفظ يحتمل ولهذا ما هي هذه الآية نص في الرؤية يوم القيامة، وإذا كان الأمر هكذا فاعلم أن الله قد فرّق بين العارفين والعلماء بما وصفهم به وميّز بعضهم عن بعض، فالعلم صفته ٨٠ في المنازلات/ الباب الثاني والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة من رآني وعرف أنه رآني فما رآني والمعرفة ليست صفته، فالعالم إلهي والعارف رباني من حيث الاصطلاح، وإن كان العلم والمعرفة والفقه كله بمعنى واحد لكن يعقل بينهما تميز في الدلالة كما تميزوا في اللفظ، فيقال في الحق إنه عالم ولا يقال فيه عارف ولا فقيه، وتقال هذه الثلاثة الألقاب في الإنسان، وأكمل الثناء ثناؤه تعالى بالعلم على من اختصّه من عباده أكثر ممّا أثنى به على العارفين، فعلمنا أن اختصاصه بمن شاركه في الصفة أعظم عنده لأنه يرى نفسه فيه فالعالم مرآة الحق ولا يكون العارف ولا الفقيه مرآة له تعالى، وكل عالم عندنا لم تظهر عليه ثمرة علمه ولا حكم عليه علمه فليس بعالم وإنما هو ناقل والعلم يستصحب الرحمة بلا شك، فإذا رأيت من يدعي العلم ولا يقول بشمول الرحمة فما هو صاحب علم، فإن الرحمة تتقدم بين يدي العلم تطلب العبد ثم يتبعها العلم، هذا هو علم الطريق الذي درج عليه أهل الله وخاصته وهو قوله: ﴿وَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] وهذا هو علم الذوق لا علم النظر. واعلم أن العارفين هم الموحدون، والعلماء وإن كانوا موحدين فمن حيث هم عارفون إلاَّ أن لهم علم النسب فهم يعلمون علم أحدية الكثرة وأحدية التمييز وليس هذا لغيرهم، وبتوحيد العلماء وحّد الله نفسه إذ عرف خلقه بذلك، ولما أراد الله سبحانه أن يصف نفسه لنا بما وصف به العارفين من حيث هم عارفون جاء بالعلم والمراد به المعرفة حتى لا يكون لإطلاق المعرفة عليه تعالى حكم في الظاهر فقال: ﴿لَا نَعْلَمُونَهُمِّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمّ﴾ فالعلم هنا بمعنى المعرفة لا غير، فالعارف لا يرى إلاَّ حقاً وخلقاً، والعالم يرى حقاً وخلقاً في خلق فيرى ثلاثة لأن الله وتر يحب الوتر، فهو مع الله على ما يحبه الله مع الكثرة كما ورد: ((إِنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً إِلاَّ وَاحِد)) فإن الله وتر يحب الوتر، فما تسمى إلاّ بالواحد الكثير لا بالواحد الأحد، وإنما قلنا في العارف إنه رباني فإن الله لما ذكر من وصفه بأنه عرف قال عنه إنه يقول في دعائه ربنا لم يقل غير ذلك من الأسماء، وقال رسول الله وَ﴿ فيه مثل ذلك: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وما قال علم ولا قال إلهه، فلزمنا الأدب مع الله تعالى ومع رسوله بَّ فأنزلنا كل أحد منزلته من الأسماء والصفات، ومن أراد تحقيق الفرق بين المعرفة والعلم فعليه بمطالعة ما ذكرناه في مواقع النجوم لنا فإني شفيت في ذلك الغليل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثاني والأربعون وأربعمائة في معرفة منازلة من رآني وعرف أنه رآني فما رآني [الخفيف]: ما يراني غير الذي ما يراني من رآني وقال يَوْماً رآني وبها ربُّنا العَلِيُّ هداني إن لله نَظْرَةً في وجودي بجنان بفكره أو عَيَانِ يذهب العلم إن نظرت إليه في سُلُوبٍ يُعْطِيكُهَا في بَيّانِ فدليلي يَنْفي الثُبُوتَ وَيَمْضي