النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ في المنازلات/ الباب العاشر وأربعمائة في معرفة منازلة ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ اٌلْمُنَهَى﴾ يتمكن لنا أن نستقبل بوجوهنا إلا هي فهي قبلتنا وهي إمامنا، ومن كان هذا نعته والأمر كُريّ فبالضرورة يكون الوراء منا للمحيط بنا، فإذا نظرنا إلى قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْنَهَى﴾ [النجم: ٤٢] فإنما يريد بظهورنا لا بوجوهنا فإن مشينا إلى المحيط القهقرى فهو من ورائنا محيط لأنه الوجود، فلو لم يكن من ورائنا لكان انتهاؤنا إلى العدم، ولو وقعنا في العدم ما ظهر لنا عين، فمن المحال وقوعنا في العدم لأن الله وهو الوجود المحض من ورائنا محيط بنا إليه ننتهي فيحول وجوده وإحاطته بيننا وبين العدم، فليس بين قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى﴾ وبين قوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَآءِهِم تُحِيطٌ﴾ تقابل لا يمكن معه الجمع بينهما بل الجمع بينهما معلوم، فالعالم بين النقطة والمحيط فالنقطة الأوّل والمحيط الآخر، فالحفظ الإلهي يصحبنا حيثما كنا فيصرفنا منه إليه، والأمر دائرة ما لها طرف يشهد فيوقف عنده، فلهذا قيل للمحمدي الذي له مثل هذا الكشف لا مقام لكم لكون الأمر دورياً فارجعوا فلا يزال العالم سابحاً في فلك الوجود دائماً إلى غير نهاية إذ لا نهاية هناك، ولا يزال وجه العالم أبداً إلى الاسم الأوّل الذي أوجده ناظراً، ولا يزال ظهر العالم إلى الاسم الآخر المحيط الذي ينتهي إليه بورائه ناظراً، فإن العالم يرى من خلفه كما يرى من أمامه، ولكن يختلف إدراكه باختلاف الحال عليه، ولولا الاختلاف ما تميز عين ولا كان فرقان [الكامل]: وأنا لها قُطْبٌ فلستُ أَبُورُ إنّ الوُجُودَ رَحَى عَلَيَّ تَدُورُ فالفَقْرُ نَعْتُ الكَوْنِ فهو فَقِيرُ لو زِلْتُ ما دارت ولا كانت رَحّى يا جاهلاً بالأمر وهو مُشَاهَدٌ إِعْلَمْ بأنك بالأمور خَبِيرُ وهو الدليل عليه فهو بَصيرُ الجَمْعُ يحجبُ فرقه عن عينه قيل لطائفة: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فقيل لهم: حق لأن الله من ورائهم محيط وهو النور، فلو لم يضرب بالسور بينه وبينهم لوجدوا النور الذي التمسوه حين قيل لهم التمسوا نوراً فإن الحياة الدنيا محل اكتساب الأنوار بالتكاليف وأنها دار عمل مشروع فهي دار ارتقاء واكتساب، فلما أقبلوا على الآخرة صارت الدنيا وراءهم فقيل لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً أي لا يكون لأحد نور إلا من حياته الدنيا، فحال سور المنع بينهم وبين الحياة الدنيا، فالسور دائرة بين النقطة والمحيط فأهل الجنان بين السور والمحيط، فالنور من ورائهم وباطن السور إليهم الذي فيه الرحمة، ووجه السور الذي هو ظاهره ينظر إلى نقطة المحيط، وأهل النار بين النقطة وظاهر السور، وظاهره من قبله العذاب إلى الأجل المسمى فهو حائل بين الدارين لا بين الصفتين، فإن السور في نفسه رحمة وعينه عين الفصل بين الدارين لأن العذاب من قبله ما هو فيه والرحمة فيه، فلو كان فيه العذاب لتسرمد العذاب على أهل النار كما تتسرمد الرحمة على أهل الجنة، فالسور لا يرتفع وكونه رحمة لا يرتفع ولا بدّ أن يظهر ما في الباطن على الظاهر فلا بدّ من شمول الرحمة لمن هو قبل ظاهر السور ولهذا قيل لهم: التمسوا نوراً فلو قيل لهم: التمسوا رحمة لوجدوها من حينهم بوجود السور، فإذا أراد أهل الجنة أن يتنعموا برؤية أهل النار يصعدون على ذلك السور فينغمسون في الرحمة فيطلعون على أهل النار فيجدون من ٢٢ في المنازلات / الباب الأحد عشر وأربعمائة في معرفة منازلة فيسبق عليه الكتاب لذة النجاة منها ما لا يجدونه من نعيم الجنة لأن الأمن الوارد على الخائف أعظم لذة عنده من الأمن المستصحب له، وينظرن أهل النار إليهم بعد شمول الرحمة فيجدون من اللذة بما هم في النار ويحمدون الله تعالى حيث لم يكونوا في الجنة وذلك لما يقتضيه مزاجهم في تلك الحالة، فلو دخلوا الجنة بذلك المزاج لأدركهم الألم ولتضرروا، فإذا عقلت فليس النعيم إلا الملايم وليس العذاب إلا غير الملايم كان ما كان فكن حيث كنت، إذا لم يصبك إلا ما يلايمك فأنت في نعيم، وإذا لم يصبك إلا ما لا يلايم مزاجك فأنت في عذاب حببت المواطن إلى أهلها وأهل النار الذين هم أهلها هي موطنهم ومنها خلقوا وإليها رجعوا، وأهل الجنة الذين هم أهلها منها خلقوا وإليها رجعوا، فلذة الموطن ذاتية لأهل الموطن غير أنهم محجوبون بأمر عارض عرض لهم من أعمالهم من إفراط وتفريط فتغير عليهم الحال فحجبهم عن لذة الموطن ما قام بهم من الأمراض التي أدخلوها على أنفسهم حتى أنهم لو لم يعملوا ما يوجب لهم وجود الآلام والأسقام وحشروا من قبورهم على مزاج وطنهم وخيروا بين الجنة والنار لاختاروا النار كما يختار السمك الماء، ويفر من الهواء الذي به حياة أهل البرّ فيموت أهل البرّ بما يحيا به أهل الماء، ويموت أهل الماء بما يحيا به أهل البرّ، فاعلم ذلك وأنت فلا يصح لك البقاء مع الحق على الدوام فإنه لا بدّ أن يقال: ردوهم إلى قصورهم ولم يقل ردّوهم إلى بيوتهم ولا إلى أزواجهم، فما جاء بلفظ القصور، إلا للمعنى المعقول منه، فإذا ردّوهم إلى قصورهم وأشرفوا على ملكهم فمن المحال أن يظهروا فيه عبيداً وإنما يظهرون فيه ملوكاً فيعظمهم أهلهم وتقوم العزة عليهم في نفوسهم فتقول لهم الحقيقة: ليكن عزكم الذي اقتضاه لكم الموطن بالله لا بنفوسكم فيعتزون في ملكهم بعز الله فتكون العزة لله بالأصالة ولرسوله وللمؤمنين خلعة الهية لا بالأصالة، فيسعدون بهذا العلم عند الله ويجدونه في التجلي المستأنف، مع أن العلماء بالله لا يزالون في تجل دائم لما علموا أن الحق عين كل صورة، ومع هذا فلهم التجلي العام في الكثيب فإن ذلك يعطي ذوقاً آخر خلاف هذا الذوق الذي يجدونه دائماً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى السفر الثامن والعشرون بانتهاء الباب العاشر وأربعمائة . بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحميةِ [السفر التاسع والعشرون] الباب الأحد عشر وأربعمائة في معرفة منازلة فيسبق عليه الكتاب فيدخل النار من حضرة كاد لا يدخل النار فخافوا الكتاب ولا تخافوني، فإني وإياكم على السواء في مثل هذا قال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَِّ لِيدِ﴾ [قَ: ٢٩] لحكم الكتاب على الجميع وعليهم ﴿أَفَمَنْ حَقِّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ١٩] فما أصعب الأمر عند العاقل الخبير [الخفيف]: إذْ له الحُكْمُ في الوجود وفينا إنّ خَوْفَ الكتاب شَرْ ذُنُوبي ٢٣ في المنازلات / الباب الأحد عشر وأربعمائة في معرفة منازلة فيسبق عليه الكتاب ورأيناه فيه حَقّاً يَقِينًا وقرأناه في الكتاب صريحاً حادث منه حَلّ بالعالمينا لا يخاف الإله إلا لكون قال رسول الله وَّر في الصحيحِ عنه: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ حَتَّى مَا يَبْقَى بَيْتَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّ شِبْرٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَتَغْمَلُ بِعَمَلَ أهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ)) وكذلك قال في أهل الجنة ثم قال: ((وَإِنَّمَا الأعْمَالُ بِالخَوَاتِيم)) وهي على حكم السوابق، فلا يقضي الله قضاء إلا بما سبق الكتاب به أن يقضى فعلمه في الأشياء عين قوله في تكوينه فما يبدل القول لديه، فلا حكم لخالق ولا مخلوق إلا بما سبق به الكتاب الإلهيّ ولذا قال: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلَِّ لِمُبِيدِ﴾ [قَ: ٢٩] فما نجري عليهم إلا ما سبق به العلم، ولا أحكم فيهم إلا بما سبق به، فهذا موقف السواء الذي يوقف فيه العبد [الطويل]: نفي خَلْقه أخرَى فمن یَتَحَكِّمُ إذا كان عِلْمُ الحَقّ في الحَقِ يَخكُمُ وليس بمُختار إذا كان هكذا فَكُلِّ إلى سَبْقِ الكتاب مُسَلِّمُ له سُوَرّ فينا وآيّ وأنْجُمُ فما الخوفُ إلا من كتاب تقدَّمَتْ رؤوفٌ رحيمٌ بالعباد وأرْحَمُ فلو كان مختاراً أمِنَّاهُ إنه يكون لها السبق الكريمُ المُقَدَّمُ وأخْبَرُ في البُشْرَى برحمته التي على غضبٍ أبداه فعل عبيده وليس كتابي غير ذاتي فافهموا يزول بحمد الله عنه وعَنْهُمُ فما مثله إيَّايَ فافْشُوا واكْتُمُوا ﴿بَلِ آلْإِنْسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] فانظر أيها الوليّ الحميم إلى ما يحوك في صدرك لا تنظر إلى العوارض فإنك بحسب ما يحوك، فإن حاك الإيمان فأنت مؤمن، وإن حاك صرف ما وجب به الإيمان إلى ما لا يقتضيه ظاهر الحكم فأنت بحسب ذلك وبه يختم لك، ولا تنظر إلى ما يبدو للناس منك، ولا تعوّل إلا على ما يحوك في صدرك، فإنه لا يحوك في صدرك إلا ما سبق في الكتاب أن يختم به لك، إلا أن الناس في غفلة عما نبهتهم عليه ولا رادّ لأمره ولا معقب لحكمه، وذلك الذي يحوك في صدرك هو عين تجلي الأمر الذي لك وقسمك من الوجود الحق، قال بعضهم في باب الورع: ما رأيت شيئاً أسهل عليّ من الورع كل ما حاك له شيء في نفسي تركته، يؤيده قول النبيّ بَّهِ: (دَعْ مَا يُرِيبُكَ إلَى مَا لاَ يُرِيبُكَ)) وقال: ((اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَقْتَاكَ المُفْتُونَ)). واعلم أن الله تعالى ما كتب إلا ما علم ولا علم إلا ما شهد من صور المعلومات على ما هي عليه في أنفسها ما يتغير منها وما لا يتغير فيشهدها كلها في حال عدمها على تنوّعات تغييراتها إلى ما لا يتناهى، فلا يوجدها إلا كما هي عليه في نفسها، فمن هنا تعلم علم الله بالأشياء معدومها وموجودها وواجبها وممكنها ومحالها، فما ثمّ على ما قرّرناه كتاب يسبق إلاَّ بإضافة الكتاب إلى ما يظهر به ذلك الشيء، في الوجود على ما شهده الحق في حال عدمه، فهو سبق الكتاب على الحقيقة، والكتاب سبق وجود ذلك الشيء، ويعلم ذوق ذلك من علم الكوائن قبل تكوينها، فهي له مشهودة في حال عدمها ولا وجود لها، فمن كان له ٢٤ في المنازلات/ الباب الثاني عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من كان لي لم يذل ولا يخزى أبداً ذلك علم معنى سبق الكتاب فلا يخف سبق الكتاب عليه وإنما يخاف نفسه، فإنه ما سبق الكتاب عليه ولا العلم إلا بحسب ما كان هو عليه من الصورة التي ظهر في وجوده عليها، فلم نفسك لا تعترض على الكتاب، ومن هنا إن عقلت وصف الحق نفسه بأن له الحجة البالغة لو نوزع فإنه من المحال أن يتعلق العلم إلا بما هو المعلوم عليه في نفسه، فلو احتج أحد على الله بأن يقول له: علمك سبق فيّ بأن أكون على كذا فلم تؤاخذني يقول له الحق : هل علمتك إلا بما أنت عليه؟ فلو كنت على غير ذلك لعلمتك على ما تكون عليه ولذلك قال: حتى نعلم، فارجع إلى نفسك وانصف في كلامك، فإذا رجع العبد على نفسه ونظر في الأمر كما ذكرناه علم أن محجوج وأن الحجة لله تعالى عليه، أما سمعته تعالى يقول: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ٣٣] ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ﴾ [النحل: ١١٨] وقال: ﴿وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] كما قال: ﴿وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] يعني أنفسهم فإنهم ما ظهروا لنا حتى علمناهم وهم معدومون إلا بما ظهروا به في الوجود من الأحوال والعلم تابع للمعلوم ما هو المعلوم تابع للعلم فافهمه، وهذه مسألة عظيمة دقيقة ما في علمي أن أحداً نبه عليها إلا إن كان وما وصل إلينا، وما من أحد إذا تحققها يمكن له إنكارها، وفرّق يا أخي بين كون الشيء موجوداً فيتقدم العلم وجوده وبين كونه على هذه الصور في حال عدمه الأزلي له فهو مساوق للعلم الإلَهي به ومتقدم عليه بالرتبة لأنه لذاته أعطاه العلم به، فاعلم ما ذكرناه فإنه ينفعك ويقويك في باب التسليم والتفويض للقضاء والقدر الذي قضاه حالك، ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذه المسألة لكانت كافية لكل صاحب نظر سديد وعقل سليم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثاني عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من كان لي لم يذل ولا يخزى أبداً [الطويل]: فيوم التّنادي لا نُذَلُّ ولا نُخْزَى إذا كَانَت أعْمَالي إلى خالقي تُغْزَى فنُغْطَى على قدر الإله إذا نُجْزَى وآتي سليماً وهو كَوْني محقّقاً وذلك علمٌ يُورِثُ العَالِمَ العِزّا ونَخْظَى بعلم واحدٍ فيه كَثْرَةٌ به نَشَرِ الرَّحْمُنُ مِنْ صُورِهِ بَزَّا ففي جنّة الفِرْدَوْسِ سُوقٌ مُعَيَّنْ يشاء ولا كَوْنٌ يَؤُزُّهُمْ أَزَّا فمن شاء يُجَلِّي الحَقَّ في أيّ صورة فطُوبَى لعبد قام الله وحده ولم يعرف اللأَّت المُسَمَّاةَ والعُزَّى قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فابتدأ بلام العلة وختم بياء الإضافة، وقال فيما أوحى به إلى موسى عليه السلام: ((يا ابن آدم خَلَقْتُ الأشياء من أجْلك وخَلَقْتُكَ من أجلي))، وقال لنا على لسان رسوله بَّهِ: ((الصَّوْمُ لِي)) وقال: ((الصَّوْمُ لا مِثْلَ لَهُ فَإِنَّهُ لَهُ)) وليس كمثله شيء، وأذل الأذلاء من كان له عز وجل لأن ذل الذليل على ٢٥ في المنازلات / الباب الثالث عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من سألني فما خرج من قضائي قدر من ذلّ تحت عزه ولا عز أعظم من عز الحق، فلا ذل أذل ممن هو الله، ومن ذلّ لله فإنه لا يذلّ لغير الله أصلاً إلا أن يذل لعين الصفة حيث يراها في مخلوق أو غير مخلوق، فيتخيل من لا علم له بما شهده هذا الذليل أنه ذل تحت سلطان هذا العزيز، وإنما ذل تحت سلطان العزة وهي لله، فما ذل إلا للحق المنعوت بهذا النعت، وينبغي له أن یذلّ، فلها یذل کل ذليل في العالم، فمنهم العالم بذلك في حال ذله ومنهم من لا يعلم، وأما الخزي فلا يخزى إذا كان الله، فإن الخزي لا يكون من الله لمن هو له وإنما يكون لمن هو لغير الله في شهوده، ولذلك قالت خديجة وورقة بن نوفل لرسول الله وَير: كلا والله لا يخزيك الله أبداً لما ذكر له ابتداء نزول الناموس عليه، فالخزي الذي يقوم بالعبد إنما هو ما جناه على نفسه بجهله وتعديه رسوم سيده وحدوده، فالذل صفة شريفة إذا كانت الذلة لله، والخزي صفة ذميمة بكل وجه إذا قامت بالنفس، فجميع مذام الأخلاق وسفسافها صفات مخزية عند الله وفي العرف وجميع مكارم الأخلاق صفات شريفة في حق وخلق، ألا ترى إلى قول رسول الله وَله: ((إنَّمَا بُعِثْتُ لِأُمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ)) فإنه نقص منها المسمى سفسافاً فعين لها مصارف فعادت مكارم أخلاق، فهي إذا اتصف بها العبد في المواطن المعينة لها لم يلحقه خزي ولا كان ذا صفة مخزية، فما ثم إلا خلق كريم مهما زال حكم الغرض النفسيّ المخالف للأمر الإلهي والحد الزماني النبويّ وأما الكائنون لله فهم على مراتب: منهم من هو الله بالله ومنهم من هو الله بنفسه، ومنهم من هو لله لا بالله ولا بنفسه لكن بغيره من حيث ما هو مجبور لذلك الغير، فمن هو الله بالله فلا يذل ولا يخزى فإن الله لا يوصف بالذلة كما قال الله لأبي يزيد في بعض منازلاته تقرّب إليّ بما ليس لي الذلة والافتقار. ومن هو الله بنفسه فيذل ذل شرف لكنه لا يخزى. ومن كان لله لا بالله ولا بنفسه فهو بحيث يقبل الجبر فإن أجبر في الله فمنزلته منزلة من هو الله بالله في حق شخص وبنفسه في حق شخص، وإن أجبر في أمر نفسي وهو بنفسه في تلك الحالة لا لله فهو في الخزي الدائم والذل اللازم، وانحصرت أقسام هذه المنازلة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثالث عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من سالني فما خرج من قضائي ومن لم يسالني فما خرج من قضائي [الرمل]: والذي ليس بشيء بقَضَا كلُّ شَيْء بقَضا وقَدَزْ فالذي يفهمُ ما أسْرُدُهُ واحداً في عصره مُنْفَرداً حَازَ عِلْمَ السّرِّ فيه ومَضَى قد أنَارَ القَلْب منه فَأَضَا إنما عايَنْتَ بَزْقاً وَمَضَا فإذا عايَنْتَ من نُوره ما رأينا لمقام نالهُ في وجود الكون منه عِوَضَا ٢٦ في المنازلات/ الباب الثالث عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من سألني فما خرج من قضائي في الذي يَهْوَاهُ منه غَرَضَا قُلْتُ لما قيل لي إنّ لَهُ لم يكن إلا لأمرٍ عَرَضَا فالذي أخْرَ عن تحصيله اعلم أن الله تعالى عرف أن نسبة القضاء إلى القاضي لا تصح حتى يقضي صلاحية ووجوداً، ولا يصح له هذا الاسم حتى يقضي، ولا يعين القضاء إلا حال المقضي عليه، فالقضاء أمر معقول لا وجود له إلا بالمقضي به، والمقضي به يعينه حال المقضي عليه، وبهذه الجملة يثبت اسم القاضي، فلو ارتفعت هذه الجملة من الذهن ارتفع اسم القاضي، ولو ارتفعت من الوجود ارتفع أيضاً حقيقة، فإن أطلق أطلق مجازاً، وحقيقة المجاز أو التجوّز أن ينسب الوقوع إلى ما ليس بواقع، المثال في ذلك: ادّعى شخص على شخص ديناً وأنكر المدعى عليه فعينت الدعوى إقامة البينة وهو المقضي به على صاحب الدعوى وعين الإنكار المقضي به على المنكر وهو اليمين إذا لم تقم البينة وحدث اسم القاضي حقيقة للحاكم باليمين على المدعى عليه إذا أنكر وطلب إقامة البينة من المدعي فالقضاء مجمل والمقضي به تفصيل ذلك المجمل وهو القدر لأن القدر توقيت، فمن سأل فحاله أوجب عليه السؤال، والسؤال طلب وقوع الإجابة فإنه قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الذَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦] والإجابة أثر في المجيب اقتضاه السؤال، فمن سأل أثر ومن أجاب تأثر، فالحق آمر اقتضى له ذلك حال المأمور، والخلق داع اقتضاه حال المدعوّ لأن الداعي يرجو الإجابة لما تقرّر عنده من حال المدعو، والأمر يرجو الامتثال من المأمور لما علمه من حال المأمور، فحال المأمور جعل للآمر أن يكون منه الأمر، وحال المدعو جعل للداعي أن يكون منه الدعاء، وكل واحد فحاله اقتضى أن يكون آمراً وداعياً، فالدعاء والأمر نتيجة بين مقدمتين هما حال الداعي والمدعو والآمر والمأمور فزالت الوحدة وبان الاشتراك. فالتوحيد الحق إنما هو لمن أعطى العلم للعالم، والحكم للحاكم والقضاء للقاضي وليس إلا عين الممكن وهو الخلق في حال عدمه ووجوده كما قرّرناه في الباب قبل هذا، والأحوال نسب عدمية وهي الموجبة لوجود الأحكام من الحكام في المحكوم به وعليه، فالممكن مرجح في حال عدمه ووجوده، فالترجيح أثر المرجح فيه، وحال الترجيح أوجب للممكن أن يسأل وأن لا يسأل بحسب ما تقتضيه حاله لأنا ما عينا حالاً من حال فبالحال يسأل فيؤثر الإجابة في المرجح، والمرجح أعطى الحال في ترجيحه الذي أوجب السؤال المؤثر في المرجح الإجابة، فلا يجيب المرجح إلا عن سؤال، ولا سؤال إلا عن حال، ولا حال إلا عن ترجيح، ولا ترجيح إلا من مرجح، ولا مرجح إلا من قابل للترجيح وهو الممكن، والممكن أصل ظهور هذه الأحكام كلها فهو المعطي جميع الأسماء والأحكام وقبول المحكوم عليه بذلك والمسمى فما ظهر أمر إلا نتيجة عن مقدمتين، فللحق التوحيد في وجود العين وله الإيجاد بالاشتراك منه، ومن القابل فله من عينه وجوب الوجود لنفسه فهو واحد وله الإيجاد من حيث نفسه وقبول الممكن فليس بواحد في الإيجاد، ولو صحّ توحيد الإيجاد لوجد المحال كما وجد الممكن وإيجاد المحال محال، فإذا قلت: على ٢٧ في المنازلات / الباب الرابع عشر وأربعمائة في معرفة منازلة ما ترى إلا بحجاب ما قد تقرّر من وجود حق وخلق؟ فقل بوجود مؤثر ومؤثر فيه مؤثر فيمن أثر فيه ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] أي إلى هذا الحكم لا إلى العين. تنبيه: ثم لتعلم أن الله تعالى قد أمرنا بالرضا قبل القضاء مطلقاً فعلمنا أنه يريد الإجمال فإنه إذا فصله حال المقضي عليه بالمقضي به انقسم إلى ما يجوز الرضا به وإلى ما لا يجوز، فلما أطلق الرضا به علمنا أنه أراد الإجمال والقدر توقيت الحكم، فكل شيء بقضاء وقدر أي بحكم مؤقت، فمن حيث التوقيت المطلق يجب الإيمان بالقدر خيره وشرّه حلوه ومرّه، ومن حيث التعيين يجب الإيمان به لا الرضا ببعضه، وإنما قلنا يجب الإيمان به أنه شرّ كما يجب الإيمان بالخير أنه خير فنقول: إنه يجب عليّ الإيمان بالشرّ أنه شرّ وأنه ليس إلى الله من كونه شرّ إلا من كونه عين وجود إن كان الشرّ أمراً وجودياً، فمن حيث وجوده أي وجود عينه هو إلى الله، ومن كونه شرّاً ليس إلى الله، قال ◌َّ في دعائه ربه: ((وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ)) فالمؤمن ينفي عن الحق ما نفاه عنه. فإن قلت: ﴿فَأَمَهَا لُوَرَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٨] قلنا: ألهمها فعلمت أن الفجور فجور، وأن التقوى تقوى، لكي تسلك طريق التقوى وتجانب طريق الفجور. فإن قلت: فقوله: ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] قلنا: ليس ذلك في السيئة المحكوم بها في الشرع وذلك هو الشرّ وإنما هو فيما يسوءك والذي يسوءك إنما هو مخالفة غرضك وهو قولهم: ﴿إِنَّا تَطَيِّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] فقال لهم الله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] ما يسوءكم وما يحسن عندكم، وقد تقرّر قبل هذا أن القابل له الأثر في التعيين ما هو للمعطي فهو تعالى معطي الخير والقابل يفصله إلى ما يحكم به عليه من خير وشر، فخيريته إبقاؤه على الأصل فله حكم الأصل ولهذا قال: ((وَالخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ)) وما حكم به من الشرّ فمن القابل وهو قوله: ((وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ)). فإن قلت: فهذا المخلوق على قبول الشرّ هو ممكن فلأي شيء لم يخلقه على قبول الخير فالكل منه؟ قلنا: قد قدمنا وبينا أن العلم تابع للمعلوم وما وجد الممكن إلا على الحال الذي كان عليه في حال عدمه من ثبوت وتغيير كان ما كان والحق ما علم إلا ما هو المعلوم عليه في حال عدمه الذي إذا ظهر في الوجود كان بتلك الحال، فما طرأ على المعلوم شيء لم يتصف به في حال عدمه فما للعلم فيه أثر، وما قلنا بالقدر أنه توقيت إلا لأنه من المقدار ﴿وَمَا نُقَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] ﴿كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ ◌ِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الرابع عشر وأربعمائة في معرفة منازلة ما ترى إلا بحجاب [الرمل] : إنَّما أبْصَرَهُ خَلْفَ حِجَابْ من رَأَى الحَقَّ جِهَاراً عَلَناً إِنَّ هذا لهو الأمر العُجَابْ وهو لا يعرفَه وهو به هو فيه من نعيم وعَذَابْ كلُّ راءٍ لا يرى غَيْرَ الذي ٢٨ في المنازلات/ الباب الرابع عشر وأربعمائة في معرفة منازلة ما ترى إلا بحجاب وهي عَيْنُ الرائي بل عينُ الحِجَابْ صورةُ الرَّائي تَجَلَّتْ عنده ورد في الصحيح تجلي الحق في الصور وتحوّله فيها وهو مرادنا بالحجاب ثبت عقلاً وشرعاً وكشفاً، والكشف يعطي ما يعطي الشرع سواء، وأن الحق لا يقبل التغيير، فأما بالعقل فالأدلة في ذلك معروفة ليس هذا الكتاب موضعها فإنه مبني على الشرع وعلى ما يعطيه الكشف والشهود، فإن العقول تقصر عن إدراك الأمر على ما يشهد به الشرع في حقه. وأما الشرع فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلو تغير في ذاته لم يصدق هذا الحكم وهو صدق فاستحال أن يتغير في ذاته والحق يقول: إن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، وقال: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) فالصور التي تقع عليها الأبصار والصور التي تدركها العقول والصور التي تمثلها القوّة المتخيلة كلها حجب يرى الحق من ورائها وينسب ما يكون من هذه الصور من الأعمال إلى الله تعالى كما قال: ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فلم يزل الحق غيباً فيما ظهر من الصور في الوجود، وأعيان الممكنات في شيئية ثبوتها على تنوّعات أحوالها مشهودة للجن غيباً أيضاً، وأعيان هذه الصور الظاهرة في الوجود الذي هو عين الحق أحكام أعيان الممكنات من حيث ما هي عليه في ثبوتها من الأحوال والتنوّع والتغيير والتبديل تظهر في هذه الصور المشهودة في عين الوجود الحق، وما تغير الحق عما هو عليه في نفسه، كما أن الهباء ما تغير عن كونه هباء مع قبوله لجميع الصور فهي معان في جوهره، والمعاني المنسوبة إلى تلك الصور والأعراض والصفات من باب قيام المعنى فلا تزال الحجب مسدلة وهي أعيان هذه الصور فلا يرى إلا من وراء حجاب كما لا يكلم إلا من وراء حجاب، فإذا رآه الرائي كفاحاً فما يراه إلا حتى يكون الحق بصره فيكون هو الرائي نفسه ببصره في صورة عبده فأعطته الصورة المكافحة إذ كانت الحاملة للبصر ولجميع القوى فتشهده في الصورة عيناً من الاسم الظاهر إذ هو بصرك وكفاحاً وتشهده من الاسم الباطن علماً إذ هو بصر آلتك التي أدركت بها ما أدركت، وإنما قلنا كفاحاً لما ورد في الخبر النبوي الذي خرجه الترمذي وغيره في سياق هذه اللفظة عينها. ثم إن صاحب الرؤيا إذا رأى ربه تعالى كفاحاً في منامه في أي صورة يراه فيقول: رأيت ربي في صورة كذا وكذا ويصدق مع قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فنفى عنه المماثلة في قبوله التجلي في الصور كلها التي لا نهاية لها لنفسه، فإن كل من سواه تعالى ممن له التجلي في الصور التي يتجلى فيها من هذه صفته: كن فتكون الصورة فيظهر بها من له هذا القبول من المخلوقين كالأرواح والمتروحنين من الأناسي كقضيب البان وشبهه، يقول الله تعالى: ﴿فِي أَتِّ صُوَرَةٍ مَّا شَآءَ رَّبَكَ ﴿3﴾ [الانفطار: ٨] فسواه وعدله على مزاج يقبل كل صورة إذا شاء الحق، وجعل التركيب لله لا له، وفي نسبة الصور لله يقال في أي صورة شاء ظهر من غير جعل جاعل فلا يلتبس عليك الأمر في ذلك. ولما لم يكن له تعالى ظهور إلى خلقه إلا في صورة وصوره مختلفة في كل تجل لا تتكرر صورة فإنه سبحانه لا يتجلى في صورة مرتين ولا في صورة واحدة لشخصين، ولما ٢٩ في المنازلات/ الباب الخامس عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من دعاني فقد أدى حق عبوديته كان الأمر كذلك لم ينضبط للعقل ولا للعين ما هو الأمر عليه، ولا يمكن للعقل تقييده بصورة ما من تلك الصور فإنه ينتقض له ذلك التقييد في التجلي الآخر بالصورة الأخرى وهو الله في ذلك كله لا يشك ولا يرتاب إلا إذا تجلى له في غير معتقده فإنه يتعوذ منه كما ورد في صحيح الأخبار، فيعلم أنّ ثم في نفس الأمر عيناً تقبل الظهور في هذه الصور المختلفة لا يعرف لها ماهية أصلاً ولا كيفية، وإذا حكم ولا بد بكيفية فيقول الكيفية ظهورها فيما شاء من الصور فتكون الصور مشاءة وكل مشاء معدوم بلا شك، فما ظهر لك إلا حادث في عين قديم، فما رأيت إلا حادثاً مثلك لأنك ما رأيت إلا صورة يقيدها نظرك ببصر هو الحق في عين هو الحق أعني في العين التي ظهرت في تلك الصورة، فهو مدرك عيناً في الآخرة والنوم وعلماً وشرعاً وغير مدرك علماً، ولا نشك إيماناً وكشفاً لا عقلاً إن بهويته أدرك المدرك جميع ما يدرك سواء أدرك جميع ما يدرك أو بعضه على أي حالة يكون استعداد المدرك اسم مفعول، فالبصر من المدرك اسم فاعل هوية الحق لا بدّ من ذلك، وهكذا جميع ما ينسب إلى هذه الآلات من القوى ما هي سوى هوية الحق إذ يستحق خلاف ذلك، فالآلات ومحلها أحكام أعيان الممكنات في عين الوجود الحق وهو لها كالروح للصورة التي لا يمسك بها ذلك النظام إلا هو، ولا تدرك تلك الصورة شيئاً إلا به حساً وخيالاً، والكل بحمد الله خيال في نفس الأمر لأنه لا ثبات لها دائماً على حال واحدة والناس نيام، وكل ما يراه النائم قد عرف ما يرى وفي أي حضرة يرى، فإذا ماتوا انتبهوا من هذا النوم في النوم، فما برحوا نائمين، فما برحوا في رؤيا، فما برحوا في أنفسهم من هذا التنوّع، وما برح ما يدركونه في أعينهم من التنوّع، فلم يزل الأمر كذلك، ولا يزال الأمر في الحياة الدنيا وفي الآخرة، هكذا كما أوردناه وذكرناه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الخامس عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من دعاني فقد أدّى حق عبوديته ومن أنصف نفسه فقد أنصفني [الطويل]: إذا ما دَعَوْتَ الله من غيْر أمْرِهِ وأصبحتَ عبداً للحُظوظ وما لنا ولولا قيامُ العبد في عهد رَبّه وليس سوى التّكْليفِ قُزباً مخصّصاً وقامت حُقُوقُ الحَقُ من كل جانب فمن أنْصَفَ الأكوانَ أَنْصَفَ رَبَّهُ وصَحَّ له مَجدْ تَلِيدٌ وطارِفٌ ألا إنّما العَبْدُ الذي لم يَزَلْ به فلَسْتَ له عبداً وما أنْصَفَ العَبْدُ وفاءً ولا عَهْدٌ وقد ثَبَتَ العَهْدُ لما صَحَّ ((أوْفُوا بالعُقُودِ)) ولا وَعْدُ يعينه أمر ويثبته عَقْدُ علينا ولولا القُرْبُ ما عُرِفَ البُعدُ وكان له في ذات خالقه الخُلْدُ وكان له بين الملائكة الحَمْدُ يموت ويحيا والوقوفُ له حَدُّ ٣٠ في المنازلات / الباب الخامس عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من دعاني فقد أدّى حق عبوديته تقوم به فاجْهَدْ فقد ينفعُ الجُهْدُ وما كَلَّفَ الرَّحمُنُ نفساً سوى الذي ومن قام للرّحمْن كان له الجَدّ فمن قام بالرّحمن كان له الجِدّ وآفاقه فاحمَدْ بما حُمِدَ الحَمْدُ قال الله تعالى: ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْيُونَ عَنْ ج وخُصْصَ بالآيات في عين نفسه عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] فوصفهم بأنهم لا يخرجون عن العبودية وأن الذلة حقيقتهم وهو قوله: ﴿دَاخِرِين﴾ فمن لم يرد أن يكون عبداً لي كما هو في نفس الأمر فإنه سيكون عبداً لطبيعته التي هي جهنم ويذل تحت سلطانها كما هو ليس هو في نفس الأمر فترك العلم واتصف بالجهل، فلو علم لكان عبداً لي وما دعا غيري كما هو في نفس الأمر عبد لي أحب أم كره وجهل أو علم، وإذا كان عبداً لي بدعائه إياي ولم يتكبر في نفسه أن يكون عبداً لي عند نفسه أعطيته التصريف في الطبيعة فكان سيداً لها وعليها، ومصرّفاً لها ومتصرّفاً فيها وكانت أمته، فانظر ما فاته من العز والسلطان من استكبر عن عبادتي ولم يدعني في السراء وكشف الضر تعبدته الأسباب فكان من الجاهلين. ومما يؤيد أن الحق عين قوى العبد فالتصريف له لأن العبد لا تصرفه إلا قواه ولا يصرفه إلا الحق فقواه عين الحق دليلنا ما قالته الرسل سلام الله عليهم في ذلك، فأخبر محمد وَّل عن الله أنه قال: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ)) يعني العبد إذا تقرّب إليه بالنوافل حتى يحبه وذكر قواه التي تصرفه، ونزل في القرآن تصديق هذا القول وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] والعمل ليس لجسم الإنسان بما هو جسم وإنما العمل فيه لقواه، وقد أخبر أن العمل الذي يظهر من الإنسان المضاف إليه أنه الله خلق فالحق قواه. وأما موسى فأخذ العالم في ماهية الحق لما دعا فرعون إلى الله ربّ العالمين فقال له فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] يسأله عن الماهية فقال له موسى عليه السلام: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأَّ إِن كُم ◌ُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] يقول: إن استقر في قلوبكم ما يعطيه الدليل والنظر الصحيح من الدال، فأخذ موسى عليه السلام العالم في التعريف بماهية الحق والرسل عندنا أعلم الخلق بالله، فقال فرعون وقد علم أن الحق مع موسى فيما أجابه به إلا أنه أوهم الحاضرين واستخفهم لأن السؤال منه إنما وقع بما طابقه الحق وهو قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ فما سأله إلا بذكر العالمين فطابق الجواب السؤال، فقال فرعون لقومه: ﴿أَلَا تَسْتِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥] أسأله عن الماهية فيجيبني بالأمور الإضافية فغالطهم وهو ما سأل إلا عن الربّ المضاف فقال له موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] فخصص الإضافة لدعوى فرعون في قومه أنه ربهم الأعلى فقال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] أي قد ستر عنه عقله لأن العاقل لا يسأل عن ماهية شيء فيجيب بمثل هذا الجواب، فقال له موسى لقرينة حال اقتضاها المجلس ما قال إبراهيم عليه السلام لنمروذ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيَهُمَاْ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] ولو لم يقل هنا ٣١ في المنازلات/ الباب الخامس عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من دعاني فقد أدى حق عبوديته وما بينهما لجاز لأنه ليس بينهما شيء، وذلك لأن عين حال الشروق في ذلك الحيز هو عين استوائها هو عين غروبها، فكل حركة واحدة منها في حيز واحد شروق واستواء وغروب، فما ثم ما ينبغي أن يقال ما بينهما لكنه قال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَاً ﴾ لغموضه على الحاضرين فإنهم لا يعرفون ما فصلناه في إجمال وما بينهما فجاء بالمشرق المغرب والمعروف في العرف ثم قال لهم: ﴿إِن كُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فأحالهم على النظر العقلي، فما عرف الحق إلا بنا ولا وجد الخلق إلا به [المتقارب]: فيُثْني علينا ونُثْنِي عَلَيْهُ فمِنْهُ إلينا ومِنَّا إِلَيْه وكذا ذكر إبراهيم عليه السلام الذي ذكر الله عنه أنه آتاه الحجة على قومه: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] فما ذكره إلا بالعالم، فالعالم ظاهره خلق وباطنه حق، ومن حكم باطنه يتصرّف، وما يؤثر في باطنه التصرف إلا تصرف في ظاهر من باطن، فما تصرف في باطنه الذي هو الحق إلا الحق لا غير، فتصريفه حكم عليه بالتصريف، فالصورة الظاهرة مماثلة للصورة الباطنة حتى أنّ بعض المتكلمين ذهب في كتابة القرآن وفي تلاوته المحدثة أن لكل حرف يكتبه الكاتب من القرآن أو يتلوه التالي من القرآن في ذلك الحرف المنطوق به الحادث أو المكتوب حرف مثله هو قديم، واضطره إلى ذلك كون الحادث لا يستقل في وجوده فلا بد من استصحاب القديم له، وهذا مذهب رئیس من رؤساء المعتزلة، ثم إن هذا القديم إن لم يكن على صورة ما خرج عنه وظهر وهو الحادث وإلا فليس هو له ولذلك كان العالم على صورة الحق، وكان الإنسان الكامل على صورة العالم وصورة الحق وهو قوله: ((إِنَّ اللّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) فليس في الإمكان أبدع ولا أكمل من هذا العالم إذ لو كان لكان في الإمكان ما هو أكمل من الله، فإنّ آدم وهو من العالم قد خلقه الله على صورته وأكمل من صورة الحق فلا يكون، وذلك أن ظهور العالم عن الحق ظهور ذاتي، فالحق مرآة للعالم ظهر فيها صور العالم فرأت الممكنات نفسها في مرآة الحق الوجود فتوقفت في الوجود عليه وتوقف في العلم به على العلم بها (مجزوء الرجز]: ولم تَكُن إلا بِهِ فلم يَكُنْ إلاّ بها وما له من مُشْبِهِ فمالها من مُشْبِهِ فكُنْ بها تَكُنْ بِهِ يا غافلاً عن قولنَا فإذا كان الأمر كما ذكرناه فمن أنصف نفسه وأعطاها حقها فإنما أنصف الحق وأعطاه حقه لأنه أفرد نفسه بما يستحقه وأفرد ربه بما يستحقه، ومن تميز عن شيء فما هو عينه ولا مثله فيما تتميز به عنه لكنه مثله في كونه تميز فافهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. واجعل بالك في كل منظوم في أول كل باب من أبواب هذا الكتاب فإنه يتضمن من علوم ذلك الباب على قدر ما أردت أن أنبه فيه عليها تجد في النظم ما ليس في الكلام في ذلك الباب، فتزيد علماً بما هو عليه ما ذكرته في النظم وعلى الله قصد السبيل. ٣٢ في المنازلات/ الباب السادس عشر وأربعمائة في معرفة منازلة عين القلب الباب السادس عشر وأربعمائة في معرفة منازلة عين القلب [الكامل]: وعليه ساداتُ الطريق تُنَاظِرُ عَيْنُ القُلُوب من الوُجُودِ النَّاظِرُ ومُقَلّباً فهو الوجود الحاضرُ فانْظُرْهُ في تقليبها متقلّباً والماضي والآتي حديثٌ سائرُ ما ثَمَّ إلا ما يعاينُ وَقْتَهُ ما ثَمَّثُمَّ وثَمَّ حُكُمْ قَاصِرُ الظرفُ في الأكوان ليس بكائن هذا هو الحقُّ الذي ظهرت به لو قُلْتُ ما هُو لم تَسَعْهُ عقولُكم أعيانُنا وأنا العليم الخَابِرُ أين العقولُ وليس ثَمَّ مُغَايِرُ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الذي ذكرها به ﴿أَلَا بِنِكْرِ اللَّهِ﴾ الذي ذكرها به إذا كانت مؤمنة ﴿تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] في تقلبها فتسكن إلى التقليب مع الأنفاس وتعلم أن الثبات على حال واحدة لا يصح، فإن صورة الحق لا تعطي الضيق، ولا اتساع لها ولا مجال إلا في التقليب، ولا تقليب للحق إلا في أعيان الممكنات، وأعيان الممكنات لا نهاية لها، فالتقليب الإلهي فيها لا يتناهى فهو كل يوم في شأن حيث كان، فما زال الأمر مذ كان، ولا يزال من حال إلى حال، فالعين آلة وبالبصر يقع الإدراك للمبصر وهو الحق فبه تبصر، ومن أبصر أمراً فقد علمه، وإذا علمه فقد سكن إليه فأبصر التقليب دائماً فعلمه دائماً فاطمأن به وسكن إليه، فهو في كل نفس ينظر إلى آثار ربه في قلبه فيما يقيمه وفيما خرج عنه ما يعطيه فيه وينبهه به عليه، فلا يزال صاحب هذا المقام في كل نفس في علم جديد فهو في خلق جديد وغيره في لبس من هذا الخلق الجديد، أمر الله تبارك وتعالى نبيه وَّر أن يقول: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] أي ارفع عني اللبس الذي يحول بيني وبين العلم بالخلق الجديد فيفوتني خير كثير حصل في الوجود لا أعلمه، والحجاب ليس إلا التشابه والتماثل، ولولا ذلك لما التبس على أحد الخلق الجديد الذي لله في العالم في كل نفس بكل شأن، وما تنبه لهذا من الطوائف إلا القائلون بتجديد العالم في كل زمان فردوهم طائفة يقال لهم الحسبانية ولم يبلغوا فيه مبلغ الأمر على ما هو عليه لكنهم قاربوا كما قارب القائلون بأن العرض لا يبقى زمانين والعرض كل ما لا قيام له بنفسه، فهؤلاء أيضاً قاربوا الأمر وما بلغوا فيه ما هو الأمر عليه إلا القاضي أبو بكر بن الطيب فإنه قارب في بعض الأمر في موضعين: الموضع الواحد قوله في الأكوان إنها نسب لا عين لها، وقوله فيما نسب إلى الحق من صفة إن ذلك الحكم لمعنى ما هو عين المعنى الآخر الذي أعطى حكماً آخر فقارب أيضاً ولم يبلغ فيه ما هو الأمر عليه، وإنما تميز عمن يقول: إن سمع الحق وبصره عين علمه، والباقلاني لا يقول بهذا، ورأيت بفاس أبا عبد الله الكناني إمام أهل الكلام في زمانه بالمغرب وقد سألني يوماً في الصفات الإلهية فقلت له: ما هو الأمر عليه عندنا، ثم قلت له: ٣٣ في المنازلات / الباب السادس عشر وأربعمائة في معرفة منازلة عين القلب فما قولك أنت فيها هل أنت مع المتكلمين أو تخالفهم في شيء مما ذهبوا إليه فيها؟ فقال لي : أنا أقول لك ما عندي، أما إثبات الزائد على الذات المسمى صفة فلا بد منه عندي وعند الجماعة، وأما كون ذلك الزائد عيناً واحدة لها أحكام مختلفة كثيرة أو لكل حكم معنى زائد أوجبه ما عندنا دليل على أحديته ولا على تكثره، هذا هو الإنصاف عندي في هذه المسألة، وكل من تكلف في غير هذا دليلاً فهو مدخول والزائد لا بدّ منه، غير أنا نقول: ما هو هو ولا هو غيره لما قد علمت يا سيدنا من مذهب أهل هذا الشأن في الغيرين فقلت له: يا أبا عبد الله أقول لك ما قال رسول الله وَّه لأبي بكر في تعبيره الرؤيا: ((أَصَبْتَ بَعْضاً وَأَخْطَأْتَ بَعْضاً)) فقال لي: لا أتهمك والله فيما تعلمه ولا أقدر أرجع عن الحكم بالزائد إلا إن فتح الله لي بما فتح الله به عليك مع اختلاف أهل النظر فيما ذهبت إليه، هذا قوله فتعجبت من إنصافه ومن تصميمه مع شهادته على نفسه أنه ما يتهمني وهو يخالفني فأشبه من أضله الله على علم ولكن لا يقدح ذلك عندي في إيمانه وإنما يقدح في عقله. ثم نرجع ونقول: إن عين القلب ليس إلا ما هو الحق عليه في أحوال العالم ظاهراً وباطناً وأولاً وآخراً وإن تعددت الأسماء فالمسمى واحد والمفهوم ليس بواحد، فيحار الداعي إذا دعا ما يدري ما يدعو هل يدعو المسمى أو يدعو المفهوم، فإن الأسماء الإلهية ما تعددت جزافاً، فلا بد من نسب تعقل لتعددها، فالمفهوم من العالم ما هو عين المفهوم من الحي والحي هو العالم، فالحي عين العالم، والمفهوم من الحي ما هو المفهوم من العالم ولا القادر ولا العزيز ولا العالي ولا المتعالي ولا الكبير ولا المتكبر، ولم نقل هذا عنه ولا سميته بهذا بل هو سمى لي نفسه بهذا فهل هو اسم له أو لما هو المفهوم منه؟ وهل المفهوم منه أمر وجودي أو نسبة؟ ثم مشاركتنا إياه في هذه الأسماء الواردة الإلهية كلها من أعجب ما في الأمر، ثم رفع المماثلة بيني وبينه فتعلم قطعاً أن هذه الأسماء من حيث المفهوم لا ترفع المماثلة [الهزج]: فمن حَارَ فما جَارَا فقد حِزْنَا وقد حارا وقد قَرَّبَني جَارَا فقد أبْعَدَنِي عَيْناً وقد عَيَّنني دَارًا وقد عَيَّن لي داراً فدُزْنَا حيث ما دَارَا له يسكنها خُلْداً ومن كِسْرَى ومن دَارًا فمن أضغَى ومن قال مُحَالٌ حار من حارا مَليكٌ ما له مُلْكٌ فكانت دارُه النَّارا ونادى من أتى يَبْغي فما عينني داراً إلا له فبه أسمع وبه أبصر وقد وسعه قلبي وما عين لي داراً إلا هو فيه أقيم وبه أنزل، وهو يسترني بهويته عن خلقه، فهو الظاهر وأنا مخبوء في كنفه، فإذا سمع بالآلة أو بالنسب فبي يسمع وبي يبصر على ذلك كما أسمع به وأبصر به، فهو فيّ بالنوافل فإنه الأصل وأنا الزائد فإن ظاهر الصورة عيني وأنا فيه بالفرائض فبي يسمع وبي يبصر [الطويل]: ومن كان عَيْنَ الحَقِّ فالحَقُّ ناظرُ فمن كان سَمْعَ الحَقِّ فالحَقُّ سامعٌ الفتوحات المكية ج٧ - م٣ ٣٤ في المنازلات/ الباب السابع عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من أجره على الله على مثل هذا كل عُبْدٍ يُثَابِرُ فيختلفُ التقليب والعينُ واحدٌ الباب السابع عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من أجره على الله [الكامل] : لكن على الله الذي يَسْتَخْدِمُهْ إنّ الرسالة أجْرُهَا مُتَحَقّقٌ أعيانُ کَوْنٍ لم یزل یَسْتَلْزِمُهُ هذا هو العدلُ الذي قامت به قد كان من حقّ على مَنْ يَخكُمُهْ العَفْوُ والصَّفْحُ الجميلُ يُزيلُ ما -والله كنزٌ عند من يَسْتَفْهِمُهْ العَفْوُ إن خَصَّصْتَهُ نَزْرٌ وعفـ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَخْجُ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ أَلْوَتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُءُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وأخبر الله في كتابه عن كل رسول من رسله عليهم السلام أنه قال لأمته: ﴿وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ﴾ [الشعراء: ١٠٩] فيما بلغه عن الله إليهم ﴿إِنّ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩] فإنه تعالى هو الذي استخدمه في التبليغ فاعلم أن الله تعالى له المنة على عباده بأن هداهم للإيمان برسله فوجب عليهم شكر الله وحلاوة الرسول، فيضمنها الله عنهم بأن جعل أجر رسوله وَّر عليه وضم في ذلك الأجر ما يجب على المؤمنين من الحلاوة له لما هداهم الله به فأنزله ولو منزلة من تضاعف الأجر أجر التبليغ وأجر ما قام فيه الحق خليفة عن المؤمنين إذ هو الوكيل تعالى عن أمره إيانا بقوله: ﴿فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] من غير أن ينقص مما هو للمؤمنين شيئاً من نعيمهم. فاعلم أن أجر التبليغ على قدر ما ناله في البلاغ من المشقة من المخالفين له من أمته التي بعث إليها ولما قاساه ولا يعلم قدر ذلك من كل رسول إلا الله ولا يتعين، وأما الذي يعطيه مما كان ينبغي أن يقابله به المؤمنون فهو على نوعين: النوع الواحد: على قدر معرفتهم بمنزلته ممن أرسله إليهم وهو الله فإن الله تعالى فضل بعضهم على بعض. والنوع الثاني: على قدر ما جاء به في رسالته مما هو بشرى لصاحب تلك الصفة التي من قامت به كان سعيداً عند الله، فما كان ينبغي أن يقابله به ذلك الرجل هو الذي يعطيه الحق، فإن ساوى حال المؤمن قدر الرسالة كان وإن قصر حاله عما تقتضيه تلك الرسالة من التعظيم، فإن الله بكرمه لا ينظر إلى جهل الجاهل بعظيم قدرها فيوفيه الحق تعالى على قدر علمه فيها، ولا نشك أن الله قد جعل المفاضلة في كل شيء والعالي والأعلى، وإن كان الإيمان بالله وبرسوله وبما جاء به عالياً فإنه يتفاضل بتفاضل شعبه وأبوابه، فإن الإيمان بضع وسبعون شعبة وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول لا إله إلا الله وما بينهما، فمن جمع شعب الإيمان كلها فجزاء الرسول من الله عن هذا الشخص الجامع على قدر منازلها عند الله العالم بالعالي منها وبالأعلى، فانظر ما للرسول عليه السلام من الأجور فأجر التبليغ أجر استحقاق، فإن رسول الله وَّ يقول: ((إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْراً كِتَابُ الله)). وأما من سأل من الصحابة عن ٣٥ في المنازلات/ الباب السابع عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من أجره على الله أمر ما من الأمور مما لم ينزل فيه قرآن فنزل فيه قرآن من أجل سؤاله فإن للرسول على ذلك السائل أجر استحقاق ينوب الله عنه فيه زائداً على الأجر الذي له من الله. وأما من ردّ رسالته من أمته التي بعث إليها فإن له عند الله أيضاً أجر المصيبة وللمصاب فيما يحب أجر، فأجره على الله أيضاً على عدد من رد ذلك من أمته بلغوا ما بلغوا، وله من أجر المصاب أجر مصائب العصاة فإنه نوع من أنواع الرزايا في حقه فإنه ما جاء بأمر يطلب العمل به إلا والذي يترك العمل به قد عصى فللرسول أجر المصيبة والرزية، وهذا كله على الله الوفاء به لكل رسول. النوع الثاني ممن أجره على الله: وهو المهاجر يموت قبل وصوله إلى المنزل الذي هاجر إليه فإن أجره على الله على قدر الباعث الذي بعثه على الهجرة والناس في ذلك متفاضلون، ثم إن الله ينوب عن رسوله فيما يعطيه من الأجر فإنه خرج مهاجراً إلى الله ورسوله، ثم إن له أجر الفوت بالموت الذي أدركه وذلك من الله فإنه الذي رزأه وحال بينه وبين الوصول إلى مهاجره فالدية عليه، فإن كان هذا الذي يموت عالماً عاقلاً فأعظم من لقاء الله ورؤيته فما يكون وقد حصل له ذلك بالموت فهو أفضل في حقه من أنه يعيش حتى يصل فإنه لا يدري ما دام في الحياة الدنيا ما يتقلب عليه من الأحوال فإنه في محل خطر سريع التبديل، وصح عن رسول الله وَّ و في هذا الباب ما خرّجه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله وَّرَ أنه قال: ((إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لامْرِىءٍ ما نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) ثم يضاف إلى هذه الأجور قدر كرم المعطي وغناه، وهذا يدخل تحت قوله وَلَّ: ((إنَّ فِي الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنْ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبٍ بَشَرِ)) يعني من المجزيين وتحت قوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ من قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وهذه الزيادة ما عينها الحق لأحد وأكد هذا الأجر على غيره ممن له أجر على الله بالوقوع وهو الوجوب، فإن الأجر قد يقتضيه الكرم من غير وجوب وقد يقتضيه الوجوب، والذي يقتضيه الوجوب أعلى، كما أن الفرائض أعلى وأحب إلى الله من النوافل، صح في الخبر أن الله تعالى يقول: ((مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ أَحَدٌ بِأَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ) فجعله أحب إليه، ثم قال: ((وَلاَ يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَخْبَيْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)). فهذا نتيجة النوافل فما ظنك بنتيجة الفرائض وهي أن يكون العبد سمع الحق وبصره، وقد بينا صورة ذلك فيما تقدم فيريد الحق بإرادة العبد، وهذا المقام ذكرته العرب في حق محمد وَلية وفي النوافل يريد العبد بإرادة الحق ويظهر معنى ما ذهبنا إليه في اتصاف الحق بنعوت المخلوق، وفي الوجه الآخر اتصاف العبد بصفات الحق وهذا في الشرع موجود. النوع الثالث ممن أجره على الله: وهو من عفا عمن أساء إليه وأصلح يعني حال من أساء إليه بالإحسان فأصلح منه ما كان أوجب الإساءة إليه منه فما أراد هنا بأصلح إلا هذا، ولا يحصل في هذا المقام إلا من له همة عالية، فإن الله قد أباح له أن يجازي المسيء بإساءته على وزنها فأنف على نفسه أن يكون محلاً للاتصاف بما سماه الحق سيئة [الكامل]: ٣٦ في المنازلات/ الباب الثامن عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من لم يفهم لا يوصل إليه شيء تَجْري به الأهواءُ والأقْدارُ نَفْسُ الكريم كريمةٌ في كُلِّ ما وهو الذي من حكمه يختارُ والله يحكمُ في النفوس بقَدْرها غير الذي حكمت به فَيَحَارُ فيجيء ذو اللُّبِّ المجوّز عقله يقول الله تعالى في هذا المقام: ﴿آدَفَعْ بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] يعني قوله وأصلح السيئة ﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّهَا﴾ [فصلت: ٣٤و ٣٥] يعني هذه الصفة ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥] حبسوا أنفسهم عن أن يجازوا المسيء بإساءته إساءة ولو علم الناس قدر ما نبهنا عليه في هذه المسألة ما جازى أحد من أساء إليه بإساءة، فما كنت ترى في العالم إلا عفوّاً مصلحاً لكن الحجب على أعين البصائر كثيفة وليست سوى الأغراض واستعجال التشفي والمؤاخذة، ولو نظر هذا الناظر لما أساء هو على الله في ردّ ما كلفه به وركوبه الخطر في ذلك وإمهال الحق له وتجاوزه عنه في هذه الدار حتى يكون هو الذي يكشف نفسه حتى تقام عليه الحدود ويرمي نفسه في المهالك كما قال الصاحب: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه في المعترف بالزنى وأن الملائكة الكتاب لا يكتبون على العبد من أفعاله السيئة إلا ما تكلم بها وهو قوله: ﴿َّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ﴾ [قَ: ١٨] وهو الكاتب وإن كانوا يعلمون ما تفعلون ما قال يكتبون، ثم أنه من كرم الله أن الكشف أعطى وقد ورد به خبر أن العبد إذا عمل السيئة قال الملك لصاحبه الذي أمره الحق أن يستأذنه في كتاب السيئة: أأكتب؟ فيقول له: لا تكتب وأنظره إلى ست ساعات من وقت عمله السيئة فإن تاب أو استغفر فلا تكتبها، وإن مرّت عليه ست ساعات ولم يستغفر فاكتبها سيئة واحدة ولا تكتبها إلا إذا تلفط بها بأن يقول: فعلت كذا، أو تكون السيئة في القول فتكتب بعد مضي هذا القدر من الزمان، وأيّ مؤمن تمضي عليه ست ساعات لا يستغفر الله فيها فلهذا النوع أجر على الله من وجهين: أجر العفو وأجر العفو من الله كثير فإنه من الأضداد، وأجر الإصلاح وهو الإحسان إليه المزيل لما قام به من الموجب للإساءة إليه ﴿ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ولو لم يكن في إحسانه المعبر عنه بالإصلاح إلا حصول حب الله إياه الذي لا يعدله شيء لكان عظيماً، فيكون أجر من هذا صفته على الله أجر محب لمحبوب وكفى بما تعطيه منزلة الحب، فما يقدر أحد أن يقدر أجر ما يعطيه المحب لمحبوبه، فهذا قد أومأنا إلى من له أجر على الله بأوجز عبارة طلباً للاختصار، فإن المقام عظيم والمنازلة كبيرة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثامن عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من لم يفهم لا يوصل إليه شيء [السريع] : خاطبه الرحمنُ من كلّ عَيْنْ مَنْ يَفْهَم الأمْرَ فذاك الذي وهو الذي في حُكْمِه كلّ أَيْنْ وهو الذي دَارَ عليه الوَرَى ٣٧ في المنازلات/ الباب الثامن عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من لم يفهم لا يوصل إليه شيء لما حَوَتْهُ حكمة القَبْضَتَيْنْ إن إياساً خُصَّ من باقل في كل ما في الكون من فِرْقَتَيْنْ قد أوضح الله لنا حُكْمَهُ والحقُّ معلومٌ لنا دون مَيْنْ والضّدُّ لا يعرفه ضِدُّهُ عَنْيَ ذاك المثلُ من بعد بَيْنْ قد ثبت المثلُ له وانْتَفَى قال الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] اعلم أن الكلام على قسمين: كلام في مواد تسمى حروفاً وهو على قسمين: إما مرقومة أعني الحروف وتسمى كتاباً، أو متلفظاً بها وتسمى قولاً وكلاماً. والنوع الثاني كلام ليس في مواد، فذاك الكلام الذي لا يكون في مواد يعلم ولا يقال فيه يفهم فيتعلق به العلم من السامع الذي لا يسمع بآلة بل يسمع بحق مجرد عن الآلة، كما إذا كان الكلام في غير مادة فلا يسمع إلا بما يناسبه، والذي في المادّة يتعلق به الفهم وهو تعلق خاص في العلم، فإذا علم السامع اللفظة من اللافظ بها أو يرى الكتابة فإن علم مراد المتكلم في تلك الكلمة مع تضمنها في الاصطلاح معاني كثيرة خلاف مراد المتكلم بها فذلك الفهم وإن لم يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة على التفصيل واحتمل عنده فيها وجوه كثيرة مما تدل عليه تلك الكلمة ولا يعلم على التعيين مراد المتكلم من تلك الوجوه ولا هل أرادها كلها أو أراد وجهاً واحداً أو ما كان، فمع هذا العلم بمدلول تلك الكلمة لا يقال فيه أنه أعطي الفهم فيها وإنما أعطي العلم بمدلولاتها كلها لعلمه بالاصطلاح، لأن المتكلم بها عند السامع الغالب عليه أمران: الواحد القصور عن معرفة مدلولات تلك الكلمة في اللسان، والأمر الآخر أنه وإن عرف جميع مدلولاتها فإنه لا يتكلم بها إلا لمعنى تقتضيه قرينة الحال، فالذي يفهم مراده بها فذلك الذي أوتي الفهم فيها ومن لم يعلم ذلك فما فهم، فكأن المتكلم ما أوصل إليه شيئاً في كلامه ذلك. وأما كلام الله إذا نزل بلسان قوم فاختلف أهل ذلك اللسان في الفهم عن الله ما أراده بتلك الكلمة أو الكلمات مع اختلاف مدلولاتها فكل واحد منهم وإن اختلفوا فقد فهم عن الله ما أراده فإنه عالم بجميع الوجوه تعالى، وما من وجه إلا وهو مقصود لله تعالى بالنسبة إلى هذا الشخص المعين ما لم يخرج من اللسان فإن خرج من اللسان فلا فهم ولا علم، وكذلك أصحاب الأخذ بالإشارات فإن إدراكهم لذلك في باب الإشارات في كلام الله تعالى خاصة فهم فيه لأنه مقصود لله تعالى في حق هذا المشار إليه بذلك الكلام وكلام المخلوق ما له هذه المنزلة، فمن أوتي الفهم عن الله من كل وجه فقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب وهو تفصيل الوجوه والمرادات في تلك الكلمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً فكثره لما فيها من الوجوه، فمن كان قلبه في كنّ أو كان عليه قفل أو كان أعمى البصيرة أو كان صادياً أو كان على قلبه ران فإن الله قد حال بينه وبين الفهم عن الله تعالى وإن تأوّله، ولهذا يتخذ آيات الله هزؤاً ودينه لهواً ولعباً لعدم فهمه عن الله ما خاطب به عباده فلهذا قال: من لم يفهم لم يوصل إليه شيء، فأما الران فهو صدأ وطخا، وليس إلا ما تجلى في مرآة القلب من صور ما لم يدعو الله إلى رؤيتها وجلاؤها من ذلك بالذكر والتلاوة. وأما الكنّ فهو كالمقصورات في ٣٨ في المنازلات/ الباب التاسع عشر وأربعمائة في معرفة منازلة الصكوك الخيام فهو في بيت الطبيعة مشغول بأمه ما عنده خبر بأبيه الذي هو روح الله فلا يزال في ظلمة الكن وهي حجاب الطبيعة فهو في حجابين كنّ وظلمة فهو يسمع ولا يفهم كما قال الله فيهم: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] أي لا يفهمون، وأما أن يكون في أذنيه وقر أو صمم فإن كان وقر فهو ثقل الأسباب الدنياوية التي تصرفه عن الآخرة، وإن كان طخأ فهو قساوته قلبه أن يؤثر فيه قبول ما يخطر له حديث النفس من النظر والإصغاء إلى هذا الداعي الذي هو الشارع وهو قوله تعالى: ﴿وَلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] حتى لا يسمعوا دعاء فلا يرجعون ولا يعقلون لأنه بلسانهم خاطبهم ﴿مُمْ بُكْمُ عُتْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: ١٨] ﴿ٌُّ بَكْمُ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] فأصمهم الله وأعمى أبصارهم وختم على ألسنتهم فما تلفظوا بما دعاهم إليه أن يتلفظوا به. وأما القفل فهو لأهل الاعتذار يوم القيامة يقولون: نحن ما قفلنا على قلوبنا وإنما وجدناها مقفلاً عليها، وهذا من الجدال الذي قال الله عنهم فيه: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلْا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ولم نعرف من أقفلها فرمنا الخروج فخفنا من فك الختم والطبع فبقينا ننتظر الذي أقفل عليها عسى يكون هو الذي يتولى فتحها فلم يكن بأيدينا في ذلك شيء وكان منهم عمر بن الخطاب أعني من أهل الأقفال يقول الله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] فلما تولى الله فتحه أسلم فشد الله به الإسلام وعضده رضي الله عنه وأرضاه، فهذا قد ذكرنا سبب عدم الفهم عن الله تعالى موجزاً على قدر الوقت، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب التاسع عشر وأربعمائة في معرفة منازلة الصكوك وهي المناشير والتوقيعات الإلهية [البسيط]: ثُبُوتٍ مُلْكِ الذي في الحُكْمِ يُعْطِيهَا إنّ التَّواقيعَ برهانٌ يدلُّ على بها قد استخلف الرحمنُ والِدَنَا فهي الدليلُ على إثبات مَّعْطِيهَا وعندنا حالةٌ فيها تُغَطُّيها والحكمُ يكشفُها في كل نازلةٍ وليس يمنعُها إلا تَعَاطِيهَا إنّ النُّفُوسَ لَتَذْري ما نَطَقَتْ به اعلم أن الله تعالى لما شاء أن يجعل في أرضه خلفاء على من يعمرها من الإنس والجان وجميع الحيوانات وقدمهم ورشحهم للإمامة دون غيرهم من جنسهم جعل بينه وبينهم سفيراً وهو الروح الأمين، وسخر لهم ما في السموات من ملك وكوكب سابح في فلك وما في الأرض وما بينهما من الخلق جميعاً منه، وأباح لهم جميع ما في الأرض أن يتصرّفوا فيه وأيد هؤلاء الخلفاء بالآيات البينات ليعلم المرسلون إليهم أن هؤلاء خلفاء الله عليهم، ومكنهم من الحكم في رعيتهم بالأسماء الإلهية على وجه يسمى التعلق، وشرع لهم في نفوسهم شرائع، وحدّ لهم حدوداً، ورسم لهم مراسم يقفون عندها يختصون بها، لا يجوز لأحد من رعاياهم أن يتخذوها لأنفسهم شرائع ولا يقتدون بهم فيها، ثم نصب لهم شرائع يعملون بها هم ٣٩ في المنازلات / الباب التاسع عشر وأربعمائة في معرفة منازلة الصكوك ورعيتهم، وكتب لهم كتباً بذلك نزلت بها السفراء عليهم ليسمعوها رعيتهم فيعلموا حدود ما أنزل الله الذي استخلف عليهم فيقفوا عندها ويعملوا بها سرّاً وجهراً، فمنها ما كتبه بيده تعالى وهو التوراة، ومنها ما نزل به الروح الأمين عليهم من الكتاب المكنون الذي نزل من الله من عرشه المنقول من الدفتر الأعظم وهو الإمام المبين فهو معه على عرشه، ونقل منه في اللوح المحفوظ قدر ما يقع به التصريف في الدنيا إلى يوم القيامة يتضمن ما في العالم من حركة وسكون واجتماع وافتراق ورزق وأجل وعمل، ثم أنزل ذلك كله في كتاب مكنون إلى السماء الدنيا وجعله بأيدي سفرة كرام بررة مطهرين أرواح قدس صحفاً مكرّمة مرفوعة مطهرة فيها توقيعات إلهية بما وعد الله المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاءت به رسله من اليوم الآخر والبعث الآخر، وما يكون في ذلك اليوم من حكم الله في خلقه، وتولى الله ذلك كله بنفسه على صورة الحق الذي بعث به رسله ليصدقهم عند عبيده فعلاً بحكمه ذلك فيهم كما صدقهم في حال احتجابه بما أيدهم به من الآيات، فآمن من آمن وكفر من كفر، فتوقف الأمر على ظهوره لعباده فيتولى الفصل بينهم بحكمه بنفسه ﴿وَهُوَ الْعَزِزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] فإذا فصل وحكم وعدل وأفضل جعلهم في الفصل فريقين: ﴿فَرِيِّقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِبِقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وهو سجن الرحمن ﴿وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] يريد سجناً يحصرهم فيه، وينزل الفريق السعيد في دار كرامته وقيم ذلك الدار رضوان فإنها دار الرضوان ومتولي الدار الأخرى التي هي السجن مالك ومعناه الشديد يقال: ملكت العجين إذا شددت عجنه، قال قيس بن الخطيم يصف طعنة [الطويل]: ملكتُ بها كفّي فأنْهَرْتُ فَتْقَهَا يَرَى قائمٌ من دونها ما وَرَاءَهَا يقول: شددت بها كفي فنزلت التوقيعات بما للمؤمنين من الخير عند الله العاملين الحافظين حدود الله من المسلمين والمسلمات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات والتائبين والتائبات والعابدين والعابدات والحامدين والحامدات والسائحين والسائحات والراكعين والراكعات والساجدين والساجدات والآمرين بالمعروف والآمرات والناهين عن المنكر والناهيات والمعرضين عن اللغو والمعرضات ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَآيِعُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] وما هم عنها بساهين، إلى مثل هذا مما أوقع الله في توقيعاته من الصفات المرضية التي يحمدها. ثم بشرهم تعالى بأنهم الوارثون الذين يرثون الفردوس وهو أوسط الجنات فقال: ﴿هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] يبشرهم بالبقاء والدوام في النعيم، وأخبرهم في التوقيع أنه عنهم راض تعالى وتقدس جلاله، ثم أنه ناب عنهم في الخطاب بأنهم عنه راضون فقال تعالى ﴿رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] وهنا نكتة لمن فهم ما تدل عليه ألفاظ القرآن من الرضى فقطع عليهم بذلك لعلمه بأنه واقع منهم، ثم إنه أنزل في الكتب والصحف وعلى ألسنة الخلفاء صلوات الله عليهم وسلامه من الوعيد والتهديد وأخذ من كفر بالله ونافق أو آمن ببعض ٤٠ في المنازلات/ الباب التاسع عشر وأربعمائة في معرفة منازلة الصكوك وكفر ببعض مما أنزله الله وجحد وأشرك وكذب وظلم واعتدى وأساء وخالف وعصى وأعرض وفسق وتولى وأدبر، وأخبر في التوقيع أنه من كان بهذه المثابة وقامت به هذه الصفات في الحياة الدنيا أو بعضها ثم تاب إلى الله منها في الدنيا ومات على توبة من ذلك كله فإنه يلقى ربه وهو راض عنه. فإن فسح له وأنسأ الله في أجله بعد توبته فعمل عملاً صالحاً بدل الله سيئاته حسنات أي ما كان يتصرّف به من السوء عاد يتصرّف فيه حسناً، فبدل الله فعله بما وفقه إليه من طاعته ورحمه وغفر له جميع ما كان وقع منه قبل لك ولم يؤاخذه بشيء منه. وما زالت التوقيعات الإلهية تنزل من الله على خلفائه بما يعدهم الله به من آمن بالله ورسله من الخير وما توعد به لمن كفر به من الشر مدة إقامة ذلك الخليفة المنزل عليه وهو الرسول إلى حين موته، فمن زمان خلافته إلى انتهاء مدة عمره لا تزال التوقيعات الإلهية تنزل عليه، فإذا مات واستخلف من شاء بوحي من الله له في ذلك أو ترك الأمر شورى بين أصحابه فيولون من يجمعون عليه إلى أن يبعث الله من عنده رسولاً فيقيم فيهم خليفة آخر إلا إذا كان خاتم الخلفاء فإن الله يقيم نواباً عنه فيكونون خلفاء الخليفة من عند الله لا أنهم في منزلة الرسل خلفاء من عند الله وهم الأقطاب وأمراء المؤمنين إلى يوم القيامة، فمن هؤلاء النواب من يكشف الله عنه الغطاء فيكون من أهل العين والشهود فيدعوا إلى الله على بصيرة كما دعا الرسول عليه السلام، ولولا أن الزمان قد اقتضى أن لا يكون مشرع بعد رسول الله وسم# لكان هؤلاء مشرعين، وإن لم يأتوا إلا بشرع رسول الله و18َّ فإنهم كانوا يكونون فيه كما كان رسول الله ◌َّ في شرع من قبله إذا حكم به في أمته فهو فيه بمنزلة الأول الذي كان قبله لا أنه خليفة عنه في ذلك وإن قرره، فلما منع الله ذلك في هذه الأمة علمنا أنهم خلفاء رسول الله وَ﴿ وإن دعوا إلى الله على بصيرة كما دعا رسول الله وَّل كما ورد في القرآن العزيز عنه في قوله: ﴿أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَأْ وَمَنِ اتَّبَعَنِى﴾ [يوسف: ١٠٨] وسمّانا ورثة وأخبر ◌َ وأنه ما ورثنا إلا العلم. ثم إن دعاءه ◌َّر في أن يمتعه الله بسمعه ليسمع كلام الله وبصره ليرى آيات الله في الآفاق وفي نفسه ثم قال: واجعل ذلك الوارث منا يعني السمع والبصر فإن الله هو خير الوارثين، وقد قال تعالى في الخبر الصحيح عنه: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ)) فهوية الحق إذا كانت سمع العبد وبصره كان الحق الوارث منه الذي هو عين سمعه وبصره، فدعا بهذه الصفة أن تكون له حتى يقبض عليها فكأنه يقول: اللهم متعنا بك فأنت سمعنا وبصرنا وأنت ترثنا إذا متنا فإنك أخبرت أنك خير الوارثين وأنك ترث الأرض ومن عليها، أي أنت الخير الذي يرثه الوارثون من خلفائهم وهم متبعوا الرسل صلوات الله عليهم، فهو تعالى الخير الذي يناله الوارثون كما أنه خير الوارثين من حيث إنه وارث، وهكذا الإشارة في كل خير منسوب مضاف مثل خير الصابرين والشاكرين، ومثل هذا مما ورد عن الله في أي شرع ورد. ومن التوقيعات الإلهية أيضاً المبشرات وهي جزء من أجزاء النبوّة، فإما أن تكون من الله إليه أو من الله على يدي بعض عباده إليه وهي الرؤيا يراها الرجل المسلم أو ترى له، فإن