النص المفهرس
صفحات 1-20
الْفُوحَاتُ. المَكْبَة للشيخ الإمام خاتم الأولياء أبي بكر محي الدّين محمّد بن علي بن محمّد بن أحمد بن عبدالله الحاتمي المعروف بأبن عربي" المتوفى سنة ٦٣٨ هـ ضَبَةٍ وَحَّهُ وَ وَضَ فَهَارَه أحدٌ مر الدين المجلَّ السَّائع منشورات مُّ سْلِى بضح دار الكتب العلمية بسبروتينية الفَتَوْحَانَةُ المَكْيَةَ تأليف الشيخ الإمَام خاتم الأولياء أبي بكر محي الدين محَمد بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن عَبْد اللّه الحاتي المعروف بابن عَرَبي المتوفى سنة ٦٣٨هـ ضَبَطَهِ وَصَحّه وَوَضِعَ فَهَارسَه أحمد منالدين الجُزء السََّابع منشورات محمد عَلى بيضون دار الكتب العلمية بيروت- لبنان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ الباب الحادي وأربعمائة في معرفة منازلة الميت والحي ليس له إلى رؤيتي من سبيل [السريع] في كونهم ما عنْدَهم شَيُّ قَدِ اسْتَوَى المَيْتُ والحَيُّ فيهم ولا ظِلٌّ ولا فيُّ مني فلا نُورٌ ولا ظُلْمة فنَشْرُهُمْ فِي كَوْنِهَا طَيُّ رؤيتهم إليّ معدومةٌ عنه إذا حَقَّقْتَه عيُّ وفهمهم إن كان معناهم قال الله عز وجل: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وقال عز وجل لموسى عليه السلام: ﴿لَنْ تَرَِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وكل مرئيّ لا يرى الرائي إذا رآه منه إلاّ قدر منزلته ورتبته فما رآه وما رأى إلاَّ نفسه. ولولا ذلك ما تفاضلت الرؤية في الرائين، إذ لو كان هو المرئي ما اختلفوا، لكن لما كان هو مجلى رؤيتهم أنفسهم لذلك وصفوه بأنه يتجلى وأنه يرى، ولكن شغل الرائي برؤيته نفسه في مجلى الحق حجبه عن رؤية الحق، فلذلك لو لم تبد للرائي صورته أو صورة كون من الأكوان ربما كان يراه، فما حجبنا عنه إلا أنفسنا فلو زلنا عنا ما رأيناه لأنه ما كان يبقى، ثم بزوالنا من يراه وإن نحن لم نزل فما نرى إلا أنفسنا فيه وصورنا وقدرنا ومنزلتنا فعلى كل حال ما رأيناه، وقد نتوسع فنقول: قد رأيناه ونصدق، كما أنه لو قلنا رأينا الإنسان صدقنا في أن نقول رأينا من مضى من الناس ومن بقي ومن في زماننا من كونهم إنساناً لا من حيث شخصية كل إنسان. ولما كان العالم أجمعه وآحاده على صورة حق ورأينا الحق فقد رأينا وصدقنا وإن نظرنا إلى عين التمييز في عين عين لم نصدق، وأما قوله ◌َّ في حديث الدجّال ودعواه أنه إلّه فعهد إلينا رسول الله وَل﴾ أن أحدنا لا يرى ربّه حتى يموت لأن الغطاء لا ينكشف عن البصر إلا بالموت، والبصر من العبد هوية الحق، فعينك غطاء على بصر الحق، فبصر الحق أدرك الحق ورآه لا أنت فإن الله ﴿لَا تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ولا ألطف من هوية تكون عين بصر العبد وبصر العبد لا يدرك الله، وليس في القوّة أن يفصل بين البصرين، والخبير علم الذوق فهو العليم خبرة أنه بصر العبد في بصر العبد، وكذا هو الأمر في نفسه وإن كان حياً فقد استوى الميت والحيّ في كون الحق تعالى بصرهما وما عندهما شيء، فإن الله لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء إذا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] [مجزوء الرجز]: ٣ ٤ في المنازلات / الباب الثاني وأربعمائة في معرفة منازلة ((من غالبني غلبته ومن غالبته غلبني)) هويّةُ الحَقِّ وَقَدْ فكُلّ سَمْع وبَصَر تُبْصِرُهُ وتر العَدَد فانظر إذا أبْصِّرْتَ مَنْ في كل غيّ ورَشَدْ وكُنْ به معترفاً الباب الثاني وأربعمائة في معرفة منازلة ((من غالبني غلبته ومن غالبته غلبني)»، فالجنوح إلى السلم أولى [البسيط] من غَالَبَ الحَقَّ ما يَنْفَكُ ذا نَصَبٍ فاجْنَحْ إلى السَّلْم لا تَجْنَحْ إلى الحَرْبِ إنّي نصحتُكَ فاسمعْ ما أفُوهُ به فاخذَزْ فَدَيْتُكَ أفلاكاً تدور بما لو جاءك الملأُ العُلْوِيُّ مبتلياً وانزغْ إليه وقل يا منتهى أملي ولا يزال مع الأنْفَاسِ في تَعَبٍ وإنْ تُحَارِبْ فِخَيْلُ الله في الطَّلَبِ إنّ الهلاكَيْنِ مقرونان بالحَربِ لا ترتضيه وخّفْ مَصارعَ النَّوَبِ بالحَرْبِ سَلْمْ له وجِدَّ في الھَرَبِ ألستَ تعلم أن العِزَّ في الحجبِ قال الله عز وجل: ﴿وَ إِنْ جَنَعُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]. اعلم أنه قد تقرر عند أصحاب الأفكار أن الله صفات وأسماء لها مراتب وللعبد التخلق والتحلي بها على حد مخصوص ونعت منصوص عليه وحال معين، إذا تعدى ذلك العبد كان للحق منازعاً واستحق الإقصاء والطرد عن القرب السعادي كما ورد في قوله تعالى: ((الكِبْرِياءُ رِدَائِي وَالعَظَمَةُ إِزارِي مَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَصَمْتُهُ))، وللعبد صفات وأسماء تليق به، وقد داخله الحق في الاتصاف بها مما تحيله العقول، ولكن وردت به الشرائع ووجب الإيمان بها، فلا يقال كيف مع إطلاقها عليه قربة وإيماناً من لم يقل بها وأنكرها فقد كفر ومرق من الإسلام، ومن تأوّلها كان على قدم الغرور، فلا نعلم نسبتها إلى الله إلا بإعلام الله، وكذلك كل اسم تحلينا به من أسمائه أيضاً مجهول النسبة إليه عندنا إلا أن يعلمنا الله فنعلم ذلك بإعلامه، فالكل على السواء ما لنا وما له، فلما عين ما عين له وتحلينا به سمى ذلك مغالبة منا للحق، ولما عين ما عين لنا واتصف به سمى ذلك مغالبة من الحق، وموضع الجنوح إلى السلم من هذا الأمر هو أن ترد الكل إليه فما أعطانا من ذلك ولو أعطانا الكل قبلناه على جهة الإنعام. واعلم أن سبب المنازعة والمغالبة أمران: الاستخلاف الذي هو الإمامة والخلق على الصورة، فلا بد للخليفة أن يظهر بكل صورة يظهر بها من استخلفه، فلا بد من إحاطة الخليفة بجميع الأسماء والصفات الإلهية التي يطلبها العالم الذي ولاه عليه الحق سبحانه، ولما اقتضى الأمر ذلك أنزل أمراً منه إليه سماه شرعاً بيّن فيه مصارف هذه الأسماء والصفات الإلهية التي لا بدّ للخليفة من الظهور بها وعهد إليه بها، فكل نائب في العالم فله الظهور بجميع الأسماء، ومن النوّاب من أخذ المرتبة بنفسه من غير عهد إلهي إليه بها وقام ٥ في المنازلات / الباب الثاني وأربعمائة في معرفة منازلة ((من غالبني غلبته ومن غالبته غلبني)) بالعدل في الرعايا واستند إلى الحق في ذلك، كملوك زماننا اليوم مع الخليفة فمنهم السمع والطاعة فيما يوافق أغراضهم وما لا يوافق فهم فيه كما هو في أصل توليتهم ابتداء، ومنهم من لا يعمل بمكارم الأخلاق ولا يمشي بالعدل في رعيته، فذلك هو المنازع لحدود مكارم الأخلاق والمغالب لجناب الحق في مغالبته رسل الله كفرعون صاحب موسى عليه السلام وأمثاله، والحق له الاقتدار التام، لكن من نعوته الإمهال والحلم والتراخي بالمؤاخذة لا الإهمال، فإذا أخذ لم يفلت وزمان عمر الحياة الدنيا زمان الصلح واستدراك الفائت والجبر بمن قام بمصالح الأمور المرضية عند الله تعالى المسماة خيراً الموافقة لما نزلت بها الشرائع، غير أن هذا الإمام لم يتصف بها من حيث ما شرعت ولا من حيث ما أوصى الحق بها، ولكن اتصف بها لكونها مكارم أخلاق عرفية عرف الحق قدرها وأثنى على من اتصف بها، كما قال ◌َّيّ في تاريخ ميلاده عن كسرى وهو من جملة النوّاب الملوك قال: ((وَلَدتُ في زمان المَلكِ العَادِلِ» فسماه ملكاً ووصفه بالعدل وإن كان فيه على غير شرع منزل فهو صفة مرعية عند الله وسماهم ملوكاً، وإن كان الحق ما استخلفهم بالخطاب الإلهي على الكشف لكنهم نوّابه من وراء الحجاب، فإذا ظهروا بصفات ما ينبغي للملك أن يظهر بها ولم يوافق بها المصارف الإلهية التي شرعها الحق بألسنة الرسل نعت ذلك بالمنازع والمغالب، فمهما ظهر كانت الغلبة له، ومهما ظهر عليه كانت الغلبة للحق، فكان الحرب سجالاً له وعليه، وصورة السلم موافقة الحق في المصارف من غير اتباع، وهذا كله فيمن قام في الملك بنفسه. وأما ولاة الحق من الرسل فليس إلا العدل المحض ولا نتصوّر منازعة من أولئك صلوات الله عليهم. وأما الأئمة الذي استنابهم الله واستخلفهم بتقديم الرسل إياهم على القيام بما شرع في عباده من الأحكام فهم على قسمين: قسم يعدلون بصورة حق ولا يتعدون ما شرع لهم، والقسم الآخر قائلون بما شرع لهم غير أنهم لم يرجعوا ما دعوا إليه في المصارف التي دعاهم الحق إليها وجاروا عن الحق في ذلك وعلموا أنهم جائرون قاسطون، فهم من حيث الصورة الظاهرة مغالبون ومنازعون فيمهلهم الله لعلهم يرجعون، ففي زمان ذلك الإمهال تظهر الغلبة لهم على الحق المشروع الذي يرضي من استخلفهم، وفي وقت تكون الغلبة للحق عليهم بإقامة منازع في مقابلته يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وإذا ظهر هذا فقد أوجب الحق على عباده القتال معه والقيام في حقه ونصرته والأخذ على يد الجائر، ولا يزال الأمر على ما قلناه حتى يأتي أمر الله وتنفذ الكلمة الحق ويتوحد الأمر وتعم الرحمة ويرجع الأمر كله إليه كما كان أوّل مرة، ويرتفع بعض النسب ويبقى بعضها بحسب المحل والدار والنشأة التي تصير فيها وإليها، فإن للزمان حكماً، وللمكان حكماً، وللحال حكماً ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِئَّهِ يَقُضُ الْحَقٌّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] فتزول المغالبة والمنازعة، ويبقى الصلح والسلم في دار السلام إلى أبد لا ينقضي أمده بأزل لا يعينه أبده، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. [البسيط]: ٦ في المنازلات/ الباب الثالث وأربعمائة في معرفة منازلة لا حجة لي على عبيدي من صُورة الحَقِّ والأسما تُعضّدُهُ إنّ الخَلِيفَةَ من كانت إمامَتُهُ من الهَوَى وهَوَى الأهواء يَقْصدُهُ ليس الخليفةُ من قامت أدِلَّتُهُ له الثَّقَدُّمُ بالمعنى وليس له توقيعُ حَقّ ولا شَرِعْ يؤيِّدُهُ وَهْوَ الكَذُوبُ ونجمُ الحَقّ يَرْصُدُهُ فيدّعي الحَقَّ والأسيافُ تَعْضُدُهُ الباب الثالث وأربعمائة في معرفة منازلة لا حجة لي على عبيدي ما قلت لأحد منهم لم عملت إلا قال لي: أنت عملت وقال الحق ولكن السابقة أسبق بلا شك فلا تبديل : [الطويل] وإن لم أكُنْ فالقولُ قولُ المُنازِعِ إذا كُنْتُ حَقّاً فالمقالُ مقالتي ليَ الحُجّةُ البيضاء في كل موطن به فهي تبدو في قريب وشاسعٍ تَجَافَتْ جُنُوبي رغبةً عن مَضَاجعي ولمّا دعاني للحديث مُسَامِراً بَعيدٍ عن الأكْفَاءِ للكلّ جامع فقال لنا أهلاً بأكرَم سامرٍ فقلت له لولاك ما كنتُ جامعاً فقال أتبكي قلت دَمْعُ مَسَرَّةٍ لحقّ وخلق ثم فاضت مدامعي لما مُلِئَتْ مما تقول مسامعي قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] اعلم أن الكريم هو الذي يترك ماله ويؤدّي ما أوجبه على نفسه من الحقوق كرماً منه قبل أن يسألها، ثم أنه يمنع وقتاً ويطالب وقتاً لتظهر بذلك منزلة الشافع عنده في مثل هذا وكرمه بالسائل فيما سأله فيه بإجابته، وعبيد الله عبدان: عبد ليس للشيطان عليه سلطان وهو عبد الاختصاص وهو الذي لا ينطق إلا بالله ولا يسمع إلا بالله فالحجة لله لا له ﴿قُلّ فَلِلَّهِ الْحَُّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فإنها حجة الله. ومن عبيد الاختصاص من ينطق عن الله ويسمع من الله فهذا أيضاً من أهل الحجة البالغة لأنه ﴿مَا يَتَطِقُ عَنِ الْمَوَّ ﴿َاْ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] فهو تعالى السائل والمجيب وأما عبد العموم فهو الذي قال عنهم لرسول الله وَلَ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦] فما خص عبيداً من عبيد وأضافهم إليه، وقوله: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ [الزمر: ٥٣] فأضافهم إليه مع كونهم مسرفين على الإطلاق في الإسراف ونهاهم أن يقنطوا من رحمة الله، وهذا وأمثاله أطمع إبليس في رحمة الله من عين المنة، ولو قنط من رحمة الله لزاد إلى عصيانه عصياناً، وأخبر الله عنه في إسرافه أنه يعدنا الفقر ويأمرنا بالفحشاء ليجعل فضله تعالى في مقابلة ما وعد به الشيطان من الفقر الذي هو به مأمور في قوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] فهو مصدق الله فيما أخبر به عنه ممتثل أمر الله بشبهة في أمره في قوله: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ وجعل مغفرته في مقابلة الفحشاء والأمر بالفحشاء من الفحشاء، فدخل تحت وعد الحق بالمغفرة فزاده طمعاً وإن كانت دار النار مسكنه لأنه من أهلها، وإن حارت عليه أوزار من اتبعه ممن هو من أهل النار فما حمل إلا ما هو منقطع بالغ إلى أجل، ٧ في المنازلات / الباب الثالث وأربعمائة في معرفة منازلة لا حجة لي على عبيدي وفضل الله لا انقطاع له لأنه خارج عن الجزاء الوفاق، ورحمة الله لا تخص محلاً من محل ولا داراً من دار بل وسعت كل شيء، فدار الرحمة هي دار الوجود، وهؤلاء العبيد المذكورون ذكرهم الله بالإضافة إليه، والإضافة إليه تشريف، فجمع في الإضافة بين العبيد الذين أسرفوا على أنفسهم الذين نهاهم سبحانه أن يقنطوا من رحمة الله وبشرهم أنه يغفر الذنوب جميعاً ولم يعين وقتاً، فقد تكون المغفرة سابقة لبعض العبيد لاحقة لبعض العبيد، وبين العبيد الذين ليس للشيطان عليهم سلطان [الطويل]: فما ثَمَّ إلا عَبْدُهُ وهو رَبُّهُ وما ثَمَّ إلا راحمٌ ورحيمُ أراد بالرحيم هنا المرحوم اسم مفعول مثل قتيل وجريح وطريد و﴿لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤] وهي أعيان العالم وإنما التبديل لله لا لهم ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وفي قراءة ﴿أو ننساها﴾ ﴿فَأُوْلََّكَ يُدِّلُ اللَّهُ سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الَّهِ﴾ [البقرة: ٢١١] وهي ما بشرنا به من عموم مغفرته ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ [البقرة: ٢١١] فمن هنا وإن كانت شرطاً ففيها رائحة الاستفهام، وقال في الجواب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ٢١١] ولم يقل فإن الله يعاقب من بدل نعمة الله فهو كما قال: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابٍ﴾ في حال العقوبة فما ثم من يقدر ﴿يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مَا جَآءَتَّهُ﴾ فيبدل نعمة الله بما هو خير منها بحسب حاجة الوقت فإن الحكم له أو مثلها والنسخ تبديل لا بدا، ثم إنه القائل: ((أَنَا عِنْدَ ظَنَّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي خَيْراً)) فمن لم يظنّ بالله خيراً فقد عصى أمره وجهل ربه وأشقى من إبليس فلا يكون، وقد أخبر الله تعالى عنه أنه يتبرأ من الكافر ووصفه بالخوف لله رب العالمين، وقد ذكر تعال أنه ﴿إِنََّا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اُلْعُلَمَؤْ﴾ [فاطر: ٢٨] وأتم هذه الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي يمتنع أن يؤثر فيه أمر يحول بينه وبين عموم مغفرته على عباده ﴿غَفُورُ﴾ [فاطر: ٢٨] ببنية مبالغة في الغفران بعمومها فهي رجاء مطلق للعصاة على طبقاتهم، وقوله فيمن يبدل نعمة الله من بعدما جاءته أنه شديد العقاب أي يسرع تعالى إلى من هذه صفته بالعقاب وهو أن يعقبه فيما بدله أن التبديل لله عز وجل ليس له فيعرّفه أنه ﴿بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [يس: ٨٣] فإن الله ما قرن بهذا العقاب ألماً ومتى لم يقرن الألم بعذاب أو عقاب فله محمل في عين الأمر المؤلم فإنه لا يخاف إلا من الألم، ولا يرغب إلا في الالتذاذ خاصة، هذا يقتضيه الطبع الذي وجد عليه من يقبل الألم واللذة، وقد أعطى الله لعبيده في القرآن من الاحتجاج ما لا يحصى كثرة كل ذلك تعليم من الله، فلو كان الشقاء يستأصل الشقيّ ما بسط الله لعباده من الرحمة ما بسط ولا ذكر من الحجج ما ذكره وهو قوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمَّ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] ولا يعظم الفضل الإلهي إلا في المسرفين والمجرمين، وأما في المحسنين ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فإن الفضل الإلهي جاءهم ابتداءً وبه كانوا محسنين وما بقي الفضل الإلهي إلا في غير المحسنين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ٨ في المنازلات/ الباب الرابع وأربعمائة في معرفة منازلة من شق على رعيته سعى في هلاك ملكه الباب الرابع وأربعمائة في معرفة منازلة من شق على رعيته سعى في هلاك ملكه ومن رفق بهم بقي ملكاً. كل سيد قتل عبداً من عبيده فإنما قتل سيادة من سياداته إلا أنا فانظره [البسيط] وتلك حكمتُه سبحانَه فينا حُكْمُ الإضافة يُبْقِيهِ ويُبْقِينا سَادَ العِبَادَ ولا كانوا موالِينًا لولا العبيدُ لما كانت سيادةُ مَنْ عند النداء كما كُنّا يكونونا قد قال في خَلَدِي ما كان مُعْتَقَدي وكيف يعدم من فيه يُوالينا ما يعدم الحقّ موجوداً لزلَّتِهِ بكونه كان خلاقاً وليس له في نفسه أثَرٌ ولا يُبَارينا قال الله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] لم يقل رب نفسه لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، فهذه وصية إلَهية لعباده لما خلقهم على صورته وأعطى من أعطى منهم الإمامة الكبرى والدنيا وما بينهما وذلك قوله وَله: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)). فأعلى الرعاء الإمامة الكبرى وأدناها إمامة الإنسان على جوارحه، وما بينهما ممن له الإمامة على أهله وولده وتلامذته ومماليكه فما من إنسان إلا وهو مخلوق على الصورة، ولهذا عمّت الإمامة جميع الأناسي، والحكم في الكل واحد من حيث ما هو إمام، والملك يتسع ويضيق كما قررنا، فالإمام مراقب أحوال مماليكه مع الأنفاس، وهذا هو الإمام الذي عرف قدر ما ولاه الله عليه وقدّمه، كل ذلك ليعلم أن الله رقيب عليه وهو الذي استخلفه، ثم نبهه على أمر لو عقل عن الله وذلك أن السيد إذا نقصه عين أو حال ممن ساد عليه فإنه قد نقص من سيادته بقدر ذلك وعزل بقدر ذلك، كمن أعتق شقصاً له في عبد فقد عتق من العبد ما عتق ولم يسر العتق في العبد كله إلا أن يعتق كله، كذلك الإمام إن غفل بلهوه وشأنه وشارك رعيته فيما هم عليه من فنون اللذات ونيل الشهوات ولم ينظر من أحوال ما هو مأمور بالنظر في أحواله من رعاياه فقد عزل نفسه بفعله ورمت به المرتبة، وبقي عليه السؤال من الله والوبال والخيبة وفقد الرياسة والسيادة، وحرمه الله خيرها وندم حيث لم ينفعه الندم، فإنه لو لم يُسأل عن ذلك وترك وشأنه لكان بعض شيء إلا الحق فإنه لا ينقص عنه من ملكه شيء، فإن عبده إذا مات من الحياة الدنيا انتقل إليه في البرزخ فبقي حكم السيادة الله عليه، بخلاف الإنسان إذا مات عبده ماتت سيادته التي كان بها سيداً عليه، فهذا الفرق بيننا وبين الحق في الربوبية، قال ◌َله: ((إِنَّ الله يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلّهِ))، فالعالم من علم الرفق والرفيق والمرفوق، فما من إنسان إلا وهو رفيق مرفوق به، فهو مملوك من وجه مالك من وجه ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] ليتخذ بعضكم بعضاً سخرياً والله ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ﴾ [غافر: ١٥] فنحن له كما هو لنا، وكما نحن لنا فنحن لنا وله وهو لنا لا له. وليس في هذا الباب أشكل من إضافة العلم الإلهي إلى المعلومات، ولا القدرة إلى ٩ في المنازلات / الباب الخامس وأربعمائة في معرفة منازلة من جعل قلبه بيتي المقدورات، ولا الإرادة إلى المرادات لحدوث التعلق، أعني تعلق كل صفة بمتعلقها من حيث العالم والقادر والمريد، فإن المعلومات والمقدورات والمرادات لا نهاية لها فهو يحيط علماً بأنها لا تتناهى. ولما كان الأمر على ما أشرنا إليه وعثر على ذلك من عثر عليه من المتكلمين قال بالاسترسال وعبر آخر بحدوث التعلق، وقال الله في هذا المقام: ((حتى نعلم))، وأنكر بعض العلماء من القدماء تعلق العلم الإلهي بالتفصيل لعدم التناهي في ذلك وكونه غير داخل في الوجود، فيعلم التفصيل من حيث ما هو تفصيل في أمر ما لا في كذا على التعيين، واضطربت العقول فيه لاضطراب أفكارها، ورفع الإشكال في هذه المسألة عندنا أهل الكشف والوجود والإلقاء الإلهي أن العلم نسبة بين العالم والمعلومات، وما ثمّ إلا ذات الحق وهي عين وجوده وليس لوجوده مفتتح ولا منتهى فيكون له طرف والمعلومات متعلق وجوده، فتعلق ما لا يتناهى وجوداً بما لا يتناهى معلوماً ومقدوراً ومراداً فتفطن فإنه أمر دقيق، فإن الحق عين وجوده لا يتصف بالدخول في الوجود فيتناهى فإنه كل ما دخل في الوجود فهو متناه، والبارىء هو عين الوجود ما هو داخل في الوجود لأنّ وجوده عين ماهيته، وما سوى الحق فمنه ما دخل في الوجود فتناهى بدخوله في الوجود، ومنه ما لم يدخل في الوجود فلا يتصف بالتناهي فتحقق ما نبهتك عليه فإنك ما تجده في غير هذا الموضع، وعلى هذا تأخذ المقدورات والمرادات، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الخامس وأربعمائة في معرفة منازلة من جعل قلبه بيتي وأخلاه من غيري ما يدري أحد ما أعطيه فلا تشبهوه بالبيت المعمور فإنه بيت ملائكتي لا بيتي ولهذا لم أسكن فيه خليلي إبراهيم عليه السلام [البسيط]: فلست أَذْكُرُ شيئاً أنت تَذْكُرُهُ القَلْبُ بيتُك لا بيتي فأعْمُرُهُ هو السُّرُورُ الذي بالحُسْنِ تَغْمُرُهُ ذكري لنفسي حجابٌ إنّ ذكرك لي فلستَ تذكرُ أمراً نحن نذكرُهُ إذا ذَكَرْتُك كان الذكرُ منك لنا من أجل قلبٍ له ما زلتَ تَعْمُرُهُ إنّ الخليلَ بظَهْرِ البيتِ مَسْكنُهُ فلو يَحلُّ به لَّكُنْت تابعَهُ فالحمد لله حمداً لا يَفُوهُ به وليس يسكنه فلستَ تَعْمُرُهُ إلا الذي هو في قلبي يُصَوِّرُهُ اعلم أيدنا الله وإياك بروح القدس أن رحمة الله وسعت كل شيء، ومن رحمته أن خلق الله بها قلب عبده وجعله أوسع من رحمته، فإن قلب المؤمن وسع الحق كما ورد أن الله يقول: ((مَا وَسِعَنِي أَرْضِي وَلاَ سَمَائِي وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ)) فرحمته مع اتساعها يستحيل أن تتعلق به أو تسعه، فإنها وإن كانت منه فلا تعود عليه، وما أحال تعالى عليه أن ١٠ في المنازلات/ الباب الخامس وأربعمائة في معرفة منازلة من جعل قلبه بيتي يسعه قلب عبده وذلك أنه الذي يفقه عن الله ويعقل عنه وقد أمره بالعلم به وما أمره إلا بما يمكن أن يقوم به، فيكون الحق معلوماً معقولاً للعبد في قلبه ولا يتصف بأنه تعالى مرحوم، فهذا يدلك على أن الرحمة لا تناله من خلقه كما يناله التقوى أعني تقوى القلوب كما قال: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] وقال: ﴿فَإِنَّهَا﴾ يعني شعائر الله وهي ضرب من العلم به ﴿مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وقال تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهِآَ﴾ [الحج: ٤٦] وما جعلها عقلاً إلا ليعقل عنه العبد بها ما يخاطبه به، ومما خاطبه به أن رحمته وسعت كل شيء وأن قلبه وسعه جلّ جلاله، إلا أن ثم سرّاً أشير إليه ولا أبسطه وهو أن الله أخبر أنه أحب أن يعرف ومقتضى الحب معروف، فخلق الخلق وتعرّف إليهم فعرفوه، فما عرفوه بنظرهم وإنما عرفوه بتعريفه إياهم، فهذي إشارة ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْغَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [قَ: ٣٧]. والمحبة علم ذوق وما فينا إلاّ محب ومن أحب عرف مقتضى الحب، فمن هنا تعرف عموم الرحمة. والحديث الآخر غضب الله الكائن من إغضاب العبد، ثم قال عنه التراجمة عليهم السلام في باب الشفاعة إذا سألوهم الخلق فيها يوم القيامة فيقولون: ((إن الله قد غَضِبَ اليوم غَضَباً لم يغضبْ قبله مثله)) ولن يغضب بعده مثله فزال الغضب بالانتقام، وأخبر وَير: ((أَنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِىءُ غَضَبَ الرَّبِّ)) وهو الموفق عبده لما تصدق به فهو المطفى غضبه بما وفق إليه عبده وهذا كثير لكن هذا القدر عند عباد الله منه، فإنا لا نزيد عليه لأنا ما عرفناه إلا بتعريفه، وهذا من جملة تعريفه لا من نظر المخلوق، فلما اتخذ قلب عبده بيتاً لأنه جعله محل العلم به العرفانيّ لا النظريّ حماه وغار عليه أن يكون محلاً لغيره، والعبد جامع فلا بدّ أن يظهر الحق تعالى لهذا العبد في صور شتى أي في صورة كل شيء لأنه محل للعلم بكل شيء وليس محل العلم بالأشياء إلا القلب، والحق يغار على قلب عبده أن يكون فيه غير ربّه فأطلعه أنه صورة كل شيء وعين كل شيء فوسع كل شيء قلب العبد لأن كل شيء حق فما وسعه إلا الحق، فمن علم الحق من حقيته فقد علم كل شيء، وليس من علم شيئاً علم الحق، وعلى الحقيقة فما علم العبد ذلك الشيء الذي يزعم أنه علمه لأنه لو علمه علم أنه الحق فلما لم يعلم أنه الحق قلنا فيه إنه لم يعلمه، وإنما قال: ((قلب المؤمن)) لا غير المؤمن لكون المعرفة بالله لا تكون إلا بتعريفه لا بحكم النظر الفكريّ ولا يقبل تعريفه به تعالى إلا المؤمن، فإن غير المؤمن لا يقبل ذلك جملة واحدة فإنه الناظر على أحد ثلاثة أمور: إما أن يحيل ذلك الذي ورد به التعريف على الحق فينقسم هنا المحيلون على أقسام: فمنهم من يطعن في الرسل ويجعلهم تحت سلطان الخيال وهذه الطائفة من الأخسرين الذين أضلهم الله وأعماهم عن طريق الهدى بل في طريق الهدى لو علموا فهؤلاء قد جمعوا بين الجهل وبين المروق من الدين فلا حظ لهم في السعادة. وقسم آخر منهم قالوا إن الرسل هم أعلم الناس بالله فتنزلوا في الخطاب على قدر أفهام الناس لا على ما هو الأمر عليه فإنه محال، فهؤلاء كذبوا الله ورسوله فيما نسب الله إلى نفسه وإلى رسله بحسن عبارة، كما يقول الإنسان إذا أراد ١١ في المنازلات/ الباب الخامس وأربعمائة في معرفة منازلة من جعل قلبه بيتي أن يتأدب مع شخص آخر إذا حدثه بحديث يرى السامع في نظره أنه ليس كما قال المخبر فلا يقول له كذبت وإنما يقول له يصدق سيدي، ولكن ما هو الأمر على هذا وإنما الأمر الذي ذكره سيدي على صورة كذا وكذا فهو يكذبه ويجهله بحسن عبارة، هكذا فعل هؤلاء المتأوّلين. وقسم آخر لا يقول بأنه نزل في العبارة إلى أفهام الناس وإنما يقول: ليس المراد بهذا الخطاب إلا كذا وكذا ما المراد منه ما تفهمه العامة، وهذا موجود في اللسان الذي جاء به هذا الرسول فهؤلاء أشبه حالاً ممن تقدم، إلا أنهم متحكمون في ذلك على الله بقولهم، هذا هو المفهوم من اللسان، وكذلك الذي يعتقده عامة ذلك اللسان هو أيضاً المفهوم من ذلك فما يمنع أن يكون المجموع، فأخطؤوا في الحكم على الله بما لم يحكم به على نفسه، فهؤلاء ما عبدوا إلا الإله الذي ربطت عليه عقولهم وقيدته وحصرته. وقسم آخر قال: نؤمن بهذا اللفظ كما جاء من غير أن نعقل له معنى حتى نكون في هذا الإيمان به في حكم من لم يسمع به ونبقى على ما أعطانا دليل العقل من إحالة مفهوم هذا الظاهر من هذا القول، فهذا القسم متحكم أيضاً بحسن عبارة وأنه رد على الله بحسن عبارة فإنهم جعلوا نفوسهم حكم نفوس لم تسمع ذلك الخطاب. وقسم آخر قالوا: نؤمن بهذا اللفظ على حد علم الله فيه وعلم رسوله ◌َ* فهؤلاء قد قالوا إن الله خاطبنا عبثاً لأنه خاطبنا بما لا نفهم والله يقول: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ فَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وقد جاء بهذا فقد أبان كما قال الله لكن أبى هؤلاء أن يكون ذلك بياناً وهؤلاء كلهم مسلمون. وأما الأمر الثالث فهم الذين كشف الله عن أعين بصائرهم غطاء الجهل فأشهدهم آيات أنفسهم وآيات الآفاق فتبين لهم أنه الحق لا غيره فآمنوا به بل علموه بكل وجه وفي كل صورة وأنه بكل شيء محيط، فلا يرى العارف شيئاً إلا فيه فهو ظرف إحاطة لكل شيء، وكيف لا يكون وقد نبه على ذلك باسمه الدهر فدخل فيه كل ما سوى الله، فمن رأى شيئاً فما رآه إلا فيه ولذلك قال الصديق: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله لأنه ما رآه حتى دخل فيه فبالضرورة يرى الحق قبل الشيء بعينه لأنه يرى صدور ذلك الشيء منه، فالحق بيت الموجودات كلها لأنه الوجود، وقلب العبد بيت الحق لأنه وسعه، ولكن قلب المؤمن لا غير: [الطويل] فِعَيْنُ وُجُودِ الحَقِّ عَيْنُ الكَوائِنِ فمن كان بَیْتَ الحقّ فالحقُّ بیته وما حاز المؤمن هذه السعة إلا بكونه على صورة العالم وعلى صورة الحق، وكل جزء من العالم ما هو على صورة الحق، فمن هنا وصفه الحق بالسعة، قال أبو يزيد البسطامي في سعة قلب العارف: لو أن العرش يعني ملك الله وما حواه من جزئيات العالم وأعيانه مائة ألف ألف مرّة لا يريد الحصر وإنما يريد ما لا يتناهى ولا يبلغه المدى فعبر عنه بما دخل في الوجود، ويدخل أبداً في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به وذلك لأن قلباً وسع القديم كيف يحس بالمحدث موجوداً وهذا من أبي يزيد توسع على قدر مجلسه لإفهام الحاضرين. ١٢ في المنازلات/ الباب الخامس وأربعمائة في معرفة منازلة من جعل قلبه بيتي وأما التحقيق في ذلك أن يقول إن العارف لما وسع الحق قلبه وسع قلبه كل شيء إذ لا يكون شيء إلا عن الحق فلا تتكوّن صورة شيء إلا في قلبه يعني في قلب ذلك العبد الذي وسع الحق [مخلع البسيط]: فَهْوَ الهُيُولَى لكلّ صورهْ من صُورَة صُورَة وسُورَةْ أقامك الحَقُّ فيه سُورَةْ وأنت ما بين ذا وهذا وينظر إلى قول أبي يزيد ما قال الجنيد: إنّ المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق له أثر، إلا أن قول الجنيد هنا أتمّ من قول أبي يزيد، فإن المحدث إذا قرنته بالقديم كان الأثر للقديم لا للمحدث، فتبين لك بهذه المقارنة ما هو الأمر عليه وهو ما قلناه فإنه لا يمكن أن يجهل الأثر، وإنما كان قبل هذه المقارنة ينسب إلى المحدث، فلما قرنه بالقديم رأى الأثر من القديم ورأى المحدث عين الأثر فقال ما قال، ولا نشك بعد أن تقرّر هذا أن الخليل إبراهيم عليه السلام بهذه المثابة هو والرسول صلوات الله عليهم قد وسع قلبه الحق فجعله تعالى مسنداً ظهره إلى البيت المعمور وما دخله لأنه لو دخله لوسع البيت المعمور الحق لأنه قد وسع من وسعه وهي إشارة لا حقيقة، فإن جسم إبراهيم عليه السلام محصور بجيرون بلا شك، فما نريد إلا الصورة التي هو عليها في البرزخ الذي انتقل إليه بالموت. وأما قوله: ((وأخلاه من غيري)) هو قوله عليه السلام فيمن يقرأ القرآن ((مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي)) يعني القرآن يقرأه العبد ((عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أَعْطِي السَّائِلِين))، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] وهو القرآن وقال: ﴿فَسَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] يعني أهل القرآن لأنه قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِنْ شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨] فهو الجامع لكل شيء، فمن اعتقد غير أوجب عليه أن يخلي قلبه للحق والناس يتفاضلون في الدرجات، فإن الله قد فضل العالم بعضه على بعض، وأفضل المفاضلة فضل العلم بالله، ألا تراه قد أعطاه تعالى أعني للإنسان بمنزلة الاسم الآخر الذي لله وأعطى نفسه تعالى الاسم الأول في رتبة العلم به وجعل الملك محاطاً به بين الأول والآخر، فمن كان له علم بالمراتب علم ما للمك من الله وما له من الإنسان، ولهذا كان الملك وهو الروح الأمين يأتي بالوحي من الاسم الأول الذي لله إلى العبد الكامل الرسول النازل في منزل الاسم الإلهي الآخر وهو قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] فبدأ بنفسه في الشهادة بتوحيده، ثم ذكر الملائكة ثم ذكر بعد الملائكة أولي العلم وهم الأناسي فلله الأمر من قبل ومن بعد والملك ما بينهما وهكذا كان أمر الوجود فالأولية للحق ثم أوجد الملك ثم أوجد الإنسان وأعطاه الخلافة ولم يعطها الملك لأن الوسط له كل وسط فهو محاط به فافهم، فصورة فضل الملك على الإنسان بما أتاه به من عند الله وليس ذلك بدليل قاطع على الفضيلية في العقل وفي اللسان، كما أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس لأن الناس في رتبة الانفعال عن حركة الأفلاك وقبول التكوين الذي في العناصر، فما ثم إلا وجوه خاصة وما ثم وجه محيط، فمن وجه يفضل ومن وجه يكون مفضولاً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . ١٣ في المنازلات/ الباب السادس وأربعمائة في معرفة منازلة ما ظهر مني شيء لشيء الباب السادس وأربعمائة في معرفة منازلة ما ظهر مني شيء لشيء ولا ينبغي أن يظهر [الخفيف]: وسوانا ما ثَمَّ أَيْنَ الظُهُورُ لو ظَهَرْنا للشّيء كان سوانا ولهذا أنا الإلهُ الغَيُورُ أنت عينُ الوجود ما ثَمَّ غَيْرٌ أنا باقٍ وأنت فَانٍ تَبُورُ لا تَقُلْ يا عُبَيْدُ إنّكَ إنّي ولهذا لك الفناءُ والنُّشُورُ كل وقت فأنت خلقٌ جديد يقول الحق: ما ثم شيء أظهر إليه لأني عين كل شيء، فما أظهر إلا لمن ليست له شيئية الوجود، فلا تراني إلا الممكنات في شيئية ثبوتها، فما ظهرت إليها لأنها لم تزل معدومة وأنا لم أزل موجوداً فوجودي عين ظهوري، ولا ينبغي أن يكون الأمر إلا هكذا. ولما كانت الأحكام فيما ظهر لأسمائي وفي نفس الأمر لأعيان الممكنات والوجود عيني لا غيري، وفصلت الأحكام الإمكانية الصور في العين الواحدة كما يقول أهل النظر في تفصيل الأنواع في الجنس وتفصيل الأشخاص في النوع كذلك تفصيل الصور الإمكانية في العين، وترى الأسماء أنا مسماها أعني الأسماء الحسنى فيجعل الأثر لها، وفي الحقيقة ما الأثر إلا لأعيان الممكنات ولهذا ينطلق على صور أسماء الممكنات، ومن أسماء الممكنات أسماء الله فلها نسبتان: نسبة إلى الله تعالى ونسبة إلى صور الممكنات، فالحق ليس بظاهر لأعيان صور الممكنات من حيث ما هي صور لها لا من حيث أنها ظهرت في عين الوجود الحق، والشيء إذا كان في الشيء بمثل هذه الكينونة من القرب لا يمكن أن يراه، فلا يمكن أن يظهر له كما نراه في الهواء ما منعنا من رؤيته إلا القرب المفرط، فلا يمكن أن نراه ولا يمكن أن يظهر لنا عادة، فلو تباعد عنا لرأيناه، ومن المحال بعد الصور عن العين التي توجد فيها لأنها لو فارقتها انعدمت كما هو الأمر في نفسه، فإن الصور في هذه العين تنعدم وهي ﴿ِ لَبٍْ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [قّ: ١٥] فالممكنات من حيث أن لها الأسماء الإلهية وهابة هذه الصور الظاهرة بعضها لبعض في عين الوجود، فما أظهرت هذه الأعيان الممكنات صورة إلا بالأسماء الإلهية من قائل وقادر وخالق ورازق ومحيي ومميت ومعز ومذلّ. وأما الغنى والعزة فهي للذات وهو الغني العزيز فغناها لها بكونها تعطي هذه الصور ولا تقبل العطاء لما تعطيه حقيقة ذاتها. وأما العزة لها فإن هذه الصور لا تعطيها ولا تؤثر فيها علماً بما تستفيده في حال وجودها بعضها من بعض، فإن الأعيان هي المعطية لهذه الصور تلك العلوم التي استفادتها بالأسماء الإلهية، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] وهو العالم بلا شك، فالحق عالم والأعيان عالمة ومستفيدة، والعلم إنما هو عين الصور واستفادتها من الأسماء الإلهية التي أعطتها أعيان الممكنات العلوم. ومن هنا تعلم حكم الكثرة والوحدة والمؤثر والمؤثر فيه والأثر ونسبة العالم من الله ونسبة تنوع الصور الظاهرة وما ظهر ومن ظهر وما بطن ومن بطن، وحقيقة ١٤ في المنازلات/ الباب السابع وأربعمائة في معرفة منازلة في أسرع من الطرفة ... الخ الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأنها نعوت لمن له الأسماء الحسنى، فتحقق ما ذكرناه في هذا الباب فإنه نافع جداً يحوي على أمر عظيم لا يقدر قدره إلا الله، فمن عرف هذا الباب عرف نفسه هل هو الصورة أو هو عين واهب الصورة؟ أو هو عين العين الثابتة الممكنة التي لها العدم من ذاتها؟ ومن عرف نفسه عرف ربّه ضرورة، فما يعرف الحق إلا الحق، فلا تقدم ولا تأخر لأن الممكن في حال عدمه ليس بمتأخر عن الأزل المنسوب إلى وجود الحق لأن الأزل كما هو واجب لوجود الحق هو واجب لعدم الممكن وثبوته وتعيينه عند الحق، ولولا ما هو متعين عند الحق مميز عن ممكن آخر لما خصصه بالخطاب في قول ﴿ كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] ومن عرف هذا الباب عرف من يقول: ﴿كُنْ﴾ ولمن يقال: ﴿كُنْ﴾ ومن يتكون عن قول ﴿ كُنْ﴾ ومن يقبل حكم الكاف والنون، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع وأربعمائة في معرفة منازلة في أسرع من الطرفة تختلس مني إن نظرت إلى غيري لا لضعفي ولكن لضعفك [الخفيف]: يَلْعَبُ الدَّهْرُ كيف شاء بِنَاسِةْ التفاتُ المُصَلِّي عَيْنُ اخْتِلاسِهْ وأُنَاسُ الزمان عَيْنُ أُنَاسِةْ وهو الدهرُ والمشيئة منه وقلوبُ الرجال عَيْنُ لِبَاسهْ كل شيء له لباسٌ مُسمَّى بوجودي كالظَّبْي عند كِنَاسِة وأنا صُورةً له ثُمَّ يَخْفَى يتعالى عنها بأصل أساسة لحدودٍ قامت بصورة كوني - دخلت على شيخنا أبي محمد عبد الله الشكاز بأغرناطة من بلاد الأندلس وكان من أهل باغه وهو من أكبر من لقيته في طريق الله فقال لي: يا أخي الرجال أربعة وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِحَرَةُ وَلَا بَيْعُّ عَن ذِكْرِ اَلَهِ﴾ [النور: ٣٧] و﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] يريد على أرجلهم لا يركبون ﴿وَعَلَى الْأَغْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] فأراد بالرجال الأربعة حصر المراتب لأنه ما ثم إلا رسول ونبي وولي ومؤمن، وما عدا هؤلاء الأربعة فلا اعتبار لهم من حيث أعيانهم لأن الشيء لا يعتبر إلا من حيث منزلته لا من حيث عينه الإنسانية، فالإنسانية واحدة العين في كل إنسان، وإنما يتفاضل الناس بالمنازل لا بالعين حتى في الصورة من جميل وأجمل وغير جميل، ولهذا ما جاء رضي الله عنه في ذكر الرجال بأكثر من أربعة، فما أراد بالأربعة إلا ما ذكرناه. وما أراد بالرجال في هذه الآيات الذكران خاصة وإنما أراد هذا الصنف الإنساني ذكراً كان أو أنثى، ولما قلت له في قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] المراد به من أتى ماشياً على رجله؟ قال رضي الله عنه: الرجل لا يكون محمولاً والراكب محمول فعلمت ما أراد فإنه قد علم أن رسول الله وَفور ما أسري به إلا محمولاً على البراق ١٥ في المنازلات/ الباب السابع وأربعمائة في معرفة منازلة في أسرع من الطرفة ... الخ فسلمت إليه ما قال، وما أعلمته رضي الله عنه أن البقاء على الأصل هو المطلوب لله من الخلق ولهذا ذكره تعالى بقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] يعني موجوداً يقول له: ينبغي لك أن تكون وأنت في وجودك من الحال معي كما كنت وأنت في حال عدمك من قبولك لأوامري وعدم اعتراضك يأمره بالوقوف عند حدوده ومراسمه، فيتكلم حيث رسم له أن يتكلم، ويتكلم بما أمره به أن يتكلم، فيكون سبحانه هو المتكلم بذلك على لسان عبده، وكذلك في جميع حركاته وسكناته وأحواله الظاهرة والباطنة لا يقول في وجوده أنه موجود بل يرى نفسه على صورته في حال عدمه، هذا مراد الحق منه بالخطاب فهو محمول بالأصالة غير مستقل فإن المحدث لا يستقل بالوجود من غير المرجح فلا بد أن يكون محمولاً، ولهذا ما أسري برسول قط إلا على براق، إذا كان إسراء جسمياً محسوساً، وإذا كان بالإسراء الخيالي الذي يعبر عنه بالرؤيا فقد يرى نفسه محمولاً على مركب وقد لا يرى نفسه محمولاً على مركب لكن يعلم أنه محمول في الصورة التي يرى نفسه فيها، إذ قد علمنا أن جسمه في فراشه وفي بيته نائم فاعلم ذلك. وأما ما ذهب إليه الشيخ من الاستقلال وعدم الركوب فذلك هو الذي يحذر منه فإنه الاختلاس الذي ذكرنا، فإن العبد هنا اختلسته نفسه بالاستقلال وهو في نفسه غير مستقل فأخذه ذلك الاختلاس من يد الحق فتخيّل أنه غير محمول فلم يعرف نفسه ومن لم يعرف نفسه جهل ربه، فكان الغير هنا الذي نظر إليه عين نفسه وذلك لضعفه في العلم بالأصل الذي هو عليه، ولا شك أن مرتبة الرسل عليهم السلام قد جمعت جميع مراتب الرجال من نبوّة وولاية وإيمان وهم المحمولون، فمن ورثهم وكان محمولاً يعلم ذلك من نفسه، وإنما قلنا يعلم ذلك من نفسه لأن الأمر في نفسه أنه محمول ولا بد، ولكن من لا علم له بذلك يتخيل أنه غير محمول فلهذا قيدنا. وفي قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] فالذي دعاهم قال لهم قولوا: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقال لهم: ﴿أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُواْ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وكل معنى محمول بلا شك فإنه غير مستقل بالأمر إذ لو استقل به لما طلب العون والمعين. وقوله رضي الله عنه: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَةٌ وَلَ بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] فهم في تجارتهم في ذكر الله لأن التجارة على الحد المرسوم الإلهي من ذكر الله كما قالت عائشة عن رسول الله وَير أنه كان يذكر الله على كل أحيانه مع كونه يمازح العجوز والصغير، وكل ذلك عند العالم ذكر الله لأنه ما من شيء إلا وهو يذكر بالله، فمن رأى شيئاً لا يذكر الله عند رؤيته فما رآه فإن الله ما وضعه في الوجود إلا مذكراً فلم تلههم التجارة ولا البيع عن ذكر الله. وكذلك: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] في أخذ الميثاق الذي أخذ الله عليهم فوفوا به وقيل فيهم صدقوا لأنهم غالبوا فيه وفي الوفاء به الدعاوى المركوزة في النفوس التي أخرجت بعض من أخذ عليه الميثاق أو أكثره عن الوفاء بما عاهد عليه الله، فليس الرجل إلا من صدق مع الله في الوفاء بما أخذ عليه كما صدق النبيّ فيما أخذ الله عليه في ميثاق النبيين والمرسلين. وقوله: ﴿وَعَلى اَلْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] وهم ١٦ في المنازلات / الباب السابع وأربعمائة في معرفة منازلة في أسرع من الطرفة ... الخ أعظم الرجال في المنزلة فإن لهم الاستشراف على المنازل، فما أشار بالأعراف هنا هذا الشيخ إلى من تساوت حسناته وسيئاته وإنما أخذه من حيث منزلة الاستشراف، فإن الأعراف هنا هو السور الذي بين الجنة والنار باطنه فيه الرحمة وهو الذي يلي الجنة، وظاهره من قبله العذاب وهو الذي يلي النار فجعل النار من قبله أي يقابله والمقابل ضد فلم يجعل السور محلاً للعذاب وجعله محلاً للرحمة بقوله ﴿بَالِثُهُ فِهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الحديد: ١٣] فانظر ما أعجب تنبيه الله عباده بحقائق الأمور على ما هي عليه ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] فأهل الأعراف في محل رحمة الله وذلك هو الذي أطعمهم في الجنة وإن كانوا بعد ما دخلوها، ثم ذكر أن لهم المعرفة بمقام الخلق فقال: ﴿يَعِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] أي بما جعلنا فيهم من العلامة. وقوله: ﴿وَنَادَوْاْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ [الأعراف: ٤٦] فإنهم في مقام الكشف للأشياء، فلو دخلوا الجنة استتر عنهم بدخولهم فيها وسترتهم لأنها جنة عن كشف ما هم له كاشفون. وقولهم: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] تحية إقبال عليهم لمعرفتهم بهم وتحية لانصرافهم عنهم إلى جناتهم يقول الله : ﴿أَسْتَعِينُواْ بِلَّهِ وَأَصْبِرُوَأْ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ويقول: ((أَنَا أَغْنَى الشَّرَكَاءِ عَنِ الشّرْكِ)) ومعلوم أن الاستعانة شرك في العمل فإن كان العمل له فأين العبد؟ وإن كان للعبد فقد أشرك نفسه فاختلسه هذا القدر من توحيد الأفعال، فمن علم أن العبد محل لظهور العمل فلا بدّ منه ولا بد من القبول إن قيل إنه تعالى أوجد العبد والعمل، فلو لم يكن العبد قابلاً لإيجاد القادر إياه لما وجد دليلنا فلا بدّ من قبول الممكن، فلا بدّ من الاشتراك في الإيجاد إن كان في إيجاد العبد فلا بد منه، وإن كان في إيجاد العمل التكليفي فلا بد من العبد، فعلى كل خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾ حال لا بد منك ومنه إلا أنك منعوت بالضعف فقال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى لكون الممكن لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الترجيح على كل حال ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةٌ﴾ [الروم: ٥٤] للتكليف إلا أنه لا يستقل فأمر بطلب المعونة، فلولا أن للمكلف نسبة وأثراً، في العمل ما صح التكليف ولا صح طلب المعونة من ذي القوّة المتين، فإن شئت سميت أنت ذلك القدر من الاشتراك كسباً، وإن شئت سميته خلقاً بعد أن عرفت المعنى. وأما أهل الله أرباب الكشف فكما قلنا إن ذلك كله أحكام أعيان الممكنات في العين الوجودية الظاهرة في الصور عن آثار الأسماء الإلهية الحسنى من حيث أن الممكن متصف بها فهي للحق أسماء وهي للممكن نعوت وصفات في حال عدم الممكن، لأن وجود عينه من حيث الحقيقة قد بيّنا أنه لا يتصوّر، فما استفاد الممكن إلا ظهور أحكامه بوجود الصور التي تتبعها أسماء الممكنات، فكما أن أسماء الله الحسنى للممكن على طريق النعتية كذلك الأسماء الكونية التي تنطلق على الصور الكائنة في عين الوجود هي أسماء للعين الوجودية قال تعالى: ﴿قُلّ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] في معرض الدلالة فإذا سموهم قالوا: هذا حجر، هذا شجر، هذا كوكب، والكل اسم عبد، ثم أبان الحق تعالى ذلك كله ليعقل عنه فقال تعالى : ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمٌَ سَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآ ؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ﴾ [النجم: ٢٣] فقلتم عن العين من ١٧ في المنازلات / الباب الثامن وأربعمائة في معرفة منازلة يوم السبت حلّ عنك مئزر الجد أجل الصورة إنها حجر أو شجر أو كوكب أو أي اسم كان من المعبودين الذين ما لهم اسم الله، فما قال أحد من خلق الله أنا الله إلا الله المرقوم في القراطيس إذا نطق يقول: أنا الله فتعلم عند ذلك ما معنى قوله: أنا الله وأنه حق أعني هذا القول في ذلك اللسان المصطلح عليه، ويقوله أيضاً العبد الكامل الذي الحق لسانه وسمعه وبصره وقواه وجوارحه كأبي يزيد وأمثاله، وما عدا هذين فلا يقول أنا الله وإنما يقول الاسم الخاص الذي له في ذلك اللسان له فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثامن وأربعمائة في معرفة منازلة يوم السبت حلّ عنك مئزر الجد الذي شددته فقد فرغ العالم مني وفرغت منه [الطويل]: وقد بَقِيَتْ أشْخاصُها تَتَكَوَّنُ فرغْنا من الأجْنَاس فالخَلْقُ خَلْقُنا إلى غير غاياتٍ له تَتَعَيَّنُ مدى الجُودِ والأنفاس فالأمرُ دائمٌ سواهُ فهذا حَقُّهُ المُتَيَقّنُ هو الغايةُ القُصْوَى فليست نهايةٌ هو الواسعُ المختارُ بي فَتَبَيَّنوا وآخَرُ موجودٌ أنا يتيقّنُ فمن أجلنا بانوا ولله كُوِّنُوا أنا البَدْءُ لا عَوْدّ تراه لأنه أنا أوّلٌ بالقَصْد فالكونُ کَوْنُنا كُلُوا طيّبات الرزق من كل جانب قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فنقول من باب الإشارة لا من باب التفسير: يتجاوزون بالراحة حدها، وبها يسمى السبت سبتاً فإن الله خلق العالم في ستة أيام بدأ به يوم الأحد وفرغ منه يوم الجمعة وما مسه من لغوب، ولم يعي بخلقه الخلق، فلما كان يوم السابع من الأسبوع وفرغ من العالم كان يشبه المستريح الذي مسه اللغوب فاستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: أنا الملك، كذا ورد في الأخبار النبوية، فسمي يوم السبت يريد يوم الراحة وهو يوم الأبد، ففيه تتكوّن أشخاص كل نوع دنيا وآخرة فما هي إلا سبعة أيام لكل يوم وال ولاه الله فانتهى الأمر إلى يوم السبت فولى الله أمره والياً له الإمساك والثبوت، فله إمساك الصور في الهبا، فنهار هذا اليوم الذي هو يوم الأبد لأهل الجنان وليله لأهل النار فلا مساء لنهاره ولا صبح لليله، وما رأينا أحداً اعتبر هذا اليوم إلا السبتيّ محمد بن هارون الرشيد أمير المؤمنين، وذلك أني كنت يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة بمكة قد دخلت الطواف فرأيت رجلاً حسن الهيئة له هيبة ووقار وهو يطوف بالبيت أمامي فصرفت نظري إليه عسى أعرفه فما عرفته في المجاورين ولم أرَ عليه علامة قادم من سفر لما كان عليه من الغضاضة والنضارة، فرأيته يمرّ بين الرجلين المتلاصقين في الطواف ويعبر بينهما ولا يفصل بينهما ولا يشعران به، فجعلت أتتبع بأقدامي مواضع وطآت أقدامه ما يرفع قدماً إلا وضعت قدمي في موضع قدمه وذهني إليه وبصري معه لئلا يفوتني، فكنت أمر بالرجلين الفتوحات المکیة ج٧ - ٢٣ ١٨ في المنازلات/ الباب الثامن وأربعمائة في معرفة منازلة يوم السبت حلّ عنك مئزر الجد المتلاصقين اللذين يمرّ هو بينهما فأجوزهما في أثره كما يجوزهما ولا أفصل بينهما، فتعجبت من ذلك، فلما أكمل أسبوعه وأراد الخروج مسكته وسلمت عليه فردّ عليّ السلام وتبسّم لي وأنا لا أصرف نظري عنه مخافة أن يفوتني فإني ما شككت فيه أنه روح تجسد وعلمت أن البصر يقيده فقلت له: إني أعلم أنك روح متجسد فقال لي: صدقت، فقلت له: فمن أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا السبتيّ ابن هارون الرشيد، فقلت له: أريد أن أسألك عن حال كنت عليه في أيام حياتك في الدنيا، قال: قل، قلت: بلغني أنك ما سميت السبتي إلا لكونك كنت تحترف كل سبت بقدر ما تأكله في بقية الأسبوع، فقال: الذي بلغك صحيح كذلك كان الأمر، فقلت له : فلم خصصت يوم السبت دون غيره من الأيام أيام الأسبوع؟ فقال: نِعْمَ ما سألت ثم قال لي: بلغني أن الله ابتدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم الجمعة فلما كان يوم السبت استلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: أنا الملك، هذا بلغني في الأخبار وأنا في الحياة الدنيا، فقلت: والله لأعملن على هذا فتفرّغت لعبادة الله من يوم الأحد إلى آخر الستة الأيام لا أشتغل بشيء إلا بعبادته تعالى وأقول: إنه تعالى كما اعتنى بنا في هذه الأيام الستة فأني أتفرّغ إلى عبادته فيها ولا أمزجها بشغل نفسي فإذا كان يوم السبت أتفرّغ لنفسي وأتحصل لها ما يقوتها في باقي الأسبوع كما روينا من إلقاء إحدى رجليه على الأخرى، وقوله: أنا الملك الحديث، وفتح الله لي في ذلك فقلت له: من كان قطب الزمان في وقتك؟ فقال: أنا ولا فخر، قلت له: كذلك وقع لي التعريف، قال: صدقك من عرّفك؟ ثم قال لي: عن أمرك يريد المفارقة قلت له : ذلك إليك فسلم عليّ سلام محب وانصرف. وكان بعض أصحابي والجماعة في انتظاري لكونهم كانوا يشتغلون علي بإحياء علوم الدين للغزالي رحمه الله، فلما فرغت من ركعتي الطواف وجئت إليهم قال لي بعضهم وهو نبيل بن خزر بن خزرون السبتي: رأيناك تكلم رجلاً غريباً حسن الوجه وسيماً لا نعرفه في المجاورين من كان ومتى جاء؟ فسكت ولم أخبرهم بشيء من شأنه إلا بعض إخواني فإني أخبرتهم بقصته فتعجبوا لذلك. واعلم أيدنا الله وإياك أن الفراغ الإلهي إنما كان من الأجناس في الستة الأيام، وأما أشخاص الأنواع فلا فبقي الفراغ بالأزمان لا عن الأشخاص وهو قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١] من الشؤون الذي قال فيها: ﴿كُلَّ يَّوْمٍ هُوَ فِي شَأْنِ﴾ [الرحمن: ٢٩] في هذه الدنيا فيفرغ لنا منا وتنتقل الشؤون إلى البرزخ والدار الآخرة، فلا يزال الأمر من فراغ إلى فراغ إلى أن يصل أوان عموم الرحمة التي وسعت كل شيء، فلا يقع بعد ذلك فراع يحده حال ولا يميزه بل وجود مستمرّ ووجود ثابت مستقرّ إلى غير نهاية في الدارين: دار الجنة ودار النار، هكذا هو الأمر في نفسه، ففراغه من العالم هذا القدر الذي ذكرته آنفاً، وفراغ العالم منه من حيث الدلالة عليه لا غير، وأما الوهب من العلم به فلا يزال دائماً لكن من غير طلب في الآخرة مقاليّ لكن التجلي دائم والقبول دائم، فالعلم متجدد الظهور لي على الدوام، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ١٩ في المنازلات/ الباب التاسع وأربعمائة في معرفة منازلة أسمائي حجاب عليك الباب التاسع وأربعمائة في معرفة منازلة أسمائي حجاب عليك فإن رفعتها وصلت إليّ [الطويل] وأغْيَانُنا أكْوانُنا فنَقُولُ حِجَابُك أسماءً لنا ونُعُوتْ ولا غير إلا رَبُّنا فنصُولُ لنا الدَّوْلَةُ الغَرَّاءُ ليست لغيرنا يقول بهذا ظالمٌ وجَهُولُ على من فحَقّقْ ما تقولُ وإنما فكلّ مقالاتي إليه تَؤُولُ فذاك وُجُودٌ ما إليه سَبِيلُ فكلُّ مقالٍ فيه غير مُقَيَّدٍ فلا تَرْفَعِ الأستارَ بَيْني اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الإنسان وإن كان في نفس الأمر عبداً ويجد في نفسه ما هو عليه من العجز والضعف والافتقار إلى أدنى الأشياء والتألم من قرصة البرغوث ويعرف هذا كله من نفسه ذوقاً ومع هذا فإنه يظهر بالرياسة والتقدم، وكلما تمكن من التأثير في غيره فإنه يؤثر ويجد في نفسه طلب ذلك كله وحبه، وذلك لأنه خلقه الله على صورته وله تعالى العزة والكبرياء والعظمة، فسرت هذه الأحكام في العبد فإنها أحكام تتبع الصورة التي خلق عليها الإنسان وتستلزمها، فرجال الله هم الذين لم يصرفهم خلقهم على الصورة عن الفقر والذلة والعبودية، وإذا وجدوا هذا الأمر الذي اقتضاه خلقهم على الصورة ولا بدّ ظهروا به في المواطن التي عين الحق لهم أن يظهروا بذلك فيها، كما فعل الحق الذي له هذه الصفة ذاتية نفسية فلا يظهر بها إلا في مواطن مخصوصة ويظهر بالنزول والتحبب إلى عباده حتى كأنه فقير إليهم في ذلك ويقيم نفسه مقامهم، وإذا كان الحق بهذه الصفة أن ينزل إليكم في صوركم فأنتم أحق بهذا النعت أن لا تبرحوا فيه ولا تنظروا إلى ما تجدونه فيكم من قوّة الصورة فذلك له لا لكم، كما أن لكم ما نزل إليكم فيه لا له، ولولا أن أسماءه الحسنى قامت بكم واتصفتم بها ما تمكن لكم ذلك، فردّوا أسماءه على صورته لا عليكم وخذوا منه ما نزل لكم فيه فإن ذلك نعتكم وأسماؤكم، فإنكم إذا فعلتم ذلك وصلتم إليه أي كنتم من أهل القربة، فإن المقرّب لا يبقى له القرب والجلوس مع الحق والتحدّث معه تعالى اسماً إلهياً من الأسماء المؤثرة في العالم ولا من أسماء التنزيه، وإنما يدخل عليه بالذلة لشهود عزه وبالفقر لشهود غناه وبالتهيؤ لنفوذ قدرته فينخلع من كل الأسماء التي تعطيه أحكام الصورة التي خلق عليها، هذا مذهب سادات أهل الطريق حتى قالوا في ذلك إن صادقين لا يصطحبان إنما يصطحب صادق وصديق ولهذا ما بعث رسول الله وَ ل# بعثاً قط ولو كان اثنين إلا قدم أحدهما وجعل الآخر تبعاً. وإن لم يكن كذلك فسد الأمر والنظام وهو متبع في ذلك حكم الأصل، فإنه لو كان مع الله إله آخر لفسد الأمر والنظام كما قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِمَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَأْ﴾ [الأنبياء: ٢٢]. فمن أراد صحبة الحق فليصحبه بحقيقته وجبلته من ذله وافتقاره، ومن أراد صحبة الخلق فليصحبه بما شرع له ربه لا بنفسه ولا بصورة ربّه، بل كما قلنا بما شرع له فيعطي كل ذي حق حقه فيكون عبداً في صورة حق أو حقاً في صورة عبد كيفما كان لا حرج عليه. ٢٠ في المنازلات/ الباب العاشر وأربعمائة في معرفة منازلة ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى﴾ ولما كان هذا كله مذهب أهل الله كشف الله لنا من زيادة العلم التي امتنّ الله بها علينا مع مشاركتنا إياهم فيما ذهبوا إليه أن الله أطلعنا على أن جميع ما يتسمى به العبد ويحق له النعت به وإطلاق الاسم عليه لا فرق بينه وبين ما ينعت به من الأسماء الإلهية، فالكل أسماء إلهية فهو في كل ما يظهر به مما ذكروه مما تقتضيه العبودية عندهم والصورة ليس له وإنما ذلك لله وما له من نفسه سوى عينه وعينه ما استفادت صفة الوجود إلا منه تعالى فما سماه باسم إلا وهو له تعالى، فإذا خرج العبد من جميع أسمائه كلها التي تقتضيها جبلته والصورة التي خلق عليها حتى لا يبقى منه سوى عينه بلا صفة ولا اسم سوى عينه حينئذٍ يكون عند الله من المقرّبين، ووافقنا على هذا القول شيخنا أبو يزيد البسطامي حيث قال: وأنا الآن لا صفة لي يعني لما أقامه الله في هذا المقام، فصفات العبد كلها معارة من عند الله فهي الله حقيقة ونعتنا بها فقبلناها أدباً على علم أنها له لا لنا إذ من حقيقتنا عدم الاعتراض، إنما هو التسليم الذاتي المحض لا التسليم الذي هو صفة له فإن ذلك له، فإذا كان العبد ما عنده من ذاته سوى عينه بالضرورة يكون الحق جميع صفاته ويقول له: أنت عبدي حقاً، فما سمع سامع في نفس الأمر إلا بالحق ولا أبصر إلا به ولا علم إلا به ولا حيي ولا قدر ولا تحرّك ولا سكن ولا أراد ولا قهر ولا أعطى ولا منع ولا ظهر عليه وعنه أمر ما هو عينه إلا وهو الحق لا العبد، فما للعبد سوى عينه سواء علم ذلك أو جهله، وما فاز العلماء إلا بعلمهم بهذا القدر في حق كل ما سوى الله لا أنهم صاروا كذا بعد أن لم يكونوا، فلمثل هذا فليعمل العاملون وفي مثل هذا فليتنافس المتنافسون، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب العاشر وأربعمائة في معرفة منازلة ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى﴾ فاعتزوا بي تسعدوا [السريع] هذا هو الحَقّ الذي لا يُرَامُ ليس وَرَاءَ الله مَزمّى لرَامْ يحرم في هذا المقام المَقَامُ هذا مَقَامُ الحقّ لا تَعْتَدُوا إذا وصلتُم إخوتي فارجِعُوا هذا وجودٌ ما لديه انْصِرَامٌ ثَمَّ سوى عَيْنِ الوَرَى والأمامُ رجوعُكم منه إليكم فما فليس عِزَّ غيرُ عِزّ الإمامُ كُونُوا أعِزَّاءَ به تَسْعَدُوا ولم يَرَوْا أحوالهُم في دَوَامْ لما رَأوْا أعراضَهم لم تَقُمْ لذاك سُمُّوا في اللسان الأنَامُ قالوا أنَامَ الحَقُّ عن كَوْننا قال الله تعالى: ﴿يَّأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ﴾ [الأحزاب: ٤٢] وقال تعالى: ﴿وَ أَنَّ إِلَى رَيِّكَ اٌلْمُنَهَى﴾ [النجم: ٤٢] وقال وَّ: ((لَيْسَ وَرَاءَ الله مَزْمَى)) وقال ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَآِهِمِ تُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] وما ثم إلا الله ونحن وهو من ورائنا محيط، فليس وراء الله مرمى إلا العدم المحض الذي مافيه حق ولا خلق فهو تعالى المحيط بنا، فالوراء منا له من كل وجهة فلا نراه أبداً من هذه الآية لأن وجوهنا إنما هي مقبلة مصروفة إلى نقطة المحيط لأنا منها خرجنا، فلم