النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ في المنازل/ الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم الروحاني إنما تقيمه القوى التي لا ظهور لها إلا في هذه الصورة الطبيعية بوجود هذا النكاح، فيقع لها الالتذاذ والفرح بما يحصل لها من الأثر بوجود هذا البناء. وأما النكاح الطبيعي فهو ما تطلبه هذه الأرواح الجزئية المدبرة لهذه الصور من اجتماع الصورتين الطبيعية بالالتحام والابتناء المسمى في عالم الحس نكاحاً، فيتولد عن هذا النكاح أمثال الزوجين من كل حيوان ونبات فيظهر إنسان من إنسانين وفرس من فرسين، وقد يقع الالتحام من غير المثلين، فيتولد بينهما شكل غريب ما يشبه عين واحد من الزوجين كالبغل بين الحمار والفرس، وكل مولد بين شكلين مختلفين لا يولد أبداً فإنه عقيم فهو الذي يولد ولا يلد، فنكاح مثل هذا النوع ليس لولادة ولكن لمجرد الشهوة والالتذاذ، فيشبه النكاح الأول هذا النكاح الذي خرج عنه غير جنس الزوجين من كونه نكاحاً في غير الجنس، فيتولد بينهما الشكل الغريب ما يشبه واحداً منهما أعني من الزوجين فافهم. وتلقيح الشجر بالرياح اللواقح من النكاح الطبيعي، وأما الريح العقيم فيشبه نكاحها نكاح الشكل الغريب الذي لا يتولد عنه شيء وأعراس هذا النكاح الطبيعي ما هو المشهود في العرف المسمى عرساً في الشاهد من الولائم والضرب بالدفوف، وأما ما يتولد من النكاح الطبيعي في الشجر فهو ما يعطيه من الثمر عند هذا الحمل، وصورة وقع نكاح الأشجار زمان جري الماء في العود وهو عند طلوع السعود فهو نكاح سعيد في طالع سعيد، وما قبل ذلك فهو زمان خطبة ورسل تمشي بين الزوجين الرجل والمرأة ووقوع الولادة على قدر زمان حمل هذين النوعين من الشجر، فمنه ما يولد في الربيع ومنه ما يولد في الصيف كما يكون حمل الحيوان يختلف زمانه باختلاف طبيعته، فإنه لا يقبل من تأثير الزمان فيه إلا بقدر ما يعطيه مزاجه وطبعه، فإذا نكح الجوّ الأرض وأنزل الماء ودبرته في رحمها آثار الأنوار الفلكية ضحكت الأرض بالأزهار وأنبتت من كل زوج بهيج وإنما كان زوجاً من أجل ما يطلبه من النكاح إذ لا يكون إلا بين الزوجين، فعين عرسه هو ما تبرزه من الأزهار، والمخلقة في النبات هو ما سلم من الجوائح وغير المخلقة ما نزلت به الجائحة ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. فهذا قد ذكرنا طرفاً من الخواتم والأعراس مجملاً من غير تفصيل لكن حصرنا الأمهات في ذلك. وأما الأسرار الأعجمية فإنما سميناها أعجمية لأن العربية من الأسرار هي التي يدركها عين الفهم صوراً كالآيات المحكمات في الكتب المنزلة فلا يعلم تأويلها إلا الله أو من أعلمه الله ليس للفكر في العلم بها دخول ولا له فيها قدم، وما يتبع استخراج السر فيها إلا الذي ذكره الله تعالى وهو الذي في قلبه زيغ أي ميل عن الحق باتباعه ما قد ذكر الله فيه أنه لا يعلم تأويله إلا الله، فمن أراد أن يعلم ذلك فلا يخض في تلك الأسرار وليتعمل في الطريق الموصلة إلى الله وهو العمل بما شرع الله له بالتقوى فإنه قال تعالى أنه ينتج لصاحبه علم الفرقان فإذا عمل به تولى الله تعليمه تلك الأسرار الأعجمية فإذا أنالها إياه صارت في حقه عربية، فيعلم ما أراد الله بها ويزول عنه فيها حكم التشابه الذي كانت توصف به قبل العلم بها لأن الله جلاها متشابهة لها طرفان في الشبه، فلا يدري صاحب النظر ما أراد منزلها بها في ٣٢٢ في المنازل/ الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم ذلك التشابه فإنه لا بد من تخليصه إلى أحد الطرفين من وجه خاص وإن جمعت بين الطرفين فلكل طرف منهما ما ليس للآخر من ذلك المخلوق أو من ذلك المنزل إن كان من صور كلام الله، فالمنزل كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وكقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤] وكقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبّلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وكقوله: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِى السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] وكقوله: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] وكقوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وأمثال هذا في الكتب المنزلة. وأما أخبار الرسل المترجمين عن الحق ما أوحى به على ألسنتهم إلينا فلا تحصى كثرة من الأمور المتشابهة فلا يتبع ذلك بعد التعريف إلا من في قلبه زيغ. وأما من يتبع الطرق الموصلة إلى الكشف عنها فما هو من أهل الزيغ بل هو من أهل الاستقامة، فالمحمدي هو المحكم من الآيات لأنه عربي والمتشابه موسوي لأنه أعجمي، فالعجمية عند أهل العجمية عربية، والعربية عند الأعاجم عجمة، وفي الألفاظ هي مستورة بالاصطلاح، وما ثم عجمة إلا في الاصطلاح والألفاظ والصور الظاهرة. وأما في المعاني فكلها عربية لا عجمة فيها، فمن ادّعى علم المعاني وقال بالشبه فلا علم له أصلاً بما ادعاه أنه علمه من ذلك فإن المعاني كالنصوص عند أهل الألفاظ لأنها بسائط لا تركيب فيها، ولولا التركيب ما ظهر للعجمة صورة في الوجود، وفي هذا المنزل من العلوم ما لا يحصى كثرة إن ذكرناها طال الأمر فيها، ولهذا المنزل السيادة على كل منزل من منازل الجمع والوجود، وقد ذكرنا حصر هذه المنازل في هذا الكتاب فيما تقدم في هذا الباب، فاعلم أن هذا المنزل هو منزل البرزخ الحقيقي، فإن البرزخ يتوسع فيه الناس وما هو كما يظنون بما هو كما عرفنا الله به في كتابه في قوله في البحرين: ﴿يَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] فحقيقة البرزخ أن لا يكون فيه برزخ وهو الذي يلتقي ما بينهما بذاته، فإن التقى الواحد منهما بوجه غير الوجه الذي يلقى به الآخر فلا بد أن يكون بين الوجهين في نفسه برزخ يفرق بين الوجهين حتى لا يلتقيان فإذاً ليس ببرزخ، فإذا كان عين الوجه الذي يلتقي به أحد الأمرين الذي هو بينهما عين الوجه الذي يلتقي به الآخر فذلك هو البرزخ الحقيقي فيكون بذاته عين كل ما يلتقي به فيظهر الفصل بين الأشياء والفاصل واحد العين، وإذا علمت هذا علمت البرزخ ما هو ومثاله بياض كل أبيض هو في كل أبيض بذاته ما هو في أبيض ما بوجه منه ولا في أبيض آخر بوجه آخر بل هو بعينه في كل أبيض، وقد تميز الأبيضان أحدهما عن الآخر وما قابلهما البياض إلا بذاته، فعين البياض واحد في الأمرين، والأمر أن ما هو كل واحد عين الآخر فهذا مثال البرزخ الحقيقي، وكذلك الإنسانية في كل إنسان بذاتها، فالواحد هو البرزخ الحقيقي وما ينقسم لا يكون واحداً والواحد يقسم ولا يقسم أي ولا ينقسم في نفسه فإنه إن قبل القسمة في عينه فليس بواحد، وإذا لم يكن واحداً لم يقابل كل شيء من الأمرين اللذين يكون بينهما بذاته، والواحد معلوم أنه ثم واحد بلا شك، والبرزخ يعلم ولا يدرك ويعقل ولا يشهد. ثم إن الناس جعلوا كل شيء بين شيئين برزخاً توسعاً وإن كان ذلك الشيء المسمى ٣٢٣ في المنازل/ الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم عندهم برزخاً جسماً كبيراً أو صغيراً، لكنه لما منع أن يلتقي الأمران اللذان هو بينهما سموه برزخاً، فالجوهران اللذان يتجاوران ولا ينقسم كل واحد منهما عقلاً ولا حساً لا بد من برزخ يكون بينهما، وتجاور الجوهرين تجاور أحيازهما وليس بين أحيازهما حيز ثالث ليس فيه جوهر، وبين الحيزين والجوهرين برزخ معقول بلا شك هو المانع أن يكون عين كل جوهر عين الآخر وعين كل حيز عين الآخر فهو قد قابل كل جوهر وكل حيز بذاته، من عرف هذا عرف حكم الشارع إذ قال إن الله خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء مع حصول النجاسة فيه بلا شك. ولكن لما كانت النجاسة متميزة عن الماء بقي الماء طاهراً على أصله إلا أنه يعسر إزالة النجاسة منه، فما أباح الشارع من استعمال الماء الذي فيه النجاسة استعملناه، وما منع من ذلك امتنعنا منه لأمر الشرع، مع عقلنا أن النجاسة في الماء وعقلنا أن الماء طهور في ذاته لا ينجسه شيء، فما منعنا الشارع من استعمال الماء الذي فيه النجاسة لكونه نجساً أو تنجس، وإنما منعنا من استعمال الشيء النجس لكوننا لا نقدر على فصل أجزائه من أجزاء الماء الطاهر، فبين النجاسة والماء برزخ مانع لا يلتقيان لأجله ولو التقيا لتنجس الماء فاعلم ذلك. ألا ترى الصور التي في سوق الجنة كلها برازخ تأتي أهل الجنة إلى هذا السوق من أجل هذه الصور وهي التي تتقلب فيها أعيان أهل الجنة، فإذا دخلوا هذا السوق فمن اشتهى صورة دخل فيها وانصرف بها إلى أهله كما ينصرف بالحاجة يشتريها من السوق فقد يرى جماعة صورة واحدة من صور ذلك السوق فيشتهيها كل واحد من تلك الجماعة فعين شهوته فيها التبس بها ودخل فيها وحازها فيحوزها كل واحد من تلك الجماعة، ومن لا يشتهيها بعينه واقف ينظر إلى كل واحد من تلك الجماعة قد دخل في تلك الصورة وانصرف بها إلى أهله والصورة كما هي في السوق ما خرجت منه فلا يعلم حقيقة هذا الأمر الذي نص عليه الشرع ووجب به الإيمان إلا من علم نشأة الآخرة وحقيقة البرزخ، وتجلى الحق في صور متعددة يتحوّل فيهن من صورة إلى صورة والعين واحدة فيشهد بصراً تحوّله في صور ويعلم عقلاً أنها ما تحوّلت قط فكل قوّة أدركت بحسب ما أعطتها ذاتها والحق في نفسه صدق العقل في حكمه وصدق البصر في حكمه ثم له علم بنفسه ما هو عين ما حكم به العقل عليه ولا هو عين ما حكم به شهود البصر عليه ولا هو غير هذين، بل هو عين ما حكما به، وهو ما علمه الحق من نفسه مما لم يعلمه هذان الحاكمان، فسبحان العليم القدير قدر وقضى وحكم وأمضى ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] في كل معبود وأين أبين من تحوّله في صور المعبودات ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٦] ثم شرع لنا أن لا نعبده في شيء منها وإن علمنا أنه عينها وعصى من عبده في تلك الصور وجعله مشركاً وحرم على نفسه المغفرة فوجبت المؤاخذة في المشرك ولا بد ثم بعد ذلك ترتفع المؤاخذة وما ارتفعت إلا لجهله بصورة ما عنده في الشريك بنفي تلك الصفة في الآخرة عن الشريك فلذلك عوقب ولذلك شملته الرحمة بعد العقوبة وإن لم يخرج من النار والعالم منا هنا بصورة ما عبده المشرك ما تزحزح عن علمه في الدنيا ولا في الآخرة لأنه لم تقع عينه في الدنيا ولا تعلق علمه إلا على المعبود في تلك الصورة، والمشرك لم يكن حاله ٣٢٤ في المنازل/ الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم كذلك وإنما كان حاله شهوداً لصورة فرجع المشرك عنها في الآخرة ولم يرجع العالم فلو رجع لكان من الجاحدين فلا يصح له أن يرجع: [البسيط] إلا الذي شاهد الأعيانَ والصُّوَرَا فالشّرْكُ باقٍ ولكن ليس يَعْلَمُهُ يقول بالشّكْرٍ فيه صَدَّقَ الخَبْرَا فمن يقول بتَوْحِيدٍ أصاب ومَنْ في عين عابده عَين ولا أَثَرَا إنّ الشريكَ لَمَعْدُومٌ وليس له وفي هذا المنزل من العلوم علم لا يعلمه نبي ولا ولي كان قبل هذه الأمة اختص بعلمه هذا الرسول محمد 18 وهذه الأمة المحمدية، فالكامل من هذه الأمّة حصل له هذا المقام ظاهراً وباطناً، وغير الكامل حصل له ظاهراً أو باطناً ولم يكمل له ولكن شمله لكونه من الأمة أمة محمد وَلّر، ولا يكاثر من أمّته إلا بالمؤمنين منهم صغيراً كان المؤمن أو كبيراً، فإن الذرية تابعة للآباء في الإيمان ولا يتبعونهم في الكفر إن كان الآباء كفاراً ولكن تعزل كفار كل أمة بمعزل عن كفار الأمّة الأخرى، فإن العقوبة تعظم بعظم من كفر به هذا هو المعهود، إلا كفار هذه الأمة فإنهم أخف الناس عذاباً لكون من كفرت برسالته التي أرسله الله بها رحمة للعالمين، وقد أبان الله ذلك في الدنيا وجعله عنوان حكم الآخرة وذلك أن رسول الله محمداً ◌َليل لما اشتد قيامه في الله وغيرته على الحق في قصة رعل وذكوان وعصية جعل يدعو عليهم في كل صلاة شهراً كاملاً وهو القنوت فأوحى الله تعالى إليه في ذلك لما علم من إجابته إياه إذا دعاه في أمر فنهاه عن الدعاء عليهم إبقاء لهم ورحمة بهم فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أي لترحمهم فإنه مرسل إلى جميع الناس كافة ليرحمهم بأنواع وجوه الرحمة، ومن وجوه الرحمة أن يدعو لهم بالتوفيق والهداية وقد صح عنه وَّر أنه كان يقول: ((اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) ونهى عن الدعاء عليهم، فإذا كان من أشرك به يعتب رسوله رَّ في الدعاء عليهم فكيف يكون فعله فيهم إذا تولى سبحانه الحكم فيهم بنفسه وقد علمنا أنه تعالى ما ندبنا إلى خلق كريم إلا كان هو أولى به، فمن هنا يعلم ما حكمه في المشركين يوم القيامة من أمة محمد وَلّ وإن أخذهم الله بالشرك في الآخرة إذ لا بد من المؤاخذة، ولكن مؤاخذته إياهم فيها لطف إلهي لا يستوي فيه مشرك غير هذه الأمة بمشركها أعرف ذلك اللطف ولا أصرح به كما ذكر ◌َ ◌ّ فيمن أصابتهم النار من هذه الأمة بذنوبهم بل من الأمم: ((إنَّ اللهَ يُمِيتُهُمْ فِيهَا إِمَاتَةً)) الحديث وقد مر في هذا الكتاب خرجه مسلم في صحيحه، وقد رميت بك على الطريق لتعلم حكم الله في هذه الأمة المحمدية مؤمنها والكافر بها، فإن كفر الكافر منها لا يخرجه عن الدعوة فله أو عليه حكمها ولا بد فهم خير أمة أخرجت للناس المؤمن منهم بإيمانه والكافر منهم بكفره هما خير من كل مؤمن من غير هذه الأمة وكافر، وهذا الذي ذكرناه في هذا المنزل بالنظر إلى ما يحويه من العلوم جزء من ألف جزء بل من آلاف، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . في المنازل/ الباب الثالث والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العظمة الجامعة للعظمات المحمدية ٣٢٥ الباب الثالث والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العظمة الجامعة للعظمات المحمدية [نظم: البسيط] وإِنْ تَعَاظَمْتَ جَلَّتْ ذاتُه فَعَلَا إِنّ العَظِيمَ إذا عَظَّمْتَهُ نَزَلا من باب غِيرَتِهِ وَهْوَ الذِي فَعَلَاً فَهْوَ الذي أبْطَلَ الأكوانَ أجْمَعَهَا قد جاوز الملأ العُلْوِيّ والرُّسُلاَ وليس يُذْركُ ما قلنا سوى رَجُلٍ وهَامَ فيمَنْ يَظُنُّ الخَلْقُ أجْمَعُهُ ذاك الرسولُ رسولُ الله أحْمَدُنا تَخْصِيلَهُ وَسَهَا عِن نَفْسِهِ وَسَلَا ربّ الوسيلة في أوصافه كَمُلاَ اعلم أن لهذا المنزل أربعة عشر حكماً: الأوّل يختص بصاحب الزمان والثاني والثالث يختص بالإمامين. والرابع والخامس والسادس والسابع يختص بالأوتاد. والثامن والتاسع والعاشر والأحد عشر والاثنا عشر والثالث عشر والرابع عشر يختص بالأبدال، وبهذه الأحكام يحفظ الله عالم الدنيا، فمن علم هذا المنزل علم كيف يحفظ الله الوجود على عالم الدنيا ونظيره من الطب علم تقويم الصحة، كما أنه بالأبدال تنحفظ الأقاليم وبالأوتاد ينحفظ الجنوب والشمال والمغرب والمشرق، وبالإمامين ينحفظ عالم الغيب الذي في عالم الدنيا وعالم الشهادة وهو ما أدركه الحس، وبالقطب ينحفظ جميع هؤلاء فإنه الذي يدور عليه أمر عالم الكون والفساد، وهؤلاء على قلب أربعة عشر نبياً وهم آدم، وإدريس، ونوح، وإبراهيم، ويوسف، وهود، وصالح، وموسى، وداود، وسليمان، ويحيى، وهارون، وعيسى، ومحمد سلام الله عليهم وعلى المرسلين والحمد لله رب العالمين. ولكل واحد ممن ذكرنا طريق يخصه وعلم ينصه وخبر يقصه ويرثه من ذكرناه ممن ليست له نبوّة التشريع وإن كانت له النبوّة العامة، فلنذكر من ذلك ما تيسر فإنه يطول الشرح فيه ويتفرع إلى ما لا يكاد أن ينحصر، ولهم من الأسماء الإلهية: الله، والرب، والهادي، والرحيم، والرحمن، والشافي، والقاهر، والمميت، والمحيي، والجميل، والقادر، والخالق، والجواد، والمقسط، كل اسم إلهيّ من هذه ينظر إلى قلب نبيّ ممن ذكرنا، وكل نبيّ يفيض على كل وارث، فالنبيّ كالبرزخ بين الأسماء والورثة ولهم من حروف المعجم حروف أوائل السور وهي: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون، وهذا لهم من حيث الإمداد الإلهيّ الذي يأتيهم في قلوبهم. وإنما الذي يأتيهم من الحروف في صور خيالهم بالإمدار أيضاً فالدال، فالذال، والعين، والنون، والصاد، والراء، والألف، والطاء، والحاء، والواو، والضاد، والغين، واللام، والميم، والتاء، والكاف، والباء، والسين، والقاف، والياء، والهاء، والحرف المركب من لام ألف الذي هو للحروف بمنزلة الجوهر، وهذه الحروف من عالم الأنفاس الإلهية، وما تركب من الكلمات من هذه الحروف خاصة مما وقع عليها ٣٢٦ في المنازل/ الباب الثالث والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العظمة الجامعة للعظمات المحمدية الاصطلاح في كل لسان بما تكون به الفائدة في ذلك اللسان، فإن تلك الكلمات لها على ما قيل لي خواص في العالم ليست لسائر الكلم. وأما الأرواح النورية فعين لهؤلاء الأنبياء منهم أربعة عشر روحاً من أمر الله ينزلون من الأسماء التي ذكرناها الإلهية على قلوب الأنبياء وتلقيها حقائق الأنبياء عليهم السلام على قلوب من ذكرناه من الورثة، ويحصل للفرد الواحد من الأفراد وراثة الجماعة المذكورة، فيأخذون علم الورث من طريق المذكورين من الأرواح الملكية والأنبياء البشريين، ويأخذون بالوجه الخاص من الأسماء الإلهية علوماً لا يعلمها من ذكرناه سوى محمد و لو فإن له هذا العلم كله لأنه أخبر أنه قد علم علم الأوّلين وعلم الآخرين . اعلم أن الله كنوزاً في الطبيعة التي تحت العرش العماء اكتنز فيها أموراً فيها سعادة العباد كاختزان الذهب في المعدن، وصور هذه الكنوز صور الكلمات المركبة من الحروف اللفظية فلا تظهر إذا أراد الله إظهارها إلا على ظهر أرض أجسام البشر على ألسنتهم وإنفاقها والانتفاع بها عين التلفظ بها مثل قول الإنسان: لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم. فهذه الكلمات من الكنوز المنصوص عليها من الله على لسان رسوله وَلّه، وأول ما أظهرها الله تعالى على لسان آدم عليه السلام فهو أوّل من أنفق من هذا الكنز في الطواف بالكعبة حين أنزله جبريل فطاف به بالكعبة فسأله: ما كنتم تقولون في طوافكم بهذا البيت؟ فقال جبريل عليه السلام: كنا نقول في طوافنا بهذا البيت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فأعطى الله آدم وبنيه من حيث لا تعلمه الملائكة كلمة لا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، فقال آدم لجبريل عليهما السلام: وأزيدكم أنا لا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، فبقيت سنة في الذكر في الطواف لبنيه ولكل طائف به إلى يوم القيامة، فأخبر رسول الله وَ لير أن هذه الكلمة أعطيها آدم عليه السلام من كنز من تحت العرش، فالكنوز المكتنزة تحت العرش إنما هي مكتنزة في نشأتنا، فإذا أراد الله إظهار كنز منها أظهره على ألسنتنا وجعل ذلك قربة إليه فإنفاقه النطق به، وهكذا جميع ما اكتنزه مما فيه قربة وما ليس بقربة فما هو مكتنز بل يخلق في الوقت في لسان العبد وكانت صورة اختزانه إذ لا يختزن إلا أمر وجودي أن الله لما أراد إيجاد هذا المكتنز تجلى في صورة آدمية ثم تكلم بهذا الأمر الذي يريد أن يكتنزه لنا أو لمن شاء من خلقه، فإذا تكلم به أسمعه ذلك المكان الذي يختزنه فيه فيمسك عليه، فإذا أنشأ الله ذلك المكان صورة ظهر هذا الكنز في نطق تلك الصورة فانتفع بظهوره عند الله ثم لم يزل ينتقل في ألسنة الذاكرين به دائماً أبداً ولم يكن كنزاً إلا فيمن ظهر منه ابتداء لا في كل من ظهر منه بحكم الانتقال والحفظ، وهكذا كل من سن سنة حسنة ابتداء من غير تلقف من أحد مخلوق إلا من الله إليه، فتلك الحسنة كنزاً اكتنزها الله في هذا العبد من الوجه الخاص ثم نطق بها العبد لإظهارها كالذي ينفق ماله الذي اختزنه في صندوقه فهذا صورة الاكتناز إن فهمت، فلا يكون اكتنازاً إلا من الوجه الخاص الإلهيّ وما عدا ذلك فليس باكتناز، فأول ناطق به هو محل الاكتناز الذي اكتنزه الله فيه وهو في حق من تلقفه منه ذكر مقرّب كان موصوفاً بأنه كنز فهذه كلها رموزه لأنها كلها كنوزه. في المنازل/ الباب الثالث والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العظمة الجامعة للعظمات المحمدية ٣٢٧ وبعد أن أعلمتك بصورة الكنز والاكتناز وكيفية الأمر في ذلك لتعلم ما أنت كنز له أي محل لاكتنازه مما لست بمحل له إذا تلقنته أو تلقفته من غيرك فتعلم عند ذلك حظك من ربك وما خصك به من مشارب النبوّة، فتكون عند ذلك على بينة من ربك فيما تعبده به، ولا تكون فيما أنت محل لاكتنازه وارثاً بل تكون موروثاً فتحقق ما ترثه وما يورث منك. ومن هذا الباب مسألة بلال الذي نص عليها لنا رسول وَّر في قوله: ((بم سَبَقْتَني إلى الجَنَّة؟)) يستفهمه إذ علم أن السبق له * فلما ذكر له ما نص لنا قال بهما أي بتينك الحالتين فمن عمل على ذلك كان له أجر العمل ولبلال أجر التسنين وأجر عملك معاً، فهذا فائدة كون الإنسان محلاً للاكتناز، وأما تسنين الشر فليس باكتناز إلهيّ وإنما هو أمر طبيعي، فإن النبي وَل# يقول معلماً لنا: ((وَالخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ)) أي أنت الذي اكتنزته في عبادك فهو بجعلك فيهم واختزانك ولذلك يكون قربة إليك العمل به ثم قال: ((وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ)) أي لم تختزنه في عبادك وهو قوله تعالى: ﴿َّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَيْنَ اللهِّ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَبِّئَةٍ فَنِ نَّفْسِكٌ﴾ [النساء: ٧٩] فأضاف السوء إليك والحسن إليه، وقوله صدق وإخباره حق. وأما قوله: ﴿قُلْ كُلُّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] أي التعريف بذلك من عند الله والحكم بأن هذا من الله وهذا من نفسك وهذا خير وهذا شر، هذا معنى كل من عند الله، ولهذا قال في حق من جهل الذي ذكرناه منهم ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] أي ما لهم لا يفقهون ما حدثتهم به فإني قد قلت: ﴿مَّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَيْنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَتِ فَنِ نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] فرفعت الاحتمال أو نصصت على الأمر بما هو عليه، فلما قلت: ﴿كُلُّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] يعلم العالم بالله أني أريد الحكم والإعلام بذلك أنه من عند الله لا عين السوء، ولما علم ذلك رسول الله بَّه قال: ((وَالخَيْرُ ، فَأَلْحَمَهَا ◌ُورَهَا﴾ أنه كُلَّهُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ)) وكذلك قوله تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنهَا فجور ﴿ وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨] أنه تقوى ليفصل بين الفجور والتقوى إذ هي محل لظهور الأمرين فيها، فربما التبس عليها الأمر وتخيلت فيه أنه كله تقوى فعلمها الله فيما ألهمها ما يتميز به عندها الفجور من التقوى ولذا جاء بالإلهام ولم يجىء بالأمر، فإن الله لا يأمر بالفحشاء والفجور فحشاء فالذكر للأصل وهو القطب والتحميدان أعني تحميد السراء والضراء، لما انقسم التحميد بلسان الشرع بين قوله في السراء الحمد لله المنعم المفضل وبين قوله في الضراء الحمد لله على كل حال وما له في الكون إلا حالة تسر أو حالة تضر ولكل حالة تحميد، فقسمها كذا على الإمامين فهؤلاء ثلاثة قد بينت مراتبهم. ولما كانت الجهات التي يأتي منها الشيطان إلى الإنسان أربعة وهي قوله تعالى لنا في كتابه عن إبليس: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلِفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِمْ وَعَنْ شَيْلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] وقام على كل جهة من هذه الجهات من يحفظ إيمانه منها جعل الأوتاد أربعة للزومهم هذه الجهات لكل وتد جهة أي الغالب عليه حفظ تلك الجهة خاصة وإن كان له حفظ لسائر الجهات كأفرضكم زيد وأقضاكم علي، وكالجماعة تحمل ما لا يقدر الواحد على حمله إذا انفرد به، فلكل واحد من الجماعة قوة في حمله، وأغلب قوته حمل ما يباشره من ذلك المحمول، ٣٢٨ في المنازل/ الباب الثالث والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العظمة الجامعة للعظمات المحمدية فلولا الجماعة ما انتقل هذا المحمول لأن كل واحد واحد لا يقدر على حمله فبالمجموع كان الحمل كذلك هذا الأمر فهذه سبعة. وأما الأبدال فلهم حفظ السبع الصفات في تصريف صاحبها لها إذ لها تصرّف في الخير وتصرّف في الشرّ فتحفظ على صاحبها تصريف الخير وتقيه من تصريفها في الشر، فهذه جملة الأربعة عشر التي ذكرناها لقوم يعقلون من المؤمنين إذا أنصفوا، ومن حصل له حفظ ما ذكرناه فذلك المعصوم وتلك العصمة ما ثم غير هذين في الظاهر والباطن ﴿وَاَللَّهُ بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وإذا علمت هذا وانفتح لك مقفله مشيت لكل واحد من الذي عينا لك على ما له مما ذكرناه من الأسماء الإلهية والحروف الرقمية المعينة والأفهام الموروثة من النبيين المذكورين والأرواح النورية فيحصل لك ذوقاً جميع ما ذكرناه وكشفاً لمعناه فلا تغفل عن استعماله. وفي هذا المنزل من العلوم: علم الأذكار المقربة إلى الله تعالى. وعلم الأسماء الإلهية. وعلم اختصاص الرحمة وشمولها. وعلم الأسماء المركبة التي لله. وعلم عواقب الأمور. وعلم العالم. وعلم مراتب السيادة في العالم. وعلم الثناء بالثناء. وعلم الملك والملكوت. وعلم الزمان. وعلم الجزاء. وعلم الاستناد. وعلم التعاون. وعلم العبادة. وعلم البيان والتبيين. وعلم طرق السعادة. وعلم النعمة والمنعم والإنعام. وعلم أسباب الطرد عن السعادة التي لا يشوبها شقاء. وعلم الحيرة والمتحيرين. وعلم السائل والمجيب. وعلم التعريف بالذات والإضافة وأي التعريفين أقوى؟ هذه أمهات العلوم التي يحوي عليها هذا المنزل، وكل علم منها فتفاصيله لا تنحصر إلا لله تعالى أي يعلم مع علمه بها أنها لا تنحصر لأنها لا نهاية لها، ومنها تقع الزيادة في العلم لمن طلبها ومن أعطيها من غير طلب وهو قوله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فإن تناهى العلم في نفسه فإن المعلوم لا ينتهي: [السريع] بالانْتِهَا فيه فلم تَنْتَهِ وقد نَهَيْتُ النَّفْسَ عن قولها لذاك قالت إنّه يَنْتهي لجَهْلِهَا بالأمر في نفسه بمَكَّةَ يَجُولُ في مَهْمَهِ وقد رأينا نَفَراً مِنْهُمُ فانْحَازَ ذو اللُّبِّ من الأبْلَهِ قد حَكَمَتْ أوهامُهُمْ فِيهِمُ واعلم أن عالم الإنسان لما كان ملكاً لله تعالى كان الحق تعالى ملكاً لهذا الملك بالتدبير فيه وبالتفصيل ولهذا وصف نفسه تعالى بأن ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [الفتح: ٤] وقال: ﴿وَمَا يَقْلَمُ جُنُدَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] فهو تعالى حافظ هذه المدينة الإنسانية لكونها حضرته التي وسعته وهي عين مملكته، وما وصف نفسه بالجنود والقوّة إلا وقد علم أنه تعالى قد سبقت مشيئته في خلقه أن يخلق له منازعاً ينازعه في حضرته ويثور عليه في ملكه بنفوذ مشيئته فيه وسابق علمه وكلمته التي لا تتبدل سماه الحارث وجعل له خيلاً ورجلاً وسلطه على هذا الإنسان، فأجلب هذا العدو على هذا الملك الإنساني بخيله ورجله ووعده بالغرور بسفراء خواطره التي تمشي بينه وبين الإنسان، فجعل الله في مقابلة أجناده أجناد ملائكته، فلما تراءى الجمعان وهو في قلب جيشه جعل له ميمنة وميسرة وتقدمة وساقة وعرفنا الله بذلك لنأخذ في المنازل/ الباب الثالث والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العظمة الجامعة للعظمات المحمدية ٣٢٩ حذرنا منه من هذه الجهات فقال الله تعالى لنا: إنه قال هذا العدو: ﴿ثُمَّ لَاَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِ يِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَمَايَلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] وهو في قلب جيشه في باطن الإنسان، فحفظ الله هذا الملك الإنساني بأن كان الله في قلب هذا الجيش وهذا العسكر الإنساني في مقابلة قلب جيش الشيطان، وجعل على ميمنته الاسم الرب، وعلى ميسرته الاسم الملك، وعلى تقدمته الاسم الرحمن، وفي ساقته الاسم الرحيم، وجعل الاسم الهادي يمشي برسالة الاسم الرحمن الذي في المقدمة إلى هذا الشيطان وما هو شيطان الجان وإنما أعني به شيطان الإنس فإن الله يقول: ﴿شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقال: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾ [الناس] فإن شياطين الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ الإنس لهم سلطان على ظاهر الإنسان وباطنه، وشياطين الجن هم نواب شياطين الإنس في بواطن الناس، وشياطين الجن هم الذين يدخلون الآراء على شياطين الإنس ويدبرون دولتهم فيفصلون لهم ما يظهرون فيها من الأحكام، ولا يزال القتال يعمل على هذا الإنسان المؤمن خاصة فيقاتل الله عنه ليحفظ عليه إيمانه، ويقاتل عليه إبليس ليرده إليه ويسلب عنه الإيمان ويخرجه عن طريق سعادته حسداً منه، فإنه إذا أخرجه تبرأ منه وجثا بين يدي ربه الذي هو مقدم صاحب الميمنة، ويجعله سفيراً بينه وبين الاسم الرحمن، وعرفنا الله بذلك كله لنعرف مكايده، فهو يقول للإنسان بما يزين له اكفر فإذا كفر يقول له: ﴿إِنِّ بَرِىٌّ مِنْكَ إِنَّّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها، لأن الكفر هنا هو الشرك وهو الظلم العظيم ولذلك قال: ﴿وَذَلِكَ جَزََّؤُأَ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٧] يريد المشركين فإنهم ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمْنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] وفسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قاله لقمان لابنه: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فعلمنا بهذا التفسير أن الله أراد بالإيمان هنا في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوَّأْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] أنه الإيمان بتوحيد الله لأن الشرك لا يقابله إلا التوحيد، فعلم النبي ◌َّ ما لم تعلمه الصحابة، ولهذا ترك التأويل من تركه من العلماء ولم يقل به واعتمد على الظاهر وترك ذلك الله إذ قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] فمن أعلمه الله بما أراده في قوله علمه بإعلام الله لا بنظره ومن رحمة الله بخلقه أنه غفر للمتأولين من أهل ذلك اللسان العلماء به إذا أخطؤوا في تأويلهم فيما تلفظ به رسولهم إما فيما ترجمه عن الله وإما فيما شرع له أن يشرعه قولاً وفعلاً. وليس في المنازل الإلهية كلها على كثرتها ما ذكرنا منها في هذا الكتاب وما لم نذكر من يعطي الإنصاف ويؤدي الحقوق ولا يترك عليه حجة الله ولا لخلقه، فيوفي الربوبية حقها والعبودية حقها وما ثم إلا عبد ورب إلا هذا المنزل خاصة، هكذا أعلمنا الله بما ألهمه أهل طريق الله الذي جرت به العادة أن يعلم الله منه ورثة أنبيائه وهو منزل غريب عجيب أوله يتضمن كله وكله يتضمن جميع المنازل كلها، وما رأيت أحداً تحقق به سوى شخص واحد مكمل في ولايته لقيته بإشبيلية وصحبته وهو في هذا المنزل وما زال عليه إلى أن مات رحمه الله وغير هذا الشخص فما رأيته مع أني ما أعرف منزلاً ولا نحلة ولا ملة إلا رأيت قائلاً بها ٣٣٠ في المنازل/ الباب الثالث والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العظمة الجامعة للعظمات المحمدية ومعتقداً لها ومنصفاً بها باعترافه من نفسه، فما أحكى مذهباً ولا نحلة إلا عن أهلها القائلين بها وإن كنا قد علمناها من الله بطريق خاص، ولكن لا بد أن يرينا الله قائلاً بها لنعلم فضل الله عليّ وعنايته بي حتى أني أعلمت أن في العالم من يقول بانتهاء علم الله في خلقه وأن الممكنات متناهية وأن الأمر لا بد أن يلحق بالعدم والدثور ويبقى الحق حقاً لنفسه ولا عالم، فرأيت بمكة من يقول بهذا القول وصرح لي به معتقداً له من أهل السوس من بلاد الغرب الأقصى حج معنا وخدمنا وكان يصر على هذا المذهب حتى صرح به عندنا وما قدرت على رده عنه ولا أدري بعد فراقه إيانا هل رجع عن ذلك أو مات عليه، وكان لديه علوم جمة وفضل إلا أنه لم يكن له دين وإنما كان يقيمه صورة عصمة لدمه هذا قوله لي ويعطيه مذهبه، وليس في مراتب الجهل أعظم من هذا الجهل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى السفر السابع والعشرون بانتهاء الباب الثالث والثمانين وثلاثمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل. بِسْمِ اللهِ الرَّغَنِ الرَّحِيمَةِ [السفر الثامن والعشرون] الفصل الخامس في المنازلات وهو من سرّ قوله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآبٍ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] وهو من الحضرة المحمدية الباب الرابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة المنازلات الخطابية [نظم: مخلَّع البسيط] حَقَائِقَ الحَقِّ والعِبَادِ مُنَازلاتُ العُلُومِ تُبْدي ولا جدالٍ ولا عِنَادِ بلا تَغَالٍ ولا مِرَاءٍ يَهْدِي إلى الغَيِّ والرَّشَادِ فقُلْ لعَقْلِيَ أقْصِرْ فَنَقْلي وبَعْضُ فِكْرِي إلى فَسَادِ فكُلُّ ذِكري إلى صلاح للسيّد الواهب الجوادِ فأنفعُ العِلْمِ عِلْمُ فَقْري اعلم أيدك الله وإيانا أن المنازلة فعل فاعلين هنا وهي تنزل من اثنين كل واحد يطلب الآخر لينزل عليه أو به كيف شئت فقل، فيجتمعان في الطريق في موضع معين فتسمى تلك منازلة لهذا الطلب من كل واحد، وهذا النزول على الحقيقة من العبد صعود، وإنما سميناه نزولاً لكونه يطلب بذلك الصعود النزول بالحق قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِّمُ اُلَيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فهو براقه الذي يسري به إليه وينزل به عليه، ويقول تعالى في حق نفسه على ما ذكره رسول الله وَ﴿ عنه فقال: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيا كُلَّ لَيْلَةٍ)) الحديث بطوله فوصفه بالنزول إلينا، فهذا نزول حق لخلق ومنا نزول خلق لحق لأنه لا يتمكن لنا أن يكون لنا العلو والكبرياء والغنى عنه، فلنا صفة الصغار والفقر إليه، وله صفة الغنى والكبرياء: [مخلع البسيط] وكلّنا لديه صَغِيرُ فكُلُّنا إليه فَقِيرُ وكلنا نراه سوانـا وهو الغنيُّ عنَّا الكبيرُ إلا أنا فإنّي أراه عيني وإنّني لَخَبِيرُ إلى غناهُ عبدٌ فَقِيرُ وبعد أن علمت ذا قلت إني وعلى الحقيقة فبنا ننزل عليه، وبننا ينزل علينا، ولولا ذلك ما علمنا ما يقول في خطابه لنا فإنه الغني الحميد، وعلى حقيقة الحقيقة فيه ننزل عليه وبه ينزل علينا، وسواء كانت منازلة ٣٣١ ٠ ٣٣٢ في المنازلات/ الباب الرابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة المنازلات الخطابية أو نزولاً تاماً فيكون المتكلم والسامع فهو يعلم ما يقول فإنه سمع من كان هذا مقامه فما سمع كلامه غيره، ولما كان هو الأصل لم نكن إلا به، فإن الفرع بصورة الأصل يخرج وفيها يظهر الثمر أعني في الفروع وتحصل الفوائد كما هي محل الحوائج فما ثم إلا هو: [مخلع البسيط] ما كان لي عليك دَلِيلٌ لو كان لي إليكَ سَبِيلُ وإنّني العُبَيْدُ الذَّليلُ لذاك أنت رَبُّ عزيز في منزل عَلِيٍّ يَهُولُ عجبتُ من إلهٍ وعَبْدٍ بأنه ونحن عَدِيلُ إضافةً وحَرْفَيْ شُمُولٍ كَوْنّ فقلتُه إذ يَقولُ الله قاله لم يَقُلْهُ ومن ذلك : [مجزوء الرجز] لا بُدَّ مِنْهُ وكَفَى هَذا هُوَ الأَمْرُ الَّذي كُنْتَ به مُتَّصِفَا فاعْمَلْ على قَوْلي إذا وكُنْ إذا نَاظَرَكَ الــ فَأَنْتَ إِنْ خَالَفْتَهُ حَقُّ عَلَيْهِ مُنْصِفَا كُنْتَ بها على شَفَا واعلم أن الحق لا يكلم عباده ولا يخاطبهم إلا من وراء حجاب صورة يتجلى لهم فيها تكون له تلك الصورة حجاباً عنه ودليلاً عليه، كالصورة الظاهرة الجسدية من الإنسان إذا أرادت النفس الناطقة أن تكلم نفساً أخرى كلمتها من وراء حجاب صورة جسدها بلسان تلك الصورة ولغتها مع كون النفس مخلوقة وأمرها كما ذكرناه فكيف بالخالق؟ فلا يشهد المنازل في المنازلات الخطابية إلا صور عنها تأخذ ما تترجم له عنه من الحقائق والأسرار وهي السنة الفهوانية وحد المنازلات من العماء إلى الأرض وما بينهما، فمهما فارقت الصورة العماء وفارقت الصورة الإنسانية الباطنة الأرض ثم التقتا فتلك المنازلة، فإن وصلت إلى العماء أو جاءها الأمر إلى الأرض فذلك نزول لا منازلة، والمحل الذي وقع فيه الاجتماع منزل، وتسمى هذه الحضرة التي منها يكون الخطاب الإلهي لمن شاء من عباده حضرة اللسن، ومنها كلم الله تعالى موسى عليه السلام، ألا تراه تجلى له في صورة حاجته؟ ومنها أعطى رسول الله ◌َّير جوامع الكلم، فجمع له في هذه الحضرة صور العالم كلها، فكان علم أسماء هذه الصور علم آدم عليه السلام وأعيانها لمحمد وَلّ مع أسمائها التي أعطيت لآدم عليه السلام، فإن آدم من الأوّلين الذي أعطى الله محمداً وَلّ علمهم حين قال عن نفسه أنه أعطاه الله علم الأولين والآخرين. ومنها آتى الله تعالى داود عليه السلام الحكمة وفصل الخطاب وجميع الصحف والكتب المنزلة من هذه الحضرة صدرت. ومنها أملى الحق على القلم الأعلى ما سطره في اللوح المحفوظ وكلام العالم كله غيبه وشهادته من هذه الحضرة والكل كلام الله فإنها الحضرة الأولى، فإن الممكنات أول ما لها من الله تعالى في إيجادها قول : ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] ففتق الأسماع من الممكنات هذا الخطاب: وآخر دعواهم في الجنة الحمد ٣٣٣ في المنازلات / الباب الرابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة المنازلات الخطابية لله رب العالمين عند قول الله لأهل الجنة)). ((رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبداً)). ولولا نفس الرحمن ما ظهرت أعيان الممكنات الكلمات . واعلم أن الحركات كانت ما كانت لا تكون إلا من متحرك في شيء عن قصد من المحرك كان المحرّك نفسه أو غيره فتحدث الصور عن حركته لا بل عن تحركه فيما تحرك فيه بحسب قصده، فتتشكل الصور بحسب الموطن وبالقصد الذي كان من المحرك، كالحروف في النفس الخارج من الإنسان إذا قصد إظهار حرف معين لإيجاد عينه في موطنه الذي هو له انفتحت صورة الحرف في ذلك الموطن، فعين لذلك الحرف اسماً يخصه يتميز به عن غيره إذا ذكر كما تتميز صورته عن صورة غيره إذا حضر وذلك بحسب امتداد النفس، ثم إذا قصد إظهار كلمة في عينها قصد عند إظهار أعيان الحروف في نفسه إظهار حروف معينة لا يظهر غيرها فينضم في السمع بعضها إلى بعض فتحدث في السمع الكلمة وهي نسبة ضم تلك الحروف ما هي أمر زائد على الحروف إلا أنها نسبة جمعها، فتعطي تلك الجمعية صورة لم تكن الحروف مع عدم هذه النسبة الجمعية تعطيها، فهذا تركيب أعيان العالم المركب من بسائطه، فلا تشهد العين إلا مركباً من بسائط، والمركب ليس بأمر زائد على بسائطه إلا نسبة جمع البسائط، وإنما ذكرنا هذا حتى تعلم أن ما تشهده العين والتركيب في أعيان هذه الحروف لا يتناهى فلذلك لا تنفد كلمات الله، فصور الكلمات تحدث أي تظهر دائماً فالوجود والإيجاد لا يزال دائماً. فاعلم أيها المركب من أنت وبماذا تركبت وكيف لا تظهر لعينك في بسائطك وظهرت لعينك في تركيبك؟ وما طرأ أمر وجودي إلا نسبة تركيب تحكم عليه بأمر لم تكن تحكم به قبل التركيب فافهم، أنشأ صورة ﴿كُنْ﴾ من النفس ثم الكائنات عن ﴿كُنْ﴾ فما أظهرت إلا كلمات كلها عن ﴿كُنْ﴾ وهي لفظة أمر وجودي، فما ظهر عنها إلا ما يناسبها من حروف مركبة تجتمع مع كن في كونها كلمة فما أمره يعني إلا واحدة وهو قوله: ﴿كُنْ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُنَّ إِلَّا وَحِدَةُ﴾ [القمر: ٥٠] وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنَّ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ذلك الشيء في عينه، فيتصف ذلك المكوّن بالوجود بعدما كان يوصف بأنه غير موجود إلا أنه ثابت مدرج في النفس غير موجود الحرفية، فالمنازلة الأصلية تحدث الأكوان وتظهر صور الممكنات في الأعيان، فمن علم ما قلناه علم العالم ما هو ومن هو، فسبحان من أخفى هذه الأسرار في ظهورها وأظهرها في خفائها، فهي الظاهرة الباطنة والأولى والآخرة لقوم يعقلون: [البسيط] والعَيْنُ واحدةٌ والحُكْمُ للنَّسَبِ والعَيْنُ ظاهرةٌ والكَوْنُ للسَّبَبِ قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْنَ﴾ فنفى ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ فأثبت عين ما نفى ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧] فنفى عين ما أثبته فصار إثبات الرمي وسطاً بين طرفي نفي، فالنفي الأوّل عين النفي الآخر، فمن المحال أن يثبت عين الوسط بين النفيين لأنه محصور فيحكم عليه الحصر، ولا سيما والنفي الآخر قد زاد على النفي الأوّل بإثبات الرمي له لا للوسط، فثبت الرمي في الشهود ٣٣٤ في المنازلات/ الباب الرابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة المنازلات الخطابية الحسي لمحمد ول بثبوت محمد ◌ّة في كلمة الحق، فكما هو رام لا رام كذلك هو في الكلمة الإلهية محمد لا محمد، إذ لو كان محمداً كما تشهد صورته لكان رامياً كما يشهد رمیه، فلما نفى الرمي عنه الخبر الإلهيّ انتفى عينه إذ لا فرق بين عينه ورميه وهكذا فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وهذه هي البصيرة التي كان عليها الدعاة إلى الله يعلمون من يدعو إلى الله ومن يدعى إلى الله فالإدراك واحدا، فإذا أدرك به الأمر على ما هو عليه سمي بصيرة لأنه علم محقق، وإذا أدرك به عين نسبة ما ظهر في الحس سمي بصراً، فاختلفت الألقاب عليه باختلاف الموطن، كما اختلف حكم عين الأداة وإن كانت بصورة واحدة حيث كانت تختلف باختلاف المواطن مثل أداة لفظة ما لا شك أنها عين واحدة، ففي موطن تكون نافية مثل قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وفي موطن تكون تعجباً مثل قوله: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] وفي موطن تكون مهيئة مثل قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الحجر: ٢] وفي موطن تكون اسماً مثل قوله: ﴿إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِ بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧] إلى أمثال هذا، وقد تكون مصدرية وتأتي للاستفهام وتأتي زائدة وغير ذلك من مواطنها، فهذه عين واحدة حكمت عليها المواطن بأحكام مختلفة، كذلك صور التجلي بمنزلة الأحكام لمن يعقل ما يرى، فأبان الله لنا فيما ذكره في هذه الآية أن الذي كنا نظنه حقيقة محسوسة إنما هي متخيلة يراها رأي العين والأمر في نفسه على خلاف ما تشهده العين وهذا سار في جميع القوى الجسمانية والروحانية. فالعلم كله في صور مثل منصوبة، فالحضرة الوجودية إنما هي حضرة الخيال، ثم تقسم ما تراه من الصور إلى محسوس ومتخيل والكل متخيل، وهذا لا قائل به إلا من أشهد هذا المشهد، فالفيلسوف یرمي به، وأصحاب أدلة العقول كلهم يرمون به، وأهل الظاهر لا يقولون به نعم ولا بالمعاني التي جاءت له هذه الصور، ولا يقرب من هذا المشهد إلا السوفسطائية، غير أن الفرق بيننا وبينهم أنهم يقولون إن هذا كله لا حقيقة له، ونحن لا نقول بذلك بل نقول إنه حقيقة، ففارقنا جميع الطوائف ووافقنا الله ورسوله بما أعلمناه مما هو وراء ما أشهدناه فعلمنا ما نشهد، والشهود عناية من الله أعطاها إيانا نور الإيمان الذي أنار الله به بصائرنا . ومن علم ما قررناه علم علم الأرض المخلوقة من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام، وعلم أن العالم بأسره لا بل الموجودات هم عمار تلك الأرض وما خلص منها إلا الحق تعالى خالقها ومنشيها من حيث هويته إذ كان له الوجود ولا هي ولولا ما هو الأمر على ما ذكرناه ما صحت المنازلة بيننا وبين الحق، ولا صح نزول الحق إلى السماء الدنيا ولا الاستواء على العرش ولا العماء الذي كان فيه ربنا قبل أن يخلق خلقه، فلولا حكم الاسم الظاهر ما بدت هذه الحضرة ولا ظهر هذا العالم بالصورة، ولولا الاسم الباطن ما عرفنا أن الرامي هو الله في صورة محمدية فما فوق ذلك من الصور فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ وهو بشر ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] مثل قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧] فالرامي هو الله والبصر يشهد محمداً ﴿أَوْ مِن وَرَآعٍ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] صورة بشرية لتقع المناسبة بين الصورتين بالخطاب ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] وهو ترجمان الحق في قلب العبد نزل به الروح ٣٣٥ في المنازلات/ الباب الرابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة المنازلات الخطابية الأمين على قلبك، فإذا أوحى الله إلى الرسول البشري من الوجه الخاص بارتفاع الوسائط وألقاه الرسول علينا فهو كلام الحق لنا من وراء حجاب تلك الصورة المسماة رسولاً إن كان مرسلاً إلينا أو نبياً، وقد تكون هذه الرتبة لبعض الأولياء، فإذا انكشف الغطاء البشري عن عين القلب أدرك جميع صور الموجودات كلها بهذه المثابة في خطاب بعضهم بعضاً وسماع بعضهم من بعض، فاتخذ المتكلم والسامع والباطش والساعي والمحس والمتخيل والمصور والحافظ وجميع القوى المنسوبة إلى البشر، فالمنازلات كلها برزخية بين الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وصور العالم وصور التجلي ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَِّ﴾ [التوبة: ٦] فالمترجم المتكلم، وقد عرفنا أن الكلام المسموع هو كلام الله لا كلامه فتنظر ما جاء به في خطابه البرزخي وافتح عين الفهم لإدراكه وكن بحسب ما خاطبك به، ولا يسمع كلام الله إلا بسمع الله، ولا كلام الصورة إلا بسمع الصورة، والسامع من وراء السمع، والمتكلم من وراء الكلام ﴿ وَاللَّهُ مِن وَرَآءِهِمْ تُحِيطٌ ﴿ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِيدٌ ﴿٤َ فِى لَوْجِ تَحْفُوظِ ◌َ﴾ [البروج] من التبديل والتغيير فإما ما يدل على توحيد، وإما صفة تنزيه، وإما صفة فعل، وإما ما يعطي الاشتراك، وإما تشبيه، وإما حكم، وإما قصص، وإما موعظة بترغيب أو ترهيب أو دلالة على مدلول عليه فهو محصور بين محكم ومتشابه كل خطاب في العالم، فالطور الجسم لما فيه من الميل الطبيعي لكونه لا يستقل بنفسه في وجوده ﴿وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] عن إملاء إلهيّ، ويمين كاتبة بقلم اقتداري ﴿فِي رَّ﴾ وهو عينك من باب الإشارة لا من باب التفسير ﴿مَّنْشُورٍ﴾ [الطور: ٣] ظاهر غير مطوي فما هو مستور ﴿ وَاَلْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] وهو القلب الذي وسع الحق فهو عامر ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُعِ﴾ ما في الرأس من القوى الحسية والمعنوية ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] رأي الطبيعة الموقدة بما فيها من النار الحاكم الموجب للحركة ﴿إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ لَوَقِعٌ﴾ [الطور: ٧] أي ما تستعذ به النفس الحيوانية والروح الأمري والعقل العلوي من سيدها المربي لها المصلح من شأنها ﴿لَوَفِعٌ﴾ لساقط عليها إذ كانت لها المنازل السفلية من حيث إمكانها مطلقاً، ومن حيث طبعها مقيداً ﴿مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ [الطور: ٨] لأنه ما ثم غير ما ذكرناه، فمن عندنا التلقي لتدليه والترقي لتدانيه، وبين هذين الحكمين ظهور البرازخ التي لها المجد الشامخ والعلم الراسخ. وقد تكون المنازلة بين الأسماء الإلهية مثل المنازلة في الحرب على هذا الإنسان إذا خالف أمر الله فيطلبه التوّاب والغفور والرحمن، ويطلبه المتنقم والضارّ والمذل وأمثالهم، وقد ورد في الحديث من هذا الباب قوله تعالى: ((مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضٍ نَسَمَةِ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ لِقَائِي)) وهذا من المنازلة، وقد ذقت هذا الكشف رأيته من الله في قتل الدجال بحضور رسول الله وٍَ* معي فيه، ومن هنالك انفتح لي باب بسط الرحمة على عباد الله وعلمت أن رحمته وسعت كل شيء فلا بد أن ينفذ حكمها في كل شيء، وعلمت حكمة انعدام الأعراض لأنفسها في الزمان الثاني من زمان وجودها، وخلق الله الأمثال في المحل أو الأضداد، إذ لو ثبت عرض ثبوت محله إذا لم يكن محله ٣٣٦ في المنازلات / الباب الخامس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة من حقر غلب ومن استهين منع معنى مثله أي عرض آخر مثله في العرضية لبقي كما يبقى الجوهر ولم تكن تتبدل حاله على الجوهر، فيكون إما دائم الشقاء من أول خلقه أو دائم السعادة، فتكون رحمة الله قاصرة على أعيان مخصوصين كما تكون بالوجوب في قوم منعوتين بنعت خاص، وفيمن لا ينالها بصفة مقيدة وجوباً تناله الرحمة من باب الامتنان كما نالت هذا الذي استحقها ووجبت له بالصفة التي أعطته فاتصفت بها فوجبت الرحمة له، فالكل على طريق الامتنان نالها ونالته، فما ثم إلا منة إلهية أصلاً وفرعاً، ثم تسري المنازلة بين الأصبعين من أصابع الرحمن في القلب في ميدان الإرادة، فإن أزاغه أزاغه رحمان، وإن أقامه أقامه رحمان، فما ثم حكم إلا له لأنه المستوي على العرش، فلا تنفذ الأحكام إلا من هذا الاسم، ثم تظهر المنازلة بين الملك والشيطان على القلب باللمتين اللتين يجدهما المكلف في قلبه، فإن لم يكن مكلفاً ووجد التردد في قلبه فلا يخلو إما أن يكون في دار تكليف أو لا يكون، فإن كان في دار تكليف فالتردد إنما هو من اللمة الملكية واللمة الشيطانية بطلب كل واحد منهما لما نفذت فيه لمته أن يكون للمكلف في ذلك دخول بإعانة في فساد، فيجوز الإثم عليه كصبيين لم يبلغا حد التكليف فيتضاربان عن لمة الشيطان التي غلبت على كل واحد منهما فيجيء والداهما أو شخصان من قرابتهما أو جيرانهما أو من كان من الحاضرين من الناس فيدخلون بينهما بغير ميزان شرعي بل حمية غرض، فربما يؤدي ذلك إلى أن يكتسبوا إثماً فيما سعوا به في حقهما فلهذا تكون حركة الصبي بالشرّ عن لمة الشيطان فافهم واعرف المواطن تقر بالعلم الأتم. وإن كان غير مكلف ولا في دار تكليف ووجد التردد في أمر بين فعلين لا حرج عليه فيما يفعل منهما فذلك التردد والمنازلة بين الخاطرين كالتردد الإلهيّ غير أنه في العبد من أجل طلب الأولى والأعلى في حقه، كما يتردد المكلف بين طاعتين أيتهما يفعل، فهذا تردد إلهيّ ما هو عن اللمتين إنما هما غرضان أو غرض واحد تعلق بأمرين إما على التساوي أو إبانة ترجيح يقتضيه الوقت وما هو مكلف ولا في دار تكليف، لأنه لولا التكليف ما قرب شيطان إنساناً بإغواء أبداً لأنه عبث والعبث لا يفعله الحق لأن الكل فعله ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] فصاحب علم المنازلات لا بدّ له أن يقف على هذا كله وأمثاله، وكل تردد في العالم كله فهذا أصله، أما التردد الإلهيّ أو الأصبعان أو اللمتان فشيء آخر له حكم ما هنالك، والأصل التردد الإلهيّ وما تعطيه حقائق الأسماء الإلهية المتقابلة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، فلنذكر في هذا الفصل بعض ما حصل لنا في المنازلات من المعارف الإلهية فإنها أكثر من أن تحصی فمن ذلك ما نذكره. الباب الخامس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة من حقر غلب ومن استهين منع [نظم: البسيط] قَدْراً ولو جُمعَتْ لكِ المَقَامَاتُ لا تَخْقِرَنَّ عبَادَ الله إنّ لهم في المنازلات/ الباب الخامس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة من حقر غلب ومن استهين منع ٣٣٧ ولو تَوَلَّتْهُم فيها الجَهالاتُ أليس أسماؤه تبدي حقائِقَهُمْ حُرُمَاتٍ مُنْتَهِكِيهِ السَّمْهَرِيَّاتُ إلا إذا انْتَهَكُوا الشَّرْعَ الذي انْتَهَكَتْ عيناً لمن حكمتْ فيه الحَمِيَّاتُ فَفِرَّ مِنْ أجْلٍ حِمَى الرَّحْمُنِ إِنَّ له حُسْنَى تُناطُ وتُدْنيها العناياتُ فإنّ أسماءك الحُسْنَى بأسمائه الـ اعلم أيدنا الله وإياك بروح القدس أن احتقار شيء من العالم لا يصدر من تقي يتقي الله فكيف من عالم بالله علم دليل أو علم ذوق؟ فإنه ليس في العالم عين إلا وهو من شعائر الله من حيث ما وضعه الحق دليلاً عليه ووصف من يعظم شعائر الله فقال: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَىَ الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] أي فإن عظمتها من تقوى القلوب أو الشعائر عينها من تقوى القلوب، ثم إن كل شعائر الله في دار التكليف قد حد الله لها للمكلف في جميع حركاته الظاهرة والباطنة حدوداً عمت جميع ما يتصرف فيه روحاً وحساباً لحكم وجعلها حرمات له عند هذا المكلف فقال: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] وتعظيمها أن يبقيها حرمات كما خلقها الله في الحكم فإن ثم أموراً تخرجها عن أن تكون حرمات كما تكون في الدار الآخرة في الجنة على الإطلاق من غير منع وهو قوله تعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] وقوله: ﴿إِنَّ أَضْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ﴾ [يسّ: ٥٥] وارتفع الحجر فربما يقام العبد في دار التكليف في هذا الموطن فيريد التصرّف فيه كما تعطيه حقيقته ولكن في موطنه فيسقط حرمات الله في ذلك فلا يرفع بها رأساً ولا يجد لها تعظيماً فيفقد خيرها إذ لم يعظمها عند ربه كما قال: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اَللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهٍ،﴾ [الحج: ٣٠] وإنما قال هذا ولم يتوعد بسبب أن أصحاب الأحوال إذا غلبت عليهم كانوا أمثال المجانين ارتفع عنهم القلم فيفوتهم لذلك خير كثير عند الله، ولهذا لا يطلب الحال أحد من الأكابر وإنما يطلب المقام ونحن في دار التكليف، فما فاتنا في هذه الدار من ذلك فقد فاتنا خيره هنالك، فنعلم قطعاً أنا لسنا من أهل العناية عند الله بفوت هذا الخير، هذا إذا لم تتعمل في تحصيل هذا الحال الذي يفوتنا هذا الخير، فكيف بنا إذا اتصفنا بهذا الحكم المفوت للخير عن نظر في أصول الأمور حين نعرف بعض حقائقها فيكون في ذلك البعض المفوّت لنا هذا الخير، وقد رأينا منهم جماعة كثيرة من أصحاب النظر في ذلك من غير حال ذوقي الله يعيذنا منه حالاً ونظراً. ولما كان الدليل يشرف بشرف المدلول والعالم دليل على وجود الله فالعالم شريف كله فلا يحتقر شيء منه ولا يستهان به، هذا إذا أخذناه من جهة النظر الفكري وهو في القرآن في قوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿ وَإِلَى النَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (1)﴾ [الغاشية] الآيات النظرية كلها الواردة في القرآن، وكقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِ مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] الآية، وقوله: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآية، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَذَ الِظِلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ [الحج: ١٨] الآية، وكقوله: ﴿سَنُرِيِهِمْ ءَايَتِنَا فِ الْآَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقِّ﴾ [فصلت: ٥٣] وأمثال هذه الآيات. وأما عند أهل الكشف والوجود فكل جزء في العالم بل كل ٣٣٨ في المنازلات / الباب الخامس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة من حقر غلب ومن استهين منع شيء في العالم أوجده الله لا بد أن يكون مستنداً في وجوده إلى حقيقة إلهية، فمن حقره أو استهان به فإنما حقر خالقه واستهان به ومظهره وكل ما في الوجود فإنه حكمة أوجدها الله لأنه صنعة حكيم، فلا يظهر إلا ما ينبغي لما ينبغي كما ينبغي، فمن عمي عن حكمة الأشياء فقد جهل ذلك الشيء، ومن جهل كون ذلك الأمر حكمة فقد جهل الحكيم الواضع له ولا شيء أقبح من الجهل. فإن قلت فالجهل من العالم وقد قبحته فقد قبحت من استند إليه الجهل في وجوده. قلنا: كان يصح هذا لو كان الجهل نسبة وجودية، فالجهل إنما هو عبادة عن عدم العلم لا غير فليس بأمر وجودي والعدم هو الشر والشر قبيح لنفسه حيثما فرضته، ولهذا ورد في الخبر الصحيح أن النبي ◌َّر قال في دعائه ربه تعالى: ((وَالخَيْرُ كُلُّهُ فَي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ)) فما نسب الشر إليه، فلو كان الشر أمراً وجودياً لكان إيجاده إلى الله إذ لا فاعل إلا الله، فالوجود كله خير لأنه عين الخير المحض وهو الله تعالى. ثم نرجع إلى أصل الباب وهو قولنا: ((من حقر غلب)) فنبين ذلك في الهمم، وذلك أن أصل هذا أن كل شخص احتقر شيئاً فإن همته تقوى على التأثير فيه، وعلى قدر ما يعظم عنده يقل التأثير فيه، أو ربما يؤدّي إلى أن لا يكون له أثر فيه، فإن الانفعال في الأشياء إنما هو للهمم، ألا ترى تأثير همم النساء في السحر المعروف عندهم المؤثر في المسحور؟ ولولا ما احتقروا المسحور وقطعوا بهمهم أن هذا الذي يفعلونه قولاً أو عملاً يؤثر في المسحور ما أثر فيؤثر بلا شك، ومن ليست له هذه الهمة في قوّة ذلك الفعل ويعظم عنده من يريد أن يسحره من الناس أن يؤثر فيه ذلك العمل أو القول وعمله أو قاله فإنه لا يؤثر جملة واحدة، فلهذا قلنا: من حقر غلب كما قيل لنا فيه هذه المنازلة، فإذا صدق التوجه صح الوجود، ألا ترى الأشياء الكائنة في العالم وهي من العالم تعز أن تكون أثراً عن العالم أو محكومة للعالم؟ فإن الأمثال تأنف من حيث حقيقتها أن يكون المؤثر فيها العالم فتحقر أمثالها أعني جزئيات العالم فتعلق الهمم بإيجاد أمر ما فتنظر في السبب المعين لها على إيجاد ذلك الأمر في العالم وتبحث عنه إن كان من قبل الأفعال أو الأقوال فتشرع في ذلك العمل أو القول، فإن كان مما يعز بحيث أن لا تتمكن في الأثر فيه إلا بالتوجه إلى الله فتتوجه في ذلك بالدعاء والصدق إلى الله فتؤثر بذلك التوجه تلك الهمة، فإن كان صاحب الهمة مؤمناً احتقر ذلك المؤثر فيه في جنب قوّة الله وعظمته، وإن لم يكن احتقره في قوّة همته وما استعان به على التأثير فيه فهو مغلوب عنده على كل حال وأصله الاحتقار، فإن كل شيء في العالم بالنظر إلى عظمة الله حقير وهذا من علم النسب، وكل شيء في العالم إذا نظرته بتعظيم الله لا بعظمته فهو عظيم وهو الأدب، فإنه لا ينبغي أن ينسب إلى العظيم إلا ما يستعظم، فإنه تعظم عظمته في نفس من نظره بهذا النظر، فإن استحقره فلم يعظم في نفسه بوجه ذلك التعظيم الذي في نفس من عظم عنده ذلك الشيء من العالم وربما يحتج بقوله: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] فينبغي للعالم أن لا يتصوّر هذه الآية إلا حتى يتصوّر عزة ذلك الشيء على أمثاله، فإذا حصلت عنده عزة ذلك الشيء حينئذ يقول: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ وإن كان علينا بعزيز فيثبت العزيز في المنازلات/ الباب الخامس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة من حقر غلب ومن استهين منع ٣٣٩ للعزيز، هذا هو الأدب والتعظيم، فالشيء على عزته حقير بالنسبة إلى عزة الله التي لا تقبل التأثير لأجل هذا لحكم، فإن احتج علينا من علم حقيقة ما كنا أومأنا إليه في حال من يسخط الله ويرضه هل يدخل هذا الأثر الحاصل من الكون في الجناب الإلهي في هذا الباب أم لا؟ قلنا: لا يدخل فإن العالم بكل شيء ﴿بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [يس: ٨٣] وتصريف كل شيء إذ هو الموجد أسباب السخط والرضى والإجابة في الدعاء، فما خرج عنه شيء يكون لذلك الشيء أثر فيه فهو محرك العالم ظاهراً وباطناً في كل ما يريد كونه، فإن كان ثم أثر فيه فهو الذي أثر في نفسه ما العالم أثر فيه، بل غايتنا فيه أن نقول: أثر في نفسه إن قلنا بذلك العالم أي بتقدم هذا السبب وهو إيجاده الأمر الموجب للسخط عليه في هذا الشخص فأسخط الله بهذا الفعل الذي أوجده في هذا العبد لشقاوة هذا العبد أو ليظهر فيه عقوبته ومغفرته وحكم رحمته على قدر ما يظهر فيه عقيب الأمر المسخط. وأما قوله في المنازلة: ((من استهين منع)) فقد يكون من استهين في حقه ذلك الشيء منع لأنه جاهل بما طلب فيكون من استهين ذلك المطلوب في حقه منع لما هو أعلى منه، فإن الطالب قد يجهل قدر ما يطلب ويعظم عنده لعدمه إياه، وهو عند الله بالنسبة إلى هذا الطالب دون هذا الطالب فيمنعه مطلوبه فيتخيل الممنوع منه أن ذلك لإهانته على من بيده إعطاء ما سأل فيه وليس كذلك، فيفتح الله إن شاء عين بصيرته ويرزقه الكشف على نفسه وعلى حقيقة ما طلب ويريه الحق في ذلك الكشف أن الذي طلبه ما هو بذاك، ويعرف شرف نفسه عن أن يتصف بالافتقار إلى الله في طلب مثل هذا، فيعلم أن الله ما منعه لإهانته عليه وإنما منعه لاستهانة ذلك المطلوب بالنسبة إليه فيشكر الله على منع ذلك، هذا وجه من وجوه قوله: من استهين منع. والوجه الآخر أن يطلب الطالب فوق قدره حتى لو أعطيه ما قبله لأنه يضعف عن حمله فيمنع لإهانته بالنسبة إلى ما طلبه وهو عكس الأوّل فيكون منع الله إياه رحمة به مثل قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوَّأْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] لأنهم يضعفون عن القيام بما يستحقه بسط الرزق من الشكر، وليس في قوّته إلا البغي به والكفر والأشر والبطر، ويظهر ذلك في أرباب المناصب في الدنيا، فإذا رأيت صاحب المنصب يحكم عليه المنصب فتعلم أنه دون المنصب وأنه مهان يصرّفه المنصب بعزته كيف يشاء، فلا يزال مذموماً بكل لسان من الحق ومن الخلق. وإذا رأيت صاحب المنصب يصرف المنصب ويحكم على المنصب فتعلم أنه فوق المنصب فيكون محموداً بكل لسان عند الله وعند العالم فيمنع بحق وحكمة ويعطي بحق وحكمة كما قال الحق عن نفسه ﴿ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وذلك لعلم هذا الشخص بالأوزان فإن الله يقول: ﴿ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] فيعلم على من يبسط رزقه وعلى من يقبض عنه ذلك القدر الذي بسطه على غيره فبغى به، ولذلك ما ذكر إلا عموم البسط في العباد كلهم وأضاف البغي للكل لأنه قد بسط للبعض فوقع منهم البغي فيما بسطه له لأنه شغله عن حاجة نفسه الضرورية بحاجة نفسه التي هي غير ضرورية كملك بسط الله له في الملك فأعطاه افتقاره الأصلي أن يسعى في تحصيل ملك غيره ولم يقنع بما عنده، وقد كان قبل حصول ما هو فيه ٣٤٠ في المنازلات / الباب الخامس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة من حقر غلب ومن استهين منع عنده يشتهي أنه يحصل له بعضه ويقنع به، فلما أعطاه ما قنع وتشوق إلى الزيادة مما هو في يد غيره فلم يحصل له ذلك إن حصل إلا بالبغي في الأرض، فربما أداه ذلك البغي إلى زوال ما بيده فيندم عند ذلك ويعلم أنه ما عاد عليه إلا بغيه، فلو كان عزيزاً في طلبه غير مهان ما منع هكذا يقول عن نفسه، وقد يكون منع الله ذلك في حقه وأخذ ما كان بيده سبباً إلى رجوعه إلى الله وتوبته ليسعده الله بذلك، فالعاقل ينظر في أحواله وتصرّفاته وما أهله الله له، ويعلم أن ذلك كله خطاب الحق بألسنة الأحوال فيفتح عين الفهم وسمعه لذلك الخطاب العقلي والحالي فيعمل بمقتضى فهمه فيه. فإن قلت: فإن كان فهمه فيه ما تعطيه قوّة ذلك المنصب. قلنا: ليس ذلك نريد وما غاب عنا هذا الذي دخلت علينا به ولكن الله قد وضع لنا في العالم الموازين الشرعية لنقيم بها الوزن بالقسط، فإذا أعطى ذلك الأمر الذي يريد تمشيته في العالم بالوزن أخذنا منه قدر ما يدخل الميزان وتركنا منه ما لا يحتمله الميزان، فإن في مقابلة كفة الموزون مقداراً في الكفة الأخرى وذلك المقدار هو الذي يعين لنا من هذا الموزون ما نحتاج إليه في الوقت وهذا معنى قوله: ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وهو القدر الذي في الكفة الأخرى من الميزان ﴿وَمَا نُنْزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وقد يكون الميزان مكيلاً فهو على قدر الكيل، والفرق بين المكيال والميزان أن الميزان خارج عنك فتأخذ من الموزون قدر ما يقابله من الكفة الأخرى، والمكيال هو عين ذاتك من حيث ما هي متصفة بحالة ما فذلك . عين كيلها، فلا تأخذ من الأمر إلا بقدر قبولها كما يأخذ المكيال فهو على الحقيقة كما هو في الميزان فإنه إذا رجح بأحد الكفتين فقد خرج عن أن يكون وزناً لأنه خرج عن مقدار ما يقابله إما بتطفيف أو غيره، فالنبي ◌َّ لما نزل عليه من الشرائع مكيال لا ميزان والحق لما لم يصح أن يكون محلاً للأمر لم ينزل نفسه منزلة المكيال لكن وصف نفسه بأن بيده الميزان ميخفض القسط ويرفعه بحسب مراتب العالم، فكل خفض في ميزان الحق ورفع فهو عن الاعتدال بين الكفتين في الميزان الموضوع في العالم فإن الحق لا يزن إلا حقاً، فميزان الحق لا بد فيه من خفض ورفع لإحدى الكفتين، ولو كان على الاعتدال ما ظهر كون في لعالم أصلاً ولا عدل، فإذا أقيمت موازين الشرع الإلهيّ في العالم سرى العدل في العالم، وكذلك لو أقيم الوزن الطبيعي في العالم لم يكن في العالم مرض ولا موت كما لا يكون في الجنة لأن الميزان الطبيعي في الجنة يظهر حكمه ولذلك هي دار البقاء ويرتفع فيها ميزان الشرع كما ارتفع في الدنيا ميزان الطبع، فالمنع والعطاء لولا الميزان ما كان لهما حكم في العالم، والذي يزن هو الموصوف بالمعطي والمانع والضار والنافع وهو بكل شيء عليم. فإن قال قائل من أهل التحقيق: إن الجود الإلهيّ ليس فيه منع. قلنا: صدقت. قال: فإذا كنت صادقاً وسلمت لي قولي فما حكم الاسم الإلهيّ المانع وهذا المنع الواقع في العالم لماذا يرجع فإننا لا ننكره؟ قلنا: أما الجود الإلهيّ فلا منع فيه ولكن لا يقبله إلا الممكن ولا يقبله المحال، فإذا عرفت القابل عرفت المانع والمنع، فالقوابل تقبل من هذا الجود المطلق بحسب استعداداتها كالشقة والقصار في فيض الشمس نورها فتبيض الشقة وتسود وجه القصار