النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
في المنازل/ الباب الثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العلماء ورثة الأنبياء
(إنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ)) وليس أبوك إلا من أنت عنه فإن عرفت عمن أنت عرفت
أباك، وما ذكر النبي ◌ّ# أن أبوينا اثنان كما وقع في الظاهر فإنا عن آدم وحواء مثل قوله:
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] ولكن لما كانت حواء عين آدم لأنها عين ضلعه فما
كان إلا أب واحد في صورتين مختلفتين كما هو التجلي، فعين حواء عين آدم انفصال اليمين
عن الشمال وهو عين زيد، كذلك انفصال حواء عن آدم فهي عين آدم، فما ثم إلا أب واحد
فما صدرنا إلا عن واحد، كما أن العالم كله ما صدر إلا عن إله واحد، فالعين واحدة كثيرة
نسب إن لم يكن الأمر كذلك، وإلا فما كان يظهر لنا وجود ولا لنا وجود عين ولا لنا إيجاد
حكم، فكما أوجدنا عيناً أوجدنا الحكم له ﴿جَزَآءُ وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] إن تفطنت فهو لنا موجد
عين ونحن له موجد رب: [الوافر]
ولولا الكَوْنُ ما كان الإلهُ
فلولا الحَقُّ ما كان الوُجُودُ
سؤالَ السائلين بمن وما هُو
جَزاءً قد أراد الحَقُّ منه
وأما في الخُصُوص فهو وما هُو
فما هو في العموم بغير شَكّ
ثم ما زال التوالد والتناسل في كل نوع نوع من المولدات كلها في الدنيا ما دامت في
الدنيا وفي الآخرة إلى ما لا يتناهى، وإن تنوعت أحوال التوالد كما ظهر ذلك في الدنيا في
حواء وعيسى وبني آدم، وأما في آدم فباليدين وبالأركان، وفي النبات متنوع أيضاً في غراسه
وبزوره، وكذلك في المعادن، فانظر ما أحكم حكمة الله في خلقه. ولما اطلعنا على الوجه
الخاص الذي لكل موجود لم يتمكن لنا أن نضيف التوالد لنا جملة واحدة بل أضفنا كل ما
ظهر في الكون إليه وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا﴾ ونحن أمره ﴿إِلَّا وَحِدَةُ﴾ [القمر: ٥٠] فما ثم
موجد إلا الله تعالى على كل وجه علم ذلك من علمه وجهله من جهله، كما يقول الطبيعيون
في الموجودات الطبيعية بأحدية الطبيعة، فكل ما ظهر من الموجودات الطبيعية قالوا هذا عن
الطبيعة فوحدوا الأمر كما وحدنا الإله في خلقه فلم يكن إلا الله وهو الذي سموه أولئك طبيعة
ولا علم لهم كما سمته الدهرية بالدهر ولا علم لهم إلا أن الله تسمى لنا بالدهر وما تسمى
بالطبيعة لأن الطبيعة ليست بغير لمن وجد عنها عيناً، فهي عين كل موجود طبيعي. ولما كان
الحق له هذا الحكم وظهر به عند الخواص من عباده وعلمنا أن الاسم دلالة على المسمى
فرأينا الاسم وإن دل فهو أجنبي فعلمنا أن حكم الطيبعة يخالف حكم الدهر فإن الدهر ما هو
عين الكوائن، ورأينا الطبيعة عن الكوائن الطبيعية، ورأينا أن الحق له تنزيه ينفصل به عنا
انفصال الدهر عما يكون فيه، فتسمى تعالى بالدهر تنزيهاً وما تسمى بالطبيعة لكون الأمر ما
هو غيره بل هو عينه، والمسمى لا يسمي نفسه لنفسه فلا يسمى بالطبيعة وإنما يسمي نفسه
لغيره حتى إذا ذكره عرف أنه يذكره وإذا ذكر عرفه فهذا أصل وضع الأسماء: [الطويل]
وما ثَمَّ إلا اثْنانٍ والله ثالثُ
فما ثَمَّ إلا الله لا شيء غَيْرُهُ
فإنّي لعلمي بالحقيقة حارثُ
قَدَ أُنْتَجَهُ العلمُ الذي قاله لنا
أعني قوله وَله: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فقدم معرفة الإنسان نفسه لأنه عين الدليل،

٣٠٢
في المنازل/ الباب الثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العلماء ورثة الأنبياء
ولا بد أن يكون العلم بالدليل مقدماً على العلم بالمدلول والدليل نحن ونحن في مقام
الشفعية، فلذلك عبرنا بالاثنين لوجود الشفع، فنتج لنا النظر فينا وجود الحق وأحديته، فهو
ثالث اثنين كما هو رابع ثلاثة فلذلك قلنا: والله ثالث لهذين الاثنين، وأنا حارث أي كاسب
لهذا العلم بالنظر ثم إن للحق ورثاً منا كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: ٤٠] عيناً
وحكماً فأما في العين فقوله: ﴿ وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] فإن الأمور ترجع إلى أصولها كما
ينعطف آخر الدائرة على أولها، فمن أوّل ما تبتدىء بالدائرة إنما يطلب بذلك الرجوع إلى
أصلها وهو بدؤها فإليه تنتهي، فنحن لا نعلم شيئاً إلا به، فورث منا هذه الصفة فقال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] كما نظرنا نحن حتى علمنا فما خلص لنا هذا الوصف من
غير مشاركة، فعلمنا أن علمنا عن النظر والاستدلال بما علمناه أنه هو العالم به من حيث إن
نظرنا لم يكن بنا لأنه قال: إنه عين صفتنا التي بها ننظر ونبصر ونسمع ونبطش، وهذا كله هو
علم الأنبياء الذين ورثناهم لأنهم ما ورثونا إلا العلم على الحقيقة وهو أشرف ما يورث. ثم
انظر في قوله {وَلّ: ((العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» فعم بالألف واللام فيهما كل عالم وكل مخبر، ولا
شك أن كل مخبر فإنه متصوّر لما يخبر به وكل سامع ذلك الخبر فقد علمه أي علم ما تصوّره
ذلك المخبر سواء كان كذباً ذلك الخبر أو صدقاً فهو ورث بلا شك ألا تراه وَ # قد قال: «مَنْ
خَذَّثَ بِحَدِيثِ یَرَى أَنَّهُ کَذِبٌ فَهُوَ أَحدُ الگاذِبِین» لأنه قد ورث منه الكذب وصار حكمه حكم
الكاذب، كما صار حكم الوارث في المال حكم من مات عنه وخلفه، ولما عمم بالألف
واللام العلماء دخل فيه قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] ولما عمم بالألف واللام الأنبياء دخل
فيه كل مخبر بنطق أو بحال لأنه من ظهر لعينك بعد أن لم يكن ظاهراً فقد أخبرك بظهوره أنه
ظهر لك حتى لو قال لك قد ظهرت لك لم يفدك علماً بظهوره وإنما أفادك علماً بقوله لك أي
من أجلك ظهر لعينك، فالمفهوم الأوّل القرب الظاهر النازل منزلة النص عند أهل الظاهر أن
العلماء ورثة الأنبياء الذين هم المخبرون عن الله، وبالمفهوم الثاني الذي لا يقدح فيه المفهوم
الأوّل أن العلماء ورثة المخبرين بما أخبروا به كانوا من كانوا، لكن العلم الموروث من الأنبياء
عليهم السلام ليس هو العلم الذي يستقل بإدراكه العقول والحواس دون الأخبار فإن ذلك لا
يكون وراثة، وإنما الذي يرثه العلماء من الأنبياء ما لا تستقل العقول من حيث نظرها بإدراكه،
وأما ما ورثته من الأنبياء من العلم الإلهيّ فهو ما تحيله العقول بأدلتها وأما ما تجوزه العقول
فتعين لها الأنبياء أحد الجائزين مثل قول إبراهيم: ﴿وَلَكِن لِيَظْمَبِنَّ قَلْبِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وأما
العلم الذي ترثه من الأنبياء عليهم السلام من علم الأكوان فعلم الآخرة ومآل العالم لأن ذلك
كله من قبيل الإمكان فالأنبياء تعين عن الله أن بعض الممكنات على التعيين هو الواقع فيعلمه
العالم فذلك ورث نبويّ لم يكن يعلمه قبل إخبار هذا النبيّ به، وما عدا هذا فما هو علم
موروث إلا في حق العامي الذي ما وفى عقله حقه، فتلقى من النبيّ علماً بما لو نظر فيه بعقله
أدركه كتوحيد الله ووجوده، وبعض ما يتعلق به من حكم الأوصاف والأسماء فيكون ذلك في
حق من لم يعلمه إلا من طريق النبي علم موروث. وإنما قلنا فيه إنه علم لأن الأنبياء لا تخبر

٣٠٣
في المنازل/ الباب الثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العلماء ورثة الأنبياء
إلا بما هو الأمر عليه في نفسه، فإنهم معصومون في أخبارهم عن الله أن يقولوا ما ليس هو
الأمر عليه في نفسه بخلاف غير الأنبياء من المخبرين من عالم وغير عالم، فإن العالم قد
يتخير فيما ليس بدليل أنه دليل فيخبر بما أعطاه ذلك الدليل ثم يرجع عنه بعد ذلك، فلهذا لا
ينزل في درجة العلم منزلة النبيُّ بِّر، وقد يخبر بالعلم على ما هو عليه في نفس الأمر، ولكن
لا يتعين على الحقيقة لما ذكرناه من دخول الاحتمال فيه، وكذلك غير العالم من العوام فقد
يصادفون العلم وقد لا يصادفونه في أخبارهم والنبي ◌ّلّ ليس كذلك، فإذا أخبر عن أمر من
جهة الله فهو كما أخبر فالمحصل له عالم بلا شك، كما أن ذلك الخبر علم بلا شك، فلذلك
قيد وَلهو أن العلماء هم ورثة الأنبياء لأنهم إذا قبلوا ما قاله الرسول فقد علموا الأمر على ما هو
عليه، ومن وراثته وَلير حب النساء والطيب وجعلت قرة عينه في الصلاة، ولكن إذا كان ذلك
في الإنسان محبباً إليه حينئذ يكون وارثاً، وأما إن أحب ذلك من غير تحبب فليس بوارث،
فإن العبد لما كان مخلوقاً لله لا لغيره كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: ٥٦] فما خلقهم إلا لعبادته، وقال لموسى في الاثنتي عشرة كلمة: ((يا ابْنَ آدَمَ خَلَقْتُكَ
مِنْ أَجْلِي)) الحديث. ثم إن الله في ثاني حال من العبد حبب إليه أمراً مّا أكثر من غيره وبقي
الكلام فيمن حببه إليه هل حببه إليه طبع أو طمع أو حذر أو حببه إليه الله؟ فإن النبي وَّ قال:
((حُبِّبَ إِلَيَّ)) ولم يقل من حبيه، كما قال الله في حق المؤمنين: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيَنَ
وَزَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَلْفُسُوقَ وَالْعِصّيَانَّ﴾ [الحجرات: ٧] والنبي ◌َّ ما عدل إلى قوله
حبب ولم يذكر من حببه إلا لمعنى لا يمكن إظهاره لضعف النفوس القابلة، فالعارفون
بالمواطن يعلمون من حيث ما ذكره الله والنساء والطيب وجعل قرة العين في الصلاة لأنه مصل
على شهود من وقف يناجيه بين يديه من حضرة التمثيل وموطنه لأن فيه خطاباً ورداً وقبولاً ولا
يكون ذلك إلا في شهود التمثيل فإنه في موطن يجمع بين الشهود والكلام.
ولما كانت المناسبات تقتضي ميل المناسب إلى المناسب كان الذي حبب عين
المناسب والمناسبة قد تكون ذاتية وعرضية، ولما كان النساء محل التكوين وكان الإنسان
بالصورة يقتضي أن يكون فعالاً ولا بد له من محل يفعل فيه ويريد لكماله أن لا يصدر عنه
إلا الكمال كما كان في الأصل الذي أعطى كل شيء خلقه وهو كمال ذلك الشيء ولا أكمل
من وجود الإنسان، ولا يكون ذلك إلا في النساء اللاتي جعلهن الله محلاً والمرأة جزء من
الرجل بالانفعال الذي انفعلت عنه فحبب إلى الكامل النساء، ولما كانت المرأة كما ذكرت
عين ضلع الرجل فما كان محل تكوين ما كون فيها إلا نفسه فما ظهر عنه مثله إلا في عينه
ونفسه فانظر ما أعجب هذا الأمر، فمن حصل له مثل هذا العلم فقد ورث النبي عليه
الصلاة والسلام في هذا التحبب بهذا الوجه، وأما الطيب فإنه من الأنفاس والأنفاس
رحمانية فإن رسول الله ﴿ يقول: ((إنّي لأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمْنِ)) فأضافه إلى الرحمن والله
يقول: ﴿وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِئَاتِّ وَالَِّبَتُ لِلَّيِِّينَ﴾ [النور: ٢٦] ومن أسمائه تعالى الطيب، فعلمنا
أن النفس الطيب لا يكون إلا من الاسم الطيب، وما ثم اسم أطيب للكون من الرحمن فإنه

٣٠٤
في المنازل/ الباب الثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العلماء ورثة الأنبياء
مبالغة في الرحمة العامة التي تعم الكون أجمعه، فمن حصل له الطيب في كل شيء وإن
أدركه من أدركه خبيثاً بالطبع فإنه بالنعت الإلهيّ طيب وقد ذقنا ذلك بمكة فهو وراث على
الحقيقة، وما حبب إليه الصلاة إلا لما فيها من الجمع بين الشهود والكلام بقوله: ((جُعِلَتْ
قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ)) وما تعرض لسمعه ولا للكلام لأن ذلك معروف في العموم أن الصلاة
مناجاة بقوله: يقول العبد كذا فيقول الله كذا، وأنها منقسمة بين الله وبين عبده المصلي
نصفين كما ورد في الحديث، وما كانت الصلاة كبيرة إلا على غير المشاهد وعلى من لم
يسمع قول الحق مجيباً لما يقوله العبد في صلاته، ثم نيابته في قوله: سمع الله لمن حمده
من أتم المقامات، فإن الله ما عظم الإنسان الكامل على من عظمه إلا بالخلافة، ولما كان
مقامه عظيماً لذلك وقع الطعن فيه ممن وقع لعظيم المرتبة، وما علم الطاعن ما أودع الله في
النشأة الإنسانية من الكمال الإلهيّ، فلو تقدّم لذلك الطاعن العلم ما طعن، فلما كانت
الخلافة وهي النيابة عن الحق بهذه المنزلة وكان المصلي نائباً في سمع الله لمن حمده الذي
لا يكون إلا في الصلاة كانت مرتبة الصلاة عظيمة فحببت إليه ◌َله، فمن رأيته يحب الصلاة
على هذا الحد فهو وارث، ومن رأيته يحبها لغير هذا الشهود فليس بوارث.
وفي هذا المنزل من العلوم: علم صدور الكثير من الواحد أعني أحدية الكثرة لا أحدية
الواحد. وعلم النكاح الإلهيّ والكوني. وعلم النتائج والمقدمات. وعلم مفاضلة النكاح لأنه
قد يراد لمجرّد الالتذاذ، وقد يراد للتناسل، وقد يراد لهما. وعلم الوصايا. وعلم التقاسيم.
وعلم المبادرة خوف الفوت. وعلم الخلطاء. وعلم الهبات. وعلم ما يعتبر من طيب
النفوس. وعلم التصرّف بالمعروف وما هو المعروف. وعلم الأمانات. وعلم الحظوظ.
وعلم الحقوق. وعلم ما ينبغي أن يقدم وما ينبغي أو يؤخر. وعلم الحدود. وعلم الطاعة
والمعصية. وعلم الشهادات والأقضية. وعلم العشائر وهي الجماعة التي ترجع إلى عقد واحد
كعقد العشرة ولهذا سمي الزوج بالعشير لأن اجتماع الزوجين كان عن عقد والمعاشرة
الصحبة، فالعشائر الأصحاب والمرء على دين خليله فقد عقد معه على ما هو عليه وحينئذ
يكون قد عاشره قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] أي صاحبوهنّ بما يعرف أنه
يدوم بينكما الصحبة به والمعاشرة. وعلم العزة والمنع. وعلم صنوف التجارات. وعلم فضل
الرجل على المرأة بماذا كان وما الكمال الذي تشارك فيه المرأة الرجل. وعلم أصحاب
الحقوق. وعلم التقديس. وعلم العناية الإلهية. وعلم مراتب الخلفاء. وعلم ما حقيقة
الإيمان. وعلم المغيبات. وعلم ما يرغب فيه ويتمنى تحصيله. وعلم الموت. وعلم ما هو
لله وللخلق. وعلم الفرق بين نصيب الحسنة ونصيب السيئة. وعلم التوقيت وما يوقت مما لا
يدخله التوقيت. وعلم حرمة المؤمن ومكانته. وعلم الهجرة. وعلم إيمان الإيمان. وعلم
الرفق. وعلم السر والجهر. وعلم ما يجتمع فيه الملك مع الكامل من البشر، والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل، وهو على ما نقول وكيل.

٣٠٥
في المنازل/ الباب الأحد والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل التوحيد والجمع
الباب الأحد والثمانون وثلاثمائة
في معرفة منزل التوحيد والجمع، وهو يحتوي على خمسة آلاف مقام رفرفي وهو
من الحضرة المحمدية، وأكمل مشاهده من شاهده في نصف الشهر أو في آخره
[نظم: البسيط]
فَرْشاً كريماً لرُوحِ جَلَّ مِنْ رُوحِ
يا مَرْيَمُ ابْنَةَ عِمْرانَ التي خُلِقَتْ
من فوق سبع سَمْوَاتٍ من اللَّوْحِ
تَحَصَّنَتْ فأتاها الرُّوحُ يمنحُها
أُسْنَى وأشْرَقَ فينا من سَنَا يُوحٍ
أهْدَى لها هِبَةً عُلْيَا مُشَرَّفَةً
تُدْعَى إذا دُعِيَتْ باللُّطْفِ بِالرُّوحِ
تَخْيَا وليس لها سَيْفْ تُمِيتُ به
نعني بالهبة عيسى روح الله من قول جبريل لمريم: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾ [مريم:
١٩] ورد في الخبر أنه قيل لرسول الله وَس *: أين كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ فقال
رسول الله بَّ: ((كَانَ في عَمَاءِ ما فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ)) وقد ذكرنا فيما تقدم حديث
العماء وأن فيه انفتحت صور العالم، والذي يقوم عليه الدليل أن كل شيء سوى الله حادث
ولم يكن ثم كان فينفي الدليل كون ما سوى الله في كينونة الحق الواجب الوجود لذاته، فدوام
الإيجاد الله تعالى ودوام الانفعال للممكنات والممكنات هي العالم فلا يزال التكوين على
الدوام والأعيان تظهر على الدوام، فلا يزال امتداد الخلا إلى غير نهاية لأن أعيان الممكنات
توجد إلى غير نهاية ولا تعمر بأعيانها إلا الخلا، وقولنا فيما تقدم أن العالم ما عمر سوى
الخلا نريد أنه ما يمكن أن يعمر ملا لأن الملا هو العامر فلا يعمر في ملا، وما ثم إلا ملا، أو
خلا فالعالم في تجديد أبداً، فالآخرة لا نهاية لها، ولولا نحن لما قيل دنيا ولا آخرة، وإنما
كان يقال ممكنات وجدت وتوجد كما هو الأمر، فلما عمرنا نحن من الممكنات المخلوقة
أماكن معينة إلى أجل مسمى من حين ظهرت أعياننا ونحن صور من صور العالم سمينا ذلك
الموطن الدار الدنيا أي الدار القريبة التي عمرناها في أوّل وجودنا لأعياننا، وقد كان العالم
ولم نكن نحن، مع أن الله تعالى جعل لنا في عمارة الدار الدنيا آجالاً ننتهي إليها، ثم ننتقل
إلى موطن آخر يسمى آخرة فيها ما في هذه الدار الدنيا ولكن متميز بالدار كما هو هنا متميز
بالحال، ولم يجعل لإقامتنا في تلك الدار الآخرة أجلاً تنتهي إليه مدة إقامتنا، وجعل تلك
الدار محلاً للتكوين دائماً أبداً إلى غير نهاية، وبدل الصفة على الدار الدنيا فصارت بهذا
التبديل آخرة والعين باقية، وبقي من لا علم له من الله بالأمور في حيرة، فعلى الحقيقة ما ثم
حيرة في حق العلماء بالله وبنسبة العالم إلى الله فالعلماء في فرحة أبداً ومن عداهم في ظلم
الحيرة تائهون دنيا وآخرة، ولولا تجديد الخلق مع الأنفاس لوقع الملل في الأعيان لأن
الطبيعة تقتضي الملل، وهذا الاقتضاء هو الذي حكم بتجديد الأعيان ولذلك قال
رسول الله وَلَه عن الله تعالى: ((إنَّ اللهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا)) فعين ملل العالم هو ملل الحق،
ولا يمل من العالم إلا من لا كشف له ولا يشهد تجديد العالم مع الأنفاس على الدوام ولا
الفتوحات المكية ج٦ - م٢٠

٣٠٦
في المنازل/ الباب الأحد والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل التوحيد والجمع
يشهد الله خلاقاً على الدوام، والملل لا يقع إلا بالاستصحاب. فإن قلت: فالدوام على
تجديد الخلق استصحاب والملل ما وقع مع وجود الاستصحاب قلنا: الأحكام الذاتية لا
يمكن فيها تبدل والخلاق لذاته يخلق والعالم لذاته ينفعل فلا يصح وجود الملل، فالتقليب في
النعيم الجديد لا يقتضي الملل في المتقلب فيه لأنه شهود ما لم يشهد بفرح وابتهاج وسرور
ولهذا قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ وجد ويوجد إلى غير نهاية، فإن الرحمة
حكم لا عين، فلو كانت عيناً وجودياً لانتهت وضاقت عن حصول ما لا يتناهى فيها، وإنما
هي حكم يحدث في الموجودات بحدوث أعيان الموجودات من الرحمن الرحيم ﴿وَالرَّسِخُونَ
فِ الْعِلْمِ﴾ يعني في العلم بالله ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ مِنْ عِنْدِ رَيْنَا﴾ الرحمة والمرحوم ﴿ وَمَا يَذَّثَرُ
إلَّ أُوْلُواْ الْأَ لْبَبٍ﴾ [آل عمران: ٧] وهم الغواصون الذي يستخرجون لب الأمور إلى الشهادة
العينية، بعدما كان يستر ذلك اللب القشر الظاهر الذي كان به صونه، وهذا يحوي على تسعة
آلاف مقام، هكذا وقع الإخبار من أهل الكشف والوجود، منها ألف مقام لطائفة خاصة
ولطائفة أخرى ثلاثة آلاف مقام ولطائفة ثالثة خمسة آلاف مقام، فأرفع الطوائف الطائفة التي
لها ألف مقام، وتليها في الرفعة الطائفة التي لها ثلاثة آلاف مقام، وتليها الطائفة التي لها
خمسة آلاف مقام في الرفعة، وأعلى الطوائف من لا مقام له، وذلك لأن المقامات حاكمة
على من كان فيها، ولا شك أن أعلى الطوائف من له الحكم لا من يحكم عليه وهم الإلهيون
لكون الحق عينهم وهو أحكم الحاكمين، وليس ذلك لأحد من الناس إلا للمحمديين خاصة
عناية إلهية سبقت لهم كما قال تعالى في أمثالهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ
عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] يعني النار فإن النار من جملة هذه المقامات فهم على الحقيقة عن
المقامات مبعدون، فأصحاب المقامات هم الذين قد انحصرت هممهم إلى غايات ونهايات،
فإذا وصلوا إلى تلك الغايات تجددت لهم في قلوبهم غايات أخر تكون تلك الغايات التي
وصلوا إليها لهم بدايات إلى هذه الغايات الأخر فتحكم عليهم الغايات بالطلب لها ولا يزال
لهم هذا الأمر دائماً. وأما المحمدي فما له هذا الحكم ولا هذا الحصر، فاتساعه اتساع الحق
وليس للحق غاية في نفسه ينتهي إليه وجوده والحق مشهود المحمدي فلا غاية له في شهوده،
وما سوى المحمدي فإنه مشاهداً مكانه، فما من حالة يقام فيها ولا مقام إلا ويجوز عنده
انقضاؤه وتبدل الحال عليه أو إعدامه، ويرى أن ذلك من غاية المعرفة بالله حيث وفي الحكم
حقه بالنظر إلى نفسه وإلى ربه، وعيسى عليه الصلاة والسلام محمدي ولهذا ينزل في آخر
الزمان وبه يختم الله الولاية الكبرى وهو روح الله وكلمته وكلمات الحق لا تنفد، فليس
للمحمدي غاية في خاطره ينتهي إليها. فاعلم أن هذه المقامات المذكورة لا تدرك إلا بعين
الخيال إذا شوهدت، فإن صورها إذا مثلها الله فيما شاء أن يمثلها متخيلة فتراها أشخاصاً رأي
العين كما ترى المحسوسات بالعين وكما ترى المعاني بعين البصيرة، فإن الله إذا قلل الكثير
وهو كثير في نفس الأمر أو كثر القليل وهو قليل في نفس الأمر فما تراه إلا بعين الخيال لا
بعين الحس وهو البصر نفسه في الحالين كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيِكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِىَ أَعْيُنِكُمْ

٣٠٧
في المنازل/ الباب الأحد والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل التوحيد والجمع
قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِيَّ أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] وقال: ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ أَلْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣]
وما كانوا مثليهم في الحس، فلو لم ترهم بعين الخيال لكان ما رأيت من العدد كذباً ولكان
الذي يريه غير صادق فيما أراه إياك، وإذا كان الذي أراك ذلك أراكه بعين الخيال كانت الكثرة
في القليل حقاً والقلة في الكثرة حقاً لأنه حق في الخيال وليس بحق في الحس، كما أراك
اللبن في الخيال فشربته ولم يكن ذلك اللبن سوى عين العلم فما رأيته لبناً وهو علم إلا بعين
الخيال، ورأيت تلقينك ذلك العلم ممن تلقنته في صورة شربك اللبن كذلك في عين الخيال
والعلم ليس بلبن والتلقين ليس بشرب وقد رأيته كذلك، فلو رأيته بعين الحس لكان كذباً
لأنك رأيت الأمر على خلاف ما هو عليه في نفسه فما رأيته إلا بعين الخيال في حال يقظتك،
وإن كنت لا تشعر أنت بذلك فكذلك هو في نفس الأمر لأن الله صادق فيما يعلمه وهو في
الخيال صدق كما رأيته، وكذلك تلقيك العلوم من الله بالضربة باليد فعلم الضروب بتلك
الضربة علم الأولين والآخرين، والعلم لا يحصل إلا بالتعليم بالخطاب من المعلم أو بخلق
في النفس ضرورة وقد حصل في حضرة الخيال بالضرب فلا بد أن يكون الضرب مخيلاً
والمضروب في عينه مخيلاً إن كان في نوم أو يقظة لصدق الذي يرى ذلك وهو الله كما قال
تعالى: ﴿يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أََّ تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦] ولم تسع في نفس الأمر، وهكذا كل ما تراه
على خلاف ما هو عليه في نفسه ما تراه إلا بعين الخيال حتى يكون صدقاً، ولهذا يعبر كل ما
وقع من ذلك أي يجوز به العابر إلى المعنى الذي أراد الله بتلك الصورة فلا تغفل عن مثل هذا
العلم وفرّق بين الأعين.
واعلم أنك لا تقدر على ذلك إلا بقوّة إلهية يعطيها الله من شاء من عباده فتعرّض
لتحصيلها من الله فإنك مخبر بما رأيت أنك رأيته بحسك ولم يكن الأمر كذلك فتحرّز في
العبارة فيما تراه كما يفعله المصنف، ألا ترى الصحابة لو وفوا النظر الصحيح حقه وأعطوا
المراتب حقها لم يقولوا في جبريل عليه السلام أنه دحية الكلبي ولقالوا إن لم يكن روحانياً
تجسد وإلا فهو دحية الكلبي أدركناه بالعين الحسي فلم يحرروا ولا أعطوا الأمر الإلهيّ حقه
فهم الصادقون الذين ما صدقوا، فقال لهم رسول الله وَالر: ((هو جِبْريل)) فحينئذ عرفوا ما رأوا
وبماذا رأوا كما قالوا فيه لما تمثل لهم في صورة أعرابي مجهول عندهم حين جاء يعلم الناس
دينهم فقال رسول الله وَ ر: ((أَتَذْرُونَ مَنِ السَّائِلُ؟)) فَقَالُوا الله ورسوله أعلم لكونه ظهر في
صورة مجهولة عندهم فقال لهم: ((لهذا جِبْرِيلُ)) فإن كان هذا الحديث بعد حديث دحية فقولهم
الله ورسوله أعلم يحتمل أنهم أرادوا احتمال المعنى أو الصورة الروحية أو يكون إنساناً في
نفس الأمر، وإن كان هذا الحديث أولاً فما جهلوا أنه إنسان ولكن جهلوا اسمه ولمن ينتسب
من قبائل العرب، فلا يعرف الرائي أنه أدرك ما أدركه بعين الخيال ما لم يعلم المدرك ما هو
وما في الكون أعظم شبهة من التباس الخيال بالحس، فإن الإنسان إن تمكن في هذا النظر
شك في العلوم الضرورية، وإن لم يتمكن فيه أنزل بعض الأمور غير منزلتها، فإذا أعطاه الله
قوّة التفصيل أبان له عن الأمور إذا رآها بأي عين رآها فيعلم ما هي إذا علم العين التي رآها به

٣٠٨
في المنازل/ الباب الأحد والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل التوحيد والجمع
من نفسه، فأكد ما على أهل علم الله هذا العلم، وكثير من أهل الله من لا يجعل باله لما
ذكرناه، ولولا علمه بنومه فيما يراه أنه رآه في حال نومه ما قال إنه خيال، فكم يرى في حال
اليقظة مثل هذا ويقول إنه رأى محسوساً بحسه، ألا تراه و # في صدق رؤياه أنه ما يجري
على نفسه حال في جسده إلا ويظهر ذلك له في صورة مجسدة إذا هو نام فيحكم على
محسوسه بما علمه من صورة متخيلة فقيل له في الوضوء عندما نام ونفخ فلم يتوضأ وصلى
بالوضوء الذي نام عليه: ((إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي)) يقول إنه لما انقلب إلى عالم الخيال
ورأى صورته هناك وهو قد نام على طهارة ما رأى أن تلك الصورة أحدثت ما يوجب
الوضوء، فعلم أن جسده المحسوس ما طرأ عليه ما ينقض وضوءه الذي نام عليه، ولهذا نقول
في النوم إنه سبب للحدث وما هو حدث، فمن حصل له هذا المقام وكان بهذه الصفة ونام
على طهارة ورأى نفسه في النوم فلينظر في تلك الصورة المرئية التي هي عينه فإن أحس
بحدث فما يقوم بها حدث حتى يحدث بجسده النائم أي يكون منه ما ينقض الوضوء إما بعين
ذلك الحدوث وإما أن يكون صورة تعريف بأنه أحدث فيتوضأ إذا قام من نومه، فإن من
الإحداث في النوم ما يكون له أثر في الجسد النائم، كالاحتلام في بعض الأوقات وكالذي
يرى أنه يبول فيبول في فراشه فيستيقظ فيجد في الحس قد وقع ما رآه في النوم وقد لا يجد
لذلك أثراً فيكون تنبيهاً له أنه أحدث، هذا يطرأ للعلماء بهذه الصفة. وقد كان مثل هذا للشيخ
الضرير أبي الربيع المالقيّ شيخ أبي عبد الله القرشيّ بمصر فكان يوم الاثنين خاصة إذا نام فيه
تنام عيناه ولا ينام قلبه، وهذا باب واسع المجال وهو عند علماء الرسوم غير معتبر ولا عند
الحكماء الذين يزعمون أنهم قد علموا الحكمة وقد نقصهم علم شموخ هذه المرتبة على سائر
المراتب ولا قدر لها عندهم فلا يعرف قدرها ولا قوّة سلطانها إلا الله ثم أهله من نبيّ أو وليّ
مختص غير هذين، فلا يعرف قدر هذه المرتبة والعلم بها أوّل مقامات النبوة، ولهذا كان
رسول الله وَ﴿ إذا أصبح وجلس بين أصحابه يقول لهم: ((هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى رُؤْيَا؟)) وذلك
ليرى ما أحدث الله البارحة في العالم أو ما يحدثه في المستقبل، وقد أوحى به إلى هذا الرائي
في منامه إما صريح وحي وإما وحي في صورة يعلمها الرائي ولا يعلم ما أريد بها فيعبرها
رسول الله ◌َي لما أراد الله بها، فهذا كان من اعتنائه وَل بهذه المرتبة المجهولة عند العلماء،
وما أحسن تنبيه الله أولي الألباب من عباده وأهل الاعتبار إذ قال: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِرُكُمْ فِ
اُلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٦] فمن الأرحام ما يكون خيالاً فيصور فيه المتخيلات كيف
يشاء عن نكاح معنوي وحمل معنوي يفتح الله في ذلك الرحم المعاني في أي صورة مّا شاء
ركبها، فيريك الإسلام فيه والقرآن سمناً وعسلاً والقيد ثبات في الدين والدين قميصاً سابغاً
وقصيراً درعاً ومجولاً ونقياً ودنساً على حسب ما يكون الرائي أو من يرى له عليه من
الدين. ولقد رأيت لقاضي دمشق عندما ولي القضاء بدمشق وهو شمس الدين أحمد بن مهذب
الدين خليل الجوني وفقه الله وسدده بملائكته وعصمه في أحكامه وقائل يقول له في النوم: إن
الله قد خلع عليك ثوباً نقياً سابغاً فلا تدنسه ولا تقلصه واستيقظت وذكرتها له، فالله يجعله

٣٠٩
في المنازل/ الباب الأحد والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل التوحيد والجمع
ممن حفظ الوصية الإلهية، فالخيال من جملة الأرحام التي تظهر فيها الصور، وهذه الحضرة
الخيالية لما قبلت المعاني صوراً قال الله فيها: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل
عمران: ١٤] أي في النساء فصور الحب صورة زينها لمن شاء من عباده فأحبها بنفسها ما أحبها
بغيرها لأنه تعالى ما زين له إلا حب الشهوة فيما ذكره فالحب المطلق زين له ثم علقه بالشهوة
فيما ذكره وعلقه لمن شاء في الشهوة أيضاً في أمر آخر، وإنما ذكر الشهوة لأنها صورة طبيعية
فإن الخيال حصرته الطبيعة ثم يحكم الخيال عليها فيجسدها إذا شاء، فهذا فرع يحكم على
أصله لأنه فرع كريم ما أوجد الله أعظم منه منزلة ولا أعم حكماً يسري حكمه في جميع
الموجودات والمعدومات من محال وغيره، فليس للقدرة الإلهية فيما أوجدته أعظم وجوداً
من الخيال، فبه ظهرت القدرة الإلهية والاقتدار الإلهيّ، وبه كتب على نفسه الرحمة وأمثال
ذلك، وأوجب عموماً وهو حضرة المحلى الإلهيّ في القيامة وفي الاعتقادات فهو أعظم
شعائر الله على الله، ومن قوة حكم سلطانه ما تثبته الحكماء مع كونهم لا يعلمون ما قالوه ولا
يوفونه حقه وذلك أن الخيال وإن كان من الطبيعة فله سلطان عظيم على الطبيعة بما أيده الله به
من القوة الإلهية، فإذا أراد الإنسان أن ينجب ولده فليقم في نفسه عند اجتماعه مع امرأته
صورة من شاء من أكابر العلماء، وإن أراد أن يحكم أمر ذلك فليصورها في صورتها التي
نقلت إليه أو رآه عليها المصور ويذكر لامرأته حسن ما كانت عليه تلك الصورة، وإذا صوّرها
المصوّر فليصوّرها على صورة حسن علمه وأخلاقه، وإن كانت صورته المحسوسة قبيحة
المنظر فلا يصوّرها إلا حسنة المنظر بقدر حسن علمه وأخلاقه كأنه يجسد تلك المعاني
ويحضر تلك الصورة لامرأته ولعينه عند الجماع ويستفرغان في النظر إلى حسنها، فإن وقع
للمرأة حمل من ذلك الجماع أثر في ذلك الحمل ما تخيلاه من تلك الصورة في النفس فيخرج
المولود بتلك المنزلة ولا بد حتى أنه إن لم يخرج كذلك فلأمر طرأ في نفس الوالدين عند
نزول النطقة في الرحم أخرجهما ذلك الأمر عن مشاهدة تلك الصورة في الخيال من حيث لا
يشعرون، وتعبر عنه العامّة بتوحم المرأة، وقد يقع بالاتفاق عند الوقاع في نفس أحد الزوجين
أو الزوجين صورة كلب أو أسد أو حيوان ما فيخرج الولد من ذلك الوقاع في أخلاقه على
صورة ما وقع للوالدين من تخيل ذلك الحيوان وإن اختلفا فيظهر في الولد صورة ما تخيله
الوالد وصورة ما تخيلته الأم حتى في الحس الظاهر في الصورة أو في القبح، وهم مع
معرفتهم بهذا السلطان لا يرفعون به رأساً في اقتناء العلوم الإلهية لأنهم لجهلهم يطمعون في
غير مطمع وهو التجرّد عن الموادّ، وذلك لا يكون أبداً لا في الدنيا ولا في الآخرة، فهو أمر
أعني التجرّد عن الموادّ يعقل ولا يشهد، وليس لأهل النظر غلط أعظم من هذا ولا يشعرون
بغلطهم ويتخيلون أنهم في الحاصل وهم في الفائت فيقطعون أعمارهم في تحصيل ما ليس
يحصل لهم، ولهذا لا يسلم عقل من حكم وهم ولا خيال وهو في عالم الملائكة والأرواح
إمكان فلا يسلم روح ولا عالم بالله من إمكان يقع له في كل ما يشهده لأن كل ما سوى الله
حقيقته من ذاته الإمكان والشيء لا يزول عن حكم نفسه، فلا يرى ما يراه من قديم ومحدث

٣١٠
في المنازل/ الباب الأحد والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل التوحيد والجمع
إلا بنفسه فيصحبه الإمكان دائماً ولا يشعر به إلا من علم الأمر على ما هو عليه فيعقل التجريد
وهماً ولا يقدر عليه في نفسه لأنه ليس ثم، وهنا زلت أقدام الكثيرين إلا أهل الله الخاصة
فإنهم علموا ذلك بإعلام الله. ألا ترى إلى زكريا عليه السلام لما دخل على مريم المحراب
وهي بتول محرّرة وقد علم زكريا ذلك ورأى عندها رزقاً آتاها الله فطلب من الله عند ذلك أن
يهبه ولداً حين تعشقٍ بحالها فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُنكَ﴾ يقول من عندك عندية رحمة ولين
وعطف ﴿ذُرِيَّةٌ طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] ومريم في خياله من حيث مرتبتها وما
أعطاها الله من الاختصاص بالعناية الإلهية ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَئِكَهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى الْمِحْرَابِ﴾ لأنه
دخل عليها المحراب عندما وجد عندها الرزق ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِرُكَ بِيَحْتَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
وَسَيِّدًا﴾ وهو الكمال لأن مريم كملت فكمل يحيى بالنبوّة ﴿وَحَصُورًا﴾ وهو الذي اقتطعه الله
عن مباشرة النساء وهو العنين عندنا كما اقتطع مريم عن مباشرة الرجال وهي البتول، فكان
يحيى عليه السلام زير نساء كما كانت حنة مريماً لأن المريم المنقطعة من الرجال واسمها حنة
ومريم لقب لها وصفت به لما ذكرناه آنفاً، فانظر ما أثر سلطان الخيال من زكريا في ابنة يحيى
عليهما السلام حين استفرغت قوّة زكريا في حسن حال مريم عليها السلام لما أعطاها الله من
المنزلة ﴿وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] فما عصى الله قط وهو طلب الأنبياء كلهم أن
يدخلهم الله برحمته في عباده الصالحين، وهم الذين لم يقع منهم معصية قط كبيرة ولا
صغيرة، وما رأيت أعجب من حال زكريا عليه السلام وما رأيت من ظهر فيه سلطان الإنسانية
مثله، هو الذي يقول: ﴿هَبْ لِ مِنْ لَّدُنْكَ ذُرِيَّةٌ طَيِّبَةٌ﴾ [آل عمران: ٣٨] فما سأل حتى تصوّر
الوقوع ولا بقوله: ﴿رَبِّ أَّ يَكُونُ لِ غُلَمُ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَأَمْرَأَتِى عَافِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠] فأين
هذه الحالة من تلك الحالة فإن لم يكن ثم قرينة حال جعلته أن يقول مثل هذا حتى يقال له في
الوحي: ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] فيكون قصده إعلام الله بذلك حتى يعلم
غيره أن الله يفعل ما يشاء في المعتاد أن يخرقه كما وقع، وإن كان ذلك القول من نفسه فقد
أعطته الإنسانية قوّتها، فإن الإنسان بذاته كما ذكره الله في كتابه، فما ذكره الله في موضع إلا
وذكر عند ذكره صفة نقص تدل على خلاف ما خلق له، لأن الله خلق الإنسان في أحسن
تقويم وهو أنه خلقه تعالى ثم ردّه إلى أسفل سافلين ليكون له الرقيّ إلى ما خلقه الله له ليقع
الثناء عليه بما ظهر منه من رقيه، فمن الناس من بقي في أسفل سافلين الذي ردّ إليه لأنه منه
خلق ولولا ذلك ما صح ردّه، وليس أريد بأسفل سافلين إلا حكم الطبيعة التي منه نشأ عندما
أنشأ الله صورة جسده وروحه المدبرة له فرده إلى أصل ما خلقه منه فلم ينظر ابتداء إلا إلى
طبيعته وما يصلح جسده، وأين هو من قوله بلى عن معرفة صحيحة.
واعلم أن في حضرة الخيال في الدنيا يكون الحق محل تكوين العبد، فلا يخطر له
خاطر في أمر ما إلا والحق يكوّنه في هذه الحضرة، كتكوينه أعيان الممكنات إذا شاء ما يشاء
منها فمشيئة العبد في هذه الحضرة من مشيئة الحق، فإن العبد ما يشاء إلا أن يشاء الله، فما
شاء الحق إلا أن يشاء العبد في الدنيا ويقع بعض ما يشاء العبد في الدنيا في الحس، وأما في

٣١١
في المنازل/ الباب الأحد والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل التوحيد والجمع
الخيال فكمشيئة الحق في النفوذ فالحق مع العبد في هذه الحضرة على كل ما يشاؤه العبد،
كما هو في الآخرة في عموم حكم المشيئة لأن باطن الإنسان هو ظاهره في الآخرة، فلذلك
يتكوّن عن مشيئته كل شيء إذا اشتهاه، فالحق في تصريف الإنسان في هذه الحضرة في الدنيا
وفي شهوته في الآخرة لا في الدنيا حساً، فالحق تابع في هذه في الحضرة وفي الآخرة لشهوة
العبد، كما هو العبد في مشيئته تحت مشيئة الحق، فما للحق شأن إلا مراقبة العبد ليوجد له
جميع ما يريد إيجاده في هذه الحضرة في الدنيا وكذلك في الآخرة، والعبد تبع للحق في
صور التجلي، فما يتجلى الحق له في صورة إلا انصبغ بها فهو يتحوّل في الصور لتحوّل
الحق، والحق يتحوّل في الإيجاد لتحوّل مشيئة العبد في هذه الحضرة الخيالية في الدنيا خاصة
وفي الآخرة في الجنة عموماً.
ولما خلق الله همماً فعالة في الوجود في الحس وهمماً غير فعالة في الوجود في الحس
ظهر بذلك التفاضل في الهمم كما ظهر التفاضل في جميع الأشياء حتى في الأسماء الإلهية،
والهمم الفعالة في الدنيا قد تفعل في همم غير أصحابها وقد لا تفعل مثل قوله فيما لا تفعل :
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فبعض الهمم الفعالة والمنفعلة قد لا تنفعل لهمة
فعالة فيريد منه أن يريد أمراً ما فلا يريده من يريد منه أن يريده لأن الهمم تتقابل للجنسية فلهذا
قد لا تؤثر فيها، فإذا تعلقت بغير الجنس أثرت كل همة فعالة ولا بد، وأما في جنسها أعني
في الهمم فقد تنفعل لها بعض الهمم وقد لا تنفعل، وقد ظهر ذلك في الرسل عليهم السلام
وأتباعهم يريد الرسول من شخص أن يريد الإسلام فيريده فيسلم ويريد من آخر أن يريد
الإسلام فلا يريده، فلو تعلقت همة الرسول بتحريك الألسنة بالشهادة بالتوحيد من غير إرادة
الناطق بها لوقعت عموماً ولكن لا تنفع صاحبها، وإن كانت تنفع للسانه فإن لسانه ما عصى
الله قط من حيث نفسه وإنما وقعت فيه المخالفة لا منه من حركة المريد تحريكه فهو مجبور
حيث لم يعط الدفع عن نفسه لكونه من آلات النفس فهو طائع من ذاته، ولو فتح الله سمع
صاحبه لنطق اللسان الذاتي إذا جعلته النفس يتلفظ بمخالفة ما أراد الشرع أن يتلفظ به لبهت،
فلهذا قلنا إن المخالفة ظهرت فيه للجبر لا منه فإنه طائع بالذات شاهد عدل على محرّکه كما
ورد: ﴿يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلَِّنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وكذلك كل جارحة
مصرفة من سمع وبصر وفؤاد وجلد وعصب وفرج ونفس وحركة: [البسيط]
وفي عَمَايَةٍ عَمَّا هُمْ عَلَيْه له
والنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عمّا يُرَادُ بهم
فالإنسان سعيد من حيث نشأته الطبيعية، ومن حيث نشأة نفسه الناطقة بانفراد كل نشأة
عن صاحبتها، وبالمجموع ظهرت المخالفة وما عين المخالفة إلا التكليف، فإذا ارتفع
التكليف حيث ارتفع ارتفع الحكم بالمخالفة ولم يبق إلا موافقة دائمة وطاعة ممكن لواجب
مستمرّة، كما هو في نفس الأمر في وقت المخالفة مطيع للمشيئة مخالف لأمر الواسطة
للحسد الذي في الجنس .
وفي هذا المنزل من العلوم: علم توحيد الحق وتصديق المخبرين عن الحق وهم

٣١٢
في المنازل/ الباب الأحد والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل التوحيد والجمع
التراجمة السفراء من بشر وملك وخاطر. وعلم الفرقان بالعلم بما تميزت به الأشياء وهذا هو
علم التوحيد العام الذي يسري في كل واحد واحد من العالم. وعلم الكشف الإلهيّ. وفيه
علم التناسل الذي لا ينقطع دنيا ولا آخرة. وفيه علم الحضرة التي وقع فيها التشبيه بين الأشياء
والاشتراك في الصورة. وفيه علم ما ينفرد به الحق من العلم دون الخلق مما لا يعلمه الخلق
إلا بإعلام الله. وفيه علم الميل والاستقامة. وفيه علم الجمع للتفصيل. وفيه علم العوائد
لماذا ترجع وما ثم تكرار والإعادة تكرار فالأمر مشكل وسبب إشكاله ذكر الحق للعادة
والإعادة والكشف يعطي عدم الإعادة في الكون لا الإعادة في نشء الآخرة فإن تلك الإعادة
حكم إلهي في حق أمر ما مخصوص بمنزلة من خرج من دار ثم عاد إليه فالدار الدار والخارج
الداخل وما ثم إلا انتقال في أحوال لا ظهور أعيان مع صحة إطلاقها أن الخارج من الدار عاد
إلى داره فعلمنا متعلق الإعادة. وفيه علم المفاضلة بالدار. وفيه علم نعوت أهل الله. وفيه
علم ما يشترك فيه الحق والعالم العالم بالله وما ثم إلا عالم بالله غير أنه من العلماء من يعلم أنه
عالم بالله، ومن الناس من لا يعلم أنه عالم بالله وهو على علم بمن يشهد ويعاين ولا يعلم أنه
الحق، فلو سألته هل تعلم الله؟ قال لا، فلو سألته فيما شهده هل تعلم هذا الذي شهدته من
حيث ما هو مشهود لك؟ يقول: نعم، يقال له: فمن هو؟ يقول: هذا الذي أشهده، فيقال له:
فمن يقال له؟ يقول لا أدري، فإذا قيل له: هو كذا أي هو فلان بالاسم الذي يعرفه به ولكن ما
عرف أن هذا المشهود هو مسمى ذلك الاسم فما جهل إلا حمل هذا الاسم على هذا
المشهود، فقد كان موصوفاً بعلم الاسم وموصوفاً بعلم المشهود من حيث ما هو مشهود له،
وما استفاد إلا كون هذا المشهود مسمى ذلك الاسم المعلوم. وفيه علم انقياد الخلق للحق
وأنه نتيجة عن انقياد الحق للخلق لطلب الممكن الواجب فانقاد له الواجب فيما طلبه فأوجده
ولم يك شيئاً. وفيه علم سبب الاختلاف الواقع في العالم مع العلم بما يوجب رفع الاختلاف
فما الذي حكم على العلم مع قوّة سلطانه؟ وفيه علم الاغترار وما سببه الذي أظهره. وفيه علم
ما هو العمل والكسب والفرق بين الكسب والاكتساب لأن الله ميز الكسب من الاكتساب
باللام وبـ((على)) فقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتّْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وفيه علم الاختيار
الإلهيّ. وفيه علم متى يستند إلى الضد فيكون الضد رحمة لضده مع أنه عدوّ له بالطبع. وفيه
علم التحجير عن الخوض في الله. وفيه علم الإحاطة بالأعمال إحاطة مشاهد لا إحاطة تلبس
وفي أي خزانة ادخرت إلى وقت شهودها وما حكمها بعد شهودها في نفسها وفيما يعود منها
على العامل لها. وفيه علم ما الحضرة التي تقلب الحقائق ولا تقلب نفسها وهي من جملة
الحقائق. وفيه علم المناسبات. وفيه علم ما يرجع إليه في الحكم مما لا يتصف بالقول ومع
ذلك فله الفصل في بعض القضايا وهو الاقتراع وأمثاله. وفيه علم الغاية التي تطلبها الرسل من
الله في هذه الدار. وفيه علم النيابة الإلهية في التكوين. وفيه علم غريب متعلق بالمحبة وهو
الزهد في المحبوب من أجل المحبوب مع اتصافه بالحب في المزهود فيه وبقاء ذلك الوصف
عليه. وفيه علم الاعتصام. وفيه علم البياض والسواد ولبعض أهل الطريق تأليف فيه سماه

٣١٣
في المنازل/ الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم
البياض والسواد. وفيه علم فضل الأمم بعضهم على بعض وفضل هذه الأمة المحمدية على
سائر الأمم وهل من أمة محمد ◌ّل# من كان قبل بعثته فرآه في كشفه وآمن به واتبعه في قدر ما
كشف له منه؟ وهل يحشر من هذه صفته في أمته أو يحشر أمة وحده أو كان صاحب هذا
الكشف متبعاً لشرع نبيّ خاص كعيسى أو موسى أو من كان من الرسل عليهم السلام فرأى
مشاهدة أن الشرع الذي جاء به ذلك النبيّ الخاص الذي هذا متبعه أنه نائب فيه عن محمد والهول
وأن ذلك شرعه فاتبعه على أنه شرع محمد # وأن ذلك الرسول مبلغ عنه ما ظهر به من
الشرع، فهل يحشر مثل هذا في أمة محمد # أو يكون من أمة ذلك النبيّ؟ ثم إنه إذا اتفق أن
يحشر في أمة ذلك الرسول ثم دخل الجنة ونال منزلته هل ينالها في منازل هذه الأمة
المحمدية، أو لا ينزل منها إلا في منازل أتباع ذلك الرسول وأمته؟ وله في منازل ذلك الرسول
مع أمته منازل من حيث ما هو متبع وله منازل مع الأمة المحمدية من حيثما اتبعه بما أعطاه
الكشف الذي ذكرناه آنفاً. وفيه علم الصحبة ومن يصحبك بالصفة، ومن يصحبك بالوجه،
ومن يصحبك لك، ومن يصحبك لنفسه، ومن يصحبك الله، ومن أولى بالصحبة، ومن
يصحب الله، ومن له مقام أن يصحب ولا يصحب أحداً، والفرق بين الصحبة والمصاحبة.
وفيه علم المقامات والأحوال. وفيه علم نعم وبئس. وفيه علم الجزاء في الدنيا. وفيه علم
اتصاف العالم بالاستفادة فيما هو به عالم. وفيه علم أصناف المقربين ودرجاتهم في القربة من
كل أمة. وفيه علم من يريد الله ومن يريد غير الله وما متعلق الإرادة؟ وهل يصدق من يقول أنه
يريد الله أو لا يصدق؟ وفيه علم الالتباس في الموت ومن اتصف بالضدين. وفيه علم
الاستدراج. وفيه علم ما يقلبه الحق من النعوت ولا ينبغي أن تنسب إليه لكونها في العرف
والشرع صفة نقص في الجناب الإلهيّ وهي شرف ورفعة في المحدث. وفيه علم فنون من
العلوم. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة
في معرفة منزل الخواتم وعدد الأعراس الإلهية والأسرار الأعجمية موسوية لزومية
[نظم: البسيط]
إلّ الذي جَمَعَ الأطرافَ والوَسَطَا
عِلْمُ البرازخ عِلْمٌ ليس يُذْرِكُهُ
كونيَّة فبه في العالمين سَطًا
له النفوذُ به في كل نازلةٍ
وإن أراد بشخص نعمةٌ بَسَطًا
فإن أراد بشخص نقمةً قَبَضا
في العالمين تراه فيه قد قَسَطًا
إِنْ أقْسَطَ الخَلْقُ في ميزان رحمته
اعلم أنه لما كانت الخواتم أعيان السوابق علمنا أن الوجود في الصور دائرة انعطف
أبدها على أزلها، فلم يعقل إله إلا وعقل المألوه، ولا عقل رب إلا وعقل المربوب، ولكل
معقول رتبة ليست عين الأخرى، كما نعلم أن بين الخاتمة والسابقة تميزاً معقولاً به، يقال عن
الواحدة سابقة، وعن الأخرى خاتمة. وإنما قلنا إن الخاتمة عين السابقة إنما ذلك في الحكم

٣١٤
في المنازل/ الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم
على المحكوم عليه، وبالمحكوم عليه تبينت الخاتمة من السابقة. واعلم أن الأعراس على
قسمين: عرس لعقد وعرس لعقد ودخول، وعرس بدخول ولا عقد، والعقد عبارة عما يقع
عليه رضى الزوجين، والدخول وطء لوجود لذة أو لإيجاد عين، ودخول بلا عقد عرس
الإماء، ولما لم يكن في الأنكحة أفضل من نكاح الهبة لأنه لا عن عوض كالاسم الواهب
الذي يعطي لينعم اختص به لفضله أفضل الخلق وهو محمد رَ له: ﴿وَامْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ
نَفْسَهَا لِلنَّبِّ إِنْ أَرَدَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وكل نكاح
خارج عما ذكرناه فهو سفاح لا نكاح، أي هو بمنزلة الشيء السائل الذي لا ثبات له لأنه لا
عقد فيه ولا رباط ولا وثاق.
ثم نرجع ونقول: فأما الخواتم فتعينها الآجال، ولولا ذلك ما كان لشيء خاتمة لأن
الخاتمة انتهاء في الموصوف بها ولكل خاتمة سابقة ولا ينعكس، فمن نظر إلى دوام تنزل
الأمر الإلهيّ واسترساله قال ما ثم خاتمة، ومن نظر إلى الفصل بين الأشياء في التنزل قال
بالخواتم في الأشياء لكون الفصول تبينها مثال ذلك ولكن كل هذا في عالم الانقسام
والتركيب، فإذا نظرت في القرآن مثلاً بين الكلمتين والآيتين والسورتين فتقول عند وجود
الفصل المميز بين الأمرين، فإن وقع بين كلمتين فخاتمة الأولى حرف معين، وإن كان آيتان
فخاتمة الأولى كلمة معينة، وإن كان سورتان فخاتمة الأولى آية معينة، وإن كان أمر حادث
قيل أجله كذا في الدنيا لأن كل ما في الدنيا يجري إلى أجل مسمى فتنتهي فيه المدة بالأجل،
فخاتمة ذلك الشيء ما ينتهي إليه حكمه، فانتهاء الأنفاس في الحيوان آخر نفس يكون منه عند
انتقاله إلى البرزخ، ثم تنتهي المدة في البرزخ إلى الفصل بينه وبين البعث، ثم تنتهي المدة في
القيامة إلى الفصل بينها وبين دخول الدارين، ثم تنتهي المدة في النار في حق من هو فيها من
أهل الجنة إلى الفصل الذي بين الإقامة فيها والخروج منها بالشفاعة والمنة، ثم تنتهي المدة
في عذاب أهل النار الذين لا يخرجون منها إلى الفصل بين حال العذاب وبين حصول حكم
الرحمة التي وسعت كل شيء، فهم يتنعمون في النار باختلاف أمزجتهم كما قد ذكرناه، ثم لا
يبقى بعد ذلك أجل ظاهر بالمدة ولكن آجال خفية دقيقة، وذلك أن المحدث الدائم العين من
شأنه تقلب الأحوال عليه ليلزمه الافتقار إلى دوام الوجود له دائماً فلا تفارق أحواله الآجال،
فلا يزال في أحواله بين سابقة وخاتمة. وأما الإيمان فسابقته لا إله إلا الله، وخاتمته إماطة
الأذى عن الطريق، فعبر الشارع عن السابقة بالأعلى وعن الخاتمة بالأدون، فلا أعلى في
الإيمان من التوحيد، ولا أدنى فيه من إماطة الأذى عن الطريق ومن ذلك طريق التوحيد، فإن
الأذى الذي في طريقه الشرك الجلي والخفي، فالخفي الأسباب وهي بين خفي وأخفى،
فالأخفى الأسباب الباطنة، والخفي الأسباب الظاهرة، والجلي نسبة الألوهة إلى المحدثات
فيميط الموحد، هذه كلها عن قلبه وقلب غيره فإنها أذى في طريق التوحيد، وكل أذى في
طريق من طرق الإيمان بحسب الصفة التي تسمى إيماناً فما يضادها يسمى أذى في طريقها،
فالذي يزال به الأذى من تلك الصفة المعينة هو خاتمة تلك الصفة كان ما كان، ولا خاتمة

٣١٥
في المنازل/ الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم
لحكم الله في عباده بالجملة والإطلاق ولا سابقة، فإن العدم الذي للممكن المتقدم على
وجوده لم يزل مرجحاً له بفرض الوجود الإمكاني له فلا سابقة له، وهو علم دقيق خفي
تصوره سهل ممتنع لأنه سريع التفلت من الذهن عند التصور، فليس الحدوث للمكن إلا من
حيث وجوده خاصة عند جميع النظار وعندنا ليس كذلك، وإنما الحدوث عندنا في حقه كون
عدمه ووجوده لم يزل مرجحاً على كل حال لأنه ممكن لذاته، وإن كان بعض النظار قد قال
حدوثه ليس سوى إمكان ولكن ما بين هذا البيان الذي بينته في ذلك يتطرق الاحتمال إلى كلام
هذا الحاكم فإنه يحتمل أن يكون عنده من أسماء الترادف، فيكون كونه يسمى حادثاً كونه
یسمی ممكناً، ويحتمل أن یرید ما أردناه من کون العدم الذي یحکم علیه به أنه لذاته هو عندنا
مرجح لم يزل، فإن توسعنا في العبارة مع النظار لم نقل إن عدم الممكن لنفسه لأنه لو كان
العدم له صفة نفس لاستحال وجوده كما يستحيل وجود المحال، ولكن كما نقول تقدم العدم
له على الوجود لذاته لا العدم وبينهما فرقان عظيم، ولكن ليس مذهبنا فيه إلا أن عدمه لم يزل
مرجحاً، فوجود الممكن له سابقة لكونه لم يكن ثم كان ولكن من حيث عينه إذا كان قائماً
بنفسه لا من حيث صورته، فلا خاتمة له في عينه، وله الخواتم في صورته بالأمثال
والأضداد، فكل حادث سوى الأعيان القائمة بأنفسها فله سابقة وخاتمة، لكن سابقته عين
خاتمته، لأنه ليس له في كونه غير زمان كونه خاصة ثم ينعدم لنفسه، وإنما تتميز السابقة فيه
من الخاتمة بالحكم فتحكم عليه بالوجود في السابقة وبالعدم في الخاتمة، وفي عين سابقته
عين خاتمته، لأنه ليس له وجود في الزمان الثاني من زمان وجوده فافهم واعلم أن السالك إذا
وصل إلى الباب الذي يصل إليه كل سالك بالاكتساب فآخر قدم في السلوك هو خاتمة
السالكين، ثم يفتح الباب وتخرج العطايا والمواهب الإلهية بحكم العناية والاختصاص لا
بحكم الاكتساب، وهذا الباب الإلهي قبول كله لا رد فيه البتة، بخلاف أبواب المحدثات وفيه
أقول : [الخفيف]
أمْكَنَ الرَّدُّ والقَبُولُ جَمِيعًا
كُلُّ باب إذا وَصَلْتَ إليه
للذي جاءه سميعاً مُطِيعًا
غَيْرُ باب الإلهِ فهو قبولٌ
أنه البابُ خَرَّ ثمَّ صَريعا
والذي ردّ إذ تخيّل فيه
إنّ بابي لمن يريد خُشُوعًا
فيناديه رَبُّهُ ليس بابي
كنت عمايَنْتَ فيك أمْراً بَديعَا
لو تَفَطَّنْتَ حين جثْتَ إليه
فاسْكُبِ أَنْ شئت للفراق دُمُوعا
أنت ما أنت لست أنت سوانا
ولما وصلت في جماعة الواصلين من أهل زماني إلى هذا الباب الإلهيّ وجدته مفتوحاً
ما عليه حاجب ولا بواب، فوقفت عنده إلى أن خلع عليّ خلعة الوارثة النبوية ورأيت خوخة
مغلقة فأردت قرعها فقيل لي: لا تقرع فإنها لا تفتح، فقلت: فلأي شيء وضعت؟ قيل لي :
هذه الخوخة التي اختص بها الأنبياء والرسل عليهم السلام ولما كمل الدين أغلقت، ومن هذا
الباب كانت تخلع على الأنبياء خلع الشرائع. ثم أني التفت في الباب فرأيته جسماً شفافاً

٣١٦
في المنازل/ الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم
يكشف ما وراءه، فرأيت ذلك الكشف عين الفهم الذي للورثة في الشرائع وما يؤدّي إليه
اجتهاد المجتهدين في الأحكام، فلا زمت تلك الخوخة والنظر فيما وراء ذلك الباب فجليت
لي من خلفه صور المعلومات على ما هي عليه، فذلك عين الفتح الذي يجده العلماء في
بواطنهم ولا يعلمون من أين حصل لهم إلا أن كوشفوا على ما كشف لنا، فالنبوّة العامة لا
تشريع معها، والنبوّة الخاصة التي بابها تلك الخوخة هي نبوّة الشرائع فبابها مغلق والعلم بما
فيها محقق فلا رسول ولا نبيّ، فشكرت الله على ما منح من المنن في السر والعلن، فلما
اطلعت من الباب الأوّل الذي يصل إليه السالكون الذي منه تخرج الخلع إليهم رأيت منه شكر
الشاكرين كالصور التي تجلت لنا خلف الخوخة والظاهر من الشكر كالخوخة، فلم أر شاكراً
إلا لواحد من خلف الكلمات الظاهرة، فلم أجد في تلك الحالة مساعداً لي على الشكر،
فقلت أخاطب ربي تعالى عزّ وجلّ: [الطويل]
وإن أنا لم أشْكُرْ أكون كَفُورًا
إذا رُمْتُ شُكْراً لم أجد لك شاكراً
وضعت فلم آنس عليك غَيُورا
أمرت بها عَبْداً بتلك خَبيرا
ولو كنت مشهوداً لكنت غَفُورا
بعثت شخيصاً للأنام بصيرا
على حالة الإمكان منك ظهيرا
سترت عقول الخَلْقِ بالسبب الذي
وقد بلغت عنك التراجم غيرة
لذلك لم تَشْهَدْ ولم تَكُ ظاهراً
وقد قلت بالتلبيس في الملك الذي
وكيف لنا بالعلم والأمر لم يَزَلْ
فكان محمد رَّ عين سابقة النبوة البشرية بقوله معرفاً إيانا «كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ
وَالطّينِ)) وهو عين خاتم النبيين بقوله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٠]
لما ادعي فيه أنه أبو زيد نفى الله تعالى عنه أن يكون أباً لأحد من رجالنا لرفع المناسبة وتمييز
المرتبة، ألا تراه وَليه ما عاش له ولد ذكر من ظهره تشريفاً له لكونه سبق في علم الله أنه خاتم
النبيين، وقال بَّهَ: ((إنَّ الرّسَالَةَ)) يعني البعثة إلى الناس بالتشريع لهم والنبوّة ((قَدِ انْقَطَعَتْ)) أي
ما بقي من يشرع له من عند الله حكم يكون عليه ليس هو شرعنا الذي جئنا به ((فَلاَ رَسولَ
بَعْدِي)) يأتي بشرع يخالف شرعي إلى الناس، ((وَلاَ نَبِيَّ)) يكون على شرع ينفرد به من عند ربه
يكون عليه)) فصرح أنه خاتم نبوّة التشريع، ولو أراد غير ما ذكرناه لكان معارضاً لقوله أن
عيسى عليه السلام ينزل فينا حكماً مقسطاً يؤمنا بنا أي بالشرع الذي نحن عليه ولا نشك فيه أنه
رسول ونبي، فعلمنا أنه يَّ أراد أنه لا شرع بعده ينسخ شرعه، ودخل بهذا القول كل إنسان
في العالم من زمان بعثته إلى يوم القيامة في أمته، فالخضر وإلياس وعيسى من أمة محمد رَليه
الظاهرة، ومن آدم إلى زمان بعثة رسول الله وَلّر من أمته الباطنة فهو النبيّ بالسابقة وهو النبيّ
بالخاتمة، فظهر في رسول الله وَّر أن السابقة عين الخاتمة في النبوّة. وأما خاتمية عيسى عليه
السلام فله ختام دورة الملك فهو آخر رسول ظهر وظهر بصورة آدم في نشئه حيث لم يكن عن
أب بشري ولم يشبه الأبناء أعني ذرية آدم في النشء، فإنه لم يلبث في البطن اللبث المعتاد،
فإنه لم ينتقل في أطوار النشأة الطبيعية بمرور الأزمان المعتادة، بل كان انتقاله يشبه البعث

٣١٧
في المنازل/ الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم
أعني إحياء الموتى يوم القيامة في الزمان القليل على صورة من جاؤوا عليها في الزمان الكثير،
فإنه داخل تحت عموم قوله: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] في التناسل والتنقل في
الأطوار. ثم إن عيسى إذا نزل إلى الأرض في آخر الزمان أعطاه ختم الولاية الكبرى من آدم
إلى آخر نبيّ تشريفاً لمحمد وَل حيث لم يختم الله الولاية العامة في كل أمة إلا برسول تابع
إياه وَية، وحينئذ فله ختم دورة الملك وختم الولاية أعني الولاية العامة فهو من الخواتم في
العالم، وأما خاتم الولاية المحمدية وهو الختم الخاص لولاية أمة محمد الظاهرة فيدخل في
حكم ختميته عيسى عليه السلام وغيره كإلياس والخضر وكل وليّ لله تعالى من ظاهر الأمة،
فعيسى عليه السلام وإن كان ختماً فهو مختوم تحت ختم هذا الخاتم المحمدي، وعلمت
حديث هذا الخاتم المحمدي بفاس من بلاد المغرب سنة أربع وتسعين وخمسمائة عرفني به
الحق وأعطاني علامته ولا أسميه ومنزلته من رسول الله وَله منزلة شعرة واحدة من جسده وَّ
ولهذا يشعر به إجمالاً ولا يعلم به تفصيلاً إلا من أعلمه الله به أو من صدقه إن عرفه بنفسه في
دعواه ذلك، فلذلك عرف بأنه شعرة من الشعور، ومثال الشعور أن ترى باباً مغلقاً على بيت،
أو صندوقاً مغلقاً فتحس فيه بحركة تؤذن أن في ذلك البيت حيواناً ولكن لا يعلم أي نوع هو
من أنواع الحيوان، أو يشعر أنه إنسان ولا يعرف له عيناً فيفصله من غيره، كما نعلم بثقل
الصندوق أنه يحتوي على شيء أثقله لا يعلم ما هو عين ذلك الشيء المختزن في ذلك
الصندوق، فمثل هذا يسمى شعوراً لهذا الخفاء. وأما ختم الأسماء الإلهية فهو عين سابقتها
وهو الهو وهو مثل قوله: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ [الحشر: ٢٢] فبدأ بهو وأتى بالاسم
الله المحيط بجميع الأسماء التي تأتي مفصلة ثم بالنفي، فنفى أن تكون هذه المرتبة لغيره ثم
أوجبها لنفسه بقوله: ﴿إِلَّا هُوِّ﴾ فبدأ بهو وختم بهو، فكل ما جاء من تفصيل أعيان الأسماء
الإلهية فقد دخل تحت الاسم الله الآتي بعد قوله هو، فإن كلمة هو أعم من كلمة الله فإنها تدل
على الله وعلى كل غائب وكل من له هوية وما ثم إلا من له هوية، سواء كان المعلوم أو
المذكور موجوداً أو معدوماً، وأما الخواتم التي على القلوب فهي خواتم الغيرة الإلهية، فما
ختم بها إلا الاسم الغيور وهو قوله ◌َّر في الله أنه أغير مني ومن غيرته حرم الفواحش وجعل
الفواحش ظاهرة وباطنة فقال تعالى لمحمد وَ له: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِىَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فختم على كل قلب أن تدخله ربوبية الحق فتكون نعتاً له، فما من أحد
يجد في قلبه أنه رب إله بل يعلم كل أحد من نفسه أنه فقير محتاج ذليل قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ
يَطَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] فلا يدخله كبرياء إلهي أصلاً، فجعل
البواطن كلها في كل فرد فرد مختوماً عليه أن لا يدخلها تأله، ولم يعصم الألسنة أن تتلفظ
بالدعوى بالألوهة، ولا عصم النفوس أن تعتقد الألوهة في غيرها بل هي معصومة أن تعتقدها
في نفسها لا في أمثالها لأنه ما كل أحد عالم بالأمور على ما هي عليه، ولا يعلم كل أحد أن
الأمثال كلها حكمها في الماهية واحد، فهذه الخواتم قد انحصرت في تفصيل ما ذكرناه من
أنواعها .

٣١٨
في المنازل/ الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم
وأما الأعراس الإلهية على تفصيل ما ذكرناه في أوّل الباب فهي مشتقة من التعريس وهو
نزول المسافر في منزلة معلومة في سفره والأسفار معنوية وحسية، فالسفر المحسوس معلوم،
والسفر المعنوي ما يظهر للقلب من المعاني دائماً أبداً على التتالي والتتابع، فإذا مرت بهذا
القلب عرست به فكان منزلاً لتعريسها، وإنما عرست به لتفيده حقيقة ما جاءت به، وإنما
نسبت إلى الله لأن الله هو الذي أسفرها وأظهرها لهذا القلب وجعله منزلاً لها تعرس فيه وهي
الشؤون التي قال الحق عن نفسه أنه فيها جل جلاله في كل يوم، فالعالم في سفر على الدوام
دنيا وآخرة لأن الحق في شؤون الخلق على الدوام دنيا وآخرة، والقلوب محل لتعريس هذه
المعاني التي يسفرها الحق لقلوب عباده، فتعرس فيها ليطلعه الله على ما أراد أن يعلمه ذلك
القلب، فما من نفس إلا وللقلب خاطر إلهي قد نزل به على أي طريق سلك، لكن بعض
القلوب تعرف من عرس بها من الخواطر وقد لا تعرف من أي طريق جاء لأنها ما شعرت به
حتى نزل ذلك الخاطر بالقلب، وبعض الناس لهم استشراف على أفواه السكك التي تأتي
عليها هذه الخواطر التي تنزل بهذا القلب وتعرف كل طريق وتميزه عن صاحبه، فإذا أقبل
الخاطر عرف من أي طريق أقبل، فإذا نزل به يقابله من الكرامة به على قدر ما يعرفه فإنه لكل
طريق حكم ليس للطريق الآخر، وهذا كله أعني الذي ذكرناه من المراعاة إنما ذلك في زمان
التكليف فإنه الذي وضع الطريق وأوجب الأحكام، فإذا ارتفع التكليف في النشأة الآخرة
توحدت الطرق فلم يكن غير طريق واحدة فلا يحتاج في النازل عليه من الله المعرس بقلبه إلى
تمييز أصلاً فإنه ما ثم عمن يتميز لأحدية الطريق فلا يكون العرس بالعقد وبما فصلناه في ذلك
في أوّل الباب إلا في زمان التكليف وهو زمان الحياة الدنيا في أول وجوب التكليف فاعلم
ذلك. فإن كان الحق منزل تعريسنا وهو ما ذكر عن نفسه أن العبد يتحرك بحركة يضحك بها
ربه، ويتعجب منها ربه، ويتبشبش له من أجلها ربه، ويفرح بها ربه، ويرضى بها ربه،
ويسخط بها ربه، ويغضب بها ربه، فلما قال هذا عن نفسه وعين هذه الحركات وأمثالها حتى
عرفناها من كتابه على لسان رسوله ول# وعرفنا أن العبد عنده بحسب ما أنزل به من هذه
الحركات الموجبة لهذه الأحكام التي وصف الحق بها نفسه أنه يظهر بها إذا أتى بها العبد هذا
حكم أثبته الحق ونفاه دليل العقل، فعرفنا أن العقل قاصر عما ينبغي لله عزّ وجلّ وأنه لو ألزم
نفسه الإنصاف للزم حكم الإيمان والتلقي، وجعل النظر والاستدلال في الموضع الذي جعله
الله ولا يعدل به عن طريقه الذي جعله الله له وهو الطريق الموصل إلى كونه إلهاً واحداً لا
شريك له في ألوهيته ولا يتعرض لها لما هو عليه في نفسه. وأما استدلاله القاصر الذي يريد
أن يحكم به على ربه بقوله إنه ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث بتقسيمه في ذلك، فإذا
سلمناه لم يقدح فيما نريده فإنا نقول له: من قال لك أن الحق بهذه المثابة وهو قولك كل ما
لا يخلو عن الحوادث في نفسه فمن قال لك إن هذه في الموجودات منحصرة إنما ذلك حكم
فيما لا يخلو عن الحوادث لا فيمن يخلو عن الحوادث. وأما تقسيمك الآخر على هذا
الجواب وهو قولك أنه إذا خلا عنها ثم قبلها فلا يخلو إما أن يقبلها لنفسه أو لأمر آخر ما هو

٣١٩
في المنازل/ الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم
نفسه، فإن قبلها لنفسه فلا يخلو عنها، وإذا لم يخل عنها فهو حادث مثلها. ونقول له: أما
الحوادث كلها فيستحيل دخولها في الوجود لأنها لا تتناهى وأنت تعلم أن الذي يقبل الحوادث
قد كان خلياً عنها أي عن حادث معين مع وجود نفسه ثم قبل ذلك الحادث لنفسه لأنه لولا ما
هو على صفة يقبله ما قبله فقد عرا وخلا عن ذلك الحادث بعينه مع وجود نفسه، فما من
حادث تفرضه إلا ويعقل وجود نفس القابل له وذلك الحادث غير موجود وإن لم يخل عن
الحوادث فلا يلزم أن يكون حادثاً مثلها مع قبوله لها لنفسه، فالحق قد أخبر عن نفسه أنه
يجيب عبده إذا سأله، ويرضى عنه إذا أرضاه، ويفرح بتوبة عبده إذا تاب، فانظر يا عقل لمن
تنازع ومن المحال أن نصدقك ونكذب ربك ونأخذ عنك الحكم عليه وأنت عبد مثلي ونترك
الأخذ عن الله وهو أعلم بنفسه فهو الذي نعت نفسه بهذا كله، ونعلم حقيقة هذا كله بحده
وماهيته، ولكن نجهل النسبة إلى الله في ذلك لجهلنا بذاته، وقد منعنا وحذرنا وحجر علينا
التفكر في ذاته، وأنت يا عقل بنظرك تريد أن تعلم حقيقة ذات خالقك لا تسبح في غير
ميدانك ولا تتعد في نظرك معرفة المرتبة، ولا تتعرض للذات جملة واحدة فإن الله قد أبان لنا
أنه محل أو منزل لتعريس حركات عباده في أسفارهم بأحوالهم فتفطن إن كنت ذا عقل سليم.
ثم إنه ما يلزم أذا كان الأمر عندك قد حدث أن يكون ذلك الأمر حادثاً في نفسه لا عقلاً ولا
عرفاً ولا شرعاً فإنك تقول: قد حدث عندنا اليوم ضيف وهو صحيح حدوثه عندكم لا حدوثه
في نفسه في ذلك الوقت بل قد كانت عينه موجودة منذ خمسين سنة ومع هذا فلا يحتاج إليه
لبيانه وظهوره، فمن أراد الدخول على الله فليترك عقله ويقدم بين يديه شرعه فإن الله لا يقبل
التقييد والعقل تقييد بل له التجلي في كل صورة، كما له أن يركبك في أي صورة شاء،
فالحمد لله الذي ركبنا في الصورة التي لم تقيده سبحانه بصورة معينة ولا حصرته فيها بل
جعلت له ما هو له بتعريفه أنه له وهو تحوله في الصورة، فما قدر الله حق قدره إلا الله، ومن
وقف مع الله فيما وصف به نفسه لم يدخله تحت حكم عقله من حيث نفسه، تعالى الله عن
ذلك علوّاً كبيراً .
واعلم أن مسمى النكاح قد يكون عقد الوطء، وقد يكون عقداً ووطءاً معاً، وقد يكون
وطءاً ويكون نفس الوطء عين العقد، لأن الوطء لا يصح إلا بعقد الزوجين، ومنه إلهي
وروحاني وطبيعي، وقد يكون مراداً للتناسل أعني للولادة، وقد يكون لمجرّد الالتذاذ، فأما
الإلهيّ فهو توجه الحق على الممكن في حضرة الإمكان بالإرادة الحبية ليكون معها الابتهاج،
فإذا توجه الحق عليه بما ذكرناه أظهر من هذا الممكن التكوين، فكان الذي يولد عن هذا
الاجتماع الوجود للممكن، فعين الممكن هو المسمى أهلاً، والتوجه الإرادي الحبي نكاحاً
والإنتاج إيجاداً في عين ذلك الممكن ووجوداً إن شئت، والإعراس الفرح الذي يقوم بالأسماء
الحسنى لما في هذا النكاح من الإيجاد الظاهر في أعيان الممكنات لظهور آثار الأسماء فيه إذ
لا يصح لها أثر في نفسها ولا في مسماها، وإنما أثرها وسلطانها في عين الممكن لما فيه من
الافتقار والحاجة إلى ما بيد الأسماء فيظهر سلطانها فيه، فلهذا نسبنا الفرح والسرور وإقامة

٣٢٠
في المنازل/ الباب الثاني والثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل الخواتم
الأعراس إليها، وهذا النكاح مستمر دائم الوجود لا يصح فيه انقطاع، والطلاق لهذا العقد
النكاحي لا يقع في الأعيان القابلة للأعراض والصور، وإنما يقع في الصور والأعراض وهو
عدمها لنفسها في الزمان الثاني من زمان وجودها وهو خلع لأنه ردّ الوجود الذي أعطاها عليه
لأنه بمنزلة الصداق لعين هذا الممكن الخاص. فإن قلت: فالحق لا يتصف بالوجود الحادث
فمن قبل هذا المردود وأين خزانته ولا بدّ له من محل. قلنا: تجلي الحق في الصور وتحوله
الذي جاء به الشرع إلينا ورأيناه كشفاً عموماً وخصوصاً هو عين ما ردته الممكنات الصورية
والعرضية من الوجود حين انعدمت، فالحق له نسبتان في الوجود: نسبة الوجود النفسي
الواجب له ونسبة الوجود الصوري وهو الذي يتجلى فيه لخلقه، إذ من المحال أن يتجلى في
الوجود النفسي الواجب له لأنه لا عين لنا ندركه بها إذ نحن في حال عدمنا ووجودنا مرجحين
لم يزل عنا حكم الإمكان فلا نراه إلا بنا أي من حيث نعطيه حقائقنا، فلا بدّ أن يكون تجليه
في الوجود الصوري وهو الذي يقبل التحوّل والتبدّل، فتارة يوصف به الممكن الذي يختلع به
وتارة يظهر به الحق في تجليه، فانظر يا ولي في هذا الموطن فإنه موطن خفي جداً. ولولا
لسان الشرع الذي أومأ إليه ونبه عليه ما أفصحنا عنه لأهل طريقنا، فإن الكثير من أهل طريق
الله وإن شهدوا تجلي الحق لكن لا معرفة لهم بذلك ولا بما رأوه ولا صورة ما هو الأمر
عليه، ومن علم ما قررنا من بيان قصد الشرع فيه علم كيف صدور العالم، وما هو العالم،
وما يبقى عينه من العالم وما يفنى منه وما يرثه الحق من العالم، فإنه القائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ
اٌلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [ مريم: ٤٠] وما ورث على الحقيقة إلا الوجود الذي يتجلى فيه
لمن ظهر من خلقه الذي اختلعت فيه صور الممكنات وأعراضها، لأن الوارث لا يكون مع
وجود الموروث عنه وبقائه، وإنما يكون بعد انتقاله وعدمه من هذا الموطن وهو اتصافه بالعدم
وليس ذلك إلا للصور والأعراض فهو وارث على الدوام، والاختلاع واقع على الدوام،
والقبول حاصل على الدوام، والنكاح لازم على الدوام، وهذا معنى الديمومة المنسوبة إلى
الحق، فهو تعالى يعمل مع كونه لم يزل موجداً للعالم ولم يزل العالم محدثاً، فالعالم له
حكم الحدوث في عين القدم، فلا يعقل له طرف ينتهي إليه لأنه من ذاته لم يزل تحت حكم
الترجيح الإلهي له إما بالعدم أو بالوجود.
وإذا تقرّر هذا في النسبة الإلهية فلنذكر حكم النسبة الروحانية في هذه المسألة، وذلك
أن الوجود الذي ذكرناه في النسبة الإلهية هو الوجه الخاص الذي لكل ممكن من الله، سواء
كان هناك سبب وضعي أو لم يكن، فللَّه الإيجاد على كل حال وبكل وجه علواً وسفلاً. وأما
النكاح الروحاني فحضرته الطبيعة وهي الأهل الأصلي في النكاح الإلهي، فإذا ولدت في
النكاح الأوّل صورة من الصور كانت تلك الصورة أهلاً لهذا الروح الكل فأنكحه الحق إياها
فبنى بها فلما واقعها ظهر عن ذلك الوقاع ولد وهو الروح الجزئي فحييت به تلك الصورة
وصار هذا لولد يقوم بها ويدبرها ويسعى عليها ويسافر ويقتحم الأخطار ليكتسب ما يجود به
عليها حساً ومعنى أي من الأرزاق المحسوسة والمعنوية، والعرس الذي يكون لهذا النكاح