النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
في المنازل/ الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء
حظه في المغنم: ((أن له الخمس وحده من المغنم)) وما بقي وهو أربعة أخماس تقسم على
خمسة فلكل صنف من الحظ دون ما الله فحظ الله في هذا المقسوم أكثر من حظه في الصلاة
بالنسبة إلى هذا الحال بينه وبين عبيده، وإلا فحظ النصف أعظم من حظ الخمس، فقسم
الصلاة أكثر من قسم المغنم، وبالنظر في عين الموطن والقسمة الخاصة فحظه في المغنم
بالنظر إلى ما بقي من الأصناف المقسوم عليهم أعظم، فأنزل الحق نفسه من عباده منزلة
أنفسهم وعاملهم بما يتعاملون به. وفي موطن آخر يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى:
١١] فنفى المماثلة. وفي موضع آخر يقول المترجم عنه: إن الله خلق آدم على صورته، ثم إنه
جعل الإنسان محل ظهور الأسماء فيه وأطلقها عليه، فللعبد التمسية بكل اسم تسمى به
الحق، وإن اختلفت النسب فمعقولية مدلول الاسم واحدة لا تتغير. ثم إنه جعل بعضهم
خليفة عنه في أرضه وجعل له الحكم في خلقه وشرع له ما يحكم به وأعطاه الأحدية فشرع أنه
من نازعه في رتبته قتل المنازع فقال رسول الله وَّه: ((إذَا بُوبِعَ لخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا))
وجعل بيده التصرف في بيت المال وصرف له النظر عموماً وأمرنا بالطاعة له سواء جار علينا
أو عدل فينا فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَوْلِ الْأَمَّيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
وهم الخلفاء ومن استخلفه الإمام من النواب فإن الله قد جعل له أن يستخلف كما استخلفه الله
فبأيديهم العطاء والمنع والعقوبة والعفو كل ذلك على الميزان المشروع فلهم التولية والعزل،
كما أن الحق بيده الميزان يخفض القسط ويرفعه، وذلك الميزان هو الذي أنزله إلى الأرض
بقوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧] ثم قال: ((إنه يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل
وعمل الليل قبل عمل النهار»، كذلك الخليفة ترفع إليه أعمال الرعية يرفعها إليه عماله وجباته
فيقبل منها ما شاء ويردّ منها ما شاء، فكل ما ذكره الحق لنفسه من التصرف في خلقه ولم يعينه
جعل للإمام أن يتصرف به في عباده. ثم إن الله جعل له أعداء ينازعونه في ألوهيته كفرعون
وأمثاله، كذلك جعل الله للخلفاء منازعين في رتبتهم، وجعل له أن يقاتلهم ويقتلهم إذا ظفر
بمن ظفر منهم كما يفعل سبحانه مع المشركين، ومدة إقامتهم كمدة إمهال الله إياهم وأخذ
الخليفة وظفره بهم كزمان الموت لهؤلاء، حتى لو قابلت النسختين ما اختلفتا في حرف واحد
في الحكم، وكما أن الحق يحكم بسابق علمه في خلقه يحكم الخليفة بغلبة ظنه لأن الخليفة
ليست له مرتبة العلم بكل ما يجري في ملكه ولا يعلم المحق من المبطل، وإنما هو بحسب
ما تقوله البينة كما يفعله الله مع خلقه مع علمه يقيم على خلقه يوم القيامة الشهود فلا يعاقبهم
إلا بعد إقامة البينة عليهم مع علمه وبهذا قال من قال إنه ليس للحاكم أن يحكم بعلمه، أما في
العالم فللتهمة بما له من الغرض، وأما في جانب الحق فلإقامة الحجة على المحكوم عليه
حتى لا يأخذه في الآخرة إلا بما شرع له من الحكم به في الدنيا على لسان رسوله وَّر، ولهذا
يقول الرسول لربه عن أمر ربه: ﴿رَبِّ احْكُ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] يعني بالحق الذي بعثتني به
وشرعت لي أن أحكم به فيهم، فإذا علمت أن الحق أنزل نفسه في خلقه منزلتهم وجعل
مجلاه الأتم في الخليفة الإمام ثم قال: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ)) فعمت الإمامة
٢٦٢
في المنازل/ الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء
جميع الخلق فحصل لكل شخص منهم مرتبة الإمامة فله من الحق هذا القدر ويتصرف بقدر ما
ملكه الله من التصرف فيه، فما ثم إنسان إلا وهو على صورة الحق، غير أنه في الإمام الأكبر
مجلاه أظهر وأمره أعظم وطاعته أبلغ .
واعلم أن الله تعالى لما شرع لعباده ما شرع قسم ما شرعه إلى فرض أوجبه على
المكلفين من عباده وهو على قسمين: فرض أوجبه عليهم ابتداء من عنده كالصلاة والزكاة
والصيام والحج والطهارة وما أشبه ذلك مما أوجبه عليهم من عند نفسه، وفرض آخر أوجبوه
على أنفسهم ولم يكن ذلك فأوجبه الله عليهم ليؤجروا عليه أجر الواجب الإلهيّ، وليحقق الله
عندنا أن الإنسان على صورته، فإن الله أوجب على نفسه نصر المؤمنين والرحمة وأمثال ذلك
هذا في حق العلماء بالله وفي حق قوم أوجبه عليهم عقوبة لهم حين أوجبوه على أنفسهم
كالنذر، وزاحموا الربوبية في الإيجاب على نفسه فأوجبه عليهم ليعرفهم أنهم ليس لهم أن
يوجبوا على أنفسهم فيعرفون بذلك مقدارهم، فالحق تعالى لو لم يفعل ما أوجب على نفسه
فعله لما تعلق به ذم ولا لوم في ذلك لأن رتبته تقضي بأنه الفعال لما يريد، ولهذا ما يتعلق
بإيجابه على نفسه حد الواجب، والعبد لما أوجب الله عليه ما أوجبه على نفسه تعلق به إذا لم
يقم بصورة ما أوجبه على نفسه حد الواجب كالواجب الأصلي إذا لم يقم به يعاقب فأجره
عظيم والعقوبة عليه عظيمة فيمن لم يقم به فجزاؤه عظيم في الواجبين معاً، ثم ما جاء من
الأفعال زائداً على صور الواجبات سمي ذلك نافلة أي زائداً على الواجب، فإن لم يكن لذلك
الزائد عين صورة في الفرائض لم يكن نافلة وكان ذلك عملاً مستقلاً له مرتبة في الأجر ليست
للنوافل، ثم مزج النشأة كما مزج نشأة المكلف فجعل في نشأة الفرائض سنناً وهي زوائد على
الفرائض، وجعل في النوافل التي تطوّع العبد بها من نفسه من غير وجوب الفرائض في نشأة
النوافل، ولهذا إذا لم يجىء بالفرائض يوم القيامة تامة يقول الله: ((كَمِّلُوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ
تَطوُّعِهِ)) فما نقص من الفرض الواجب كمل من الفرض الذي في النوافل، وما نقص من سنن
الفرض الواجب كمل من سنن النوافل، ألحق كل شيء بمثله. قال لي بعض الأرواح: فلم
سميت الغنائم أنفالاً؟ قلنا: لا شك ولا خفاء عند كل مؤمن عالم بالشرع أن الله ما جعل القتال
للمؤمن إلا لتكون كلمة الله هي العليا وكملة الذين كفروا السفلى لتتميز الكلمتان كما تميزت
القدمان، فإنه خلق من كل شيء زوجين ذاتاً وحكماً، وعرفتنا التراجمة عن الله وهم رسل الله
أن الله تعالى من وقت شرع الجهاد والقتال والسبي أعطى المغانم للنار طعمة أطعمها إياها
وأوجبها لها، وكان من طاعتها لربها أنها لا تتناول إلا ما أحل الله لها تناوله، وكان قد حرم الله
عليها أكل المغنم إذا وقع فيه غلول من المجاهدين فكانت لا تأكل المغنم إذا غل فيه حتى يرد
إليه ما كان أخذ منه ليخلص العمل للمجاهد، فلما جاء الشرع المحمدي زاد الله المغانم لأمة
محمد # طعمة على ما أطعمهم من غير ذلك، فكانت تلك الطعمة التي أخذناها من النار
نافلة لهذه الأمة وما أعطاها إياهم لكونهم جاهدوا، إذ لو كان ذلك حقاً لهم على الجهاد ما
وقعت لأحد لم يجاهد معهم فيها الشركة فما هي فريضة للمجاهدين وإنما هي طعمة أطعمها
٢٦٣
في المنازل/ الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء
الله من ذكر، وجعل لنفسه نصيباً لكونه نصرهم فله نصيب في الجهاد، فلما كان السبب لكون
الله جعل لنفسه فيها نصيباً لنصرته دين الله اندرج في نصيب الله كل من نصر دين الله وهم
الغزاة، فليس لهم إذا اعتبرت الآية إلا الخمس من المغنم ثم تبقى أربعة أخماس فتقسم
مخمسة أيضاً واحد الخمسة لرسول الله وَل# وبعد الرسول إذا فقد لخليفة الزمان، والخمس
الثاني لأهل البيت قرابة رسول الله وَّة، والخمس الثالث لليتامى، والخمس الرابع
للمساكين، والخمس الخامس لابن السبيل. وقد ورد عن بعض العلماء وأظنه ابن أبي ليلى أن
الحظ الذي هو الخمس من الأصل كان رسول الله وَّل# يقبضه ويخرجه للكعبة ويقول: ((هذا
الله)) ثم يقسم ما بقي، فلما كانت هذه الطعمة للنار نقلها الله لهذه الأمة كما جعل في مال
الإنسان الزكاة حقاً لأصناف مذكورين، فأوجب على أصحاب الأموال على وجه مخصوص
إخراجها، وأوجب على الإمام أخذها، ولم يوجب على الأصناف أخذها فهم مخيرون في
أخذ حقهم وفي تركه كسائر الحقوق، فمن أخذها منهم أخذ حقه، ومن ترك أخذها ترك حقه
وله ذلك، واعلم أن الإمام هو المطلوب بعلم هذه التقاسيم والقيام بها: [الكامل]
ما كُلُّ مَنْ حَازِ الجَمَالَ بِيُوسُفٍ
إنّ الجميلَ هو الإمامُ المُنْصفُ
أنت المُحَبَّبُ والمُبَرَّأْ يُوسُفُ
إنْ كُنْتَ تدرك ما تريد وتشتهي
فإن غلب على ظن الإمام أن المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال:
٤١] الآية والتي في سورة الحشر التي فيها ذكر الأصناف حظهم من المغنم الخمس خاصة
يقسم فيهم هكذا وما بقي فلبيت مال المسلمين يتصرف فيه الإمام بما يراه، فإن شاء أعطاه
المجاهدين على ما يريده من العدل والسواء في القسمة أو بالمفاضلة كما يفعل فيما بقي من
المال الموروث بعد أخذ أهل الأنصباء ما عين الحق لهم، أو أراد هذا الإمام أن يعود بما بقي
على أولي الأرحام من أهل الميت فيعطي أصحاب الأنصباء زائداً على أنصبائهم من كونهم
أولي أرحام الميت، وإن غلب على ظن الإمام أن الخمس الأصلي لله وحده وما بقي فلمن
سمى الله تعالى وقد جعل الله للمجاهدين في سبيل الله نصيباً في الصدقات وما جعل لهم في
المغنم إلا ما نفله به الإمام قبل القسمة أو ما أعطاه له بقوله: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ)) وإنما
عرض الكلام في مثل هذا في المنزل لما فيه من الحظ المنسوب إلى الله خاصة فما غرضنا ما
هو الحكم في المغانم وقسمتها في علم الرسوم، وإنما المغانم عندنا في هذا الطريق ما حصل
للإنسان من العلوم الإلهية التي أعطانا الله إياها عن مجاهدة وجهاد نفس، كما أنه للمؤمن
تجارة في نفس إيمانه وهي التجارة المنجية من العذاب الأليم، فكل علم حصل عن جهاد فهو
مغنم ويقسم على ما يقسم عليه المغانم، فالنصيب الذي لله تعالى منه ما تعلق به الإخلاص،
والذي لرسول الله منه الإيمان به والذي لذي القربى منه المودة فيهم، والذي لليتامى منه هو ما
حصل من العلم قبل بلوغ العامل إلى الغاية .
وصل: والغاية حدها الذي يغنيه عن إضافة العمل إليه، فإن الصبي قبل البلوغ حركته
وأفعاله إليه فإذا بلغ رجع حكم الأفعال منه إلى الله بعد ما كانت إليه، والنبي وَّه يقول: ((لا
٢٦٤
في المنازل/ الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء
يُثْمَ بَعْدَ حلم)) فكل ما حصل له قبل البلوغ فهو حقه الذي له من نفسه إذ عينه الله له، والذي
للمساكين فهو الحظ الذي حصل لهم بالعجز وعدم القدرة وسلب القوة فإن الله هو ذو القوة
المتين. والذي لابن السبيل فهو الحظ الذي له من حيث أنه ابن للطريق إلى الله فإن النبي وَيّ
يقول: ((إِنَّ لِلدُّنْيَا أَبْنَاءَ وَلِلآخِرَةِ أَبْنَاءَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ السَّبِيلِ وَلا تَكُونُوا مِنْ
أَبْنَاءِ الدُّنْيَا)) فأما صورة الإخلاص في العمل فهو أن تقف كشفاً على أن العامل لذلك العمل
هو الله كما هو في نفس الأمر أي عمل كان ذلك العمل مذموماً أو محموداً أو ما كان، فذلك
هو حكم الله تعالى فيه ما هو عين العمل، وصح في الخبر أن الله تعالى يقول: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلاَ
أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ)) فنكر العمل وما خص عملاً من عمل،
والضمير في فيه يعود على العمل، والضمير في منه يعود على الغير الذي هو الشريك،
وضمير هو يعود على المشرّك، فإن الله لا يتبرأ من العمل فإنه العامل بلا شك، وإنما يتبرأ من
الشريك لأنه عدم. والله وجود فالله بريء من العدم فإنه لا يلحقه عدم ولا يتصف به فإنه
واجب الوجود لذاته فالبراءة صحيحة وكذلك في قوله: ﴿بَرَآءَّةٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم
مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] فهو أيضاً تبرأ من الشريك لأن الشريك ليس ثم فهو عدم لأنه قال:
﴿مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فهو أيضاً تبرأ من الشريك، فإخلاص العمل لله هو نصيب الله من العمل لأن
الصورة الظاهرة في العمل إنما هي في الشخص الذي أظهر الله فيه عمله، فيلتبس الأمر
الصورة الظاهرة والصورة الظاهرة لا تشك أن العمل بالشهود ظاهر منها فهي إضافة صحيحة
فلهذا نقول إنه عين كل شيء من اسمه الظاهر، وهنا دليل خفي وذلك أن البصر لا يقع إلا
على آلة وهي مصرفة لأمر آخر لا يقع الحس الظاهر عليه بدليل الموت ووجود الآلة وسلب
العمل فإذن الآلة ما هي العامل والحس ما أدرك إلا الآلة، فكما علم الحاكم أن وراء
المحسوس أمراً هو العامل بهذه الآلة والمصرف لها المعبر عنه عند علماء النظر العقلي بالنفس
العاقلة الناطقة والحيوانية، فقد انتقلوا إلى معنى ليس هو من مدركات الحس، فكذلك إدراك
أهل الكشف والشهود في الجمع والوجود في النفس الناطقة ما أدرك أهل النظر في الآلة
المحسوسة سواء فعرفوا أن وراء النفس الناطقة هو العامل وهو مسمى الله، والنفس في هذا
العمل كالآلة المحسوسة سواء عند أهل الله وعند أهل النظر العقلي، ومتى لم يدرك هذا
الإدراك فلا يتصف عندنا بأنه أخلص في عمله جملة واحدة مع ثبوت الآلات وتصرفها لظهور
صورة العمل من العامل، فالعالم كله آلات الحق فيما يصدر عنه من الأفعال لقوم يعلمون،
وقال رسول الله وَل﴿ فيما صح عنه: ((أَتَذْرُونَ مَا حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ؟)) قالوا: الله ورسوله
أعلم، قالَ: ((فَإِنَّ حَقَّ الله عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً». ثم قال: «أَتَذْرُونَ ما
حَقُّهُمْ عَلَيْهِ إذا فَعَلُوا ذُلِكَ؟ أَنْ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ)) فنكر ◌َّه بقوله ((شيئا)) ليدخل فيه جميع الأشياء
وهو قوله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَِحًا وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِِّ لَّمَدًا﴾ [الكهف:
١١٠] فنكر أحداً فدخل تحته كل شيء له أحدية وما ثم شيء إلا وله أحدية، وذكر لقاء الله
ليدل على حالة الرضى من غير احتمال كما ذكره رسول الله ◌َو وذلك في الجنة فإنها دار
٢٦٥
في المنازل/ الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء
الرضوان، فما كل من لقي الله سعيد، فالمواطن لها الحكم في ذلك بما جعل الله فيها،
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُمُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]
فجعل الذي يصيبه منا التقوى. فقد أعلم الحق عباده بنصيبه مما هم عليه وفيه في كل شيء
وعهد إلى عباده ذلك فقال: ﴿وَأَوَفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] فحظه منكم أن تفوا له
تعالى بما عاهدكم عليه وهو قوله ◌َّ في الصلوات الخمس: ((فَمَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْ
حَقْهِنَّ شَيْئاً كَانَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْداً أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ)). والصلاة مناجاة الله على القسمة التي شرع
بينه تعالى وبين عباده، فمن أعطاه قسمه منها وأخذ منها قسمه فقد أعطاه حقه ونصيبه، فإذا
كان الله تعالى مع اتصافه بالغنى عن العالمين قد جعل له فيما يكون للعالم ويفتقر إليه نصيباً
يأخذه وقسماً عينه فما ظنك بمن أصله الفقر والمسكنة في ظهور عينه لا في عينه ووجوده وما
هو فيه، وإنما قلنا لا في عينه لأن أعيانها لأنفسها ما هي بجعل جاعل، وإنما الأحوال التي
تتصرف عليها من وجود وعدم وغير ذلك فيها يقع الفقر إلى من يظهر حكمها في هذه العين
فاعلم ذلك، فمن طلب حقه واستقصاه فلا يلام، ولكن لما شرع لنا في بعض الحقوق أنا إذا
تركناها كان أعظم لنا وجعل ذلك من مكارم الأخلاق وناط به ما في ذلك من الأجر منه تعالى
وهو قوله عزّ وجلّ: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ومن طلب حقه وهو قوله
تعالى ولمن انتصر بعد ظلمه ﴿فَأَوْلَبِّكَ مَا عَلَّهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] كان له ذلك، فكذلك
يفعل مع عباده فيما ضيعوه من حقه وحقوقه يعفو ويصفح ويصلح فيكون المآل إلى رحمة الله
في الدارين فتعمهم الرحمة حيث كانوا ولكن لا يستوون فيها، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَن ◌َّجْعَلَهُمْ كَذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءٍ تَّخَْهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[الجاثية: ٢١] كما لم يسوّ تعالى بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون. فالكامل من العباد من لم
يترك لله عليه ولا عنده حقاً إلا وفاه إياه في كل شيء له فيه نصيب أعطاه نصيبه على حد ما
شرع له، فإذا وفاه ردّ عليه جميع ما ذكر أنه له بالشرع، فإذا وفى الله له بعهده فيأخذه منه
امتناناً وابتداء فضل لا جزاء، ولا يكون هذا إلا من العلماء بالله الذين يعلمون الأمر على ما
هو عليه، وهم أفراد من الخلق لا يعلمهم إلا هو، فقد نبهتك على أكمل الطرق في نيل
السعادة التي ما فوقها سعادة، ومع هذا يا أخي وبعده فالأمر عظيم، والخطب جسيم،
والإشكال فيه أعظم، ولهذا جعل أهل الله الغاية في الحيرة وهو العجز، وهذا القدر كاف في
العلم بأن لله حقاً ونصيباً عند عباده يطلبه منهم بحكم الاستحقاق، ويطلب منهم أيضاً حقوق
الغير بحكم الوكالة كما قال ويأخذ الصدقات بحكم الوكالة فيربيها ويثمرها، فهو وكيل في
حق قوم تبرعاً من نفسه رحمة بهم وإن لم يوكلوه، وفي حق قوم وكيل يجعلهم كما أمرهم أن
يتخذوه وكيلاً، وإلا فليس للعبد من الجرأة أن يوكل سيده، فلما تبرع بذلك لعباده ونزل إليهم
عن كبريائه بلطفه الخفي اتخذوه وكيلاً وأورثهم هذا النزول إدلالاً .
وأما حديث: ((مَا يَقْبَلُ الله مِنْ صَلاةِ عَبْدِهِ إِلاَّ مَا عَقَلَ)) يريد أنه يعضد أداء حق الله تعالى
فيما تعين عليه وجعل أكثره النصف وهو الحد الذي عينه له من صلاة عبده وأقله العشر فقال:
٢٦٦
في المنازل/ الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء
((عشرها تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها)) وما ذكر النصف إلا في الفاتحة
فعلمنا المعنى فعممناه في جميع أفعال الصلاة وأقوالها بل في جميع ما كفلنا من الأعمال به،
فأما ما عينه فهو ما انحصرت فيه الفاتحة وهي تسعة أقسام: القسم الأوّل: ﴿نِسْمِ
اللَّهِ الَّهَنِ الرَّحَمَةِ﴾ [الفاتحة: ١]. الثاني: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. الثالث:
﴿اَلَّمَنِ الرَّحَمَةِ﴾ [الفاتحة: ٣]. الرابع: ﴿مْلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. الخامس:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]. السادس: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِبْنُ﴾ [الفاتحة: ٥]. السابع: ﴿أَهْدِنَا
الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيِمَ ﴾ [الفاتحة: ٦]. الثامن: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
التاسع: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧]. فالخاسر الساهي عن صلاته من
لم يحضر مع الله في قسم واحد من هذه الأقسام التي ذكرناها في الفاتحة وهي التي ذكر الله
في القبول من العشر إلى النصف، فمن رأى أن بسم الله الرحمن الرحيم آية منها ولا يفصلها
عنها فالقسمة على ما ذكرناه في الفاتحة فإن حكم الله في الأشياء حكم المجتهد فهو معه في
اجتهاده، ومن أداه اجتهاده إلى الفصل ففصل البسملة عن الفاتحة وأن البسملة ليست آية منها
جعل الله له الجزء التاسع ولا الضالين والبسملة أحق وأولى فإنها من القرآن بلا شك عند
العلماء بالله، وتكرارها في السور مثل تكرار ما يكرر في القرآن من سائر الكلمات، وما زاد
على التسعة فعقله في التلاوة حروف الكلمة فقد يعقل المصلي حرفاً من حروف الكلمة ثم
يغفل عن الباقي، فهذا معنى قوله ◌َّة العام أنه لا يقبل إلا ما عقل منها، فالعاقل من أتى بها
كاملة ليقبلها الله كاملة، ومن انتقص منها شيئاً في صلاته جبرت له من قراءته الفاتحة في نوافله
من الصلاة فليكثر من النوافل، فإن لم تف قراءتها في النوافل بما نقصه من قراءة الفاتحة في
الفريضة أكملت له من تلاوته بحضور في غير الصلاة المعينة وإن كان في جميع أفعاله في
صلاة فإنه قد يكون من الذين هم على صلاتهم دائمون وهم الذاكرون الله في كل أحيانهم،
فهم يناجونه في جميع الأحوال كلها، فحظ الله من جميع ما كلف عباده به ما فرض عليهم،
ونصيب العباد من الله ما أوجبه الحق لهم على نفسه، والنافلة للنافلة في كل ذلك. وأما حظ
الرسول ◌َ من هذه المسألة بتصديقه والإيمان به وبما جاء به فمما يحققه الإيمان أن خير
الأزمان زمان الصلاة والآذان وخير الشفاعة والكلام ما أذن فيهما الرحمن، هذا مما جاء به
رسول الحق إلينا ووفدته مقبلاً علينا، فتدلى حين تجلى وما أصعقه بل أيقظه من تجلى ليتجلى
فأقبل وما أعرض وتولى، فأما التصديق به فلخبر الحق بأنه رسول منه إلينا وهو الوجيه
المقرب، وأما الإيمان مما جاء به فلإخباره عن الحق، ففرق بين إخبار الحق في الإيمان به
وبين إخباره عن الحق فيما جاء به، فلا يؤمن به إلا من خاطبه الحق في سره وإن لم يشعر به
المخاطب ولا يعرف من كلمه وإنما يجد التصديق به في قلبه، وأهل الكشف والحضور
يعرفون عن سماع بآذان وقلوب كلام الحق بأن هذا رسول من عنده فيؤمنون به على بصيرة
ولا يؤمن بما جاء به هذا الرسول إلا من خاطبه الرسول في سره وإن لم يشعر به المخاطب
ولا يعرف من كلمه، وإنما يجد التصديق بما جاء به في قلبه، وأهل الكشف والحضور
٢٦٧
في المنازل/ الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء
يعرفون عن سماع بقلوب وآذان وأبصار كلام الرسول بأن هذا جاء من عند الله، ولو كان من
عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً فيؤمنون به على بصيرة، وإنما قلنا فيما جاء به الرسول
وأبصار ولم نقل ذلك في سماع كلام الحق لأن الرسول إذا رأيناه فقد رأيناه والحق تعالى ليس
كذلك إذا رأيناه فما رأيناه إلا منزلتنا وصورتنا منه، فلهذا لم نقل في تصديق خبره إذا كلمنا
وأبصار، وما جئنا بالقلوب والآذان إلا لمجرد الخبر خاصة لا لكون الحق تكلم به، فإن إدراك
القلوب والآذان والأبصار للحق على السواء ما أدرك واحد من العالم أي إدراك كان من هذا
وغيره إلا منزلته من الحق وصورته خاصة فما أدركه، فذكرنا القلوب من كونها سامعة والآذان
للخبر خاصة تنبيهاً على ما ذكرناه وبيناه. فإذا علمت هذا فقد وفيت الله والرسول، ما تعين
عليك من الحق أن تؤديه لله ولرسوله، فإن هذه المسألة غلط فيها جماعة من أهل الله إذ لم
يخبروا بها عن الله فكيف علماء الرسوم؟ فمن تكلم فيها من طريق الإيمان فلا يتكلم فيها إلا
بما تكلمنا به فإنه يتكلم عن ذوق، ولهذا ترى شخصين بل ثلاثة أشخاص يشهدون المعجزة
على يدي الرسول الذي أبرزها الحق في معرض الدلالة على صدقه فيما جاء به والتصديق به
نفسه فشخص من الثلاثة يتيقن أنه الحق وجحده، والشخص الثاني لم تقم عنده تلك الدلالة
دلالة لجهله بموضع الدلالة منها، والثالث آمن وصدق والمجلس واحد والنظر بالبصر واحد
والإدراك في الظاهر واحد، فعلمنا أن الذي آمن وصدق لولا تجلي الحق لقلبه وتعريفه إياه
بغير واسطة ما آمن به ولا صدق وكان مثل صاحبه، وكذلك في إيمانه بما جاء به لولا تجلى
الرسول بقلبه وتعريفه إياه بغير واسطة ما آمن بما جاء به ولا صدق وإن لم يشعر المؤمن ولا
يدري كيف آمن فما كل مؤمن يعرف من أين حصل له الإيمان، ولا سيما وقد رأينا وبلغ إلينا
أن بعض من آمن برسول الله عندما رآه وسمع دعوته ولم ير له معجزة ولا دلالة بل وجد في
نفسه أنه صادق في دعواه فآمن به من حينه وما تلكأ ولا تلعثم، فما كان إلا مما ذكرناه من
التجلي لقلبه ولا يشعر أن ذلك عن تجل، وبهذا القدر زاد أهل الكشف على غيرهم من
المؤمنين، ولولا كشفهم للأمور ما فصلوها إلى كذا وإلى كذا، فحظ الرسول أن يلحقه بربه
في نفسه وفيما جاء به من عنده. وأما حظ اليتامى من هذا العلم فإنه على الحقيقة أو ان بلوغ
الخروج عن الدعوى فيما كان لك، فحظك قبل مجيء هذا الزمان أن تضاف أفعالك لك، ولا
يعترض عليك ولا تسلب عنك ولا تحجير عليك، فإذا بلغ أوان الحلم صرت محجوراً
عليك، ووقع التقييد في جميع حركاتك، وتوجهت عليها أحكام الحق لأنها أفعاله ظهرت
فيك، ولولا ما ظهرت فيك ما تعلق بها هذا الخطاب ولا هذا التحكيم، ومعنى ظهرت فيك
هو عين دعواك أن الأفعال لك، فأراد الحق بالتحجير بما كلفك أن يعرفك بأن هذه الأفعال لو
كانت لك ملكاً محققاً ما جاز لي أن أتصرف فيما لك وليس لي، وسبب ذلك أن أوان بلوغ
العقل قد حل واستحكام العقل والنظر قد حصل، فكان ينبغي لك بما أعطاك الله من العقل أن
ترى أفعالك التي أنت محل لظهورها منك لله تعالى ليست لك، فلو حصل لك هذا ابتداء ما
كلفك ولا حجرها عليك في هذه الدار، ألا ترى من لم يستحكم عقله ما حجر عليه ولا كلفه
٢٦٨
في المنازل/ الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء
وهو المجنون الذي ستر عنه عقله أن يكون له حكم فيه، وكذلك النائم وكل من لم يتصف
بالعقل. ولما وصل في هذه الدار إلى الحد الذي أوجب عليه التكليف بقيام هذه الصفة إذا
كشف عنه الغطاء في هذه الدار لم يرتفع عنه التحجير ولا خطاب الشرع لحكم الدار لا لحكم
الحال، لأنه كان يعطي القياس ارتفاع التحجير عمن هو بهذه الصفة، ولكن لا بد للدار من
حكم كما يفعل بأطفال المشركين والكفار نلحقهم بآبائهم للدار، وإن علمنا أنهم على الفطرة
وما أشركوا ولا كفروا فللدار حكم، فإذا جاء وعد الآخرة وانتقلنا إليها خرجنا عن حكم الدار
فارتفع عنا حكم التكليف في دار الرضوان وأختها، كذلك من أطلعه الله هنا في هذه الدار
على سعادته وأطلع آخر على شقاوته لم تسقط هذه المطالعة عنهما التحجير ولا التكليف،
لأن أصل وضع النواميس في هذه الدار إنما هو لمصلحة الدنيا والآخرة، فمن المحال رفع
التحجير ما دامت الدنيا ودام من فيها، فلولا هذا لكان من كشف عنه الغطاء ارتفع عنه
التحجير لأنه لا يرى فاعلاً إلا الله والشيء لا يحجر على نفسه، وإن أوجب على نفسه ما
أوجب فذلك تأنيس لنا فيما نوجبه على أنفسنا لنا، فإن أوجبناه له أوجبه علينا لنتميز فنعصي
بتركه، ولو ترك الحق ما أوجبه على نفسه لم يكن له هذا الحكم، فإن هذا الحكم لا يتعلق
بمن تعلق به إلا من حيث أن الغير أوجبه، فلولا ما أوجبه الحق علينا حين أوجبناه على أنفسنا
لم نكن عصاة إذا تركناه، فإذا وفى به من لم يوجبه عليه غيره فمنة منه وفضل ومكارم أخلاق.
فإن قلت: هذا إذا كان في الخير فإن كان شرّاً قلنا: ما ثم إلا خير والخير على قسمين: خير
محض وهو الذي لا شرّ فيه، وخير ممتزج وهو الذي فيه ضرب من الشر كما بيناه من شرب
الدواء المكره وكالمؤمن إذا عصى وأطاع، فإن المؤمن لا تخلص له معصية دون طاعة أصلاً
فإن الإيمان بكونها معصية طاعة. وفي هذا تنبيه لمن كان له قلب فيرجع الأمر في الآخرة إلى
الأمر الذي كان عليه اليتيم قبل البلوغ. وإنما قلنا في اليتيم وكل صبي دون البلوغ كذلك مع
كونه ليس بيتيم لأن اليتيم في تدبير وليه والولي الله لأنه ولي المؤمنين، وغير اليتيم في تدبير
أبيه فلا ينظر إليه مع وجود أبيه لأن الفرع يستمد من أصله الأقرب، ألا ترى الثمرة لا تعرف
لها أصلاً إلا فرع الشجرة لأنها من الفرع تستمد والفرع يعرف الأصل الذي تجهله الثمرة،
واليتيم قد علم أن أباه قد اندرج فانكسر قلبه ولم يكن له أصل يدل عليه، فعرفه العلماء بالله
أنه ليس له إلا من كان لأبيه وهو الله فيرجع إلى الله في أموره، فلما كان حال اليتيم مع الله في
نفسه بهذه المثابة جعل الله له حظاً في المغنم ليتوفر عليه ما هو له وهو ما يرى الصبي من
إضافة الأفعال إليه وعدم التحجير عليه فيها، فمن يمسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة
حسنة وليس ذلك لغير اليتيم، وحكم المسكين حكم اليتيم من عدم الناصر الظاهر فقوى الله
ضعفه أي زاده الله ضعفاً إلى ضعفه، فإن المخلوق ضعيف بحكم الأصالة، فإذا زاده الله ضعفاً
إلى ضعفه كان مسكيناً فما تكون له صولة، فإن صال وهو مسكين فقد أبغضه الله فإنه ظهر منه
ما يخالف حاله، فقد كلف نفسه ما لا يقتضيه مقامه، ولذلك قال رسول الله وص له: ((ثَلاثَةٌ لاَ
يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ يُزَكْيِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: مَلِكٌ كَذَّابٌ، وَشَيْخٌ
٢٦٩
في المنازل/ الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء
زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ)) أي قد بالغ في التكبر، كما أن المسكين قد بالغ الله فيه بالضعف، فإنه
من كونه مسكيناً صاحب ضعفين: ضعف الأصل وضعف الفقر، فلا يقدر يرفع رأسه لهذا
الضعف، بخلاف رب المال فإنه يجد في نفسه قوّة المال، وبهذا سمي المال مالاً لأنه يميل
بصاحبه ولا بد إما إلى خير وإما إلى شر لا يتركه في حال اعتدال، فالمسكين من سكن تحت
مجاري الأقدار، ونظر إلى ما يأتي به حكم الله في الليل والنهار، واطمأن بما أجرى الله به
وعليه، وعلم أنه لا ملجأ من الله إلا إليه وأنه الفعال لما يريد، وتحقق بأن قسمه من الله ما هو
عليه في الحال فجبر الله كسره بقوله: ((أَنَا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ)) فإنك إذا جئت لمن انكسر
قلبه ما تجد عنده جليساً إلا الله حالاً وقولاً فجعل له حظاً عليه في المغنم، وإن لم يكن له فيه
تعمل فخدمه غيره ونال هو الراحة بما أوصل الله إليه مما جهد فيه الغير. وتعب كالمؤمن
الذي لا علم له وهو من أهل الجنة، فيرى منازل العلماء بالله وهو في الموقف فيتحسر ويندم
فيعمد الله إلى من هو من أهل النار من العلماء فيخلج عنه ثوب علمه ويكسوه هذا المؤمن
ليرقى به في منزلة ذلك العلم من الجنة لأنه لكل علم منزلة في الجنان لا ينزل فيها إلا من قام
به ذلك العلم لأن العلم يطلب منزلته من الجنان، والعالم الذي كان له هذا العلم هو من أهل
النار الذين هم أهلها، والعلم لا يقوم بنفسه فينزل بنفسه في تلك المنزلة، فلا بد له من محل
يقوم به فيخلعه الله على هذا المؤمن السعيد الذي لا علم له فيرقى به العلم إلى منزلته فما
أعظمها من حسرة، ولكن بقي عليك أن تعرف أي علم يسلبه هذا الذي هو من أهل النار،
وذلك أنه إذا كان على علم في نفس الأمر إلا أنه قد دخلت عليه في الدنيا فيه شبهة، فأما
حيرته فهو في محل النظر، وأما إزالته عنه مع علمه بما كان عليه غير أنه اعتقد فيه في الدنيا أنه
جهل فإذا كان في الآخرة علم أنه علم فذلك العلم هو الذي يسلب ويخلع على هذا الذي
ليس بعالم وهو من أهل الجنة، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه فإن الله لا يبقي في الدنيا عند
الموت عند أهل النار الذين هم أهلها سوى العلم الذي يليق أن يكون عليه أهل النار. وما عدا
ذلك من العلوم التي لا تصلح أن تكون إلا لأهل الجنة يدخل الله بها على العالم به في الدنيا
أو عند الاحتضار شبهة يخطرها له تزيله عن العلم أو تحيره ثم يموت على ذلك وكان ذلك في
نفس الأمر علماً، فهذا الصنف من العلم هو الذي يخلع على أهل الجنان إذا لم يتقدم لهم
علم به في الدنيا ويطمع فيه من قد كان علمه من أهل النار، فيقام عليه الحجة بأنه مات على
شبهة فهذا حظ المسكين من المغنم، فإن ذلك الذي سلب عنه في الدنيا بالشبهة جاهد نفسه
وتعب، فلما غنم ودخلت الشبهة كان حظ المسكين ذلك العلم. وأما ابن السبيل فأبناء السبيل
هم أعلى الطوائف عند الله فإن الابن لا يقدر أن ينتفي عن أبيه، وإنما سمي ابن السبيل لأنه
علم أن المنزل محال وأن الاستقرار على أمر واحد محال لا في حق نفسه ولا في حق تجلي
ربه بل ولا في حق ربه لأنه في شأن خلقه والأمر فيهم جديد دائماً أبداً، ومن لم يستقر به قدم
فلا بد أن يكون ماشياً أي متحركاً، ولا يتحرك إلا في طريق وهي السبيل والمشي له دائماً دنيا
وآخرة فهو ابن السبيل دنيا وآخرة. ولما كان متفرغاً لسبيله مشغولاً به مسافراً فيه والمسافر لا
٢٧٠
في المنازل/ الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء
بد له من زاد فجعل الله له نصيباً من المغنم فالحق يغذيه لما ليس له فيه تعمل، وقد يكون ابن
السبيل في هذه الآية عين المجاهد، ويكون السبيل من أجل الألف واللام اللتين للعهد
والتعريف سبيل الله التي قالها الله فيها: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩]
يعني الشهداء الذين قتلوا في الجهاد فيكون أيضاً حظ المجاهد من المغنم القدر الذي عين الله
لابن السبيل وهو معروف سوى ما له في الصدقات فاعلم ذلك فإنه تنبيه حسن إن كنتم آمنتم
بالله وما أنزل الله على عبده يوم الفرقان، ففرق بما أعلمه الله بين القبضتين بالكلمتين اللتين
ظهرتا في الكرسي بالقدمين، إذ كان أهل الله وهم أبناء الآخرة أبناء السبيل بالعدوة الدنيا إلى
الله بمحصل القربة والمكانة الزلفى من الله وهم بالعدوة القصوى من الله، وهم أبناء الحياة
الدنيا وأبناء سبيلها، والركب أسفل منكم فجعل السفل لهم إذا كانت ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ السُّفْلَى﴾ [التوبة: ٤٠] ومن كان أسفل منك فأنت أعلى منه لأنكم أهل الله الذين لهم
السعادة إذا كانت ﴿كَلِمَةَ اللَّهِ هِى الْعُلْيَأْ﴾ [التوبة: ٤٠] وكل هذا بحكم الله وقضائه لا ليد
تقدمت بل لعناية إلهية سبقت، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ
عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]: [الطويل]
كما أنّ أهْلَ الشِّرْك بالعُذْوة القُصْوَى
ألا إنّ أَهْلَ الله بالعُدْوَةِ الدُّنْيَا
وإن الذي أدناه قد فاز بالعُليا
فإن الذي أقْصَاهُ يمتاز بالسُّفْلى
فكلُّ فريقٍ من مكانته أدْنّى
ألا تَلْحَظَنَّ الرَّكْبَ أسْفَلَ مِنْهُمُ
ولما رأينا أن الله قد اختص بالخمس في مثل هذا الموطن وفي قسمة هذا النوع الذي
هو المغنم، علمنا أن الله ما راعى من الأقسام التي تعتبر في العالم إلا مراعاة الجيش عند
اللقاء من كونه عزّ وجلّ ملكاً قاهراً حيث أثبت له أعداء ينازعونه، وتقسيم الجيش عند اللقاء
على خمسة أقسام: قلب وهو موضع الإمام وهو الذي اصطفاه الله من نشأة عبده حين قال:
((وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي)) وما بقي فميمنة وميسرة ومقدمة وساقة، فلهذا كان الخمس لله والأربعة
الأخماس الباقية لمن بقي، فإن العدو الذي نصبه الله أخبر الله عنه أنه يأتي من بين أيدينا ومن
خلفنا فنلقاه بالمقدمة والساقة وعن أيماننا فنلقاه بالميمنة وعن شمائلنا فنلقاه بالميسرة، وليس
للعدو غرض إلا في القلب ليزيل ملك الجيش من القلب ما له غرض إلا في هذا، فذب الله
عن قلب العبد الذي هو موضع نظره الذي وسعه بهؤلاء الذين رتبهم في هذه الأماكن التي
يدخل العدو منها فعليه يقاتل هذا الجيش وهو قوله {وَ* ((إن الذي يقاتلُ في سبيل الله هو الذي
يُقاتلُ لتَكُونَ كلمةُ الله هيَ العُلْيَا وكلمةُ الَّذين كَفُرُوا السُّفْلَى)) وهم الأعداء فهو يمدهم من
القلب في الباطن وهم يذبون عنه من الظاهر من الجهات التي يطلب العدو الفرصة فيها، فمن
هنا كان له الخمس من المغنم الذي نص عليه أنه نصيبه لأنه ناصر المؤمنين على أعدائه،
والجيش ناصر دينه ذلك بأن الله: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] فما لهم
قلب ينصرهم: [الرمل]
هو خُمْسُ الفَيْء من غير مَزِيدْ
إن الله نصيباً وافراً
٢٧١
في المنازل/ الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء
وهو العَرْشُ الإلهيُّ المَجِيدْ
فله القَلْبُ الذي يَعْمُرُهُ
اختصاصاً منه في بعض العَبيدْ
والذي يَبْقَى فقد قَسَّمَهُ
قَلَمي فاز بما يعطي الوُجُودْ
فالذي حَازَ الذي سَطَّرَهُ
فرَسُولُ أو وليٍّ وارثٌ
والذي يعلمُه الله فما
ما له في علمنا غَيْرُ الشُّهوذُ
لِيَ عِلْمٌ فيه إلا أن يَجُودُ
وفي هذا المنزل: علم هل يتعلق العلم الواحد بجميع المعلومات أو لكل معلوم علم أو
يختلف بالنسبة إلى العالم؟ وما هو العلم هل هو ذات العالم أو صفة قائمة به أو نسبة ما هي ذات
العالم ولا صفته؟ وفيه علم ما يؤدي إليه المناسبات بين الأشياء من التألف والاجتماع. وفيه علم
من عمل بعملك فهو منك. وفيه علم الاستناد وحماية المستند ومشاركته في المشقة وترك ما
يرى تركه وإن كان محبوباً لك والإيمان الذي لا يزلزله شيء. وفيه علم ما توجبه مكارم الأخلاق
على من قامت به وعلم المقامات وما يختص بهذا المنزل منها. وفيه علم الكثير والقليل ومن هو
كثير بالقوّة وكثير بالعدد وكذلك في القلة. وفيه علم فيه مزلة قدم وهو أن يعطيك أن تكون مع
كل من يريد منك أمراً ما أن تكون له بما يريده منك وإنما هو مزلة قدم لاختلاف الأغراض
وتقييد المؤمن بما قلده من الحكم الذي قيده. وفيه علم ما ينبغي أن يستعد له مما لا يستعد له .
وفيه علم معاملة من تجهل أمره كيف تعامله. وفيه علم يعلم به أنه ما يقابلك من العالم ولا من
الحق إلا صفتك. وفيه علم إلحاق الرؤوس بالأذناب في الحكم وهو الحال الذي يستوي فيه
الرئيس والمرؤوس كالنوع الوسط الذي هو نوع لما فوقه وجنس لما تحته. وفيه علم التحريش
ثم التبري منه هل ينفع ذلك التبري أم لا ينفع؟ وفيه علم إدراك الخيال في صورة المحسوس في
اليقظة وما ثم شيء محسوس مخيل من خارج ولا من داخل بل هو كالسراب تراه ماء، وكالصغير
في السراب تراه كبيراً، وكالجبل الأبيض تراه على البعد أسود، فهذا خارج عن الحس والخيال.
وفيه علم السبب الذي يدعو الإنسان إلى أن يدعو على نفسه بالهلاك ويطلب العلامة في نفسه بما
يرديه. وفيه علم ما يتوهم أنه قادر عليه وليس بقادر عليه ولماذا يرجع الإعجاز؟ هل يرجع الأمر
لا يقدر مخلوق عليه أو لأمر كان يقدر عليه ثم صرف عنه؟ وفيه علم ما تنتجه التقوى في المتقي.
وفيه علم الفرق بين الرسول وَله وبين المؤمنين. وفيه علم ما يريده المخاطب من المخاطب إذا
كلمه. وفيه علم ما يظهر أنه لله وهو للكون ويظهر أنه للكون وهو الله. وفيه علم الجهات
والإحاطة والسكون والحركة. وفيه علم المنافع الأخروية. وفيه علم السبب الذي يوجب الأمان
في موطن الخوف هل يصح ذلك أم لا؟ وما معنى الموطن هل هو الحال في الشخص فيكون
موطنه حاله أو الموطن خارج عن الحال؟ وفيه علم الأسباب الموجبة لوجود الأوهام الحاكمة في
النفوس وهي صور من صور التجلي الإلهيّ. وفيه علم ما يحمد من السؤال وما يكره. وفيه علم
الصلاح ومراعاة الأصلح وعلى من يجب ذلك. وفيه علم الوعد والوعيد ومع من يجب القتال
شرعاً إذا تراءى الجمعان وصفّ الناس للقتال. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
٢٧٢
في المنازل/ الباب السابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سجود القيومية
الباب السابع والسبعون وثلاثمائة
في معرفة منزل سجود القيومية والصدق والمجد واللؤلؤة والسور
[نظم: الطويل]
وجاء إلهُ الحَقِّ للحُكُم والفَصْلِ
إذا وُضِعَ الميزانُ في قُبَّة العَدْلِ
فضلْعانِ في مثل وضِلْعٌ بلا مِثْلٍ
يقوم لنا شَكْلٌ بَدِيعْ مُثَلَّثٌ
فلا بُدَّ من أمر يُؤَيَّدُ بالفَضْلِ
ولا بُدّ من تَزْجيحه لبقائه
ويَرْجَحُ ميزانُ السعادة بالثّقْلِ
فيَذْهَبُ حُكْمُ المَيْل عند اسْتوائه
اعلم أيدك الله أنه ثبت شرعاً وعقلاً أنه تعالى سبحانه أحديّ المرتبة فلا إله إلا هو الله
وحده لا شريك له في الملك والملك كل ما سوى الله وأما أن يكون له تعالى ولي فما هو مثل
الشريك في الملك فإن ذلك منفي على الإطلاق لأنه في نفس الأمر منفي العين، وأما الوليّ
فموجود العين فهو ينصر الله ابتغاء القربة إليه والتحبب عسى يصطفيه ويدنيه لا لذل ناله
فينصره على من أذله أو ينصره لضعفه تعالى الله، قال تعالى: ﴿إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ﴾ [محمد: ٧]
وقال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] فما قال ﴿إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ﴾ إلا ولا بد من وقوع هذا
النصر ولكن كما ذكرنا وهو قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِىٌّ مِّنَ الذُّلِّ﴾ أي ناصر من أجل الذل
﴿وَكَيْرَهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] عن هذين الوصفين، كما أنه تعالى بدليل العقل والشرع أحدي
الكثرة بأسمائه الحسنى أو صفاته أو نسبه وهو بالشرع خاصة أحدي الكثرة في ذاته بما أخبر به
عن نفسه بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] و﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾ [ص: ٧٥] و﴿تَجْرِى
يَعْيُنَا﴾ [القمر: ١٤] و((القَلْبُ بَيْنَ أصْبَعَين من أصابع الرحمن)) ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ،﴾
[الزمر: ٦٧] و((كلْتا يَدَيْ ربي يَمينٌ مباركةٌ)). وهذه كلها وأمثالها أخبار عن الذات أخبر الله بها
عن نفسه والأدلة العقلية تحيل ذلك، فإن كان السامع صاحب النظر العقلي مؤمناً تكلف
التأويل في ذلك لوقوفه مع عقله، وإن كان السامع منور الباطن بالإيمان آمن بذلك على علم
الله فيه مع معقول المعنى الوراد المتلفظ به من يد وأصبع وعين وغير ذلك، ولكن يجهل
النسبة إلى أن يكشف الله له عن بصيرته فيدرك المراد من تلك العبارة كشفاً فإن الله ما أرسل
رسولاً إلا بلسان قومه أي بما تواطؤوا عليه من التعبير عن المعاني التي يريد المتكلم أن
يوصل مراده فيما يريد منها إلى السامع، فالمعنى لا يتغير البتة عن دلالة ذلك اللفظ عليه وإن
جهل كيف ينسب فلا يقدح ذلك في المعقول من معنى تلك العبارة: [الرمل]
وهو للحاصل فيه مَذْهَبُ
واحدٌ وهو كثيرٌ عَجَبُ
إنَّما العِلْمُ لمن حَصَّلَهُ
بطريق الذَّوْقِ فَهْوَ المَشْرَبُ
عَيْنُ ما جئت به ما تَطْلُبُ
أيُّها الطالبُ كَتْزاً إنه
واعلم أيدك الله أنه من المحال أن يكون في المعلومات أمر لا يكون له حكم ذلك
الحكم ما هو عين ذاته بل هو معقول آخر، فلا واحد في نفس الأمر في عينه لا يكون واحداً
٢٧٣
في المنازل/ الباب السابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سجود القيومية
لكثرة فما ثم إلا مركب أدنى نسبة التركيب إليه أن يكون عينه وما يحكم به على عينه فالوحدة
التي لا كثرة فيها محال .
واعلم أن التركيب الذاتي الواجب للمركب الواجب الوجود لنفسه لا يقدح فيه القدح
الذي يتوهمه النظار، فإن ذلك في التركيب الإمكاني في الممكنات بالنظر إلى اختلاف
التركيبات الإمكانية، فيطلب التركيب الخاص في هذا المركب مخصصاً بخلاف الأمر الذي
يستحقه الشيء لنفسه كما يقول في الشيء الذي يقبل الأشكال لنفسه لا تقول إن ذلك له بجعل
جاعل أعني قبول الأشكال، وإنما الذي يكون له بالمخصص كون شكل خاص دون غيره مع
إمكان قيام شكل آخر به فلا بد من مخصص لا قابل للأشكال فإن ذلك لنفسه، فالتركيب
الذاتي الذي يقتضيه الواجب الوجود لنفسه خارج عن هذا الحكم لأنه مجهول الماهية عند
النظار، فنسبة التركيب إليه مجهولة مع معقولية التركيب، ومعنى التركيب كونه كثيراً في ذاته
كما لم يقدح فيه كونه له صفات قديمة عند مثبتي الصفات من النظار كالأشاعرة، وما وجدنا
عقلاً يقيم دليلاً قط على أنه تعالى لا يحكم عليه بأمر فغاية من غاص في النظر العقلي واشتهر
من العلماء أنه عقل صرف لا حظ له في الإيمان أنه حكم عليه بأنه علة فما خلص التوحيد له
في ذاته حين حكم عليه بالعلية، وأما غيرهم من النظار فحكموا عليه بالنسب، وأن ثم أمراً
يسمى القائلية والقادرية بهما حكمنا حكماً عليه أنه قائل وقادر، وأما غير هؤلاء من النظار
فحكموا عليه بأن له صفات زائدة على ذاته قديمة أزلية قائمة بذاته تسمى حياة وعلماً وقدرة
وإرادة وكلاماً وسمعاً وبصراً بها، يقال فيه أنه حي عالم قادر مريد متكلم سميع بصير، وجميع
الأسماء من حيث معانيها أعني الأسماء الإلهيّة تندرج تحت هذه الصفات الأزلية القديمة
القائمة بذات الحق. ومن النظار من جعل لكل اسم إلهيّ معنى معقولاً يعقل منه أن ذلك
المعنى قائم بذات الحق قديم أزليّ ولو كان ما كان وبلغ ما بلغ من الأعداد. وروينا عن أبي
بكر القاضي الباقلاني أنه يقول بهذا، غير أنهم اتفقوا بالنظر العقلي على أن الحوادث لا تقوم
به، فما أخلوا ذاته عن حكم إما بنسب وإما بصفات وإما بمعاني أسماء، ثم جاء الشرع وهو ما
ترجمه الرسول و8 وقال: إنه كلام الله وأقام الدلالة على صدقه أنه من عند الله وأخبر أنه في
كل ما ينطق عن الله ما ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ينزل به الروح الأمين
على قلبه أو يلهمه الله إلهاماً في نفسه بأنه تعالى على كذا وكذا من أمور وصف بها نفسه وذكر
عن ذاته أنها على ما أخبر بعبارات تعلم في العرف بالتواطؤ معانيها لا نشك في ذلك بأي لسان
أرسل ذلك الرسول، وأضاف تلك المعاني إلى نفسه وذاته أنه عليها من يدين وأصبعين ويمين
وأعين ومعية وضحك وفرح وتعجب وتبشبش وإتيان ومجيء واستواء ونزول وبصر وعلم
وكلام وصوت، وأمثال ذلك من هرولة وحد ومقدار ورضى وغضب لأسباب حادثة من العبيد
المكلفين فعلوها أغضبوا بها ربهم فقبل الغضب ووصف نفسه به ووصف نفسه بأن العبد إذا
تصدق مثلاً يطفىء بصدقته غضب الله عليه، وهذا كله معقول المعنى مجهول النسبة إلى الله
يجب الإيمان به على كل إنسان خوطب أو كلف به من عند الله، وهذا كله خارج عن الدلالة
٢٧٤
في المنازل/ الباب السابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سجود القيومية
العقلية إلا أن يتأول فحينئذ يقبله العقل فقبوله بالإيمان أولى لأنه حكم حكم به الحق على
نفسه أنه كذا مع أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فنفى عنا العلم بوجه النسبة إليه ما
نفى الحكم بذلك عن نفسه، وحكمه سبحانه بأمر على نفسه أولى بنا أن نقبله منه من حكم
حكم به مخلوق وهو العقل عليه، فما أعمى من اتبع عقله في حكمه بما حكم به على ربه،
ولم يتبع ما حكم به الرب على نفسه، وأي عمى أشد من هذا ولا سيما والمترجم عن الله
تعالى وهو الرسول بَل# قد نهى المكلفين أصحاب العقول أن يفكروا في ذات الله وأن يصفوها
بنعت ليس في إخبار الله عن نفسه، فعكسوا القضية وفكروا في ذات الله وحكموا بما حكموا
به على ذاته تعالى، ولما جاء إخباره إلينا بما هو عليه في ذاته أنكروا ذلك بعقولهم وردّوه
وكذبوا الرسل، ومن صدقهم من هؤلاء جعلوا ذلك سياسة من حكيم عاقل لمصلحة الوقت
وتوفر الدواعي بالجمعية على إله هذه صفته تقريراً في النفوس القاصرة، فإذا قرّروا ذلك
ظهروا للناس في العامة بالارتباط بتلك الصفات مثل ما هي العامة عليه، وفي أنفسهم خلاف
ما ظهروا به، وأما من أعطاه نظره وجود الرسول وصدقه فيما أخبر فغايته التأويل حتى لا
يخرج عن حكم عقله على ربه فيما أخبر به عن نفسه، فكأنه في تصديقه مكذب. وأما أهل
السلامة الذين لا نور عندهم إلا نور الإيمان سلموا ذلك إلى الله على علم الله فيه مع الإيمان
والتحقيق لما تعطيه تلك العبارات من المعاني بالتواطؤ عليها في ذلك اللسان المبعوث به هذا
الرسول. وأما أهل الكشف والوجود فآمنوا كما آمن هؤلاء ثم اتقوا الله فيما حد لهم وشرع
فجعل لهم فرقاناً فرّقوا به بين نسبة هذه الأحكام إلى الله ونسبتها إلى المخلوق فعرفوا معانيها
عن عيان وعلم ضروريّ وإلى هنا انتهوا، فانظر في تفاوت العقول في الأمر الواحد واختلاف
الطرق فيه لمن كان له عقل سليم ﴿أَوْ أَلْفَى السَّمْعَ﴾ لخطاب الحق ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]
المواقع الخطاب الإلهيّ على الشهود والكشف، فإذا تقرّر ما ذكرناه وكان الأمر على ما شرحناه
وبيناه فاعلم أن الله هو الظاهرُ الذي تشهده العيون والباطن الذي تشهده العقول، فكما أنه ما
ثم في المعلومات غيب عنه جملة واحدة بل كل شيء له مشهود كذلك ما هو غيب لخلقه لا
في حال عدمهم ولا في حال وجودهم، بل هو مشهود لهم بنعت الظهور والبطون للبصائر
والأبصار، غير أنه لا يلزم من الشهود العلم بأنه هو ذلك المطلوب إلا بإعلام الله وجعله العلم
الضروري في نفس العبد أنه هو مثل ما يجد النائم إذا رأى صورة الرسول أو الحق تعالى في
النوم فيجد في نفسه من غير سبب ظاهر أن ذلك المرئي هو الرسول إن كان الرسول أو الحق
إن كان الحق، وذلك الوجدان حق في نفسه مطابق لما هو الأمر عليه فيما رآه، هكذا يكون
العلم بالله فلا يدرك إلا هكذا لا بتفكر ولا بنظر حتى لا يدخل تحت حكم مخلوق، وإذا كان
الأمر بهذه المثابة وأخبر عن نفسه أنه يتحوّل في الصور مع ثبوت هذه الأحكام حكمنا عليه بما
يحكم به على الصور التي يتجلى فيها لعباده كانت ما كانت فليس ثم غيره ولا سيما في
الموطن الذي يعلم من حقيقته أنه لا يمكن فيه دعوى في الألوهية إلا لله فلا نضرب له مثلاً:
[مجزوء الرجز]
٢٧٥
في المنازل / الباب السابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سجود القيومية
سُبْحَانَهُ عَزَّ وجَلْ
فإِنَّهُ عَيْنُ المَثَلْ
حَقَّقْتَهُ على وَجَلْ
وكُلُنا منه إذا
بالأمْنِ منه ويَجَلْ
إلا الذي بَشَرَهُ
ففعل ما يقتضيه الموطن، فإن العالم بالأمور لا يزيد في الظهور على حكم ما يقضي به
الوقت، ولذلك قالت الطائفة في الصوفي إنه ابن وقته، وهذا حكم الكمل من الرجال كما
يقول رسول الله ومية وهو الرؤوف الرحيم في حق طائفة يوم القيامة: ((سُخْقاً سُحقاً)) فإذا زال
ذلك الحال تلطف في المسألة وشفع فيمن هوت به الريح وهو قوّة حكم هوى النفس في
مكان سحيق، فيقوم الحق في الحال الواحد بصفة الغضب والرضى والرحمة والعذاب لحكم
الظاهر والباطن والمعز والمذل فكأنه برزخ بين صفتيه، فإنه ذو قبضتين ويدين لكل يد حكم
وفي كل قبضة قوم مثل الكتابين اللذين خرج بهما رسول الله وَّر على أصحابه وأخبرهم أن
في أحدهما أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وقبائهلم من حين خلق الله الناس إلى
يوم القيامة، وفي الكتاب الآخر أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم من حين
خلق الله الناس إلى يوم القيامة، ولو كتب هذا بالكتابة المعهودة ما وسعت الأوراق مدينة
فكيف أن يحيط بذلك كتابان في يدي الرسول وَّر؟ فهذا من علم إدخال الواسع في الضيق
من غير أن يوسع الضيق أو يضيق الواسع، فمن شاهد هذه الأمور مشاهدة وحصلت له ذوقاً
فذلك هو العالم بالله وبما هو الأمر عليه في نفسه وعينه، فإن الصحيح أن الشيء لا يدرك إلا
بنفسه، وليس له دليل قاطع عليه سوى نفسه والبصر له الشهود والعقل له القبول. وأما من
طلب معرفة الأمور بالدلائل الغريبة التي ليست عين المطلوب فمن المحال أن يحصل على
طائل ولا تظفر يداه إلا بالخيبة فأما المقربون فهم بين يدي الله في مقابلة الذات الموصوفة
باليدين فإنهم لتنفيذ الأوامر الإلهيّة في الخلق في كل دار، وأما أهل اليمين فليس لهم هذا
التصريف بل هم أهل سلامة وبراءة لما كانوا عليه وهم عليه من قوّة الحكم على نفوسهم
وقمعهم هواهم باتباع الحق. وأما أهل اليد الأخرى الذين قيل فيهم إنهم أصحاب الشمال
فنكسوا رؤوسهم، ومنهم المقنع رأسه الذي لا يرتدّ إليه طرفه بهتاً لعظيم ما يرى فلا يرى
طائفة من هؤلاء الثلاثة إلا ما يعطيه مقامها ومنزلها ومكانها فتشهد كل طائفة من الله خلاف ما
تشهده الأخرى والحق واحد، فلولا ما هو الأمر واحد الكثرة لما اختلف شهودهم، فلولا
الكثرة في الواحد لما كان الأمر إلا واحداً لا يقبل القسمة وقد قبل القسمة فالأصل كهو، وهذا
سبب وجود الدارين في الآخرة والكفتين في الميزان والرحمة المقيدة بالوجوب والمطلقة
بالامتنان وتفاضل المراتب في الدرجات في الجنان والدركات في النار: [الرجز]
بمثل هذا تشهدُ الأمورُ
فليس إلاّ الواحدُ الكَثِيرُ
حَقّاً بلا شَكّ له النَّذيرُ
فانْظُرْ إذا ما جاءك الغَرُورُ
تضيقُ من سماعه الصُّدُورُ
وكلّ ما تقوله فَزُورُ
فإذا تجلى الحق في صفة الجبروت لمن تجلى من عباده فإن كان المتجلى له ليس له
٢٧٦
في المنازل/ الباب السابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سجود القيومية
مدبر غير الله كجبل موسى تدكدك لتجليه فإنه ما فيه غير نفسه، وإن كان له مدبر قد جعله الله
له كتدبير النفوس الناطقة أبدانها لم تتدكدك أجسامها لكن أرواحها حكم فيها ذلك التجلي
حكمه في الجبل، فبعد أن كان قائماً بتدبير الجسد زال عن قيامه فظهر حكم الصعق في جسد
موسى وما هو إلا إزالة قيامة المدبر له خاصة كما زال الجبل عن وتديته فثبت في نفسه ولم
يثبت غيره، فإن الجبل ما وضعه الله إلا ليسكن به ميد الأرض فزال حكمه إذا زالت جبليته كما
زال تدبير الروح لجسد صاحب الصعق إذا زال قيامه به فأفاق موسى بعد صعقه ولم يرجع
الجبل إلى وتديته لأنه لم يكن هناك من يطلبه لوجود العوض وهو غيره من الجبال، وهذا
الجسد الخاص ما له مدبر مخلوق سوى هذا الروح، فطلب الجسم من الله بالحال مدبره فردّه
الله إليه فأفاق، فالنشأة الطبيعية تحفظ التدبير على روحها المدبر لها لأنها لا غنى لها عن مدبر
يدبرها، والأرض لا تحفظ وتدية جبل عليه معين لاستغنائها عنه بأمثاله لكن لا غنى لها عن
المجموع إذا طلب السكون، فهذا سبب علة إفاقة موسى وعدم رجوع الوتدية للجبل، فالجبال
مخلوقة بالأصالة بصفة الرحمة واللطف والتنزل فظهرت ابتداء بصورة القهر حيث سكنت ميد
الأرض فكانت رحمتها في القهر فلا تعرف التواضع فإنها ما كانت أرضاً ثم صارت جبالاً ،
فأوّل جبل أنزله الله عن قهره وجبروته بالحجاب الذي كان الحق احتجب عنه حجاب شهود لا
حجاب علم جبل موسى بالتدكدك فصار أرضاً بعدما كان جبلاً فهو أوّل جبل عرف نفسه، ثم
بعد ذلك في القيامة تصير الجبال ﴿ذَكَادَ﴾ [الفجر: ٢١] لتجلي الحق إذا كانت ﴿كَأَلْعِهْنِ
اٌلْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] فمد الأرض إنما هو مزيد امتداد الجبال وتصييرها أرضاً، فما كان منها
في العلوّ في الجوّ إذا انبسط زاد في بسط الأرض ولهذا جاء الخبر: ((إِنَّ اللّه يَمُدُ الأَرْضَ يَوْمَ
القِيَامَةِ مَدَّ الأَدِيم)» فشبه مدها بمد الأديم، وإذا مد الإنسان الأديم فإنه يطول من غير أن يزيد
فيه شيء لم يكنَ في عينه وإنما كان فيه تقبض ونتوء، فلما مد انبسط عن قبضه وفرش ذلك
النتوء الذي كان فيه فزاد في سعة الأرض ورفع المنخفض منها حتى بسطه فزاد فيها ما كان من
طول من سطحها إلى القاع منها كما يكون في الجلد سواء، فلا ترى في الأرض عوجاً ولا
أمتاً، فيأخذ البصر جميع من في الموقف بلا حجاب من ارتفاع وانخفاض ليرى الخلق
بعضهم بعضاً فيشهدوا حكم الله بالفصل والقضاء في عباده لوجود الصفتين وحكم القدمين من
الظاهر والباطن : [الطويل]
فلولا ظُهُورُ الحَقِّ ما كان إِنْسانُ
فما ثَمَّ إلا واجبٌ ثم واجبٌ
فما أكْمَلُ في الكَوْن من عين ذاته
وما ثَمَّ مقصودّ سواه فإنه
فإن الذي أبداه أعْلَمَ أنه
فلا بُدٌ من داريَنْ دَارٍ كرامة
وهذا الذي جئنا به في كلامنا
ولولا بُطُونُ الحَقِّ ما قام بُرْهَانُ
إذا ما عَلِمْتَ الأمْرَ ما ثَمَّ إِمْكانُ
وهذا الذي سَمَّاه في الكون إنسانٌ
هو الحَقّ لا يَخْجُبْكَ خُلْدٌ ونيرانُ
له غَضَبٌ يُبْدِيهِ وَقْتاً ورضوانُ
ودَارِ عذاب فيه للعقل تبْيانُ
هو الحَقّ إنْ فَكَّرْتَ ما فيه بُهْتانُ
٢٧٧
في المنازل/ الباب السابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سجود القيومية
وكيف لا تعرف هذا من نفس ما نطقت به وترجمت عنه: [البسيط]
فيما أَفُوهُ به عنه وقَيَّدَني
وقد عَلِمْتُ بأن الحَقَّ أيَّدَني
به فلا تَبْرَحُ الأرواح تنزلُ بي
وذاك أن لنا عيناً مُكَمّلَةٌ
لذاك أوْجَدني رَبّي وَخَصَّصَني
وانظرْ إليّ تَرَ في صورتي عَجَباً
إذا هَمَمْتُ بأمْرٍ لا يقاومُه
فكلّ عقل يرى ربّي يُوَحَدُهُ
فالله يعلم ما في الغيب من عَجَب
على الدوام وتهواني فَتَقْصدني
بها يرى نَفْسَه من كان يَشْهَدُني
فكلّ ما فيه منه حين يُوجدُني
في كل حال إلهُ الحقّ يُسْعدُني
أمْرٌ وجدتُ إلهي فيه يَغْضُدُني
والحَقّ حين يراني بي يُوَحِّدُني
وبالوصول إليه الحَقُّ يُفْرِدُني
وفي هذا المنزل من العلوم ما في الكتب الأربعة وهي: القرآن والتوراة والإنجيل
والزبور. وفيه علم ما سبب إنزال الكتب وما نزل إلا كلام على الرسل وكتب عن الرسل في
الكتب وإنما نزل كتابة إلى السماء الدنيا فيما نقل وذلك ليلة القدر موافقة ليلة النصف من
شعبان، ثم نزل به الروح الأمين على قلب محمد وَل٣ منجماً في ثلاث وعشرين سنة أو في
عشرين سنة على الخلاف. وفيه علم تسمية الترجمة إنزالاً وتنزيلاً. وفيه علم من كشف عنه
الغطاء حتى شاهد الأمر على ما هو عليه هل هو مخاطب بالآداب السمعية أو يقتضي ذلك
المقام الذهول وذهاب عقل التكليف فيبقى بلا رسم مع المهيمين من الملائكة. وفيه علم
الوصايا والآداب وأحوال المخاطبين والمطرفين. وفيه علم حفظ الجوار على الجار وهل
الجار إذا انتهك حرمة جاره هل يجازيه جاره بمثل ما أتى به أو يكون مخاطباً بحفظ الجوار
ولا يجازيه بالإساءة على إساءته. وفيه علم حال الموصوف بأنه يأمر بمكارم الأخلاق ومنها
العفو والصفح وتفريج الكرب بضمان التبعات لما هو عليه من الغنى في الأداء عنه ثم بعد
ذلك يعاقب والعفو مندوب إليه والضمان أيضاً مندوب إليه فبأي صفة تكون العقوبة ممن هذا
نعته. وفيه علم الفرق بين الأمر وصفته. وفيه علم ما حرّم من الزينة وما أبيح منها وما حظر
منها وموطن كل زينة. وفيه علم الفرق بين الخبيث والطيب. وفيه علم مرجع الدرك في الدار
الآخرة على من يكون إذا كان في ضمنه شخصان الواحد مفلس والآخر موسر. وفيه علم
الثناء وتفاصيله بالأحوال. وفيه علم مخاطبة الموتى بعضهم بعضاً في حال موتهم وهل حالهم
بعد الموت مثل حالهم قبل الايجاد أم لا؟ وفيه علم الموت وماهيته. وفيه علم الفصل بين
القبضتين. وفيه علم التكليف يوم القيامة وقبل دخول الجنة. وفيه علم العلامات في السعداء
والأشقياء ومن لا علامة له لأيّ فريق يكون. وفيه علم من حلف على شيء أكذبه الله وقد
ورد: ((مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى الله يُكَذِّبُهُ)). وفيه علم ما السبب الموجب للمنعوت بالكرم إذا سأله
المضطر المحروم وهو قادر على مواساته وبذله ما سأله بذله فلم يفعل وبماذا يعتذر وما صفة
هذا السائل المحروم. وفيه علم أولاد الليل والنهار بماذا يفرق بينهم. وفيه علم سباحة عالم
الأنوار. وفيه علم قيام العبد بالصفتين المتضادتين وهو محمود عند الله عزّ وجلّ في الحالين.
٢٧٨
في المنازل/ الباب الثامن والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الأمة البهيمية
وفيه علم كون الرحمة قد وسعت كل شيء ثم وصفت بالقرب من بعض الأشخاص لصفات
قامت به فهل هي هذه الرحمة التي وسعت كل شيء أو رحمة أخرى؟ وفيه علم من أسعده الله
على كره منه في السعادة وهو في علم الله سعيد. وفيه علم قول الأعمى للبصير: ما لك أعمى
لا تبصر شيئاً أما تراني أبصر الظلمة وأنت لا تراها وتزعم أنك تبصر؟ وفيه علم الاعتبار وعلم
الإمكان والممكنات وعلم السيميا وعلم الورث والوارثين وعلم الدلالات على الوقائع وعلم
التشبيه وعلم الغيرة. وفيه علم الشوق والاشتياق. وفيه علم التوبة ما هي وتقاسيمها والتائبين.
وفيه علم كل شيء. وفيه علم الذوق. وفيه علم تأثير الأحوال. وفيه علم التقييد والإطلاق،
وفيه علم رفع الأثقال. وفيه علم الاختصاص. وفيه علم تقاسيم العلوم وفيه علم المراتب.
وفيه علم تبديل الشرائع ونسخ بعضها بعضاً. وفيه علم الخلف والخلف بسكون اللام
وفتحها. وفيه علم التهويل والتخويف من غير إيقاع ما يخوف به. وفيه علم العهود والمواثيق
البرزخية. وفيه علم التسليم. وفيه علم الاستدراج وإظهار البعد في عين القرب وما صفة من
يعرف ذلك. وفيه علم أوقات الموقتات. وفيه علم ما يعطيه العلم الذي يقتضي العمل من
العمل فإنه من المحال أن يكون علم يعطي العمل قيامه بصاحبه ولا يعمل ولا يجوز ذلك كثير
من الناس وهم فيه على غلط فالعلم يقتضي العمل ولا بد. وفيه علم الشركة في الأسماء وما
يؤثر. وفيه علم العجز وحيث ينفع ويكون دليلاً. وفيه علم منافع الأعضاء. وفيه علم ما يدفع
به الخاطر الشيطاني والنفسي من الإنسان. وفيه علم مراتب السجود في الساجدين وما الذين
أسجدهم؟ وما السجود الذي لا رفع بعده لمن سجده؟ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثامن والسبعون وثلاثمائة
في معرفة منزل الأمة البهيمية والإحصار والثلاثة الأسرار
العلوية وتقدم المتأخر وتأخر المتقدم من الحضرة الإلهية
[نظم: الوافر]
بأجْنِحة الملائكة الكِرَامِ
يَطِيرُ العارفون إلى المُسَمَّى
فتُرجِعُهُمْ بأرواح الأسَامي
إلى ذات الذوات بغير نَعْتٍ
من الحال المُنَزَّه والمَقَامِ
فتُكملُ ذاتَهُمْ من كل وَجْهٍ
فكُلُّهُمُ إمامٌ عن إمامِ
وشَاهِدُ حَالِهِمْ يبدو فيقضي
اعلم أيدنا الله وإياك أن البهائم أمم من جملة الأمم لهم تسبيحات تخص كل جنس
وصلاة مثل ما لغيرها من المخلوقات، فتسبيحهم ما يعلمونه من تنزيه خالقهم فلهم نصيب في
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأما صلاتهم فلهم مع الحق مناجاة خاصة قال تعالى:
﴿وَالطَّيْرُ صَفَتٍ كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلَهُ وَتَسِْيحَهُ﴾ [النور: ٤١] وقال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النََّلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ
اُلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَا يَعْرِشُونَ ﴿٣٨) ثُمَّ كُلِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ فَأَسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ﴾ [النحل: ٦٨، ٦٩]
وهي ما شرع الله لها من السبل أن تسلكها ذللاً، فكل شيء من المخلوقات له كلام يخصه
٢٧٩
في المنازل/ الباب الثامن والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الأمة البهيمية
يعلمه الله ويسمعه من فتح الله سمعه لإدراكه، وجميع ما يظهر من الحيوان من الحركات
والصنائع التي لا تظهر إلا من ذي عقل وفكر وروية وما يرى في ذلك من الأوزان تدل على أن
لهم علماً في أنفسهم بذلك كله، ثم يرون منهم أموراً تدل على أنهم ما لهم ما للإنسان من
التدبير العام، فتعارضت عند الناظرين في أمرهم الأمور فانبهم أمرهم عليهم وربما سموا
لذلك بهائم من إبهام الأمر إلا عندنا فإنه أوضح من كل واضح، وما أتى على من أتى عليه إلا
من عدم الكشف لذلك فلا يعرفون من المخلوقات إلا قدر ما يشاهدونه منهم، وكذلك من
ألحقهم بدرجة المعارف والعلم بالله وبما أهلهم الله له ما ألحقهم بذلك إلا من كون الله كشف
له عن أمرهم وأحوالهم، أو مؤمن صادق الإيمان قد بلغه عن الله في كتاب أو سنة أمرهم،
وساعدنا على هذا القول شيخنا وإمامنا المتقدم حجة الله على المحققين الذي يقول فيه أبو
طالب المكي صاحب قوت القلوب إذا حكى عنه قولاً قال عالمنا سهل بن عبد الله التستري
الذي رأى قلبه يسجد وهو صغير فلم يرفع واستظهر القرآن وهو ابن ست سنين ولما دخلت
الخلوة على ذكره فتح لي به من ليلتي تلك الفتح الخاص بذلك الذكر فانكشف لي بنوره ما
كان عندي غيباً ثم أفل ذلك النور المكاشف به فقلت: هذا مشهد خليلي فعلمت أني وارث
من تلك الساعة لملة أمر الله رسوله وأمرنا باتباعها وذلك قوله: ﴿قِلَّةَ أَبِكُمْ إِنْزَهِيمُّ هُوَ
سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلٌ﴾ [الحج: ٧٨] وتحققت أبوته وبنوّتي، وقد كان شيخنا صالح البربري
بإشبيلية قد قال لي: يا ولدي إياك أن تذوق الخل بعد العسل فعلمت مراده، وكان من أكبر من
رأيته من المنقطعين إلى الله تعالى بل المقتطعين ما رأيت على قدمه مثله فجئت الشيخ بكرة
وقلت له ما كان في منظوم نظمته إلهي لا عن روية ولا تعمل كما قال أبو العباس بن العريف
الصنهاجي : [الطويل]
شَهِيٍّ إلينا نَثْرُهُ ونظامُهُ
وجاء حَديثٌ لا يُمَلَّ سَمَاعُهُ
وكان النظم الذي عملته في حالي : [الرمل]
فَمَضَى الصَّبَاحُ عنّي وأَفَلْ
كان مِثْلَ الخَلِّ مِنْ بَعْد العَسَلْ
أوْرَثَتْ في القلب أسبابَ العِلَلُ
وبَدَتْ ظُلْمَةُ لِيْلِ حالكِ
تَبْتَغِيه قلتُ نُوراً بعَمَلْ
قلتُ ربِّي قال لَبَّيِّكَ فما
قال بابٌ مغلقٌ قلتُ أجَلْ
عَلِمَ الحَقُّ الذي قد قلتُه
فبدا النورُ بلا ضَرْبِ مَثَلْ
قلتُ هَبْ لي نُورَكَ الخالصَ لي
بين هذين إلى غير أجَلْ
أنني الأمر الذي منه نَزَلْ
في سمائي ثم أرضي ثم ما
والذي يَفْهَمُ قولي قد دَرَى
فسر الشيخ بهذا النفس وقال: هذا من تجلي الغلس، قلت له: صدقت كذلك كان،
قال: الحمد لله المنعم على كل حال لو علم الناس النعمة السارية في الأحوال ما فرّقوا بين
السراء والضراء واتحد الحمد، قلت له: بل توحد، فقال: صدقت يا ولدي وأخطأ الشيخ
فقبلت يده وقبل رأسي : [الطويل]
٢٨٠
في المنازل / الباب الثامن والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الأمة البهيمية
فألْقِ إليه السَّمْعَ إن كنتَ مُؤْمنَا
إلى مسعدي سرّاً أقول ومُعْلِنَا
فإني علمتُ الأمر علماً مُبَيَّنَا
يكون لنا يوم القيامة مَوْطِئًا
فما ثَمَّ إلا الله فالعلمُ عِلْمُنا
فإن قلتُ من هذا يقول أنا أنا
وذلك نَعْتٌ لا يكون لغيرنا
به رُسْلُنا فالقولُ منّا بنا لنا
أخاطبُه غيري فعينُك عَيْنُنا
إذا الصادقُ الداعي أتاك مُبَيِّنَا
وقلتُ رَسُولَ الله أنت وسيلتي
ولستُ بإيماني به متردّداً
بكَشْفٍ أتاني من إلهي بمشهد
فمن شاء فليؤمنْ ومن شاء فَلْيَدَعْ
إذا قلتُ يا الله لَبَّى من الحَشا
أنا الواهبُ المحسانُ في كل حالة
وما ثَمَّ غَيْرٌ بل أقول بما أتتْ
وليس رسولي غير نَعْتي ولا الذي
فكل شيء في العالم يقال فيه عند أهل النظر، وفي العامة أنه ليس بحي ولا حيوان
فإن الله عندنا قد فطره لما خلقه على المعرفة به والعلم وهو حي ناطق بتسبيح ربه يدركه
المؤمن بإيمانه ويدركه أهل الكشف عيناً. وأما الحيوان ففطره الله على العلم به تعالى ونطقه
بتسبيحه وجعل له شهوة لم تكن لغيره من المخلوقات ممن تقدم ذكره آنفاً، وفطر الملائكة
على المعرفة والإرادة لا الشهوة، وأمرهم وأخبر أنهم لا يعصونه لما خلق لهم من الإرداة،
ولولا الإرادة ما أثنى عليهم بأنهم لا يعصونه ويفعلون ما يؤمرون، وفطر الجن والإنس على
المعرفة والشهوة وهو تعلق خاص في الإرادة لأن الشهوة إرادة طبيعية، فليس للإنس والجن
إرادة إلهية كما للملائكة بل إرادة طبيعية تسمى شهوة وفطرهما على العقل لا لاكتساب
علم، ولكن جعله الله آلة للإنس والجن ليردعوا به الشهوة في هذه الدار خاصة لا في الدار
الآخرة، ولذلك قال في الدار الآخرة لأهل الجنان: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنَفُسُكُمْ﴾
[فصلت: ٣١] إعلاماً لنا بأن النشأة الآخرة التي ينشئنا فيها طبيعية مثل نشأة الدنيا، لأن الشهوة
لا تكون إلا في النفوس الطبيعية، والنفوس الطبيعية ما لها نصيب في الإرادة، فإذا استفاد
الإنسان أو الجان علماً من غير كشف، فإن ذلك مما جعل الله فيه من قوة الفكر، فكل ما
أعطاه الفكر للنفس الناطقة وكان علماً في نفس الأمر فهو من الفكر بالموافقة، فالعلوم التي
في الإنسان إنما هي بالفطرة والضرورة والإلهام، والكشف الذي يكون له إنما يكشف له
عن العلم الذي فطره الله عليه فيرى معلومه، وأما بالفكر فمحال الوصول به إلى العلم. فإن
قيل: من أين علمت هذا وما هو من مدركات الحس فلم يبق إلا النظر؟ قلنا: ليس كما
نقول بل بقي الإلهام والإعلام الإلهي فتتلقاه النفس الناطقة من ربها كشفاً وذوقاً من الوجه
الخاص التي لها ولكل موجود سوى الله، فالفكر الصحيح لا يزيد على الإمكان وما يعطي
إلا هو، وهذا من علم الله وإعلامه لم يدرك ذلك بالفكر. كان ابن عطاء راكباً على جمل
فغاصت رجل الجمل فقال ابن عطاء: جل الله فقال الجمل: جل الله يزيد عن إجلالك،
فكان الجمل أعلم بالله من ابن عطاء فاستحى ابن عطاء، فهذا من علم البهائم بالله. وأما
رسول الله وَّ فإنه ذكر في الصحيح: ((أَنَّ بَقَرَةً فِي زَمَنِ بَنِي إسْرَائِيلَ حَمَلَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا