النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية علم أن الصورة المتجسدة في الأرواح إذا قتلت إن كانت حيواناً أو قطعت إن كانت نباتاً أنها تنتقل إلى البرزخ ولا بد كما ننتقل نحن بالموت وأنها إن أدركت بعد ذلك فإنما تدرك كما يدرك كل ميت من الحيوان إنسان وغير إنسان، فمن هنا أيضاً، إذا وقفت على علم هذا علمت صور الأرواح المتجسدة لماذا ترجع. وفيه علم ما للضيف الوارد من الحق على من ورد عليه والأنفاس واردات الحق على العبد ولها حق وهي راجعة إلى من وردت منه، فلينظر بماذا يستقبلها إذا وردت وما يلزمه من الأدب معها في الأخذ لما ترد به وما يخلع عليها إذا انقلبت عنه راجعة إلى الحق. وفيه علم العادات وخرقها ودفع الشبه التي يراها الطبيعيون أنها تفعل لذاتها وما هي الطبيعة في الحقيقة ولمن ترجع الآثار الظاهرة في الكون. وفيه علم شرف الحيوان على الإنسان الحيواني وفيه علم الجبر في الاختيار. وفيه علم إدخال الحق نفسه مع الأكوان في السلوك والأحوال هل دخل معهم للحفظ أو دخل معهم لكونه العامل لما هم فيه أو دخل معهم صحبة وعناية بهم أو تقتضي ذاته ذلك الدخول معهم؟ وفيه علم العبيد والأحرار وما الأعمال التي تطلب الأجور وممن تطلب، فإن العامل ما يعمل إلا لنفسه فبماذا يستحق الأجرة من غيره. وفيه علم أسباب التجارة التي هي مخصوصة بالحياة. وفيه علم خواص الأسماء الإلهية من حيث تركيب حروف ذلك الاسم حتى إذا ترجم بلسان آخر لم يكن له تلك الخاصية، فإنه لا فرق بين مزاج حروف الكلمة إذا تركبت ومزاج أجسام المعدن أو النبات أو جسم الحيوان، فإن جسم الحيوان هو جسم نباتي أضيف إليه حس فقيل حيوان. وفيه علم سبب إدخال الآلام واللذات على الحيوان الطبيعي وعين ما يتألم به حيوان يلتذ به حيوان آخر. وفيه علم تأثير الأضعف في الأقوى وأصل ذلك من تأثير النسب في الموجودات وهي أمور عدمية بل لا مؤثر إلا هي. وفيه علم من يعلم أنه لا يخبر إلا عن الله ويؤاخذ بما نسب ويهلك، وآخر يخبر عن نفسه وينجو، وآخر يخبر عن الله وينجو، فالهالك من يخبر عن عقد، والناجي من يخبر عن ذوق، فأهل الأذواق أهل الله والخاصة من أوليائه. وفيه علم الانقياد المنجي والانقياد المهلك. وفيه علم أشكال العالم وتشكله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية وسوابق الأشياء في الحضرة الربية وأن للكفار قدماً كما أن للمؤمنين قدماً وقدوم كل طائفة على قدمها آتية بإمامها عدلاً وفضلاً من الحضرة المحمدية [نظم: البسيط] حُكْمُ العناية دون الخَلْقِ أجْمَعِهِ مَنْ كان في ظُلْمَةِ الأكوان كان له وأبْصَرَ الكُلَّ مفتوناً بمَوْضِعِهِ ونال كَشْفَ غِطَاءِ الحِسِّ مِنْ کَثَبٍ يشاهد الحَقَّ مربوطاً بِمَهْيَعِهِ يجري على السُّنَّةِ البيضاء سِيرَته اعلم أيدك الله بالشهود وجعلك من أهل الجمع والوجود أن الله تعالى لما جعل العرش الفتوحات المكية ج٦ - م١٦ ٢٤٢ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية محل أحدية الكلمة وهو الرحمن لا غيره وخلق الكرسي فانقسمت فيه الكلمة إلى أمرين ليخلق من كل شيء زوجين، ليكون أحد الزوجين متصفاً بالعلو والآخر بالسفل، الواحد بالفعل والآخر بالانفعال، فظهرت الشفعية من الكرسي بالفعل، وكانت في الكلمة الواحدة بالقوّة، ليعلم أن الموجود الأوّل أنه وإن كان واحد العين من حيث ذاته فإن له حكم نسبة إلى ما ظهر من العالم عنه فهو ذات وجودية ونسبة، فهذا أصل شفعية العالم، ولا بد من رابط معقول بين الذات والنسبة حتى تقبل الذات هذه النسبة، فظهرت الفردية بمعقولية الرابط، فكانت الثلاثة أوّل الأفراد ولا رابع في الأصل، فالثلاثة أوّل الأفراد في العدد إلى ما لا يتناهى، والشفعية المعبر عنها بالاثنين أوّل الأزواج إلى ما لا يتناهى في العدد، فما من شفع إلا ويوتره واحد يكون بذلك فردية ذلك الشفع، وما من فرد إلا ويشفعه واحد يكون به شفعية ذلك الفرد، فالأمر الذي يشفع الفرد ويفرد الشفع هو الغني الذي له الحكم ولا يحكم عليه ولا يفتقر ويفتقر إليه فتدلت إلى الكرسي القدمان لما انقسمت فيه الكلمة الرحمانية فإن الكرسي نفسه به ظهرت قسمة الكلمة لأنه الثاني بعد العرش المحيط من صور الأجسام الظاهرة في الجوهر الأصل وهما شكلان في الجسم الكل الطبيعي، فتدلت إليه القدمان فاستقرت كل قدم في مكان ليس هو المكان الذي استقرت فيه الأخرى وهو منتهى استقرارهما، فسمي المكان الواحد جهنماً والآخر جنة، وليس بعدهما مكان تنتقل إليه هاتان القدمان، فهاتان القدمان لا يستمدان إلا من الأصل الذي منه ظهرت وهو الرحمن فلا يعطيان إلا الرحمة، فإن النهاية ترجع إلى الأصل بالحكم، غير أنه بين البدء والنهاية طريق ميز ذلك الطريق بين البداية والغاية، ولولا تلك الطريق ما كان بدء ولا غاية، فكان سفراً للأمر النازل بينهن والسفر مظنة التعب والشقاء، فهذا سبب ظهور ما ظهر في العالم دنيا وآخرة، وبرزخاً من الشقاء، وعند انتهاء الاستقرار يلقى عصا التسيار وتقع الراحة في دار القرار والبوار. فإن قلت: فكان ينبغي عند الحلول في الدار الواحدة المسماة ناراً أن توجد الراحة وليس الأمر كذلك. قلنا: صدقت ولكن فاتك نظر وذلك، أن المسافرين على نوعين: مسافر يكون سفره كإقامة بما هو فيه من الترفه من كونه مخدوماً حاصلة له جميع أغراضه في محفة محمول على أعناق الرجال محفوظ من تغير الأهواء فهذا مثله في الوصول إلى المنزل مثل أهل الجنة في الجنة، ومسافر يقطع الطريق على قدميه قليل الزاد ضعيف المؤنة، إذا وصل إلى المنزل بقيت معه بقية التعب والمشقة زماناً حتى تذهب عنه ثم يجد الراحة، فهذا مثل من يتعذب ويشقى في النار التي هي منزله، ثم تعمه الرحمة التي وسعت كل شيء، ومسافر بينهما ليست له رفاهية صاحب الجنة ولا شظف صاحب النار فهو بين راحة وتعب، فهي الطائفة التي تخرج من النار بشفاعة الشافعين وبإخراج أرحم الراحمين وهم على طبقات، فلذلك يكون فيهم المتقدم والمتأخر بقدر ما يبقى معهم من التعب فنزول في النار شيئاً بعد شيء، فإذا انتهت مدته خرج إلى محل الراحة وهو الجنة إما بشفاعة شافع وإمّا بالإخراج العام وهو إخراج أرحم الراحمين، فالأنبياء والمؤمنون يشفعون في أهل الإيمان، وأهل الإيمان طائفتان: منهم ٢٤٣ في المنازل / الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية المؤمن عن نظر وتحصيل دليل وهم الذين علموا الآيات والدلالات والمعجزات وهؤلاء هم الذين يشفع فيهم النبيون، ومنهم المؤمن تقليداً بما أعطاه أبواه إذ ربياه أو أهل الدار التي نشأ فيها، فهذا النوع يشفع فيهم المؤمنون كما أنهم أعطوهم الإيمان في الدنيا بالتربية، وأما الملائكة فتشفع فيمن كان على مكارم الأخلاق في الدنيا وإن لم يكن مؤمناً وما ثم شافع رابع، وبقي من يخرجه أرحم الراحمين وهم الذين ما عملوا خيراً قط لا من جهة الإيمان ولا بإتيان مكارم الأخلاق، غير أن العناية سبقت لهم أن يكونوا من أهل تلك الدار، وبقي أهل هذه الدار الأخرى فيها فغلقت أبواب الدار وأطبقت ووقع اليأس من الخروج، فحينئذ تعم الرحمة أهلها لأنهم قد يئسوا من الخروج منها فإنهم كانوا يخافون منها الخروج لما رأوا إخراج أرحم الراحمين وهم قد جعلهم الله على مزاج يصلح لساكن تلك الدار ويتضرّر بالخروج منها كما قد بيناه، فلما يئسوا فرحوا فنعيمهم هذا القدر وهو أوّل نعيم يجدونه وحالهم فيها كما قدمناه بعد فراغ مدة الشقاء فيستعذبون العذاب فتزول الآلام ويبقى العذاب ولهذا سمي عذاباً لأن المآل إلى استعذابه لمن قام به، كما يستحلي الجرب من يحكه فإذا حكه من غير جرب وغير حاجة من يبوسة تطرأ على بعض بدنه تألم بالحك، هكذا الأمر يقتضيه حال المزاج الذي يعرض للإنسان فافهم نعيم كل دار تسعد إن شاء الله تعالى. ألا ترى إلى صدق ما قلناه أن النار لا تزال متألمة لما فيها من النقص وعدم الامتلاء حتى يضع الجبار فيها قدمه وهي إحدى تينك القدمين المذكورتين في الكرسي، والقدم الأخرى التي مستقرها الجنة قوله: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمْ﴾ [يونس: ٢] فالاسم الرب مع هؤلاء والجبار مع الآخرين لأنها دار جلال وجبروت وهيبة، والجنة دار جمال وأنس وتنزل إلهيّ لطيف، فقدم الصدق إحدى قدمي الكرسي وهما قبضتان الواحدة للنار ولا يبالي والأخرى للجنة ولا يبالي لأنهما في المآل إلى الرحمة فلذلك لا يبالي فيهما، ولو كان الأمر كما يتوهمه من لا علم له من عدم المبالاة ما وقع الأخذ بالجرائم ولا وصف الله نفسه بالغضب ولا كان البطش الشديد، فهذا كله من المبالاة والتهمم بالمأخوذ، إذ لو لم يكن له قدر ما عذب ولا استعد له، وقد قيل في أهل التقوى: إن الجنة ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُثَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال في أهل الشقاء ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] فلولا المبالاة ما ظهر هذا الحكم، فللأمور والأحكام مواطن إذا عرفها أهلها لم يتعد بكل حكم موطنه وبهذا يعرف العالم من غير العالم، فالعلم لا يزال يتأدب مع الله ويعامله في كل موطن بما يريد الحق أن يعامله به في ذلك الموطن، ومن لا يعلم ليس كذلك، فالبقدمين أغنى وأفقر، وبهما أمات وأحيا، وبهما أهل وأقفر، وبهما ﴿َلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذِّكَرَ وَآلْأُنثَى﴾ [النجم: ٤٥] وبهما أذل وأعز وأعطى ومنع وأضرّ ونفع، ولولاهما ما وقع شيء في العالم مما وقع، ولولاهما ما ظهر في العالم شرك فإن القدمين اشتركتا في الحكم في العالم، فلكل واحدة منهما دار تحكم فيها، وأهل تحكم فيهم بما شاء الله من الحكم، وقد أومأنا إليه وإلى تفاصيله، فإن الأحكام كالحدود تتغير بتغير الموجب لها، فالمحدود في الافتراء يحد بحد لا يقام فيه إذا قتل بل يتولاه حد آخر خلاف هذا، والمفتري ٢٤٤ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية هو القاتل عينه فتغيرت الحدود عليه لتغير الموجب لها فافهم، فكذلك أحوال الأحكام الإلهية تتغير لتغير المواطن، فالعناية الكبرى التي لله بالعالم كون استوائه على العرش المحيط بالعالم باسمه الرحمن ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] ولذلك هو أرحم الراحمين؛ لأن الرحماء في العالم لولا رحمته ما كانوا رحماء فرحمته أسبق. ولما كانت القدمان عبارة عن تقابل الأسماء الإلهية مثل: ﴿اَلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاطِنٌ﴾ [الحديد: ٣] ومثل ذلك ظهر عنها في العالم حكم ذلك في ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] والجلال والجمال، والقرب والبعد، والهيبة والأنس، والجمع والفرق، والستر والتجلي، والغيبة والحضور، والقبض والبسط، والدنيا والآخرة، والجنة والنار، كما أن بالواحد كان لكل معلوم أحدية يمتاز بها من غيره، كما أن عن الفردية وهي الثلاثة ظهر حكم الطرفين والواسطة وهي البزرخ والشيء الذي هو بينهما كالحار والبارد والفاتر، وعن الفردية ظهرت الأفراد، وعن الاثنين ظهرت الأشفاع، ولا يخلو كل عدد أن يكون شفعاً أو وتراً إلى ما لا يتناهى التضعيف فيه والواحد يضعفه أبداً، فبقوة الواحد ظهر ما ظهر من الحكم في العدد والحكم لله الواحد القهَّار؛ فلولا أنه سمي بالمتقابلين ما تسمى بالقهار لأنه من المحال أن يقاومه مخلوق أصلاً، فإذا ما هو قهار إلا من حيث أنه تسمى بالمتقابلين فلا يقاومه غيره فهو المعز المذل فيقع بين الاسمين حكم القاهر والمقهور بظهور أحد الحكمين في المحل، فلذلك هو الواحد من حيث أنه يسمى القهار من حيث أنه يسمى بالمتقابلين ولا بد من نفوذ حكم أحد الاسمين، فالنافذ الحكم هو القاهر والقهار من حيث أن أسماء التقابل له كثيرة، كما ذكرناها من المحيي والمميت والضارّ والنافع وما أشبه ذلك، ومن هاتين القدمين ظهر في النبوّة المبعوث وغير المبعوث، وفي المؤمنين المؤمن عن نظر وعن غير نظر فحكمهما سار في العالم، فقد بان لك الأمر فلا ينهتك الستر، كما يحكمك الشفع كذا يحكمك الوتر . وأما معرفة الحجاب والرؤية وهما من أحكام القدمين وإن كان حكم الرؤية باقياً إلا أن متعلقها الحجاب فهي ترى الحجاب فما زال حكمها فما ثم قاهر لها ولا مضاد إلا أن الرائي له عرض في متعلق خاص إذا لم تتعلق رؤيته به هناك يظهر حكم الحجاب فالغرض هو المقهور لا الرؤية، فمن أراد أن يزول عنه حكم القهر فليصحب الله بلا غرض ولا تشوف بل ينظر كل ما وقع في العالم وفي نفسه يجعله كالمراد له فيلتذ به ويتلقاه بالقبول والبشر والرضى، فلا يزال من هذه حاله مقيماً في النعيم الدائم لا يتصف بالذلة ولا بأنه مقهور فتدركه الآلام لذلك وعزيز صاحب هذا المقام وما رأيت له ذائقاً، لأنه يجهل الطريق إليه، فإن الإنسان لا يخلو نفساً واحداً عن طلب يقوم به لأمر ما، وإذا كانت حقيقة الإنسان ظهور الطلب فيه فليجعل متعلق طلبه مجهولاً غير معين إلا من جهة واحدة وهو أن يكون متعلق طلبه ما يحدثه الله في العالم في نفسه أو في غيره، فما وقعت عليه عينه أو تعلق به سمعه أو وجده في نفسه أو عامله به أحد فليكن ذلك عين مطلوبه المجهول قد عينه له الوقوع، فيكون قد وفى حقيقة كونه طالباً وتحصل له اللذة بكل واقع منه أو فيه من غيره أو في غيره، فإن ٢٤٥ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية اقتضى ذلك الواقع التغيير له تغير لطلب الحق منه التغير وهو طالب الواقع والتغير هو الواقع وليس بمقهور فيه بل هو ملتذ في تغييره كما هو ملتذ في الموت للتغير، وما ثم طريق إلى تحصيل هذا المقام إلا ما ذكرناه، فلا نقل كما قال من جهل الأمر فطلب المحال فقال: أريد أن لا أريد، وإنما الطلب الصحيح الذي تعطيه حقيقة الإنسان أن يقول: أريد ما تريد. وأما طريقتها في العموم فسهل على أهل الله وذلك أن الإنسان لا يخلو من حالة يكون عليها ويقوم فيها عن إرادة منه وعن كره بأن يقام فيها من غير إرادة، ولا بد أن يحكم لتلك الحال حكم شرعي يتعلق بها فيقف عند حكم الشرع فيريد ما أراده الشرع فيتصف بالإرادة لما أراد الشرع خاصة فلا يبقى له غرض في مراد معين وكذلك من قال: إن العبد ينبغي أن يكون مع الله بغير إرادة لا يصح وإنما يصح لو قال: إن العبد من يكون متعلق إرادته ما يريد الحق به إذ لا يخلو عن إرادة، فمن طلب رؤية الحق عن أمر الحق فهو عبد ممتثل أمر سيده، ومن طلب رؤية الحق عن غير أمر الحق فلا بد أن يتألم إذا لم يقع له وجدان لما تعلقت به إرادته فهو الجاني على نفسه، فإن خالق الأشياء والمرادات والحوادث يحكم ولا يحكم عليه، فليكن العبد معه على ما يريده فإنه يحوز بهذا الراحة المعجلة في الدنيا، وقد ورد في الأخبار الإلهية: ((يَا عَبْدِي أُرِيدُ وَتُرِيدُ وَلاَ يَكُونُ إِلَّ مَا أُرِيدُ)) فهذا تنبيه على دواء إذا استعمله الإنسان زال عنه الألم الذي ذكرناه، ولذلك ورد في الإلهيات عن كعب الأحبار أن الله تعالى يقول: يا ابن آدم إن رضيت بما قسمت لك أرحت قلبك وبدنك وهو موضع إرادة العبد وأنت محمود، وإن لم ترض بما قسمت لك سلطت عليك الدنيا حتى تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم وعزتي وجلالي لا تنال منها إلا ما قدرت لك وأنت مذموم، وهذا أيضاً دواء وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] فهو عزاء أفاد علماً ليثبت به العبد في القيامة حكماً فهو تلقین حجة ورحمة من الله وفضل. واعلم أنه كل ما ينال بسعاية فليس فيه امتنان، والطلب سعاية والرؤية امتنان فلا يصح أن يطلب، فإذا وقع ما وقع من الرؤية عن طلب فليست هي الرؤية على الحقيقة الحاصلة عن الطلب فإن مطلوبه من المرئي أن يراه إنما هو أن يراه على ما هو له وهو لا يتجلى له إلا في صورة علمه به لأنه إن لم يكن كذلك أنكره، فما تجلى له إلا في غير ما طلب فكانت الرؤية إحساناً، فإنه ما جاءه عين ما طلب وهو يتخيل أن ذلك عين ما طلب وليس هو، فإذا وقع له الالتذاذ بما رآه وتخيل أنه مطلوبه تجلى له بعد ذلك من غير طلب، فكان ذلك التجلي أيضاً امتناناً إلهياً أعطاه من العلم به ما لم يكن عنده ولا خطر على باله، فإذا فهمت ما ذكرته لك علمت أن رؤية الله لا تكون بطلب ولا تنال جزاء كما تنال النعم بالجنان، وهذه مسألة ما في علمي أن أحداً نبه عليها من خلق الله إلا الله، مع أن رجال الله يعلمونها وما نبهوا عليها التخيلهم أن هذه المسألة قريبة المأخذ سهلة المتناول أو وقوعها من المحال لا بد من أحد الحكمين، فإن الله ما سوى بين الخلق في العلم به فلا بد من التفاضل في ذلك بين عباد الله، فإن المعتزلي يمنع الرؤية، والأشعري يجوزها عقلاً ويثبتها شرعاً في مقتضى نظره، ٢٤٦ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية والفيلسوف ينفيها عقلاً إذ لا قدم له في الشرع والإيمان، وأهل الله يثبتونها كشفاً وذوقاً، ولو كان قبل الكشف ما كان فإن الكشف يرده لما أعطاه ما يبقيه على ما كان عليه إلا إن كان ممن يقول بما جاء به أهل الكشف فإنه لا يتغير عليه الحال إلا بقدر ما بين العلم ورؤية المعلوم، واعلم أن الله من حيث نفسه له أحدية الأحد، ومن حيث أسمائه له أحدية الكثرة: [الرمل] ودليلي قُلْ هو الله أَحَذ إنّما الله إلهٌ واحدٌ فَاعْلَمَ أَنَّ الشِّيهَ من أجْلِ العَدَدْ فإذا ما تِهْتَ في أسمائه قرأ القارىءُ الله الصَّمَدْ يرجعُ الكُلُّ إليه كُلّما يَكُ كُفْواً للإِلهِ مِنْ أَحَذْ لم يَلِذْ حقّاً ولم يُولَدْ ولم يغلبُ الوَهْمُ عليه بالمَدَّذ فيحارُ العقلُ فيه عندما جاء في الشرع ويَتْلُوهُ أَبَدْ ثم يأتيه مُشِدّاً أَزَلٌ فإذا زِلْنا فكَوْنٌ يَتْفَرِد وبنا كان له الحكمُ به وهذا هو السبب الموجب لطلب تجليه تعالى في الصور المختلفة وتحوله فيها لاختلاف المعتقدات في العالم إلى هذه الكثرة، فكان أصل اختلاف المعتقدات في العالم هذه الكثرة في العين الواحدة، ولهذا وقع الإنكار من أهل الموقف عند ظهوره وقوله: ﴿أَنَاْ رَبِّكُمُ﴾ [النازعات: ٢٤] فلو تجلى لهم في الصورة التي أخذ عليهم الميثاق فيها ما أنكره أحد، فبعد وقوع الإنكار تحول لهم في الصورة التي أخذ عليهم فيها الميثاق فأقرّوا به لأنهم عرفوه ولهم إدلال إقرارهم، وأما تجليه تعالى في الكثيب للرؤية فهنالك يتجلى في صور الاعتقادات لاختلافهم في ذلك في مراتبهم ولم يختلف في أخذ الميثاق فذلك هو التجلي العام للكثرة، وتجلي الكثيب هو التجلي العام في الكثرة، والتجلي الذي يكون من الله لعبده وهو في ملكه هو التجلي الخاص الواحد للواحد، فرؤيتنا إياه في يوم المواقف في القيامة يخالف رؤيتنا إياه في أخذ الميثاق، ويخالف رؤيتنا إياه في الكثيب، ويخالف رؤيتنا إياه ونحن في ملكنا وفي قصورنا وأهلينا، فمنه كان الخلاف الذي حكم علينا به في القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ [هود: ١١٨] وقوله: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ فهم الذين عرفوه في الاختلاف فلم ينكروه فهم الذين أطلعهم الله على أحدية الكثرة وهؤلاء هم أهل الله وخاصته، فقد خالف المرحومون بهذا الأمر الذي اختصهم الله به من سواهم من الطوائف، فدخلوا بهذا النعت في حكم قوله: ﴿وَلَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ لأنهم خالفوا أولئك وخالفهم أولئك، فما أعطانا الاستثناء إلا ما ذكرناه، فكان سبحانه أوّل مسألة خلاف ظهر في العالم لأن كل موجود في العالم أوّل ما ينظر في سبب وجوده لأنه يعلم في نفسه أنه لم يكن ثم كان بحدوثه لنفسه، واختلفت فطرهم في ذلك فاختلفوا في السبب الموجب لظهورهم ما هو فلذلك كان الحق أوّل مسألة خلاف في العالم. ولما كان أصل الخلاف في العالم في المعتقدات وكان السبب أيضاً وجود كل شيء من العالم على مزاج لا يكون للشيء الآخر لهذا كان مآل الجميع إلى الرحمة لأنه خلقهم وأظهرهم في العماء وهو نفس الرحمن، فهم كالحروف في نفس المتكلم في المخارج ٢٤٧ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية وهي مختلفة، كذلك اختلف العالم في المزاج والاعتقاد مع أحديته أنه عالم محدث، ألا تراه قد تسمى بالمدبر المفصل فقال عزّ وجلّ: ﴿يُدَبِّرُ اُلْأَمَّرَ يُفَصِّلُ الْأَيَتِ﴾ [الرعد: ٢] وكل ما ذكرناه آنفاً هو تفصيل الآيات فيه وفينا ودلالة عليه وعلينا وكذلك نحن أدلة عليه وعلينا، فإن أعظم الدلالات وأوضحها دلالة الشيء على نفسه، والتدبر من الله عن التفكر في المفكرين منا، فبالتدبر تميز العالم بعضه من بعض ومن الله، وبالتفكر عرف العالم ذلك، ودليله الذي فكر فيه هو عين ما شاهده من نفسه ومن غيره ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَئِنَا فِ الْآَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَّبَيَّنَ لَهُمْ﴾ [فصلت: ٥٣] أن ذلك المرئي هو الحق: [البسيط] وفي المُهَيْمِنِ تَذْبِيرٌ بلا نَظَرٍ إنّ الثَّدَبْرَ مِثْلُ الفِكْرِ في الحَدَثِ به يُفَرَّقُ بين الله والبَشَرِ فَأَخْلِصِ الفِكْرَ إن الفِكْرَ مَهْلَكَةٌ فتحقق ما أوردناه في هذ الباب وما أبان الحق في هذا المنزل من علم الرؤية تنتفع بذلك في الدنيا إن كنت من أهل الشهود والجمع والوجود وفي الآخرة وتنتظم في سلك من استثنى الله كقوله: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٩] فإن فهم العامة فيه خلاف فهم خاصة الله وأهله وهم أهل الذكر لأنهم فهموه على مراد الله فيه أعطاهم ذلك الأهلية، فثم عين تجمع وعين تفرق في عين واحدة سواء ذلك في جانب الحق أو جانب الخلق ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى اُلسَبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]. وفي هذا المنزل من العلوم علم أصناف الكتب المنزلة والعلم بكل واحد منها بحسب الاسم الدال عليه، فمن هناك تعرف رتبة ذلك الكتاب وإن كان كل اسم لكتاب صالحاً لكل كتاب لأنه اسم صفة فيه ولكن ما اختص بهذا الاسم وحده على التعيين إلا لكونه هو فيه أتم حكماً من غيره من الأسماء كقوله عليه السلام: ((أَقْضَاكُمْ عَلِيٍّ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ وَأَعْلَمُكُمْ بِالحَلَاَلِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ)) وقد ذكرنا الكتب وأسماءها في هذا الكتاب أعني طرفاً من ذلك في منزل القرآن، وفي كتاب مواقع النجوم في عضو اللسان، فإن الله تعالىٍ لِما أشارِ إلينا في القرآن العزيز إلى ما أنزله علينا تارة أوقع الإشارة إلى عين الكتاب فقال: ﴿ذَلِكَ اَلْكِنَبُ﴾ [البقرة: ٢] وتارة أشار إلى آياته وقال: ﴿يَلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ﴾ [يونس: ١] فتارة ترك الإشارة وذكر الكتاب من غير إشارة ولكل حكم من هذه الأحكام فهم منا يخصه لا بد من ذلك. وفيه علم الفرق بين السحر والمعجزة. وفيه علم ما للناس عند الله من حيث ما قام بهم من الصفات فيعلم من ذلك منزلته من ربه فإن الله ينزل على عبده منه حيث أنزل العبد ربه من نفسه، فالعبد أنزل نفسه من ربه فلا يلومن إلا نفسه إذا رأى منزلة غيره تفوق رفعة منزلته هذا هو الخسران المبين حيث كان متمكناً من ذلك فلم يفعل، ولذلك كان يوم القيامة يقال فيه يوم التغابن فإنه يوم كشف الغطاء وتتبين الأمور الواقعة في الدنيا ما أثمرت هنالك فيقول الكافر وهو الجاهل: ﴿يَلَيْتَنِ قَدَّمْتُ لِحَاتِ﴾ [الفجر: ٢٤] لعلمه أنه كان متمكناً من ذلك فلم يفعل فعذابه ندمه وما غبن فيه نفسه أشد عليه من أسباب العذاب من خارج وهذا هو العذاب الأكبر. وفيه علم الاستدلال على الله بماذا يكون هل بالله أو بالعالم أو بما فيه من النسب؟ وفيه علم فائدة اختلاف الأنوار ٢٤٨ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية حتى كان منها الكاشف ومنها المحرق. وفيه علم مقادير الحركات الزمانية وحكم اسم الدهر عليها وهو اسم من أسماء الله تعالى. وفيه علم اختلاف الآيات لاختلاف صفات الناظرين فيها . وفيه علم ما يذم من الغفلة وما يحمد. وفيه علم الأسباب الموجبة لما يؤول إليه من أثرت فيه في الآخرة. وفيه علم ما تكلم به أوّل إنسان في نشئه وهو ﴿اَلْحَمْدُ لِلّهِ﴾ وهو: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنَهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] فبدأ العالم بالثناء وختم بالثناء فأين الشقاء المسرمد حاشا الله أن يسبق غضبه رحمته فهو الصادق أو يخصص اتساع رحمته بعدما أعطاها مرتبة العموم. حكاية في هذا: اجتمع سهلبن عبد الله بإبليس فقال له إبليس في مناظرته إياه: إن الله تعالى يقول: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] و((كلّ)) تعطي العموم و((شيء)) أنكر النكرات فأنا لا أقطع يأسي من رحمة الله، قال سهل: فبقيت حائراً ثم أني تنبهت في زعمي إلى تقييدها فقلت له: يا إبليس إن الله قيدها بقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [الأعراف: ١٥٦] قال فقال لي: يا سهل التقييد صفتك لا صفته، فلم أجد جواباً له على ذلك. وفيه علم ما يحمد من التأني والتشبط وما يذم، وعلم ما يحمد من العجلة في الأمور وما يذم. وفيه علم الرجوع إلى الله عن القهر إذا رجع مثله إلا بالإحسان وهل يستوي الرجوعان أم لا يستويان؟ وهذه مسألة حار فيها أهل الله أعني في رجوع الاضطرار ورجوع الاختيار، إذ كان في الاختيار رائحة ربوبية والاضطرار كله عبودية، فهذا سبب الخلاف في أي الرجوعين أتم في حق الإنسان. وفيه علم المحاضرات والمناظرات في مجالس العلماء بينهم وأن ذلك كله من محاضرات الأسماء الإلهية بعضها مع بعض، ثم ظهر ذلك في الملأ الأعلى إذ يختصمون مع شغلهم بالله، وأنهم عليهم السلام في تسبيحهم لا يفترون ولا يسأمون فهل خصومتهم من تسبيحهم كما كان رسول الله وَلَه يذكر الله على كل أحيانه مع كونه كان يتحدث مع الأعراب في مجالستهم ومع أهله فهل كل ذلك هو ذكر الله أم لا؟ وأما اختلاف من خلق من الطبائع فغير منكور لأن الطبائع متضادة فكل أحد يدرك ذلك ولا ينكر المنازعة في عالم الطبيعة وينكرونها فيما فوق الطبيعة، وأما أهل الله فلا ينكرون النزاع في الوجود أصلاً لعلمهم بالأسماء الإلهية وأنها على صورة العالم بل الله أوجد العالم على صورتها لأنها الأصل، وفيها المقابل والمخالف والموافق والمساعد. وفيه علم الفرق بين من كان معلمه الله ومن كان معلمه نظره الفكري ومن كان معلمه مخلوق مثله، فإما صاحب نظر فيلحق بمعلمه، وإما صاحب إلقاء إلهيّ فيلحق بمعلمه ولا سيما في العلم الإلهيّ الذي لا يعلم في الحقيقة إلا بإعلامه فإنه يعز أن يدرك بالإعلام الإلهيّ فكيف بالنظر الفكري؟ ولذلك نهى رسول الله اله عن التفكر في ذات الله، وقد غفل الناس عن هذا القدر فما منهم من سلم من التفكر فيها والحكم عليها من حيث الفكر، وليس لأبي حامد الغزالي عندنا زلة بحمد الله أكبر من هذه، فإنه تكلم في ذات الله من حيث النظر الفكري في المضنون به على غير أهله وفي غيره ولذلك أخطأ في كل ما قاله وما أصاب، وجاء أبو حامد وأمثاله في ذلك بأقصى غايات الجهل وبأبلغ مناقضة لما أعلمنا الله به من ذلك واحتاجوا لما أعطاهم الفكر خلاف ما وقع به الإعلام الإلهيّ ٢٤٩ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية إلى تأويل بعيد لينصروا جانب الفكر على جانب إعلام الله عن نفسه ما ينبغي أن ينسب إليه، وكيف ينبغي أن ينسب إليه تعالى؟ فما رأيت أحداً وقف موقف أدب في ذلك إلا خاض فيه على عماية إلا القليل من أهل الله لما سمعوا ما جاءت به رسله صلوات الله عليهم فيما وصف به نفسه وكلوا علم ذلك إليه ولم يتأوّلوا حتى أعطاهم الله الفهم فيه بإعلام آخر أنزله في قلوبهم فكانت المسألة منه تعالى وشرحها منها تعالى فعرفوه به لا بنظرهم، فالله يجعلنا من الأدباء الأمناء والأتقياء الأبرياء الأخفياء الذين اصطفاهم الحق لنفسه وخبأهم في خزائن العادات في أحوالهم. وفيه علم قول المبلغ عن الله تعالى قولاً بلغه عن الله لو قاله عن نفسه على مجرى العرف فيه لكان راداً على نفسه بما ادعاه أنه جاء به من عند الله، فلما قاله عن أمر الله عرف بالأمر الإلهيّ معنى ذلك وهو قول الإنسان إذا أمر بالخير أحداً من خلق الله من سلطان أو غيره فيجني عليه ذلك الأمر بالخير ممن أمره به ضرراً في نفسه إما نفسياً وإما حسياً أو المجموع، فإن الراد له والضار عليه استهانة بالله وهو أشد ما يمشي على الداعي إلى الله لأنه على بصيرة من الله فيما دعا إليه من الخير فيقول عند ذلك: ليتني ما دعوته إلى شيء من هذا لما طرأ عليه من الضرر في ذلك فهي مزلة العارفين إذا قالوا مثل ذلك، فإن الله يقول: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ﴾ [الكهف: ٢٩] فإذا قالها العبد عن أمر الله مثل قوله تعالى إذ قال لنبيه عليه السلام: ((وقل)) فأمره ﴿لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوَّتُهُ, عَلَيْكُمْ وَلَّ أَدْرَنكُمْ بِهِ﴾ [يونس: ١٦] ولكنه شاء فتلوته عليكم وأدراكم به يقول فهمكم إياه فعلمتم أنه الحق كما قال: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] فإذا قالها الوارث أو من قالها على هذا الحد فهو معرف معلم ما هو الأمر عليه ولهذا أمر الله بقول مثل هذا، وكثير ما يقع من الناس العتب على أهل الله إذا أمروا بخير يعقبهم ذلك ضرراً في أنفسهم محسوساً، وذلك لا يقع من مؤمن ولا من قائل عن كشف، فإن الرسول عليه السلام قيل له ما عليك إلا البلاغ وقيل له: ﴿بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] وكذلك يجب على الوارث، فكيف يصح منه الندم على فعل ما يجب عليه فعله لضرر قام به أو شفقة على من لم يسمع حيث زاد في شقائه لما أعلمه حين لم يصغ إلى ذلك؟ وهذا كله حديث نفس والدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم فلا يصرفنك عن ذلك صارف، ولقد رأيت قوماً ممن يدعي أنه من أهل هذا الشأن إذا ردّ عليهم في وجوههم ما جاؤوا به عن الحق انقبضوا وقالوا: فضلونا أدّانا إلى ذلك، ولو شاء الله ما تكلمنا بشيء من هذا مع أمثال هؤلاء ونحن جنينا على أنفسنا وقد تبنا وما نرجع نقول مثل هذا القول عند أمثال هؤلاء ويظهرون الندم على ذلك، وهذا كله جهل منهم بالأمر ودليل قاطع على أنه ليس بمخبر عن الله ولا أوصل شيئاً من ذلك عن إذن إلهي في ذلك، فإن المخبر عن الله لا يرى في باطنه إلا النور الساطع سواء قبل قوله أو ردّ أو أوذي، والمتكلم عن نفسه وإن قال الحق أعقبه إذا ردّ عليه ندم وضيق وحرج في نفسه وجعل كلامه فضولاً فردّ الحق الواجب فضولاً فهذا جهل، فالنصيحة لعباد الله واجبة على كل مؤمن بالله، ولا يبالي ما يطرأ عليه من الذي ينصحه من الضرر فإن الله يقول في الورثة: ﴿وَيَقْتُلُونَ ٢٥٠ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] وهذا القول عطف على قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ حَقٍ﴾ ذكر ذلك في معرض الثناء عليهم، وذم الذين لم يصغوا إلى ما بلغ الرسول ولا الوارث إليهم، وأية فرحة أعظم ممن يفرح بثناء الله عليه ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِمَا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. وفيه علم الصفات التي يتميز بها أهل الاستحقاق حتى يوفيهم حقوقهم من تعين ذلك عليه، ومن الحقوق من يقتضي الثناء الجميل على من لا يوفيه حقه من ذلك كالمجرم المستحق للعذاب بإجرامه فيعفي عنه فهذا حق قد أبطل وهو محمود، كما أن الغيبة حق وهي مذمومة، ومن عرف هذا عرف الحق ما هو وفرق بينه وبين الصدق، وعلم عند ذلك أن الغيبة ليست بحق وأنها صدق، ولهذا يسأل الصادق عن صدقه ولا يسأل ذو الحق إذا قام به، فالغيبة والنميمة وأشبهاههما صدق لا حق، إذ الحق ما وجب والصدق ما أخبر به على الوجه الذي هو عليه وقد يجب فيكون حقاً وقد لا يجب ويكون صدقاً لا حقاً، فلهذا يسأل الصادق عن صدقه إن كان وجب عليه نجا وإن كان لم يجب عليه بل منع من ذلك هلك فيه، فمن علم الفرق بين الحق والصدق تعين عليه أن يتكلم في الاستحقاق. وفيه علم ما ينتج من ذل لغير الله على إنزاله منه منزلة ربه جهلاً منه به فإن ذل للصفة من غير اعتبار المحل كان له في ذلك الذل حكم آخر. وفيه علم ما يحكم على الله ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٩] ومن هنا تعلم أن صفاته لو كانت زائدة على ذاته كما يقوله المتكلم من الأشاعرة لحكم على الذات ما هو زائد عليها ولا هو عينها، وهذه مسألة زلت فيها أقدام كثيرين من العلماء وأضلهم فيها قياس الشاهد على الغائب أو طرد الدلالة شاهداً وغائباً وهذا غاية الغلط، فإن الحكم على المحكوم عليه بأمر ما من غير أن يعلم ذات المحكوم عليه وحقيقته جهل عظيم من الحاكم عليه بذلك، فلا تطرد الدلالة في نسبة أمر إلى شيء من غير أن تعرف حقيقة ذلك المنسوب إليه. وفيه علم أن الله لا يجوز لأحد من المخلوقين التحكم عليه ولو بلغ من المنزلة ما بلغ إلى أن يأمره بذلك فيحكم عليه بأمره فيما يجوز له أن يوجبه على نفسه إن كان من العالم بخلاف الحق فإن المكلف تحت الحجر، فلو أوجب على نفسه فعل ما حرم عليه فعله لم يجز له ذلك وكان كفارة ما أوجبه كفارة يمين فلم يخل عن عقوبة وإن لم يفعل ما أوجبه إذ لم يجز له ذلك، ولا كفارة على من أوجب على نفسه فعل ما أبيح له فعله ولا مندوحة له إلا أن يفعله ولا بد. وفيه علم المكر الخفي وتعجيل الجزاء عليه. وفيه علم موجب الاضطرار في الاختيار وما ينفع الاضطرار. وفيه علم الأسباب التي تنسي العالم بأمر ما يقتضيه حكم ذلك العلم من العمل وهي كثيرة. وفيه علم الحسرة وهو أن أحداً لا يؤاخذه على ما جناه سوى ما جناه فهو الذي آخذ نفسه فلا يلومن إلا نفسه ومن اتقى مثل هذا ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] وبهذا تقوم الحجة الله على خلقه، وأنه إذا تكرم عليهم بعدم تسليطهم عليهم وعفا وغفر وجب له الثناء بصفة الكرم والإحسان. وفيه علم دعوة الله عباده لماذا يدعوهم هل إلى عمل ما كلفهم أو إلى ما ينتجه عمل ما كلفهم في الدار الآخرة، وأن الله ما كلف عباده ولا دعاهم إلى تكليف قط بغير واسطة، فإنه بالذات لا ٢٥١ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية يدعو إلى ما فيه مشقة فلهذا اتخذ الرسل عليهم الصلاة والسلام وقال جل ثناؤه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وفيه علم الجزاء الوفاق وإذا أعطى ما هو خارج عن الجزاء فذلك من الاسم الواهب والوهاب. وفيه علم العذاب المتخيل. وفيه علم تذكر العالم ما كان نسيه إذ كان لم يعمل به فإن العالم بالعلم هو المنشىء صورته فمن المحال أن ينساه. وفيه علم حسن التعليم إذ ما كل معلم يحسن التعليم. وفيه علم التأسي بالله كيف يكون وهو المطلق في أفعاله وأنت المقيد. وفيه علم البحث والحث على العمل بالأولى والأوجب. وفيه علم الفرق بين العلم والظن أعني غلبة الظن. وفيه علم العصمة والاعتصام. وفيه علم ما يقال للمعاند إذا لم يرجع إلى الحق وهو ما يرجع إلى علم الإنصاف. وفيه علم ما يعلم به أن أفعال العباد أفعال الحق لكن تضاف إلى العباد بوجه وإلى الحق بوجه، فإن الإضافة في اللسان في اصطلاح النحاة محضة وغير محضة، ومن الأفعال ما هي محضة لله إذا أضيفت إليه، ومنها غير محضة لما فيها من الاشتراك فلم تخلص، فالعبودية لله خالصة ومأمور بتخليصها كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلَذِينَ﴾ [البينة: ٥] وهو ما تعبدهم به، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِ﴾ [الزمر: ١٤] وهو ما تعبده به في هذا الموضع، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤] كلمة تحقيق، فإن الناس لا يملكون شيئاً حتى يكون من يأخذ منهم بغير وجه حق غاصباً فكل ما يقال فيه أنه ملك لهم فهو ملك لله ومن ذلك أعمالهم، ثم قال: ﴿ وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] فكنى سبحانه عن نفسه بأنفسهم لما وقع الظلم في العالم وقيل به فكأنه قال: ولكن نفسه يظلم إن كان هذا ظلماً ولا بد والمالك لا يظلم نفسه في ملكه، فلو كان ما عند الناس ملك لهم ما حجر الله عليهم التصرّف فيه ولا حد لهم فيه حدوداً متنوعة، فهذا يدلك على أن أفعال المكلف ما هي له وإنما هي لله، فالظلم إلى الحقيقة في الناس دعواهم فيما ليس لهم أنه لهم فما عاقبهم الله إلا على الدعوى الكاذبة. وفيه علم إدراج الكثير في القليل حتى يقال فيه إنه قليلٍ وهو كثير في نفس الأمر. وفيه علم الآجال في الأشياء ومعنى قوله: ﴿فَلَا يَسْتَخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِعُونَ﴾ [يونس: ٤٩] على تلك الساعة. وفيه علم من ادّعي عليه بدعوى كاذبة يعلم المدعى عليه أن المدعي كاذب ولم يقم له بينة فوجب عليه اليمين فهو مأمور من الله بأن يحلف وليس له أن يرد اليمين على المدعي ولا أن ينكل عن اليمين فيعطيه ما ادّعى عليه فيكون معيناً له على ظلمة لنفسه وأنه في اليمين قد أحرز نفس صاحبه أن يتصرّف فيما ظلمه فيه بما ادعاه فيستصحبه الإثم ما دام يتصرّف فيه واليمين مانعة من ذلك ولم يبق على المدعي من الإثم إلا إثم اليمين خاصة فإن إثم كذبه في دعواه أزاله الحلف وعاد وبال الحلف الكاذب عليه، فهو بمنزلة لو حلف كاذباً فيعود عليه إثم من حلف لو كان في يمينه كاذباً كرجل ادّعى على رجل مثلاً بمائة دينار وهو كاذب في دعواه ولم تقم له بينة تصدق دعواه فأوجب الحاكم اليمين على المدعى عليه فإن ردّ المدعى عليه اليمين على المدعي وكان الحاكم ممن يرى ذلك وإن كان لا يجوز عندنا فهذا المدعى عليه ما نصح المدعي وهو مأمور بالنصيحة، فإن حلف المدعي ٢٥٢ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والرؤية بحكم القاضي فإن عليه إثم الحلف الفاجرة وعلى المدعى عليه إثم ظلمه للحالف فإنه الذي جعله يحلف وليس على الحاكم إثم فإنه مجتهد فغايته أن يكون مخطئاً في اجتهاده فله أجر، فإن قام المدعى عليه فأعطى المدعي ما ادعاه عليه تضاعف الإثم على المدعى عليه لأنه مكنه من التصرّف في مال لا يحل له التصرّف فيه ولا يزال الإثم على المدعي ما دام يتصرّف في ذلك المال وفيما ينتجه ذلك المال ولا يزال الإثم على المدعى عليه كذلك من حيث أنه أعان أخاه على الظلم ولم يكن ينبغي له ذلك، ومن حيث أنه عصى أمر الله بترك اليمين فإن الله أوجب اليمين عليه، فلو حلف عمل بما أوجب الله عليه فكان مأجوراً ونوى تخليص المدعي من التصرّف في الظلم فله أجر ذلك ولم يبق على المدعي بيمين المدعى عليه إلا إثم يمينه خاصة، فعلى المدعي إثم يمين كاذبة وهي اليمين الغموس، وهذه مسألة في الشرع لطيفة لا ينظر إليها بهذا النظر إلا من استبرأ لدينه وكان من أهل الله فإنه يحب للناس ما يحب لنفسه، فلا يعين أخاه على ظلم نفسه إذا أراد ذلك. وفيه علم ما يذم من القدح وما يحمد. وفيه علم المراقبة والحضور وأنهما من أبواب العصمة والحفظ الإلهيّ وتحصيل العلم النافع. وفيه علم صفات أهل البشرى وأنواع المبشرات وحيث يكون وما يسوء منها وما يسر. وفيه علم ما يظهر على من اعتز بالله من العزة والوقاية والحماية الإلهية. وفيه علم من لم يعمل بما سمع مما يجب عليه العمل به ما سببه الذي منعه من ذلك، وهل حكمه حكم من لم يسمع فيكون الله قد تفضل عليه أو يكون حكمه من علم فلم يعمل فعاقبه الله فيكون الله قد عدل فيه فإنه يقول: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا﴾ فإنهم سمعوا حقيقة وفهموا فإنه خاطبهم بلسانهم فقال تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] أي حكمهم حكم من لم يسمع عندنا مع كونهم سمعوا وما قال تعالى بماذا يحكم فيهم وإن كان غالب الأمر من قرائن الأحوال العقوبة، ولكن الإمكان لا يرتفع في نفس الأمر لما يعرف من فضل الله وتجوزه عن سيئات أمثال هؤلاء فافهم. وفيه علم ما يعطي الله المتوكل في قلبه إذا توكل على الله حق توكله. وفيه علم الخلافة الإلهية. وفيه علم أسباب الطبع على القلوب المؤدي إلى الشقاء. وفيه علم طلب إقامة البينة من المدعي ويتضمن هذا العلم قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولم يقل حتى نبعث شخصاً فلا بد أن تثبت رسالة المبعوث عند من وجه إليه فلا بد من إقامة الدلالة البينة الظاهرة عند كل شخص شخص ممن بعث إليهم فإنه رب آية يكون فيها من الغموض أو الاحتمال بحيث أن لا يدرك بعض الناس دلالتها، فلا بد أن يكون للدليل من الوضوح عند كل من أقيم عليه حتى يثبت عنده أنه رسول، وحينئذ إن جحد بعد ما تيقن تعينت المؤاخذة، ففي هذه الآية رحمة عظيمة لما هو الخلق عليه من اختلاف الفطر المؤدي إلى اختلاف النظر، وما فعل الله ذلك إلا رحمة بعباده لمن علم شمول الرحمة الإلهية التي أخبر الله تعالى أنها وسعت كل شيء. وفيه علم ما ينتجه الكرم وما ينتجه البخل. وفيه علم رفع الإشكال في التلفظ بالإيمان حتى يعلم السامعون بأنه مؤمن علماً لا يشكون فيه وهو المعبر عنه بالنصوص، فإن الظاهر وإن كان ما يعلم بأوّل البديهة في الوضع ولكن يتطرق إليه ٢٥٣ في المنازل/ الباب الخامس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل التضاهي الخيالي الاحتمال. وفيه علم من اعتنى الله به من عباده. وفيه علم الخذلان وأهله. وفيه علم ما يرجع إليه صاحب الحق إذا رد في وجهه. وفيه علم أنواع الصبر في الصابرين والشكر في الشاكرين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الخامس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل التضاهي الخيالي وعالم الحقائق والامتزاج وهو من الحضرة المحمدية [نظم: البسيط] فكُل كَوْنٍ أراه أنت مَعْنَاهُ كيف الثَّبَرِي وما في الكَوْن إلاّ هُو فحَيَّرَ العَقْلَ شَرِعْ كان يَهْوَاهُ وقد أتّى بالتبرِّي في شريعته فمن دَنَا ثم بعد القُرْب أقْصَاهُ أَدْنَاهُ منه ولا عَيْنْ تُغَایرُهُ ولم يَخِبْ أحَدُ اللّهُ مَوْلاهُ الله مولى جميع الخَلْقِ كُلْهِمُ اعلم أيدك الله أن رسول الله وَّر قال: ((مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ)) والخيال من موالي النفس الناطقة فهي منها بمنزلة المولى من السيد، وللمولى في السيد نوع من أنواع التحكم من أجل الملكية فإنه به وبأمثاله من الموالي يصح كون السيد مالكاً وملكاً، فلما لم يصح للسيد هذه المنزلة إلا بالمولى كان له بذلك يد هي التي تعطيه بعض التحكم في السيد وما له فيه من التحكم إلا أنه يصورها في أي صورة شاء وإن كانت النفس على صورة في نفسها ولكن لا يتركها هذا الخيال عند المتخيل إلا على حسب ما يريده من الصور في تخيله، وليس للخيال قوّة تخرجه عن درجة المحسوسات لأنه ما تولد ولا ظهر عينه إلا من الحس، فكل تصرّف يتصرّفه في المعدومات والموجودات ومما له عين في الوجود أو لا عين له فإنه يصوره في صورة محسوس له عين في الوجود، أو يصور صورة ما لها بالمجموع عين في الوجود، ولكن أجزاء تلك الصورة كلها أجزاء وجودية محسوسة لا يمكن له أن يصورها إلا على هذا الحد، فقد جمع الخيال بين الإطلاق العام الذي لا إطلاق يشبهه فإن له التصرّف العام في الواجب والمحال والجائز وما ثم من له حكم هذا الإطلاق، وهذا هو تصرّف الحق في المعلومات بوساطة هذه القوّة، كما أن له التقييد الخاص المنحصر، فلا يقدر أن يصوّر أمراً من الأمور إلا في صورة حسية كانت موجودة تلك الصورة المحسوسة أو لم تكن، لكن لا بد من أجزاء الصورة المتخيلة أن تكون كلها كما ذكرنا موجودة في المحسوسات أي قد أخذها من الحس حين أدركها متفرقة لكن المجموع قد لا يكون في الوجود. واعلم أن الحق لم يزل في الدنيا متجلياً للقلوب دائماً فتتنوع الخواطر في الإنسان عن التجلي الإلهيّ من حيث لا يشعر بذلك إلا أهل الله، كما أنهم يعلمون أن اختلاف الصور الظاهرة في الدنيا والآخرة في جميع الموجودات كلها ليس غير تنوعه فهو الظاهر إذ هو عين كل شيء وفي الآخرة يكون باطن الإنسان ثابتاً، فإنه عين ظاهر صورته في الدنيا والتبدل فيه خفي، وهو خلقه الجديد في كل زمان الذي هم فيه في لبس، وفي الآخرة يكون ظاهره مثل ٢٥٤ في المنازل/ الباب الخامس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل التضاهي الخيالي باطنه في الدنيا ويكون التجلي الإلهي له دائماً بالفعل فيتنوع ظاهره في الآخرة كما كان يتنوع باطنه في الدنيا في الصور التي يكون فيها التجلي الإلهيّ فينصبغ بها انصباغاً فذلك هو التضاهي الإلهيّ الخيالي، غير أنه في الآخرة ظاهر وفي الدنيا باطن، فحكم الخيال مستصحب للإنسان في الآخرة وللحق، وذلك هو المعبر عنهما بالشأن الذي هو فيه الحق من قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنِ﴾ [الرحمن: ٢٩] فلم يزل ولا يزال، وإنما سمي ذلك خيالاً لأنا نعرف أن ذلك راجع إلى الناظر لا إلى الشيء في نفسه، فالشيء في نفسه ثابت على حقيقته لا يتبدل لأن الحقائق لا تتبدل ويظهر إلى الناظر في صور متنوعة، وذلك التنوع حقيقة أيضاً لا تتبدل عن تنوعها، فلا تقبل الثبوت على صورة واحدة بل حقيقتها الثبوت على التنوع، فكل ظاهر في العالم صورة ممثلة كيانية مضاهية لصورة إلهية لأنه لا يتجلى للعالم إلا بما يناسب العالم في عين جوهر ثابت، كما أن الإنسان من حيث جوهره ثابت أيضاً، فترى الثابت بالثابت وهو الغيب منك ومنه، وترى الظاهر بالظاهر وهو المشهود والشاهد والشهادة منك ومنه فكذا تدركه وكذا تدرك ذاتك، غير أنك معروف في كل صورة أنك أنت لا غيرك، كما تعلم أن زيداً في تنوعه في كيفياته من خجل ووجل ومرض وعافية ورضى وغضب وكل ما يتقلب فيه من الأحوال أنه زيد لا غيره كذلك الأمر فنقول: قد تغير فلان من حال إلى حال، ومن صورة إلى صورة، ولولا ما هو الأمر على هذا لكان إذا تبدل الحال عليه لم نعرفه وقلنا بعدمه، فعلمنا أن ثم عينين كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨] فعين يدرك به من يتحول وعين يدرك به التحول وهما طريقان مختلفان قد أبانهما الله لذي عينين وهو قوله: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] أي بينا له الطريقين كما قال الشاعر: [مخلّع البسيط] تَقْطَعُهُ للظُّبَاعُيُونُ نَجْداً على أنه طريقٌ فجعل قطع الطريق للعيون، فكل عين لها طريق، فاعلم من رأيت وما رأيت ولهذا صح ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَّ﴾ [الأنفال: ١٧] فالعين التي أدركت بها أن الرمي الله غير العين التي أدركت بها أن الرمي لمحمد ول# فتعلم أن لك عينين إن كنت صاحب علم فتعلم قطعاً أن الرامي هو الله في صورة محمدية جسدية وليس التمثل والتخيل غير هذا فالله قد نبهك وأنت لا تتنبه، وهذه هي الآيات التي جعلها الله لقوم يعقلون عنه ويتفكرون فيها، وذكرى لمن كان له قلب يتقلب فألقى السمع لما قيل له وعرف به وهو شهيد لتقلبه في نفسه، فيعلم أن الأمر كذلك، وهؤلاء هم أولو الألباب، فإن اللب يحجبه صورة القشر، فلا يعلم اللب إلا من علم أن ثم لباً ولولا ذلك ما كسر القشر فقد امتزج الأمر وما اختلطت الحقائق، وبذلك يميز الفاضل من المفضول، فيتنعم العالم بعلمه به وينعم الجاهل بجهله به ولا يعلم أنه جاهل به لأنه لا يعلم أن الأمر الذي هو على خلاف ما يعلمه أنه على خلاف ما يعلمه بل يقول ما ثم إلا هذا، ولو علم أن ثم خلاف ما يعلمه وما أدركه لتنغص كما يتنغص في الدنيا كل متنغص لما فاته مما يقتضيه مقامه من التاجر في تجارته والفقيه في فقهه وكل عالم في طوره، فتحقيق قوله عموماً ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيِهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] إنما ذلك في الآخرة بخلاف الدنيا فإنه لا ٢٥٥ في المنازل/ الباب الخامس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل التضاهي الخيالي يعلم في الدنيا بل هو في الكثير من غير عموم، فإن الإنسان لا يفرح بما عنده من العلم بما هو به متصور قبل حصوله فإنه منتظر إياه فهو في ألم، فإذا حصل عنده أيضاً لم يفرح به، ومآل الكل في الآخرة بعد انقضاء مدة المؤاخذة إلى الفرح بما عنده وبما هو عليه، وهذا المنزل هو منزل خلق الله آدم على صورته ومن جعل على صورة أمر ما فكان ذلك الأمر هو عين هذه الصورة فهو هو لا هو وبهذا صح ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧] فكل ما يظهر من تلك الصورة فأصله ممن هي عليه فلا يصح له أن يبقى عن كل ما يظهر منها ولهذا جاء: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] يعني الذي هو عليه العالم بأسره، ولهذا وصف الحق نفسه على ألسنة رسله بما وصف به العالم كله قدماً بقدم ما اختل شيء من ذلك ولا أخل به: [الوافر] فلا تُنْكِزْ فإن الكَوْنَ عَيْئُهْ فعَيْنُ الخَلْقِ عَيْنُ الحَقِّ فيه وإنْ لمْ فَاعْتَبِرْ فالبَيْنُ بَيْنُهْ فإنْ فَرَّقْتَ فالفُرْقَانُ بادٍ ولما قال إنه جعلك على الصورة علم أنه لا بد لك من الدعوى بالملك لما أنت عليه كما أنه ذو ملك وليس كل ملك أقرب من نفسك وهي التي تدعي الملك لأنها على صورة من له الملك فعمد إليها من كونها مؤمنة من اسمه المؤمن فاشترى من المؤمن نفسه فبقي المؤمن لا نفس له كسائر الحيوان فلم يبق من يدعي ملكاً فصار الملك لله الواحد القهار وزال الاشتراك، فالمؤمن لا نفس له فلا دعوى له في الملك، فكل مؤمن ادعى ملكاً حقيقة فليس بمؤمن فإن المؤمن من باع نفسه فما بقي له من يدعي لأن نفسه كانت صاحبة الدعوى لكونها على صورة من له الدعوى بالملك حقيقة وهو الله تعالى، فاحفظ نفسك يا أخي من دعوى تسلب عنك الإيمان فإياك أن تحامي عن نفسك التي كانت لك، وإذا عزمت على أن تحامي عنها فحام عنها بحضور وعلم على أنها نفس الحق لا نفسك، ومن هناك يجازيك ربك فإنك صادق ومؤثر ودرجة الإيثار قد علمت ما تقتضيه عند الله من الرفعة فاعمل على ذلك. فإذا علمت هذا فاعلم أن للإنسان وجهين: وجهاً إلى ذاته ووجهاً إلى ربه، ومع أي وجه توجهت إليه غبت عن الآخر، غير أن هنا لطيفة أنبهك عليها وذلك أنك إذا توجهت إلى مشاهدة وجهك غبت عن وجه ربك ذي الجلال والإكرام ووجهك هالك فإذا انقلبت إليه فني عنك وجهك فصرت غريباً في الحضرة تستوحش فيها وتطلب وجهك الذي كنت تأنس به فلا تجده، وإن توجهت إلى وجه ربك وتركت وجهك أقبل عليك ولم يكن لك مؤنس سواه ولا مشهود إلا إياه فإذا انقلبت إليه الانقلاب الخاص الذي لا بد لكل إنسان منه وجدت من كان لك قبل هذا الانقلاب أنيساً وجليساً وصاحباً ففرحت بلقائه وعاد الأنس أعظم وتتذكر الأنس الماضي فتزيد أنساً إلى أنس وترى عنده وجه ذاتك ولا تفقده فتجمع بين الوجهين في صورة واحدة فيتحد الأنس لاتحاد الوجهين فيعظم الابتهاج والسرور، وهذه حالة برزخية بين حالتين لكونها جمعت بين الطرفين، فمن جمع بينهما في الدنيا حرم ذلك في الآخرة كالمنافق فإنه برزخ بين المؤمن والكافر فإذا انقلب تخلص إلى أحد الطرفين وهو طرف الكفر ولم يتخلص ٢٥٦ في المنازل/ الباب الخامس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل التضاهي الخيالي للإيمان، فلو تخلص هنا إلى الإيمان ولم يكن برزخاً كان إذا انقلب إلى الله كما ذكرناه من جمعه بين الطرفين، فاحذر هنا من صفة النفاق فإنها مهلكة ولها في سوق الآخرة نفاق اقتضى ذلك الموطن، وما أخذ المنافق هنا إلا لأمر دقيق لا يشعر به كثير من المؤمنين العلماء وقد نبه الله عليه لمن ﴿أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [قَ: ٣٧] وذلك أن المنافقين هنا ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَا﴾ لو قالوا ذلك حقيقة لسعدوا ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ لو قالوا ذلك وسكتوا ما أثر فيهم الذم الواقع وإنما زادوا ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٤] فشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كاذبين، فما أخذوا إلا بما أقروا به، وإلا لو أنهم بقوا على صورة النفاق من غير زيادة لسعدوا. ألا ترى الله لما أخبر عن نفسه في مؤاخذته إياهم كيف قال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] فما أخذهم بقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ وإنما أخذهم بما زادوا به على النفاق وهو قولهم: ﴿إِنَّمَا نَخْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ وما عرّفك الله بالجزاء الذي جازى به المنافق إلا لتعلم من أين أخذ من أخذ حتى تكون أنت تجتنب موارد الهلاك، وقد قال عليه السلام: ((إنَّ مُدَارَاةَ النَّاسِ صَدَقَةٌ)) فالمنافق يداري الطرفين مداراة حقيقية ولا يزيد على المداراة فإنه يجني ثمرة الزائد كان ما كان فتفطن فقد نبهتك على سر عظيم من أسرار القرآن وهو واضح ووضوحه أخفاه، وانظر في صورة كل منافق تجده ما أخذ إلا بما زاد على النفاق وبذلك قامت عليه الحجة، ولو لم يكن كذلك لحشر على الأعراف مع أصحاب الأعراف وكان حاله حال أصحاب الأعراف ﴿وَلَكِن لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] فالمؤمن المداري منافق وهو ناج فاعل خير فإنه إذا انفرد مع أحد الوجهين أظهر له الاتحاد به ولم يتعرض إلى ذكر الوجه الآخر الذي ليس بحاضر معه، فإذا انقلب إلى الوجه الآخر كان معه أيضاً بهذه المثابة والباطن في الحالتين مع الله، فإن المقام الإلهيّ هذه صورته فإنه لعباده بالصورتين فنزه نفسه وشبه فالمؤمن الكامل بهذه المثابة وهذا عين الكمال، فاحذر من الزيادة على ما ذكرته لك وكن متخلقاً بأخلاق الله وقد قال تعالى لنبيه منَ ل﴿ ممتناً عليه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] واللين خفض الجناح والمداراة والسياسة. ألا ترى إلى الحق تعالى يرزق الكافر على كفره ويمهل له في المؤاخذة عليه، وقال عزّ وجلّ لموسى وهارون في حق فرعون ﴿فَقُولَا لَهُم قَولاً لَِّنَا﴾ [طه: ٤٤] وهذه عين المداراة فإنه يتخيل في ذلك أنك معه، ومن هذا المقام لما ذقته واتحدت به، اتفق لي أني صحبت الملوك والسلاطين وما قضيت لأحد من خلق الله عند واحد منهم حاجة إلا من هذا المقام، وما ردني أحد من الملوك في حاجة التمستها منه لأحد من خلق الله وذلك أني كنت إذا أردت أن أقضي عنده حاجة أحد أبسط له بساطاً استدرجه فيه حتى يكون الملك هو الذي يسأل ويطلب قضاء تلك الحاجة مسارعاً على الفور بطيب نفس وحرص لما يرى له فيها من المنفعة، فكنت أقضي للسلطان حاجة بأن أقبل منه قضاء حاجة ذلك الإنسان، ولقد كلمت الملك الظاهر بأمر الله صاحب حلب في حوائج كثيرة فقضى لي في يوم واحد مائة حاجة وثمان عشرة حاجة للناس، ولو كان عندي في ذلك اليوم أكثر من هذا قضاه طيب النفس راغباً، وإذا حصل للإنسان هذه القوة انتفع به الناس عند الملوك، ٢٥٧ في المنازل/ الباب الخامس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل التضاهي الخيالي فما في العالم أمر مذموم على الإطلاق ولا محمود على الإطلاق، فإن الوجوه وقرائن الأحوال تقيده فإن الأصل التقييد لا الإطلاق، فإن الوجود مقيد بالضرورة ولذلك يدل على الدليل على أن كل ما دخل في الوجود فإنه متناه، فالإطلاق الصحيح إنما يرجع لمن في قوته أن يتقيد بكل صورة ولا يطرأ عليه ضرر من ذلك التقييد وليس هذا إلا لمن تحقق بالمداراة وهو إلا معه والله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ﴾ [الحديد: ٤] فهي أشرف الحالات لمن عرف ميزانها وتحقق بها وهو واحد وأين ذاك الواحد : [الوافر] إليه إذا تَحَقَّقْتَ المَساقْ أَلاَ إِنَّ النَّفاقَ هو النِّفاقْ وَتَحمَدُه إذا شُدَّ الوِثَاقْ فكُنْ فيه تَكُنْ بالحَقّ صَرْفاً فأنت له إذا فَكَّرْتَ ساقْ إذا ما كُنْتَ معتمداً لشيء إذا ما كُنْتَ تَعْتَمِدُ الطّباقْ على العَمْد الذي قد غاب عنّا فيَظْهَرُ عندك الدينُ الوفاقْ فكُنْ ذاك العِمَادَ تَكُنْ إماماً فتدبر القرآن من كونه فرقاناً وقرآناً، فللقرآن موطن وللفرقان موطن، فقم في كل موطن باستحقاقه تحمدك المواطن، والمواطن شهداء عدل عند الله فإنها لا تشهد إلا بصدق وقد نصحتك فاعمل والله الموفق. قلنا: وفي هذا المنزل من العلوم علم دقيق خفي لا يشعر به لخفائه مع ظهوره، فإن العلماء بالله قد علموا شمول الرحمة والمؤمنون قد علموا اتساعها، ثم يرونها مع الشمول والاتساع ما لها صورة في بعض المواطن ومع كونها ما لها صورة ظاهرة في بعض المواطن، فإن الحكم لها في ذلك الموطن الذي ما لها فيه صورة ولا يكون لها حكم إلا بوجودها ولكن هو خفي لبطونها جلي لظهور حكمها، وأكثر ما يظهر ذلك في صنعة الطب وإقامة الحدود فالله يقول في إقامة الحدود في حد الزاني والزانية ﴿وَلَا تَأْخُذْكُرُ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] فهذا عين انتزاع الرحمة بهم وإقامة الحدود من حكم الرحمة وما لها عين ظاهرة، وكالطب إذا قطع الطبيب رجل صاحب الأكلة فإن رحمه في هذا الموطن ولم يقطع رجله هلك، فحكم الرحمة حكم بقطع رجله ولا عين لها، فللرحمة موطن تظهر فيه بصورتها ولها موطن تظهر فيه بحكمها، فيتخيل أنها قد انتزعت من ذلك المحل وليس كذلك، وفي الأحكام الشرعية في هذه المسألة خفاء إلا لمن نور الله بصيرته، فإن القاتل ظلماً قد نزع الله الرحمة من قلبه في حق المقتول وهو تحت حكم الرحمة في قتله ظلماً وبقي حكمها في القاتل، فإما أن يقاد منه وإما أن يموت فيكون في المشيئة، وإن كان القاتل كافراً فإما أن يسلم فتظهر فيه الرحمة بصورتها، وحيثما كانت الرحمة بالصورة كانت بالحكم، وقد تكون بالحكم ولا تكون بالصورة. وفيه علم غريب وهو علم تقييد الحق بانتزاح الكون عنه مع كونه في قبضته وتحت سلطانه وملكه. وفيه علم السياسة في الدعوة إلى الله فإن صورتها من الداعي تختلف باختلاف صورة المدعوّ فثم دعاء بصفة غلظة وقهر، وثم دعاء بصفة لين وعطف. وفيه علم عموم العهد الإلهيّ الذي أخذه على بني آدم. وفيه علم الجولان في الملكوت حساً وخيالاً وعقلاً بثلث النشأة الإلهية ٢٥٨ في المنازل/ الباب الخامس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل التضاهي الخيالي فإن النشأة الإنسانية لما أنشئت ممتزجة من الأخلاط أشبهت السنة في فصولها، وليس كمال الزمان إلا بفصول السنة ثم يعود الدور، فالإنسان من حيث أخلاطه سنة، فهو عين الدهر الذي هو الزمان فله جولان في الملكوت بأحد ثلاثة أمور أو بكلها أو ببعضها، فإما أن يجول بحسه وهو الكشف، وإما أن يجول بعقله وهو حال فكره وتفكره، وإما أن يجول بخياله، والسنة اثنا عشر شهراً، فلكل حقيقة من هذه النشأة المشبهة بالسنة ثلث السنة فلها التثليث في التربيع ولها التربيع في التثليث، فأما تثليثها في التربيع فهو ما ذكرناه من تقسيمها على ثلاثة: من حس وخيال وعقل في تربيع أخلاطها، وأما تربيعها في التثليث فإن حكم الأخلاط بكمالها في كل قسم من الأقسام الثلاثة وهي أربعة فلتربيعها حكم في الحس وحكم في الخيال وحكم في العقل، ولا يشعر بذلك إلا أهل الحضور الناظرون الآيات في أنفسهم. وفيه علم جهل الإنسان عند مسابقته لله وحجتنا قوله تعالى: ((بادَرَني عَبْدي بنَفْسِه)) فيمن قتل نفسه. والقول بهذا السياق هو قول أهل النظر في التشبه بالإله جهد الطاقة وأن ذلك إذا وجد هو الكمال، وهذا عندنا هو عين الجهل أن تسابقه الحق فيما هو له بما هو لي فإنه من المحال أن تسابقه بما هو له فإن الشيء لا يسابق نفسه، ومن المحال أن تسابقه بما هو لي فإنه ما ثم غاية يسابق إليها، فيكون عمل في غير معمل وطمع في غير مطمع، ومن كان في هذه الحال فلا خفاء بجهله لو عقل نفسه. وفيه علم الإعلام الإلهي في المادة الإلهية بماذا يكون وماذا يقع في أسماع السامعين من ذلك الإعلام هل يقع في كل سمع على حد واحد أو يختلف تعلق السمع عند ذلك الإعلام؟ وفيه علم المعاملة مع الخلق على اختلاف أصنافهم بما يسرهم منك لا بما يسوءهم وهو علم عزيز صعب التناول دقيق الوزن مجهول الميزان يحتاج صاحبه إلى كشف وحينئذ يحصل له. وفيه علم ما حكم أصحاب الآجال إذا انتهت آجالهم هل يؤخرون بعد ذلك الانتهاء إلى أجل مسمى أو لا يكون لهم أجل أيضاً ينتهون إليه؟. وفيه علم ما يمكن أن يصح من الشروط وما لا يمكن أن يصح منها. وفيه علم إعطاء الأمان ولمن ينبغي أن يعطى فلا بد من علم الأحوال لهذا المتحكم. وفيه علم تنوع الناس في أخلاقهم وما هو المحمود من ذلك وما هو المذموم منها. وفيه علم علم الملائكة بالله الذي لا يعلمه أحد من البشر حتى يتجرد عن بشريته ويتجرد عن حكم ما فيه للطبيعة من حيث نشأته حتى يبقى بما فيه إلا الروح المنفوخ، فحينئذ يتخلص إلى العلم بالله من حيث تعلمه الملائكة فيقوم في عبادته ربه مقام الملائكة في عبادتهم لله وهي العلامة، فيمن ادّعى أنه يعلم الله بصورة ما تعلمه الملائكة، فمن ادّعى ذلك من غير هذه العلامة فدعواه زور وبهتان، فإن للملائكة علماً بالله تعالى يعم الصنف وعلماً خالصاً لكل ملك بالله لا يكون لغيره فنحن ما نطالبه في دعواه إلا بالعلم العام، وهذه العلامة معلومة عندنا ذوقاً لا نذكرها لأحد لئلا يظهر بها في وقت وهو كاذب في دعواه غير متحقق فلهذا أمرنا وأمثالنا بستر هذا وأمثاله. وفيه علم دلالات العلماء بالله على طبقاتهم فإنهم على طبقات في العلم بالله تعالى. وفيه علم إزالة العلل وأمراض النفوس. وفيه علم آداب الدخول على الله. وفيه علم صفات من يدعي أنه جليس الله جلوس شهود لا جلوس ٢٥٩ في المنازل/ الباب الخامس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل التضاهي الخيالي ذكر، فإن الذاكرين أيضاً جلساء الله وهم على الحقيقة جلساء الله من حيث الاسم الذي يذكرونه به، وهذه مسألة لا يعرفها كثير من الناس. وفيه علم ما تعطيه رحمة الرضا ورحمة الفضل وأنواع الرحموتيات. وفيه علم إقامة النعيم هل لذلك النعيم الدوام أو يتخلله حال لا نعيم فيه ولا غير ذلك؟ وفيه علم تفاصيل الأجور عند الله عزّ وجلّ وبماذا تتميز. وفيه علم الحب الإلهيّ المندرج في كل حب وما مقام من شاهد ذلك وعلمه؟ وهل يستوي من لا علم له بذلك مع العالم به أم لا؟ وفيه علم المعتمدات وما يجب منها وما لا يجب. وفيه علم السكائن جمع سكينة هل يجمعها أمر واحد كالإنسانية في أشخاصها أو هي متنوعة كل سكينة من نوع ليس هو عين السكينة الأخرى. وفيه علم تنوع الرجوع الإلهيّ لتنوع حال المرجوع إليه أيضاً. وفيه علم درجات الأغنياء بالله في غناهم بالله جلّ ثناؤه. وفيه علم ما السبب الموجب للطبيعة أن تستخبث وتتقذر وما يكون منها وهي عينه وهل لها في العلم الإلهيّ أصل ترجع إليه مثل ما يذم من أفعال العباد وسفساف الأخلاق مع العلم بأن ذلك صورة من الصور التي تكون مجلى. وفيه علم من العلوم الإلهية في تفضيل بعض النسب الإلهية على بعض وإن رفع العالم بعضه على بعض ينتج من هذا الأصل فإنه من المحال أن يكون في العالم شيء ليس له مستند إلى أمر إلهيّ يكون نعتاً للحق تعالى كان ما كان. وفيه علم ما ينبغي أن يضاف إلى الله وما لا ينبغي أن يضاف. وفيه علم سريان الربوبية في العالم حتى عبد من عبد من دون الله تعالى. وفيه علم ما ينبغي أن يدخر من العلوم وما ينبغي أن لا يفشى وما ينبغي أن لا يدخر وما ينبغي أن يفشى. وفيه علم ما اصطفاه الله من الزمان من ساعاته وأيامه ولياليه وشهوره، وهو علم تفاضل الدهر في نفسه وما أصل الدهر وما السبب لتسمية الله باسم الدهر وهو اسم أزلي له ولا دهر، وهل سمي الزمان دهراً لأجل هذا الاسم أو تسمى الله بهذا الاسم لعلمه أنه يخلق أمراً يقال له الدهر فإنه لم يزل خالقاً ولا يزال خالقاً، وهل ينتهي حكم الزمان في العالم أو لا ينتهي؟ وما حظ حركات الأفلاك من الزمان؟ وفيهه علم من دعي إلى سعادته فتلكأ عن الإجابة مع علمه بأنه دعي إلى حق. وفيه علم أسباب النصر الإلهي. وفيه علم محبة الحق. وفيه علم ما السبب الداعي إلى المباهتة مع علمه أنه مباهت مع علمه أنه مسؤول عن ذلك والغلبة للأقوى وللحق القوّة والهوى يغالبه وقد يظهر عليه فهل ظهوره عليه بما له نصيب من الحق فلا يظهر على الحق إلا الحق. وفيه علم ابتلاء الإمام أصحابه لإقامة الحجة عليهم لا ليستفيد علماً بذلك. وفيه علم ما يقال عند كل حال يتقلب على العبد أو يتقلب العبد فيه. وفيه علم الدوائر المهلكة ما هي وأسبابها الموجبة لآثارها في الكون. وفيه علم ما السبب الذي يمنع من قبول العمل الخالص حتى يعمل العامل في غير معمل. وفيه علم قسمة النعم على العباد وهي في أيدي العباد وما لهم منها سوى الاختزان في نفس الأمر وهم مسؤولون عنها. وفيه علم الإصغاء لكل قائل وما فائدته إذا لم يؤثر في السامع، فإن كان سريع الانفعال لما يسمع فيجب عليه عقلاً أن لا يصغي لقائل شرّ. وفيه علم اختلاف الأسماء على الله عند الطوائف والمقصود واحد. وفيه علم ما السبب في معاداة أشخاص النوع الواحد وموالاة ٢٦٠ في المنازل/ الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء الأنواع وإن عمها جنس واحد. وفيه علم القدر وما مستنده من النعت الإلهيّ وهل هو عين الاستدراج أو غيره؟ وفيه علم أسباب الطرد الإلهيّ والكل في قبضته فممن يكون الطرد وإلى أين؟ وما معنى قولهم: البعد من الله؟ وفيه علم إنزال المنازل في القوالب لأيّ معنى تنزل في الصور ولا تنزل معاني كما هي في نفس الأمر. وفيه علم أسباب رفع الحرج في حق من ارتفع عنه فإنه محال رفعه عن العالم إذ لو ارتفع لزال العالم عن درجة الكمال وهو كامل بالمرتبة، وإن قبل الزيادة بأشخاص الأنواع فلا يتصف بالنقص من أجلها. وفيه علم ما لا يكفر من الأيمان المعقودة إذا حنث صاحبها في صورة الأمر وهي مسألة ينكرها الفقهاء ويفتون بخلافها. وفيه علم ما يعد من مذام الأخلاق وهو من مكارمها عند الله وفيه علم مخالفة الحق عبده المقرب فيما يريده منه مثل قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وأمثاله. وفيه علم حكم من خرج عن الجماعة أو أخرج يداً من طاعة إمام بعد عقد بيعته وثبوتها. وفيه علم السابق واللاحق. وفيه علم الشر والخير وحكم الإيمان. وفيه علم النفوس الجزئية. وفيه علم صفات المقربين. وفيه علم الضلال والهدى. وفيه علم إقامة الواحد مقام الجمع. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل يجمع بين الأولياء والأعداء من الحضرة الحكمية ومقارعة عالم الغيب بعضهم مع بعض، وهذا المنزل يتضمن ألف مقام محمدي [نظم: البسيط] فمن يَكُنْ بَدَلاً منها فقد عُصِمَا إِنَّ المَغَانِمَ نَارُ الحَقِّ تَأْكُلُها فذاك نائِبُهُ في الخَلْقِ قد حَكَمَا منها فليس لها عليه سَلْطَنَةٌ يوم القيامة بالنَّسْخ الذي رُسِمَا وما مضى فهو منسوخٌ بعامله أهْلُ الجنان وأهْلُ النار والقدما فالكلّ يَنْعَمُ مُلْتَذٍّ بمنزله من لم يكنْ حَظّهُ علماً ومعرفةً فما تقدم في شَأْوِ الهَوَى قَدَمًا حَظّاً يُبَلْغُنا منازلَ العُلَمَا الله يرزقنا من عِلْم رَحْمَتِهِ اعلم أن الله تعالى قد أبان لعباده في هذا المنزل أن له فيه حظاً وافراً من حظوظ عباده، ومن أجل هذا قال رسول الله وَيهر: ((حَقُّ الله أَحَقُّ بِالقَضَاءِ)) يعني من حق المخلوق، وقال في القرآن العزيز: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فقدم الوصية على الدين، والوصية حق الله لأنه الذي أوجبها علينا حين أوجبها الموصي في المال الذي له في تصرف، والفقهاء يقدمون الدين على الوصية خلافاً لما ورد به حكم الله إلا بعض أهل الظاهر فإنهم يقدمون الوصية على الدين وبه أقول، وجعل الله الحظ الذي له في الصلاة على النصف وهو دون هذا الحظ الآخر فقال: ((قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْغُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)) فساوى سبحانه في هذه القسمة بين الله وبين عبده إذا صلى. وقال في