النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
ثم يرد إلى ولايته؟ وفيه علم السبب الذي لأجله أنكر من أنكر المعاد وما المعاد الذي أنكر
وما صفة المنكر؟ وفيه علم نسبة الأشياء إلى الله نسبة واحدة فكيف سبقت الرحمة الغضب
حتى عمت الرحمة كل شيء فلم يبق للغضب محل يظهر فيه. وفيه علم هداة الحق. وفيه
علم إنشاء العالم من العالم ولماذا يرجع ما فيه من الزيادة والنقص فلا بدّ من العلم بكمال أو
تمام به يتميز ما زاد عليه وما نقص عنه، وهل كل زيادة على التمام نقص أم لا؟ وفيه علم هل
يوجد أمران متجاوران ليس بينهما وسط مثل الغيب والشهادة وكالنفي والإثبات ومثل قولنا؛
أنت ما أنت: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] وفيه علم الأمر الذي يحفظ الله به المكلف
من حيث عينه ومن حيث أفعاله. وفيه علم كمال العالم الكمال الذي لا يحتمل الزيادة فيه فلا
يظهر فيه مما لم يظهر إلا ما خرج عنه فيعود عليه فيظهر فيه أمر لم يكن فيه وهو منه فما ظهر
في العالم بعد تمامه إلا العالم فأمر الله واحدة فيه وهو المعبر عنه بالاستحالات،
والاستحالات متنوّعة بحسب الحقائق كالماء يستحيل بخاراً، والملك يستحيل إنساناً
بالصورة، وكذلك التجلي، فمن عرف ذلك عرف الأمر على ما هو عليه، والولد على شبه
أبيه فإن الولد إذا خرج على شبه أبيه برأ الأم مما يتطرق إليها من الاحتمال إذا لم يكن الشبه،
ومن هنا تعلم أنه لا خالق إلا الله، وقد نبه الشارع بحديث الصورة الكاملة الأمامية وفيه علم
نفي الأسباب بإثباتها. وفيه علم الأمر الذي دعا المشرك إلى إثبات الشريك. وفيه علم غيرة
الحق على الرتبة الإلهية. وفيه علم ما يقول المتعلم من العالم إذا سأله العالم بفتح اللام. وفيه
علم ما هو من القول حجة وما ليس بحجة فهل الحجة على الخصم عين القول خاصة أو ما
يدل عليه القول أو في موطن يكون القول وفي موطن يكون ما يدل عليه القول؟ فإذا كان
القول يعجز السامع فهو عين الحجة. وفيه علم الفضل بالعلم بين المخلوقين وأنه لا رتبة
أشرف من رتبة العلم. وفيه علم أن الملائكة كلهم علماء بالله ليس فيهم من يجهل بخلاف
الناس ولذلك قال تعالى: ﴿شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَئِكَةُ﴾ ثم قال في حق الناس
﴿وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] وما أطلق مثل ما أطلق الملائكة وهو علم التوحيد هنا لا علم
الوجود، فإن العالم كله عالم بالوجود لا بالتوحيد لا في الذات ولا في المرتبة، وإن كان
المشرك قد جعل له الرتبة العليا مع الاشتراك في معنى الرتبة. وفيه علم ما لا يمكن لمخلوق
جحده وهو افتقار الممكن إلى المرجح. وفيه علم ما يجوز نقضه من المواثيق والعهود وما لا
يجوز. وفيه علم ما يسبق إلى الوهم من تكذيب شخص من الناس يدعي أنه موجود من غير
أب ولا أم عند من يؤمن بوجود آدم عليه السلام وينكره في حق شخص ما قد أشبهه في
الصورة ولا يتوقف في تكذيبه ولا في ردّ ما قاله وجاء به وهو ممكن في نفس الأمر ويقر به
من يقول بحدوث العالم وبقدمه. وفيه علم ما تقيده الملائكة من العلم إذا دخلوا على أهل
السعادة في منازلهم. وفيه علم فصل الدنيا من الآخرة داراً وحياة وهما دار واحدة وحياة
واحدة. وفيه علم القلوب ولماذا ترجع نسبة الكون إليها هل إلى علمها باستحالة ثبوتها على
أمر واحد زمانين لما علمت أن خالقها إذا تذكرت وفكرت أنه كل يوم في شان فتقطع عند

٢٢٢
في المنازل/ الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وسرين
ذلك أنها لا تبقى على حال واحد لأنها محل التصريف والتقليب. وفيه علم العلم الجامع
والمفصل للمضارّ والمنافع، وهل الإنسان الجاهل يقاوم بقوّته قوّة كلام الله حتى لا تؤثر فيه
أو قوّته على نفسه أن يستر ما أثر فيه كلام الله فلم يقاوم إلا نفسه لا كلام الله. وفيه علم انتظار
الحق بإظهار الأمور ما حكم به علمه فيها من الترتيب في الإيجاد مع الجواز، وكيف يجتمع
المحال والإمكان في أمر واحد فيحكم عليه بأنه محال بالدليل العقلي ممكن بالدليل العقلي
وأدلة العقول لا تتعارض إلا في هذا الموطن. وفيه علم تلقين الحجة لإظهار الحق، وهل
للحاكم إذا علم صدق أحد الخصمين في دعواه ويعلم أنه يبطل حقه لجهله بتحرير الدعوى
هل له أن يعلمه كيف يدّعي حتى يثبت له الحق كما هو في نفس الأمر أو ليس له ذلك لا في
حضور الخصم ولا في غيبته؟ وهذا مع علم الحاكم بصاحب الحق. وفيه علم حجج الرسل
عليهم السلام ليست عن نظر فكري وإنما هي عن تعليم إلهيّ. وفيه علم ما حظ الرسول من
الرسالة. وفيه علم لا يعارض الحق الإلهيّ إلا الحق الإلهيّ فهو مقابلة المثلين لا مقابلة غير
المثلين، وإن ظهرت المعارضة من جانب المخلوق فما ظهر الحق إلا على لسان المخلوق
فإن الله ما كلم عباده على رفع الحجاب لأنه يقول لا معقب لحكمه وقد وقع في الدنيا المعقب
فلا بد أن يكون المعقب الله لا غيره، فهو مثل النسخ في الشرائع هو الذي شرع وهو الذي
رفع ما شرع بشرع آخر أنزله، فالناسخ والمنسوخ من الله، كذلك أمر العالم فيما جاء من الحق
بالدلالة وفيما ردّ به ذلك الحق من غير دلالة فيعلم العالم بالله أنه من الحق فالحق يتلو بعضه
بعضاً، فإن زمان دعوى الواحد ما هو زمان دعوى الآخر الراد له والمعارضة على الحقيقة إن
لم يشتركا في الزمان فما هي معارضة فافهم. وفيه علم إنزال الحق العالم بالشيء منزلة نفسه
منه في ذلك العلم ولهذا نقول: لا منزلة أشرف من العلم لأنه ينزلك منزلة الحق: [الطويل]
وقد علم الأقوامُ من قد لَثَمْتُهُ
لقد حِزْتُ كُلَّ الطِّيبِ فيما لَثَمْتُه
من العقل والإحساس فيما طَعِمْتُهُ
وأنّ الذي في الكون من كل طِيبٍ
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة
في معرفة منزل سر وسرين وثنائك عليك بما ليس لك وإجابة
الحق إياك في ذلك لمعنى شرّفك به من حضرة محمدية
[نظم: السريع]
وشَطْرَهُ الآخر في خُلُقِهْ
مَنْ حَازَ شَطْرَ الكَوْنِ فِي خَلْقِهِ
وبَدْرُهُ الطالعُ في أُفُقِهْ
فذاك عَيْنُ الوَقْتِ فِي وَقْتِهِ
وضوؤُهُ يَغْرُبُ في شَرْقِهْ
فبَدرُهُ يَطْلُعُ من غَرْبِهِ
وكلّنا نهلكُ في حَقّهُ
فكلّ مخلوق به هائمٌ
ورد في الخبر الصحيح في صحيح مسلم عن رسول الله وَّ أنه قال: ((إنَّ اللهَ جَمِيلٌ

٢٢٣
في المنازل/ الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وسرين
يُحِبُّ الجَمَالَ)) وهو تعالى صانع العالم وأوجده على صورته، فالعالم كله في غاية الجمال ما
فيه شيء من القبح، بل قد جمع الله له الحسن كله والجمال، فليس في الإمكان أجمل ولا
أبدع ولا أحسن من العالم، ولو أوجد ما أوجد إلى ما لا يتناهى فهو مثل لما أوجد لأن
الحسن الإلهيّ والجمال قد حازه وظهر به فإنه كما قال تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ فهو
جماله إذ لو نقص منه شيء لنزل عن درجة كمال خلقه فكان قبيحاً ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي
بين ذلك لنا بقوله: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾: [الطويل]
ولما رأيْنا الحَقَّ في صُورَةِ البَشَر
فمَنْ قَيَّدَ الحَقَّ المُبِينَ بعقله
إذا ما تجلّى لي على مثل صورتي
فإن قال ماذا قلت أنْتَ ذكرت لي
وما أنت مثلي قُلْ فَلِمْ حِزْتَ صورتي
فإن كُنْتَ مثلي فالتماثلُ حاكمٌ
فكل شَبيهٍ للشبيه مُشَاكِلٌ
لقد شَرَّعَ الله السجودَ لسَهْونَا
فما لك لم تَسْجُدْ وأنت إمامُنا
أتيناك نَسْعَى فانْثَنَيْتَ مُهَزْولاً
ومنها أيضاً: [الطويل]
فممن فصلنا أو بمن قد وصلْتَنا
فشكراً لما أخْفَى وشُكْراً لما بدا
وما هو إلا الحَقُّ يشكرُ نَفْسَهُ
علمنا بأن العَقْلَ فيه على خَطَرْ
ولم يُطْلِقِ الثَّقْبِيدَ ما عنده خَبَرْ
تجلّيتُ في التنزيه عن سائر الصُّوَزْ
بأنك تَعْفُو عن ظَلُومٍ إذا انْتصَرْ
ورؤيتي إياكم كما يبصر القَمَرْ
على كل مِثْل كالذي يقتضي النَّظَرْ
على كل حال في القديم وفي البَشَرْ
بإرغام شيطانٍ وجَبْرٍ لما انْكَسَزْ
فأنت جديرٌ بالسجود كما ذُكِرْ
وأين خُطَى الأقدام من خطوة البَصَرْ
وما هو إلا الله بالعَيْن والأَثَرْ
وحَازَ مَزِيدَ الخَيْرِ عَبْدٌ إذا شَكَرْ
ولكنْ حِجَابُ القُرْب أُرْسِلَ فاسْتَتَرْ
فالعالم كله جماله ذاتي وحسنه عين نفسه إذ صنعه صانعه عليه، ولهذا هام فيه العارفون
وتحقق بمحبته المتحققون، ولهذا قلنا فيه في بعض عباراتنا عنه أنه مرآة الحق، فما رأى
العارفون فيه إلا صورة الحق وهو سبحانه الجميل، والجمال محبوب لذاته والهيبة له في
قلوب الناظرين إليه ذاتية فأورث المحبة والهيبة، فإن الله ما كثر لنا الآيات في العالم وفي
أنفسنا إذ نحن من العالم إلا لنصرف نظرنا إليه ذكراً وفكراً وعقلاً وإيماناً وعلماً وسمعاً وبصراً
ونهى ولباً، وما خلقنا إلا لنعبده ونعرفه، وما أحالنا في ذلك على شيء إلا على النظر في
العالم لجعله عين الآيات والدلالات على العلم به مشاهدة وعقلاً، فإن نظرنا فإليه، وإن
سمعنا فمنه، وإن عقلنا فعنه، وإن فكرنا ففيه، وإن علمنا فإياه، وإن آمنا فيه، فهو المتجلي
في كل وجه، والمطلوب من كل آية، والمنظور إليه بكل عين، والمعبود في كل معبود،
والمقصود في الغيب والشهود، لا يفقده أحد من خلقه بفطرته وجبلته، فجميع العالم له مصل
وإليه ساجد وبحمده مسبح، فالألسنة ناطقة، والقلوب به هائمة عاشقة، والألباب فيه حائرة،
يروم العارفون أن يفصلوه من العالم فلا يقدرون، ويرومون أن يجعلوه عين العالم فلا يتحقق

٢٢٤
في المنازل/ الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وسرين
لهم ذلك فهم يعجزون، فتكل أفهامهم، وتتحير عقولهم، وتتناقض عنه في التعبير ألسنتهم،
فيقولون في وقت هو، وفي وقت ما هو، وفي وقت هو ما هو، فلا تستقر لهم فيه قدم، ولا
يتضح لهم إليه طريق أمم، لأنهم يشهدونه عين الآية والطريق، فتحول هذه المشاهدة بينهم
وبين طلب غاية الطريق، إذ لا تسلك الطريق إلا إلى غاياتها والمقصود معهم وهو الرفيق فلا
سالك ولا مسلوك فتذهب الإشارات وليست سواه وتطيح العبارات وما هي إلا إياه، فلا ينكر
على العارف ما يهيم فيه من العالم وما يتوهمه من المعالم، ولولا أن هذا الأمر كما ذكرناه ما
أحب نبيّ ولا رسول أهلاً ولا ولداً ولا آثر على أحد أحداً، وذلك لتفاضل الآيات وتقلب
العالم هو عين الآيات، وليست غير شؤون الحق التي هو فيها، وقد رفع بعضها فوق بعض
درجات، لأنه بتلك الصورة ظهر في أسمائه، فعلمنا تفاضل بعضها على بعض بالعموم
والخصوص، فهو الغني عن العالمين وهو القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: ٥٦] فأين الخالق من الغني وأين القابض منه والمانع؟ وأين العالم في إحاطته من
القادر والقاهر؟ فهل هذا كله إلا عين ما وقع في العالم، فما تصرّف رسول ولا عارف إلا فيه
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وذلك لأن من الناس من في أذنه وقر، وعلى
بصره غشاوة، وعلى قلبه قفل، وفي فكره حيرة، وفي علمه شبهة، وبسمعه صمم، ووالله ما
هو هذا كله عند العارف إلا للقرب المفرط ﴿وَفَخْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥]
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا أَلْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا نُوَسْوِسُ بِهِ، نَفْسُمِّ وَغَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وأين الوسوسة
من الإلهام؟ وأين اسم الإنسان من اسم العالم؟: [مجزوء الوافر]
ومَنْ هِنْدٌ ومَنْ بُثْنَهُ
فَمَنْ لَيْلَى ومَنْ لُبْنَى
أليسوا كُلُّهِم عَيْنَة
ومن قَيْسٌ ومن بِشْرٌ
به إذ كان لي كونَه
لقد أصبحتُ مشغوفاً
فأين مُهَـيِّـمي أَيْنَه
فكلُ الخَلْقِ محبوبي
يَجِدْ فِي بَيْنِهِ بَيْنَهْ
فمن يَبْحَتْ على قولي
وأما أهل الجمال العرضي والحب العرضي فظل زائل، وغرض ماثل، وجدار مائل،
بخلاف ما هو عند العلماء بالله، فإن الظل عند العالم بالله ساجد والعارض للوجود مستعد،
والجدار لم يمل إلا عبادة ليظهر ما تحته من كنوز المعارف التي يستغني بها العارف الواقف،
فخلق الله الغيرة في صورة الخضر فأقامه من انحنائه لما علم أن الأهلية ما وجدت في ذلك
الوقت في رب المال، فيقع التصرّف فيه على غير وجهه ﴿ وَلَنَعَلَمُنَّ نَمُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] فلو
ظهر اتخذ عبثاً وعائت فيه الأيدي، فسبحان واضع الحكم وناصب الآيات ومظهر جمال
الدلالات، ومن أجملها عيناً وأكملها كوناً عالم الخيال، وبه ضرب الله الأمثال وبين تعالى أنه
المنفرد بعلمه فإنه قال ناهياً: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَّ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] وما
جاء بهذه الآية إلا عندما ضرب لنا الأمثال منه فظهر للكون وهو مقدمته، ألا ترى الرؤيا
وبعينها يدرك الخيال يرى ما يكون قبل كونه وما كان وما هو الوقت عليه وأي حضرة تجد فيها
١

٢٢٥
في المنازل/ الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وسرين
هذه الجمعية إلا حضرة الخيال؟ وكل من تعشق بأمر ما فما تعشق به إلا بعد أن حصله في
خياله وجعل له في وهمه مثالاً وطبق محبوبه على مثاله، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان إذا
فارقه من تعلق بصره به أو سمعه أو شيء من حواسه فارق التعلق به ونحن لا نجد الأمر
كذلك، فدل على أن المحبوب عند المحب على مثال صورة وأنشأه في خياله فلزم مشاهدته
فتضاعف وجده وتزايد حبه، وصار ذلك المثال الذي صوّره يحرّض مصوّره على طلب من
صوّره على صورته، فإن ذلك الأصل هو روح هذا الخيال وبه بقاؤه وهو الذي يحفظه، وما
اشتد حق المحب إلا في صنعته وفعله، فإن الصورة التي تعشق بها في خياله هي من صنعته،
فما أحب إلا ما هو راجع إليه، فبنفسه تعلق وعلى فعله أثنى، فمن علم هذا علم حب الله
عباده وأنه تعالى أشد حباً فيهم منهم فيه بل لا يحبونه عيناً وإنما يحبون إحسانه، فإن الإحسان
هو مشهودهم، ومن أحبه عيناً فإنما أحب مثالاً صوّره في نفسه وتخيله وليس إلا المشبهة
خاصة، فكل محب فلولا التشبيه ما أحبه، ولولا التخيل ما تعلق به، ولهذا جعله الشارع في
قبلته ووسعه قلب عبده وجعله من القرب به كهو أو كبعض أجزائه، فمثل هؤلاء عبدوه ممثلاً
وشاهدوه محصلاً. وأما المنزهة فحائرة في عِمِّيًّا يخبطون فيها عشوى لا ظل في ظلمتها ولا
يمنعهم الدليل من التشبيه وما ثم إيمان يفوق نوره نور الأدلة حتى يدرجها فيه فلا يزال المنزه
غير قابض على شيء ولا محصل لأمر فهم أهل البت لأن همهم متفرق والوهم منهم بعيد،
فنقصهم من كمال معرفة الوجود حكم الأوهام فيهم، ولا حكم للأوهام إلا في الكمل من
الرجال، ولهذا جاءت الشرائع في الله بما تحيله الأدلة، فمن تقوى نور إيمانه على نور عقله
كما تقوى نور الشمس على نور غيره من الكواكب، فما أذهب عين أنوارها وإنما أدرجها في
نوره، فالعالم مستنير كله بنور الشمس ونور الكواكب ولكنهم لا يبصرون إلا نور الشمس ولا
يبصرون المجموع، كذلك الكامل من أهل الله إذا أدرج نور عقله في نور إيمانه صوب رأي
المنزهة إذ ما تعدت ما كشفته لهم أنوراها وصوّب رأي المشبهة إذ ما تعدت ظاهر ما أعطاها
نور إيمانها بما ضرب الله لها من المثل فعرفه الكامل عقلاً وإيماناً فحاز درجة الكمال كما حاز
الخيال درجة الحس والمعنى فلطف المحسوس وكثف المعنى فكان له الاقتدار التام، ولذلك
قال يعقوب لابنه: ﴿لَا نَقْصُصْ رُوِيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] لما علم من
علمهم بتأويل ما مثل الحق له في رؤياه، إذ ما كان ما رآه وما مثل له إلا عين إخوته وأبويه
فأنشأ الخيال صور الإخوة كواكب وصور الأبوين شمساً وقمراً وكلهم لحم ودم وعروق
وأعصاب، فانظر هذه النقلة من عالم السفل إلى عالم الأفلاك، ومن ظلمة هذا الهيكل إلى
نور هذا الكوكب فقد لطف الكثيف ثم عمد إلى مرتبة التقدم وعلو المنزلة والمعاني المجردة
فكساها صورة السجود المحسوس فكثف لطيفها والرؤيا واحدة، فلولا قوة هذه الحضرة ما
جرى ما جرى، ولولا أنها في الوسط ما حكمت على الطرفين، فإن الوسط حاكم على
الطرفين لأنه حد لهما، كما أن الآن عين الماضي والمستقبل، كما أن الإنسان الكامل جعل
الله رتبته وسطاً بين كينونته مستوياً على عرشه وبين كينونته في قلبه الذي وسعه، فله نظر إليه
الفتوحات المكية ج٦ - م١٥

٢٢٦
في المنازل/ الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وسرين
في قلبه فيرى أنه نقطة الدائرة، وله نظر إليه في استوائه على عرشه فيرى أنه محيط الدائرة فهو
بكل شيء محيط، فلا يظهر خط من النقطة إلا ونهايته إلى المحيط، ولا يظهر خط من
المحيط من داخله إلا ونهايته إلى النقطة، وليست الخطوط سوى العالم فإنه بكل شيء محيط
والكل في قبضته ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] فالخلاء ما فرض بين النقطة والمحيط
وهو الذي عمر العالم بعينه وكونه، وفيه ظهرت الاستحالات من نقطة إلى محيط، ومن
محيط إلى نقطة، فما خرج عنه عزّ وجلّ شيء ولا ثم شيء خارج عن المحيط فيدخل في
إحاطته بل الكل منه انبعث وإليه ينتهي ومنه بدأ وإليه يعود، فمحيطه أسماؤه ونقطته ذاته،
فلهذا هو الواحد العدد والواحد الكثير، فما كل عين له ناظر إلا عين الإنسان، ولولا إنسان
العين ما نظرت عين الإنسان، فبالإنسان نظر الإنسان وبالحقّ ظهر الحق: [مجزوء الوافر]
وقلنا فيه خَلْقُ
فقُلْنا فيه حَقُّ
وقُلْنَا فيه دُرِّ
وقُلْنَا فيه حُقُّ
فصل
[نظم: مجزوء الخفيف]
وهو الفُلْكُ والفَلَكْ
فهو المُلْكُ والمَلِكْ
قال للحُبِ هَيْتَ لَكْ
فإذا ما هَوِيتَهُ
أي حسنت هيئتي إذ هيت لك، إذ لولا حسن العالم ما علم حسن القديم ولا جماله،
ولولا جمال الحق ما ظهر في العالم جمال، فالأمر دوري وبه دار الفلك، فدوران الفلك
سعيه وما برح من مكانه فهو بكليته المنتقل الذي لم يفارق مكانه تنبيهاً من الله لعباده أو ضرب
مثل أن الحق وإن أوجد العالم ووصف نفسه بما وصف ما زال في منزلة تنزيهه وتمييزه عن
خلقه بذاته مع معينه بكل خلق من خلقه، بخلاف الخطوط فإنها متحركة من الوسط وإلى
الوسط فهي مفارقة وقاطعة منازل وحركة الوسط لم تفارق منزلتها ولا تحركت في غيرها وهي
أعجوبة المسائل التي حار فيها المجيب والسائل: [المتقارب]
لمن أنت في سَيْركم سائرُ
ألا أيّها الفَلَكُ الدائرُ
إليه فسَيْرُكُمْ بَائرُ
إلينا فنحن بأحشائكم
وقال هو الباطن الظّاهرُ
تعالى عن الحَدّ في نفسه
وأنت لنا الحَكَمُ القاهرُ
تدورُ علينا بأنفاسنا
وأنت إذا ما أنْقَضِي خاسرُ
فشُغْلُكَ بِي شُغْلُ شاغل
فأنت به الرابحُ التاجرُ
فإنْ كُنْتَ في ذاك عن أمره
ومن فوقكم ثم من فوقه(١)
إِلَهْ لرَتْقِكُمْ فَاطِرُ
(١) الضمير في فوقه يعود على الفوق الأول، اهـ من خط المصنف.

٢٢٧
في المنازل / الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وسرين
تَعَيَّنَ بالفَتْقِ فِي رَتْقِكُم
لذاك تدور وما تَبْرَحَنْ
فَقِفْ فأبَى الجَبْرُ إلا السُّرَى
سَتَرْتُ عُيُونَ النُّهَى فَانْثَنَتْ
فسبحان مَنْ حُكْمُهُ حِكْمَةٌ
فلولاك ما لاح في أُفْقِهِ
فعقلُك في صنعه حائرُ
بمَثْواك والمقبلُ الغابرُ
وقال أنا الكاسرُ الجابرُ
وقد عَلمَتْ أنّني الساترُ
ومَنْ عَيْنُهُ الواردُ الصادرُ
بدورته كوكبٌ زاهرُ
ولما خلق الله تعالى العالم واقتضت ذات العالم أن يستحيل بعضه البعضه بما ركبه الله
عليه من الحقائق والاستعداد لقبول الاستحالة طلب بذاته العوارض الإمكانية التي تراها في
العالم، فمن العالم من له قصد في ذلك الطلب وهو تعيين عارض خاص كقائم يطلب القعود
ممن يعقل، ومنهم من يطلبه من غير قصد كالشجرة تطلب السقي من أجل الثمرة التي خلقت
لها وطلبها لذلك ذاتي على مقدار معلوم إن زاد على ذلك كان حكمه حكم نقصانه في
الهلاك، وما الماء بحكمها فلا بد من حافظ يحفظ عليها القدر المعلوم وليس إلا خالقها،
وهذه الأمور العوارض التي تعرض لجوهر العالم منها ما يقال فيه صلاح ومنه ما يقال فيه
فساد، ولكن في نفس الأمر لا يصح أن يعرض للعالم فساد لا صلاح فيه، فإنه يكون خلاف
ما أريد له وجوده. وأما صلاح لا فساد فيه فهو الواقع المراد لصانع العالم فإنه لذلك خلق
العالم، وأما الأحوال فذاتية للمعاني فإنها أحكامها وليس لها وجود ولا هي معدومة كالأحمر
لمن قامت به الحمرة، وهذا حكم لا يتصف بالخلق لأنه معقول لا عين له في الوجود العيني
بل المعاني كلها التي أوجبت أحكامها لمن اتصف بها نسب عدمية لا عين لها في الوجود ولها
الحكم والحال، ولا عين لحكمها ولا لحالها في الوجود، فصار الحاكم والمحكوم به في
الحقيقة أموراً عدمية مع أنها معقولة، فعلى الحقيقة لا أثر لموجود في موجود وإنما الأثر
للمعدوم في الموجود وفي المعدوم، لأن الأثر للنسب كله وليست النسب إلا أموراً عدمية
يظهر ذلك بالبديهة في أحكام المراتب، كمرتبة السلطنة ومرتبة السوقة في النوع الإنساني
مثلاً، فيحكم السلطان في السوقة بما تريد رتبة السلطنة، وليس للسلطنة وجود عيني، وإذا
كان الحكم للمراتب فالأعيان التي من حقيقتها أن لا تكون على صورة طبيعية جسمية في
نفسها إذا ظهرت لمن ظهرت له في صورة طبيعية جسدية في عالم التمثيل كالملك يتمثل بشراً
سوياً، وكالتجلي الإلهي في الصور فهل تقبل تلك الصورة الظاهرة في عين الرائي حكم ما
لتلك الصورة في التي هي له حقيقة كصورة الإنسان والحيوان فتحكم عليه بالتفكر وقيام الآلام
واللذات به، فهل تلك الصورة التي ظهرت تشبه الحيوان أو الإنسان؟ أو ما كان تقبل هذا
الحكم في نفس الأمر أو الرائي إذا لم يعلم أنها إنسان أو حيوان ما له أن يحكم عليها بما
يحكم على من تلك الصورة عينه كيف الأمر في ذلك؟ فاعلم أن الملك على صورة تخالف
البشر في نفسه وعينه وكما تخالف البشر فقد خالفه أيضاً البشر، مثل جبريل ظهر بصورة
أعرابي بكلامه وحركته المعتادة من تلك الصورة في الإنسان هي في الصورة الممثلة كما هي

٢٢٨
في المنازل/ الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وسرين
في الإنسان أو هي من الصورة كما هي الصورة متخيلة أيضاً، ويتبع تلك الصورة جميع
أحكامها من القوى القائمة بها في الإنسان كما قام بها الكلام والحركة والكيفيات الظاهرة فهو
في الحقيقة إنسان خيالي أعني الملك في ذلك الزمان، وله حكم تلك الصورة في نفس الأمر
أيضاً على حد الصورة من كونها إنساناً خيالياً، فإذا ذهبت تلك الصورة ذهبت أحكامها
لذهابها، وسبب ذلك أن جوهر العالم في الأصل واحد لا يتغير عن حقيقته، وأن كل صورة
تظهر فيه فهي عارضة تستحيل في نفس الأمر في كل زمان فرد، والحق يوجد الأمثال على
الدوام لأنه الخالق على الدوام، والممكنات في حال عدمها مهيأة لقبول الوجود، فمهما
ظهرت صورة في ذلك الجوهر ظهرت بجميع أحكامها سواء كانت تلك الصورة محسوسة أو
متخيلة فإن أحكامها تتبعها، كما قال الأعرابي لما سمع رسول الله ولو يصف الحق جل
جلاله بالضحك قال: لا نعدم خيراً من رب يضحك إذ من شأن من يضحك أن يتوقع منه
وجود الخير، فكما أتبع الصورة الضحك أتبعها وجود الخير منها، وهذا في الجناب الإلهي
فكيف في جوهر العالم؟ ولا يهون مثل هذا عند عالم ولا يقبله متسع الخاطر إلا من عرف
أن جوهر العالم هو النفس الرحماني الذي ظهرت فيه صور العالم، ومن لم يعلم ذلك فإنه
يدركه في نفسه تكلف ومشقة في قبول ذلك في حق الحق، وحق كل ظاهر في صورة يعلم
أنها ما هي له حقيقة فيتأول ويتعذر عليه في أوقات التأويل، فيؤمن ويسلم ولا يدري كيف
الأمر، بخلاف العالم المحقق الذي قد أطلعه الله تعالى على ما هي الأمور عليه في أنفسها،
فالعالم كله من حيث جوهره شريف لا تفاضل فيه، وأن الدودة والعقل الأول على السواء
في فضل الجوهر، وما ظهرت المفاضلة إلا في الصور وهي أحكام المراتب، فشريف
وأشرف، ووضيع وأوضع، ومن علم هذه هان عليه قبول جميع ما وردت به الشرائع من
الأمور في حق الله والدار الآخرة، والأمور الغائبة التي لا تدركها العقول بأفكارها وليس لها
مدرك إلا بالخير، وليست الصور بشيء غير أعيان الممكنات، وليس جوهر العالم سوى ما
ذكرنا فللإطلاق على العالم من حيث جوهره حکم لا یکون له من حیث صورته، وله حکم
من حيث صورته لا يكون له من حيث جوهره، فمن الناس من علم ذلك على الكشف
وهم أصحابنا والرسل والأنبياء والمقربون، ومن الناس من وجد ذلك في قوته وفي عقله
ولم يعرف من أين جاء ولا كيف حصل له، فيشرك أهل الكشف في الحكم ولا يدري على
التحقيق ما هو الأمر، وهم القائلون بالعلة، والقائلون بالدهر، والقائلون بالطبيعة، وما عدى
هؤلاء فلا خبر عندهم بشيء من هذا الحكم، كما أن هؤلاء الطوائف لا علم لهم بما يعلمه
أهل الله وإن اشتركا في هذا الحكم، فلو سألت علماء طائفة منهم ما أنكر لك عين ما أبانه
أهل الله من ذلك وما حكم عليهم القول بذلك الحكم إلا ما عرفه أهل الله هم والقائلون
بالعلة لا يشعرون، ألا ترى الشارع وهو المخبر عن الله ما وصف الحق بأمر فيه تفصيل إلا
وهو صفة المحدث المخلوق مع قدم الموصوف به وهو الله ولا قدم للعقل في ذلك من
حيث نظره وفكره، وسبب ذلك لا يعرف أصله ولا يعلم أنه صورته في جوهر العالم بل

٢٢٩
في المنازل / الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وسرين
يتخيل أنه عين الجوهر، فإن أردت السلامة فاعبد رباً وصف نفسه بما وصف ونفى التشبيه
وأثبت الحكم كما هو الأمر عليه لأن الجوهر ما هو عين الصورة فلا حكم للتشبيه عليه
ولهذا قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لعدم المشابهة فإن الحقائق ترمي بها ﴿وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] إثباتاً للصور لأنه فصل حي، فمن لم يعلم ربه من خبره عن
نفسه ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلأْ بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] وأدنى درجته أن يكون مؤمناً بالخبر في صفاته كما
آمن أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ وكلا الحكمين حق، نظراً عقلياً وقبولاً والله يقول: ﴿إِنَُّ بِكُلِّ
شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] و﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَّظُ﴾ [سبأ: ٢١] أتراه يحيط به وهو خارج عنه
ويحفظ عليه وجوده من غير نسبة إليه فقد تداخلت الأمور واتحدت الأحكام وتميزت
الأعيان، فقيل من وجه هذا ليس هذا عن زيد وعمرو، وقيل من وجه هذا عين هذا عن زيد
وعمرو وأنهما إنسان، كذلك نقول في العالم من حيث جوهره ومن حيث صورته كما قال
الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ وهو يعني هذا الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
وحكم السمع ما هو حكم البصر ففصل ووصل وما انفصل ولا اتصل: [الطويل]
ومَنْ شاء فَلْيَعْجَزْ ومن شاء فَلْيَنْظُزْ
فمَنْ شاء فليُؤْمِنْ ومن شاء فَلْيَكْفُرْ
حَقِيقٌ عليه أن يُسَرَّ وأن يَشْكُزْ
فمَنْ عَلِمَ العِلْمَ الذي قد عَلِمْتُهُ
يقول لمن يدري بذلك ويَشْعُز
إذا ناله التقوى فكن فَطِناً بما
ولكنه ذِكْرَى لمن شاء فَلْيَذكُزْ
وما قال هذا القَوْل للخلق باطلاً
هو الحيرة العَمْيا لمن كان ذا عَمّى
ولمَّا ظَهَرْنا في وُجُود عَمائه
هو المنظرُ الأجْلَى لذي بصر يُبْصِرْ
عَلِمْنا وُجُودَ القُرْبِ فينا ولم نحصر
وصل إشارة وتنبيه: اعلم أن كل متلفظ من الناس بحديث فإنه لا يتلفظ به حتى
يتخيله في نفسه ويقيمه صورة يعبر عنها لا بد له من ذلك، ولما كان الخيال لا يراد لنفسه
وإنما يراد لبروزه إلى الوجود الحسي في عينه أي يظهر حكمه في الحس، فإن المتخيل قد
يكون مرتبة وقد يكون ما يقبل الصورة الوجودية، كمن يتخيل أن يكون له ولد فيولد له ولد
فيظهر في عينه شخصاً قائماً مثله، وقد يتخيل أن يكون ملكاً وهي رتبة فيكون ملكاً ولا عين
للمملكة في الوجود وإنما هي نسبة، وإذا كان هذا وكان ما يتخيل يعبر كالرؤيا كذلك يعبر
كل كلام ويتأول، فما في الكون كلام لا يتأول ولذلك قال: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾
[يوسف: ٢١] وكل كلام فإنه حادث عند السامع، فمن التأويل ما يكون إصابة لما أراده
المتكلم بحديثه، ومن التأويل ما يكون خطأ عن مراد المتكلم وإن كان التأويل إصابة في
كل وجه سواء أخطأ مراد المتكلم أو أصاب فما من أمر إلا وهو يقبل التعبير عنه ولا يلزم
في ذلك فهم السامع الذي لا يفهم ذلك الاصطلاح ولا تلك العبارة، فإن علوم الأذواق
والكيفيات وإن قبلت لا تنقال ولكن لما كان القول بها والعبارة عنها لإفهام السامع لذلك
قالوا ما ينقال ولا يلزم ما لا يفهم السامع المدرك له أن لا يصطلح مع نفسه على لفظ يدل
به على ما ذاقه، ليكون له ذلك اللفظ منبهاً ومذكراً له إذا نسي ذلك في وقت آخر، وإن لم

٢٣٠
في المنازل/ الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وسرين
يفهم عنه من لا ذوق له فيه، والتأويل عبارة عما يؤول إليه ذلك الحديث الذي حدث عنده
في خياله، وما سمي الإخبار عن الأمور عبارة ولا التعبير في الرؤيا تعبيراً إلا لكون المخبر
يعبر بما يتكلم به، أي يجوز بما يتكلم به من حضرة نفسه إلى نفس السامع، فهو ينقله من
خيال إلى خيال، لأن السامع يتخيله على قدر فهمه، فقد يطابق الخيال الخيال خيال السامع
مع خيال المتكلم وقد لا يطابق، فإذا طابق سمي فهماً عنه وإن لم يطابق فليس بفهم، ثم
المحدث عنه قد يحدث عنه بلفظ يطابقه كما هو عليه في نفسه فحينئذ يسمى عبارة، وإن
لم يطابقه كان لفظاً لا عبارة لأنه ما عبر به عن محله إلى محل السامع، وسواء نسب ذلك
الكلام إلى من نسب، وإنما قصدنا بهذه الإشارة التنبيه على عظم رتبة الخيال وأنه الحاكم
المطلق في المعلومات. غير أن التعبير عن غير الرؤيا رباعي والتعبير عن الرؤيا ثلاثي أي
في الرؤيا وهما من طريق المعنى على السواء، وعين الفعل في الماضي في تعبير الرؤيا
مفتوح وفي المستقبل مضموم ومخفف، وهو في غير الرؤيا مضاعف في الماضي
والمستقبل مفتوح العين في الماضي وتكسر في مستقبله، وإنما كان التضعيف في غير الرؤيا
للقوة في العبارة لأنها أضعف في الخيال من الرؤيا، فإن المعبر في غير الرؤيا يعبر عن أمر
متخيل في نفسه استحضره ابتداء وجعله كأنه يراه حساً فضعف عمن يعبر عن الخيال من
غير فكر ولا استحضار كصاحب الرؤيا فإن الخيال هنالك أظهر له ما فيه من غير استحضار
من الرائي، والمتيقظ ليس كذلك فهو ضعيف التخيل بسبب حجاب الحس فاحتاج إلى القوة
فضعف التعبير عنه فقيل: عبر فلان عن كذا وكذا بكذا بتشديد عين الفعل، ألا ترى قولهم
في عبور الوادي يقولون: عبرت النهر أعبره من غير تضعيف لأن النهر هنا غير مستحضر بل
هو حاضر في الحس كما كان ذلك حاضراً في الخيال من غير استحضار فاستعان بالتضعيف
لما في الاستحضار من المشقة والاستعانة تؤذن بالتضعيف أبداً حيث ظهرت لأنه لا يطلب
العون إلا من ليس في قوته مقاومة ذلك الأمر الذي يطلب العون عليه، فكل ما لا يمكن
الاستقلال به فإن العامل له لا بد أن يطلب العون والمعين على ذلك فافهم فإنه من هنا
تعرف رتبة ما لا يمكن وجوده للموجد له إلا بمساعدة أمر آخر ما هو عين الموجد، فذلك
الأمر الآخر معين له على إظهار ذلك الأمر، وهنا يظهر معنى قوله: ﴿حََّ يَسْمَعَ كَلَمَ اَللَّهِ﴾
[التوبة: ٦] إذا أراد الحق إيصاله إلى أذن السامع بالأصوات والحروف أو الإيماء والإشارة فلا
بد من الواسطة إذ يستحيل عليه تعالى قيام الحوادث به فافهم وعلى الله قصد السبيل.
وفي هذا المنزل من العلوم: علم ما يفتقر إليه ولا يتصل به. وفيه علم بيان الجمع أنه
عين الفرق. وفيه علم الفرق بين علم الخبر وعلم النظر العقلي وعلم النظر الكشفي وهو الذي
يحصل بإدراك الحواس. وفيه علم تنبيه الغافل بماذا ينبه ومراتب التنبيه. وفيه علم شرف العلم
على شرف الرؤية فقد يرى الشخص شيئاً ولا يدري ما هو فيقصه على غيره فيعلمه ذلك الغير
ما هو وإن لم يره فالعلم أتم من الرؤية لأن الرؤية طريق من طرق العلم يتوصل بالسلوك فيه
من هو عليه إلى أمر خاص. وفيه علم ظهور الباطل في صورة الحق وهما على النقيض، ومن

٢٣١
في المنازل/ الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وسرين
المحال أن يظهر أمر في صورة أمر آخر من غير تناسب فهو مثله في النسبة لا مثله في العين،
وهذا هو في صناعة النحو فعل المقاربة يقولون في ذلك: كاد النعام يطير، وكاد العروس
يكون أميراً، والحق تعالى يظهر في عين الرائي السراب ماء وليس بماء، وهو عنده إذا جاء إليه
الظمآن وكذلك المعطش إلى العلم بالله يأخذ في النظر في العلم به فيقيده تقييد تنزيه أو تشبيه،
فإذا كشف الغطاء وهو حال وصول الظمآن إلى السراب لم يجده كما قيده فأنكره ووجد الله
عنده غير مقيد بذلك التقييد الخاص بل له الإطلاق في التقييد فوفاه حسابه أي تقديره، فكأنه
أراد صاحب هذا الحال أن يخرج الحق من التقييد فقال له الحق بقوله فوفاه حسابه لا يحصل
لك في هذا المشهد إلا العلم بي أني مطلق في التقييد فأنا عين كل تقييد لأني أنا العالم كله
مشهود ومعلوم، وهذا هو الكيد الإلهيّ من قوله: ﴿وَأَكِدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿وَمَكَرُواْ
وَمَكَرَ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]. وفيه علم ما هو مربوط بأجل لا يظهر حتى يبلغ الكتاب فيه
أجله. وفيه علم قيمة المثل. وفيه علم تنزيه الأنبياء مما نسب إليهم المفسرون من الطامات
مما لم يجىء فيه كتاب الله وهم يزعمون أنهم قد فسروا كلام الله فيما أخبر به عنهم، نسأل الله
العصمة في القول والعمل، فلقد جاؤوا في ذلك بأكبر الكبائر كمسألة إبراهيم الخليل عليه
السلام وما نسبوا إليه من الشك وما نظروا في قول رسول الله وَله: «نحن أوْلَى بالشَّكُّ من
إبراهيم)) فإن إبراهيم عليه السلام ما شك في إحياء الموتى ولكن لما علم أنّ لإحياء الموتى
وجوهاً متعددة مختلفة لم يدر بأي وجه منها يكون يحيي الله به الموتى وهو مجبول على طلب
العلم فعين الله له وجهاً من تلك الوجوه حتى سكن إليه قلبه فعلم كيف يحيي الله الموتى،
وكذلك قصة يوسف ولوط وموسى وداود ومحمد عليهم السلام الإلهي، وكذلك ما نسبوه في
قصة سليمان إلى الملكين، وكل ذلك نقل عن اليهود واستحلوا أعراض الأنبياء والملائكة بما
ذكرته اليهود الذين جرحهم الله وملؤوا كتبهم في تفسير القرآن العزيز بذلك وما في ذلك نص
في كتاب ولا سنة فالله يعصمنا وإياكم من غلطات الأفكار والأقوال والأفعال أمين بعزته
وقوّته. وفيه علم من قام الدليل على عصمته فله أن يثني على نفسه بما أعلمه الله أنه عليه من
الصفات المحمودة فإنها من أعظم النعم الإلهية على عبده والله يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
[الضحى: ١١]. وفيه علم التسليم والاعتصام. وفيه علم رتبة الخيال وأنه حق ما نفيه شيء من
الباطل إلا أن المعبر عنه يصيب ويخطىء بحسب ما يراه في نزوله بالمواطن فإن المصيب من
لم يتعد بالحقائق مراتبها. وفيه علم الأسماء وما عبد منها وما لم يعبد. وفيه علم معرفة منازل
الموجودات. وفيه علم الستر والتجلي. وفيه علم المفاضلة في العلم. وفيه علم الشكر
والشاكر. وفيه علم الآيات المعتادة وغير المعتادة. وفيه علم التبري والتنزيه وما هو تنزيه في
حق الله عزّ وجلّ وهو تبري في حق المخلوق لا تنزيه. وفيه علم تقاسيم أهل الله وطبقاتهم.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى السفر السادس والعشرون من الفتوح المكي بانتهاء
الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة .

٢٣٢
في المنازل/ الباب الثالث والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار
[السفر السابع والعشرون]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِمَةِ
الباب الثالث والسبعون وثلاثمائة
في معرفة منزل ثلاثة أسرار ظهرت في الماء الحكمي المفضل مرتبته على العالم
بالعناية وبقاء العالم أبد الآبدين وإن انتقلت صورته وهو من الحضرة المحمدية
[نظم: الوافر]
لأرواحِ مُنَبَّأة كِرَامِ
مقاماتٌ تَنُصُّ على اتساقٍ
لأن النُّورَ فِي عَيْن الظّلامِ
أَقُوهُ بها ولا يدري جليسي
فعَيْنُ النَّقْصِ يَظْهَرُ بالتَّمامِ
فلولا ظُلْمَةٌ ما كان نُورٌ
تَقَيَّدَ بالعقود وبالقيامِ
إذا عَلِمَ الإضافةَ من يراها
وأن البَدْءَ يظهر بالخِتامِ
يرى أن الوُجُودَ له انتهاءٌ
فحَالٌ بين بَدْءٍ وانْقِضَاءِ
وُجُودٌ لا يزال مع الدَّوامِ
اعلم أيدك الله أن العالم كله كتاب مسطور في رق منشور وهو الوجود، فهو ظَاهر
مبسوط غير مطوي ليعلم ببسطه أنه مخلوق للرحمة، وبظهوره يعقل ويعلم ما فيه وما يدل
عليه، وجعله كتاباً لضم حروفه بعضها إلى بعض وهو ترتيب العالم على الوجوه التي
ذكرناها، وضم معانيه إلى حروفه مأخوذ من كتيبة الجيش، وإنما قلنا في بسطه أنه للرحمة
لأنه منها نزل كما قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] ﴿كِنَبُ فُصِلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانًا
عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] وقال تعالى في ذلك: ﴿كِنَبُّ أُشْكِمَتْ ءَايَتُهُمْ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ
حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] فأحكام الآيات فيه وتفصيلها لا يعرفه إلا من آتاه الله الحكمة وفصل
الخطاب، وصورة الحكمة التي أعطاها الحكيم الخبير لأهل العناية علم مراتب الأمور وما
تستحقه الموجودات والمعلومات من الحق الذي هو لها وهو إعطاء كل شيء خلقه إعطاء إلهياً
ليعطي كل خلق حقه إعطاء كونياً بما آتانا الله، فنعلم بالقوّة ما يستحقه كل موجود في الحدود
ونفصله بعد ذلك آيات بالفعل لمن يعقل كما أعطانيه الخبير الحكيم، فننزل الأمور منازلها
ونعطيها حقها ولا نتعدى بها مرتبتها، فتفصيل الآيات والدلالات من المفصل إذا جعلها في
أماكنها بهذا الشرط لأنه ما كل مفصل حكيم دليل على أنه قد أوتي الحكمة، وعلم أحكام
الآيات ورحمته بالآيات والموجودات التي هي الكتاب الإلهيّ وليس إلا العالم دليل على
علمه بمن أنزله وليس إلا الرحمن الرحيم، وخاتمة الأمر ليست سوى عين سوابقها وسوابقها
الرحمن الرحيم، فمن هنا تعلم مراتب العلم ومآله أنه إلى الرحمة المطلقة، وإن تعب في
الطريق وأدركه العناء والمشقة، فمن الناس من ينال الرحمة والراحة بنفس ما يدخل المنزل
الذي وصل إليه وهم أهل الجنة، ومنهم من يبقى معه تعب الطريق ومشقته ونصبه بحسب

٢٣٣
في المنازل/ الباب الثالث والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار
مزاجه، وربما مرض واعتل زماناً ثم انتقل من دائه واستراح وهم أهل النار الذين هم أهلها ما
هم الذين خرجوا منها إلى الجنة فمستهم النار بقدر خطاياهم مع كونهم أماتهم الله فيها إماتة،
فإن أولئك ليست النار منزلاً لهم يعمرونه ويقيمون فيه مع أهليهم، وإنما النار لهؤلاء منهل من
المناهل التي ينزلها المسافر في طريقه حتى يصل إلى منزله الذي فيه أهله، فهذا معنى الحكمة
والتفصيل؛ فإن الأمور أعني الممكنات متميزة في ذاتها في حال عدمها ويعلمها الله سبحانه
وعلى ما هي عليه في نفسها ويراها ويأمرها بالتكوين وهو الوجود فتتكوّن عن أمره، فما عند
الله إجمال كما أنه ليس في أعيان الممكنات إجمال بل الأمر كله في نفسه وفي علم الله
مفصل، وإنما وقع الإجمال عندنا وفي حقنا وفينا ظهر، فمن كشف التفصيل في عين الإجمال
علماً أو عيناً أو حقاً فذلك الذي أعطاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وليس إلا الرسل والورثة
خاصة، وأما الحكماء أعني الفلاسفة فإن الحكمة عندهم عارية فإنهم لا يعلمون التفصيل في
الإجمال، وصورة ذلك كما يراه صاحب هذا المقام الذي أعطاه الله الحكمة التي عنده عناية
إلهية وهي عند الحق تعيين الأرواح الجزئية المنفوخة في الأجسام المسوّاة المعدلة من الطبيعة
العنصرية من الروح الكل المضاف إليه، ولذلك ذكر أنه خلقها قبل الأجسام أي قدرها وعينها
لكل جسم وصورة روحها المدبر لها الموجود بالقوّة في هذا الروح الكل المضاف إليه، فيظهر
ذلك في التفصيل بالفعل عند النفخ، وذلك هو النفس الرحماني لصاحب الكشف، فيرى في
المداد الذي في الدواة جميع ما فيه من الحروف والكلمات وما يتضمنه من صور ما يصوّرها
الكاتب أو الرسام وكل ذلك كتاب، فيقول في هذا المداد من الصور كذا وكذا صورة، فإذا
جاء الكاتب والرسام أو الرسام دون الكاتب أو الكاتب دون الرسام بحسب ما يذكره صاحب
الكشف فيكتب بذلك المداد ويرسم جميع ما ذكره هذا المكاشف بحيث لا يزيد على ذلك
ولا ينقص، ولا يدرك ذلك هذا المسمى في عرف العقلاء حكماً، فهذا حظ أهل الكشف فهم
الذين أعطاهم الله الحكمة وفصل الخطاب، وقد أمرنا رسول الله وَ ير أن نعطي كل ذي حق
حقه، ولا نفعل ذلك حتى نعلم ما يستحقه كل ذي حق من الحق، وليس إلا بتبيين الحق لنا
ذلك ولذلك أضافه إليه تعالى فقال: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ الْحِكْمَةَ﴾ [ص: ٢٠] ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
أُوِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦٩] فما يعلمها إلا من أوتيها فهي هبة من الله تعالى كما وهبنا
وجود أعياننا ولم نكن شيئاً وجودياً، فالعلم الإلهيّ هو الذي كان الله سبحانه معلمه بالإلهام
والإلقاء وبإنزال الروح الأمين على قلبه، وهذا الكتاب من ذلك النمط عندنا، فوالله ما كتبت
منه حرفاً إلا عن إملاء إلهيّ وإلقاء رباني أو نفث روحاني في روع كياني، هذا جملة الأمر،
مع كوننا لسنا برسل مشرعين ولا أنبياء مكلفين بكسر اللام اسم فاعل، فإن رسالة التشريع
ونبوّة التكليف قد انقطعت عند رسول الله محمد وَ لّ، فلا رسول بعده وَّ ولا نبيّ يشرّع ولا
يكلف، وإنما هو علم وحكمة وفهم عن الله فيما شرعه على ألسنة رسله وأنبيائه عليهم سلام
الله، وما خطه وكتبه في لوح الوجود من حروف العالم وكلمات الحق فالتنزيل لا ينتهي بل هو
دائم دنيا وآخرة: [البسيط]

٢٣٤
في المنازل/ الباب الثالث والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار
جِسْمي فعَدَّلني خَلْقاً وسَوّاني
الله أَنْشَأَ مِن طَيٍّ وخَوْلانِ
فليس بُنْيَانُ غيري مِثْلَ بُنْياني
وأنْشَأ الحَقُّ لي رُوحاً مطهرةً
إنّي لأعرفُ رُوحاً كان ينزلُ بي
من فوق سَبْعِ سماواتٍ بِفُرْقانٍ
نريد قوله تعالى: ﴿إِن تَثَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]: [البسيط]
إلهِ ولكن جُودُ إخسَانِ
وما أنا مُدَّعِ في ذاك من نَبَأٍ من الـ
وبينه مُوثَقٌ بقُقْلٍ إِيمانِ
إنّ الثُّبُوّةً بَيْتٌ بيننا غَلَقٌ
وإنما قلنا ذلك لئلا يتوهم متوهم أني وأمثالي أدعي نبوة، لا والله ما بقي إلا ميراث
وسلوك على مدرجة محمد رسول الله وَير خاصة، وإن كان للناس عامة ولنا ولأمثالنا خاصة
من النبوة ما أبقى الله علينا منها مثل المبشرات ومكارم الأخلاق، ومثل حفظ القرآن إذا ما
استظهره الإنسان، فإن هذا وأمثاله من أجزاء النبوة الموروثة، ولذلك كان أوّل إنسان أنشأه الله
وهو آدم نبياً من مشى على مدرجته بعد ذلك فهو وارث لا بد من ذلك بهذه النشأة الترابية،
وأما في المقام فآدم ومن دونه إنما هو وارث محمد وسير لأنه كان نبياً وآدم بين الماء والطين لم
يكن بعد موجوداً، فالنبوة لمحمد وال# ولا آدم والصورة الآدمية الطبيعية الإنسانية لآدم ولا
صورة لمحمد 18 وعلى آدم وعلى جميع النبيين، فآدم أبو الأجسام الإنسانية، ومحمد بنعَليه
أبو الورثة من آدم إلى خاتم الأمر من الورثة، فكل شرع ظهر وكل علم إنما هو ميراث
محمدي في كل زمان ورسول ونبيّ من آدم إلى يوم القيامة، ولهذا أوتي جوامع الكلم ومنها
علّم الله آدم الأسماء كلها، فظهر حكم الكل في الصورة الآدمية والصورة المحمدية، فهي في
آدم أسماء وفي محمد ◌ّے کلم، وکلمات الله سبحانه لا تنفد، وموجوداته من حيث جوهرها
لا تبعد، وإن ذهبت صورها وتبدلت أحكامها فالعين لا تذهب ولا تتبدل بل وقع التبديل في
العالم لما هو الحق عليه من التحول في الصور، فلو لم يظهر التبدل في العالم لم يكمل العالم
فلم تبق حقيقة إلهية إلا وللعالم استناد إليها، على أن تحقيق الأمر عند أهل الكشف أن عين
تبدل العالم هو عين التحول الإلهيّ في الصور، فعين كونه فيما شاء تجلى عين كونه ﴿فِي أَمِّ
صُوَرَةٍ مَّا شَآءَ رَّكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] فتلك على الحقيقة
مشيئة الله لا مشيئتك وأنت تشاء بها، فالحياة لعين الجوهر، والموت لتبدل الصور، كل ذلك
◌ْلِسَبْلُوَّكُمْ﴾ [الملك: ٢] بالتكليف ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَلًا﴾ [الملك: ٢] وإنما يبلوكم لتصح نسبة الاسم
الخبير، فهو علم عن خبرة يعلم، ولا خبرة لإقامة حجة على من خلق فيه النزاع والإنكار،
وهذا كله من تفصيل الآيات في الخطاب وفي الأعيان فهو ﴿الْحَكِيمُ الْخِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] وهو
﴿اَلْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢]. فلو كشف لكل أحد ما كشفه لبعض العالم لم يكن غفوراً ولا كان
فضل لأحد على أحد، إذ لا فضل إلا بمزيد العلم كان بما كان، فالعالم كله فاضل مفضول
فاشترك أعلى العلماء مع أنزلهم في علم الصنعة، فالعالم صنعة الله والعلم بصنعة الحياكة علم
الحائك وهو صنعته وذلك في العموم أنزل العلوم وفي الخصوص علم الصنعة أرفع العلوم
لأنه بالصنعة ظهر الحق في الوجود فهي أعظم دليل وأوضح سبيل وأقوم قيل ومن هنا ظهر

٢٣٥
في المنازل/ الباب الثالث والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار
خواص الله الأكابر في الحكم بصورة العامة فجهلت مرتبتهم فلا يعرفهم سواهم وما لهم مزية
في العالم، بخلاف أصحاب الأحوال فإنهم متميزون في العموم مشار إليهم بالأصابع لما ظهر
عليهم بالحال من خرق العوائد، وأهل الله اتقوا من ذلك لاشتراك غير الجنس معهم في ذلك،
فأهل الله معلومون بالمقام مجهولون بالشهود لا يعرفون، كما أن الله الذي هو لأهله معلوم
بالفطرة عند كل أحد مجهول عنده بالعقل والشهود، فلو تجلى له ما عرفه بل لم يزل متجلياً
على الدوام لكنه غير معلوم إلا عند أهله وخاصته وهم أهل القرآن أهل الذكر الذين أمرنا الله
أن نسألهم لأنهم ما يخبرون إلا عنه قال تعالى: ﴿فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونٌ﴾
[النحل: ٤٣] لأن أهل الذكر هم جلساء الحق،، فما يخبر الذاكر الذي يشهد الله فيه أنه ذاكر له
إلا عن جليسه فيخبر بالأمر على ما هو عليه وذلك هو العلم فإنه ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَيَتْلُوهُ
شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ [هود: ١٧] وهو ظهوره بصورته أي الذي أتى به من العلم عن الله فهو صفته التي
بها تجلى هذا الشخص الذاكر، فعلى قدر ذكره يكون الحق دائم الجلوس معه، ولذلك قالت
عائشة رضي الله عنها في رسول الله وَل # أنه كان يذكر الله على كل أحيانه، فأثبتت له المجالسة
مع الله تعالى على الدوام، فإما علمت بذلك كشفاً، وإما أخبرها بذلك رسول الله وح ثيه، وكان
ذلك في جلوسه معه أنه يقص عليه من أنباء الرسل ما يثبت به فؤاده لما يرى من منازعة أمته
إياه فيما جاء به عن الله، ولو لم يكن عنده بهذه المثابة وأمثالها لم يكن بينه وبين غيره من
البشر فرقان فإنه تعالى معهم حيثما كانوا وأينما كانوا، فلا بد أن يكون مع الذاكرين له بمعية
اختصاص، وما ثم إلا مزيد علم به يظهر الفضل، فكل ذاكر لا يزيد علماً في ذكره بمذكوره
فليس بذاكر وإن ذكر بلسانه لأن الذاكر هو الذي يعمه الذكر كله فذلك هو جليس الحق، فلا
بد من حصول الفائدة لأن العالم الكريم الذي لا يتصور فيه بخل لا بد أن يهب جليسه أمراً لم
يكن عنده، إذ ليس هنالك بخل ينافي الجود فلم يبق إلا المحل القابل، ولا يجالس إلا ذو
محل قابل فذلك هو جليس الحق، والعالم جليسهم الحق من حيث لا يشعرون، وغاية العامة
إذا كانت مؤمنة أن تعلم أن الله معها، والفائدة إنما هي أن تكون أنت مع الله لا في أنه معك،
فكذلك هو الأمر في نفسه، فمن كان مع الحق فلا بد أن يشهد الحق، ومن شهده فليس إلا
وجود العلم عنده فهذه هي المنح الإلهية: [البسيط]
والكَشْفُ أعْظَمُ منهاجٍ وأوْضَحُهُ
فالعِلْمُ أَشْرَفُ ما يُؤْتِيهِ مِنْ مِنَجٍ
فَسَلْهُ كَشْفاً فإِنّ اللهَ يَمْنَحُهُ
فإنْ سألتَ إلهَ الحَقّ فِي طَلَبٍ
دَعْوَى الكيان وَجُودُ الله يَفْتَحُهُ
وأَدْمِنِ القَرْعَ إنّ البابَ أغْلَقَه
فكل علم لا يكون حصوله عن كشف بعد فتح الباب يعطيه الجود الإلهيّ ويبديه
ويوضحه فهو شعور لا علم لأنه حصل من خلف الباب والباب مغلق وليس الباب سواك فأنت
بحكم معناك ومغناك وذلك هو غلق الباب، فإنك تشعر أن خلف هذا الجسم والصورة
الظاهرة معنى آخر لا تعلمه، وإن شعرت به فالصورة الظاهرة المصراع الواحد والنفس
المصراع الآخر، فإذا فتحت الباب تميز المصراع من المصراع وبدا لك ما وراء الباب فذلك

٢٣٦
في المنازل/ الباب الثالث والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار
هو العلم فما رأيته إلا بالتفصيل لأنك فصلت ما بين المصراعين حتى تميز هذا فيك، فإن كان
الباب عبارة عن حق وخلق وهو أنت وربك فالتبس عليك الأمر فلم يتميز عينك من ربك فلا
تميزه ما لم يفتح الباب، فعين الفتح يعطيك المعرفة بالباب والفرق بين المصراعين فتعلم
ذاتك وتعلم ربك وهو قوله وَلَرَ: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فالشعور مع غلق الباب والعلم
مع فتح الباب، فإذا رأيت العالم متهماً لما يزعم أنه به عالم فليس بعالم وذلك هو الشعور،
وإن ارتفعت التهمة فيما علم فذلك هو العلم، ويعلم أنه قد فتح الباب له وأن الجود قد أبرز له
ما وراء الباب، وكثير من الناس من يتخيل أن الشعور علم وليس كذلك، وإنما حظ الشعور
من العلم أن تعلم أن خلف الباب أمراً ما على الجملة لا يعلم ما هو ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا
عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ﴾ لقولهم: هو شاعر، ثم قال: ﴿وَمَا يَلْبَغِى لَهُّ إِنْ هُوَ﴾ يعني هذا الذي بعثناه به
﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ أي أخذه عن مجالسة من الحق ﴿وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] أي ظاهر مفصل في عين
الجمع ما أخذه عن شعور، فإنه كل ما عينه صاحب الشعور في المشعور به فإنه حدس ولو
وافق الأمر ويكون علماً فما هو فيه على بصيرة في ذلك، وليس ينبغي لعاقل أن يدعو إلى أمر
حتى يكون من ذلك الأمر على بصيرة وهو أن يعلمه رؤية وكشفاً بحيث لا يشك فيه، وما
اختصت بهذا المقام رسل الله بل هو لهم ولأتباعهم الورثة، ولا وارث إلا من كمل له الاتباع
في القول والعمل والحال الباطن خاصة، فإن الوارث يجب عليه ستر الحال الظاهر، فإن
إظهاره موقوف على الأمر الإلهيّ الواجب، فإنه في الدنيا فرع والأصل البطون، ولهذا
احتجب الله في العموم في الدنيا عن عباده وفي الآخرة يتجلى عامة لعباده، فإذا تجلى لمن
تجلى له على خصوصه كتجليه للجبل كذلك ما ظهر من الحال على الرسل من جهة الدلالة
على صدقه ليشرع لهم والوارث داع لما قرره هذا الرسول وليس بمشرّع فلا يحتاج إلى ظهور
الحال كما احتاج إليه المشرع. فالوارث يحفظ بقاء الدعوة في الأمة عليها وما حظه إلا ذلك،
حتى أن الوارث لو أتى بشرع ولا يأتي به ولكن لو فرضناه ما قبلته منه الأمة فلا فائدة لظهور
الحال إذا لم يكن القبول كما كان للرسول فاعلم ذلك، فما أظهر الله عليهم من الأحوال فذلك
إلى الله لا عن تعمل ولا قصد من العبد وهو المسمى كرامة في الأمة، فالذي يجهد فيه ولي
الله وطالبه إنما هو فتح ذلك الباب ليكون من الله في أحواله عند نفسه على بصيرة لا أنه يظهر
بذلك عند خلقه فهو على نور من ربه وثابت في مقامه لا يزلزله إلا هو، فكرامة مثل هذا النوع
علمه بالله وما يتعلق به من التفصيل في أسمائه الحسنى وكلماته العليا فيعلم ما يلج في أرض
طبيعته من بذر ما بذر الله حين سواها وعدلها وما يخرج منها من العبارات عما فيها، والأفعال
العملية الصناعية على مراتبها لأن الذي يخرج عن الأرض مختلف الأنواع وذلك زينة
الأرض، فما يخرج عن أرض طبيعة الإنسان وجسده فهو زينة له من فصاحة في عبارة وأفعال
صناعية محكمة، كما يعلم ما ينزل من سماء عقله بما ينظر فيه من شرعه في معرفة به وذلك
هو التنزيل الإلهيّ على قلبه وما يعرج فيها من كلمه الطيب على براق العمل الصالح الذي
يرفعه إلى الله كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيْبُ﴾ وهو ما خرج من الأرض ﴿وَالْعَمَلُ

٢٣٧
في المنازل/ الباب الثالث والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار
الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وهو ما أخرجته الأرض أيضاً، فالذي ينزل من السماء هو الذي
يلج في الأرض، والذي يخرج من الأرض وهو ما ظهر عن الذي ولج فيها هو الذي يعرج في
السماء، فعين النازل هو عين الوالج، وعين الخارج هو عين العارج، فالأمر ذكر وأنثى ونكاح
وولادة، فأعيان موجودة، وأحكام مشهودة وآجال محدودة، وأفعال مقصودة، منها ما هي
مذمومة بالعرض وهي بالذات محمودة.
ثم اعلم أنّ التفصيل لا يظهر في الوجود إلا بالعمل فإن فصله العامل على تفصيله في
الإجمال إجمال الحكمة فهو العمل الصالح، وإن فصله على غير ذلك بالنظر إلى تفصيل
الإنسان فيه فذلك العمل غير الصالح، وأكثر ما يكون العمل غير الصالح في الذين يفصلون
الأمور بالنظر العقلي لا بالإعلام الإلهي، فما فصل بالإعلام الإلهي فهو كله عمل صالح، وما
فصل بالنظر العقلي فمنه صالح بالنسبة إلى تفصيله لا غير، والكل عمل صالح بالنسبة الى الله
تعالى كما يقول إن النقص في الوجود من كمال الوجود وإن شئت قلت من كمال العالم إذ لو
نقص النقص من العالم لكان ناقصاً فافهم.
واعلم أنه ما كنا نقول بالعمل غير الصالح ولا بالفساد أدباً مع العلم الإلهي وحقيقة،
ولكن لما رأينا في الوضع الإلهيّ قد حذر الله من الفساد وقال: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الْأَرْضِّ إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] وقال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوَّا فِى
اُلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣] ورأينا في العرف بين العقلاء بل الناس أجمعين ذكر الفساد
لذلك أقدمنا على ذكره، وإنما كنا نقول في ذلك بدل الفساد إظهار صورة وإزالة أخرى كما
هو الأمر في نفسه من أجل تركيب خاص ونظام مزاج طبيعي، فأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
اٌلْمُفْسِدِينَ﴾ فالمراد به تغيير الحكم الإلهيّ لا تغيير العين ولا إبدال الصورة، وأما قوله: ﴿عُلُوَّا
فِىِ اُلْأَرْضِ﴾ فهو أمر محقق لأن العلو لا تقبله الأرض ما دامت أرضاً لمن هي له أرض، وكل ما
نراه عالياً شامخاً فيها فهو جبل ووتد ثقلها الله به ليسكن ميدها، فالجبال ليست أرضاً، فخلق
الله الأرض مثل الكرة أجزاء ترابية وحجرية ضَمَّ الله بعضها إلى بعض، فلما خلق الله السماء
بسط الأرض بعد ذلك ليستقر عليها من خلقت له مكاناً ولذلك مادت ولو بقيت الكرة ما
مادت وما خلق الجبال، فخلق سبحانه الجبال فقال بها عليها دفعة واحدة وأدار بالماء المحيط
بها جبلاً جعله لها كالمنطقة قيل إن عليه أطراف قبة السماء، وأن الزرقة التي ننسبها إلى السماء
ونصفها بها فتلك اللونية لجرم السماء لبعدها عنك في الإدراك البصري كما ترى الجبال إذا
بعدت عنك زرقاً وليست الزرقة لها إلا لبعدها عن نظر العين، كما ترى الجبل البعيد عن
نظرك أسود فإذا جئته قد لا يكون كما أبصرته. وقد بينا لك أن الألوان على قسمين: لون يقوم
بجسم المتلوّن، ولون يحدث للبصر عند نظره إلى الجسم لأمر عارض يقوم بين الرائي
والمرئي مثل هذا ومثل الألوان التي تحدث في المتلوّن باللون الحقيقي لهيئات تطرأ، فيراها
الناظر على غير لونها القائم بها الذي يعرفه، وذلك مثل الشبهات في الأدلة فهي ألوان لا ألوان
وحظها من الحقائق الإلهية ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] وأنت لا أنت وكالعالم كله

٢٣٨
في المنازل/ الباب الثالث والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار
بالحقيقة هو خلق لا خلق أو حق لا حق، وكالخيال هو حس لا حس ومحسوس لا
محسوس، أعني المتخيل والأرض منفعلة عن الماء المنفعل عن الهواء، فإن الهواء هو الأصل
عندنا، ولذلك هو أقرب نسبة إلى العماء الذي هو نفس الرحمن، فجمع بين الحرارة
والرطوبة، فمن حرارته ظهر ركن النار، ومن رطوبته ظهر ركن الماء، ومن جمود الماء كان
الأرض، فالهواء ابن للنفس وهو العماء، والنار والماء ولدان للهواء، والأرض ولد الولد وهو ما
جمد من الماء وما لم يجمد بقي ماء على أصله والأرض على ذلك الماء، وقد رأينا في نهر
الفرات إذا جمد في الكوانين ببلاد الشمال يعود أرضاً تمشي عليه القوافل والناس والدواب
والماء من تحت ذلك الجليد جار وذلك الماء على الهواء وهو الذي يمده برطوبته فيحفظ عليه
عينه واستقراره عليه، فإن الهواء يجري الماء إذا تحرك، وإذا احتقن وسكن سكن الماء عليه فلا
ينفذ الماء فيه، وقد رأينا ذلك في أنبوب القصب وأمثاله المنفوذ الثقب إذا ملأته ماء وسددت
موضع الثقب الأعلى من الأنبوب لا يجري من أسفل الأنبوب شيء من الماء، فإذا أزلته جرى
الماء فلم يعتمد ذلك الماء إلا على الهواء الساكن لسكونه وهو صورة تعم العالم كله، وإذا تموّج
الهواء سمي ريحاً، والريح تنقل روائح ما تمر عليه من طيب وخبيث إلى المشام، وكذلك تنقل
برودة الأشياء وحرارتها، ولذلك توصف الريح بأنها نمامة وتوصف بنقل الأخبار إلى السامعين،
ولا يتلقى منها هذه الأمور التي تتم بها وتخبر عنها إلا قوّة السمع والشم إلى السامعين
والشامين، وحركات الأجرام تحرك الهواء فتحدث له اسم الريح والهواء يحرك الأجرام وفيه
تتحرك الأجرام، وأما الخرق فما هو إلا تفريغ أحياز عن أشياء وإشغالها بأشياء غير تلك الأشياء
لأنه ما فيما عمره العالم خلاء وإنما هي استحالات صور، فصور تحدث الأمور وصور تذهب
الأمور، والجوهر الذي ملأ الخلاء ثابت العين لا يستحيل إلى شيء ولا يستحيل إليه شيء.
وليس للأسماء الإلهية متعلق إلا أحداث هذه الصور واختلافها، وأما ذهابها فلنفسها، وأما
ذهابها فلما تقتضيه ذات موجدها وهو علم لطيف، فإنه كلام حق من حق لكن الأفهام تختلف
فيه، فإنه يقول للصور: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٦] فمعناه إن يشأ يشهدكم
في كل زمان فرد الخلق الجديد الذي أخذ الله بأبصاركم عنه فإن الأمر هكذا هو في نفسه،
والناس منه في لبس إلا أهل الكشف والوجود. فإن قلت: فقد قلت ببقاء عين الجوهر. قلنا:
ليس بقاؤه لعينه وإنما بقاؤه للصور التي تحدث فيه فلا يزال الافتقار منه إلى الله دائماً، فالجوهر
فقره إلى الله للبقاء، والصور فقرها إلى الله لوجودها، فالكل في عين الفقر إلى الله ﴿وَاللَّهُ هُوّ
اُلْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] بالغنى أي المثنى عليه بصفة الغنى عن العالم.
وفي هذا المنزل من العلوم: علم إضافة الأعمال إلى الخلق وهو مذهب بعض أهل
النظر والخلاف في ذلك قد تقدم في هذا الكتاب وحكاية المذاهب فيه وأقوالهم. وفيه علم
تعليم الحق عباده كيف يعاملونه بما يعاملونه به إذ لا تخلو نفس عن معاملة تقوم بها. وفيه
علم التنبيه على حقيقة الإنسان. وفيه علم اختلاف العالم لماذا يرجع بالصورة وبالحكم. وفيه
علم العناية ببعض المخلوقين وهي العناية الخاصة، وأما العناية العامة فهي الإيجاد له وفقر

٢٣٩
في المنازل/ الباب الثالث والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار
العالم كله إليه تعالى. وفيه علم تأثير الأعمال الخيرية في الأعمال غير الخيرية، وأعمال الشرّ
في أعمال الخير، وأن القويّ من الأعمال يذهب بالأضعف، وأن العدم في الممكن أقوى من
الوجود لأن الممكن أقرب نسبة إلى العدم منه إلى الوجود، ولذلك سبق بالترجيح على
الوجود في الممكن، فالعدم حضرته لأنه الأسبق والوجود عارض له، ولهذا يكون الحق
خلاقاً على الدوام، لأن العدم يحكم على صور الممكنات بالذهاب، والرجوع إليه رجوع
ذاتي، فحكم العدم يتوجه على ما وجد من الصور، وحكم الإيجاد من واجب الوجود يعطي
الوجود دائماً عين صورة بعد عين صورة، فالممكنات بين إعدام للعدم وبين إيجاد لواجب
الوجود، وأما تعلق ذلك بالمشيئة الإلهية فإنه سر من أسرار الله نبه الله عليه في قوله: ﴿إِن يَشَأ
يُذْهِبْكُمْ﴾ [فاطر: ١٦] من باب الإشارة إلى غوامض الأسرار لأولي الأفهام أنه عين كل منعوت
بكل حكم من وجود أو عدم ووجوب وإمكان ومحال، فما ثم عين توصف بحكم إلا وهو
ذلك العين، وهذه مسألة تضمنها هذا المنزل ولولا ذلك ما ذكرناها فإنه ما تقدم لها ذكر في
هذا الكتاب ولن تراها في غيره إلا في الكتب المنزلة من عند الله كالقرآن وغيره، ومنها
أخذناها بما رزقنا الله من الفهم في كلامه. وفيه علم ما يمحو عبادة الصلاة من الأعمال التي
نهى الشرع أن يعمل بها المكلف. وفيه علم تأثير المجاورة ولذلك أوصى الله تعالى بالجار،
وقد أجرى الله على ألسنة العامة في أمثالهم أن يقولوا: الرفيق قبل الطريق وقال
رسول الله وَّرَ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ)) فهو رفيقه (وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ)) فهو وكيله.
ومن كمال امرأة فرعون قولها: ﴿رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] فقدمته على
البيت وهو الذي جرى به المثل في قولهم: الجار قبل الدار وقال الله في تأثير الجوار: ﴿لَقَدْ
كِدِتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] وقال: ﴿وَلَا تَرَّكَنُواْ إِلَى الَِّينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
[هود: ١١٣] ومن جاور مواضع التهم لا يلومن من نسبه إليها. وفيه علم الأمر الإلهي إذا لم
ينفذ ما المانع لنفوذه وما هو الأمر الإلهي وهل له صيغة أم لا؟ وفيه علم مجازاة كل عامل دنيا
وآخرة جازاه بذلك من جازاه من حق وخلق والكل جزاء الله فما في الكون إلا جزاء بالخير
والشرّ. وفيه علم الفرق بين الفرق وبذلك سموا فرقاً وحكم الله الجامع والفارق وما يجتمع
فيه العالم وما يفترق. وفيه علم السعادة والشقاوة وما ينقطع من ذلك وما لا ينقطع. وفيه علم
الدار الآخرة ما هي ولماذا اختصت باسم الحيوان والدنيا مثلها في هذه الصفة يدل على ذلك :
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وفيه علم يعلم به أن الله لولا ما جعل المؤاخذة على
الجرائم دلالة ما آخذ الله بها أحداً من خلقه جملة واحدة. وفيه علم امتياز الإمام والمأموم
واختلاف مراتب الأئمة في الإمامة وكيف يكون السعيد إماماً للأشقياء وحكمه بالإمامة في
الدنيا وحكمه بذلك في الآخرة، فأما في الآخرة فيعم الأتباع ولكن من الأتباع هناك ما لا
يزول إلى مقر الحسنى، ومنه ما يأتيه امتناع إمامه في الدنيا فيصرف عن اتباعه في الأخرى لأن
الإمام يسعد وليس ذلك المتبع المصروف من أهل السعادة فلا بد أن يحال بينه وبين إمامه.
وفيه علم النصائح وممن تقبل وما حظ العقل من النصائح وما حظ الشرع منها. وفيه علم

٢٤٠
في المنازل/ الباب الثالث والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار
عموم ود الله ومحبته في صنعته ومصنوعاته، ولذلك عمهم بالرحمة والغفران لمن يعقل عن
الله فإنه المؤمن، ومن شأن المؤمن أنه لا تخلص له معصية أصلاً لا يشوبها طاعة، كذلك
الحق من كونه مؤمناً لا يمكن أن يخلص مع هذا الاسم شقاوة ما فيها رحمة هذا مما لا
يتصور، فإن الرحمة بالعالم أصل ذاتي بالوجود، والشقاء أمر عارض لأن سببه عارض وهو
مخالفة التكليف والتكليف عارض ولا بد من رفعه فترتفع العوارض لرفعه ولو بعد حين. وفيه
علم تغيير الحكم المشروع بتغيير الأحوال في المكلف. وفيه علم الموازين المعنوية التي
توزن بها المعاني والمحسوسات وموازين الآخرة هل هي إقامة العدل بالحكم في العالم
بحيث أن يعلم العالم كله أنه ما طرأ عليه جور في الحكم عليه بما حكم الله به عليه؟ أو هل
هي محسوسة كالموازين المحسوسة في الدنيا لوزن الأشياء؟ وإذا كانت حاسة البصر تدرك
الموازين في الآخرة المحسوسة عندها هل هي محسوسة كما يدركها الحس أو ممثلة كتمثل
الأعمال فإن الأعمال أعراض وهي في الآخرة أشخاص فتعلم أنها ممثلة لأن الحقائق لا
تنقلب وحقيقة من لا يقوم بنفسه مغايرة حقيقة من يقوم بنفسه فلا بد أن تكون ممثلة كما ورد
في الخبر النبوي: ((إِنَّ المَوْتَ يُؤْتَى بِهِ فِي صُورَةٍ كَبْشِ أَمْلَحَ)) ولم يقل يؤتى به كبشاً أملح
والموت عرض بل نسبة فلا بد أن تكون العبارة عنه كما وردت في الخبر النبوي. وفيه علم ما
هي الأولية في اليوم فإنه دائرة ولا بد للدائرة من ابتداء وانتهاء إلى ذلك الابتداء، فإن اليوم
دورة واحدة للفلك الأطلس وقد انفصل بالليل والنهار بطلوع الشمس وغروبها، وأول اليوم
الذي تعين بالأرض عند حركة الفلك كان بالحمل، ثم ظهر أول اليوم بطلوع الشمس إلى
غروبها ولم يكن لها وجود إلا في برج الحمل فإنه بيت شرفها فوجدت طالعة في برج الحمل
فظهر أول اليوم والصبح آخر اليوم وما بينهما ليل ونهار وهما معلومان بالطلوع والغروب،
ولذلك ما أخذ الله من أخذه من الأمم إلا في آخر اليوم وذلك لاستيفاء الحركة كما يتربص
بالعنين انقضاء فصول السنة، وحينئذ يفرق بينه وبين المرأة أعني زوجته لأن أسباب التأثير
الإلهي المعتاد في الطبيعة قد مرت على العنين وما أثرت فيه، فدل أن العنة فيه لا تزول،
فعدمت فائدة النكاح من لذة وتناسل ففرق بينهما إذ كان النكاح للالتذاذ والتناسل معاً أو في
حق طائفة أخرى لكذا وفي أخرى لكذا وفي أخرى للمجموع، وكذلك إذا انتهت دورة اليوم
وقع الأخذ الإلهي في آخره. وفيه علم تجسد الأرواح في صور الأجسام الطبيعية هل عين
ذلك الروح هو عين الصورة التي ظهر فيها أو هل ذلك في عين الرائي كما ذكرناه في زرقة
السماء أو هل الروح لتلك الصورة كالروح للجسم أعني النفس الناطقة وتلك الصور صورة
حقيقية لها وجود عيني لا في عين الناظر كسائر الصور الحقيقية، وهذه مسألة أغفلها كثير من
الناس بل الناس كلهم فإنهم قنعوا بما ظهر لهم من صور الأرواح المجسدة فلو تروحنوا في
نفوسهم وحكموا بالصور على أجسامهم وتبدلت أشكالهم وصورهم في عين من يراهم علموا
عند ذلك تجسد الأرواح لماذا يرجع فإنه علم ذوق لا علم نظر فكري، وقد بينا أن كل صورة
تجسدت في العالم فلا بد لها من روح مدبرة من الروح الكل المنفوخ منه في الصور، ومن