النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
لأحكامهم في كل عين مدة معلومة محصورة تتنوع تلك المدد بحسب المنزل الدنياوي
والأخراوي والبرزخي، والحكم البرزخي أسرعه مدة وأكثره حكماً، كذا وسنيه على قدر
أيامه والأيام متفاضلة، فيوم ونصف دورة ويوم دورة كاملة ويوم من ثمان وعشرين دورة،
وأكثر من ذلك إلى يوم المعارج، وأقل من ذلك إلى يوم الشؤون، وما بين هذين اليومين
درجات للأيام متفاضلة، وجعل لكل نائب من هؤلاء الأملاك الاثني عشر في كل برج ملكه
إياه ثلاثين خزانة تحتوي كل خزانة منها على علوم شتى يهبون منها لمن نزل بهم عن قدر
ما تعطيه رتبة هذا النازل وهي الخزائن التي قال الله فيها: ﴿وَإِن مِّنْ شَىءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَّابِتُهُ وَمَا
نُنَزِّلُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، وهذا النازل بهم ما يصرّف ما حصل له من هذه
الخزائن من العلوم في نفسه فإن حظه منها حظ حصولها ويصرّف ما حصل له في عالم
الأركان والمولدات والإنسان، فمن النازلين من يقيم عندهم يوماً في كل خزانة وينصرف
وهو أقل النازلين إقامة، وأما أكثر النازلين إقامة فهو الذي يقيم عند كل خزانة ليحصل منها
على قدر رتبته عند الله وما يعطيه استعداده مائة سنة، وباقي النازلين ما بين مائة سنة واليوم
وأعني باليوم قدر حركة هذا الفلك الأطلس، وأعني بالمائة سنة كل سنة ثلاث مائة وستين
يوماً من أيام هذه الحركة فاعلم ذلك، وهذه الخزائن تسمى عند أهل التعاليم درجات الفلك
والنازلون بها هم الجواري والمنازل وعيوقاتها من الثوابت، والعلوم الحاصلة من هذه
الخزائن الإلهية هي ما يظهر في عالم الأركان من التأثيرات بل ما يظهر من مقعر فلك
الكواكب الثابتة إلى الأرض، وسميت ثابتة لبطئها عن سرعة الجواري السبعة، وجعل
لهؤلاء الاثني عشر نظراً في الجنات وأهلها وما فيها مخلصاً من غير حجاب، فما يظهر في
الجنان من حكم فهو عن تولي هؤلاء الاثني عشر بنفوسهم تشريفاً لأهل الجنة، وأما أهل
الدنيا وأهل النار فما يباشرون ما لهم فيها من الحكم إلا بالنوّاب وهم النازلون عليهم الذين
ذكرناهم. فكل ما يظهر في الجنات من تكوين وأكل وشرب ونكاح وحركة وسكون وعلوم
واستحالة ومأكول وشهوة فعلى أيدي هؤلاء النواب الاثني عشر من تلك الخزائن بإذن الله
عزّ وجلّ الذي استخلفهم، ولهذا كان بين ما يحصل عنهم بمباشرتهم وبين ما يحصل عنهم
بغير مباشرتهم بل بوساطة النازلين بهم الذين هم لهم في الدنيا والنار كالحجاب والنواب
بون عظيم وفرقان كبير يحصل علم ذلك الفرقان في الدنيا لمن اتقى الله وهو قوله في هذا
وأمثاله: ﴿إِن تَثَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ وهو علم هذا وأمثاله ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾
أي يستر عنكم ما يسؤكم فلا ينالكم ألم من مشاهدته، فإن رؤية السوء إذا رآه من يمكن أن
يكون محلاً له وإن لم يحل به فإنه تسوءه رؤيته وذلك لحكم الوهم الذي عنده والإمكان
العقلي ﴿وَيَغْفِّرْ لَكُمْ﴾ أي ويستر من أجلكم ممن لكم به عناية في دعاء عام أو خاص معين،
فالدعاء الخاص ما تعين به شخصاً بعينه أو نوعاً بعينه، والعام ما ترسله مطلقاً على عباد الله
ممكن يمكن أن يحل بهم سوء ﴿وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]، بما أوجبه على
نفسه من الرحمة، وبما امتن به منها على من استحق العذاب كالعصاة في الأصول

٢٠٢
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
والفروع. وهؤلاء النواب الاثنا عشر هم الذين تولوا بناء الجنات كلها إلا جنة عدن فإن الله
خلقها بيده وجعلها له كالقلعة للملك، وجعل فيها الكثيب الأبيض من المسك وهو الظاهر
من الصورة التي يتجلى فيها الرب لعباده عند الرؤية كالمسك بفتح الميم من الحيوان وهو
الجلد وهو الغشاء الظاهر للأبصار من الحيوان، وجعل بأيديهم غراس الجنات إلا شجرة
طوبى فإن الحق تعالى غرسها بيده في جنة عدن وأطالها حتى علت فروعها سور جنة عدن
وتدلت مطلة على سائر الجنات كلها وليس في أكمامها ثم إلا الحلي والحلل لباس أهل
الجنة وزينتهم زائداً في الحسن والبهاء على ما تحمل أكمام شجر الجنات من ذلك لأن
الشجرة طوبى اختصاص فضل بكون الله خلقها بيده فإن لباس أهل الجنة ما هو نسج ينسج
وإنما تشقق عن لباسهم ثمر الجنة كما تشقق الأكمام هنا عن الورد وعن شقائق النعمان وما
شاكلهما من الأزهار كلها كما ورد في الخبر الصحيح كشفاً والحسن نقلاً أن رسول الله وجلاله
كان يخطب بالناس فدخل رجل فقال: يا رسول الله، أو قام رجل من الحاضرين - الشك
مني - فقال: يا رسول الله ثياب أهل الجنة أخلق تخلق أم نسج تنسج؟ فضحك الحاضرون
من كلامه فكره ذلك رسول الله وَ ل﴿ منهم وقال: ((أَتَضْحَكُونَ أَنْ سَأَلَ جَاهِلٌ عَالِماً؟ يا هذا))
وأشار إلى السائل: (بَلْ تَشَقَّقُ عَنْهَا ثَمَرُ الجَنَّةِ) فحصل لهم علم لم يكونوا عرفوه، وأدار
بجنة عدن سائر الجنات، وبين كل جنة وجنة سور يميزها عن صاحبتها، وسمى كل جنة
باسم معناه سار في كل جنة، وإن اختصت هي بذلك الاسم فإن ذلك الاسم الذي اختصت
أمكن ما هي عليه من معناه وأفضله مثل قوله ◌َّه: «أَقْضَاكُمْ عَلِيٍّ وَأَعْلَمُكُمْ بِالحَلالِ وَالحَرَامِ
مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ)) وإن كان كل واحد منهم يعلم القضاء والحلال والحرام
والفرائض ولكن هو بمن سمي به أخص وهي جنة عدن وجنة الفردوس وجنة النعيم وجنة
المأوى وجنة الخلد وجنة السلام وجنة المقامة والوسيلة وهي أعلى جنة في الجنات فإنها
في كل جنة من جنة عدن إلى آخر جنة، فلها في كل جنة صورة وهي مخصوصة
برسول الله وَل# وحده نالها بدعاء أمته حكمة من الله حيث نال الناس السعادة ببركة بعثته
ودعائه إياهم إلى الله وتبيينه ما نزل الله إلى الناس من أحكامه ﴿جَزَاءُ وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]
وجعل أرض هذه الجنات سطح الفلك المكوكب الذي هو سقف النار، وسيأتي فصله في
هذه الفصول إن شاء الله تعالى. وجعل في كل جنة مائة درجة بعدد الأسماء الحسنى،
والاسم الأعظم المسكوت عنه لوترية الأسماء وهو الاسم الذي يتميز به الحق عن العالم
هو الناظر إلى درجة الوسيلة خاصة، وله في كل جنة حكم كما له حكم اسم إلهي فافهم.
ومنازل الجنة على عدد آي القرآن ما بلغ إلينا منه نلنا تلك المنزلة بالقراءة وما لم يبلغ إلينا
نلناه بالاختصاص في جنات الاختصاص، كما نلنا بالميراث جنات أهل النار الذين هم
أهلها، وأبواب الجنة ثمانية على عدد أعضاء التكليف، ولهذا ورد في الخبر ((أن النبي وَلِّل
قال فيمن توضأ وصلى ركعتين ولم يحدث نفسه بشيء فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل
من أيها شاء، فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فما عليه أن لا يدخلها من أبوابها

٢٠٣
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
كلها فقرر رسول الله وَل قول أبي بكر وأثبته. وفي خبر جعله صاحب هذا الحال، فلكل
عضو باب، والأعضاء ثمانية العين والأذن واللسان واليد والبطن والفرج والرجل والقلب،
فقد يقوم الإنسان في زمن واحد بأعمال هذه الأعضاء كلها فيدخل من أبواب الجنة الثمانية
في حال دخوله من كل باب منها، فإن نشأة الآخرة تشبه البرزخ وباطن الإنسان من حيث ما
هو ذو خيال.
وأما خوخات الجنات فتسع وسبعون خوخة وهي شعب الإيمان بضع وسبعون شعبة
والبضع هنا تسعة، فإن البضع في اللسان من واحد إلى تسعة، فأدنى شعبة الإيمان إماطة الأذى
عن الطريق، وأعلاه لا إله إلا الله وما بينهما مما يتعلق من الأعمال ومكارم الأخلاق، فمن أتى
شيئاً من مكارم الأخلاق فهو على شعبة من الإيمان وإن لم يكن مؤمناً كمن يوحى إليه في
المبشرات وهي جزء من أجزاء النبوة وإن لم يكن صاحب المبشرة نبياً فتفطن لعموم رحمة الله،
فما تطلق النبوة إلا لمن اتصف بالمجموع فذلك النبي وتلك النبوة التي حجزت علينا وانقطعت
فإن من جملتها التشريع بالوحي الملكي في التشريع وذلك لا يكون إلا لنبي خاصة، فلا بد أن
يكون لهذه الشعبة حكم فيمن قامت به واتصف بها وظهر أثرها عليه، فإن الله لما أخبر بهذه
الشعبة على لسان الرسول أضافها إلى الإيمان إضافة إطلاق لم يقيد إيماناً بكذا بل قال الإيمان
والإيمان بكذا شعبة من شعب الإيمان المطلق، فكل شعبة إيمان كالذين آمنوا بالباطل خاصة
وهو الإصلاح بين الناس بما لم يكن والخديعة في الحرب فكان للكذب دخول في الإيمان فهو
في موطن شعبة من شعب الإيمان، وقد يوجد هذا من المؤمن وغير المؤمن، على أنه ما ثم غير
مؤمن فإن الله ما تركه، كما أنه ما ثم غير كافر فإن الأمر محصور بين مؤمن بالله ومؤمن بالباطل
وكافر بالله وكافر بالباطل، فكل عبد الله فهو مؤمن كافر معاً يعين إيمانه وكفره ما تقيد به، فلكل
شعبة من الإيمان طريق إلى الجنة، فأهل الجنان في كل جنة وأهل النار من حيث ما قام بهم من
شعب الإيمان وهم أهل النار الذين لا يخرجون منها، فلهم بما كانوا فيه من شعب الإيمان جميع
معاني الجنات في النار إلا جنة الفردوس والوسيلة لا قدم لهم فيهما فإن الفردوس لا عين له في
النار، فلهم النعيم والخلد والمأوى والسلام والمقامة وعدن، ولأهل الجنات الرؤية متى شاؤوا
ولأهل النار في أحيان مخصوصة الرؤية، فإن الله ما أرسل الحجاب عليهم مطلقاً وإنما قال
يومئذ في قوله: ﴿كَّ إِنَّهُمْ عَنْ زَبِهِمْ يَوْمَئِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] لما تعود عليهم وأغلظ في حال
الغضب والربوبية لها الشفقة، فإن المربى ضعيف يتعين اللطف به، فلذلك كان في حال الغضب
عن ربه محجوباً فافهم، فأورثه ذلك الحجاب أن جعله يصلى الجحيم لأنه قال بعد قوله
المحجوبون: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الْجَحِمِ﴾ [المطففين: ١٦] فأتى بقوله ثم فما صلى الجحيم إلا بعد وقوع
الحجاب ولذلك قيده بيومئذ، كذلك أيضاً لم يخل إنسان ولا مكلف أن يكون على خلق من
أخلاق الله وأن الله ثلاثمائة خلق، فلا بد أن يكون الإنسان من مؤمن وكافر على خلق من أخلاق
الله وأخلاق الله كلها حسنة حميدة، فكل ذات قام بها خلق منها وصرفه في الموضع الذي
يستحقه ذلك الخلق فلا بد أن تسعد به حيث كانت من نار أو جنان فإنه في كل ذي كبد رطبة

٢٠٤
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
أجر، ولا بد أن يحنو كل إنسان على أمر ما من خلق الله فله أجر من ذلك، فدركات النار هي
دركات ما لم ينقطع العذاب، فإذا انتهى إلى أجله المسمى عاد ذلك الدرك في حق المقيم فيه
درجة للخلق الإلهي الذي كان عليه يوماً ما: [البسيط]
الله أكْرَمُ أَنْ تَنْسَاكِ مِنَّتُهُ
ومَنْ يَجُودُ إذا الرحمنُ لم يَجُدِ
ولما جعل الله تعالى في المكلف عقلاً وتجلى له كان له من جهة عقله ونظره عقد وعهد
الله ألزمه ذلك النظر العقلي، وهو الافتقار إلى الله بالذات وأمثاله، ثم بعث إليه رسولاً من عنده
فأخذ عليه عهداً آخر على ما تقرر في الميثاق الأوّل، فصار الإنسان مع الله بين عهدين: عهد
عقلي وعهد شرعي، وأمره الله بالوفاء بهما بل طلبه الحال بذلك لقبوله، فلما وقفت على
هذين العهدين وبلغ مني علمي بهما المبلغ الذي يبلغه من شاهده قلت: [الكامل]
أتراه يَخْلُصُ من له عَقْدَانِ
في القَلْبِ عَقْدُ حِجَى وعَقْدُ هدایةٍ
مالي لما حَمَّلْتَنِيهِ ترانٍ
ربِّي بمَا أَعْطَيْتَنِيهِ عَلِمْتُهُ
من لي بتحصيل النجاة وذانٍ
ما كلّ ما كَلَّفْتَنِيهِ أُطِيقُهُ
قلبي فما لي بالوفاء يَدَانِ
أو كُنْتُ أنت فما هما عَنَيَانِي
عَقْلاً وشَزْعاً بالوفاء يناديا
إِنْ كُنْتُ نَعْتي فالوفاءُ محصّلٌ
أما قولي: ((إن كنت نعتي)) فهو قول رسول الله وَّر عن ربه أنه قال: ((كُنْتُ سَمْعَهُ
وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ وَمُؤَيِّدَهُ)) وكذلك: ((إن كنت)) أعني نفسي ((أنت)) أي أنت الفاعل والموجد للعمل
والوفاء لا أنا، إذ لا إيجاد لمخلوق في عقدنا بل الأمر كله لله «فما هما)) يعني العقل والشرع
بحكمهما عليَّ ((عنياني))، وإنما عنيا من له خلق الأعمال والأحوال والقدرة عليها، وإنما قلنا
هذا ليحقق عند السامعين صدق الله في قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]
وأقوى الجدال ما يجادل به الله .
واعلم أن شجرة طوبى لجميع شجر الجنات كآدم لما ظهر منه من البنين فإن الله لما غرسها
بيده وسوّاها نفخ فيها من روحه وكما فعل في مريم نفخ فيها من روحه فكان عيسى يحيي الموتى
ويبرىء الأكمه والأبرص، فشرف آدم باليدين ونفخ الروح فيه فأورثه نفخ الروح فيه علم الأسماء
لكونه مخلوقاً باليدين، فبالمجموع نال الأمر وكانت له الخلافة ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] وتولى الحق غرس شجرة طوبى بيده، ونفخ الروح فيها زينها بثمر الحلي
والحلل اللذين فيهما زينة للابسهما فنحن أرضها، فإن الله جعل ما على الأرض زينة لها وأعطت
في ثمر الجنة كله من حقيقتها عين ما هي عليه، كما أعطت النواة النخلة وما تحمله مع النوى
الذي في ثمرها، وكل من تولاه الحق بنفسه من وجهه الخاص بأمر مّا من الأمور فإن له شفوفاً
وميزة على من ليس له هذا الاختصاص ولا هذا التوجه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٢٠٥
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
الفصل الرابع
في فلك المنازل وهو المكوكب وهيئة السموات والأرض والأركان والمولدات والعمد
الذي يمسك الله السماء به أن تقع على الأرض لرحمته بمن فيها من الناس مع كفرهم
بنعمه، فلا تهوي السماء ساقطة واهية حتى يزول الناس منها
اعلم أن الله خلق هذا الفلك المكوكب في جوف الفلك الأطلس وما بينهما خلق
الجنات بما فيها فهذا الفلك أرضها والأطلس سماؤها وبينهما فضاء لا يعلم منتهاه إلا من
أعلمه الله، فهو فيه كحلقة في فلاة فيحاء وعين في مقعر هذا الفلك ثماني وعشرين منزلة مع
ما أضاف إلى هذه الكواكب التي سميت منازل لقطع السيارة فيها، ولا فرق بينها وبين سائر
الكواكب الأخر التي ليست بمنازل في سيرها، وفيما تختص به من الأحكام في نزولها الذي
ذكرناه في البروج قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] يعني هذه المنازل المعينة في
هذا الفلك المكوكب وهي كالمنطقة بين الكواكب من الشرطين إلى الرشاء، وهي تقديرات
وفروض في هذا الجسم، ولا تعرف أعيان هذه المقادر إلا بهذه الكواكب، كما أنه ما عرفت
أنها منازل إلا بنزول السيارة فيها، ولولا ذلك ما تميزت عن سائر الكواكب إلا بأشخاصها،
ومن مقعر هذا الفلك إلى ما تحته هي الدار الدنيا، فإنه من هناك إلى ما تحته يكون استحالة ما
تراه إلى الأخرى، فللأخرى صورة فيها غير صورة الدنيا فينتقل من ينتقل منها إلى الجنة من
إنسان وغير إنسان، ويبقى ما يبقى فيها من إنسان وغير إنسان، وكل من يبقى فيها فهو من أهل
النار الذين هم أهلها، وجعل الله لكل كوكب من هذه الكواكب قطعاً في الفلك الأطلس
ليحصل من تلك الخزائن التي في بروجه وبأيدي ملائكته الاثني عشر من علوم التأثير ما تعطيه
حقيقة كل كوكب وقد بينا ذلك، وجعلها على طبائع مختلفة، والنور الذي فيها وفي سائر
السيارة من نور الشمس وهو الكوكب الأعظم القلبي ونور الشمس ما هو من حيث عينها بل
هو من تجل دائم لها من اسمه النور، فما ثم نور إلا نور الله الذي هو نور السموات والأرض،
فالناس يضيفون ذلك النور إلى جرم الشمس، ولا فرق بين الشمس والكواكب في ذلك إلا أن
التجلي للشمس على الدوام فلهذا لا يذهب نورها إلى زمان تكويرها، فإن ذلك التجلي المثلي
النوري يستتر عنه في أعين الناظرين بالحجاب الذي بينها وبين أعينهم، وبسباحة هذه
الكواكب تحدث أفلاكاً في هذا الفلك أي طرقاً والهواء يعم جميع المخلوقات فهو حياة العالم
وهو حار رطب، فما أفرطت فيه الحرارة والسخونة سمي ناراً، وما أفرطت فيه الرطوبة وقلت
حرارته سمي ماء، وما بقي على حكم الاعتدال بقي عليه اسم الهواء وعلى الهواء أمسك الماء
وبه جرى وانساب وتحرك، وليس في الأركان أقبل لسرعة الاستحالة من الهواء لأنه الأصل
وهو فرع لازدواج الحرارة والرطوبة على الاعتدال والطريق المستقيم فهو الأسطقص الأعظم
أصل الأسطقصات كلها والماء أقرب أسطقص إليه، ولهذا جعل الله منه كل شيء حي، ويقبل
بذاته التسخين، ولا تقبل النار برودة ولا رطوبة لا بالذات ولا بالعرض بخلاف الماء.

٢٠٦
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
وصل: فأعظم البروج البروج الهوائية وهي الجوزاء والميزان والدالي، ولما خلق الله
الأرض سبع طباق جعل كل أرض أصغر من الأخرى لكون على كل أرض قبة سماء، فلما
خلق الأرض وقدر فيها أقواتها وكسا الهواء صورة النحاس الذي هو الدخان فمن ذلك الدخان
خلق سبع سموات طباقاً أجساماً شفافة وجعلها على الأرض كالقباب على كل أرض سماء
أطرافها عليها نصف كرة والأرض لها كالبساط فهي مدحية دحاها من أجل السماء أن تكون
عليها فمادت فقال بالجبال عليها فثقلت فسكنت بها، وجعل في كل سماء منها كوكباً وهي
الجواري منها القمر في السماء الدنيا، وفي السماء الثانية الكاتب وهو عطارد، وفي الثالثة
الزهرة، وفي الرابعة الشمس، وفي الخامسة الأحمر وهو المريخ، وفي السادسة المشتري
وهو بهرام، وفي السابعة زحل وهو المقاتل كما رسمناها في المثال المتقدم، فلما سبحت
الكواكب كلها ونزلت بالخزائن التي في البروج ووهبتها ملائكة البروج من تلك الخزائن ما
وهبتها تأثرت في الأركان ما تولد فيها من جماد الذي هو المعدن ونبات وحيوان، وآخر
موجود الإنسان الحيوان خليفة الإنسان الكامل وهو الصورة الظاهرة التي بها جمع حقائق
العالم، والإنسان الكامل هو الذي أضاف إلى جمعية حقائق العالم حقائق الحق التي بها
صحت له الخلافة ظهر ذلك فيمن ظهر من هذه الصور فجعل في كل صنف من المولدات
نوعاً كاملاً من جنسها، فأكمل صورة ظهرت في المعدن صورة الذهب، وفي النبات شجر
الوقواق، وفي الحيوان الإنسان، وجعل بين كل نوعين متوسطات كالكمأة بين المعدن
والنبات، والنخلة بين النبات والحيوان، والنسناس والقرد بين الحيوان والإنسان، ونفخ في
كل صورة أنشأها روحاً منه فحييت وتعرف إليها بها فعرفته بأمر جبلت عليه تلك الصورة وما
تعرف إليها إلا من نفسها فما تراه إلا على صورتها، وكانت الصور على أمزجة مختلفة وإن
كانت خلقت من نفس واحدة كقلوب بني آدم خلقها الله من نفس واحدة وهي مختلفة، فمن
الصور من بطنت حياته فأخذ الله بأبصار أكثر الناس عنها وهي على ضربين: ضرب له نموّ
وغذاء ونوع له نموّ ولا غذاء له فسمينا الصنف الواحد معدناً وحجراً، والآخر نباتاً ومن
الصور من ظهرت حياته فسميناه حيواناً وحياً والكل حي في نفس الأمر ذو نفس ناطقة، ولا
يمكن أن يكون في العالم صورة لا نفس لها ولا حياة ولا عبادة ذاتية وأمرية سواء كانت تلك
الصورة مما يحدثها الإنسان من الأشكال أو يحدثها الحيوانات ومن أحدثها من الخلق عن
قصد وعن غير قصد، فما هو إلا أن نتصور الصورة كيف تصورت وعلى يدي من ظهرت إلا
ويلبسها الله تعالى روحاً من أمره ويتعرف إليها من حينه فتعرفه منها وتشهده فيها، هكذا هو
الأمر دائماً دنيا وآخرة يكشفه أهل الكشف، فظهر الليل والنهار بطلوع الشمس وغروبها كما
حدث اليوم بدورة الفلك الأطلس، كما حدث الزمان بمقارنة الحوادث عند السؤال بمتى،
والزمان واليوم والليل والنهار وفصول السنة كلها أمور عدمية نسبية لا وجود لها في الأعيان،
وأوحى في كل سماء أمرها وجعل إمضاء الأمور التي أودعها السموات في عالم الأركان عند
سباحة هذه الجواري وجعلهم نواباً متصرفين بأمر الحق لتنفيذ هذه الأمور التي أخذوها من

٢٠٧
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
خزائن البروج في السنة بكمالها، وقدر لها المنازل المعلومة التي في الفلك المكوكب وجعل
لها اقترانات وافتراقات كل ذلك بتقدير العزيز العليم؛ وجعل سيرها في استدارة ولهذا سماها
أفلاكاً، وجعل في سطح السماء السابعة الضراح وهو البيت المعمور وشكله كما رسمته في
الهامش :
صورة الضراح
وخلق في كل سماء عالماً من الأرواح والملائكة يعمرونها، فأما الملائكة فهم السفراء
النازلون بمصالح العالم الذي ظهر في الأركان والمصالح أمور معلومة وما يحدث عن حركات
هذه الكواكب كلها وعن حركة الأطلس لا علم لهؤلاء السفراء بذلك حتى تحدث، فلكل
واحد منهم مقام معلوم لا يتعداه، وباقي العالم شغلهم التسبيح والصلاة والثناء على الله تعالى
وبين السماء السابعة والفلك المكوكب كراسي عليها صور كصور المكلفين من الثقلين وستور
مرفوعة بأيدي ملائكة مطهرة ليس لهم إلا مراقبة تلك الصور وبأيديهم تلك الستور، فإذا نظر
الملك إلى الصور قد سمجت وتغيرت عما كانت عليه من الحسن أرسل الستر بينها وبين سائر
الصور فلا يعرفون ما طرأ، ولا يزال الملك من الله مراقباً تلك الصورة، فإذا رأى تلك الصورة
قد زال عنها ذلك القبح وحسنت رفع الستر فظهرت في أحسن زينة وتسبيح تلك الصور
وهؤلاء الأرواح الملكية الموكلة بالستور، سبحان من أظهر الجميل وستر القبيح وأطلع أهل
الكشف على هذا ليتخلقوا بأخلاق الله ويتأدبوا مع عباد الله، فيظهرون محاسن العالم ويسترون
مساويهم، وبذلك جاءت الشرائع من عند الله، فإذا رأيت من يدعي الأهلية لله ويكون مع
العالم على خلاف هذا الحكم فهو كاذب في دعواه، وبهذا وأمثاله تسمى سبحانه بالغافر
والغفور والغفار.
ولما كوّن الله ملكوته مما ذكرناه خلق آدم بيديه من الأركان وجعل أعظم جزء فيه
التراب لبرده ويبسه وأنزله خليفة في أرضه التي خلق منها، وقد كان خلق قبله الجان من
الأركان وجعل أغلب جزء فيه النار، وكان من أمر آدم وإبليس والملائكة ما وصف الله لنا في
القرآن فلا يحتاج إلى ذكر ذلك، وأمسك الله صورة السماء على السماء لأجل الإنسان الموحد
الذي لا يمكن أن ينفي فذكره الله الله لأنه ليس في خاطره إلا الله، فما عنده أمر آخر يدعي
عنده ألوهية فينفيه بلا إله إلا الله فليس إلا الله الواحد الأحد، ولهذا قال رسول الله وَ له: ((لاَ
تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مَنْ يَقُولُ الله الله)) وهو الذكر الأكبر الذي قال الله
فيه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فما قال الرسول ◌َّ﴿ من يقول لا إله إلا الله فهذا
الاسم هو هجير هذا الإمام الذي يقبض آخراً وتقوم الساعة فتنشق السماء، فإن هذا وأمثاله
كان العمد لأن الله ما أمسكها من أجله أن تقع على الأرض ولذلك قال فيها أنها واهية أي

٢٠٨
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
واقعة ساقطة، ثم ما زالت النواب تتحرك في طرقها والصور تظهر بالاستحالات في عالم
الأركان دنيا وبرزخاً وآخرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فلا يبقى إلا ما في الآخرة وهو
يوم القيامة والداران الجنة والنار، ولكل واحدة منهما ملؤها من الجن والإنس ومما شاء الله
وفي الجنة قدم الصدق وفي النار قدم الجبار وهما القدمان اللتان في الكرسي، وقد مر من
الكلام في هذا الفن من هذا الكتاب ما فيه غنية للعاقل وبلغة زاد للمسافر توصله إلى مقصوده.
الفصل الخامس
في أرض الحشر وما تحوي عليه من العالم والمراتب وعرش الفصل والقضاء
وحملته وصفوف الملائكة عليها بين يدي الحكم العدل
اعلم أن الله تعالى إذا نفخ في الصور، وبعث ما في القبور، وحشر الناس والوحوش
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] ولم يبق في بطنها سوى عينها إخراجاً لا نباتاً، وهو
الفرق بين نشأة الدنيا الظاهرة وبين نشأة الآخرة الظاهرة، فإن الأولى أنبتنا فيها من الأرض
فنبتنا نباتاً كما ينبت النبات على التدريج وقبول الزيادة في الجرم طولاً وعرضاً، ونشأة الآخرة
إخراج من الأرض على الصورة التي يشاء الحق أن يخرجنا عليها، ولذلك علق المشيئة بنشر
الصورة التي أعادها في الأرض الموصوفة بأنها تنبت على غير مثال لأنه ليس في الصور صورة
تشبهها، فكذلك نشأة الآخرة يظهرها الله على غير مثال صورة تقدمت تشبهها وذلك قوله:
﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]
﴿وَنُنِشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] فإذا أُخرجت الأرض أثقالها وحدثت أنها ما بقي فيها
مما اختزنته شيء جيء بالعالم إلى الظلمة التي دون الجسر فألقوا فيها حتى لا يرى بضعهم
بعضاً ولا يبصرون كيف التبديل في السماء والأرض حتى تقع فتمد الأرض أوّلاً مد الأديم
وتبسط فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً وهي الساهرة فلا نوم فيها فإنه لا نوم لأحد بعد الدنيا
ويرجع ما تحت مقعر الفلك المكوكب جهنم، ولهذا سميت بهذا الاسم لبعد قعرها فأين
المقعر من الأرض؟ ويوضع الصراط من الأرض علواً على استقامة إلى سطح الفلك
المكوكب، فيكون منتهاه إلى المرج الذي خارج سور الجنة، وأوّل جنة يدخلها الناس هي
جنة النعيم، وفي ذلك المرج المأدبة وهو درمكة بيضاء نقية منها يأكل أهل المأدبة وهو قوله
تعالى في المؤمنين إذا أقاموا التوراة والإنجيل من بني إسرائيل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ
وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْفِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] فنحن أمة محمد اَل
نقيم كل ما أنزل إلينا من ربنا بالإيمان وبه نعمل من ذلك بما أمرنا من العمل به، وغيرنا من
الأمم منهم من آمن كما آمنا، ومنهم من آمن ببعض وكفر ببعض، فمن نجا منهم قيل فيه :
﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ وهو ما خرج من فروع أشجار الجنان على السور فظلل على هذا
المرج فقطفه السعداء ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ هو ما أكلوه من الدرمكة البيضاء التي هم عليها،
ووضع الموازين في أرض الحشر لكل مكلف ميزان يخصه، وضرب بسور يسمى الأعراف

٢٠٩
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
بين الجنة والنار وجعله مكاناً لمن اعتدلت كفتا ميزانه فلم ترجح إحداهما على الأخرى،
ووقفت الحفظة بأيديهم الكتب التي كتبوها في الدنيا من أعمال المكلفين وأقوالهم ليس فيها
شيء من اعتقادات قلوبهم إلا ما شهدوا به على أنفسهم بما تلفظوا به من ذلك فعلقوها في
أعناقهم بأيديهم، فمنهم من أخذ كتابه بيمينه، ومنهم من أخذه بشماله، ومنهم من أخذه من
وراء ظهره وهم الذين نبذوا الكتاب في الدنيا وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً، وليس
أولئك إلا الأئمة الضلال المضلون الذين ضلوا وأضلوا، وجيء بالحوض يتدفق ماء عليه من
الأواني على عدد الشاربين منه لا تزيد ولا تنقص ترمى فيه أنبوبات أنبوب ذهب وأنبوب فضة
وهو لزيق بالسور، ومن السور تنبعث هذان الأنبوبان فيشرب منه المؤمنون ويؤتى بمنابر من
نور مختلفة في الإضاءة واللون فتنصب في تلك الأرض ويؤتى بقوم فيقعدون عليها قد
غشيتهم الأنوار لا يعرفهم أحد في رحمة الأبد عليهم من الخلع الإلهية ما تقر به أعينهم،
ويأتي مع كل إنسان قرينه من الشياطين والملائكة وتنشر الألوية في ذلك اليوم للسعداء
والأشقياء بأيدي أئمتهم الذي كانوا يدعونهم إلى ما كانوا يدعونهم إليه من حق وباطل،
وتجتمع كل أمة إلى رسولها من آمن به ومن كفر، وتحشر الأفراد والأنبياء بمعزل من الناس
بخلاف الرسل فإنهم أصحاب العساكر فلهم مقام يخصهم. وقد عين الله في هذه الأرض بين
يدي عرش الفصل والقضاء مرتبة عظمى امتدت من الوسيلة التي في الجنة يسمى ذلك المقام
المحمود وهو لمحمد ◌َل# خاصة، وتأتي الملائكة ملائكة السموات ملائكة كل سماء على
حدة متميزة عن غيرها فيكونون سبعة صفوف أهل كل سماء صف والروح قائم مقدم الجماعة
وهو الملك الذي نزل بالشرائع على الرسل، ثم يجاء بالكتب المنزلة والصحف وكل طائفة
ممن نزلت من أجلها خلفها فيمتازون عن أصحاب الفترات وعمن تعبد نفسه بكتاب لم ينزل
من أجله، وإنما دخل فيه وترك ناموسه لكونه من عند الله وكان ناموسه عن نظر عقلي من
عاقل مهدي، ثم يأتي الله عزّ وجلّ على عرشه والملائكة الثمانية تحمل ذلك العرش فيضعونه
في تلك الأرض والجنة عن يمين العرش والنار من الجانب الآخر وقد علت الهيبة الإلهية
وغلبت على قلوب أهل الموقف من إنسان وملك وجان ووحش فلا يتكلمون إلا همساً بإشارة
عين وخفي صوت، وترفع الحجب بين الله وبين عباده وهو كشف الساق، ويأمرهم داعي
الحق عن أمر الله بالسجود لله فلا يبقى أحد سجد لله خالصاً على أي دين كان إلا سجد
السجود المعهود، ومن سجد اتقاء ورياء خرّ على قفاه، وبهذه السجدة يرجح ميزان أصحاب
الأعراف لأنها سجدة تكليف فيسعدون ويدخلون الجنة، ويشرع الحق في الفصل والحكم بين
عباده فيما كان بينهم، وأما ما كان بينهم وبين الله فإن الكرم الإلهيّ قد أسقطه فلا يؤاخذ الله
أحداً من عباد الله فيما لم يتعلق به حق للغير. قد ورد من أخبار الأنبياء عليهم السلام في ذلك
اليوم ما قد ورد على ألسنة الرسل ودوّن الناس فيه ما دوّنوا، فمن أراد تفاصيل الأمور فلينظرها
هنالك، ثم تقع الشفاعة الأولى من محمد ◌ّلر في كل شافع أن يشفع، فيشفع الشافعون ويقبل
الله من شفاعتهم ما شاء ويردّ من شفاعتهم ما شاء لأن الرحمة في ذلك اليوم يبسطها الله في
الفتوحات المكية ج٦ - م١٤

٢١٠
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
قلوب الشفعاء، فمن ردّ الله شفاعته من الشافعين لم يردها انتقاصاً بهم ولا عدم رحمة
بالمشفوع فيه، وإنما أراد بذلك إظهار المنة الإلهية على بعض عباده، فيتولى الله سعادتهم
ورفع الشقاوة عنهم، فمنهم من يرفع ذلك عنه بإخراجهم من النار إلى الجنان وقد ورد
وشفاعته بشفاعة أرحم الراحمين عند المنتقم الجبار، فهي مراتب أسماء إلهية لا شفاعة
محققة، فإن الله يقول في ذلك اليوم: شفعت الملائكة والنبيون والمؤمنون وبقي أرحم
الراحمين، فدل المفهوم أنه لم يشفع، فيتولى بنفسه إخراج من يشاء من النار إلى الجنة، ونقل
حال من هو من أهل النار من شقاء الآلام إلى سعادة إزالتها فذلك قدر نعيمه وقد يشاء، ويملأ
الله جهنم بغضبه المشوب وقضاءه، والجنة برضاه، فتعم الرحمة وتنبسط النعمة فيكون الخلق
كما هم في الدنيا على صورة الحق فيتحوّلون لتحوله، وآخر صورة يتحوّل إليها في الحكم في
عباده صورة الرضا فيتحوّل الحق في صورة النعيم، فإن الرحيم والمعافي أوّل من يرحم ويعفو
وينعم على نفسه بإزالة ما كان فيه من الحرج والغضب على من أغضبه، ثم سرى ذلك في
المغضوب عليه، فمن فهم فقد أمناه ومن لم يفهم فسيعلم ويفهم المآل إليه، والله من حيث يعلم
نفسه ومن هويته وغناه فهو على ما هو عليه، وإنما هذا الذي وردت به الأخبار وأعطاه الكشف
إنما ذلك أحوال تظهر ومقامات تشخص ومعان تجسد ليعلم الحق عباده معنى الاسم الإلهيّ
الظاهر وهو ما بدا من هذا كله، والاسم الإلهيّ الباطن وهو هويته وقد تسمى لنا بهما، فكل ما
هو العالم فيه من تصريف وانقلاب وتحوّل في صور في حق وخلق فذلك من حكم الاسم
الظاهر وهو منتهى علم العالم والعلماء بالله. وأما الاسم الباطن فهو إليه لا إلينا وما بأيدينا منه
سوى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، على بعض وجوه محتملاته، إلا أن أوصاف التنزيه
لها تعلق بالاسم الباطن وإن كان فيه تحديد، ولكن ليس في الإمكان أكثر من هذا، فإنه غاية
الفهم عندنا الذي يعطيه استعدادنا. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فإن
الطريق إلى الجنة عليها فلا بد من الورود، فإذا لم يبق في أرض الحشر من أهل الجنة أحد عاد
كله ناراً أي دار النار، وإن كان فيها زمهرير فجهنم من مقعر فلك الكواكب إلى أسفل سافلين .
الفصل السادس
في جهنم وأبوابها ومنازلها ودركاتها
اعلم أن جهنم تحوي على السموات والأرض على ما كانت عليه السماء والأرض إذ
﴿كَانَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] فرجعت إلى صفتها من الرتق، والكواكب كلها فيها طالعة وغاربة
على أهل النار بالحرور والزمهرير، بالحرور على المقرورين بعد استيفاء المؤاخذة بما
أجرموا، وبالزمهرير على المحرورين ليجدوا في ذلك نعيماً ولذة ما لهم من النعيم إلا ذلك
وهو دائم عليهم أبداً، وكذلك طعامهم وشرابهم بعد انقضاء مدة المؤاخذة يتناولون من شجرة
الزقوم لكل إنسان بحسب ما يبرد عنه ما كان يجده أو يسخنه، كالظمآن بحرارة العطش فيجد
ماء بارداً فيجد له من اللذة لإذهابه لحرارة العطش وكذلك ضده وأبوابها سبعة بحسب أعضاء

٢١١
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
التكليف الظاهرة، لأن باب القلب مطبوع عليه لا يفتح من حين طبع الله عليه عندما أقر له
بالربوبية وعلى نفسه بالعبودية، فللنار على الأفئدة اطلاع لا دخول لغلق ذلك الباب فهو كالجنة
حفت بالمكاره، فما ذكر الله من أبواب النار إلا السبعة التي يدخل منها الناس والجان، وأما
الباب المغلق الذي لا يدخل عليه أحد هو في السور فباطنه فيه الرحمة بإقراره بوجود الله رباً له
وعبودته لربه، وظاهره من قبله العذاب وهي النار ﴿الَّتِى تَطَِّعُ عَلَى الْأَفْدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] وأما منازلها
ودركاتها وخوخاتها فعلى ما ذكرناه في الجنة على السواء لا تزيد ولا تنقص، وليس في النار نار
ميراث ولا نار اختصاص وإنما ثم نار أعمال، فمنهم من عمرها بنفسه وعمله الذي هو قرینه،
ومن كان من أهل الجنة بقي عمله الذي كان في الدنيا على صورته في المكان من النار الذي لو
كان من أهلها صاحب ذلك العمل لكان فيه، فإنه من ذلك المكان كان وجود ذلك العمل، وهو
خلاف ما كلف من فعل وترك فعاد إلى وطنه، كما عاد الجسم عند الموت إلى الأرض التي خلق
منها، وكل شيء إلى أصله يعود إن طالت المدّة فإنها أنفاس معدودة وآجال مضروبة محدودة
يبلغ الكتاب فيها أجله، ويرى كل مؤمل أمله، فإنما نحن به وله فما خرجنا عنا ولا حللنا إلا بنا
حيث كنا وحشرت الوحوش كلها فيها إنعاماً من الله عليها إلا الغزلان، وما استعمل من الحيوان
في سبيل الله فإنهم في الجنان على صور يقتضيها ذلك الموطن، وكل حيوان تغذى به أهل الجنة
في الدنيا خاصة وإذا لم يبق في النار أحد إلا أهلها وهم في حال العذاب يجاء بالموت على
صورة كبش أملح فيوضع بين الجنة والنار ينظر إليه أهل الجنة وأهل النار فيقال لهم: تعرفون
هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت فيضجعه الروح الأمين ويأتي يحيى عليه السلام وبيده الشفرة
فيذبحه ويقول الملك لساكني الجنة والنار خلود فلا موت ويقع اليأس لأهل النار من الخروج
منها ويرتفع الإمكان من قلوب أهل الجنة من وقوع الخروج منها، وتغلق الأبواب وهي عين فتح
أبواب الجنة فإنها على شكل الباب الذي إذا انفتح انسد به موضع آخر، فعين غلقه المنزل عين
فتحه منزلاً آخر. وأما أسماء أبوابها السبعة: فباب جهنم، باب الجحيم، باب السعير، باب
سقر، باب لظى، وباب الحطمة، وباب سجين، والباب المغلق، وهو الثامن الذي لا يفتح فهو
الحجاب. وأما خوخات شعب الإيمان فمن كان على شعبة منها فإن له منها تجلياً بحسب تلك
الشعبة كانت ما كانت، ومنها ما هي خلق في العبد جبل عليه، ومنها ما هي مكتسبة وكل خير
فإنها عن الخير المحض، فمن عمل خيراً على أيّ وجه كان فإنه يراه ويجازى به، ومن عمل شراً
فلا بد أن يراه وقد يجازى به وقد يعفى عنه ويبدل له بخير إن كان في الدنيا قد تاب، وإن مات
عن غير توبة فلا بد أن يبدل بما يقابله بما تقتضيه ندامته يوم يبعثون ويرى الناس أعمالهم والجان
وكل مكلف فما كان يستوحش منه المكلف عند رؤيته يعود له أنس له به، وتختلف الهيئات في
الدارين مع الأنفاس باختلاف الخواطر هنا في الدنيا، فإن باطن الإنسان في الدنيا هو الظاهر في
الدار الآخرة، وقد كان غيباً هنا فيعود شهادة هناك وتبقى العين غيباً باطن هذه الهيئات والصور لا
تتبدل ولا تتحوّل فما ثم إلا صور وهيئات تخلع عنه وعليه دائماً أبداً إلى غير نهاية ولا انقضاء.

٢١٢
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
الفصل السابع
في حضرة الأسماء الإلهية والدنيا والآخرة والبرزخ
اعلم أن أسماء الله الحسنى نسب وإضافات وفيها أئمة وسدنة، ومنها ما يحتاج إليها
الممكنات احتياجاً ضرورياً، ومنها ما لا يحتاج إليها الممكنات ذلك الاحتياج الضروري،
وقوّة نسبتها إلى الحق أوجه من طلبها للخلق، فالذي لا بد للممكن منها الحي والعالم
والمريد والقائل كشفاً وهو في النظر العقلي القادر، فهذه أربعة يطلبها الخلق بذاته، وإلى هذه
الأربعة تستند الطبيعة، كما تستند الأركان إلى الطبيعة، كما تستند الأخلاط إلى الأركان،
وإلى الأربعة تستند في ظهورها أمهات المقولات وهي: الجوهر والعرض والزمان والمكان،
وما بقي من الأسماء فكالسدنة لهذه الأسماء، ثم يلي هذه الأسماء اسمان المدبر والمفصل ثم
الجواد والمقسط، فعن هذين الاسمين كان عالم الغيب والشهادة والدار الدنيا والآخرة وعنهما
كان البلاء والعافية والجنة والنار، وعنهما خلق من كل زوجين اثنين، والسراء والضراء
وعنهما صدر التحميدان في العالم التحميد الواحد: الحمد لله المنعم المفضل، والتحميد
الآخر: الحمد لله على كل حال، وعن هذين الاسمين ظهرت القوّتان في النفس: القوّة
العلمية والقوّة العملية، والقوّة والفعل والكون والاستحالة والملأ الأعلى والملأ الأسفل
والخلق والأمر، ولما كانت الأسماء الإلهية نسباً تطلبها الآثار لذلك لا يلزم ما تعطل حكمه
منها ما لم يتعطل، وإنما يقدح ذلك لو اتفق أن تكون أمراً وجودياً، فالله إله سواء وجد العالم
أو لم يوجد، فإن بعض المتوهمين تخيل أن الأسماء للمسمى تدل على أعيان وجودية قائمة
بذات الحق، فإن لم يكن حكمها يعم وإلا بقي منها ما لا أثر له معطلاً، فلذلك قلنا إنه
سبحانه لو رحم العالم كله لكان، ولو عذب العالم كله لكان، ولو رحم بعضه وعذب بعضه
لكان، ولو عذبه إلى أجل مسمى لكان، فإن الواجب الوجود لا يمتنع عنه ما هو ممكن لنفسه
ولا مكره له على ما ينفذه في خلقه بل هو ﴿فَعَّلٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، فلما خلق الله العالم
رأيناه ذا مراتب وحقائق مختلفة تطلب كل حقيقة منه من الحق نسبة خاصة، فلما أرسل تعالى
رسله كان مما أرسلهم به لأجل تلك النسب أسماء تسمى بها لخلقه يفهم منها دلالتها على ذاته
تعالى وعلى أمر معقول لا عين له في الوجود له حكم هذا الأثر، والحقيقة الظاهرة في العالم
من خلق ورزق ونفع وضرّ وإيجاد واختصاص وأحكام وغلبة وقهر ولطف وتنزل واستجلاب
ومحبة وبغض وقرب وبعد وتعظيم وتحقير، وكل صفة ظاهرة في العالم تستدعي نسبة خاصة
لها اسم معلوم عندنا من الشرع، فمنها مشتركة وإن كان لكل واحد من المشتركة معنى إذا تبين
ظهر أنها متباينة، فالأصل في الأسماء التباين والاشتراك فيه لفظي، ومنها متباينة، ومنها
مترادفة ومع ترادفها فلا بد أن يفهم من كل واحد معنى لا يكون في الآخر فعلمنا ما سمى به
نفسه واقتصرنا عليها فأوجد الدار الدنيا وأسكن فيها الحيوان، وجعل الإنسان الكامل فيها
إماماً وخليفة أعطاه علم الأسماء لما تدل عليه من المعاني، وسخر لهذا الإنسان وبنيه وما
تناسل منه جميع ما في السموات وما في الأرض، وخلق خلقاً إن قلت فيه موجود صدقت،

٢١٣
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
وإن قلت فيه معدوم صدقت، وإن قلت فيه لا موجود ولا معدوم صدقت. وهو الخيال، وله
حالان: حال اتصال وهذا الحال له بوجود الإنسان وبعض الحيوان، وحال انفصال وهو ما
يتعلق به الإدراك الظاهر منحازاً عنه في نفس الأمر كجبريل في صورة دحية، ومن ظهر من
عالم الستر من الجنة من ملك وغيره وخلق الجنة والمنزل الذي يكون يوم القيامة ناراً فخلق
من النار ما خلق وبقي منها ما بقي في القوة، وجعل ذلك فيما جعل الله في هذا الوجود
الطبيعي من الاستحالات، فالذي هو اليوم دار دنيا يكون غداً في القيامة دار جهنم وذلك في
علم الله، وقد بينا ذلك في الصورة المثالية المتقدمة في هذا الباب على التقريب.
الفصل الثامن
في الكثيب ومراتب الخلق فيه
اعلم أن الكثيب هو مسك أبيض في جنة عدن وجنة عدن في قصبة الجنة وقلعتها،
وحضرة الملك وخواصه لا تدخلها العامة إلا بحكم الزيارة، وجعل في هذا الكثيب منابر
وأسرّة وكراسي ومراتب لأن أهل الكثيب أربع طوائف: مؤمنون وأولياء وأنبياء ورسل، وكل
صنف ممن ذكرنا أشخاصه يفضل بعضهم بعضاً قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى
بَعْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعَنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] فتفضل منازلهم
بتفاضلهم وإن اشتركوا في الدار ومن هذا الباب قوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾
[الأنعام: ١٦٥] يعني الخلق فدخل فيه جميع بني آدم دنيا وآخرة، فإذا أخذ الناس منازلهم في
الجنة استدعاهم الحق إلى رؤيته فيسارعون على قدر مراكبهم ومشيهم هنا في طاعة ربهم،
فمنهم البطيء، ومنهم السريع، ومنهم المتوسط، ويجتمعون في الكثيب، وكل شخص يعرف
مرتبته علماً ضرورياً يجري إليها ولا ينزل إلا فيها، كما يجري الطفل إلى الثدي، والحديد إلى
المغناطيس لو رام أن ينزل في غير مرتبته لما قدر، ولو رام أن يتعشق بغير منزلته ما استطاع،
بل يرى في منزلته أنه قد بلغ منتهى أمله وقصده، فهو يتعشق بما هو فيه من النعيم تعشقاً
طبيعياً ذاتياً لا يقوم بنفسه ما هو عنده أحسن من حاله، ولولا ذلك لكانت دار ألم وتنغيص
ولم تكن جنة ولا دار نعيم، غير أن الأعلى له نعيم بما هو فيه في منزلته وعنده نعيم الأدنى
وأدنى الناس منزلة على أنه ليس ثم من دني من لا نعيم له إلا بمنزلة خاصة، وأعلاهم من لا
أعلى منه له نعيم بالكل، فكل شخص مقصور عليه نعيمه فما أعجب هذا الحكم. ففي الرؤية
الأولى يعظم الحجاب على أهل النار والتنغيص والعذاب بحيث إنهم لا يكون عندهم عذاب
أشد عذاباً من ذلك، فإن الرؤية الأولى تكون قبل انقضاء أجل العذاب وعموم الرحمة الشاملة
وذلك ليعرفوا ذوقاً عذاب الحجاب، وفي الرؤية الثانية إلى ما يكون بعد ذلك تعم الرحمة،
ولهم أعني لأهل الجحيم رؤية من خوخات أبواب النار على قدر ما اتصفوا به في الدنيا من
مكارم الأخلاق، فإذا نزل الناس في الكثيب للرؤية وتجلى الحق تعالى تجلياً عاماً على صور
الاعتقادات في ذلك التجلي الواحد فهو واحد من حيث هو تجل، وهو كثير من حيث

٢١٤
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
اختلاف الصور، فإذا رأوه انصبغوا عن آخرهم بنور ذلك التجلي وظهر كل واحد منهم بنور
صورة ما شاهده، فمن علمه في كل معتقد فله نور كل معتقد، ومن علمه في اعتقاد خاص
معين لم يكن له سوى نور ذلك المعتقد المعين، ومن اعتقد وجوداً لا حكم له فيه بتنزيه ولا
تشبيه بل كان اعتقاده أنه على ما هو عليه فلم ينزه ولم يشبه وآمن بما جاء من عنده تعالى على
علمه فيه سبحانه، فله نور الاختصاص لا يعلم إلا في ذلك الوقت فإنه في علم الله، فلا يدرى
هل هو أعلى ممن عمم الاعتقادات كلها علمه أو مساوٍ له، وأما دونه فلا، فإذا أراد الله
رجوعهم إلى مشاهدة نعيمهم بتلك الرؤية في جناتهم قال لملائكته وزعة الكثيب: ردّوهم إلى
قصورهم فيرجعون بصورة ما رأوا او يجدون منازلهم وأهليهم منصبغين بتلك الصورة
فيتلذذون بها فإنهم في وقت المشاهدة كانوا في حال فناء عنهم فلم تقع لهم لذة في زمان
رؤيتهم، بل اللذة عند أوّل التجلي حكم سلطانها عليهم فأفنتهم عنها وعن أنفسهم فهم في
اللذة في حال فناء لعظيم سلطانها، وإذا أبصروا تلك الصورة في منازلهم وأهليهم استمرت
لهم اللذة وتنعموا بتلك المشاهدة فتنعموا في هذا الموطن بعين ما أفناهم في الكثيب ويزيدون
في ذلك التجلي وفي تلك الرؤية علماً بالله أعطاهم إياه العيان لم يكن عندهم، فإن المعلوم إذا
شوهد تعطي مشاهدته أمراً لا يمكن أن يحصل من غير مشاهدة كما قيل: [الوافر]
لذا سَأَلَ المُعَايَنَةَ الكَلِيمُ
ولَكِنْ للعيان لَطِيفُ مَغْنِی
وهذا ذوق يعرفه كل من أقيم في هذه الحال لا يقدر على إنكاره من نفسه.
الفصل التاسع
في العالم وهو كل ما سوى الله وترتيبه ونضده روحاً وجسماً وعلواً وسفلاً
اعلم أن العالم عبارة عن كل ما سوى الله وليس إلا الممكنات سواء وجدت أو لم
توجد، فإنها بذاتها علامة على علمنا أو على العلم بواجب الوجود لذاته وهو الله، فإن
الإمكان حكم لها لازم في حال عدمها ووجودها بل هو ذاتي لها لأن الترجيح لها لازم
فالمرجح معلوم، ولهذا سمي عالماً من العلامة لأنه الدليل على المرجح فاعلم ذلك،
وليس العالم في حال وجوده بشيء سوى الصور التي قبلها العماء وظهرت فيه، فالعالم
إن نظرت حقيقته إنما هو عرض زائل أي في حكم الزوال وهو قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ
هَالِكُ إِلَّا وَجْهٌَ﴾ [القصص: ٨٨] وقال رسول الله وَّ: ((أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَتْهُ العَرَبُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا الله بَاطِلُ)). يقول: ما له حقيقة يثبت عليها من نفسه فما هو موجود
إلا بغيره ولذلك قال رَّه : ((أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَتْهُ العَرَبُ: أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ الله بَاطِلُ))،
فالجوهر الثابت هو العماء وليس إلا نفس الرحمن، والعالم جميع ما ظهر فيه من الصور
فهي أعراض فيه يمكن إزالتها، وتلك الصور هي الممكنات، ونسبتها من العماء نسبة
الصور من المرآة تظهر فيها لعين الرائي والحق تعالى هو بصر العالم فهو الرائي وهو
العالم بالممكنات، فما أدرك إلا ما في علمه من صور الممكنات فظهر العالم بين العماء

٢١٥
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
وبين رؤية الحق فكان ما ظهر دليلاً على الرائي وهو الحق فتفطن واعلم من أنت.
وأما نضده على الظهور والترتيب فأرواح نورية إلهية مهمة في صور نورية خلقية إبداعية
في جوهر نفس هو العماء من جملتها العقل الأوّل وهو القلم، ثم النفس وهو اللوح
المحفوظ، ثم الجسم، ثم العرش ومقره وهو الماء الجامد والهواء والظلمة، ثم ملائكته، ثم
الكرسي، ثم ملائكته، ثم الأطلس، ثم ملائكته، ثم فلك المنازل، ثم الجنات بما فيها، ثم
ما يختص بها وبهذا الفلك من الكواكب، ثم الأرض، ثم الماء، ثم الهواء العنصري، ثم
النار، ثم الدخان. وفتق فيه سبع سموات: سماء القمر، وسماء الكاتب، وسماء الزهرة،
وسماء الشمس، وسماء الأحمر، وسماء المشتري، وسماء المقاتل ثم أفلاكها المخلوقون
منها، ثم ملائكة النار والماء والهواء والأرض، ثم المولدات المعدن والنبات والحيوان، ثم
نشأة جسد الإنسان، ثم ما ظهر من أشخاص كل نوع من الحيوان والنبات والمعدن، ثم
الصور المخلوقات من أعمال المكلفين وهي آخر نوع، هذا ترتيبه بالظهور في الإيجاد.
وأما ترتيبه بالمكان الوجودي أو المتوهم فالمكان المتوهم المعقولات التي ذكرناها إلى
الجسم الكل، ثم العرش، ثم الكرسي، ثم الأطلس، ثم المكوكب وفيه الجنات، ثم سماء
زحل، ثم سماء المشتري، ثم سماء المريخ، ثم سماء الشمس، ثم سماء الزهرة، ثم سماء
الكاتب، ثم سماء القمر، ثم الأثير، ثم الهواء، ثم الماء، ثم الأرض.
وأما ترتيبه بالمكانة فالإنسان الكامل، ثم العقل الأوّل، ثم الأرواح المهيمة، ثم
النفس، ثم العرش، ثم الكرسي، ثم الأطلس، ثم الكثيب، ثم الوسيلة، ثم عدن، ثم
الفردوس، ثم دار السلام، ثم دار المقامة، ثم المأوى، ثم الخلد، ثم النعيم، ثم فلك
المنازل، ثم البيت المعمور، ثم سماء الشمس، ثم القمر، ثم المشتري، ثم زحل، ثم
الزهرة، ثم الكاتب، ثم المريخ، ثم الهواء، ثم الماء، ثم التراب، ثم النار، ثم الحيوان، ثم
النبات، ثم المعدن. وفي الناس: الرسل، ثم الأنبياء، ثم الأولياء، ثم المؤمنون، ثم سائر
الخلق. وفي الأمم: أمة محمد وَّر، ثم أمة موسى عليه السلام، ثم الأمم على منازل
رسلها .
وأما ترتيبه بالتأثير فمنه المؤثر بالحال، ومنه ما هو المؤثر بالهمة، ومنه ما هو المؤثر
بالقول، ومنه ما هو المؤثر بالفعل أعني بالآلة، ومنهم المؤثر بمجموع الكل، ومنهم المؤثر
بمجموع البعض، ومنهم المؤثر بغير قصد لما ظهر منه من الأثر كتأثيرات الرياح بهبوبها في
الرمال وغيرها وهي صورة الأشكال، وما في الوجود إلا مؤثر ومؤثر فيه مطلقاً ومؤثر اسم
مفعول يكون له أثر بالحال كصور تحدث فتؤثر بالحال في واهب الأرواح لها، وقد ذكرنا في
نضد العالم خطبة وهي هذه التي أنا ذاكرها، ذكر الخطبة في نضد العالم: الحمد لله الذي
ليس لأوليته افتتاح كما لسائر الأوليات. الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى الأزليات.
الكائن ولا عقل ولا نفس ولا بسائط ولا مركبات. ولا أرض ولا سماوات. العالم في العماء
بجميع المعلومات. القادر الذي لا يعجز عن الجائزات. المريد الذي لا يقصر فتعجزه

٢١٦
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
المعجزات. المتكلم ولا حروف ولا أصوات السميع الذي يسمع كلامه ولا كلام مسموع إلا
بالحروف والأصوات والآلات والنغمات. البصير الذي رأى ذاته ولا مرئيات مطبوعة
الذوات. الحي الذي وجبت له صفات الدوام الأحدي والمقام الصمدي فتعالى بهذه
السمات. الذي جعل الإنسان الكامل أشرف الموجودات. وأتم الكلمات المحدثات.
والصلاة على سيدنا محمد خير البريات وسيد الجسمانيات والروحانيات. وصاحب الوسيلة
في الجنات الفردوسيات. والمقام المحمود في اليوم العظيم البليات الأليم الرزيات. أما بعد :
فإنه لما شاء سبحانه أن يوجد الأشياء من غير موجود وأن يبرزها في أعيانها بما تقتضيه من
الرسوم والحدود، لظهور سلطان الأعراض والخواص والفصول والأنواع والأجناس الدافعين
شبه الشكوك والرافعين حجب الالتباس بوسائط العبارات الشارحة والصفات الرسمية والذاتية
النيرة النبراس فانجلى في صورة العلم صور الجواهر المتماثلات والأعراض المختلفات
والمتماثلات والمتقابلات. وفصل بين هذه الذوات بين المتحيزات منها وغير المتحيزات.
كما انجلى في ذوات الأعراض والجواهر صور الهيئات والحالات بالكيفيات وصور المقادير
والأوزان المتصلات والمنفصلات بالكميات وصور الأدوار والحركات الزمانيات وصور
الأقطار والأكوار المكانيات والصور الحافظات الماسكات نظام العالم الحاملات أسباب
المناقب والمثالب العرضيات وأسباب المدائح والمذام الشرعيات. وأسباب الصلاح والفساد
الوضعيات الحكميات وصور الإضافات بين المالك والمملوك والآباء والأبناء والبنات.
وصور التمليك بالعبيد والإماء الخارجات والحسن والجمال والعلم وأمثال ذلك الداخلات.
وصور التوجهات الفعلية القائمة بالفاعلات. وصور المنفعلات التي هي بالفعل والفاعلات
﴿﴿ وَالنََّارِ إِذَا جَلََّهَا
وَالْقَمَرِ إِذَا نَلَنْهَا
مرتبطات. وقال عندما جلاها ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَنْهَا
وَأَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَا (٢٥) وَاُلْأَرْضِ وَمَا تَحَهَا (٦)﴾ [الشمس] هذه حقائق الآباء
العلويات والأمهات السفليات، ولها البقاء بالإبقاء مع استمرار التكوينات والتلوينات بالتغيير
والاستحالات ليثبت عندها علم ما هي الحضرة الإلهية عليه من العزة والثبات، فهذا هو الذي
أبرز سبحانه من المعلومات ولا يجوز غير ذلك فإنه لم يبق سوى الواجبات والمحالات.
فأول موجود أداره سبحانه فلك الإشارات، إدارة إحاطة معنوية وهو أوّل الأفلاك الممكنات
المحدثات المعقولات، وأوّل صورة ظهر في هذا الفلك العمائي صور الروحانيات
المهيمات. الذي منها القلم الإلهي الكاتب العلام في الرسالات وهو العقل الأول الفياض في
الحكميات والإنباءات وهو الحقيقة المحمدية والحق المخلوق به والعدل عند أهل اللطائف
والإشارات. وهو الروح القدسي الكل عند أهل الكشوف والتلويحات. فجعله عالماً حافظاً
باقياً تاماً كاملاً فياضاً كاتباً من دواة العلم تحركه يمين القدرة عن سلطان الإرادة والعلوم
الجاريات إلى نهايات، وهو مستوى الأسماء الإلهيات، ثم أدار معدن فلك النفوس دون هذا
الفلك وهو اللوح المحفوظ في النبوّات وهو النفس المنفعلة عند أصحاب الإدراكات
والإشارات والمكاشفات. فجعلها باقية تامة غير كاملة وفائضة غير مفيضة فيض العقل فهي

٢١٧
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
في محل القصور والعجز عن بلوغ الغايات، ثم أوجد الهباء في الكشف والهيولى في النظر
والطبيعة في الأذهان لا في الأعيان، فأول صورة أظهر في ذلك الهباء صور الأبعاد الثلاثة
فكان المكان فوجه عليه سبحانه سلطان الأربعة الأركان، فظهرت البروج الناريات والترابيات
والهوائيات والمائيات فتميزت الأكوان وسمى هذا الجسم الشفاف اللطيف المستدير المحيط
بأجسام العالم العرش العظيم الكريم، واستوى عليه باسمه الرحمن استواء منزهاً عن الحد
والمقدار معلوم عنده غير مكيف ولا معلوم للعقول والأذهان، ثم أدار سبحانه في جوف هذا
الفلك الأوّل فلكاً ثانياً سماه الكرسي فتدلت إليه القدمان فانفرق فيه كل أمر حكيم بتقدير عزيز
عليم، وعنده أوجد الخيرات الحسان والمقصورات في خيام الجنان، ثم رتب فيه منازل
الأمور كلها وأحكمها في روحانيات سخرها وحكمها بالتأثيرات السبعية من ألف إلى ساعة
عن اختلاف الملوان، وجعل هذه المنازل بين وسط ممزوج وطرفي سعد مستقر ونحس
مستمر بنزول المقدر المفرد الإنسان، ثم أدار سبحانه في جوف هذه الفلك الثاني فلكاً ثالثاً
وخلق فيه كوكباً سابحاً من الخنس الكنس مسخراً فقيراً أودع لديه كل أسود حالك وقرن به
ضيق المسالك والوعر والحزن والكرب والحزن وحسرات الفوت وسكرات الموت، وأسرار
الظلمات والمغازات المهلكات والأشجار المثمرات والأفاعي والحيات، والحيوانات
المضرات والحرات الموحشات والطرق الدارسات والعنا والمشقات، وخلق عند مساعدته
النفس الكلية الجبال لتسكين الأرضين المدحيات، وأسكن في هذا الفلك روحانية خليله
إبراهيم عليه السلام عبده ورسوله، ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكاً رابعاً خلق فيه كوكباً
سابحاً من الخنس الكنس أودع لديه النخل الباسقات والعدل في القضايا والحكومات وأسباب
الخير والسعادات والبيض الحسان المنعمات والاعتدالات والتمامات وأسرار العبادات
والقربات والصدقات البرهانيات والصلوات النوريات وإجابة الدعوات والناظرين إلى الواقفين
بعرفات، وقبول النسك بموضع رمي الجمرات، وخلق عند مساعدته النفس الكلية تحليل
المياه الجامدات، وأسكن في هذا الفلك روحانية نبيه موسى عليه السلام عبده ونجيه، ثم أدار
في جوف هذا الفلك فلكاً خامساً خلق فيه كوكباً سابحاً من الخنس الكنس أودع لديه حماية
المذاهب بالقواضب المرهفات والموازن السمهريات وتجميز قدور راسيات وملء جفون
كالجوابي المستديرات والتعصبات والحميات، وإيقاع الفتن والحروب بين أهل الهدايات
والضلالات، وتقابل الشبه المضلات والأدلة الواضحات بين أهل العقول السليمة
والتخيلات، وخلق عند مساعدته النفس الكل لتلطيف الأهوية السخيفات، وأسكن في هذا
الفلك روح رسوليه هارون ويحيى عليهما السلام موضحي سبيليه، ثم أدار في جوف هذا
الفلك فلكاً سادساً خلق فيه كوكباً عظيماً مشرقاً سابحاً أودع لديه أسرار الروحانيات والأنوار
المشرقات والضياءات اللامعات والبروق الخاطفات والشعاعات النيرات والأجساد
المستنيرات والمراتب الكاملات والاستواءات المعتدلات والمعارف اللؤلؤيات واليواقيت
العاليات، والجمع بين الأنوار والأسرار الساريات ومعالم التأسيسات وأنفاس النور الجاريات

٢١٨
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
وخلع الأرواح المدبرات وإيضاح الأمور المبهمات وحل المسائل المشكلات وحسن إيقاع
السماع في النغمات وتوالي الواردات وترادف التنزلات الغيبيات وارتقاء المغاني الروحانيات
إلى أوج الانتهاءات، ودفع العلل بالعلالات النافعات، والكلمات المستحسنات، والأعراف
العطريات، وأمثال ذلك مما يطول ذكره، قد ذكرنا منه طرفاً في الباب السادس والأربعين من
كتاب التنزلات الموصليات، وخلق عند مساعدته النفس الكل تحريك الفلك الأثير لتسخين
العالم بهذه الحركات، وأسكن في هذا الفلك إدريس النبي المخصوص بالمكان العلي، ثم
أدار في جوف هذه الفلك فلكاً سابعاً خلق فيه كوكباً سابحاً من الخنس الكنس أودع لديه
التصوير التام وحسن النظام والسماع الشهي والمنظر الرائق البهي والهيبة والجمال والأنس
والجلال، وخلق عند مساعدته النفس الكل تقطير ماء رطب من ركن البخارات، وأسكن في
هذا الفلك روحانية النبي الجميل التام يوسف عليه السلام. ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكاً
ثامناً خلق فيه كوكباً سابحاً من الخنس الكنس أودع لديه الأوهام والاليهام والوحي والإلهام
ومهالك الآراء الفاسدة والقياسات، والأحلام الرديئة والمبشرات والاختراعات الصناعيات
والاستنباطات العمليات، وما في الأفكار من الغلطات والإصابات، والقوى الفعالات
والوهميات والزجر والكهانات والفراسات، والسحر والعزائم والطلسميات، وخلق عند
مساعدته النفس الكل مزج البخارات الرطبة بالبخارات اليابسات، وأسكن في هذا الفلك
روحانية روحه وكلمته عيسى عليه السلام عبده ورسوله وابن أمته. ثم أدار في جوف هذا
الفلك فلكاً آخر تاسعاً خلق فيه كوكباً سابحاً أودع الله لديه الزيادة والنقصان والربو
والاستحالات بالاضمحلالات، وخلق عند مساعدته النفس الكل إمداد المولدات بركن
العصارات، وأسكن في هذا الفلك روحانية نبيه آدم عليه السلام عبده ورسوله وصفیه،
وأسكن هذه الأفلاك المستديرات أصناف الملائكة الصافات التاليات، فمنها القائمات
والقاعدات، ومنها الراكعات والساجدات كما قال تعالى إخباراً عنهم: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ
مَعْلُومٌ ﴾ [الصافات: ١٦٤] فهم عمار السموات، وجعل منهم الأرواح المطهرات المعتكفين
بأشرف الحضرات، وجعل منهم الملائكة المسخرات والوكلاء على ما يخلقه الله من
التكوينات، فوكل بالأرجاء الزاجرات وبالأنباء المرسلات وبالإلهام واللمات الملقيات،
وبالتفصيل والتصوير والترتيب المقسمات، وبالترغيب والترحيب الناشرات، وبالترهيب
الناشطات، وبالتشتيت النازعات، وبالسوق السابحات، وبالاعتناء السابقات، وبالأحكام
المدبرات. ثم أدار في جوف هذا الفلك كرة الأثير أودع فيها رجوم المسترقات الطارقات، ثم
جعل دونه كرة الهواء أجرى فيه الذاريات العاصفات السابقات الحاملات المعصرات، وموج
فيه البحور الزاخرات الكائنات من البخارات المستحيلات يسمى دائرة كرة الزمهرير تتعلم منه
صناعة التقطيرات، وأمسك في هذه الكرة أرواح الأجسام الطائرات، وأظهر في هاتين الكرتين
الرعود القاصفات، والبروق الخاطفات، والصواعق المهلكات، والأحجار القاتلات،
والجبال الشامخات، والأرواح الناريات الصاعدات النازلات والمياه الجامدات، ثم أدار في

٢١٩
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
جوف هذه الكرة كرة أودع فيها سبحانه ما أخبرنا به في الآيات البينات من أسرار إحياء
الموات، وأجرى فيها الأعلام الجاريات، وأسكنها الحيوانات الصامتات، ثم أدار في جوفها
كرة أخرى أودع فيه ضروب التكوينات من المعادن والنباتات والحيوانات، فأما المعادن
فجعلها عز وجلّ ثلاث طبقات منها المائيات والترابيات والحجريات، وكذلك النبات منها
النابتات والمغروسات والمزروعات، وكذلك الحيوانات منها المولدات المرضعات
والحاضنات والمعفنات، ثم كون الإنسان مضاهياً لجميع ما ذكرناه من المحدثات، ثم وهبه
معالم الأسماء والصفات فمهدت له هذه المخلوقات المعجزات ولهذا كان آخر الموجودات،
فمن روحانيته صح له سر الأولية في البدايات، ومن جسميته صح له الآخرية في الغايات، فبه
بدىء الأمر وختم إظهاراً للعنايات وأقامه خليفة في الأرض لأن فيها ما في السموات، وأيده
بالآيات والعلامات والدلالات والمعجزات، واختصه بأصناف الكرامات، ونصب به القضايا
المشروعات ليميز الله به الخبيثات من الطيبات، فيلحق الخبيث بالشقاوات في الدركات،
ويلحق الطيب بالسعادات في الدرجات كما سبق في القبضتين اللتين هما صفتان للذات،
فسبحان مبدىء هذه الآيات وناصب هذه الدلالات على أنه واحد قهار الأرض والسموات:
فهذا ترتيب نضد العالم على طريق خاص لبعض النظار أنفرد به، وسنذكر بعد القصيدة التي
أذكرها بعد هذا ما وافقونا فيه، وأما نظمنا فيه أيضاً على طريقة أخرى في الوضع الأول
فاعلم. وهذه هي القصيدة: [الكامل]
الحَمْدُ لله الذي بوُجُودِهِ
والعُنْصُرِ الأعْلَى الذي بوجوده
من غَيْر تَرْتِيبٍ فلا مُتَقَدْم
حتى إذا شاء المهيمنُ أن يَرَىّ
فَتَحَ القَدِيرُ عوالمَ الدّيوانِ
ثمِ الهَبَاءِ كذا الهُيُولَى ثم جِسْمِ قابلٍ
فأَدَارَهُ فَلَكاً عظيماً واسمّه الـ
يتلوه كرسيُّ انْقِسَام كلامِهِ
من بَعْدِهِ فَلَكُ البروجَ وبَعْدَهُ
ثم النّزولُ مع الخَلاء لمركزٍ
فأدار أرضاً ثم ماءً فوقه
مِنْ فَوْقِهِ فَلَكُ الهلال وفَوْقَهُ
مِنْ فَوْقِهِ فَلَكٌ لِزُهْرَةَ فَوْقَهُ
مِنْ فَوْقه المِرِّيخُ ثم المُشْتري
ولكلّ جسم ما يشاكلُ طَبْعَهُ
فهُمُ الملائكةُ الكرامُ شعارُهم
ظَهَرَ الوُجُودُ وعَالَمُ الهِيمَانِ
ظهرتْ ذواتُ عوالم الإمكانِ
فيه ولا مُتَأخّرٍ بالآنِ
ما كان معلوماً من الأكوانِ
بوُجُودِ رُوحٍ ثم رُوحٍ ثاني
لعوالم الأفلاك والأزكان
ـعَزْشُ الكريمُ ومستوى الرحمنِ
فتَلُوحُ من أقسامه القَدَمَانِ
فَلَكُ الكواكب مصدرُ الأزمانِ
ليُقِيم فيه قواعدَ البُنْيانِ
كُرَةُ الهواء وعُنْصُرُ النّيرانِ
فَلَكٌ يُضاف لكاتب الدِّيوانِ
فَلَكُ الغزالة مصدرُ المَلَوَانِ
ثم الذي يُغْزَى إلى كيوَانِ
خَلْقٌ يُسمّى العَالمَ النُّوراني
حِفْظُ الوجود من اسْمِهِ المِحسانِ

٢٢٠
في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية
فتحرَّكتْ نحو الكمال فوَلَّدَتْ
ثم المَعَادنَ والثَّبَاتَ وبعده
والغايةُ القُصْوَى ظهورُ جسومنا
لما اسْتَوَتْ وتَعَدَّلَتْ أركانُهُ
وكساهُ صُورَتَهُ فعاد خليفةً
وبدورة الفَلَكِ المُحيط وحكمه
في جَوْف هذا الأرضِ ماءً أَسْوَداً
يجري على مَثْن الرياح وعندها
دارت بصخرة مرکز سلطانه الـ
عند التحرُّك عَالَمَ الشيطانِ
جاءت لنا بعوالم الحَيَوانِ
في عالم التركيب والأبدان
نَفَخَ الإِلْهُ لطيفةَ الإنسان
يَعْنُو له الأملاكُ والثَّقَلانِ
أبدى لنا في عالم الحَدَثَانِ
نَثْناً لأهل الشرك والطُّغْيان
ظُلُمَاتُ سُخْطِ القاهر الدَّيَّانِ
ـروح الإلهيُّ العظيمُ الشَّانِ
فهذا ترتيب الوضع الذي أنشأ الله عليه العالم ابتداء.
اعلم أن التفاضل في المعلومات على وجوه أهمها التأثير، فكل مؤثر أفضل من أكثر
المؤثر فيه من حيث ذلك التأثير خاصة، وقد يكون المفضول أفضل منه من وجه آخر،
وكذلك فضل العلة على معلولها، والشرط على مشروطه، والحقيقة على المحقق، والدليل
على المدلول من حيث ما هو مدلول له لا من حيث عينه، وقد يكون الفضل بعموم التعلق
على ما هو أخص تعلقاً منه كالعالم والقادر، ولما كان الوجود كله فاضلاً مفضولاً أدى ذلك
إلى المساواة وأن يقال: لا فاضل ولا مفضول بل وجود شريف كامل تام لا نقص فيه ولا
سيما وليس في المخلوقات على اختلاف ضروبها أمر إلا وهو مستند إلى حقيقة ونسبة إلهية،
ولا تفاضل في الله لأن الأمر لا يفضل نفسه، فلا مفاضلة بين العالم من هذا الوجه وهو الذي
يرجع إليه الأمر من قبل ومن بعد، وعليه عوّل أهل الجمع والوجود، وبهذا سموا أهل الجمع
لأنهم أهل عين واحدة كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَحِدَةٌ﴾ [القمر: ٥٠] ومن كشف
الأمر على ما هو عليه علم ما ذكرناه في ترتيب العالم في هذا الباب فإنه متنّوع المساق ففي
الخطبة ترتيب ليس في المنظوم وكذلك سائر ما ذكرناه في الباب.
وصل في ذكر ما في هذا المنزل من العلوم: فمن ذلك علم الاتصال الكوني والانفصال
الإلهيّ والكوني. وفيه علم تنزيه الحق مع ثبوت النزول والمعية عما للنزول والمعية من
الحركة والانتقال. وفيه علم الفرقان بين الكتب المنزلة من عند الله وإن كانت كلها كلام الله،
ولماذا تكثرت وتعدّدت آياتها وسورها هل لكونها كلاماً أو لكونها متكلماً بها؟ وفيه علم
افتراق الناس إلى مؤمن بكذا وغير مؤمن به. وفيه علم الملأ الأعلى. وفيه علم الآجال. وفيه
علم حكمة التفضيل في العالم. وفيه علم انتشاء الفروع من أصل واحد. وفيه علم قول
القائل : [السريع]
أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ في وَاحِدٍ
وما على الله بمُسْتَشْكَرٍ
وهذا هو علم الإنسان الكامل الجامع حقائق العالم وصورة الحق سبحانه وتعالى. وفيه
علم الفرق بين المبدأ والمعاد وما معنى المعاد هل هو أمر وجودي أو نسبة مرتبة كوالٍ يعزل