النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود القادر وغير القادر والكاسب، فأعظم الإقبال وأعلاه من يكون إقباله على الله عين نفسه الخارج وصدوره عن الله وهو عين إقباله عين نفسه الداخل، فهو مقبل على الله من كونه محيطاً بالنفس الخارج، ومقبل على الله في صدوره بنفسه الداخل من كون الحق وسعه قلبه فيكون مستفيداً في كل نفس بين اسم إلهيّ ظاهر وبين اسم إلهيّ باطن، فالنفس الخارج إلى الحق المحيط الظاهر ليريه عين الحق في الآيات في الآفاق، والنفس الداخل إلى الحق الباطن ليريه عين الحق في نفسه، فلا يشهد ظاهراً ولا باطناً إلا حقاً، فلا يبقى له في ذاته اعتراض في فعل من الأفعال إلا بلسان حق لإقامة أدب، فالمتكلم والمكلم عين واحدة في صورتين بإضافتين. ثم لتعلم يا ولي أن الله لما خلق العالم وملأ به الخلاء لم يبق في العالم جوهر يزيد ولا ينقص فهو بالجوهر واحد، غير أن هذا الجوهر الذي قد ملأ الخلا لا يزال الحق تعالى فيه خلاقاً على الدوام بما يفتح فيه من الأشكال ويلطف فيه من الكثائف ويكثف فيه من اللطائف ويظهر فيه من الصور ويحدث فيه من الأعراض من أكوان وألوان، ويميز كل صورة فيه من الكثائف بما يوجده فيها من الصفات، وعلى الصورة التي تفتح فيه تقع الحدود الذاتية والرسمية، وفيه تظهر أحكام النسب والإضافات، فما أحدث الله بعد ذلك جوهراً لكن يحدث فيه، فإذا علمت هذا فاعلم من تقع عليه العين وما هي عليه العين، وما تسمعه الأذن وما هي الأذن، وما يصوت به اللسان وما هو الصوت، وما تلمسه الجوارح وما هي الجارحة، وما يذوق طعمه الحنك وما هو الحنك، وما يشمه الأنف وما هو الأنف، وما يدركه العقل وما هو العقل، وما هو السمع والبصر والشم والطعم واللمس والحس، وما هو المتخيل والمتخيل والخيال، وما هو التفكر والمتفكر والفكر والمتفكر فيه، وما هو المصوّر والمصوّر والصورة، والذاكر والذكر والمذكور، والوهم والمتوهم والتوهم والمتوهم فيه، والحافظ والحفظ والمحفوظ، وما هو المعقول. فما يحصل لك إلا علم بأعراض ونسب وإضافات في عين واحدة هي الواحدة والكثيرة، وعليها تنطلق الأسماء كلها بحسب ما أحدث الله فيها مما ذكرناه وهي بالذات عين هذا الجوهر الذي ملأ الخلاء وقابل لكل ما ذكرناه، وفيه يظهر الجوهر الصوري والعرض والزمان والمكان، وهذه أمهات الوجود ليس غيرها، وما زاد عليها فإنه مركب منها من فاعل ومنفعل وإضافة ووضع وعدد والكيف. ومن هنا يعرف هل تقوم المعاني بالمعاني أو الجوهر القابل للمعنى الذي يظن أن المعنى الآخر قائم به إنما هو قائم بالجوهر الذي قام به المعنى الموصوف مثل إشراق السواد فتقول: سواد مشرق، أو علم حسن، أو خلق كريم، أو حمرة في بياض مشربة به، فإذا علمت هذا علمت من أنت وما هو الحق الذي جاد عليك بما ذكرناه كله وأشباهه، وعلمت أنه لا يمكن أن يماثله شيء من خلقه مع معقولية المناسبة التي ربطت وجودك بوجوده وعينك بعينه، كما ربط وجود علمك به بعلمك بك في قوله: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ)) فإن أعرف الخلق بالخلق أعرفهم بالله، وعلمت أحدية الواحد من أحدية الكثرة، وانحصار الوجود قديمه وحديثه فيماذا الفتوحات المكية ج٦ - م١١ ١٦٢ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود ينحصر، وتمييز القديم من المحدث بماذا يتميز وما ينسب إلى القديم الأزلي من الأسماء والأحكام، وما ينسب إلى الملخوق المحدث من الأسماء والأحكام، ولماذا يرجع عين العالم؟ وما يشهد من الحق إذا تجلى لك ورأيته، ولماذا يرجع اختلاف التجلي وتغايره هل لتغير إدراكك في عين واحدة تختلف رؤيتك فيه وهو غير متنوّع في نفسه، أو ذلك التنوع في التجلي راجع إلى النسبة لا إليك ولا إليه؟ فأما إليه فمحال عند أهل الله وما بقي إلا لأحد أمرين: أولهما إما إليك أو إلى أمر آخر ما هو هو ولا هو أنت وهكذا تشهده، فما كل من رأى عرف ما رأى، وما حار أهل الحيرة سدى، فإن الأمر عظيم والخطب جسيم، والمشهد عام والوجود طام، والكمال حاصل والعلم فاصل، والحكم نازل، والتجدد مع الأنفاس في الأكوان معقول، وما يقال على الحق منقول بين معقول وغير معقول، وليس يدرك هذه الأغوار إلا أهل الأسرار والأنوار وأولو البصائر والأبصار، فمن انفرد بسر بلا نور أو بنور بلا سر، أو ببصيرة دون بصر أو ببصر دون بصيرة، أو بظاهر دون باطن أو بباطن دون ظاهر كان لما انفرد به ولم يحصل على كمال وإن اتصف به وإن كان تاماً فيما هو عليه ولكن الكمال هو المطلوب لا التمام، فإن التمام في الخلق والكمال فيما يستفيده التام ويفيده، ومتى لم تحصل له هذه الدرجة مع تمامه فإن الله أعطى كل شيء خلقه فقد تمَّ ثم هدى لاكتساب الكمال، فمن اهتدى فقد كمل، ومن وقف مع تمامه فقد حرم، رزقنا الله وإياكم الفوز والوصول إلى مقام العجز إنه الولي المحسان . الوصل الثاني والعشرون من خزائن الجود: وهذه خزانة الفترات فتوهم انقطاع الأمور وما هي الأمور منقطعة وما يصح أن تنقطع لأن الله لا يزال العالم محفوظاً به فلا يزال حافظاً له، فلو انقطع الحفظ لزال العالم، فإن الله ما هو غني عن العالم إلا لظهوره بنفسه للعالم فاستغنى أن يعرف بالعالم فلا يدل عليه الغير بل هو الدليل على نفسه بظهوره لخلقه، فمنهم من عرفه وميزه من خلقه، ومنهم من جعله عين خلقه، ومنهم من حار فيه فلم يدر أهو عين خلقه أم هو متميز عنه؟ ومنهم من علم أنه متميز عن الخلق والخلق متميز عنه ولكن لا يدري بماذا تميز خلق عن حق ولا حق عن خلق، ولهذا حار أبو يزيد، فإنه علم أن ثم في الجملة تمييزاً وما عرف ما هو حتى قال له الحق التمييز في الذلة والافتقار فحينئذ سكن وما قال له النصف الآخر من التمييز وهو الغني الإلهيّ عن العالم. فإن قلت: الذلة والافتقار يغني. قلنا: في المشاهدة لا يغني لما نشاهده من الذلة لذليل، ومن الافتقار الفقير، فإن الله قد جعل العالم على مراتب ودرجات مفتقراً بعضه إلى بعض، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً فجعل العالم فاضلاً مفضولاً. ولما كان الأمر الحق فيما نبه الله عليه أبا يزيد نبهنا بذلك على علم قوله: ﴿يََّيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] أي المثني عليه بكل ما يفتقر إليه، فالعالم كله أسماؤه الحسنى وصفاته العليا فلا يزال الحق متجلياً ظاهراً على الدوام لأبصار عباده في صور مختلفة عند افتقار كل إنسان إلى كل صورة منها، فإذا استغنى من استغنى عن تلك فهي عند ذلك المستغنى خلق، فإذا عاد ١٦٣ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود افتقاره إليها فهي حق واسمها هواسم الحق وفي الظاهر لها، فيتخيل المحجوب أنه افتقر إليها وذل من أجل حاجته إليها، وما افتقر وذل إلا لله الذي بيده ملكوت كل شيء، فالناس في واد والعماء بالله في واد. وأما التفاضل الظاهر في العالم فمجهول عند بعض الناس ومعلوم عند بعضهم، ومنهم المخطىء فيه والمصيب، وذلك أن العالم قسمه الله في الوجود بين غيب وشهادة وظاهر وباطن وأوّل وآخر، فجعل الباطن والآخر والغيب نمطاً واحداً، وجعل الأوّل والظاهر والشهادة نمطاً آخر، فمن الناس من فضل النمط الذي فيه الأولية، ومن الناس من فضل النمط الذي فيه الآخرية، ومن الناس من سوّى مطلقاً، ومن الناس من قيد وهم أهل الله خاصة فقالوا: النمط الذي فيه الآخرية في حق السعداء خير وفي حق الأشقياء ما هو خير، وأن أهل الله تعلقهم بالمستقبل أولى من تعلقهم بالماضي، فإن الماضي والحال قد حصلا والمستقبل آت فلا بد منه فتعلق الهمة به أولى، فإذا ورد عن همة متعلقة به كان لها لا عليها، وإذا ورد عن غير همة متعلقة به كان إما لها وإما عليها، وإنما أثر فيه تعلق الهمة أن يكون لها لا عليها لما يتعلق من صاحب الهمة من حسن الظن بالآتي والهمم مؤثرة، فلو كان إتيانه عليه لا له لعاد بالهمة له لا عليه، وهذه فائدة من حافظ عليها حاز كل نعيم، فإذا ورد الآتي على ذي همة متعلقة بإتيانه بادر إلى الكرامة به والتأدب معه على بصيرة وسكون وحسن تأن في ذلك، بخلاف من يفجأه الآتي فيدهش ويحار في كيفية تلقيه ومعاملته وهو سريع الزوال، فربما فارق الحال ومضى وما قام صاحب الدهش بحقه وبما يجب عليه من الأدب معه، بخلاف المستعد غير أن المستعد للآتي لا بد إن كان كاملاً أن يحفظ الماضي فإنه إن لم يحفظه فاته خيره. وقد جعل الله في العبد من خزائن الجود خزانة الحفظ فيكون عليه جعله في تلك الخزانة فهو صاحب حال في الحال وفي الماضي، فما يبقى له إلا الآتي مع الأنفاس، فلا تزال القوّة الحافظة على باب خزانة الحفظ تمنع أن يخرج منها ما اختزنته فيها وتأخذ ما فارق الحال فتخزنه فيها، ولهذه القوّة الحافظة سادنان: الواحد الذكر وقد وكلته بحفظ المعاني المجرّدة عن المواد. والسادن الآخر الخيال وقد وكلته بحفظ المثل في تلك الخزانة وبقيت هي مشتغلة بقبول ما يأتي إليها عند مفارقة زمان الحال وحكم الزمان الماضي على هذا الآتي فتأخذه فتلقيه في الخزانة خزانة الحفظ، وإنما سميت خزانة الحفظ لأنها تحفظ على الآتي زمان الحال وهو الدائم، فلا يحكم عليه الزمان الماضي بخلاف من ليس له هذا الاستعداد ولا هذا التهيؤ، فإن الماضي يأخذه فينساه العبد فلا يدري أين ذهب، وهو الذي يستولي عليه سلطان الغفلة والسهو والنسيان فيكون الحق يحفظه له أو عليه، والعبد لا يشعر لهذا الحفظ الإلهيّ بل أكثر العبيد لا كلهم وهو قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] وقال تعالى أيضاً فى كتابه: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَاً وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] فالعبد الكامل رب الحفظ يحضر والغافل الذي لا حفظ له يحضر له فبين الرجلين بون بعيد، فالحكم العام إنما هو لزمان الحال وهو الدائم يحضر المستقبل قبل إتيانه ويمسك ما أتى به الماضي، فإن الزمان ١٦٤ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود صورة روحها ما يأتي به لا غير، فزمان الحال حيّ بحياة كل زمان لأنه الحافظ والضابط لكل ما أتى به كل زمان. ولما كانت الأزمنة ثلاثة كانت الأحوال ثلاثة حال اللين والعطف فإنه يأتي باللين ما يأتي بالقهر والفظاظة، ولا يأتي بالقهر ما يأتي باللين فإن القهر لا يأتي بالرحمة والمودة في قلب المقهور، وباللين ينقضي المطلوب وتأتي بالمودة فتلقيها في قلب من استملته باللين وصاحب اللين لا يقاوم فإنه لا يقاوم لما يعطيه اللين من الحكم، والحال الثاني حال هداية الحائر فإن الحائر إذا سأل يسأل إما بحاله وإما بقوله، فإن العالم بما حار فيه يجب عليه أن يبين له ما حار فيه، فإن كان المسؤول فيه مما تكون حقيقة الحيرة فيه أبان له هذا العالم أن العلم به أنه يحار فيه فأزال عنه الحيرة في الحيرة، وإن كانت من العلوم التي إذا بينت زالت الحيرة فيه وبان بيان الصبح لذي عينين أبانه له فعلمه فأزال عنه الحيرة ولا يرده ولا يقول له ليس هذا عشك فادرج ولا سألت ما لا يعطيه مقامك، فإن الإنسان إذا قال مثل هذا القول لمن سأله عن علم ما فليس بعالم وهو جاهل بالمسألة، وبالوجه الذي ينبغي من هذه المسألة أن يقابل به هذا السائل والعلم وسوء الخلق لا يجتمعان في موفق، فكل عالم فهو واسع المغفرة والرحمة، وسوء الخلق إنما هو من الضيق والحرج وذلك لجهله فلا يعلم قدر العلم إلا العلماء بالله فله السعة التي لا نهاية لها مدداً ومدة. ولقد شفعت عند ملك في حق شخص أذنب له ذنباً اقتضى ذلك الذنب في نفس ما يطلبه الملك أن يقتل صاحبه فإن الملك يعفو عن كل شيء إلا عن ثلاثة أشياء فإنه لا يعفو عنها إذ لا عفو فيها، وما يتفاضل الملوك فيها إلا في صورة العقوبة، والثلاثة الأشياء التي لا عفو فيها عند الملوك: التعرّض للحرم، وإفشاء سره، والقدح في الملك، وكان هذا الشخص قد جاء لهذا الملك بما يقدح في الملك فعزم على قتله فلما بلغتني قصته تعرّضت عند الملك للشفاعة فيه أن لا يقتله فتغير وجه الملك وقال: هو ذنب لا يغفر فلا بد من قتله فتبسمت وقلت له: أيها الملك والله لو علمت أن في ملكك ذنباً يقاوم عفوك ويغالبه ما شفعت عندك ولا اعتقدت فيك أنك ملك، والله إني من عامة المسلمين والله ما أرى في العالم كله ذنباً يقاوم عفوي، فتحير من قولي ووقع لي بالعفو عن ذلك الشخص فقلت له: فاجعل عقوبته إنزاله عن الرتبة التي أوجبت له عندك أن تطلعه على أسرارك حتى ركب مركباً يقدح في الملك، فإني كما كنت له في دفع القتل عنه أنا أيضاً للملك معين فيما يدفع عن القدح في ملكه، ففرح الملك بذلك وسرّ وقال لي: جزاك الله خيراً عني، ثم صعد من عندي إلى قلعته وأخرج ذلك المحبوس وبعث به إليّ حتى رأيته فوصيته بما ينبغي وتعجبت من عقل الملك وتأدبه وشكرته على صنيعه. والحال الثالث إظهار المنعم عليه نعمة المنعم عليه، فإن إظهارها عين الشكر وحقه، وبمثل هذا يكون المزيد كما يكون بالكفران لها زوال النعم والكفران سترها فإن الكفر معناه الستر قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةٌ كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةٌ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ وهذا غاية النعم من المنعم ﴿فَكَفَرَتْ﴾ يعني الجماعة التي أنعم عليها المنعم بهذه النعم ﴿يَأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ اُلْجُوعِ﴾ بإزالة الرزق ﴿ وَالْخَوْفِ﴾ بإزالة الأمن ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] من ستر ١٦٥ في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود النعم وجحدها والأشر والبطر بها، وقال تعالى: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وقال: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] هذا مع غناه عن العالمين، فكيف بالفقير المحتاج إذا أنعم على مثله من نعمة الله التي أعطاه إياه وامتن عليه بها فهو أحوج إلى الشكر وأفرح به من الغنيّ المطلق الغنى عن العالمين، وهذه خزانة شريفة العلم بها شريف ومقامها مقام منيف. الوصل الثالث والعشرون من خزائن الجود: وهذه خزانة الاعتدال وإعطاء كل ذي حق حقه، فهي خزانة العدل لا خزانة الفضل، من هذه الخزانة يقيم الله العدل في العالم بين عباده وهي خزانة ينقطع حكمها ويغلق بابها، وأن خزانة الفضل تنعطف عليها و﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ﴾ لما فيه من الفضل لمن أخذ له بالحق ﴿وَاَلْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠] معطوف على العدل في الأمر به، فيكون من ظهر فيه سلطان العدل وأخذ بجريمته أن يعطف عليه بالإحسان فينقضي أمر المؤاخذة ولا ينقضي أمد الإنعام والإحسان، وقد يكون الإحسان ابتداء وجزاء للإحسان الكوني كما جاء في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقوله سبحانه: ﴿لِلَِّينَ أَحْسَنُواْ الُْسْنَى﴾ جزاء ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] الإحسان بعد العدل والإحسان قبل المؤاخذة ﴿وَحَزَّوُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ ولم يجاز بالسيئة على السيئة فهو أولى ﴿فَأَجْرُمُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] أي هذه صفة الحق فيمن عفى عنه فيما هو حق له معرى عن حق الغير، فإقامة العدل إنما هو في حق الغير لا فيما يختص بالجناب الإلهيّ، فما كان الله ليأمر بمكارم خلق ولا يكون الجناب الإلهيّ موصوفاً به، ولهذا جعل أجر العارفين عن الناس على الله، وهذه الخزانة أرسلت حجب الأسرار دون أعين الناس وهو ما أخفى الحق عنهم من الغيوب وهو قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٧٣] فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه لا يحيط من علم غيب الله إلا بما شاء الله، كما رفعت الستور وانكشفت الأنوار فأدركت البصائر بها كل معقول وأدركت الأبصار بها كل مبصر فأحاط العقل بهذه الأنوار كلما يمكن أن يدرك عقلاً، وأحاط البصر بهذه الأنوار كلما يمكن أن يدرك حساً، وهذا لخصوص عباده المصطفين الأخيار، فلهم الكشف الدائم للخلق الجديد، فلا يتناهى كشفهم كما لا يتناهى الخلق الجديد في العالم. ثم إن هذه الخزانة تعطي في العلم الإلهيّ علم الفاعل والفعل والمفعول والمفعول فيه والمفعول به والمفعول معه فيقف على التكوين الإلهيّ والتكوين الكياني، فيعلم أن لكل فاعل طريقاً يخصه في نسبة الفعل إليه، فأما أهل الكرم والجود على الغير فإن الله يمكنه من أسباب الخير ويهون عليه الشدائد ويرفع عنه الأمور المحرجة ويخرجه من الظلمات إلى النور، ومن الضيق إلى السعة، ومن الغيّ إلى الرشد. وأما من نظر في الحقائق ورأى نفسه أحق بنظره إليها من نظره إلى غيره وأن نظره إلى غيره إنما جعله الله ليعود بما فيه من الخير على نفسه فغفل عن كل شيء سواه فشغل نفسه بنفسه وصرف همته إلى عينه وأعطاها من كل شيء أعطاه الحق حقها فاستغنى بربه وكشف له عن ذاته ورأى جمع العالم في حضرته ورأى الرقائق بينه وبين كل جزء من العالم، فعمد يحسن إلى العالم من نفسه على تلك الرقيقة التي بين ١٦٦ في المنازل/ الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد ما يناسب من العالم وبين المناسب له، فيوصل الإحسان لكل ما في العالم بهمته من الغيب كما يوصله الحق من الأسباب فيجهله العالم لأنه لا يشهده في الإحسان كما يجهل الحق بالأسباب فيقول: لولا كذا ما كان كذا، ونسي الحق في جنب السبب فلا بد أن ينسى هذا العبد الكامل، وكما أن الله عباداً وإن وقفوا مع الأسباب يقولون هذا من عند الله ليس للسبب فيه حكم، كذلك الله عباد يقولون هذا ببركة فلان وهمته ولولا همته ما جرى كذا وما دفع الله عنا كذا، ومنهم يقول ذلك عقداً وإيماناً ومنهم من يقول ذلك عن غلبة ظنّ، فهذا عبد قد أقامه الحق في قلوب عباده مقامه في الحالين، فالناس ينطقون بذلك ولا يعرفون أصله. وقد ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله وَ ل# قال لأصحابه من الأنصار في واقعة وقعت في فتح مكة في غزوة حنين فقال لهم: (أَلَمْ تَكُونُوا ضُلاَّلاَ فَهَدَاكُمُ الله بِي)) فَذَكَرَ نَفْسَهُ «وَوَجَدْتُكُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ الثَّارِ فَأَنْقَذَكُمُ الله بِي؟)) وهذا معنى قول الناس: هذا ببركة فلان وهذا بهمة فلان، وقولهم: اجعلني في خاطرك وفي همتك ولا تنساني وأشباه هذا، فمن أعرض عن هذه المشاهدة ولم يفرق بين المشهود والشاهد فذلك الحائر الخاسر، كما أن الآخر هو الرابح في تجارته المقسط بصفقته. والرابحون انقسموا إلى قسمين: إلى عاملين على الجزاء وإلى عاملين على الوفاء، فالعاملون على الجزاء لهم نعوت تخصهم، والعاملون على الوفاء على قسمين: عمال لا عمال، وعمال عمال، والعمال العمال على قسمين: عمال بحق وعمال بأنفسهم وكلاهما قائل بالجزاء، والعمال لا عمال يرون الجزاء للعمل لا للعامل، والعمل لا يقبل نعيم الجزاء فيعود عليهم جزاء العمل، وأما جزاء العامل فهم يرون العامل هو الله، وليس بمحل للجزاء لأن الجزاء على قدر العامل فيحصلون على الجزاء الإلهيّ وهو القصور عن الوفاء بما يستحقه العامل فهو جزاء لما قام بالعلماء بالله في الثناء عليه بمحامده وهو قول النبيّ مَ: ((لا أُخْصِي ثَنَاءَ عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) وَلْكِنْ عِنْدَ مَنْ عِنْدَ نَفْسِكَ أَوْ عِنْدَ خَلْقِكَ؛ فانظر فيما نبهتك عليه فإنه ينفعك إن قبلت مقالتي وأصغيت إلى نصيحتي، وهذا وصل الكلام فيه يطول جداً فإنه يحوي على أسرار وأنوار ومزج واختلاط وتخليص وتمييز وما يردي وما ينجي، ويكتفى بهذا القدر من هذا الباب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد وسرّ وسرّين من أسرار الوجود والتبدل وهو من الحضرة المحمدية [نظم: البسيط] مِثْلُ الزّيادة في الأنعام يا رَجُلُ إنّ الزّيادة في الأعمال صُورَتُها وليس يعرفُها إلا رجالُ حِجّى وليس يَخصُرُها عَدُّ ولا أَجَلُ مُحَقّقٍ ولنا في مَكْرِهِ أَمَلُ لله في طَيِّها مَكْرٌ لذِي نَظَرٍ فإنه صادرٌ من سرّ حَضْرتِهِ وليس يَعْصمُ إلا العلمُ والعَمَلُ ١٦٧ في المنازل/ الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد للناظرين به قد جاءنا المَثَلُ إنّ الفُرُوعَ لها أصْلّ يُبَيْنُها اعلم أن الحكمة في الأشياء كلها والأمور أجمعها إنما هو للمراتب لا للأعيان وأعظم المراتب الألوهية وأنزل المراتب العبودية، فما ثم إلا مرتبتان، فما ثم إلا رب وعبد، لكن للألوهة أحكام كل حكم منها يقتضي رتبة، فإما يقوم ذلك الحكم بالإله فيكون هو الذي حكم على نفسه وهو حكم المرتبة في المعنى، ولا يحكم بذلك الحكم إلا صاحب المرتبة لأن المرتبة ليست وجود عين وإنما هي أمر معقول ونسبة معلومة محكومة بها ولها الأحكام وهذا من أعجب الأمور تأثير المعدوم. وإما أن يقوم ذلك الحكم بغيره في الموجود إما أمراً وجودياً، وإما نسبة فلا تؤثر إلا المراتب. وكذلك للعبودة أحكام كل حكم منها رتبة، فإما يقوم ذلك الحكم بنفس العبد فما حكم عليه سوى نفسه كأنه نائب عن المرتبة التي أوجبت له هذا الحكم أو يحكم على مثله أو على غيره وما ثم إلا مثل أو غير في حق العبد، وأما في الإله فما ثم إلا غير لا مثل فإنه لا مثل له، فأما الأحكام التي تعود عليه من أحكام الرتبة وجوب وجوده لذاته والحكم بغنائه عن العالم وإيجابه على نفسه بنصر المؤمنين بالرحمة ونعوت الجلال كلها التي تقتضي التنزيه ونفي المماثلة. وأما الأحكام التي تقتضي بذاتها طلب الغير فمثل نعوت الخلق كلها وهي نعوت الكرم والإفضال والجود والإيجاد فلا بد ((في من)) و((على من)) فلا بد من الغير وليس إلا العبد، وما منها أثر يطلب العبد إلا ولا بد أن يكون له أصل في الإله أوجبته المرتبة لا بد من ذلك، ويختص تعالى بأحكام من هذه المرتبة لا تطلب الخلق كما قرّرنا، ومرتبة العبد تطلب من كونه عبداً أحكاماً لا تقوم إلا بالعبد من كونه عبداً خاصاً فهي عامة في كل عبد لذاته، ثم لها أحكام تطلب تلك الأحكام وجود الأمثال ووجود الحق، فمنها إذا كان العبد نائباً وخليفة عن الحق أو خليفة عن عبد مثله فلا بد أن يخلع عليه من استخلفه من صفاته ما تطلبه مرتبة الخلافة لأنه إن لم يظهر بصورة من استخلفه وإلا فلا يتمشى له حكم في أمثاله، وليس ظهوره بصورة من استخلفه سوى ما تعطيه مرتبة السيادة، فأعطته رتبة العبودة ورتبة الخلافة أحكاماً لا يمكن أن يصرفها إلا في سيده والذي استخلفه، كما أن له أحكاماً لا يصرفها إلا فيمن استخلف عليه، والخلافة صغرى وكبرى، فأكبرها التي لا أكبر منها الإمامة الكبرى على العالم، وأصغرها خلافته على نفسه، وما بينهما ينطلق عليها صغرى بالنسبة إلى ما فوقها وهي بعينها كبرى بالنظر إلى ما تحتها، فأما تأثير رتبة العبد في سيده فهو قيام السيد بمصالح عبده ليبقى عليه حكم السيادة، ومن لم يقم بمصالح عبده فقد عزلته المرتبة، فإن المراتب لها حكم التولية والعزل بالذات لا بالجعل كانت لمن كانت. وأما التأثير الذي يكون للعبد من كونه خليفة فيمن استخلفه كان المستخلف ما كان أن يبقى له عين من استخلفه عليه لينفذ حكمه فيه، وإن لم يكن كذلك فليس بخليفة ولا يصدق إذا لم يكن ثم ((على من)) ولا ((في من))، لأن الخليفة لا بد له من مكان يكون فيه حتى يقصد بالحاجات، ألا ترى من لا يقبل المكان كيف اقتضت المرتبة له أن يخلق سماء جعله عرشاً ثم ذكر أنه استوى عليه حتى يقصد بالدعاء وطلب الحوائج ولا يبقى العبد حائراً ١٦٨ في المنازل/ الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد لا يدري أين يتوجه لأن العبد خلقه الله ذا جهة فنسب الحق الفوقية لنفسه من سماء وعرش وإحاطة بالجهات كلها بقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وبقوله: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعِ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟)) ويقول عنه رسوله: ((إن الله في قِبْلَةِ المُصَلّي)» هذا كله حكم المراتب إن عَقلت، فلو زالت المراتب من العالم لم يكن للأعيان وجود أصلاً فافهم، فإذا أراد الأعلى أن يعرفه الأدنى لأن الأدنى لا قدم له في العلو والأعلى له الإحاطة بالأدنى فلا بد أن يتعرف الأعلى إلى الأدنى، ولا يمكن ذلك إلا بأن يتنزل إليه الأعلى لأن الأدنى لا يمكن أن يترقى إليه لأنه تنعدم عينه إذ لا قدم له في العلو فالأدنى أبداً لا يزال في رتبته ثابتاً، والأعلى له النزول وله الثبوت في رتبته، ومن ثبوته في رتبته حكم على نفسه بالنزول فهو ثابت في مرتبته العالية في عين نزوله لأن النزول من أحكامها، وكذلك فعل الله تعالى في سفرائه الذي هم رسله إلى خلقه من خلقه فما أرسل رسولاً إلا بلسان قومه ليبين لهم، فإذا أرسله عامة كانت العامة قومه فأعطاه جوامع الكلم وهو فصل الخطاب وما كمل إلا آدم بالأسماء، وكمال محمد رَّ بجوامع الكلم، فنزل إليهم برسالة ربهم بلسانهم ولحنهم فما دعاهم إلا بهم. ثم إنه ما شرع لهم من الأحكام إلا ما كانوا عليه، فما زادهم في ذلك إلا كونها من عند الله فيحكمون بها على طريق القربة إلى الله التورثهم السعادة عند الله، وإنما قلنا ما شرع لهم من الأحكام إلا ما كانوا عليه لأنه لم تخل أمة من الأمم على ناموس تكون عليه لمصالح أحوالها وليست إلا خمسة، فلا بد من واجب أوجبه إمامهم وواضع ناموسهم عليهم وهو الواجب والفرض عندنا، وكذلك المندوب والمحظور والمكروه والمباح لأنه لا بد لهم من حدود في الأحكام يقفون عندها عليها، وما جاءهم الشرع من عند الله إلا بهذا الذي كانوا عليه من حكم نظرهم فيما يزعمون وهو في نفس الأمر من جعل الله ذلك في نفوسهم من حيث لا يشعرون، ولذلك كان لهم بذلك أجر من الله من حيث لا يعلمون، لكن إذا انقلبوا إليه وجدوا ذلك عنده، فلما رأينا أنه ما أرسل رسولاً إلا بلسان قومه علمنا أنه ما تعرف إلينا حين أراد منا أن نعرفه إلا بما نحن عليه لا بما تقتضيه ذاته وإن كان تعرفه إلينا بنا مما تقتضيه ذاته، ولكن يختلف اقتضاء ذاته بين ما يتميز به عنا وبين ما يتعرف به إلينا. ولما كان الخلق على مراتب كثيرة وكان أكمل مرتبة فيه الإنسان كان كل صنف من العالم جزءاً بالنظر إلى كمال الإنسان، حتى الإنسان الحيوان جزء من الإنسان الكامل، فكل معرفة لجزء من العالم بالله معرفة جزئية إلا الإنسان فإن معرفته بالله معرفة العالم كله بالله، فعلمه بالله علم كلي لا علم كل، إذ لو كان علماً كُلاَّ لم يؤمر أن يقول: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] أترى ذلك علماً بغير الله؟ لا والله بل بالله، فخلق الإنسان الكامل على صورته ومكنه بالصورة من إطلاق جميع أسمائه عليه فرداً فرداً وبعضاً بعضاً لا ينطلق عليه مجموع الأسماء معاً في الكلمة الواحدة ليتميز الرب من العبد الكامل. فما من اسم من الأسماء الحسنى وكل أسماء الله حسنى إلا وللعبد الكامل أن يدعى بها كما له أن يدعو سيده بها. ومن هذه الأسماء الإلهية ما يدعوه الحق تعالى بها على طريق الثناء على ١٦٩ في المنازل/ الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد العبد وهي أسماء الرحمة واللطف والحنان، ومنها ما يدعوه بها على طريق المذمة مثل قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وكذلك كان في قومه يدعى بهذا الاسم، ودعاه الحق به هنا سخرية به على جهة الذم قال تعالى: ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هود: ٣] فلما أوجد الكامل منا على الصورة عرفه الكامل من نفسه بما أعطاه من الكمال، وكان العبد الكامل حقاً كله وفني عن عينه في نفسه لأنه قابله بذاته، وقد جعل الله له مثالاً في باب المحبة فعشق إليه ما عشق من العالم من أي شيء كان من فرس أو دار أو دينار أو درهم، فما قابله به إلا بالجزء المناسب ففني منه ذلك الجزء المناسب لعشقه في ذلك وبقي سائره صاحياً لا حكم له فيه إلا إذا عشق شخصاً مثله من جارية أو غلام فإنه يقابله بذاته كلها وبجميع أجزائه، فإذا شاهده فني فيه بكله لا بجزء منه فيغشى عليه وذلك لكونه قابله بكله، كذلك العبد إذا رأى الحق أو تخيله فني فيه عند مشاهدته لأنه على صورته فيقابله بذاته، فما بقي فيه جزء يصحو حتى يعقل به ما فني منه فيه، وهكذا كل جزء من العالم مع الحق إذا تجلى له خشع له وفني فيه، لأن كل ما هو عليه شيء من العالم هو صورة الحق لما أعطاه منه، إذ لا يصح أن يكون شيء من العالم له وجود ليس هو صورة الحق، فلا بد أن يفنى العالم في الحق إذا تجلى له، ولا يفنى الحق في الخلق لأن الخلق من الحق ما هو الحق من الخلق، فنسبة الحق إلى الخلق نسبة الإنسان إلى كل صنف من العالم ما عدا نوع الإنسان، فتفطن لما ذكرته لك من فناء كل شيء من العالم عن نفسه عند تجليه سبحانه له، ولا يفنى الحق بمشاهدة الخلق، وقد جاء الشرع بتدكدك الجبل وصعق موسى عليه السلام عند التجلي الرباني فما عرفنا من الحق إلا ما نحن عليه وفينا الكامل والأكمل، فإن الله أعطى كل شيء خلقه، فلما قرر الله هذه النعم على عبده وهداه السبيل إليها قال: ﴿إِمَا شَاكِرًا﴾ فيزيده منها لأنا قلنا إنه ما أعطاه إلا منه ما أعطاه مطلقاً ﴿وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] بنعمة فيسلبها عنه ويعذبه على ذلك، فليحترز الإنسان لنفسه في أي طريق يمشي فما بعد بيان الله بيان. وقال موسى عليه السلام لبني إسرائيل: ﴿إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنََّ اللَّهَ لَغَنِيُّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] ينبه أن الله تعالى ما أوجد العالم إلا للعالم، وما تعبده بما تعبده به إلا ليعرفه بنفسه، فإنه إذا عرف نفسه عرف ربه، فيكون جزاؤه على علمه بربه أعظم الجزاء ولذلك قال: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ولا يعبدونه حتى يعرفوه فإذا عرفوه عبدوه عبادة ذاتية، فإذا أمرهم عبدوه عبادة خاصة مع بقاء العبادة العامة الذاتية فجازاهم على ذلك فما خلقهم إلا لهم، ولهذا قال تعالى عن نفسه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ اَلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وما ذكر موسى الأرض إلا لكمالها بوجود كل شيء فيها وهو الإنسان الجامع حقائق العالم، فقوله ((في الأرض)) لأنها الذلول فهي الحافظة مقام العبودة فكأنه قال: إن تكفروا أنتم وكل عبد الله فإن الله غني عن العالمين، ولذلك جعل الله الأرض محل الخلافة ومنزلها، فكأنه كنى أي: إني جاعل في الأرض خليفة منهم لا يزول عن مقام عبوديته في نفسه، أي لا يحجبه مرتبة الخلافة بالصفات التي أمره بها عن رتبته، ولهذا جعلناه خليفة ولم نذكره بالإمامة لأن الخليفة ١٧٠ في المنازل/ الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد يطلب بحكم هذا الاسم عليه من استخلفه فيعلم أنه مقهور محكوم عليه فما سماه إلا بما له فيه تذكرة لأنه مفطور على النسيان والسهو والغفلة فيذكره اسم الخليفة لمن استخلفه، فلو جعله إماماً من غير أن يسميه خليفة مع الإمامة ربما اشتغل بإمامته عمن جعله إماماً بخلاف خلافته، لأن الإمامة ليست لها قوة التذكير في الخلافة فقال في الجماعة الكمل ﴿جَعَلَكُمْ خَيِفَ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩] فوقع هذا في مسموعهم فتصرفوا في العالم بحكم الخلافة. وقال لإبراهيم عليه السلام بعد أن أسمعه خلافة آدم ومن شاء الله من عباده: ﴿إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] لما علم أن الخلافة قد أشربها، فلا يبالي بعد ذلك أن يسميه بأي اسم شاء كما سمى يحيى بسيد، ولما عرفه العارفون به تميزوا عمن عرفه بنظره فكان لهم الإطلاق ولغيرهم التقييد، فيشهده العارفون به في كل شيء أو عين كل شيء، ويشهده من عرفه بنظره منعزلاً عنه ببعد اقتضاه له تنزيهه، فجعل نفسه في جانب والحق في جانب فيناديه من مكان بعيد . ولما كانت الخلافة تطلب الظهور بصورة من استخلفه والذي جعله خليفة عنه ذكر عن نفسه أنه على صراط مستقيم فلا بد أن يكون هذا الخليفة على صراط فنظر في الطرق فوجدها كثيرة منها صراط الله، ومنها صراطِ العزيز، ومنها صراط الرب، ومنها صراط محمد وَله، ومنها صراط النعم وهو ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] وهو قوله: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨] فاختار هذا الإمام المحمدي سبيل محمد رَّ وترك سائر السبل مع تقريرها وإيمانه بها، ولكن ما تعبد نفسه إلا بصراط محمد رّل﴾ ولا تعبد رعاياه إلا به، ورد جميع الأوصاف التي لكل صراط إليه لأن شريعته عامة، فانتقل حكم الشرائع كلها إلى شرعه فشرعه يتضمنها ولا تتضمنه، فمنها صراط الله وهو الصراط العام الذي عليه تمشي جميع الأمور فيوصلها إلى الله فيدخل فيه كل شرع إلهيّ وموضوع عقلي فهو يوصل إلى الله فيعم الشقي والسعيد، ثم إنه لا يخلو الماشي عليه إما أن يكون صاحب شهود إلهي أو محجوباً، فإن كان صاحب شهود إلهي فإنه يشهد أنه مسلوك به فهو سالك بحكم الجبر، ويرى أن السالك به هو ربه تعالى، وربه على صراط مستقيم، كذا تلاه علينا سبحانه وتعالى أن هوداً عليه السلام قاله وهو رسول من رسل الله فلهذا كان مآله إلى الرحمة، وإذا أدركه في الطريق النصب فتلك أعراض عرضت له من الشؤون التي الحق فيها كل يوم وذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ولا يمكن أن يكون الأمر إلا هكذا، وما أحد أكشف للأمور وأشهد للحقائق وأعلم بالطرق إلى الله من الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومع هذا فما سلموا من الشؤون الإلهية فعرضت لهم الأمور المؤلمة النفسية من رد الدعوة في وجهه وما يسمعه في الحق تعالى مما نزه جلاله عنه وفي الحق الذي جاء به من عند الله . وكذلك الأمور المؤلمة المحسوسة من الأمراض والجراحات والضرب في هذه الدار وهذا أمر عام له ولغيره، وقد تساوى في هذه الآلام السعيد والشقي، وكل يجري فيه إلى أجل مسمى عند الله، فمنهم من يمتد أجله إلى حين موته ويحصل في الراحة الدائمة والرحمة العامة الشاملة وهم الذين ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ولا يخافون على أنفسهم ولا ١٧١ في المنازل/ الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد على أممهم لأنهم كانوا مجهولين في الدنيا والآخرة، وهم الذين تغبطهم الرسل في ذلك لما هم فيه من الراحة، لأن الرسل عليهم السلام يخافون يوم الفزع الأكبر على أممهم وأتباعهم لا على أنفسهم، ومنهم من يمتد أجله إلى دخول الجنة من العرض، ومنهم من يمتد أجله في الآلام إلى أن يشفع فيه بالخروج من النار إلى الجنة، ومنهم من يمتد أجله في الآلام إلى أن يخرجه الله بنفسه لا بشفاعة شافع وهم الموحدون بطريق النظر الذين ما آمنوا ولا كفروا ولا عملوا خيراً لقول الشارع قط فإنهم لم يكونوا مؤمنين ولكنهم وحدوا الله جل جلاله وماتوا على ذلك، ومن كان له علم بالله منهم ومات عليه جنى ثمرة علمه، فإن قدحت له فيه شبهة حيرته أو صرفته عن اعتقاد ما كان يظن أنه علم وهو في نفس الأمر ثم بدا له ما حيره فيه أو صرفه عنه فعلم يوم القيامة أن ذلك حق في نفس الأمر وهو ممن أخرجه الله إلى الجنة من النار عاد عليه ثمرة ذلك العالم ونار درجته. ومنهم من يمتد أجله في الآلام ممن ليس بخارج من النار وهو من أهلها القاطنين فيها ومدته معلومة عندنا ثم تعمه رحمة الله وهو في جهنم فيجعل الله له فيها نعيماً بحيث أنه يتألم بنظره إلى الجنة كما يتألم أهل الجنة بنظرهم إلى النار، فهؤلاء إن كان لهم علم بوجود الله وقد دخلهم شبهة في توحيد الله أو في علم مما يتعلق بجناب الله حيرته أو صرفته إلى نقيض ما كان يعتقده فإنه يوم القيامة إذا تبين له أن ذلك كان علماً في نفس الأمر لا ينفعه ذلك التبين كما لم ينفع الإيمان في الدنيا عند رؤية البأس، فذلك العلم هو الذي يخلع على المؤمن الذي لم يكن له علم بإله له من الموحدين المؤمنين، ويؤخذ جهل ذلك المؤمن الموحد ويلقى على هذا الذي هو من أهل النار فيتنعم في النار بذلك الجهل كما كان يتنعم به المؤمن الجاهل في الدنيا، ويتنعم المؤمن بذلك العلم الذي خلع عليه الذي كان لهذا العالم بوجود الله لا بتوحيده، وأنه لما وحده قدحت له شبهة في توحيده وعلمه بالله حيرته وصرفته، وهذا آخر المدد لأصحاب الآلالم في النار، وبعد انقضاء هذا الأجل فنعيم بكل وجه أينما تولى، ولا فرق بينه وبين عمار جهنم من الخزنة والحيوانات فهي تلدغه لما للحية والعقرب في ذلك اللدغ من النعيم والراحة، والملدوغ يجد لذلك اللدغ لذة واسترقاداً في الأعضاء وخدراً في الجوارح يلتذ بذلك التذاذاً هكذا دائماً أبداً، فإن الرحمة سبقت الغضب، فما دام الحق منعوتاً بالغضب فالآلام باقية على أهل جهنم الذين هم أهلها، فإذا زال الغضب الإلهيّ كما قدمنا وامتلأت به النار ارتفعت الآلام وانتشر ذلك الغضب فيما في النار من الحيوانات المضرة فهي تقصد راحتها بما يكون منها في حق أهل النار، ويجد أهل النار من اللذة ما تجده تلك الحية من الانتقام لله لأجل ذلك الغضب الإلهيّ الذي في النار وكذلك النار، ولا تعلم النار ولا من فيها أن أهلها يجدون لذة لذلك لأنهم لا يعلمون متى أعقبتهم الراحة وحكمت فيهم الرحمة، وهذا الصراط الذي تكلمنا فيه هو الذي يقول فيه أهل الله: إن الطرق إلى الله على عدد أنفاس الخلائق، وكل نفس إنما يخرج من القلب بما هو عليه القلب من الاعتقاد في الله، فالاعتقاد العام وجوده، فمن جعله الدهر فوصوله إلى الله من اسمه الدهر، فإن الله هو الجامع للأسماء المتقابلة وغير المتقابلة، وقد قدمنا أنه سبحانه تسمى ١٧٢ في المنازل/ الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد بكل اسم يفتقر إليه في قوله عز وجل في الكتاب العزيز: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ اَلْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] وإن أنكر ذلك فما أنكره الله ولا الحال، وكذلك من اعتقد أنه الطبيعة فإنه يتجلى له في الطبيعة، ومن اعتقد أنه كذا كان ما كان فإنه يتجلى له في صورة اعتقاده وتجري الأحكام كما ذكرنا من غير مزيد فافهم. وأما صراط العزة وهو قوله تعالى: ﴿ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] فاعلم أن هذا صراط التنزيه فلا يناله ذوقاً إلا من نزه نفسه أن يكون رباً أو سيداً من وجه ما أو من كل وجه وهذا عزيز، فإن الإنسان يغفل ويسهو وينسى ويقول ((أنا)) ويرى لنفسه مرتبة سيادة في وقت غفلته على غيره من العباد، فإذ ولا بد من هذا فليجتهد أن يكون عند الموت عبداً محضاً ليس فيه شيء من السيادة على أحد من المخلوقين، ويرى نفسه فقيرة إلى كل شيء من العالم من حيث إنه عين الحق من خلف حجاب الاسم الذي قال الله فيه لمن لا علم له بالأمر قل سموهم، ولما كان الإنسان فقيراً بالذات احتجب الله له بالأسباب وجعل نظر هذا العبد إليها وهو من ورائها فأثبتها عيناً ونفاها حكماً مثل قوله تعالى لمحمد بَّ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اللَّهَ رَمَّ﴾ [الأنفال: ١٧] ثم أعقب هذه الآية بقوله: ﴿وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءُ حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧] فجعل ذلك بلاء أي اختباراً، وهذا الصراط العزيز الذي ليس لمخلوق قدم في العلم به فإنه صراط الله الذي عليه ينزل إلى خلقنا، وعليه يكون معنا أينما كنا، وعليه نزل من العرش إلى السماء الدنيا وإلى الأرض وهو قوله: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِى السَّمَوَتِ وَفِ اُلْأَرْضِّ﴾ [الأنعام: ٣] وعليه يقرب من عبده أضعاف ما يتقرّب إليه عبده إذا سعى إليه بالطريق التي شرع له، فهو يهرول إليه إذا رآه مقبلاً ليستقبله تهمماً بعبده وإكراماً له، ولكن على صراط العزة وهو صراط نزول لا عروج لمخلوق فيه، ولو كان لمخلوق فيه سلوك ما كان عزيزاً وما نزل إلينا إلا بنا، فالصفة لنا لا له، فنحن عين ذلك الصراط ولذلك نعته بالحميد أي بالحامد المحمود، لأنّ ((فعيل)) إذا ورد يطلب اسم الفاعل والمفعول، فإما إن يعطى الأمرين معاً مثل هذا، وإما أن يعطى الأمر الواحد لقرينة حال وقد أثنى على نفسه فهو الحامد المحمود، وأعظم ثناء أثنى به على نفسه عندنا كونه خلق آدم على صورته وسماه بأمهات الأسماء التي يدخل كل اسم تحت إحاطتها ولذلك قال وَالر: ((أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) فأضاف النفس الكاملة إليه إضافة ملك وتشريف لما قال: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فكل ثناء أثنى الله به على الإنسان الكامل الذي هو نفسه لكونه أوجده على صورته كان ذلك الثناء عين الثناء على الله بشهادة رسول الله وَلَّ وتعريفه إيانا في قوله وح ظله: «أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) أي كل ما أثنيت به على من خلقته على صورتك هو ثناؤك عليك. ولما كان الإنسان الكامل ﴿صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] لم يكن للصراط أن يسلك فيه ولا يتصف الصراط بالسلوك، فلهذا سماه بالعزيز أي ذلك ممنوع لنفسه، فالحق سبحانه يختص بالنزول فيه كما أخبر عن نفسه من النزول والهرولة، والعبد العارف على الحقيقة ما يسلك إلا في الله، فالله صراطه وذلك شرعه: [الرجز] فَهْوَ صراطي وأنا صرَاطَه به ربَاطي وبنا رَبَاطُه ١٧٣ في المنازل/ الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد مُحكّمْ مُحَفَّقْ مَنَاطُه فانْظُزْ مقالي فهو قولٌ صادقٌ حواه قلبي فأنا فُسْطَاطُه فهو حبيبي وأنا به فقد لقربه فقد طُوِي بسَاطُه عَزَّ فما تدركُه أبصارُنا هذا وما قد قلتُه اسْتِخْبَاطُه فبُعدُه لقُزبه ليس سوى فهو على صراط عزيز لأنه الخالق فلا قدم لمخلوق فيه، أروني ماذا خلق الذين من دونه لا يجدونه أصلاً لا علماً ولا عيناً ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١] لأنه كل ما علم فقد بان، والله تعالى أخرجنا من ظلمة العدم إلى نور الوجود، فكنا نوراً بإذن ربنا إلى صراط العزيز الحميد، فنقلنا من النور إلى ظلمة الحيرة، ولهذا إذا سمعناه يثني على نفسه فنرى ذلك في نفوسنا، وإذا أثنى علينا فنرى ما أثنى به علينا هو ثناؤه على نفسه، ثم ميزنا عنه وميز نفسه عنّا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وبما علم وجهلناه، وبما نحن عليه من الذلة، ويتعالى عن هذا الوصف في نفسه فنقول: نحن هو ما نحن هو بعدما قلنا إذا أخرجنا من الظلمات إلى النور هو هو ونحن نحن فتميزنا، فلما جاء بالثناء بعد وجودنا ثناء منه على نفسه وعلينا وكلفنا بالثناء عليه أوقفنا في الحيرة، فإن أثنينا عليه بنا فقد قيدناه، وإن أطلقناه كما قال: لا أحصي ثناء عليك فقد قيدناه بالإطلاق فميزناه، ومن تقيد فلا يوصف بالغنى فإن التقييد يربطه إذ قد أدرك المحدث إطلاقه تعالى وقد قال عن نفسه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فحيرنا فلا ندري ما هو ولا مانحن، فما أظن والله أعلم أنه أمرنا بمعرفته وأحالنا على نفوسنا في تحصيلها إلا لعلمه أنا لا ندرك ولا نعلم حقيقة نفوسنا ونعجز عن معرفتنا بنا فنعلم أنّا به أعجز فيكون ذلك معرفة به لا معرفة: [مخلع البسيط] فإنه ظاهرٌ مبينُ وغَيْرُ هذا فلا يَكُونُ علماً وقد جاءك اليقينُ فاضغ إلى قولنا تَجِدْهُ فالجهل صفة ذاتية للعبد، والعالم كله عبد، والعلم صفة ذاتية لله، فخذ مجموع ما أشرت إليه في هذا تجده الصراط العزيز، وأما صراط ربك فقد أشار إليه تعالى بقوله: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَهِ وَمَن يُرِدّ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَضَغَدُ فِ الشَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] يقول: كأنما يخرج عن طبعه والشيء لا يخرج عن حقيقته ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ﴿وَهَذَا﴾ فأشار إلى ما تقدّم ذكره: ﴿صِرَطُ رَيِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٢٦] وما ذكر إلا إرادته للشرح والضيق، فلا بد منهما في العالم لأنه ما يكون إلا ما يريد، وقد وجد ثم وصف نفسه يعني بالغضب والرضا والتردد والكراهة ثم أوجب فقال ومع الكراهة فلا بد له من لقائي فهذا عين قوله: ﴿كَأَنََّا يَضَّغَدُ فِ الشَّمَآِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فهو كالجبر في الاختيار، فمن ارتفع عنه أحد الوصفين من عباد الله فليس بكامل أصلاً ولذا قال في حق الكامل: ﴿وَلَقَدْ نَعَلَمُ أَنََّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] ﴿فَأَصْبِرْ﴾ [هود: ٤٩] وهو الصبور على أذى خلقه. وسمي هذا ١٧٤ في المنازل/ الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد الصراط صراط الرب لاستدعائه المربوب وجعله مستقيماً فمن خرج عنه فقد انحرف وخرج عن الاستقامة، ولهذا شرع لنا الود في الله والبغض في الله، وجعل ذلك من العمل المختص له ليس للعبد فيه حظ إلا ما يعطيه الله من الجزاء عليه، وهو أن يعادي الله من عادى أولياءه ويوالي من والاهم، فالسالك على صراط الرب هو القائم بالصفتين ولكن بالحق المشروع له الله لا لنفسه، فإن الله لا يقوم لأحد من عباده إلا لمن قام له ولهذا قال: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةً لَابِرٍ﴾ [المائدة: ٥٤] وحق الله أحق بالقضاء من حق المخلوق إذا اجتمعا فإنه ليس لمخلوق حق إلا بجعل الله، فإذا تعين الحقان في وقت ما بدأ العبد الموفق بقضاء حق الله الذي هو له، ثم أخذ في أداء حق المخلوق الذي أوجبه الله، وهذا خلاف ما عليه اليوم الفقهاء في الوصية والدين، فإن الله تعالى قدم الوصية على الدين والوصية حق الله، وقال ◌َله: ((حَقُّ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى)) فمن سامح في حق الله عاد عليه عمله فيسامح في حقه، فإن تكلم قيل له كذلك فعلت فاجن ثمرة غرسك، وصراط الرب لا يكون إلا مع التكليف، فإذا ارتفع التكليف لم يبق لهذا الصراط عين وجودية، ولهذا يكون المآل إلى الرحمة وإزالة حكم الغضب الإلهيّ في العاصين، وقول هود عليه السلام: ﴿إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] يعني فيما شرع مع كونه تعالى آخذاً بنواصي عباده إلى ما أراد وقوعه منهم وعقوبته إياهم مع هذا الجبر، فاجعل بالك وتأذّب واسلك سواء السبيل. وأما صراط المنعم وهو صراط الذين أنعم الله عليهم وهو قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ اُلْدِينِ مَا وَضَى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيِّنَا بِ إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ﴾ [الشورى: ١٣] وذكر الأنبياء والرسل ثم قال: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] وهذا هو الصراط الجامع لكل نبيّ ورسول وهو إقامة الدين وأن لا يتفرّق فيه وأن يجتمع عليه، وهو الذي بوّب عليه البخاري باب ما جاء أن الأنبياء دينهم واحد، وجاء بالألف واللام في الدين للتعريف لأنه كله من عند الله، وإن اختلف بعض أحكامه فالكل مأمور بإقامته والاجتماع عليه، وهو المنهاج الذي اتفقوا عليه، وما اختلفوا فيه من الأحكام فهو الشرعة التي جعل الله لكل واحد من الرسل قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ [المائدة: ٥٨] فلم تختلف شرائعكم كما لم يختلف منها ما أمرتم بالاجتماع فيه وإقامته، فلما كان الاختلاف منه وهو أهل العدل والإحسان وكان في الناس الدعوى في نسبة أفعالهم إليهم واختيارهم فيما اختاروه ولم يسندوا الأمر إلى أهله وإلى من يستحقه نزل الحكم الإلهيّ على الرسل بكون هذا سيئاً وهذا حسناً وهذا طاعة وهذا معصية، ونزل الحكم الإلهيّ على العقول بأن هذا في حق من لا يلائم طبعه ومزاجه أو يوافق غرضه حسن، وهذا الذي لا يوافق غرضه ولا يلائم طبعه ومزاجه ليس بحسن، ولم يسندوا الأمر إلى عين واحدة، فجوزوا بما جوزوا لهذا الأمر، فعدل فيما حكم به من الجزاء بالسوء وأحسن بعد الحكم ونفوذه بما آل إليه عباده من الرحمة ورفع الأمور الشاقة عليهم وهي الآلام فعمت رحمته كل شيء. ١٧٥ في المنازل/ الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد وأما الصراط الخاص وهو صراط النبيّ ◌َّر الذي اختص به دون الجماعة وهو القرآن حبل الله المتين وشرعه الجامع وهو قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَّطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] يعني هذا الصراط المضاف إليه، وذلك أن محمداً وَيُّ كان نبياً وآدم بين الماء والطين وهو سيد الناس يوم القيامة بإخباره إيانا بالوحي الذي أوحى به إليه وبعثته العامة إشعاراً بأن جميع ما تقدمه من الشرائع بالزمان إنما هو من شرعه، فنسخ ببعثته منها ما نسخ وأبقى منها ما أبقى، كما نسخ ما قد كان أثبته حكماً، ومن ذلك كونه أوتي جوامع الكلم والعالم كلمات الله فقد آتاه الله الحكم في كلماته وعم وختم به الرسالة والنبوة كما بدأ به باطناً ختم به ظاهراً، فله الأمر النبوّي من قبل ومن بعد، فورثته الذين لهم الاجتهاد في نصب الأحكام بمنزلة الرسل الذي كانوا قبله بالزمان، فمن ورث محمداً وَيه في جمعيته فكان له من الله تعريف بالحكم وهو مقام أعلى من الاجتهاد وهو أن يعطيه الله بالتعريف الإلهيّ أن حكم الله الذي جاء به رسول الله وَ ط ◌ّر في هذه المسألة هو كذا، فيكون في ذلك الحكم بمنزلة من سمعه من رسول الله و 39، وإذا جاءه الحديث عن رسول الله وَ له رجع إلى الله فيه فيعرف صحة الحديث من سقمه، سواء كان الحديث عند أهل النقل من الصحيح أو مما تكلم فيه، فإذا عرف فقد أخذ حكمه من الأصل، وقد أخبر أبو يزيد بهذا المقام أعني الأخذ عن الله عن نفسه أنه ناله فقال فيما روينا عنه يخاطب علماء زمانه: أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، ولنا بحمد الله في هذا المقام ذوق شريف فيما تعبدنا به الشرع من الأحكام، وهذا مما بقي لهذه الأمة من الوحي وهو التعريف لا التشريع . وأما أهل الاجتهاد فأحكامهم تشريع الشرع إذا أخطؤوا فإن رسول الله وله هو المقرر لذلك الحكم فما هو تشريع لهم وإنما هو تشريع رسول الله وَّة، وإذا أصاب المجتهد فهو صاحب نقل شرع كل ذلك في نفس الأمر، فإن المخطىء من المجتهدين والمصيب واحد لا بعينه، لكن المصيب في نفس الأمر ناقل، والمخطىء في نفس الأمر مقرر حكم مجهول لم يعلم إلا عند نظر هذا المجتهد، فهو معلوم عند الله قبل كونه، فما قرر الشارع وهو الرسول إلا الحكم المعين المعلوم عند الله وما هو عنده بمعلوم على التفصيل والتعيين، فكان حكم المجتهد المخطىء تشريعاً للتشريع، وأهل الله ما لهم حكم في الشرع إلا ما هو المحكوم به على التعيين عند رسول الله صل# وهم الورثة على الحقيقة، فإن الوارث لا يرث إلا ما كان ملكاً للموروث عنه إذا مات عنه، وحكم المجتهد المخطىء ما هو ملك له عينه حتى يورث عنه فليس بوارث، لأن ما عنده سوى تقرير ما أداه إليه نظره ذلك أباحه له رسول الله ◌َي فهو كالعصبة لا نصيب لهم في الميراث على التعيين، إنما لهم ما بقي بعد إلحاق الفرائض بأهلها، وكتوريث أولي الأرحام والمسلمين بعد أخذ الفرائض، فإن مات عن غير صاحب فريضة كرسول ونبيّ مات وما اتبعه واحد فيحشر مفرداً فقد يرثه في خلقه أو في ١٧٦ في المنازل/ الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد حاله لا في حكمه من هذه الأمة من صادف ذلك الحال أو الحكم، وأما الإيمان به وقد آمن به كل من آمن بمحمد وهالر فأمة محمد وَلّه المؤمنون به أتباع كل نبيّ وكل كتاب وكل صحيفة جاء أو نزل من عند الله في الإيمان به لا بالعمل بالحكم، فما بقي نبيّ إلا وقد أومن به، فالنبيّ محمد ◌َّ له الإمامة والتقدم، وجميع الرسل والأنبياء خلفه في صف ونحن خلف الرسل وخلف محمد ◌َّ. ومن الرسل من يكون له صورتان في الحشر: صورة معنا وصورة مع الرسل كعيسى وجميع الأمم خلفنا، غير أن لنا صورتين صورة في صف الرسل عليهم السلام وليست إلا لعلماء هذه الأمة، وصورة خلف الرسل من حيث الإيمان بهم وكذلك سائر الأمم لهم صورتان: صورة يكونون بها خلفنا، وصورة يكونون بها خلف رسلهم، فوقتاً يقع نظر الناظر على صورهم خلفنا، ووقتاً خلف رسلهم، ووقتاً على المجموع، فهذه أحوال العلماء في الآخرة في حشرهم. وأما ورثة الأفعال فهم الذين اتبعوا رسول الله وَّر في كل فعل كان عليه وهيئة مما أبيح لنا اتباعه حتى في عدد نكاحه وفي أكله وشربه، وجميع ما ينسب إليه من الأفعال التي أقامه الله فيها من أوراد وتسبيح وصلاة لا ينقص من ذلك، فإن زاد عليها بعد تحصيلها فما زاد عليها إلا من حكم قوله وَّر، فهذه وراثة أفعاله. وأما وراثة أحواله فهو ذوق ما كان يجده في نفسه في مثل الوحي بالملك فيجد الوارث ذلك في اللمة الملكية ومن الملك الذي يسدده، ومن الوجه الخاص الإلهيّ بارتفاع الوسائط، وأن يكون الحق عين قوله، وأن يقرأ القرآن منزلاً عليه يجد لذة الإنزال ذوقاً على قلبه عند قراءته، فإن للقرآن عند قراءة كل قارىء في نفسه أو بلسان تنزلاً إلهياً لا بد منه، فهو محدث التنزل والإتيان عند قراءة كل قارىء أيّ قارىء كان، غير أن الوارث بالحال يحس بالإنزال ويلتذ به التذاذاً خاصاً لا یجده إلا أمثاله فذلك صاحب میراث الحال وقد ذقناه حالاً بحمد الله، وهو الذي قال فيه أبو يزيد: لم أمت حتى استظهرت القرآن وهو وجود لذة الإنزال من الغيب على القلوب، وما عدا هؤلاء فإنما يقرؤون القرآن من خيالهم، فهم يتخيلون صور حروفه المرقومة إن كان حفظ القرآن من المصاحف والألواح، أو يتخيلون صور حروف ما تلقنوه من معلمهم هذا إذا كانوا عاملين به، وأما إذا قرؤوه من غير إخلاص فيه فلا يتجاوز حناجرهم أي لا يقبل الله منه شيئاً فيبقى في محل تلاوته وهو مخرج الصوت، فلا يقرأ القرآن من قلبه إلا صاحب التنزل وهو الذوق الميراثي، فمن وجد ذلك فهو صاحبه يعرف ذلك عند وجوده إياه فلا يحتاج فيه إلى معرّف فإنه يفرق عند ذلك بين قراءته من خياله وبين قراءته عن تنزيل ربه مشاهدة، وما ثم أمر آخر لنبي أو رسول يقع فيه ميراث إنما هو قول أو فعل أو حال، فالوارث الكامل من جمع، والوارث الناقص من اقتصر على بعض هذه المراتب. واعلم أن هذا المنزل هو منزل من اتصف بالخلة من الأنبياء عليهم السلام، فمن حصل له حصل له نصيب من الخلة الإلهية وضرب له فيها بسهم والكلام فيها طويل لا يفي الوقت بتفصيله، فلنذكر ما فيه من العلوم كسائر المنازل فنقول : فيه علم رحمة الخلان والفرق بينها وبين رحمة المحبوبين والأبناء والآباء والمستلذات ١٧٧ في المنازل/ الباب السبعون وثلاثمائة في معرفة منزل المزيد كلها. وفيه علم حلاوة التنزل وأين يحس بها من نفسه من ينزل عليه القرآن جديداً عند تلاوته. وفيه علم الأغيار والأسرار والأنوار والهداية وأنواع المحامد والمراتب الخاصة بكل نفس مما لا يقع لأحد معه فيها اشتراك وذلك أنّا نعلم أنه لكل نفس صفة أو حقيقة تختص بها وتتميز بها عن كل شيء في العالم لا بد من ذلك، فإذا جاءها الأمر الإلهيّ من طريق تلك الحقيقة الخاصة فإن ذوقه ذلك مقصور عليها، وهذا أدنى حظ النفس من مقام العزة الإلهية فإنه لكل نفس وإن لم تشعر به، وهو كفعل الأمور الطبيعية بالخاصية كالمغناطيس وأشباهه، غير أن الخاصية في الأمور الطبيعية على نوعين: بالإفراد وبالمجموع وفي المزاج الخاص، فإن الخواص الطبيعية ما تسري في كل مزاج ولا في كل صورة، وخاصية أهل الله إذا وقفوا عليها ذوقاً من أنفسهم سرى حكمها في كل ما في العالم. وفيه علم الملكوت والمشاهدة ورؤية المعدوم في حال عدمه من غير تخيل ولا تمثل ولا بإدراك خيال بل بالبصر الحسي. وفيه علم أسباب التحير والحيرة. وفيه علم ما يعلم الإنسان إلا ما يعطيه استعداده إذا استعمله أو فجأة لا يقبل فوق ذلك فإنه ليست له قوّة القبول. وفيه علم الرسل والرسالة. وفيه علم أن الإنسان عالم بالذات إلا أنه ينسى، فكل علم يحصل له إنما هو تذكر ولا يشعر به أنه تذكر إلا أهل الله. وفيه علم البلايا والنعم. وفيه علم الفرقان في التعريف بين التقرير والتوبيخ وما يكون على طريق المنة أو المطالبة. وفيه علم صفات التنزيه في الأفعال وأن كل طلب في العالم أو من كل طالب إنما هو طلب ذاتي ما ثم طلب عارض لا يكون بالذات هذا لا يكون، وإنما يعرض للشخص أمر ما لم يكن عنده، فهذا الأمر الذي حصل عنده هو الذي يكون له الطلب الذاتي للمطلوب، وانحجب الناس بمن قام به ذلك الأمر العارض وهو الذي يسمونه طالباً، وليس الطالب إلا ذلك الأمر، فالطلب له ذاتي والشخص الذي قام به هذا الأمر مستخدم له إذ قد كان موجوداً وهو فاقد لهذا الطلب، فعلمنا أنه طلب مستخدم في أمر ما أوجب عليه هذا الأمر الذي حل به فالطلب ذاتي لذلك الأمر، وقد استخدم في تحصيله هذ الشخص الذي نزل به ولا شعور للناس بذلك. وفيه علم النظر والتفكر والاعتبار وأن العالم بعضه لبعض عبرة. وفيه علم ما يختص به الله من العلوم المتفرقة في العالم وذلك جمعيتها لا يعلم ذلك إلا الله، هذا فيما دخل في الوجود منه مع علمه بما لم يدخل في الوجود ولا اتصف بالعلم به مخلوق، فله من علم الدنيا علم الجمعية بما أضيف إليه من علم الأخرى ولا بد من ذلك. وفيه علم الاستدلال بالمحدث على القديم وما يحصل في النفس من ذلك فإن القديم لا يحصل في النفس وإن حصل المحدث فما هو المطلوب وكل ما حصل محدث. وفيه علم ما يكون التوكل فيه شكر الله تعالى. وفيه علم من قام به معنى أوجب له اسماً يستحقه ومن هنا تعرف أسماء الله الحسنى من أسمائه، فإن أسماء الله في الكون عن آثار هذه النفوس وأسماء الكون عن المعاني القائمة به فالحق منزه في أسمائه واحد العين، والكون متكثر بأسمائه لقيام المعاني به التي أوجبت له الأسماء. وفيه علم أسباب الميراث. وفيه علم من ظفر ومن خاب والكل طالب. وفيه علم مشاهدة الموت مع كونه نسبة الفتوحات المكية ج٦ - م١٢ ١٧٨ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية عدمية وفيمن يحكم وأنه لا حكم للموت فيمن لا تركيب فيه وكل مركب بالوضع فإنه يقبل الموت، فإن لم يمت فذلك لأمر آخر اقتضته المشيئة الإلهية وقد يجعل له سبباً ظاهراً أو معلوماً، وقد لا يكون إلا حكم عين المشيئة خاصة. وفيه علم الحكم على الله بما يقتضيه من حيث ما هو ممكن لا بما هو الله عليه، وقد ورد في القرآن من ذلك كثير، ولكن لا يعلم معنى ذلك إلا العلماء بما تعطيه حقائق الموجودات والعالمون بماهية الأشياء. وفيه علم يوم القيامة والحشر والنشر وما يختص به ذلك اليوم من الحكم ومن هو الحاكم فيه ومراتب المتصرفين فيه. وفيه علم الأمر المقتضى في ذلك اليوم ما هو. وفيه علم تشبيه الإنسان بالنبات من حيث ما هو شجر لا من حيث ما هو نجم، ومن هنا نهي أن يقرب الشجرة آدم فهو تنبيه على نهيه أن يقرب أغراض نفسه وهواها وهو قوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَ﴾ [النازعات: ٤٠] وهو إرادة النفس ما لم يشرع لها العمل به أو تركه. وفيه علم التمكين والثبات على علم ما تعطيه الحقائق في القول والفعل. وفيه علم ما يحمد من التبديل والتلوين وما يذم. وفيه علم الإمهال والإهمال المقصود. وفيه علم حكمة التسخير الكوني والإلهي. وفيه علم إفراد ذات الحق بالألوهة. وفيه علم الاقتداء وبمن ينبغي أن يقتدى. وفيه علم تقييد الثناء بالحال وإطلاقه بالقول. وفيه علم ما يظهر في الوجود أنه معلوم وظاهر عن علم متعلق به أوجب له ذلك الظهور. وفيه علم كون الإنسان مع علمه أن الله لا يتقيد بالجهات، وهو أقرب من حبل الوريد، وهو مع هذا كله يتوهم فيه جهة الفوق والتحديد لا تعطيه نشأته أن يخلو عن حكم الوهم على عقله فيعقل حقيقة الأمر مع حكم وهمه من غير تأخر فيجمع في الآن بين حكم العقل والوهم، كما جمع بين الأمور التي كان بها إنساناً كذلك يجمع بين أحكامها. وفيه علم مراتب القرآن في الناس فيكون في حكم طائفة على غير حكمه في طائفة أخرى، فهذا بعض ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم مجملاً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية أمية محمدية [نظم : الرمل] لو وَجَدْنا مَلِكاً نَسْتَعْبِدُهْ لبَذَلْنَا مُهَجَ النَّفْسِ له إنّما الخَلْقُ عِيَالٌ كُلُهُمْ وكما قام بهم قاموا به وكما كُنّا به كان بنا وإذا لم يَكُ عيني لم يكُنْ فغِنَاهُ غير معلوم لنا إنّما الحَقُّ الذي أعرفه أو فَتّى ذا كَرَم نَسْتَزْفِدُه واتَّخَذْنَاه إماماً نَقْصِدُهُ والذي قام بهم لا أجْحَدُهُ فالْتَفِتْ رَمْزي ترى ما أقْصدُهُ وبهذا القَدْر كنا نَعْبُدُه وإذا ما لم يَكُنْ لا أَشْهَدُهُ إذ تعالى وتعالى مَشْهَدُهُ والدُ الكَوْن وكَوْنِي وَلَدُهْ ١٧٩ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَتْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقْ﴾ [الحجر: ٨٥] اعلم أن الله هو اللطيف الخبير العلي القدير الحكيم العليم الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فنزه وشبه فتخيل من لا علم له أنه شبه، لكن اللفظ المشترك هو الذي ضمن ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوَ أَلْفَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [قَ: ٣٧] مرجع الدرك. ولما خلق الله الأشياء وذكر أن له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وضع الأسباب وجعلها له كالحجاب فهي توصل إليه تعالى كل من علمها حجاباً، وهي تصد عنه كل من اتخذها أرباباً، فذكرت الأسباب في أنبائها أن الله من ورائها وأنها غير متصلة بخالقها، فإن الصنعة لا تعلم صانعها ولا منفصلة عن رازقها، فإنها عنه تأخذ مضارّها ومنافعها، فخلق الأرواح والأملاك ورفع السموات قبة فوق قبة على عمد الإنسان وأدار الأفلاك ودحى الأرض ليميز بين الرفع والخفض وعين الدنيا طريقاً للآخرة، وأرسل بذلك رسله تترى لما خلق في العقول من العجز والقصور عن معرفة ما خلق الله من أجرام العالم وأرواحه ولطائفه وكثائفه، فإن الوضع والترتيب ليس العلم به من حظ الفكر بل هو موقوف على خبر الفاعل لها والمنشىء لصورها ومتعلق علم العقل من طريق الكفر إمكان ذلك خاصة لا ترتيبه، فإن الترتيب لا يعرف إلا بالشهود في الأشخاص حتى يقول: هذا فوق هذا، وهذا تحت هذا، وهذا قبل هذا، وهذا بعد هذا، والعقل یحکم بالإمكان في ذلك كله. ثم إن الله تعالى قدر في العالم العلوي المقادير والأوزان والحركات والسكون في الحال والمحل والمكان والمتمكن، فخلق السموات وجعلها كالقباب على الأرض قبة فوق قبة على الأرض، كما سنوقفك في هذا الباب على شكل وضع عالم الأجرام، وجعل هذه السموات ساكنة وخلق فيها نجوماً جعل لها في سيرها وسباحتها في هذه السموات حركات مقدرة لا تزيد ولا تنقص وجعلها عاقلة سامعة مطيعة ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] ثم إن الله لما جعل السباحة للنجوم في هذه السموات حدثت لسيرها طرق لكل كوكب طريق وهو قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْمُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧] فسميت تلك الطرق أفلاكاً، فالأفلاك تحدث بحدوث سير الكواكب وهي سريعة السير في جرم السماء الذي هو مساحتها فتخترق الهواء المماس لها فيحدث لسيرها أصوات ونغمات مطربة لكون سيرها على وزن معلوم، فتلك نغمات الأفلاك الحادثة من قطع الكواكب المسافات السماوية، فهي تجري في هذه الطرق بعادة مستمرة قد علم بالرصد مقادير تلك الحركات ودخول بعضها على بعض في السير، وجعل سيرها للناظر بين بطء وسرعة، وجعل لها تقدماً وتأخراً في أماكن معلومة من السماء تعين تلك الأماكن أجرام الكواكب، فإن أجرام السموات متماثلة الأجزاء، فلولا إضاءة الكواكب ما عرف تقدمها ولا تأخرها وهي التي يدركها البصر ويدرك سيرها ورجوعها، فجعل أصحاب علم الهيئة للأفلاك ترتيباً جائزاً ممكناً في حكم العقل أعطاهم علم ذلك رصد الكواكب وسيرها وتقدمها وتأخرها وبطئها وسرعتها، وأضافوا ذلك إلى الأفلاك الدائرة بها، وجعلوا الكواكب في السموات كالشامات على سطح جسم الإنسان أو كالبرص لبياضها، وكل ما قالوه يعطي ميزان ١٨٠ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل سر وثلاثة أسرار لوحية حركاتها، وأن الله تعالى لو فعل ذلك كما ذكروه لكان السير السير بعينه، ولذلك يصيبون في علم الكسوفات ودخول الأفلاك بعضها على بعض، وكذلك الطرق يدخل بعضها على بعض في المحل الذي يحدث فيه سير السالكين، فهم مصيبون في الأوزان مخطئون في أنّ الأمر كما رتبوه، وأن السموات كالأكر، وأن الأرض في جوف هذه الأكر، وجعل الله لهذه الكواكب ولبعضها وقوفاً معلوماً مقدراً في أزمان مخصوصة، لم يخرق الله العادة فيها ليعلم صاحب الرصد بعض ما أوحى الله من أمره في السماء، وذلك كله ترتيب وضعي يجوز في الإمكان خلافه مع هذه الأوزان، وليس الأمر في ذلك إلا على ما ذكرناه شهوداً وكشفاً. ثم إن الله تعالى يحدث عند هذه الحركات الكوكبية في هذه الطرق السماوية في عالم الأركان وفي المولدات أموراً مما أوحى في أمر السماء، وجعل ذلك عادة مستمرة ابتلاء من الله ابتلى بها عباده، فمن الناس من جعل ذلك الأثر عند هذا السير الله تعالى، ومن الناس من جعل ذلك لحركة الكوكب وشعاعه لما رأى أن عالم الأركان مطارح شعاعات الكواكب، فأما الذين آمنوا بالله فزادتهم إيماناً بالله وأما الذي آمنوا بالباطل فزادتهم إيماناً بالباطل وكفروا بالله وهم الخاسرون الذين ما ربحت تجارتهم وما كانوا متهدين. ثم إن الله تعالى وكل ملائكة بالأرحام عند مساقط النطف فيقلبون النطف من حال إلى حال كما قد شرع لهم الله وقدر ذلك التنقل بالأشهر وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا تَغِيْضُ الْأَرْحَامُ﴾ أي ما تنقص عن العدد المعتاد ﴿وَمَا تَزْدَادٌ﴾ على العدد المعتاد ﴿ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] فهو سبحانه يعلم شخصية كل شخص وشخصية فعله وحركاته وسكونه وربط ذلك بالحركات الكوكبية العلوية، فنسب من نسب الآثار لها وجعله الله عندها لا لها، فلا يعلم ما في الأرحام ولا ما تخلق مما لم يتخلق من النطف على قدر معلوم إلا الله تعالى ومن أعلمه الله تعالى من الملائكة الموكلة بالأرحام، ولهذا تكون الحركة الكوكبية العلوية واحدة، ويحدث عندها في الأركان والمولدات أمور مختلفة لا تنحصر ولا يبلغها نظر في جزئيات أشخاص العالم العنصري لأن الله قد وضعه على أمزجة مختلفة وإن كان عن أصل واحد، كما نعلم أن الله خلق الناس من نفس واحدة وهو آدم وجعلنا مختلفين في عقولنا متفاوتين في نظرنا والأصل واحد، ومنا الطيب والخبيث والأبيض والأسود وما بينهما والواسع الخلق والضيق الخلق الحرج: [الكامل] فالحَقُّ أصلٌ والكيانُ فُرُوعُ فالأصْلُ فَرْدٌ والفُرُوعُ كثيرةٌ وما خلق الله العالم الخارج عن الإنسان إلا ضرب مثال للإنسان ليعلم أن كل ما ظهر في العالم هو فيه والإنسان هو العين المقصودة فهو مجموع الحكم، ومن أجله خلقت الجنة والنار والدنيا والآخرة والأحوال كلها والكيفيات، وفيه ظهر مجموع الأسماء الإلهية وآثارها، فهو المنعم والمعذب والمرحوم والمعاقب، ثم جعل له أن يعذب وينعم ويرحم ويعاقب، وهو المكلف المختار وهو المجبور في اختياره، وله يتجلى الحق بالحكم والقضاء والفصل،