النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
بين البصيرة والبصر فقد كملت عبادته ظاهراً وباطناً، ومن قال بحلوله في الصور فذلك جاهل
بالأمرين جميعاً، بل الحق أن الحق عين الصور فإنه لا يحويه ظرف ولا تغيبه صورة، وإنما
غيبه الجهل به من الجاهل فهو يراه ولا يعلم أنه مطلوبه، فقال له الرسول وَله: ((اعْبُدِ الله
كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فأمره بالاستحضار فإنه يعلم أنه لا يستحضر إلا من يقبل الحضور، فاستحضار
العبد ربه في العبادة عين حضور المعبود له، فإن لم يعلمه إلا في الحدّ والمقدار حده وقدره،
وإن علمه منزهاً عن ذلك لم يحده ولم يقدره مع استحضاره كأنه يراه، وإنما لم يحده ولم
يقدره العارف به لأنه يراه جميع الصور، فمهما حده بصورة عارضته صورة أخرى فانخرم عليه
الحد فلم ينحصر له الأمر لعدم إحاطته بالصور الكائنة وغير الكائنة له فلم يحط به علماً كما
قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] مع وصفه بأنه أقرب إلى الإنسان من حبل وريده،
فالحق أقرب إليه من نفسه، فإنه أتى بأفعل من فثم قريب، وأقرب الأشياء قرب الظاهر من
الباطن، فلا أقرب من الظاهر إلى الباطن إلا الظاهر عينه، ولا أقرب من الباطن إلى الظاهر إلا
الباطن عينه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، فهو عين المنعوت بأن له حبل الوريد، فعلمنا
أنه عين كل صورة، ولا نحيط بما في الوجود من صور فلا نحيط به علماً. فإن قلت: فأنت
من الصور. قلنا: وكذلك نقول إلا أن الصور وإن كانت عين المطلوب فإنها أحكام الممكنات
في عين المطلوب، فلا نبالي بما ينسب إليها من الجهل والعلم وكل وصف فإني أعلم كيف
أنسب وأصف وأنعت، فلله الأمر من قبل ومن بعد، فالحق حق وإن لم تكن، كما هو الحق
حق وإن كنت لا فرقان، فللظاهر حكم لا يكون للباطن من حيث ما قلت فيه باطن في
العبادة، وللباطن حكم لا يكون للظاهر من حيث ما قلت فيه ظاهر في العبادة، وكل حكم له
مقام معلوم، وكل مقام له حكم معلوم، فلا يعلم شيء إلا به فلا يعبد إلا به، ولهذا نبه الحق
من لا علم له بما ذكرناه على رتبة العلماء بالله فقال: إنه سمع العبد وبصره فما أبصرته إلا به
ولا سمعته إلا به، فعينه عين سمعك وبصرك فما عبدته إلا به وليس بعد إعلام الحق عز اسمه
وجل ذكره إعلام، ولا بعد أحكامه فيما حكم فيه أحكام: [السريع]
وليس إلا غَيْرُهُ بالبَصَرْ
فليس إلا عَيْنُهُ بِالخَبَرْ
قد رَكِبُوا فيه عَظِيمَ الخَطَّز
فأين أهلُ الفِكْر في ذاته
لهم به عِلْمُ بِحُكْمِ النَّظَز
تَعَارَضَ الأمْرُ لديهم فما
لأنه مطلوبُكم باَلفِكَز
إن قيل هُو قيل لهم ليس هُو
عَيْنُ الذي تَشْهَدُهُ في الصُّوَزْ
أو قيل ما هُو قيل هو أنه
واقعة: رأيت عيناً من لبن حليب ما رأيت لبناً مثله في البياض والطيب في جرمه دخلت
فيه حتى بلغ ثديي وهو يتدفق فتعجبت لذلك وسمعت كلاماً غريباً إلهياً يقول: من سجد لغير
الله عن أمر الله قربة إلى الله طاعة لله فقد سعد ونجا، ومن سجد لغير الله عن غير أمر الله قربة
إلى الله فقد شقي، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]
فإن الله مع الخلق ما الخلق مع الله لأنه يعلمهم فهو معهم أينما كانوا في ظرفية أمكنتهم
١٢٢
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
وأزمانهم وأحوالهم مالخلق معه تعالى جل جلاله فإن الخلق لا تعرفه حتى تكون معه، فمن
دعا الله مع الخلق ما هو كمن دعا الخلق مع الله فلا تدعوا مع الله أحداً ولا يصح السجود إلى
غير الله إلا لكون الله مع الخلق حيث كانوا فلا نعلمه ولا نجده إلا بالخلق، فالسجود على
الحقيقة لله الموصوف بالمعية مع الخلق ولهذا شرعت القبلة كما قال رَيّرَ: ((إنَّ الله فِي قِبْلَةِ
المُصَلّي)) فالقبلة ما هي الله والله فيها فأمرنا بالسجود لها لكون الله فيها ومعها، فمن رأى
الخلق ببصره فقد رأى الحق ببصيرته مطلقاً، وليس له إذا رأى ذلك أن يسجد له إلا إذا أمره
بالسجود وإن كان لله فلا يقع في الحس إلا لغير الله أبداً لأنه لا يصح أن يقع السجود لله لأن
الله بكل شيء محيط، فالجهات كلها نسبتها أو نسبة الحق إليها على السواء، ومن خرّ على
قفاه فما سجد لله وإن كان الله خلفه كما هو أمامه لكن الله ما راعى إلا وجهه لم يراع من
جهات العبد سوى وجهه، فلذلك لا يصح السجود لغير الله إلا عن أمر الله قال الله تعالى:
﴿ أَسْجُدُواْ لِلَّدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] فالسجود لغير الله والعبادة لله لا تكون لغير الله أبداً فإنه لا أعظم
من الشرك وقد قال المشرك: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فما عبدوا
الشركاء لأعيانهم فما أوخذوا إلا لكونهم عبدوهم، فإن الله لا يأمر خلقه ولا يصح أن يأمر
خلقه بعبادة مخلوق، ويجوز أن يأمرنا بالسجود للمخلوق، فمن سجد عبادة لمخلوق عن أمر
الله أو عن غير أمر الله فقد شقي، ومن سجد غير عابد لمخلوق فإن كان عن أمر الله كان طاعة
فسعد، وإن سجد لمخلوق غير عابد إياه عن غير أمر الله كانت رهبانية ابتدعها فما رعاها حق
رعايتها إلا ابتغاء رضوان الله لأنه ما قصدها إلا قربة إلى الله فما خلت هذه الحالة عن الله،
والله عند ظن عبده به لا يخيبه فليظن به خيراً، فلا بد من أخذ المشركين لتعديهم بالاسم غير
محله وموضوعه ولم يرد عليه أمر بذلك من الله، ومن المحال أن ترد عبادة وإن ورد سجود،
ولولا وضع اسم الألوهية على الشريك ما عبدوه، فإن نفوس الأناسي بالأصالة تأنف من عبادة
المخلوقين ولا سيما من أمثالها فأصبحوا عليها الاسم الإلهيّ حتى لا يتعبدهم غير الله لا
يتعبدهم مخلوق، فما جعل المشرك يشرك بالله في وضع هذا الاسم على المخلوق إلا التنزيه
الله الكبير المتعالي، لأن المشرك لا بد له في عبادته من حركات ظاهرة تطلب التقييد، ولا بد
من تصوّر خيالي لأنه ذو خيال، ولا بد من علم عن دليل عقلي يقضي بتنزيه الحق عن التقييد
ونفي المماثلة فلذلك نقلوا الاسم للشريك، والنبيّ وَ لا يقول لجبريل عليه السلام في معرض
التعليم لعباد الله: ((اعْبُدِ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فأمره بتصوره في الخيال مرئياً، فما حجر الله على
العباد تنزيهه ولا تخيله وإنما حجر عليه أن يكون محسوساً له مع علمه بأن الخيال من حقيقته
أن يجسد ويصوّر ما ليس بجسد ولا صورة، فإن الخيال لا يدركه إلا كذلك، فهو حسّ باطن
بين المعقول والمحسوس مقيد أعني الخيال، وما قرر الحق هذا كله إلا للرحمة التي وسعت
كل شيء حتى إذا رحم من وقع الأخذ به عرف الخلق أن هذه الرحمة الإلهية قد تقدم الإعلام
بها من الحق في الدار الدنيا دار التكليف فلا ينكرها العالمون، فما أخرج الله العالم من العدم
الذي هو الشرّ إلا للخير الذي أراده به ليس إلا الوجود فهو إلى السعادة موجود بالأصالة وإليها
١٢٣
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
ينتهي أمره بالحكم، فإن الدار التي أشرك فيها دار مزج فهي دار شبهة وهي الدنيا فلها وجه إلى
الحق بما هي موجودة، ولها وجه لغير الحق بما ينعدم ما فيها وينتقل عنها إلى الأخرى،
والشبهة نسبة الحل إليها والحرمة على السواء، وما جعلها الله على هذه الصفة إلا لإقامة عذر
العباد إذا أراد أن يرحمهم رحمة العموم فما ألطف الله بخلقه فإن الصانع له اعتناء بصنعته
فالمؤمن العالم ما جحد أن المشرك عبد الله فإنه سمعه يقول: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ
زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] والمشرك ما جحد الله تعالى بل أقرّ به وأقرّ له بالعظمة والكبرياء على من
اتخذه قربة إليه، فإذا علمت من أين أخذ من أخذ وأن الأخذ الأخروي كالحدود في الدنيا لا
تؤثر في الإيمان بوجود الله ولا في أحدية العظمة له التي تفوق كل عظمة عند الجميع، فإنه
من رحمة الله أن جعل الله ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَِّرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] وحرمات الله، والشعائر الأعلام
والمناسك قربة إلى الله وأن ذلك ﴿مِن تَقْوَىَ اُلْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] فهذا أيضاً من المشاركة في
العظمة وهي مشروعة لنا، فما عظم المشرك الشريك إلا لعظمة الله لما رأى أن العظمة في
المخلوقات سارية يجدها كل إنسان في جبلته، ومع ذلك فأفرد المشرك عظم عظمة الله في
قلبه إلى الله، فما وقعت المؤاخذة إلا لكون ما وقع من ذلك عن غير أمر الله في حق أشخاص
معينين ونقل الاسم إلى أولئك الأشخاص .
وصل: وأما الأصول فمحفوظة بالفطرة التي فطر الله الخلق عليها، ألا ترى إلى ما قال
بعضهم: وما يهلكنا إلا الدهر، فقال الله تعالى في الوحي الصريح الصحيح: ((لاَ تَسُبُوا الدَّهْرَ فَإِنَّ
الله هُوَ الدَّهْرُ)) تراه قال هذا وجاء به سدى؟ لا والله بل جاء به رحمة لعباده، فإن الدهر عند
القائلين به ما هو محسوس عندهم، وإنما هو أمر متوهم صورته في العالم وجود الليل والنهار
عن حركة كوكب الشمس في فلكها المحرك بحركة الفلك الأعظم فلك البروج الذي له اليوم
بحر كته كما الليل والنهار بظهور كوكب الشمس فيه، فقد كان اليوم ولا ليل ولا نهار ومع وجود
الدرجات والدقائق وأقل من ذلك فلم يصح مع هذا شرك عام ولا تعطيل عام وإنما هي أسماء
سموها أطلقوها على أعيان محسوسة وموهومة عن غير أمر الله فأخذوا بعدم التوقيف، فقد
وجدنا الأمر عين ما وجد منهم عن غير أمر، فتحقق هذا الوصل فإنه دقيق جداً. انتهى السفر
الخامس والعشرون بانتهاء الوصل السادس من الباب التاسع والستين وثلاثمائة .
[السفر السادس والعشرون]
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
الوصل السابع من مفاتح خزائن الجود من الباب التاسع والستين وثلاثمائة: هذه الخزانة
فيها وجوب تأخر العبد عن رتبة سيده وتخليص عبوديته لله من غيره، كما أقر له بذلك في
قبضة الذرية يريد الحق أن يستصحبه ذلك الإقرار في حياته الدنيا موضع الحجاب والستر، فإن
الحق له التقدم على الخلق بالوجود وبالمكانة والرتبة فكان ولا مخلوق هذا تقدم الوجود وقدر
وقضى وحكم وأمضى إمضاء لا يرد ولا يقضى عليه فهذا تقدم الرتبة ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ
١٢٤
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
اُللَّهُ ﴾ [الإنسان: ٣٠] أن تشاؤوا فوجب التأخر عن رتبة الحق من جميع الوجوه، فإن العبد أعطي
الكثرة لتكون الأحدية له تعالى، وأعطي كل مخلوق أحدية التمييز لتكون عنده الأحدية ذوقاً،
فيعلم أن ثم أحدية ليعلم منها الأحدية الإلهية حتى يشهد بها الله تعالى، إذ لو لم يكن لمخلوق
أحدية ذوقاً يتميز بها عما سواه ما علم أن الله أحدية يتميز بها عن خلقه فلا بد منها، فللكثرة
أحدية الكثرة، ولكل عدد أحدية لا تكون لعدد آخر كالاثنين والثلاثة إلى ما فوق ذلك مما لا
يتناهى وجوداً عقلياً، فلكل كثرة من ذلك أحدية تخصه، وعلى كل حال أوجب الحق على
عبده أن يتأخر عن رتبة خالقه كما أخر سبحانه علمنا به عن علمنا بأنفسنا.، فوجود العلم
المحدث به متأخر بالوجود عن وجود العلم المحدث بنا، وجعل المفاضلة في العالم بعضه
على بعض لنعرف المفاضلة ذوقاً من نفوسنا فنعلم من ذلك فضل الحق علينا وإن تأخر علمنا
به عن علمنا بنفوسنا لنعلم أن علمنا بنفوسنا إنما كان للدلالة على علمنا به، فعلمنا أنا
مطلوبون له لا لأنفسنا وأعياننا لأن الدليل مطلوب للمدلول لا لنفسه، ولهذا لا يجتمع الدليل
والمدلول أبداً، فلا يجتمع الخلق والحق أبداً في وجه من الوجوه، فالعبد عبد لنفسه والرب
رب لنفسه، فالعبودية لا تصح إلا لمن يعرفها فيعلم أنه ليس فيها من الربوبية شيء، والربوبية
لا تصح إلا لمن يعرفها فيعرف أنه ليس فيها من العبودية شيء، فأوجب على عباده التأخر عن
ربوبيته، فشرع له الصلاة ليسميه بالمصلي وهو المتأخر عن رتبة ربه، ونسب الصلاة إليه
تعالى ليعلم أن الأمر يعطي تأخر العلم الحادث به عن العلم الحادث بالمخلوق فقال: ﴿هُوَ
اَلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَبِّكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ [الكوثر: ٢] ولما علمنا أنه من
تأخر عن أمر فقد انقطع عنه علمنا أن كل واحد قد تميز في رتبته عن الآخر بلا شك وإن اطلق
على كل واحد ما أطلق على الآخر فيتوهم الاشتراك وهو لا اشتراك فيه فإن الرتبة قد ميزته،
فيقبل كل واحد ذلك الإطلاق على ما تعطيه الرتبة التي تميز بها، فإنا نعلم قطعاً أن الأسماء
الإلهية التي بأيدينا تطلق على الله وتطلق علينا، ونعلم قطعاً بعلمنا برتبتنا وبعلمنا برتبة الحق
أن نسبة تلك الأسماء التي وقع في الظاهر الاشتراك في اللفظ بها إلى الله غير نسبتها إلينا فما
انفصل عنا إلا بربوبيته، وما انفصلنا عنه إلا بعبوديتنا، فمن لزم رتبته منا فما جنى على نفسه
بل أعطى الأمر حقه: [الهزج]
وقد بَان لك الخَلْقُ
فقد بَانَ لك الحَقُّ
فكُلُ قَوْلِهِ حَقُّ
فقُلْ ما شِئْتَ أو سَمُهْ
وما في كوننا صِدْقُ
فما في كَوْنِهِ مَيْنٌ
وفي هذا المعنى قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
قال رسول الله وَّ فِي هَذَا البَيْتِ ((أَضْدَقُ بَيْتٍ قَالَتْهُ العَرَبُ قَوْلُ لَبِيدٍ)) يعني هذا النصف
منه، قلنا: وهذه رتبة ما خص الله بها أحداً من الناس وأثنى عليه بها إلا الذاكر وذلك أن
الذاكر هو الذي كان له علم بأمر مّا ثم نسيه لما جبل عليه الإنسان من النسيان كما قال الله عز
١٢٥
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
وجل: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وصورة نسيانهم أنهم توهموا بما أضاف الله إليهم من
الأعمال والأموال والتمليك أن لهم حظاً في الربوبية أو ضرب الله لهم بسهم فيها بقوله: ﴿أَوْ
مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ [النساء: ٣] فلما اعتنى الله تعالى بمن اعتنى منهم وآتاه رحمة من عنده ذكر
اسم ربه والله يقول: أنا جليس من ذكرني، والذاكرون هم جلساء الحق فأورثه الذكر مجالسة
الحق وأورثته المجالسة مشاهدة الحق ورؤيته في الأشياء، يقول الصديق: ما رأيت شيئاً إلا
رأيت الله قبله وعمر معه وغيره بعده وغيره فيه وغيره ما رأيت شيئاً من غير ارتباط بشيء
وأورثته رؤية الحق تأخره عما كان يتوهم من أن الله تعالى ضرب له بسهم في الربوبية وأنها من
نعوته وله فيها قدم بوجه ما فتأخر عن ذلك بالذكر فقال: ﴿وَذَّكَرَ أَسْمَ رَبِهِ، فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]
أي تأخر إلى مقام عبودته وأفرد الربوبية الله تعالى، فأفلح من جميع وجوهه، وليست هذه
الصفة مشاهدة لغير الذاكر، فالذاكر عبد مخلص لله تعالى، ألا ترى إلى ما قال في الذي
اتصف بنقيض هذه الحال ما جاءه ذكر ربه وهو القرآن يذكر بنفسه وبربه: ﴿فَلاَ صَدَّقَ﴾ من أتى
به أنه من عند ربه ﴿ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] يقول: ولا تأخر عن دعواه وتكبره وقد سمع قوله الله
الحق، ولو لم يكن من عند الله فينبغي للعاقل إذا سمع الحق ممن معه أن يرجع إليه ويقول به
ليكون من أهله من رد الحق، فما صدق ذلك القول فيما دل عليه قاله من قاله فذمه الله وقال
ولكن استدراك لتمام القصة كذب من أتى به إليه وهو الرسول وَل# وكذب الحق إما بجهله فلم
يعلم أنه الحق وإما بعناد وهو على يقين أنه حق في نفس الأمر، فغالط نفسه لكون هذا
الرسول جاء به كما قال في حق من هذه صفته ﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ﴾
[النمل: ١٤] ثم قال: ﴿وَتَوَلَى﴾ [القيامة: ٣٢] بعد تكذيبه بالحق وبمن جاء به فتولى عن الحق ﴿ثُمَّ
ذَهَبَ إِلَ أَهْلِهِ، يَتَّى﴾ [ القيامة: ٣٣] وهذا شغل المتكبر المشغول الخاطر المفكر الحائر الذي
كسله ما سمعه، فإنه بالوجه الظاهر يعلم أنه الحق لأن المعجزة لم يأت بها الله إلا لمن يعلم
أن في قوته قبولها بما ركب الله فيه من ذلك؛ ولذلك اختلفت الدلالات من كل نبي وفي حق
كل طائفة، ولو جاءهم بآية ليس في وسعهم أن يقبلوها لجهلهم ما آخذهم الله بإعراضهم ولا
بتوليهم عنها فإن الله عليم حكيم عادل، ومن تأخر عن حق غيره إلى ما يستحقه في نفسه فقد
أنصف من نفسه ولم يتوجه لصاحب حق عليه طلب فحاز الخير بكلتي يديه فوقفه الله على
جوامع الخير كله، فإنه من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً فإن الحكيم هو الذي ينزل كل
شيء في مرتبته ويعطي كل ذي حق حقه، فله الحجة البالغة والكلمة الدامغة، ولم تنقطع
مشاهدته، ولم تتأخر المعونة الإلهية في عبادته عن مساعدته فإنا فرضناه عبد السيد ما فرضناه
ملكاً، فإن الملك قد يكون فيمن يعقل عبوديته وفيمن لا يعقلها، فالعبد حاله السمع والطاعة
لسيده، وما عدا العبد فهو ملك يتصرف فيه المالك كيف يشاء من غير أن يتعلق به ثناء يعدم
منعه من التصرف فيه بخلاف من يعقل وهو العبد، فإذا قام في تصريف الحق فيه مقام الأموال
أثنى الله عليه بذلك لأن الله قد خصه في نشأته بقوة المنع والرد لكلمة الحق ومكنه من الطاعة
والمعصية فهو لما استعمله من ذلك فوقع الثناء عليه كما أثنى الله على الملائكة بقوله: ﴿لَّا
١٢٦
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] فلو لم يكن في قوتهم ونشأتهم ما يقتضي
رد أمر الله وما يقتضي قبوله ما أثنى الله عليهم بما أثنى به من نفي العصيان عنهم وفعلهم ما
أمرهم به فإن المجبور لا ثناء عليه، ألا ترى إلى المصلي إذا وقف بين يدي ربه في الصلاة
يتكتف شغل العبد الذليل بين يدي سيده في حال مناجاته، والسنة قد وردت بذلك، وهو
أحسن من إسبال اليدين وذلك أن الله تعالى لما قسم الصلاة بينه وبين عبده نصفين فجزء منها
مخلص له تعالى من أول الفاتحة إلى قوله: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] فهذا بمنزلة اليد
اليمنى من العبد لأن القوة لله جميعاً فأعطيناه اليمين، والجزء الآخر مخلص للعبد من قوله :
﴿أَهْدِنَا﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخر السورة فهذا الجزء بمنزلة اليد اليسرى وهي الشمال فإنه الجناب
الأضعف والعبد هذه مرتبته فإنه خلق من ضعف ابتداء ورد إلى ضعف انتهاء وجزء منها بين
الله وبين عبده فجمع هذا الجزء بين الله وعبده وهو قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ﴾
[الفاتحة: ٥] فلهذا الجمع جمع العبد بين يديه في الصلاة إذا وقف فكملت صلاة العبد بجمعه
بين يديه، وصورة هذا التكتيف أن يجعل اليمنى على اليسرى كما قررناه من أن اليمين اللّه فلها
العلو على الشمال، وصورتها أن يجعل باطن كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ
والساعد ليجمع بالإحاطة جميع اليد التي أمر الله عبده في الوضوء للصلاة أن يعمها بالطهارة
فأخذ الرسغ وما جاوره من الكف والساعد، فانظر إلى هذه الحكمة ما أجلاها لذي عينين، ثم
نهى النبي ◌َّ أن يرفع المصلي عينيه إلى السماء في صلاته فإن الله في قبلة العبد ولا يقابله في
وقوفه إلا الأفق فهو قبلته التي يستقبلها ويحمد له أن ينظر إلى موضع سجوده فإنه المنبه له
على معرفة نفسه وعبوديته، ولهذا جعل الله القربة في الصلاة في حال السجود، وليس الإنسان
بمعصوم من الشيطان في شيء من صلاته إلا في السجود، فإنه إذا سجد اعتزل عنه الشيطان
يبكي على نفسه ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي
النار .
الوصل الثامن من خزائن الجود: وهو متعلق بهذا الوصل الذي فرغنا منه، وهو أن
العبد متأخر في نفس الأمر عن رتبة خالقه، وقد حيل بينه وبين شهود ذلك بما جعل الله فيه
من النسيان والسهو والغفلة، فيتخيل أن له قدماً في السيادة والحال تشهد بخلاف ذلك فهو
بالحال محقق، وفي نفس الأمر على ما هو عليه صاحب الشهود ولا سعادة له في ذلك بل له
الشقاء وهذا غاية الحرمان، ولا يزال كذلك حتى ينكشف الغطاء فيحتد البصر فيرى الأمر على
ما هو عليه فيؤمن به فما ينفعه إيمانه، فإن الإيمان لا يكون إلا بالخبر لا بالعيان، فليس
المؤمن إلا من يؤمن بالغيب، وهو الخبر الذي جاء من عند الله فإن الخبر بما هو خبر يقبل
الصدق والكذب كالممكن يقبل الوجود والعدم.
واعلم أنه ما أتى على أحد إلا من الغفلة عما يجب عليه من الحقوق التي أوجب الشرع
عليه أداءها، فمن أحضرها نصب عينيه وسعى جهده في أدائها ثم حالت بينه وبين أدائها موانع
تقيم له العذر عند الله فقد وفى الأمر حقه ووفى الله بذمته، ولا حرج عليه ولا جناح ولا
١٢٧
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
خاطبه الحق بوجوب حق عليه مع ذلك المانع، والموانع على نوعين: نوع يكون مع الحضور
ونوع يكون مع عدم الحضور وهو الغفلة، فأما النوع الذي يكون مع الحضور فينقسم قسمين :
قسم يرجع إلى النظر في ذلك الواجب هل هو واجب عليه أم لا؟ فيجتهد جهد وسعه الذي
كلفه الله في طلب الدليل على وجوب ذلك الأمر فلا يجده وهو من أهل الاجتهاد فلا يجب
عليه إلا ما يقتضيه دليله وهو واجب في نفس الأمر عند الله ولكن أخطأ هذا المجتهد فهو
مأجور عند الله بنص الله ونص رسوله ◌َ ل# وما كلفه الله إلا ذلك، وقد أدى ما كلفه الله من
الاجتهاد في طلب الدليل فلم يجده، وليس للمجتهد أن يقلد غيره في حكم لا يعرف دليله
ولكن من اجتهاده إذا لم يعثر على دليل أن يسأل في ذلك الأمر أهل الاجتهاد الذين حكموا
عليه بالوجوب، وصورة سؤاله أن يقول لهم: ما دليلكم على ما أوجبتموه في هذا الأمر؟ ولا
يقلدهم في الحكم، فإذا عزّفوه بدليلهم فإن كان ذلك الدليل مما قد حصل له في اجتهاده
فقدح فيه فلا يجب عليه النظر فيه ولا الحكم به فإنه قد تركه وراءه، وإن كان لم يعثر عليه فيما
عثر من نظره فله عند ذلك النظر في دليل ذلك المجتهد المسؤول هل هو دليل في نظر هذا
السائل المجتهد أو ليس بدليل؟ فإن أداه اجتهاده في أن ذلك هو دليل كما هو عند من اتخذه
دليلاً تعين عليه العمل به، وإن قدح فيه بوجه لم يعثر ذلك الآخر عليه فإنه ليس له الأخذ به
ولا تقليد ذلك المسؤول في الحكم الذي حكم هذا الدليل عليه عند ذلك المجتهد فهذا مانع،
والقسم الآخر أن يعلم وجوب ذلك عليه من فعل أو ترك ثم يحول بينه وبين ذلك إن كان تركاً
اضطرار، وإن كان أمراً فعدم استطاعة، وما ثم مانع آخر، هذا مع الحضور والنوع الآخر من
الموانع الغفلة وهي على نوعين: غفلة عن كذا وغفلة في كذا، فالغفلة عن كذا ترك ذلك
بالكلية وهو غير مؤاخذ بذلك عند الله فإن الله قد رفع عن عباده رحمة بهم الخطأ وهو حال
المجتهد الذي ذكرناه آنفاً، والنسيان وهو الغفلة وما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به،
فإن الكلام عمل فيؤاخذ به من حيث ما هو متلفظ به، فإن كان ليس لذلك المتلفظ به عمل إلا
عين التلفظ به كالغيبة والنميمة فإنه يؤاخذ بذلك بحسب ما يؤدي إليه ذلك التلفظ وإن كان
تلفظ به وله عمل زائد على التلفظ به فلم يعمل به فما عليه إلا عين ما تلفظ به فهو مسؤول
عند الله من حيث لسانه. ولا يدخل الهمّ بالشيء في حديث النفس فإن الهم بالشيء له حكم
آخر في الشرع، خلاف حديث النفس فإن لذلك مواطن فإنه من يرد في الحرم المكيّ بإلحاد
بظلم نذقه من عذاب أليم، سواء وقع منه ذلك الظلم الذي أراده أو لم يقع، وأما في غير
المسجد الحرام المكي فإنه غير مؤاخذ بالهم، فإن لم يفعل ما هم به كتب له حسنة إذا ترك
ذلك من أجل الله خاصة، فإن لم يتركها من أجل الله لم يكتب له ولا عليه، فهذا الفرق بين
الحديث النفسي والإرادة التي هي الهم، فهذا وأمثاله رحمة من الله بعباده. وأما الغفلة في كذا
فهو تكليف صعب لو كلفه الإنسان لكن الله ما آخذ عباده بالغفلة في كذا كما لم يؤاخذهم
بالغفلة عن كذا، فإنه إذا غفل في كذا فإنه غفل عن جزء من أجزاء ما هو فيه شارع أو عامل
فهو من غفلت عن كذا، وقد شرع الله للغافل في كذا في بعض الأعمال حكماً كالساهي في
١٢٨
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
صلاته فإنه قد شرع له سجود السهو جبراً لما سها عنه وترغيماً للشيطان الذي وسوس له حتى
وقع منه السهو والغفلة فيما هو فيه عامل، فإن تغافل حتى أوجب له ذلك التغافل الغفلة آخذه
الله بها فإنه متعمل قاصد فيما يحول بينه وبين ما أوجب الله عليه فعله أو تركه، فإذا غفل
الإنسان أو سها عن عبوديته ورأى له فضلاً على عبد آخر مثله ولا سيما إن كان العبد الآخر
ملك يمينه أو يكون هذا الغافل من أولي الأمر كالسلطان والوالي فيرى لنفسه مزية على غيره ما
يرى تلك المزية للمرتبة التي أقيم فيها إن كان من أولي الأمر ولا للصفة القائمة به من حيث
الاختصاص الإلهيّ له بها كالعلم وكرم الأخلاق فلم يفرق بين نفسه والمرتبة ولا بين الصفة
والموصوف بها، فإنه صاحب جهل وغفلة مردية ولهذا يقول في حالها: وأنت مثلي أو فلان
مثلي أو يعادلني، ومن هو فلان؟ وأي شيء قيمة فلان؟ وهل هو إلا عبدي أو من رعيتي أو
هو كذا من كل أمر مذموم ينزه نفسه عنه وينوطه بذلك الآخر، بخلاف من ليس بغافل عن
نفسه فإنه يجعل الفضل للصفة والمرتبة لا لنفسه فإنه لم ينلها باستحقاق وإنما نالها بامتنان
إلهيّ إما لشقاوته إن كفر بها أو لسعادته إن شكرها، ولولا حكم الجهل فيمن هذه صفته ما
اتصف بهذا وإن كان عالماً بهذا كله وتغافل فإنه مباهت، فهذا أعظم في الجور، بل هو في
هذه الحالة كصاحب اليمين الغموس والغافل كصاحب لغو اليمين، فإذا كان مستحضراً
لحقيقته عالماً بأن الذي هو عليه مما حرمه غيره جائز أن يسلب عنه ويخلع على ذلك الغير
الذي قد ازدراه لإهمال الله إياه فشكر نعمة الله عليه ودعا الله لذلك الغير أن ينيله مثل ما أعطاه
الله وأدركته الشفقة فإنه وإن كان كافراً فهو أخوه من حيث أنه وإياه من نفس واحدة، وإن كان
مؤمناً فهو أخوه أخوة اختصاص ديني سعادي، فعلى كل حال وجبت عليه الشفقة على خلق
الله والرحمة بعباد الله، يقول رسول الله وَله: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً)) فأما نصرة
المظلوم فمعلومة عند الجميع، وأما نصرة الظالم فرحمة نبوية خفية فإنه علم أن الظلم ليس
من شيم النفوس لأنها طاهرة الذات بالأصالة، فكلما ينقص طهارتها فهو أمر عرضي عرض
لها لما عندها من القبول في جبلتها، والذي من شيمها إنما هو القهر والظهور، ومن هنا دخل
عليها إبليس بوسوسته، ولقد جهل القائل الذي قال: الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة
فلعلة لا يظلم وما أنصف وما قال حقاً، فلو قال بدل الظلم القهر من شيم النفوس فالظلم
الذي يصدر من زيد في حق من كان ما هو منه وإنما هو ممن يلقي إليه وهو الشيطان،
وللإنسان فيه مدافعة يجدها من نفسه لأن ذلك ليس من شيم النفوس، وإنما الذي من شأنه
إنما هو جلب المنافع ودفع المضار، فدفع المضار به تشارك الحيوان كله، وجلب المنافع مما
تختص به النفس الإنسانية، فإذا رأيت الحيوان يجلب المنافع فليس ذلك إلا لدفع المضار
لا لأمر آخر فكل ضرر يطرأ من الحيان في حق حيوان آخر أو في حق إنسان إنما هو لدفع
المضار عن نفسه خاصة. ولما كانت نفس الإنسان بهذه المثابة ووقع منه الظلم في حق أحد
فيسمى ظالماً فنصرة الظالم أن تنصره على إبليس الذي يوسوس في صدره بما يقع منه من
الظلم بالكلام الذي تستحليه النفوس وتنقاد إليه فتعينه على رد ما وسوس إليه الشيطان من
١٢٩
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
ذلك فهذه نصرته إذا كان ظالماً، ولذا جاء في الخبر في نصرة الظالم أن يأخذ على يده والمراد
به ما ذكرناه ولهذا جاء بلفظ النصرة التي أوجبتها الأخوة لأنه لا بد أن تكون النصرة على شيء
وما ثم إلا ما ذكرناه، لأن العدوّ الموسوس إليه في صدره يقول مقسماً بربه: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌ
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣] وهم الذين أخلصهم الله إليه مما ألقي إليهم وفيهم من
نور الحفظ والعصمة ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَتِهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢] أي
قوّة وقهر وحجة لأن الله تولى حفظهم وتعليمهم بما جعل فيهم من التقوى، فلما اتخذوا الله
جل جلاله وقاية لم يجد اللعين من أين يدخل عليهم بشيء فإنه أينما تولى منه ليدخل عليه بما
يخرجه عن دينه وعلمه وجد في تلك الجهة وجه الله يحفظه فلا يستطيع الوصول إليه
بالوسوسة فيتجسد له في صورة إنسان مثله فيتخيل أنه إنسان ويأتيه بالإغواء من قبل أذنه،
فيدخل له فيما حجر عليه تأويلاً أدناه أن يبيح له ذلك فلا يضره الوقوع فيه بسبب ذلك التأويل
لعلمه بأن الإنسان لا يقدم على معصية الله ابتداء دون وسوسة من العدوّ الذي يزين له سوء
عمله فيراه حسناً، فإذا جاء بهذه المثابة للعالم الذي ما له عليه سلطان بما ذكرناه من التأويل
فيما يريد إيقاعه به صار ذلك العالم من أهل الاجتهاد، فإن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله
أجران فهو مأجور على كل حال، فما تم له مراده، وإن نسي كما نسي آدم فإن الله تعالى الذي
شرع المعصية والطاعة وبين حكمهما رفع حكم الأخذ بالمعصية في حق الناسي والمخطىء
كما رفعها في حق المجتهد، فما تحرَّك الإنسان إلا في أمر مشروع، فقد أحاط بالإنسان وجه
الله ظاهراً وباطناً، فأينما تولاه الشيطان من ظاهر وباطن فثم وجه الله يحفظه فما له عليه
سلطان وهو قوله {وَ ل﴿ في حق القرين: ((أَعَانَنِي الله عَلَيْهِ فَأَسْلَمُ)) برفع الميم على جهة الخبر فما
له عليه سلطان أي حجة لأن الحجة هنا شرعية، فهو لو ألقى على ظاهره أو باطنه، وفي
الشرع حكم برفع المؤاخذة فيما أتى به هذا العدوّ فما له عليه سلطان لأن الحجة الشرعية له :
﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ اُلْبَلِغَّةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وقوله: ((فأعانني الله عليه)) هي نصرة الله له بالحجة فلا يبالي
ولهذا شرع لعباده أن يقولوا: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ [الفاتحة: ٥] أي بك نستنصر، وما ثم إلا
العلم فهو خبر ناصر يعطيه الله عبده، والذي نسي آدم إنما هو قوله تعالى له: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ
وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧] فنسي ما أخبره الله به من عداوته فقبل نصيحته. ولما علم إبليس أن آدم
محفوظ من الله ورأى الله قد نهاه عن قرب الشجرة لا قرب الثمرة جاء بصورة الأكل لا بصورة
القرب فإنه علم أنه لا يفعل لنهي ربه إياه عن قرب الشجرة فأتاه بثمرها فأكل آدم وزوجته حقّاء
وصدقا إبليس وهو الكذوب في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]
وكذلك كان أورثه ذلك الأكل منها الخلد في الجنة والملك الذي لا يبلى، وما قال له متى
وجعل ذلك من خاصية تلك الشجرة فيمن أكل منها فأورثه الاجتباء الإلهي فأهبطه الله للخلافة
في الأرض تصديقاً لما قاله للملائكة: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠] وأهبط حواء
للنسل وأهبط إبليس للإغواء ليحور عليه جميع ما يغوي به بني آدم إذا عمت الناس رحمة الله،
فجعل الله كل مخالفة تكون من الإنسان من إلقاء العدوّ وإغوائه فقال: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
الفتوحات المكية ج٦ - م٩
١٣٠
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ﴾ أي بإظهارها يعني بذلك وقوعها منكم لما علم أن الإنسان قد رفع عنه
الحق ما حدث به نفسه وما هم به من السوء إلا أن يظهر ذلك على جوارحه بالعمل وهو
الفحشاء فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةٌ مِّنْهُ﴾ لما وقع منكم من الفحشاء التي أمركم بها
الشيطان ﴿وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨] لما وعدكم به من الفقر، وهذه أعظم آية وأشدّها مرت على
سمع إبليس فإنه علم أنه لا ينفعه إغواؤه ولهذا لا يحرص إلا على الشرك خاصة لكونه سمع
الحق يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وتخيل أن العقوبة على الشرك لا
ينتهي أمدها، والله ما قال ذلك فلا بد من عقوبة المشرك ومن سكناه في جهنم فإنه ليس
بخارج من النار فهو مؤبد السكنى ولم يتعرض لانتهاء مدة العذاب فيها بالشقاء، وليس
الخوف إلا من ذلك لا من كونها دار إقامة لمن يعمرها فصدق الله بكون المشرك مأخوذاً
بشركه فهو بمنزلة إقامة الحد على من تعين عليه سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة، فهي
حدود إلهية يقيمها الحق على عبده إذا لم يغفر له أسبابها، وجهل إبليس انتهاء مدة عقوبة
المشرك من أجل شركه، ولهذا طمع إبليس في الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء، وطمعه
فيها من عين المنة لإطلاقها لأنه علم في نفسه أنه موحد، وإنما سماه الله كافراً في قوله
تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] لأنه يستر عن العباد طرق سعادتهم التي جاء بها
الشرع في حق كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك فقال فيه: ﴿أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾
[البقرة: ٣٤] ولم يقل من المشركين لأنه يخاف الله رب العالمين ويعلم أن الله واحد، وقد علم
حال مآل الموحدين إلى أين يصير سواء كان توحيده عن إيمان أو عن نظر من غير إيمان كما
قال عيسى عليه السلام لإبليس لما عجز إبليس أن يطيعه عيسى عليه السلام فقال له إبليس : يا
عيسى قل لا إله إلا الله حرص أن يطيعه، فقال له عيسى عليه السلام: أقولها لا لقولك لا إله
إلا الله وقد علم إبليس أن جهنم لا تقبل خلود أهل التوحيد وأن الله لا يترك فيها موحداً بأي
طريق كان توحيده، فعلى هذا القدر اعتمد إبليس في حق نفسه فعلم من وجه وجهل من وجه
إذ لا يعلم الشيء من جميع وجوهه إلا الله عز وجل الذي أحاط بكل شيء علماً، سواء كان
الشيء ثابتاً أو موجوداً أو متناهياً أو غير متناه: [مخلع البسيط]
ما أَجْهَلَ الخَلْقَ بِالأُمُورِ
قال لِيَ الحَقُّ في ضميري
مُنَبٍَّ عَالِمِ خَبِيرِ
ما عَرَف الأمْرَ غَيْرُ شَخْصٍ
نَذْبٍ بِأمْر الوَرّى بَصِيرٍ
مُهَيَّىٍ للهُدَى مُعَدِّ
ليس بحَذْسِ ولا شُعُور
قد عَلِمَ الحَقَّ عِلْمَ ذَوْقٍ
ولا خَفَاءٍ ولا ظُهُـورِ
ولا تَنَاءِ ولا تَدَانٍ
الوصل التاسع من خزائن الجود: قال تعالى: ﴿وَأَلْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] فهو
التفاف لا ينحل فإنه تعالى تمم فقال: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَدٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٣٠] فأتى بالاسم
الذي يعطي الثبات والأمر ملتف بالأمر وإلى الرب المساق، فلا بد من ثبات هذا الالتفاف
في الدار الآخرة، فعين أمر الدنيا عين أمر الآخرة، غير أن موطن الآخرة لا يشبه موطن
١٣١
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
الدنيا لما في الآخرة من التخليص القائم بوجود الدارين، فوقع التمييز بالدار والكل آخرة
فالتف أمر الدنيا بأمر الآخرة، لا عين الدنيا بأمر الآخرة ولا عين الدنيا بعين الآخرة، ولكل
دار أهل وجماعة والأمر ما هو عليه ذلك الجميع وإن اختلفت الأحوال فلا تزال الناس في
الآخرة ينتقلون بالأحوال كما كانوا في الدنيا ينتقلون بالأحوال والأعيان ثابتة فإن الرب
يحفظها، فالانتقال هو الجامع وفيماذا ينتقلون فذلك علم آخر يعلم من وجه آخر، فمن
كون الآخرة دار جزاء كما كانت الدنيا دار جزاء في الخير والشر ظهر في الآخرة ما ظهر من
سعادة وشقاء، فالشقاء للغضب الإلهي، والسعادة للرضى الإلهيّ، فالرضى بسط الرحمة من
غير انتهاء، والغضب منقطع بالخبر النبوي فينتهي حكمه ولا ينتهي حكم الرضى، ولا سيما
وقد قدمنا في كتابنا هذا أن الإنسان ولد على الفطرة وهي العلم بوجود الرب أنه ربنا ونحن
عبيد له، وأن الإنسان لا يقبض حين يقبض إلا بعد كشف الغطاء فلا يقبض إلا مؤمناً ولا
يحشر إلا مؤمناً، غير أن الله لما قال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] فما
آمنوا إلا ليندفع عنهم ذلك البأس فما اندفع عنهم وأخذهم الله بذلك البأس وما ذكر أنه لا
ينفعهم في الآخرة، ويؤيد ذلك قوله: ﴿فَلَوْلًا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَقََّ
ءَامَنُواْ﴾ حين رأوا البأس ﴿ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِيِ فِ الْحَيَوْمِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٩٨] فهذا معنى
قولنا: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ في رفع البأس عنهم في الحياة الدنيا كما نفع قوم يونس
فما تعرض إلى الآخرة، ومع هذا فإن الله يقيم حدوده على عباده حيث شاء ومتى شاء،
فثبت انتقال الناس في الدارين في أحوالهم من نعيم إلى نعيم، ومن عذاب إلى عذاب،
ومن عذاب إلى نعيم من غير مدة معلومة لنا، فإن الله ما عرفنا إلا أنا استروحنا من قوله :
﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] أن هذا القدر مدة إقامة الحدود والله أعلم
فإنه لا علم لي بذلك من طريق الكشف، فرحم الله عبداً أطلعه الحق على انتهاء مدة الشقاء
فليلحقها في هذا الموضع من كتابي هذا فإني علمت ذلك مجملاً من غير تفصيل وما كان
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيِدٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٣٠] والرب المصلح فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة،
هكذا جاء في الخبر النبوي في الرجلين يكون لأحدهما حق على الآخر فيقفان بين يدي الله
تعالى فيقول: رب خذ لي بمظلمتي من هذا، فيقول له: ارفع رأسك فيرى خيراً كثيراً،
فيقول المظلوم: لمن هذا يا رب؟ فيقول: لمن أعطاني الثمن، فيقول: يا رب ومن يقدر
على ثمن هذا؟ فيقول له: أنت بعفوك عن أخيك، فيقول: قد عفوت عنه فيأخذ بيده
فيدخلان الجنة، فقال رسول الله وَ﴿ عند إيراده هذا الخبر: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ
بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة الكريم إذا كان من شأنه أن يصلح
بين عباده بمثل هذا الصلح حتى يسقط المظلوم حقه ويعفو عن أخيه، فالله أولى بهذه الصفة
من العبد في ترك المؤاخذة بحقوقه من عباده، فيعاقب من شاء بظلم الغير لا بحقه المختص
به، ولهذا الأخذ بالشرك من ظلم الغير فإن الله ما ينتصر لنفسه وإنما ينتصر لغيره، والذي
شاء سبحانه ينتصر له، فإن الشركاء يتبرؤون من أتباعهم يوم القيامة، والرب أيضاً المغذي
١٣٢
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
والمربي فهو يربي عباده، والمربي من شأنه إصلاح حال من يربيه، فمن التربية ما يقع بها
الألم كمن يضرب ولده ليؤدبه وذلك من جملة تربيته وطلب المصلحة في حقه لينفعه ذلك
في موطنه، كذلك حدود الله تربية لعباده حيث أقامها الله عليهم فهو يربيهم بها لسعادة لهم
في ذلك من حيث لا يشعرون، كما لا يشعر الصغير بضرب من يربيه إياه، والرب أيضاً
السيد والسيد أشفق على عبده من العبد على نفسه فإنه أعلم بمصالحه، ولن يسعى سيد في
إتلاف عبده لأنه لا تصح له سيادة إلا بوجود العبد فإنها صفة إضافية، فعلى قدر ما يزول
من المضاف يزول من حكم المضاف إليه، كالسلطان إذا لم يكن شغله دائماً في أمور رعيته
وإلا فما له من السلطنة إلا الاسم وهو معزول في نفس الأمر فإن المرتبة لا تقبله سلطاناً إلا
بشروطها، فعلى قدر ما يشتغل عن رعيته بنفسه في لهوه وطربه فهو إنسان من جملة الناس
لا حظ له في السلطنة وينقصه في الآخرة من أجر السلطنة وعزها وشموخها على قدر ما
فرط فيه من حقها في الدنيا بلهوه ولعبه وصيده وتغافله عن أمور رعيته، وإذا سمع السلطان
باستغاثة بعض رعيته عليه فلم يلتفت لذلك المستغيث ولا قضى فيه بما تعطيه مسألته إما له
وإما عليه، فقد شهد على نفسه بهذا الفعل أنه معزول وأنه ليس بسلطان ولا فرق بينه وبين
العامة، فما يقع مثل هذا إلا من سلطان جاهل لا معرفة له بقدر ما ولاه الله عليه، ولا غر
وأن هذا الفعل يوجب أن يحور عليه وباله يوم القيامة وتقوم عليه الحجة عند الله لرعيته
فيبقى موبقاً بعمله ولا ينفعه عند ذلك لهوه ولا ماله ولا بنوه ولا كل ما شغله عما تطلبه
السلطنة بذاتها. وأما الرب الذي هو المالك فلشدة ما يعطيه هذا الاسم من النظر فيما
تستحقه المرتبة فيوفيها حقها فقد بان لك في هذا المساق معنى اختصاص هذا الاسم الرب
الذي إليه المساق عند التفاف الساق بالساق، فبه انتظم الأمران وثبت الانتقالان. ومن علم
ثبوت الوجود ومن هو مالكه وسيده ومصلحه والثابت له حكمه فيه علم أن الرب مالكه.
ومن علم منزلة عبوديته علم منزلة سيادة سيده فخافه ورجاه وصدقه في أمنه إذا أمنه لعلمه
بأنه السيد الوفي الصادق الغني، ومهما تهدم شيء من بيت الوجود رمه هذا السيد بيد عبده
لأنه آلته في ذلك والمستخدم فعلى يده يكون صلاح ما تهدم منه ويأمره سيده في ذلك إما
بمشافهة أو بتبليغ مبلغ يبلغ إليه من السيد بإصلاحه، أو صورة حال تعطيه إصلاح ذلك من
غير توقف على الأمر الآتي من عند السيد كالرهبانية الحسنة التي ابتدعها من ابتدعها فهو
مأجور فيها موفقة بصورة الحال لما في نفس السيد، وإن لم يأمر بها في النواميس في أهل
الفترات فإن الشرع ما جاء إلا لمصالح الدنيا والآخرة، فالآخرة لا تعرف إلا بأخبار خالقها
وأنها في حكم العقل ممكنة والدنيا ومصالحها معلومة لأنها واقعة مشهودة، فللنظر في
مصالحها مجال بخلاف الآخرة، فلا تتوقف مصالح الدنيا على ما تتوقف عليه مصالح
الآخرة، ولهذا ما خلت طائفة من ناموس تكون عليه لأن طلب المصالح ذاتي في الحيوان
فكيف في الإنسان صاحب الفكر والروية؟ فمن تدبر هذا الوصل رأى عجباً وعلم علماً
يعطيه الرفعة في الدنيا والآخرة وينضم إليه علم الجمع والفرق الذي في عين الجمع، وعلم
١٣٣
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
الأحوال والشؤون، وعلم الزمانين، وعلم ما يختص بالكون، وعلم القلوب التي وسعت
الحق جل جلاله، وعلم ما يقع به البقاء لهذا الوجود أعني الموجودات كلها، وعلم العاقبة
وهو وصل شريف: [الوافر]
تَصِحُّ له السيادةُ في الوُجُودِ
إذا صَحَّتْ عُبُودَةُ كُلٌّ عَبْدٍ
عليه بذاك أعلامُ المَزيدِ
فيَخكُمُ مثل سَيِّده وتَبْدُو
بأن الأمْرَ فيه من الشُّهُودِ
ويُخبرُنا لسانُ الحالِ عنه
كما عَنَتِ الملائِكُ بالسُّجُودِ
له تَعْنُو الوجوهُ إذا تَبَدَّى
فيُذْعَى بالمُرَاد وبالمُرِيدِ
فيَسْمُو رِفْعَةً ويُذِلُ عِزّاً
الوصل العاشر من خزائن الجود: وهذا وصل الأذواق وهو العلم بالكيفيات فهي لا
تقال إلا بين أربابها إذا اجتمعوا على اصطلاح معين فيها، وأما إذا لم يجتمعوا على ذلك
فلا تنقال بين الذائقين، وهذا لا يكون إلا في العلم بما سوى الله مما لا يدرك إلا ذوقاً
كالمحسوسات واللذة بها وبما يجده من التلذذ بالعلم المستفاد من النظر الفكري فهذا يمكن
فيه الاصطلاح بوجه قريب. وأما الذوق الذي يكون في مشاهدة الحق فإنه لا يقع عليه
اصطلاح فإنه ذوق الأسرار وهو خارج عن الذوق النظري والحسي، فإن الأشياء أعني كل
ما سوى الله لها أمثال وأشباه فيمكن الاصطلاح فيها للتفهيم عند كل ذائق له فيها طعم ذوق
من أي نوع كان من أنواع الإدراكات، والبارىء ليس كمثله شيء، فمن المحال أن يضبطه
اصطلاح فإن الذي يشهد منه شخص ما هو عين ما شهده شخص آخر جملة واحدة وبهذا
يعرفه العارفون، فلا يقدر عارف بالأمر أن يوصل إلى عارف آخر ما يشهده من ربه لأن كل
واحد من العارفين شهد من لا مثل له ولا يكون التوصيل إلا بالأمثال، فلو اشتركا في
صورة لاصطلحا عليها بما شاء، وإذا قبل ذلك واحد جاز أن يقبل جميع العالم، فلا يتجلى
في صورة واحدة لشخصين من العارفين، ولكن قد رفع الله بعض عباده درجات لم يعطها لغير
عباده الذين لم يصح لهم هذه الدرجات وهم العامة من أهل الرؤية فيتجلى لهم في صور
الأمثال، ولهذا تجتمع الأمة في عقد واحد في الله فيعتقد كل واحد من تلك الطائفة المعينة في
الله ما يعتقده الآخر منها، كمن اتفق من الأشاعرة والمعتزلة والحنابلة والقدماء فقد اتفقوا على
أمر واحد لم تختلف فيه تلك الطائفة فجاز أن يصطلحوا فيما اتفقوا عليه، وأما العارفون أهل الله
فإنهم علموا أن الله لا يتجلى في صورة واحدة لشخصين ولا في صورة واحدة مرتين فلم ينضبط
لهم الأمر لما كان لكل شخص تجل يخصه ورآه الإنسان من نفسه، فإنه إذا تجلى له في صورة
ثم تجلى له في صورة غيرها فعلم من هذا التجلي ما لم يعلمه من هذا التجلي الآخر من الحق
هكذا دائماً في كل تجل علم أن الأمر في نفسه كذلك في حقه وحق غيره، فلا يقدر أن يعين في
ذلك اصطلاحاً تقع به الفائدة بين المتخاطبين فهم يعلمون ولا ينقال ما يعلمون ولا في قوة
أصحاب هذا المقام الأبهج الذي لا مقام في الممكنات أعلى منه أن يضع عليه لفظاً يدلك على
ما علمه منه إلا ما أوقعه تعالى وهو قوله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فنفى
١٣٤
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
المماثلة، فما صورة يتجلى فيها لأحد تماثل صورة أخرى: [الوافر]
وجَلَّ فليس يَضْبِطُهُ اضْطِلاحُ
فعَزَّ الأمْرُ أن يُذْرَى فيُحكَّى
تُعَبْرُ عنه ألسنةٌ فِصَاحُ
فتَجْهَلُهُ العقولُ إذا تراه
لا مكان يكون به الصّلاحُ
مِنَ آقْوام مقلّدة عقولاً
على جَهْل فخَانَهُمُ الفَلاحُ
فهم بالفِكْرِ قد جمعوا عليه
فما اضْطلَحُوا فَجَاءَهُمُ النَّجاحُ
وقال العارفون بما رَأَوْهُ
وليس له بنا إلا السراخُ
فليس كمثله في الكون شيءٌ
فبتقييدنا حكمنا عليه بالإطلاق، وأما الأمر في نفسه فغير منعوت بتقييد ولا إطلاق بل
وجود عام فهو عين الأشياء وما الأشياء عينه، فلا ظهور لشيء لا تكون هويته عين ذلك
الشيء، فمن كان وجوده بهذه المثابة كيف يقبل الإطلاق أو التقييد هكذا عرفه العارفون، فمن
أطلقه فما عرفه ومن قيده فقد جهله: [الكامل]
وهو المُنَزَّهُ والمُجَمِّعُ بيننا
فالله ليس سواه مَشْهُوداً لنا
وكلاهما حَكَمْ عليه له بنا
فالقَيْدُ والإطلاقُ فيه واحدٌ
لُبِّ تَجِدْهُ بالسّريرة مُعْلِنَا
فانْظُرْ إليه بعينه إن كُنْتَ ذا
ما قد رأيتُ مُبَرْهَناً ومُبِينًا
هذا هو الحقُّ الصَّريح لمن يرى
واعلم أن الله تعالى ما جعل للأرواح أجنحة إلا للملائكة منهم لأنهم السفراء من حضرة
الأمر إلى خلقه، فلا بد لهم من أسباب يكون لهم بها النزول والعروج فإن موضوع الحكمة
يعطي هذا، فجعل لهم أجنحة على قدر مراتبهم في الذي يسرون به من حضرة الحق أو
يعرجون إليه من حضرة الخلق، فهم بين الخلق والأمر يتردّدون ولذلك قالوا: ﴿وَمَا نَثَنَزَّلُ إِلَّا
بِأَمْرِ رَيَكٌ﴾ [مريم: ٦٤] فاعلم ذلك، فإذا نزلت هذه السفرة على القلوب فإن رأتها قلوباً طاهرة
قابلة للخير أعطتها من علم ما جاءت به على قدر ما يسعها استعدادها، وإن رأتها قلوباً دنسة
ليس فيها خير نهتها عن البقاء على تلك الحال وأمرتها بالطهارة بما نص لها الشارع إن كان في
العلم بالله فبالعلم به مما يطلبه الفكر وجاء به الخبر النبوي عن الله، وإن كان في الأكوان فبعلم
الأحكام واعتقاداتها، هذا ويلزمه حكمها في ذلك إذا وجدت القلوب وإذا لم تجدها كقلوب
العارفين الذين هم في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلا تعرف الملائكة أين ذهبوا
فهؤلاء هم الذين يأخذون عن الله من الوجه الخاص ما هم عليه من الأحوال فيجهلون ويؤخذ
عليهم ما يأتون به، ومن هنا أخذ خضر علمه، فهؤولاء ينكر عليهم ولا ينكرون على أحد إلا
بلسان الشرع، فلسان الشرع هو الذي أنكر لا هم كالمسبح بحمد الله، فالله هو الذي أثنى على
نفسه بما يعلم نفسه عليه، فإن قام فضول بالإنسان واستنبط له ثناء لم يجىء بذلك اللفظ
خطاب إلهيّ فما سبحه بحمده بل بما استنبطه من عنده فينقص عن درجة ما ينبغي فقل ما قاله
عن نفسه ولا تزد في الرقم، وإن كان حسناً فقد أبنت لك ما إذا عملت به كنت من أهل
الحق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
١٣٥
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
الوصل الأحد عشر من خزائن الجود: [نظم: البسيط]
والدارُ داران دارُ الفوْزِ والعَطَّبِ
النّارُ ناران نارُ الله واللَّهَب
فاجْزَعْ من الكون لا تَجْزَعْ من السَّبَبِ
وكلّها سَبَبٌ من كَوْنٍ مُنْشِئِها
واجْنَحْ إلى السَّلْمِ لا تَجْنَخ إلى الحَرْبِ
وخَفْ من العلم إنّ العلمَ يحكمُه
اعلم علمك الله أن النار جاء بها الحق مطلقة مثل قوله تعالى: ﴿النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤] بالألف
واللام حيث جاءت وجاء بها مضافة، فمنها نار أضافها إلى الله مثل قوله: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾
[الهمزة: ٦] ونار أضافها إلى غير الله مثل قوله: ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦] ثم نعت هذه النار
بنعوت وأخبر عنها بأخبار من الوقد والإطباق وغير ذلك، وجعل لها حكماً في الظاهر فجعلها
ظرفاً مثل قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا﴾ [الجن: ٢٣] فجاء بالظرف وحكماً في الباطن وهو
أن يكون ظاهر العبد ظرفاً لها وهي: ﴿نَارُ اَللَّهِ الْمُوقَّدَةُ ﴿ الَتِى تَطَلِعُ عَلَى الْأَفْدَةِ﴾ [الهمزة: ٧،٦]
والأفئدة باطن الإنسان فهي تظهر في فؤاد الإنسان، وعن هذه النار الباطنة ظهرت النار الظاهرة،
والعبد منشأ النارين في الحالين، فما عذبه سوى ما أنشأه، كذلك ما أغضب الحق سوى ما خلقه،
فلولا الخلق ما غضب الحق، ولولا المكلف الذي أنشأ صورة النارين بعمله الظاهر والباطن ما
تعذب بنار، فما جنى أحد على أحد في الحقيقة والنظر الصحيح: [الهزج]
فكُنْ عبداً وكُن حَقًّا
فلا تَعْمَلْ ولا تَشْقَى
◌ُه فانْظُرْ تَرَ الحَقًّا
فما ثَمَّ سوى ما قلـ
فِحَقّاً كُنْتَ أو خلقًا
عذاب الخَلْقِ بالخَلْقِ
ومن ذلك : [البسيط]
كما بصالحها في الحال تُطْفِيها
فالنارُ منك وبالأعمال تُوقدُها
وأنت في كل حال فيك تُنْشيها
فأنت بالطبع منها هاربٌ أبداً
أَمَا لنفسك عَقْلٌ في تَصَرُّفها
قبل المَمَاتِ فإن الله قال لنا
وقد أتيت إليها اليوم أنْبيها
بأنه يَوْمَ عَرْضِ الخَلْقِ يَمْلُوها
واعلم أنه تعالى لما ذكر على ألسنة رسله عليهم السلام: أن الله يغضب يوم القيامة غضباً
لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وأن الحق إذا قالت النار هل من مزيد لأنه وعدها أن
يملأها وهي دار الغضب قال: فيضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط أي قد امتلأت وليست تلك
القدم إلا غضب الله فإذا وضعه فيها امتلأت فإنها دار الغضب، واتصف الحق بالرحمة الواسعة
فوسعت رحمته جهنم بما ملأها به من غضبه فيه ملتذة بما اختزنته ورحم الله من فيها أعني في
النار الذين هم أهلها فيجعل لهم من هذه الرحمة نعيماً فيها، كما نعم جهنم بما وضع فيها من
الغضب الإلهيّ، فإن المخلوق الذي من حقيقته أن يفنى لا يملؤه مخلوق فإنه كل ما حصل منه
فيه أفناه كما ورد في نضج الجلود فلا يملأ مخلوقاً إلا الحق وغضب الله حق، فأنعم على جهنم
به فوضعه فيها فامتلأت بحق كما امتلأت الجنة برضى الحق ورحمته: [مخلع البسيط]
لأنّه عَيْنُ كُلٌ شَيّ
قد وَسعَ الحَقُّ كُلَّ شَيْءٍ
١٣٦
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
في كل نُورِ وكل في
فما ترى فيه غير حَقّ
ومن ذلك : [الوافر]
ونارُ جَهَنَّمَ ذاتُ الوُقُودِ
فنارُ الله ليس سوى وجودي
وهُمْ فيها على حُكْمِ الخُلُودِ
بآلهةٍ تَعَبَّدَهَا أُناسٌ
ولقد رأيت في هذا الوصل مشهداً هالني في الواقعة وتليت عليّ سورة الواقعة بلسان
امرأة من صالحات المؤمنات عرضاً علي فكان من صورة ما تلته: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ
اُلْآَخِرِينَ﴾ بحذف واو العطف ولم يكن عندي من ذلك سرّ قبل هذا فرددت عليها لتقرأ ذلك
بحرف الواو فلم تفعل فرجعت إلى نفسي وعلمت ما نبهني الحق به في ذلك الحذف من
الاقتطاع بين العالم فإذا جاء بالواو راعى ما يقع فيه الاشتراك في الصورة الظاهرة والمفهوم
الأوّل، وإذا أزال الواو راعى ما يقع به التمييز والانفراد الذي به حقيقة ذلك الشيء لأنه لا
حقيقة له إلا بما يتميز به، فعلمت ما أراد بحذف الواو من نطقها بذلك وهو الله ليعلم أنه
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] مع وجود الأشياء وأنه بعدمها ووجودها منفي المماثلة
وما بقي الأمر إلا هل هو منفي المناسبة أو لا، لأن الإيجاد بغير المناسبة لا يتصور، وقد
حصل الإيجاد وظهر المخلوق فعلمنا أن المناسب لا بدّ منه، ولا يعطي المماثلة أصلاً لأن
الخلق كله لله والأمر كله لله فلا شركة، فارتفعت المماثلة مع وجود المناسب الذي يطلبه الحق
بذاته، وكل خلق أضيف إلى خلق فمجاز وصورة حجابية ليعلم العالم من الجاهل، وفضل
الخلق بعضهم على بعض ليتحقق الشكر من الفاضل والطلب والافتقار من المفضول، فيزاد
الفاضل لشكره، ويعطي المفضول لطلبه فكل في مزيد ولا يرتفع التفاضل كلما ارتقى الفاضل
بالمزيد درجة ارتقى المفضول خلفه يطلبه درجة فالكل في ارتقاء من غير لحوق: [مخلّع
البسيط]
في كل حال على الشُّهُود
نَادانِيَ الحَقُّ من وُجودي
بلا مِحَالٍ هل من مزيدٍ
امتلأت ذاتُكم فقلنا
جَادَ على الخَلْقِ بالوُجُودِ
ما يملأُ الكَوْنَ غَيْرُ من قَدْ
ما رُتْبَةُ الرَّبِّ كالعبيد
وذلك الحَقُّ لا سواه
لم يَذْرِ ما لَذَّةُ السُّجُودِ
من عَلِمَ الحَقَّ عِلْمَ ذَوْقٍ
فنار جهنم لها نضج الجلود وحرق الأجسام، ونار الله نار ممثلة مجسدة لأنها نتائج
أعمال معنوية باطنة، ونار جهنم نتائج أعمال حسية ظاهرة ليجمع لمن هذه صفته بين العذابين
كما فعل بأهل الجزية في إعطائها عن يد وهم صاغرون فعذبهم بعذاب إخراج المال من
أيديهم وبين الصغار والقهر الذي هو عذاب نفوسهم مما يجدون في ذلك من الحرج، ألا ترى
المنافق في الدرك الأسفل من النار فهو في نار الله لما كان عليه من إصرار الكفر وما له في
الدرك الأوّل مقعد لما أتى به من الأعمال الظاهرة بخلاف الكافر فإن له من جهنم أعلاها
وأسفلها فما عنده من يعصمه من نار الله ولا من نار جهنم، وأما حكم الذي جحدها واستيقن
١٣٧
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
الحق واعتقده فإنه على ضدّ أو عكس عذاب المنافق فإنه عالم بالحق يتحقق به في نفسه ولم
يظهر ذلك على ظاهر نشأته فأظهر خلاف ما أضمر، والنار إنما تطلب من الإنسان من لم
تظهر عليه صورة حق من ظاهر وباطن، فالعلم للباطن كالعمل للظاهر والجهل للباطن كترك
الواجب للظاهر وهنا يتبين للإنسان مراتب وأسباب المؤاخذات الإلهية لعباده في الدار
الآخرة، فإذا استوفيت الحدود عمت الرحمة من خزانة الجود وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى
خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَاَلْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٦، ١٠٧] الآية،
النَّارِ لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ
وهذا هو الحد الزماني لأن التبديل لا بد أن يقع بالسموات والأرض فتنتهي المدة عند ذلك
وهو في حق كل إنسان من وقت تكليفه إلى يوم التبديل لأنه غير مخاطب ببقاء السموات
والأرض قبل التكليف، وهذا في حق السعيد والشقي فهما في نتائج أعمالهما هذه المدة
المعينة فإذا انتهت انتهى نعيم الجزاء الوفاق وعذاب الجزاء، وانتقل هؤلاء إلى نعيم المنن
الإلهية التي لم يربطها الله بالأعمال ولا خصها بقوم دون قوم وهو ﴿عَلَآءَ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ [هود:
١٠٨] ماله مدة ينتهي بانتهائها، كما انتهى الكفر والإيمان هنا بانتهاء عمر المكلف، وانتهت
إقامة الحدود في الأشقياء والنعيم الجزائي في السعداء بانتهاء مدة السموات والأرض ﴿إِلَّا مَا
شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨] في حق الأشقياء ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] وكذا وقع الأمر
بحسب ما تعلقت به المشيئة الإلهية وما قال تعالى في الأشقياء عذاباً غير مجذوذ كما قال
تعالى في السعداء فعلمنا بذكر مدة السماء والأرض وحكم الإرادة في الأشقياء والإعراض عن
ذكر العذاب أن للشقاء مدة ينتهي إليها حكمه وينقطع عن الأشقياء بانقطاعها وأن جزاء السعيد
على مثل ذلك، ثم تعم المنن والرضى الإلهيّ على الجميع في أي منزل كانوا، فإن النعيم
ليس سوى ما يقبله المزاج، وغرض النفوس لا أثر للأمكنة في ذلك، فحيثما وجد ملايمة
الطبع ونيل الغرض كان ذلك نعيماً لصاحبه فاعلم ذلك، ومتعلق الاستنثاء معلوم في الطائفتين
لما كان عليه الكافر من نعيم الحياة الدنيا من نيل أعراضه وصحة بدنه، ولما كان عليه المؤمن
من عدم نيل أغراضه وأمراضه في الدنيا كل ذلك من زمان تكليف كل واحد من الطائفتين،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الوصل الثاني عشر من خزائن الجود: وهو الإهمال الإلهيّ فلا يدري صاحبه ما له،
فإن كل عبد استحق العقاب على مخالفته لما جاء الرسول إليه به فقد أمهله الله وما أخذه وهو
تحت حكم سلطان الاسم الحليم فهو كالمهمل فلا يدري هل تسبق له العناية بالمغفرة والعفو
قبل إقامة الحد الإلهيّ عليه بالحكم أو يؤخذ فيقام عليه حدود جناياته إلى أجل معلوم، ولما
كان هذا الاحتمال يسوغ فيمن أمهله الله كانت صورة صاحب هذا الوصف صورة المهمل فإن
الإهمال من جانب الحق ما يصح فإنه في علم الله السابق إمّا مغفور له وإما مؤاخذ بما جنى
على نفسه، فهو على خطر وعلى غير علم بما سبق له في الكتاب الماضي الحكم فإن الحكم
يحكم على الحاكم العادل كما يحكم على المحكوم عليه فإما بالأخذ وإما بالعفو في الشخص
الذي هو على نعت وحال يوجب له أحد الأمرين مما ذكرناه وليس إلا من أمهله الله فلم
١٣٨
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
يؤاخذه في وقت المخالفة، وكفى بالترقب للعارف العاصي المهمل الذي هو في صورة
المهمل عذاباً في حقه لأنه لا يدري ما عاقبة الأمر فيه، وما من طائفة إلا وهي تحت ناموس
شرعي حكمي أو وضع حكمي فلا تخلو أمة من مخالفة تقع منها لناموسها كان ما كان، فلا
ينفك صاحب هذه المخالفة من مراقبة العفو أو المؤاخذة على ما قرّره عليه واضع ناموسه،
فقد عمت النواميس جميع الأمم وهو قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]
فهو إما نذير بأمر الله وإرادته أو نذير بإرادة الله لا بوحي نزل عليه يعلم به أنه من عند الله،
فأمر الله إنما متعلقه عين إيجاد إنذاره فيه فقيل لإنذاره كن في هذا العبد فكان فوجد الإنذار في
نفسه ولم يدر من أين جاء، فهذا الفرق بين الشرع الإلهيّ الذي جاءت به الرسل من عند الله
وبين ما وضعته حكماء الأعصار لاتباعها لمصالحهم، فمن وفى بحق ناموسه واحترمه ووقف
عند حده ابتغاء رضوان الله فقد أحسن في عمله، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً
والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه أو تعلم أنه يراك، فهذا هو الحد الضابط للإحسان في العمل
وما عدا هذا فهو سوء عمله، فإن كان ممن زين له سوء عمله فرآه حسناً فلا يخلو إما أن تكون
رؤية سوء العمل حسناً بعد اجتهاد يفي بما في وسع ذلك الشخص المجتهد فقد وفى الأمر
حقه وهو صاحب عمل حسن، ويكون حكم كونه سوء عمل يراه في اجتهاده سوء عين حكم
المصيب للحق صاحب الأجرين، ويكون هذا المزين له بهذه الصفة صاحب الأجر الواحد
وإن لم يكن عن استيفاء الاجتهاد بقدر الوسع ورآه حسناً عن غير اجتهاد فهو في المشيئة فلا
يدري بما ختم له ولماذا يؤول أمره في مدة إقامة الحدود في الدنيا والآخرة فإنه ممن أسرف
على نفسه، فإن قنط من رحمة الله فما وفى الأمر حقه وساء ظناً بربه والرب عند ظن عبده به،
وقد نهى الله المسرف على نفسه عن القنوط فهل قنوطه بارتكاب هذا المنهي عنه الآتي بعد
حصول إسرافه معتبر له أثر يحول بين المغفرة وبين صاحبه أو حكمه حكم كل إسراف سواه،
فهذا أيضاً ممهل لا يدري ما الأمر فيه إذا أنصف الناظر لأنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] مع ارتفاع القنوط أو مع وجوده إلا المشرك الذي لم يبذل وسع نفسه في
طلبه عدم الكثرة في الاسم الإلهيّ فإنه لا بد من مؤاخذته، فتعين على العاقل معرفة المدد
الزمانية واختلاف الأزمان والدهور والأعصار وما يجري من ذلك إلى أجل مسمى في
الأشخاص المقول عليها أنها أزمان، وما يجري منها إلى غير أجل مسمى، وما الحق الذي
يوجب الشكر، وما الحق الذي يوجب الصبر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وأما الإيمان فهو أمر عام، وكذلك الكفر الذي هو ضده فإن الله قد سمى مؤمناً من آمن
بالحق، وسمى مؤمناً من آمن بالباطل، وسمى كافراً من يكفر بالله، وسمى كافراً من يكفر
بالطاغوت، وبين مآل هؤلاء وهؤلاء والطريق التي جاءت ببيانها أيده بالدلالات على صحته
أنه من عند الله المرجو في كل ملة ونحلة وعند كل طائفة والأعمال الصالحة رأسها الإيمان
فهي تابعة له كان الإيمان بما كان، وما في الأمور الوجودية أغمض من هذه المسألة لأن الله
قرن العمل السيىء بالتزيين حتى يراه العامل حسناً فيتخذه صالح عمل وعلى الله قصد السبيل،
١٣٩
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
فجاء بالألف واللام للشمول في السبيل فإنها كلها سبل يراها من جاهد في الله، فأبان له ذلك
الجهاد السبل الإلهية فسلك منها الأسد في نفسه وعذر الخلق فيما هم عليه من السبل وانفرد
بالله فهو على نور من الله: [المتقارب]
فإهمالُهُ عَيْنُ إمْهَالِهْ
إذا عَرَفَ اللّهَ مِنْ فِعْلِهِ
وعَيْنْ تراهُ بإجْمَالِةْ
فعَيْنٌ تراه بتَفْصِيلِهِ
وقَوْمٌ على حُكْم إجْلالِه
فقَوْمٌ على حُكْم إحسانهِ
ويبسطُ شَخْصاً بإهمالِةْ
فيقبضُ شَخصاً بتعريفه
بإغراضِهِ أو بإقبالِة
فسبحان مَنْ حُكْمُهُ واحدٌ
بإِذلالِهِ أو بإدلالة
وسبحان من عَمَّ إحسانُهُ
لخُسْرانِهِ ولإفضالة
وكل بإعداده قابلٌ
والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
الوصل الثالث عشر من خزائن الجود: مآل الأمر الرجوع من الكثرة إلى الواحد من
مؤمن ومشرك لأن المؤمن الذي يعطي كشف الأمور على ما هي عليه يعطي ذلك وهو قوله
تعالى: ﴿فَكَتَفْنَا عَنَكَ غِطَآءَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [قَ: ٢٢] وذلك قبل خروجه من الدنيا، فما قبض
أحد إلا على كشف حين يقبض فيميل إلى الحق عند ذلك، وألحق التوحيد والإيمان به، فمن
حصل له هذا اليقين قبل الاحتضار فمقطوع بسعادته واتصالها، فإن اليقين عن النظر الصحيح
والكشف الصريح يمنعه من العدول عن الحق فهو على بينة من الأمر وبصيرة، ومن حصل له
هذا اليقين عند الاحتضار فهو في المشيئة وإن كان المآل إلى السعادة، ولكن بعد ارتكاب
شدائد في حق من أخذ بذنوبه، ولا يكون الاحتضار إلا بعد أن يشهد الأمر الذي ينتقل إليه
الخلق، وما لم يشاهد ذلك فما حضره الموت ولا يكون ذلك احتضاراً، فمن آمن قبل ذلك
الاحتضار بنفس واحد أو تاب نفعه ذلك الإيمان والمتاب عند الله في الدار الآخرة وحاله عند
قبض روحه حال من لا ذنب له، وسواء رده لذلك شدة ألم ومرض أوجب له قطع ما يرجوه
من الحياة الدنيا أو غيره فهو مؤمن تائب ينفعه ذلك فإنه غير محتضر، فما آمن ولا تاب إلا
لخميرة كانت في باطنه وقلبه لا يشعر بها، فما مال إلى ما مال إليه إلا عن أمر كان عليه في
نفسه لم يظهر له حكم على ظاهره ولاله في نفسه إلا في ذلك الزمن الفرد الذي جاء في
الزمان الذي يليه الاحتضار الذي يوجب له الإيمان المحصل في المشيئة: [الطويل]
وما بين من تقضي عليه مَشِيئَتُه
فكم بين مَخكُومٍ له بسعادةٍ
فذلك تخليصُ عَزيزٍ مقدَّسٍ
وذاك على حال أرَتْهُ حَقِيقَتُهُ
ولا شَهِدَتْ يوماً عليه خَلِيقَتُهْ
فلولاه ما بانَتْ عليه طريقتُه
فإذا انتقل العبد من الحياة الدنيا إلى حياة العرض الأكبر فإن الله عز وجل قد جعل في
الكون قيامتين: قيامة صغرى وقيامة كبرى،، فالقيامة الصغرى انتقال العبد من الحياة الدنيا
إلى حياة البرزخ في الجسد الممثل وهو قوله وَّ: ((مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ)) ومن كان من
١٤٠
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
أهل الرؤية فإنه يرى ربه فإن رسول الله (980 يقول لما حذر أمته الدجال إن الله لا يراه أحد
حتى يموت والقيامة الكبرى هي قيامة البعث والحشر الأعظم الذي يجمع الناس فيه وهو في
القيامة الكبرى أعني الإنسان ما بين مسؤول ومحاسب ومناقش في حسابه وغير مناقش وهو
الحساب اليسير، وهو عرض الأعمال على العبد من غير مناقشة، والمناقشة السؤال عن العلل
في الأعمال، فالسؤال عام في الجمع حتى في الرسل كما قال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ
مَاذَا أُجِبْتُرٌ﴾
[المائدة: ١٠٩] فالسؤال على نوعين: سؤال على تقرير النعم على طريق مباسطة
الحق للمسؤول فهو ملتذ بالسؤال، وسؤال على طريق التوبيخ أيضاً لتقرير النعم فهو في شدة
فقال ◌َّ لأصحابه وقد أكلوا تمراً وماء عن جوع: ((إِنَّكُمْ لَتُسْأَلُونَ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ)) وهذا
السؤال موجه للإنذار والبشارة في قوم مخصوصين وهم أهل ذلك المجلسَ وهو تنبيهَ بما هو
عليه الأمر في حق الجميع، فما خلق الله العالم بعد هذا التقرير إلا للسعادة بالذات، ووقع
الشقاء في حق من وقع به بحكم العرض لأن الخير المحض الذي لا شرّ فيه هو وجود الحق
الذي أعطى الوجود للعالم لا يصدر عنه إلا المناسب وهو الخير خاصة فلهذا كان للعالم
الخير بالذات، ولكون العالم كان الحكم عليه بالإمكان لاتصافه بأحد الطرفين على البدل،
فلم يكن في رتبة الواجب الوجود لذاته عرض له من الشر الذي هو عدم نيل الغرض وملائمة
الطبع ما عرض لأن إمكانه لا يحول بينه وبين العدم، فبهذا القدر ظهر الشرّ في العالم، فما
ظهر إلا من جهة الممكن لا من جانب الحق، ولذلك قال رسول الله وَّر في دعائه وَّر:
((والخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ)) وإنما هو إلى الخلق من حيث إمكانه: [الرَّمل]
والإمكان الوَرَى كان الشَّقًّا
فَلِذَاتِ الحَقِّ نحنُ السُّعَدَا
فابْشِرُوا بكلّ خَيْرٍ في اللِّقَا
ولقاءُ الحَقُّ حَقِّ واجبٌ
ولنا منه وُجُودٌ ولِقَا
فلنا منا فَنَاءٌ وبَقَا
فإذا ما الخَيْرُ بالخَيْرِ الْتَقَى
فَهْوَ خَيْرٌ مالَهُ ضِذٍّ يُرَى
مذهبُ الشرّ وأسبابِ التَّقَا
كان خيراً كُلُّ ما كان به
واعلم أن الأجسام نواويس الأرواح ومذاقتها وهي التي حجبتها أن تشهد وتشهد فلا
ترى ولا ترى إلا بمفارقة هذه الضرائح فناء عنها لا انفصالاً، فإذا فنيت عن شهودها وهي
ذات بصر شهدت موجدها بشهودها نفسها، فمن عرف نفسه عرف ربه، كذلك من شهد نفسه
شهد ربه، فانتقل من يقين علم إلى يقين عين، فإذا ردّ إلى ضريحه ردّ إلى يقين حق من يقين
عين لا إلى يقين علم، ومن هنا يعلم الإنسان تفرقة الحق بأخباره الصدق بحق اليقين، وعين
اليقين، وعلم اليقين، فاستقرّ عنده كل حكم في رتبته فلم تلتبس عليه الأشياء وعلم أنه لم
تكذبه الأنباء، فمن عرف الله بهذا الطريق فقد عرف وعلم حكمة تكوين الجوهر في الصدف
عن ماء فرات في ملح أجاج فصدفته جسمه وملحه طبيعته ولهذا ظهر حكم الطبيعة على
صدفته، فإن الملحة البياض وهو بمنزلة النور الذي يكشف به، فتحقق بهذا الدليل وعلى الله
قصد السبيل .