النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
الذي ﴿لَا رَيْبٌ فِهِ هُدِّى لِلْمُنَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] فأوجد من كل خزانة عيناً قائمة أو عيناً في عين
أو لا عيناً في عين، وأعني بقولي لا عين في عين النسب فإنه ليست لها أعيان، وحكمها
يحكم على الوجود لأعيان بها ولا وجود لها إلا بالحكم، فلما أوجد ما ذكرناه عمد إليك
فأوجدك كاملاً لانتهاء طرفي الدائرة فظهرت في وجودك وإن كنت آخراً بصورة الأول فانحصر
العالم بينك وبينه فلا مخلص له منكما فلم تتميز عنه ولا تميز عنك في الحكم، وظهرت فيك
صور العالم كلها التي أخرجها من تلك الخزائن فشاهدتك فحصل لك العلم بها فعلمت من
العالم ما لم يعلم العالم من نفسه من الحكم فرداً فرداً وقال لك: كلما بقي في الخزائن مما لا
يتناهى فهو مثل ما علمت، فمن أحاط علماً بواحد من الجنس فقد أحاط علماً بالجنس فإنه
ماثم إلا أمثال، فما التقى طرفا الدائرة حتى حدث المحيط ودل المحيط على نقطة الدائرة
فحدثت الخطوط من النقطة إلى المحيط ولم تتجاوزه، فإن انتهاء الخط إنما يكون إلى نقطة
من المحيط فانتهى إلى ما منه خرج، فصورة أوليته عين صورة آخريته، فيصير من حكم نقطة
آخره الذي انتهى إليها من المحيط من كذا إلى محيط آخر، نصفه من داخل المحيط الأوّل
ونصفه من خارجه لحكم الظاهر والباطن، ويلتقي طرفاه أيضاً كالتقاء المحيط الأوّل حتى
يكون على صورته لأنه من المحال أن يخرج على غير صورته، ثم يظهر من الحكم في
المحيط ما ظهر في المحيط الأوَّل إلى ما لا يتناهى وهو ما يبرز من تلك الخزائن الذي لا
يتناهى ما تحوي عليه وهو الخلق الجديد الذي الكون فيه دائماً أبداً، وبعض الناس أو أكثر
الناس في لبس من ذلك كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِ لَبِّسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [قَ: ١٥] مع الأنفاس
ولكن بصورة ما ذكرناه فالنقطة سبب في وجود المحيط، والمحيط سبب في حصول العلم
بالنقط، فالمحيط حق وخلق والنقطة حق وخلق، فهذان حكمان يسريان في كل دائرة ظهرت
من الدائرة الأولى، ولما ظهرت الدوائر بالغاً ما بلغت ولا تزال تظهر صارت الدائرة الأولى
التي أحدثت هذه الدوائر خفية لا تعرف ولا تدرك لأن كل دائرة قربت منها أو بعدت عنها فهي
على صورتها، فكل دائرة يقال فيها تشهدها وما تشهدها فهذا هو غيب في شهادة، فالدوائر
الظاهرة في الدائرة الأولى عددها مساو لعدد خزائن الأجناس كانت ما كانت لا يزاد فيها ولا
ينقص منها، وما يخرج ويحدث عنها من الدوائر إلى ما لا يتناهى دوائر أشخاص تلك
الأجناس إلى ما لا يتناهى، وتدل عين دائرة الشخص على أمر يسمى نوعاً وهو ما بين الجنس
والشخص فيحدث عندك أنواع في أنواع ولكن منحصرة ولا تعرف إلا من الأشخاص لأن
النوع معقول بين الجنس الأعم والشخص، وكل متوسط بين طرفين إن شئت قلت: إن
الطرفين أظهرا له حكم التوسط، وإن شئت قلت: إن التوسط أظهر حكم الطرفين، وهذا عين
معرفة الحق بالخلق والخلق بالحق : [الطويل]
ولولا شُهُودُ الحَقِّ بالخَلْقِ لم تَكُنْ
فلولا شُهُودُ الخَلْقِ بالحَقْ لم يَكُنْ
فمن قال كُنْ فَهْوَ الذي قد شَهْدْتُهُ
فِمن عِلْمُهُ بالخَلْقِ يعرف حَقَّهُ
وما ثمَّ إلا مَنْ يكون بقَوْلِ كُنْ
ومن عِلْمُهُ بالحَقِّ كان ولم يَكُنْ

١٠٢
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
فالمحيط يحفظ النقطة علماً، والنقطة تحفظ المحيط وجوداً، فكل واحد منهما حافظ
محفوظ ولاحظ ملحوظ، قال تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُورٍ﴾ [البروج: ٣] فالكل مشهود وشاهد،
والكل فاضل ومفضول، فإن قال أحدهما أنا قال الآخر أنا، وإن قال أحدهما أنت قال الآخر له
أنت، فلا يظهر كل واحد للآخر إلا بما يبدأ به كل واحد والقولان صحيحان: [مجزوء الوافر]
لمَنْ تُفْني لمَنْ تُبْقي
فيا حَقِّي ويا خَلْقي
وقد غَصَّ بها حَلْقي
شَرِبْتُ شَرْبَةً منه
فَمَنْ يَقْبَلُ ما تُلْقي
وما ثَمَّ سوى عَيْنِ
إذا ما قُلْتَ فَاسْتَبْقِ
فقال لي الذي أغني
بين الخَلْقِ والحَقِّ
فإنّ الأمْرَ مَخْصُورٌ
فأَخْفِ الذِّكْرَ في الحَقِّ
ولولا ذاك ماكُـَـا
فأنت يا ولي الذكر المنزل فأنت المحفوظ وما نزل إلا بك فأنت الحافظ فلا تفن عينك
فإنه في نفس الأمر ما يفنى وغايتك أن تقول: أنا هو، فمدلول هو ما هو مدلول أنا فما
يتخلص لك ما ترومه أبداً، وإذا عز عن التخلص فقل به، وقل بك، وتميز عنه، وميزه عنك
تميز الأوّل عن الآخر والآخر عن الأوّل، وتميز عن العالم وميزه عنك تميز الظاهر من الباطن
والباطن من الظاهر، فإنك من العالم روح العالم والعالم صورتك الظاهرة، ولا معنى للصورة
بلا روح فلا معنى للعالم دونك، فإذا ميزت عينك من الحق ومن العالم عرفت قدرك بمعرفة
الحق وعرفت منزلتك بمعرفة العالم: [الطويل]
وأنْزَلْتَ عَهْداً مثل ما أَنْزَلَ العَهْدَا
فكُنْتَ لذا رَبّاً وَكُنْتُ لذا عَبْدَا
فلا تَلْتَزِمْ ذَمّاً ولا تلتزمْ حَمْدا
فإن كُنْتَ ذا لُبِّ وغَوْصٍ وفِطْئَةٍ
بسَهْو وحَرِّز عند فعلتك القَصْدا
ولا تَفْعَلَنْ شيئاً إذا مَا فَعَلْتَهُ
يغالبُكم فاعْمِدْ إلى تَرْكِهِ عَمْدًا
فما أنت ذاك الشَّخْصُ إن كان سَهْؤُكُم
فهذا الذي أنبأتك به مفتاح من مفاتح خزائن الجود فلا تضيعه فإنه يعمل عمل كل مفتاح
ولا يعمل مفتاح عمله، فبه يفتح كل مغلق ولا يفتح بغيره ما أغلقه هذا المفتاح، ومفاتح
الغيب لا يعلمها إلا هو فلا تعلم إلا منه، فلا تطمع أن تصل إلى علمها بك، ومن طمع في
غير مطمع فقد شهد على نفسه بالجهل ولله المثل الأعلى في السموات والأرض وما ثم إلا
سماء وأرض وله المثل الأعلى فله صورة في كل سماء وأرض ﴿وَهُوَ اُلَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِى
اُلْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ من كونه في الأرض
﴿ وَجَهَرَّكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] من كونه في السماء ومن حيث النشأة ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ من كونه في السماء
وهو معناكم الذي خفي عن الأبصار عينه وظهر حكمه وله العلوّ فهو في السماء وهو الباطن،
ويعلم أيضاً ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾ من كونه في الأرض وهو ظاهركم الذي ظهر للأبصار عينه وخفي
حكمه لأن حكمه في روحه فإنه الذي تفيده العلوم بحواسه فله النزول فهو الأرض فهو
الظاهر : [الطويل]

١٠٣
في المنازل / الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
وأن الذي قلناه أمْرٌ مُحَفَّقُ
فقد بَانَ أنّ الحَقَّ بالحَقِ يَنْطِقُ
فعَكْسُ الذي قلناه لَفْظُ مُلَفَّقُ
فلا تَعْدِلَنْ إِنْ كُنْتَ للحقّ طالباً
فيقول العبد الكامل الذي لا أكمل منه لي وقت لا يسعني فيه غير ربي ويقول الأصل لي
وقت لا يسعني فيه غير نفسي، فإن الأوقات كلها استغرقها العالم في الجانبين، ولهذا كان
الإنسان الكامل خليفة له تعالى، فلهذا سبق علمه بنفسه على علمه بربه، وبهذا جاء الخبر:
(مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فإن من استخلفه علم العالم من علمه بنفسه، والخليفة على صورة
من استخلفه فعلم ربه من علمه بنفسه، وعلم أن كل من اتصف بالوجود فهو متناه أي كل ما
دخل في الوجود وبقيت الحيرة في العلم بالله من كونه موجوداً هل يتصف بالتناهي لكونه
موجوداً أو لا يتصف بالتناهي؟ فإن أرادوا بالتناهي كون عين الموجود موصوفاً بالوجود فهو
متناهي كما هو كل موجود وإن عينه موجودة، وإن أرادوا بالتناهي انتهاء مدّة وجوده ثم ينقطع
فهذا لا يصح عقلاً في الحق لأنه واجب الوجود لذاته فلا يقبل التناهي وجوده، ولأن بقاءه
ليس بمرور المدد عليه المتوهمة فهو محال من وجهين تناهيه، وكذلك في أهل الآخرة أعني
في أعيانهم وفي الدار الآخرة سمعاً ولا يتناهى بقاؤهم في الآخرة ولا استمراراً لمدد عليهم،
فنسبة البقاء إلى الله تخالف نسبة البقاء للعالم، فالإطلاق في العلم والحصر في الوجود:
[مجزوء الرمل]
رٌ والذي في العِلْم مُطْلَقْ
كُلُّ ما في الكَوْنِ مَحصُو
بوُجُودِهِ تَحَقَّقْ
فتَدَبَّرْ قَوْلَ حَبْرٍ
من وُجود الحَقِّ أسْبَقْ
إِنَّ عِلْمي بوُجُودي
جاء عِلْمُ الله يَلْحَقْ
فإذا علمتُ كوني
ولما كان العالم لا بقاء له إلا بالله وكان النعت الإلهي لا بقاء له إلا بالعالم كان كل
واحد رزقاً للآخر به يتغذى لبقاء وجوده محكوماً عليه بأنه كذا: [الطويل]
كما أنه رزقُ الكيان بلا شَكُ
فنحن له رزْقٌ تَغَذَّى بكوننا
إلهاً وهذا القولُ ما فيه من إفْكِ
فيَحْفَظُنا كَوْناً ونحفظُ كَوْنَهُ
يُقِرُّ لملك المُلْكِ بالرِّقِّ والمُلْكِ
فلا غَرْوَ أنّ الكَوْنَ في كل حالة
فالوجود الحادث والقديم مربوط بعضه ببعضه ربط الإضافة والحكم لا ربط وجود
العين، فالإنسان مثلاً موجود العين من حيث ما هو إنسان، وفي حال وجوده معلوم الأبوة إذا
لم يكن له ابن يعطيه وجوده أو تقدير وجوده نعت الأبوة، وكذلك أيضاً هو معدوم نعت
المالك ما لم يكن له ملك يملكه به يقال إنه مالك، وكذلك الملك وإن كان موجود العين لا
يقال فيه ملك حتى يكون له مالك يملكه، فالله من حيث ذاته ووجوده غني عن العالمين، ومن
كونه رباً يطلب المربوب بلا شك فهو من حيث العين لا يطلب ومن حيث الربوبية يطلب
المربوب وجوداً وتقديراً، وقد ذكرنا أن كل حكم في العالم لا بد أن يستند إلى نعت إلهي إلا
النعت الذاتي الذي يستحقه الحق لذاته وبه كان غنياً، والنعت الذاتي الذي للعالم بالاستحقاق

١٠٤
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
وبه كان فقيراً بل عبداً فإنه أحق من نعت الفقر وإن كان الفقر والذلة على السواء، ولهذا قال
الحق لأبي يزيد: تقرب إلي بما ليس لي: الذلة والافتقار، والقادر على الشيء والانفعال
الذاتي عن الشيء لا يتصف ذلك القادر ولا الذي عنه انفعل ما انفعل بالافتقار بخلاف المنفعل
فإنه موصوف بالذلة والافتقار، فتميز الحق من الخلق بهذا، وإن كان الخلق بالحق والحق
بالخلق مرتبطاً بوجه فالأمر كما قررناه، وهذا المنزل قد حواه فيقول القائل: فلماذا يستند
الحكم بالهوى وهو موجود في الكون والحق لا يحكم بالهوى فالأهواء ما مستندها؟ قلنا: إن
تفطنت لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدٌ﴾ [هود: ١٠٧] فلم يصف نفسه بالتحجير عليه
في حكمه والكون موصوف بالتحجير فتوجه عليه الخطاب بأنه لا يحكم بكل ما يريد بل بما
شرع له، ثم إنه لما قيل: ﴿فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] أي لا تحكم بكل ما
يخطر لك ولا بما يهوى كل أحد منك بل احكم بما أوحى به إليك فإن الله تعالى قال جبراً
لقلب خلفائه قل يا محمد: رب احكم بالحق أي ولا تفعل ما تريد، فليكن حكمك في الأمم
يوم القيامة بما شرعت لهم وبعثتنا به إليهم فإن ذلك مما يراد فإنك ما أرسلتنا إلا بما تريد حتى
يثبت صدقنا عندهم وتقوم الحجة عليهم إذا حكم الحق في كل أمة بما أرسل به نبيه إليهم،
وبهذا تكون لله الحجة البالغة، فدل التحجير على الخلق في الأهواء أن لهم الإطلاق بما هم
في نفوسهم، ثم حدث التحجير في الحكم والتحكم كما أنه فعال لما يريد. ثم إنه ما حكم
إلا بما شرع وأمر عبده أن يسأله تعالى في ذلك حتى يكون حكمه فيه عن سؤال عبده كما كان
حكم العبد بما قيده من الشرع عن أمر ربه بذلك فليست الأهواء إلا مطلق الإرادات، فقد
علمت لماذا استندت الأهواء واستند التحجير، ثم لتعلم أن الهوى وإن كان مطلقاً فلا يقع له
حكم إلا مقيداً فإنه من حيث القابل يكون الأثر فالقابل لا بد أن يقيده فإنه بالهوى قد يريد
القيام والقعود من العين الواحدة التي تقبلهما على البدل في حال وجود كل واحد منهما في
تلك العين، والقابل لا يقبل ذلك فصار الهوى محجوراً عليه بالقابل فلما قبل الهوى التحجير
بالقابل علمنا أن هذا القبول له قبول ذاتي فحجر الشرع عليه فقبل وظهر حكم القابل في الهوى
ظهوره في مطلق الإرادة فيمن اتصف بها، فلما خلق الله النفس الناطقة أو الخليفة قل ما شئت
خلق فيه قوى روحانية معنوية نسبية معقولة، وإن كانت هذه القوى عين من اتصف بها
كالأسماء والصفات الإلهية التي مرجعها وكثرتها إلى نسب في عين واحدة لا تقبل الكثرة في
عينها ولا العدد الوجودي العيني، فكان من القوى التي خلقها في هذا الخليفة بل في الإنسان
الكامل والحيوان وهو مطلق الإنسان قوّة تسمى الوهم وقوّة تسمى العقل وقوّة تسمى الفكر،
وميز الحضرات الثلاثة لهذا الخليفة وولاه عليها حضرة المحسوسات وحضرة المعاني
المجردة في نفسها عن المواد وإن لم يظهر بعضها إلا في بعض المواد، وحضرة الخيال
حضرة متوسطة بين طرفي الحس والمعنى وهو خزانة الجبايات التي تجبيها الحواس، وجعل
فيه قوّة مصوّرة تحت حكم العقل والوهم يتصرف فيها العقل بالأمر، وكذلك الوهم أيضاً
يتصرف فيها بالأمر وقوّى في هذه النشأة سلطان الوهم على العقل، فلم يجعل في قوّة العقل

١٠٥
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
أن يدرك أمراً من الأمور التي ليس من شأنها أن تكون عين مواد أو تكون لا تعقل من جهة ما
إلا في غير مادة كالصفات المنسوبة إلى الله المنزه عن أن يكون مادة أو في مادة، فعلمه
المنسوب إليه ما هو مادة ولا ينسب إلى مادة، فلم يكن في قوّة العقل مع علمه بهذا إذا خاض
فيه أن يقبله إلا بتصوّر، وهذا التصوّر من حكم الوهم عليه لا من حكمه، فالحس يرفع إلى
الخيال ما يدركه وتركب القوّة المصورة في الخيال ما شاءته مما لا وجود له في الحس من
حيث جملته لكن من حيث أجزاء تلك الجملة، فإن كانت القوة المصورة قد صورت ذلك عن
أمر العقل بقوة الفكر فذلك لطلبه العلم بأمر ما والعلم مقيد بلا شك، وإن كان ما صورته
المصورة عن أمر الوهم لا من حيث ما تصرف به العقل من حكم الوهم بل من الوهم نفسه
فإن تلك الصورة لا تبقى فإن الوهم سريع الزوال لإطلاقه بخلاف العقل فإنه مقيد محبوس بما
استفاده .
ولما كان الغالب على الخلق حكم الأوهام لسلطنة الوهم على العقل فإنه أثر فيه أنه لا
يقبل معنى يعلم قطعاً أنه ليس بمادة ولا في مادة إلا بتصور، وذلك التصور ليس غير الصورة
التي لا يحكم بها إلا الوهم، فصار العقل مقيداً بالوهم بلا شك فيما هو به عالم بالنظر، وأما
علمه الضروري فليس للوهم عليه سلطان، وبه يعلم أن ثم معاني ليست بمواد ولا في أعيان
مواد وإن لم يقبلها بالنظر إلا في مواد من خلف حجاب رقيق يعطيه الوهم.
ولما علم الحق ما ركب عليه العالم المكلف مما ذكرناه أرسل الرسل إلى الناس
والمكلفين فوقفوا في حضرة الخيال خاصة ليجمعوا بين الطرفين بين المعاني والمحسوسات
فهو موقف الرسل عليهم السلام فقالوا لبعض الناس من هذه الحضرة: اعبد الله كأنك تراه،
ثم نبه هذا المخاطب المكلف بعد هذا التقرير على أمر آخر ألطف منه لأنه علم أن ثم رجالاً
علموا أن ثم معاني مجردة عن المواد فقال له: فإن لم تكن تراه أي تقف مع دليلك الذي
أعلمك أنك لا تراه فإنه يعني الله يراك أي الزم الحياء منه والوقوف عندما كلفك فعدل في
الخطاب إلى حكم وهم ألطف من الحكم الأوّل، فإنه لا بد لهذا المكلف أن يعلم أنه يراه إما
بعقله أو بقول الشرع، وبكل وجه فلا بد أن يقيده الوهم، فإن العبد بحيث يراه الله فأخرجه
عنه فحده إذ ميزه مع علمه أنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فحيره وهذه الحيرة
سارية في العالم النوري والناري والترابي، لأن العالم ما ظهر إلا على ما هو عليه في العلم
الإلهي وما هو في العلم لا يتبدل، فالمرتبة الإلهية تنفي بذاتها التقييد عنها، والقوابل تنفي
الإطلاق عنها بالوقوع، فعلمت سبب الحيرة في الوجود ما هو، قال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ اُلْقَوْلُ
لَدَىَّ﴾ [قّ: ٢٩] أي ما حكم به العلم وسبق به الكتاب فعرفنا ذلك من العلم والكتاب إذ كان له
الحكم، والخلفاء إنما هم خلفاء العلم والكتاب، فالعلم والكتاب حجابان عن الحق الذي هو
غني عن العالمين، فمرجع الكون للعلم والكتاب فتنتج الأهواء مع إطلاقها ما تنتجه العقول
مع تقييدها فلا يسلم لعقل حكم أصلاً بلا وهم في هذه النشأة، لأن النشأة لها ولادة على كل
من ظهر فيها، وماثم أعلى من الحق رتبة ومع هذا تخيلته وقال لها تخيليني أمرها بذلك لكونه

١٠٦
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ووسعها ما تعطيه حقيقتها وجعل سعادتها في
ذلك التخيل ثم قال لها: ﴿لَيَّسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فجمعت بين التنزيه فقيدته وبين
التسبيه فقيدته فإنها مقيدة فلا تعلم إلا التقييد الذي هو حقيقتها : [البسيط]
فالعَقْلُ يُنْتِجُ ما الأهواءُ تُنْتِجُهُ
فإنه عن هَوّى قد كان مُخْرجُهُ
إلا الضَّرُوريّ والفِكْرِيُّ يُخْرِجُهُ
فليس يحكمُ في شيء بغير هَوّی
وقد نبه الحق عباده في كتابه العزيز أن عنده خزانة خزائن كل شيء، والخزائن تقتضي
الحصر والحصر يقتضي التقييد. ثم بين أنه ما ينزل شيئاً منها إلا بقدر معلوم وهو تقييد، ولولا
التقييد بين المقدمتين الذي يربطهما ما ظهرت بينهما نتيجة أصلاً ولا ظهر خلق عن حق
أصلاً، ولهذا سرى النكاح في المعاني والمحسوسات للتوالد قديماً وحديثاً ولكن لا يفقهون
حديثاً أي أنتم يا محجوبون لا تعلمون ما نحدثكم به، فإن الشرع كله حديث وخبر إلهيّ بما
يقبله العقل والوهم حتى تعم الفائدة ويكون كل من في الكون مخاطباً، ويا علماء الله وبالأمر
لا تعلمون حديثاً بل تعلمون قديماً وإن حدث عندكم فما هو حديث العين ما يأتيهم من ذكر
من ربهم محدث وما هو إلا كلام الله المنعوت بالقدم، فحدث عندهم حين سمعوه فهو
محدث بالإتيان قديم بالعين، وجاء في مواد حادثة ما وقع السمع ولا تعلق إلا بها وتعلق
الفهم بما دلت عليه هذه الأخبار، والذي دلت عليه منه ما هو موصوف بالقدم، ومنه ما هو
موصوف بالحدوث، فله الحدوث من وجه والقدم من وجه، ولذلك قال من قال: إن الحق
يسمع بما به يبصر بما به يتكلم والعين واحدة والأحكام تختلف، قال تعالى: ﴿إِن يَشَأ
يُذْهِبْكُمْ﴾ [النساء: ١٣٣] فعلق الذهاب بالمشيئة، وقال: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَارٍ بِهِ، لَقَدِرُونَ﴾
[المؤمنون: ١٨] فعلق الذهاب بالاقتدار بما به قدرته أراد وشاء.
وهنا علم شريف وهو أن متعلق القدرة الإيجاد لا الإعدام فيتعرض هنا أمران الأمر
الواحد أن الذهاب المراد هنا ليس الإعدام، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، فمتعلق القدرة
ظهور المحكوم عليه بالحال التي انتقل إليها، فأوجدت القدرة له ذلك الحال فما تعلقت إلا
بالإيجاد. والأمر الآخر أن وصفه بالاقتدار على الذهاب أي لا مكره له على إبقائه في
الوجود، فإن وجود عين القائم بنفسه أعني بقاءه إنما هو مشروط بشرط بوجود ذلك الشرط
يبقي الوجود عليه، وذلك الشرط يمده الله به في كل زمان، وله أن يمنع وجود ذلك الشرط
ولا بقاء للمشروط إلا به فلم يوجد الشرط فانعدم المشروط، وهذا الإمساك ليس من متعلق
القدرة، وقد وصف نفسه بالقدرة على ذلك فلم يبق إلا فرض المنازع الذي يريد بقاءه، فهو
قادر على دفعه لما لم يرد الله بقاءه فيقهر المنازع فلا يبقى ما أراد المنازع بقاءه، والقهر حكم
من أحكام الاقتدار. ولما علمنا هذا وتقرر لدينا علمنا من تقدم وحكمه ومن تأخر وحكمه،
كما قدمنا أن الشيء يكون متقدماً من وجه متأخراً من وجه.
وفي هذا المنزل من العلوم علم المثلثات الواقعة في الوجود ومن أين أصلها وما يتصل
منها وما ينفصل. وفيه علم مناسبة القرآن للكتاب وكون التوراة وغيرها كتاباً وليست بقرآن.

١٠٧
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
وفيه علم تقليل النظير في المحمود والمذموم، وفيه علم حكمة السبب في وجود ما لا يوجد
إلا بسبب هل يجوز وجوده بغير سبب أم لا عقلاً؟ وفيه علم تهيؤ القوابل بذاتها لما يرد عليها
مما تقبله، وفيه ترك الإهمال من ترك ما يترك لمنفعة وكله ترك. وفيه علم تأخير الوعيد ممن
لا مانع له فهل ذلك لمانع لا يمكن رفعه أو هل هو عن اختيار إن صح وجود الإنسان في
العالم فإنه ليس له مستند وجودي في الحق، وإنما هو أمر متوهم ذكرناه في الباب الذي يليه
هذا الباب فقد تقدم. وفيه علم الآجال في الأشياء والترتيب في الإيجاد مع تهيؤ الممكنات
القبول الإيجاد فما الذي أخرها والفيض الإلهيّ غير ممنوع والقوابل مهيأة للقبول والتأخير
والتقديم مشهود فلماذا يرجع؟ فلا بد في هذا الموطن من حكم يسمى المشيئة ولا بد ولا
يمكن رفع هذا الحكم بوجه من الوجوه. وفيه علم ما ستر عن العالم أن يعلمه هل ينقسم إلى
ما لا يزال مستوراً عنه فلا يعلمه أبداً وإلى ما يعلمه برفع الستور، وهل علم ما لا يرفع ستره
ممكن أن يعلم لو رفع الستر أو ستره عينه فلا يمكن أن يعلم لذاته. وفيه علم سبب طلب البينة
من المدعي اسم فاعل وقبول الطالب لذلك شهادة البينة من غير حكم الحاكم ولا يكون ذلك
حتى يتذكر المدعى عليه بشهادة البينة فهل قبوله شهادتهم للذكرى أم لأمر آخر وهو عدم
التهمة لهم فيما شهدوا به وجوزوا النسيان منه لما شهدوا به عليه وذلك لإنصافهم. وفيه علم
تأخير البيان عند الحاجة مع التمكن منه لا يجوز. وفيه علم إقامة الجماعة مقام الواحد وإقامة
الواحد مقام الجماعة. وفيه علم ردّ الدلائل للأغراض النفسية هل يكون ردّها عن خلل عنده
في كون تلك الدلائل كما هي في نفسها صحيحة أو لا عن خلل؟ وفيه علم من حفظ من
العالم وبماذا حفظ وممن حفظ ولماذا حفظ. وفيه علم ما تحوي عليه الأرض من الكنوز وما
يظهر عليها مما يخرج منها أنه على حد معلوم لا يقبل الزيادة والنقص، وفيه علم رزق العالم
بعضه بعضاً. وفيه علم ترك الادخار من صفة أهل الله الذاكرين منهم. وفيه علم نشء الحيوان
على اختلاف أنواعه وفيما ذا يشترك وبماذا يتميز صنف عن صنف. وفيه علم التعريف الإلهيّ
من شاء الله من عباده. وفيه علم سبب سجود الملائكة لآدم إنما كان لأجل الصورة لا لأن
علمهم الأسماء فأمروا بالسجود قبل أن يعرفوا فضله عليهم بما علمه الله من الأسماء، ولو
كان السجود بعد ظهوره بالعلم ما أبى إبليس ولا قال: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] ولا استكبر
عليه ولهذا قال: ﴿َأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] وقال: ﴿خَلَقَْنِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾
[الأعراف: ١٢] ثم بعد ذلك أعلم الله الملائكة بخلافته فقالوا ما أخبر الله عنهم ولهذا قال تعالى
في بعض ما كرره من قصته: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لَِدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] فأتى بالماضي من
الأفعال وبأداة إذ وهي لما مضى من الزمان، فاجعل بالك لهذه المسألة لتعلم فضل آدم بعلمه
على فضله بالسجود له لمجرد ذاته، ولماذا نهي في الشرع أن يسجد إنسان لإنسان فإنه سجود
الشيء لنفسه فإنه مثله من جميع وجوهه والشيء لا يخضع لنفسه، ولهذا لما سئل وَّ في
الرجل إذا لقي الرجل أينحني له؟ قال: ((لا)) قيل له: أيصافحه؟ قال: ((نعم)). وفيه علم ما
السبب في عداوة الأمثال هل لكون المثلين ضدين أو لأمر آخر؟ وفيه علم ما جهل الأعلى من

١٠٨
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
الأدنى حين افتخر عليه وما له شرف إلا به فإنه لولا الأدنى ما ظهر فضل الأعلى، فأيّ فائدة
لافتخاره والحال يشهد له بذلك ولم يكتف ولهذا قال وَلّ: «أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلا فَخَرَ)) أي ما
قصدت الفخر عليكم بذلك فإنه معلوم بالمقام والحال أنه سيد الناس. وفيه علم حكمة من
سأل أمراً فيه شقاؤه فأجابه المسؤول مع علمه بذلك ولم ينبهه على ما عليه من الشقاء في
ذلك. وفيه علم أن المأمور يمتثل أمر سيده ثم يعاقبه السيد على امتثال أمره ما حكم هذا
الفعل من السيد؟ وفيه علم الفرق بين من أخذ بالحجة وبين من أخذ بالقهر. وفيه علم
الخمسة عشر. وفيه علم التساوي بين الضدين فيما اجتمعا فيه. وفيه علم المبادرة لكرامة
الضيف النازل عليك وإن لم تعرفه بماذا تقابله وأنت لا تعرف منزلته فتكرمه بقدر ما تعرف من
منزلته وتعامله بذلك، فإن الكرامة على قسمين: القسم الواحد يعم المعروف وغير المعروف.
والقسم الآخر ما يفضل بها المعروفون. وفيه علم التعريف بما يقع به الأمان للخائف والأنس
للمستوحش، وفيه علم النصائح. وفيه علم التذكير والمواعظ. وفيه علم من ينبغي أن
يصحب ممن لا ينبغي أن يصحب، ومن ينبغي أن يتبع ممن لا ينبغي أن يتبع، ومن ينبغي أن
يعرف من غير صحبة ولا اتباع ومن يصحب ويتبع ولا يعرف. وفيه علم ما لا بد من العلم به
وهو العلم بطريق نجاتك.
وصل: هذا المنزل بينه وبين الباب السبعين ومائتين وصلة بنسبة خاصة، فألحقنا منه في
هذا المنزل هذا القدر الذي أذكره إن شاء الله وذلك أن الله تعالى لما خلق الأرواح النورية
والنارية أعني الملائكة والجان شرّك بينهما في أمر وهو الاستتار عن أعين الناس مع حضورهم
معهم في مجالسهم وحيث كانوا، وقد جعل الله عز وجل بينهما وبين أعين الناس حجاباً
مستوراً فالحجاب مستور عنا وهم مستورون بالحجاب عنا فلا نراهم إلا إذا شاؤوا أن يظهروا
لنا، ولهذا سمى الله الطائفتين من الأرواح جنّاً أي مستورين عنا فلا نراهم، فقال في حق
الملائكة في الذين قالوا إن الملائكة بنات الله وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً يعني بالجنة هنا
الملائكة لقولهم ما ذكرناه آنفاً وكانوا يكرهون نسبة البنات إليهم فأخبرنا الله بذلك في قوله :
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] فإنهم كانوا يكرهون البنات، وبهذا أخبرنا الله عنهم
في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] يتوارى من
القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أو يدسه في التراب، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
بِأَعِ ذَنْبٍ قُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨، ٩] وأنكر الله عليهم نسبة الأنوثة إلى الملائكة في
٨
الْمَوْءُردَةُ سُپلَتْ
قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَكَةَ إِنَنَّا وَهُمْ شَهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] فلما شرك الله تعالى بين
الملائكة وبين الشياطين في الاستتار سمى الكل جنة فقال في الشياطين: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ
) مِنَ اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ لَّمَ﴾ [الناس]
الْخَنَّاسِِ ﴿ الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
يعني بالجنة هنا الشياطين. وقال في الملائكة: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اُلِْنَّةِ نَسَبًا﴾ يعني الملائكة
﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] والملائكة رسل من الله إلى الإنسان موكلون
به حافظون كاتبون أفعالنا، والشياطين مسلطون على الإنسان بأمر الله فهم مرسلون إلينا من

١٠٩
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
الله، وقال عن إبليس إنه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ يعني الملائكة ﴿فَفَسَقَ﴾ أي خرج أي ﴿عَنْ أَمْرِ
رَيِّدٌِّ﴾ [الكهف: ٥٠] أي من الذين يستترون عن الإنس مع حضورهم معهم فلا يرونهم
كالملائكة فلما شرك بينهم في الرسالة أدخله أعني إبليس في الأمر بالسجود مع الملائكة
فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ اسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ﴾ [الكهف: ٥٠] فأدخله معهم في الأمر
بالسجود فصحّ الاستثناء وجعله منصوباً بالاستثناء المنقطع فقطعه عن الملائكة كما قطعه عنهم
في خلقه من نار فكأنه يقول: إلا من أبعده الله من المأمورين بالسجود، ولا ينطلق على
الأرواح اسم جن إلا لاستتارهم عنا مع حضورهم معنا فلا نراهم فحينئذ ينطلق عليهم هذا
النعت، فالجنة من الملائكة هم الذين يلازمون الإنسان ويتعاقبون فينا بالليل والنهار ولا نراهم
عادة. وإذا أراد الله عز وجل أن يراهم من يراهم من الإنس من غير إرادة منهم لذلك رفع الله
الحجاب عن عين الذي يريد الله أن يدركهم فيدركهم، وقد يأمر الله الملك والجن بالظهور لنا
فيتجسدون لنا فنراهم أو يكشف الله الغطاء عنا فنراهم رأي العين، فقد نراهم أجساداً على
صور، وقد نراهم لا على صور بشرية، بل نراهم على صورهم في أنفسهم، كما يدرك كل
واحد منهم نفسه وصورته التي هو عليها، وأن الملائكة أصل أجسامها نور والجن نار مارج
والإنسان مما قيل لنا، ولكن كما استحال الإنس عن أصل ما خلق منه كذلك استحال الملك
والجن عن أصل ما خلقا منه إلى ما هما عليه من الصور، فقد بان لك ما اشترك فيه الجان
والملك وما تميز به بعضهما عن بعض، فيعتبر الله في التعبير لنا عن كل واحد منهما، إما
بالصفة المشتركة بينهما أو بما ينفرد كل جنس منهما به كيف شاء لمن نظر نظراً صحيحاً في
ذلك، وخلق الله الجان شقياً وسعيداً وكذلك الإنس، وخلق الله الملك سعيداً لا حظ له في
الشقاء، فسمي شقي الإنس والجان كافراً، وسمي السعيد من الجن والإنس مؤمناً، وكذلك
شرّك بينهما في الشيطنة فقال تعالى: ﴿شَيَطِينَ اُلْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقال: ﴿الَّذِى
يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾ [الناس: ٥، ٦] وقد علمنا أن
النفس بذاتها وإن كانت مقيدة لا تشتهي التقييد بذاتها وتطلب السراح والتصرف بما يخطر لها
من غير تحجير، فإذا رأيت النفس قد حبب إليها التحجير فقامت به طيبة وكره إليها تحجير
آخر فقامت به إن قامت غير طيبة مكرهة، فتعلم قطعاً أن ذلك التحجير مما ألقي إليها من غير
ذاتها كان التحجير ما كان، فإذا حبب إلى نفوس العامة القيام بتحجير خاص فتعلم قطعاً أن
ذلك التحجير هو الباطل الذي يؤدي العمل به إلى شقاوة العامل به والواقف عنده، فإن
الشيطان الذي يوسوس في صدره يوسوس إليه دائماً ويحببه إليه لأن غرضه أن يشقيه، وإذا
رأيته يكره ذلك التحجير ويطلب تأويلاً في ترك العمل به فتعلم أن ذلك تحجير الحق الذي
يحصل للعامل به السعادة إلا أهل الكشف الذين حبب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره
إليهم الكفر والفسوق والعصيان وإن لم يعرفوا أنهم كشف لهم، ولكن علمناه نحن منهم وهم
لا يعلمونه من نفوسهم، ولهذا نرى من ليس بمسلم يثابر على دينه وملازمته كأكثر اليهود
والنصارى أكثر مما يثابر المسلم على إقامة جزئيات دينه ومثابرته على ذلك دليل على أنه على

١١٠
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
طريق يشقى بسلوكه عليها، وهذا من مكر الله الخفي الذي لا يشعر به كل أحد إلا من كان
على بصيرة من ربه، وهذا الصنف قليل، ولا يوجد في الجن لا في مؤمنهم ولا في كافرهم
من يجهل الحق ولا من يشرك، ولهذا ألحقوا بالكفار ولم يلحقهم الله بالمشركين، وإن كانوا
هم الذين يجعلون الإنس أن يشركوا فإذا أشركوا تبرؤوا ممن أشرك كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ
الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنِسَنِ أَكْفُرْ﴾ [الحشر: ١٦] وهو وحي الشيطان إلى وليه ليجادل بالباطل أهل
الحق، فإذا كفر يقول له: ﴿إِنِّ بَرِىٌّ مِّنْكَ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] فوصف
الشيطان بالخوف من الله ولكن على ذلك الإنسان لا على نفسه، فخوف الشيطان على الذي
قبل إغواءه لا على نفسه، كما تخاف الأنبياء عليهم السلام يوم القيامة على أممهم لا على
أنفسهم .
وسبب ارتفاع الخوف من الشيطان على نفسه علمه بأنه من أهل التوحيد ولذا قال:
﴿فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌ﴾ [ص: ٨٢] فأقسم به تعالى لعلمه بربه كأنه يرى الحق أنه قد علم من
نشأة الإنسان قبوله لكل ما يلقى إليه، فلما سأل ذلك أجاب الله سؤاله فأمره بما أغوى به
الإنس فقال له ﴿أَذْهَبْ﴾ [الإسراء: ٦٣] يعني إلى ما سألته مني وذكر له جزاءه وجزاء من اتبعه
من الإنس، فكان جزاء الشيطان أن رده إلى أصله الذي منه خلقه، وجزاء الإنسان الذي اتبعه
كذلك، ولكن غلب جزاء الإنسان على جزاء إبليس، فإن الله ما جعل جزاءهما إلا جهنم
وفيها عذاب إبليس فإن جهنم برد كلها ما فيها شيء من النارية فهو عذاب لإبليس أكثر منه
المتبعه، وإنما كان ذلك لأن إبليس طلب أن يشقي الغير فحار وباله عليه لما قصده، فهو تنبيه
من الحق لنا أن لا نقصد وقوع ما يؤدي إلى الشقاء لأحد فإن ذلك نعت إلهي، ولذلك أبان الله
طريق الهدى من طريق الضلالة، فالعبد المستقيم هو الذي يكون على صراط ربه، مع أن
الشيطان تحت أمر ربه في قوله: ﴿أَذْهَبْ﴾ [الإسراء: ٦٣] ﴿وَأَسْتَفْرِزْ﴾ [الإسراء: ٦٤] ﴿ وَأْجْلِبْ﴾
[الإسراء: ٦٤] ﴿وَشَارِكْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] ﴿وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] وهذه كلها أوامر إلهية، فلو
كانت ابتداء من الله ما شقي إبليس ولما كانت إجابة له لما قال ﴿فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌ﴾
[صّ: ٨٢] و﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّنَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢] شقي بها، كما تعب المكلف فيما سأله من
التكليف، فإن الشرع منه ما نزل ابتداء ومنه ما نزل عن سؤال. ولولا أن الرحمة شاملة لكان
الأمر كما ظهر في العموم ولما قيدت هذا الوصل: غفوت غفوة فرأيت في المبشرة يتلى
علي: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الْذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بٍِ إِبْزَهِيَمَ وَمُوسَى
وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الْذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيَّهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] من
الوحدة فهو كثير بالأحكام فإن له الأسماء الحسنى، وكل اسم علامة على حقيقة معقولة ليست
هي الأخرى ووجوه العالم في خروجه من العدم إلى الوجود كثيرة تطلب تلك الأسماء أعني
المسميات وإن كانت العين واحدة، كما أن العالم من حي هو عالم واحد وهو كثير بالأحكام
والأشخاص، ثم تلي علي: ﴿اَللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]
وما ذكر لشقي هنا نعتاً ولا حالاً بل ذكر الأمر بين اجتباء وهداية، ثم قيل لي من علم الهداية

١١١
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
والاجتباء علم ما جاءت به الأنبياء وكلا الأمرين إليه، فمن اجتباه إليه جاء به إليه ولم يكله إلى
نفسه، ومن هداه إليه أبان له الطريق الموصلة إليه ليسعده وتركه ورأيه فـ ﴿إِمَا شَاكِرًا وَإِمَّا
كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] ولما جاء تعالى في هذه الآية العامة ولم
يذكر للشقاوة اسماً ولا عيناً وذكر الاجتباء والهداية وهو البيان هنا وجعل الأمرين إليه علمنا أن
الحكم للرحمة التي وسعت كل شيء، وما ذكر في المشرك إلا كون هذا الذي دعى إليه كبر
عليه لأنه دعى وجه واحد وهو يشهد لكثرة من وجوده الذي جعله الحق دليلاً عليه في قوله:
((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وما عرف نفسه إلا واحداً في كثير أو كثيراً في واحد، فلا يعرف
ربه إلا بصورة معرفته بنفسه، فلذلك كبر عليه دعاء الحق إلى الأحدية دون سائر الوجوه،
وذلك لأن المشرك ما فهم عن الله مراد الله بذلك الخطاب، فلما علم الحق أن ذلك كبر عليه
رفق به وجعل الأمر إليه تعالى بين اجتباء وهداية، فشرك بالاجتباء والهداية ووحد بإليه في
الأمرين رفقاً به وأنساً له ليعلم أنه الغفور الرحيم بالمسرفين على أنفسهم، ولما رأى إبليس منّة
الله قد سرت في العالم طمع في رحمة الله من عين المنة لا من عين الوجوب الإلهي فعبده
مطلقاً لا مقيداً ففي أيّ وجهة تصرّف لم يخرج عن حق، كما أن الشرع الذي وصى به من
ذكره في هذه الآية متنوّع الأحكام ينسخ بعضه بعضاً، والكل قد أمروا بإقامته، وأن لا يتفرق
فيه للافتراق الذي فيه، فهو يدعو بالكثرة إلى عين واحدة أو بالوحدة إلى حقائق كثيرة كيف
شئت فقل ما شئت مما لا يغير المعنى: [مجزوء الكامل]
كالكُلِّ فِي عَيْنِ الشُّهُوذُ
فالكُلُّ في حُكْم الوُجُوذ
وتَبِينَ أعلامُ الجُحُوذ
لتَعُمَّ رَحْمَتُهُ الوَرَى
يدعى الشقيّ أو السَّعيد
فيكون رحماناً بمَنْ
هذا بجَنَّات الخُلُود
هذا بدار جَهَنَّم
عَنِ الانْحِصَارِ عَنِ الحُدُوذ
والله جَلّ بذاتِهِ
وهذا الوصل واسع المجال فيه علم الأوامر المختصة بالشارع وحده وهو الرسول.
وعلم ما يتقى به من الأسماء الإلهية. وعلم مالك الملك ومدلول اسم الإله ونعته بالأحدية في
قوله: و﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهُ وَجِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] وإضافته إلى الضمير مثل: ﴿إِلَهُكُمْ﴾
[طه: ٨٨] وإلى الظاهر مثل: ﴿وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨] و﴿ إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٣] هل الحكم
واحد أو يتغير بتغير الإضافة أو بالنعت؟ وعلم الربوبية وكونها لم تأت قط من عند الله من غير
تقييد. وعلم الإلهام واختلاف الاسم عليه بالطرق التي منها يأتي.
الوصل الثاني من هذا الباب: وهو ما يتصل به من المنزل الثاني من المنازل المذكورة
في هذا الكتاب وهو يتضمن علوماً منها علم الفصل بين ما يقع به الإدراك للأشياء وبين ما لا
يدرك به إلا نفسه خاصة. وعلم اختزان البزرة والنواة والحبة ما يظهر منها إذا بزرت في
الأرض وكيف تدل على علم خروج العالم من الغيب إلى الشهادة لأن البزرة لا تعطي ما
اختزن الحق فيها إلا بعد دفنها في الأرض فتنفلق عما اختزنته من ساق وأوراق وبزور،

١١٢
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
وأمثالها من النواة نوى، ومن الحبة حبوب، ومن البزرة بزور، فتظهر عينها في كثير مما خرج
عنها فتعلم من هذا ما الحبة التي خرج منها العالم، وما أعطت بذاتها فيما ظهر من الحبوب،
ولماذا يستند ما ظهر منها من سوى أعيان الحبوب، فلولا ما هو مختزن فيها بالقوة ما ظهر
بالفعل فاعلم ذلك وهذا كله من خزائن الجود، ويتضمن علم الأمر المطلق في قوله ﴿ أَعْمَلُواْ مَا
شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] والمقيد بعمل مخصوص واختلاف الصيغ في ذلك، ويتضمن علم إضافة
الشرور إلى غير الله لأنها معقولة عند العالم فقال وَلّ: (وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ)) فأثبته في عينه ونفى
إضافته إلى الحق، فدل على أن الشر ليس بشيء وأنه عدم إذ لو كان شيئاً لكان بيد الحق فإن
بيده ملكوت كل شيء وهو خالق كل شيء، وقد بين لك ما خلق بالآلة وبغير الآلة، وبكن،
وبيده، وبيديه، وبأيد، وفصل، وأعلم، وقدر، وأوجد، وجمع، ووحد فقال: إني، ونحن،
وأنا، وإنا، ولهذا كبر على المشركين، فإن معقول نحن ما هو معقول إني، وجاء الخطاب
بإليه فوحد ما رأوا للجمع عيناً فكبر ذلك عليهم ونون العظمة في الواحد قول من لا علم له
بالحقائق ولا بلسان العرب. ويتضمن علم ظلمة الجهل إذا قامت بالقلب فأعمته عن إدراك
الحقائق التي بإدراكها يسمى عالماً، وقال تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا
يَمْشِى بِهِ، فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أراد العلم والجهل وما كل ما يدرك
ولا يدرك به يكون ظلمة، فإن النور إذا كان أقوى من نور البصر أدركه الإنسان ولم يدرك به،
ولهذا ذكر رسول الله مَّة في الله أن حجابه النور فلا يقع الكشف إلا بالنور الذي يوازي نور
البصر، ألا ترى الخفافيش لا تظهر إلا في النور الموازي نورها بصرها وهو نور الشفق.
ويتضمن علم الشبهات وهو كل معلوم يظهر فيه وجه للحق ووجه لغير الحق، فيكون في
الأرزاق ما هو حلال بين وحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن لاحت
له وقف عندها حتى يتبين له أمرها، فإما أن يلحقها بالحلال وأما أن يلحقها بالحرام، فلا يقدم
عليها ما دامت في حقه شبهة فإنها في نفس الأمر مخلصة لأحد الجانبين، وإنما اشتبه على
المكلف لتعارض الأدلة الشرعية عنده في ذلك وفي المعقولات كالأفعال الظاهرة على أيدي
المخلوقين فيها وجه يدل أنها لله ووجه يدل أنها للمخلوق التي ظهرت في الشهادة عليه وهي
في نفس الأمر مخلصة لأحد الجانبين، وكذلك السحر والمعجزة، فالسحر له وجه إلى الحق
فيشبه الحق وله وجه إلى غير الحق فيشبه الباطل مشتق من السحر وهو اختلاط الضوء والظلمة
فلا يتخلص لأجد الجانبين، ولما سحر رسول الله * فكان يخيل إليه أنه يأتي نساءه وهو لم
يأتهنّ فأتاهن حقيقة في عين الخيال ولم يأتهن حقيقة في عين الحس فهو لما حكم عليه،
وهذه مسألة عظيمة، وإذا أراد من أراد إبطال السحر ينظر إلى ما عقده الساحر فيعطي لكل
عقدة كلمة يحلها بها كانت ما كانت، فإن نقص عنها بالكلمات بقي الأمر عليه فإنه ما يزول
عنه إلا بحل الكل وهو علم إلهي، فإن النبي نََّ يقول: ((إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي)) ولا
يكون النفث إلا ريحاً بريق لا بد من ذلك حتى يعم، فكما أعطاه من روحه بريحه أعطاه من
نشأته الطبيعية من ريقه فجمع له الكل في النفث بخلاف النفخ فإنه ريح مجرد، وكذلك السحر

١١٣
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
وهو الرئة وهي التي تعطي الهواء الحار الخارج والهواء البارد الداخل، وفيها القوّتان الجاذبة
والدافعة، فسميت سحراً لقبولها النفس الحار والبارد وبما فيها من الرطوبة لا تحترق بقبول
النفس الحار، ولهذا يخرج النفس وفيه نداوة فذلك مثل الريق الذي يكون في النفث الذي
ينفثه الروح في الروع والساحر في العقدة. ويتضمن علم الفرق بين من يريد بسط رحمة الله
على عباده طائعهم وعاصيهم وبين من يريد إزالة رحمة الله عن بعض عباده وهو الذي يحجر
رحمة الله التي وسعت كل شيء ولا يحجرها على نفسه، وصاحب هذه الصفة لولا أن الله
سبقت رحمته غضبه لكان هذا الشخص ممن لا يناله رحمة الله أبداً. واعلم أن الله تعالى لما
أوجد الأشياء عن أصل هو عينه وصف نفسه بأنه مع كل شيء حيث كان ذلك الشيء ليحفظه
بما فيه من صورته لإبقاء ذلك النوع في الوجود، فظهرت كثرة الصور عن صورة واحدة هي
عينها بالحد وغيرها بالشخص كما قلنا في الحبوب عن الحبة الواحدة فهي خزانة من خزائن
الجود لما يشبهها ولما يلزمها وإن خالفها في الصورة، إذ الخزانة تخزن خزائن وتخزن ما في
تلك الخزائن من المخزون فيها، فهو وإن خرج عن غير صورتها فلا بد من جامع يجمع بينهما
وأظهرها الجسمية في الحبة والورق والثمر والجسد والفروع والأصول، وهذا مشهود لكل عين
من الحبة الواحدة أو البزرة الواحدة زائداً على الأمثال، فالكامل من الخلفاء كالحبوب من الحبة
والنوى من النواة والبزور من البزرة، فيعطي كل حبة ما أعطته الحبة الأصلية لاختصاصها
بالصورة على الكمال وما تميزت إلا بالشخص خاصة، وما عدا الخلفاء من العالم فلهم من
الحق ما للأوراق والأغصان والإزهار والأصول من النواة أو البزرة أو الحبة، ومن هنا يعلم
فضل الإنسان الخليفة على الإنسان الحيوان الذي هو أقرب شبهاً بالإنسان الكامل ثم على سائر
المخلوقات، فافهم ما بيناه فإنه من لباب العلم بالله الذي أعطاه الكشف والشهود.
فإن قلت: بماذا أعلم من نفسي هل أنا من الكمل أو من الحيوان الذي يسمى إنساناً؟
قلنا: نعم ما سألت عنه فاعلم أنك لا تعلم أنك على الصورة ما لم تعلم قوله وَله: ((المُؤْمِنُ
مِزْآَةُ أَخِيهِ)) فيرى المؤمن نفسه في مرآة أخيه ويرى الآخر نفسه فيه، وليس ذلك إلا في حضرة
الاسمِ الإلهيّ المؤمن وقال: ﴿ إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقال: ((المُؤْمِنُ كَثِيرٌ بِأَخِيهِ
كَمَا أَنَّهُ وَاحِدٌ بِنَفْسِهِ)) فيعلم أن الأسماء الإلهية كلها كالمؤمنين إخوة ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾
[الحجرات: ١٠] يعني إذا تنافروا كالمعز، والمذل، والضار، والنافع، وأما ما عدا الأسماء
المتقابلة فهم إخوان على سرر متقابلين وليس يصلح بين الأسماء إلا الاسم الرب فإنه المصلح
والمؤمن من حيث ما هو مرآة، فمن رأى نفسه هكذا علم أنه خليفة من الخلفاء بما رآه من
الصورة، وهذا الإنسان الحيوان لا مرآة له وإن كان له شكل المرآة لكنها ما فيها جلاء ولا
صقالة قد طلع عليها الصدأ والران فلا تقبل صورة الناظر فلا تسمى مرآة إلا بالرؤية، فإذا
أقامك الحق في العبودة المطلقة التي ما فيها ربوبية فأنت خليفة له حقاً، فإنه لا حكم
للمستخلف فيما ولي فيه خليفة عنه جملة واحدة فاستخلفه في العبودة فلا حظ للربوبية فيها
لأن الخليفة استقل بها استقلالاً ذاتياً فهو بيد الله وفي ملك الله، قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ
الفتوحات المكية ج٦ - م٨

١١٤
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ [الإسراء: ١] فجعل عبداً محضاً وجرده عن كل شيء حتى عن الإسراء فجعله
يسري به وما أضاف السرى إليه فإنه لو قال: سبحان الذي دعى عبده لأن يسري إليه أو إلى
رؤية آياته فسرى لكان له أن يقول، ولكن المقام منع من ذلك فجعله مجبوراً لا حظ له من
الربوبية في فعل من الأفعال.
الوصل الثالث من خزائن الجود فيما يناسبه ويتعلق به من المنزل الثالث: وهو يتضمن
علم الأمر الواقع عند السؤال، فإن الأوامر منها ما يقع ابتداء ومنها ما يقع جواباً ويتضمن علم
الهوية والفرق بين الهوية والأحدية والواحدية، ويتضمن علم مسمى الله ما هو ولماذا ينعت
ولا ينعت به، وحقيقة الهوية هل لها شبه بشيء من العالم في شيء من الوجوه أو لا شبه فيها
بوجه من الوجوه، وصورة ما يتقيد به الاسم الله إذا ورد بقرائن الأحوال ويتضمن علم ظهور
العالم هل هو ظهور ذاتي لذات الحق أو لحكم ما تقرر في العلم الإلهيّ أو ظهر بحكم
الاختيار فيكون العالم لما يضاف إليه حتى تتبين المراتب ويتضمن علم نفي المماثل الذي لو
ثبت صح أن يكون العالم بينهما فما هو لنا أب ولا نحن أبناء بل هو الرب ونحن العبيد فيطلبنا
عبيداً ونطلبه سيداً : [الطويل]
كما جَلَّ عن حُكْم البَصيرة والبَصَرْ
تعالى عن الشَّحديد بالفِكْرِ والخَبَر
على كل حال في الدّلالات والعِبَزْ
فليس لنا منه سوى ما يَرُومُهُ
وأعلم أني ما علمتُ سوى البَشَر
لسان رسول الله في ذاته النّظَر
به فيكون الناظرون على خَطّز
وُجوداً فَحَقِّقْ مَنْ نهاك ومَنْ أَمَرْ
فأعلمُ أنّي ما تَحَفَّقْتُ غَيْرَهُ
لذا مَنَعَ الرَّحْمُنُ في وَخْبِه على
فقال ولا تَقْفُ الذي لَسْتَ عالماً
فلم يُولِد الرَّحمُنُ عِلْماً ولم يلد
ولما لم يكن في الإمكان أن يخلق الله فيما خلق قوة في موجود يحيط ذلك الموجود
بالله علماً من حيث قيامها به لم يدرك بعقل كنه جلاله ولم يدرك ببصر كنه ذاته عند تجليه
حيثما تجلى لعباده، فهو تعالى المتجلي الذي لا يدرك الإدراك الذي يدرك فيه هو نفسه لا
علماً ولا رؤية، فلا ينبغي أن يقفو الإنسان علم ما قد علم أنه لا يبلغ إليه، قال الصديق رضي
الله عنه: ((العجز عن درك الإدراك إدراك)) فمن لا يدرك إلا بالعجز فكيف يوصف المدرك له
بتحصيله؟ : [الرمل]
هو مَقْصُودٌ لأرباب الحجاج
كُلُّ ما فيه نِكَاحْ وازدواج
فترانا في نكاح ونِتَاج
فإذا أنْتَجَني أُنْتِجُهُ
هو ما بين اتْضَاحِ وانْدِمَاجْ
فالذي يظهرُ من أحوالنا
إِنَّ عَيْنَ الضّيقِ عَيْنُ الانْفِرَاجْ
فكما نحنُ به فَهْوَ بنا
واعلم أن من خزائن الجود أن يعلم الإنسان أنه جامع له بين العبودة والربوبية بوجه من
الوجوه وأنهما أشد الأشياء في التقابل، فإن المثلين وإن تقابلا فإنهما يشتركان في صفات
النفس، والسواد والبياض وإن تقابلا فلم يمكن اجتماعهما، والحركة والسكون وإن تقابلا فلم

١١٥
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
يمكن اجتماعهما، فإن الجامع للبياض والسواد اللون، والجامع للحركة والسكون الكون،
والجامع للأكوان والألوان العرضية، فكل ضدين وإن تقابلا أو مختلفين من العالم فلا بد من
جامع يجتمعان فيه إلا العبد والرب فإن كل واحد لا يجتمع مع الآخر في أمر ما من الأمور
جملة واحدة، فالعبد من لا يكون فيه من الربوبية وجه، والرب من لا يكون فيه من العبودية
وجه، فلا يجتمع الرب والعبد أبداً، وغاية صاحب الوهم أن يجمع بين الرب والعبد في
الوجود وذلك ليس بجامع، فإني لا أعني بالجامع إطلاق الألفاظ وإنما أعني بالجامع نسبة
المعنى إلى كل واحد على حد نسبته إلى الآخر، وهذا غير موجود في الوجود المنسوب إلى
الرب والوجود المنسوب إلى العبد، فإن وجود الرب عينه ووجود العبد حكم يحكم به على
العبد، ومن حيث عينه قد يكون موجوداً وغير موجود، والحد في الحالين على السواء في
عينه فإذاً ليس وجوده عينه ووجود الرب عينه، فينبغي للعبد أن لا يقوم في مقام يشم منه فيه
روائح ربوبية فإن ذلك زور وعين جهل وصاحبه ما حصل له مقام العبودة كما هو الأمر في
نفسه ولا أزيد من قولي لا تشم فيه رائحة ربوبية إلا عنده في نفسه لا يغفل عن مشاهدة
عبودته، وأما غيره فقد ينسبون إليه ربوبية لما يرونه عليه من ظهور آثارها فذلك لله لا له، وهو
في نفسه على خلاف ما يظهر للعالم منه فإن ذلك محال أن لا يظهر للربوبية أثر منها عليه.
وإذا عرف التلميذ من الشيخ أنه بهذه المثابة فقد فتح الله على ذلك التلميذ بما فيه سعادته فإنه
يتجرد إلى جانب الحق تجرد الشيخ فإنه عرف منه واتكل على الله لا عليه وبقي ناظراً في
الشيخ ما يجري الله عليه من الحال في حق التلميذ من نطق بأمر يأمره به أو ينهاه أو بعلم
يفيده، فيأخذه التلميذ من الله على لسان هذا الشيخ ويعلم التلميذ في نفسه من الشيخ ما يعلمه
الشيخ من نفسه أنه محل جريان أحكام الربوبية حتى لو فقد الشيخ لم يقم فقده عند ذلك
التلميذ ذلك القيام لعلمه بحال شيخه كأبي بكر الصديق مع رسول الله وَل حين مات رسول
الله الله فما بقي أحد إلا اضطرب وقال ما لا يمكن أن يسمع وشهد على نفسه في ذلك اليوم
بقصوره وعدم معرفته برسوله الذي اتبعه إلا أبا بكر فإنه ما تغير عليه الحال لعلمه بما ثم وما
هو الأمر عليه فصعد المنبر وقال قارئاً: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِيْنِ مَّاتَ
أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَّ أَعْقَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية فتراجع من حكم عليه وهمه، وعرف
الناس حينئذ فضل أبي بكر على الجماعة فاستحق الإمامة والتقديم، فما بايعه من بايعه سدا
وما تخلف عن بيعته إلا من جهل منه ما جهل أيضاً من رسول الله وَلّر، أو من كان في محل
نظر في ذلك أو متأوّلاً، فإنه رضي الله عنه قد شهد له رسول الله وَّل في حياته بفضله على
الجماعة بالسرّ الذي وقر في صدره فظهر حكم ذلك السرّ في ذلك اليوم وليس إلا ما ذكرناه
وهو استيفاء مقام العبودة بحيث إنه لم يخلّ منه بشيء في حقه وفي حق رسول الله وَّر، فعلم
محمد ◌ّره أن أبا بكر الصديق مع من دعاه إليه وهو الله تعالى ليس معه إلا بحكم أنه يرى ما
يخاطبه الحق سبحانه به على لسان رسوله وّل# في كل خطاب يسمعه منه بل من جميع من
يخاطبه، وقد علمه الحق في نفسه ميزان ما يقبل من خطابه وما يرد، ونرجو إن شاء الله أن

١١٦
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
يكون مقامنا هذا ولا يجعلها دعوى غير صادقة، فإني ذقت هذا المقام ذوقاً لا مزاج فيه أعرفه
من نفسي وما سمعته عن أحد ممن تقدمني بالزمان غير أبي بكر الصديق إلا واحد من الرجال
المذكورين في رسالة القشيري فإنه حكي عنه أنه قال: لو اجتمع الناس أن ينزلوا نفسي منزلتها
مني من الخسة لم يستطيعوا ذلك، وهذا ليس إلا لمن ذاق طعم العبودية لغيره لا يكون، ولما
شهدت لي جماعة أني على قدم أبي بكر الصديق من الصحابة علمت أنه ليس إلا مقام العبودة
المحضة لله الحمد والشكر على ذلك، فالله يجعل من نظر إليّ مرة واحدة من عمره أن يكون
هذا نعته في نفسه دنيا وآخرة. وكذلك حكى صاحب البياض والسواد في كتابه عن بعض
الرجال أنه قال: العارف مسود الوجه في الدنيا والآخرة فإن كنى عن نفسه فهو صاحب المقام
وإن عثر عليه من غير أن يكون نعته فقد وفى ما خلق الله الإنسان له حقه لأنه قال: ﴿وَمَا
خَلَفْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] يعني ظاهراً وباطناً، فما جعل لهم في الربوبية
قدماً، فهكذا ينبغي أن يكون الإنسان في نفسه فيقوم بحق ما خلق له، وإن لم يفعل فهو إنسان
حيوان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الوصل الرابع من خزائن الجود فيما يناسبه ويتعلق به من المنزل الرابع: وقد ذكرنا ما
يتضمنه من العلوم في موضعه في الباب الثالث والسبعين ومائتين فاعلم أنه من خزائن الجود
ما يجب على الإنسان أن يعلمه ذوقاً وهو علم ما يستغنى به مما لا يستغنى به، وذلك أن يعلم
أن غاية درجة الغنى في العبد أن يستغني بالله عما سواه، وليس ذلك عندنا مقاماً محموداً في
الطريق فإن في ذلك قدراً لما سوى الحق وتميزاً عن نفسه، وصاحب مقام العبودة يسري ذوقه
في كل ما سوى الله أنه عبد كهو لا فرق، ويرى أن كل ما سوى الله محل جريان تعريفات
الحق له فيفتقر إلى كل شيء فإنه ما يفتقر إلا إلى الله، ولا يرى أن شيئاً يفتقر إليه في نفسه،
وإن أفاد الله الناس على يديه فهو عن ذلك في نفسه بمعزل ويرى أن كل اسم تسمى به شيء
مما يعطيه فائدة أن ذلك اسم الله غير أنه لا يطلقه عليه حكماً شرعياً وأدباً إلهياً، والاسم
الإلهي المغني هو الذي يعطي مقام الغنى للعبد بما شاء مما تستغني به نفسه، والغنى وإن كان
بالله فهو محل الفتنة العمياء فإنه يعطي الزهوّ على عباد الله ويورث الجهل بالعالم وبنفسه كما
قال صاحب الجنيد ومن العالم حتى يذكر مع الله، هذا وإن كان الذي قال هذا القول صاحب
حال وعلم بأن الله ما خاطب عباده إلا بقدر ما جعل فيهم من القبول لمعرفة خطابه فيتنوّع
خطابه ليتسع الأمر ويعم، فما خلق الله العالم على قدم واحدة إلا في شيء واحد وهو
الافتقار، فالفقر له ذاتي والغنى له أمر عرضي، ومن لا علم له يغيب عن الأمر الذاتي له بالأمر
العارض والعالم المحقق لا يزال الأمر الذاتي من كل شيء ومن نفسه مشهوداً له دائماً دنيا
وآخرة، فلا يزال عبداً فقيراً تحت أمر سيده لا يستغني في نفسه عن ربه أبداً، ألا ترى أن
السجود لله تعالى عام في كل مخلوق إلا هذا النوع الإنساني فإنه لم يعمه السجود لله، ومع
هذا فقد عمه السجود فإنه لا يخلو أن يكون ساجداً لأن السجود له ذاتي لأنه عبد فقير محتاح
يتألم فالحاجة به منوطة قائمة، فإما أن يسجد لله وإما أن يسجد لغير الله، على أن ذلك

١١٧
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
السجود له عنده إما لله وإما لمن يقرب إلى الله في زعمه لا بد من هذا التوهم، ولهذا رحم الله
عباده بما كلفهم وأمرهم به من السجود لآدم وللكعبة ولصخرة بيت المقدس لعلمه بما جعل
في عباده أن منهم من يسجد للمخلوقات عن غير أمر الله، فأمر من أمر من ملك وإنسان
بالسجود للمخلوق، وجعل ذلك عبادة يتقرب بها إليه سبحانه ليقل السؤال يوم القيامة عن
الساجدين لغير الله عن غير أمر الله، فلا يبقى للحق عليهم مطالبة إلا بالأمر فيقول لهم: ((من
أمركم بذلك؟)) ما يقول لهم لا يجوز السجود لمخلوق فإنه قد شرع ذلك في مخلوق خاص
حساً وخيالاً كرؤيا يوسف عليه السلام الذي رأى الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً ساجدين له
فكان ذلك أباه وخالته وإخوته، فوقع حساً ما كان إدراكه خيالاً، والقصة فيه معروفة متلوة
قرآناً في صورة كوكبية، فلما دخلوا عليه خّروا له سجداً فقال يوسف عليه السلام لأبيه: ﴿هَذَا
تَأْوِيلُ﴾ أي مآل ﴿رُمْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] أي حقاً في الحس، وقد
كانت حقاً في الخيال في موطن الرؤيا فما ثم إلا حق، وما كان الله ليسرمد عذاباً على من أتى
حقاً فإن الله لما قسم الحق إلى ما هو مأمور به ومنتهي عنه فأراد الحق أن يفرق بين من أتى
المأمور به وبين من أتى المنهي عنه ليتميز الطائع من العاصي فتتميز المراتب، فإذا عرف كل
أحد قدره وما أتى عمت الرحمة الجميع كل صنف في منزله من حيث إنه ما جاء إلا بحق وإن
كان منهياً عنه فإن المفتري صاحب حق خيالي لا حق حسي، فإنه لا يفتري المفتري حتى
يحضر في خياله الافتراء والمفترى عليه ويقيمه في صورة ما افترى به عليه، فإذا تخيله مثل
صورة النوم سواء أخبر عنه بحق خيالي لكنه سكت عن التعريف بذلك للسامع فأخذه السامع
على أنه حق محسوس فأراد الله الفرقان بين طبقات العالم ومراتبه، فلذلك أعقب صاحب هذا
النعت بالعقوبة على ذلك أو بالمغفرة بأيهما شاء، لأن من هؤلاء العصاة المعاقب والمغفور له
كما أنه من الطائعين العالم بالأمر على ما هو عليه في نفسه وهم العاملون على بصيرة أهل
الكشف والوجود، ومنهم المحجوب عن ذلك مع كونه مطيعاً، فلم يجعل الله أهل الطاعة
على رتبة واحدة، فما في الوجود المعنوي والحسي والخيالي إلا حق فإنه موجود عن حق ولا
يوجد الحق إلا الحق ولهذا قال رَّ في دعائه يخاطب ربه تعالى: ((وَالخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ
وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ)) فإنه ضد الخير فما صدر عن الخير إلا الخير والشر إنما هو عدم الخير،
فالخير وجود كله والشر عدم كله لأنه ظهور ما لا عين له في الحقيقة فهو حكم والأحكام
نسب، وإنما قلنا ظهور فيه لأن ذلك لغة عربية، قال امرؤ القيس: لو يشرّون مقتلي أي
يظهرون ولذلك قال تعالى عن نفسه ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ وهو إخفاء ما له عين ﴿وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]
وهو إظهار ما لا عين له، فيتخيل الناس أن ذلك حق والله يعلم أنه ليس له وجود عين في
نفس الحكم فيعلم السر وأخفى أي أظهر في الخفاء من السر كما قال: ﴿مَّا بَعُوضَةٌ فَمَا
فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] يعني في الصغر وهكذا هذا هو أظهر في الخفاء من السر، والشيء الخافي
هو الظاهر لغة منقولة، قال تعالى في تأييد ما ذكرنا ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾ [القصص: ٨٨]
فكل شيء هو موجود نشاهده حساً ونعلمه عقلاً فليس بهالك، فكل شيء وجهه ووجه الشيء

١١٨
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
حقيقته فما في الوجود إلا الله فما في الوجود إلا الخير وإن تنوعت الصور فإن رسول الله العمالة.
قد أخبرنا أن التجلي الإلهيّ يتنوع، وقد أخبرنا الله تعالى أنه كل يوم في شأن فنكر وما هو إلا
اختلاف ما هو فيه، فكل ما ظهر فما هو إلا هو ولنفسه ظهر فما يشهده أمر ولا يكثره غير
ذلك قال: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] أي من يعتقد أن كل شيء جعلناه هالكاً
وما عرف ما قصدناه إذا رآه ما يهلك ويرى بقاء عينه مشهوداً له دنيا وآخرة علم ما أردنا بالشيء
الهالك، وأن كل شيء لم يتصف بالهلاك فهو وجهي، فعلم أن الأشياء ليست غير وجهي
فإنها لم تهلك فردّها إلى حكمها، فهذا معنى قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وهو معنى لطيف يخفى
على من لم يستظهر القرآن، فإذا كان الغني عبارة عمن هذه صفته والغنى عبارة عن هذه الصفة
فلا غني إلا الله وكذلك الغنى صفته، ونحن ما تكلمنا إلا في العبد لا في الحق، فالعبد له
الفقر المطلق إلى سيده، والحق له الغنى المطلق عن العالم، فالعالم لم يزل مفقود العين
هالكاً بالذات في حضرة إمكانه وأحكامه يظهر بها الحق لنفسه بما هو ناظر من حقيقة حكم
ممكن آخر، فالعالم هو الممد بذاته ما يظهر في الكون من الموجودات وليس إلا الحق لا
غيره، فتحقق يا وليّ هذا الوصل فإنه وصل عجيب حكمه خلق في حق بحق ولا خلق في
نفس العين مع وجود الحكم وقبول الحق لحكم الخلق وهو قبول الوجود لحكم العدم وليس
يكون إلا هكذا، ولولا ذلك لم يظهر للكثرة عين وما ثم إلا الكثرة مع أحدية العين فلا بد من
ظهور أحكام الكثير وليس إلا العالم فإنه الكثير المتعدد والحق واحد العين ليس بكثير، وقد
رميت بك على الطريق لتعلم ما الأمر عليه فتعلم من أنت ومن الحق فيتميز الرب من العبد،
وعلى الله قصد السبيل.
الوصل الخامس من خزائن الجود فيما يناسبه ويتعلق به من المنزل الخامس: ويتضمن
هذا المنزل الخامس من العلوم الإلهية: علم تفصيل الرجوع الإلهي بحسب المرجوع إليه من
أحوال العباد وهو علم عزيز فإن الله يقول: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] ويقول:
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] وهنا رجوع الحق إلى العباد من نفسه مع غناه عن العالمين،
فلما خلقهم لم يمكن إلا الرجوع إليهم والاشتغال بهم وحفظ العالم فإنه ما أوجده عبثاً فيرجع
إليه سبحانه بحسب ما يطلبه كل شخص شخص من العالم به إذ لا يقبل منه إلا ما هو عليه في
نفسه من الاستعداد فيحكم باستعداده على مواهب خالقه فلا يعطيه إلا ما يقتضيه طلبه، ولما
كان الأمر على ما ذكرناه وأدخل الحق نفسه تحت طلب عباده فأطاعهم كلفهم أن يطيعوه على
ألسنة الرسل، فمن أطاعه منهم ظهر له بصفة الحق التي ظهر للعباد بها في إعطاء ما طلبوه
منه، ومن عصاه علم عند ذلك ما السبب الذي أدّى هذا العاصي إلى أن يعصي ربه فلم يكن
ذلك إلا إظهار الحكمة عموم الرجوع الإلهي إلى العباد بحسب أحوالهم فإنه عام الرجوع،
فرجع على الطائعين بما وعد ورجع على العاصين بالمغفرة، وإن عاقب وظهرت المعصية في
أوّل إنسان والإباية في أوّل جان ثم انتشرت المعاصي في الأناسي والجنّ بحسب الأوامر
والنواهي، وكان ذلك على قدر ما علم الحق من الرجوع الإلهي إليهم بهذه المخلوقات، فلم

١١٩
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
يقدر مخلوق على أن يطيع الله تعالى طاعة الله بما يطلبه العبد منه بحاله مما يسوءه ومما
يسره، فإن الحال الذي قام فيه العبد إذا كان سوءاً فإن لسان الحال يطلب من الحق ما يجازيه
به ويرجع به عليه، إما على التخيير وذلك ليس إلا لحال المعصية القائم بالعاصي، وإما على
الوجوب بالتعيين، فالرجوع الإلهيّ على العاصي إما بالأخذ وإما بالمغفرة والرجوع على
الطائع بالإحسان فما أعطى الحق برجوعه للعبد إلا ما طلب منه العبد بلسان حاله وهو أفصح
الألسنة وأقوم العبارات فأصل المعاصي في العباد يستند إلى نسبة إلهية وهي أن الله هو الآمر
عباده والناهي تعالى والمشيئة لها الحكم في الأمر الحق المتوجه على المأمور، إما بالوقوع أو
بعدم الوقوع، فإن توجهت بالوقوع سمي ذلك العبد طائعاً ويسمى ذلك الوقوع طاعة، فإنه
أطاعت الإرادة الأمر الإلهيّ وإن لم تتوجه المشيئة بوقوع ذلك الأمر عصت الإرادة الأمر
وليس في قوّة الأمر الحكم على المشيئة فظهر حكم المشيئة في العبد المأمور فعصى أمر ربه
أو نهيه وليس ذلك إلا للمشيئة الإلهية، فقد تبين لك من العاصي ومن الطائع، وإلى أي أصل
ترجع معصية المكلف أو طاعته فلا رجوع إلا لله على العباد، ورجوع العباد إلى الله برجوع
الحق عليهم كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ [التوبة: ١١٨] فلولا توبة الله عليهم ما
تابوا، والتوبة الرجوع، فالله أكثر رجوعاً إلى العباد من العباد إليه، فإن رجوع العباد إلى الله
بإرجاع الله ما رجعوا إلى الله إلا بالله. وبعد أن أوجد الله العالم وأبقى الوجود عليه لم يتمكن
إلا بحفظه فإنه لا بقاء له إلا بالحفظ الإلهيّ، فالعبد يرجع إلى الله من نفسه ويرجع إلى نفسه
من الله، والحق ما له رجوع إلا إلى عباده من عباده، فما كانت له رجعة من نفسه إلا الأولى
المعبر عن ذلك بابتداء العالم، ولو كانت المشيئة تقتضي الاختيار لجوزنا رجوع الحق إلى
نفسه، وليس الحق بمحل للجواز لما يطلبه الجواز من الترجيح من المرجح، فمحال على الله
الاختيار في المشيئة لأنه محال عليه الجواز، لأنه محال أن يكون لله مرجح يرجح له أمراً دون
أمر فهو المرجح لذاته، فالمشيئة أحدية التعلق لا اختيار فيها، ولهذا لا يعقل الممكن أبداً إلا
مرجحاً، إلا أن الحق من كونه غفوراً أرسل ستره وحجابه بين بعض عباده وبين إحالة رجوع
الحق إلى نفسه في غناه عن العالم فقال في ذلك الستر: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل
عمران: ٩٧] وهذا ليس يتمكن الحكم به إلا ولا عالم أو يكون متعلق المشيئة الاختيار، وكلا
الأمرين مع وجود العالم لا يكون ولا واحد منهما، فالمحجوب بهذا الحجاب يقول: ﴿فَإِنَّ
اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ ولا يعلم صورة الأمر كيف هو والمرفوع عنه من العباد هذا الستر إذا
قالها قالها تلاوة وعلم متعلقها وما هو الأمر عليه الآن وما كان عليه الأمر وترك متعلق غناه
فيما بقي من الممكنات لم يوجد فإنها غير متناهية بالأشخاص، فلا بدّ من بقاء ما لم يوجد،
فبه تتعلق صفة الغنى الإلهيّ عن العالم فإن بعض العالم يسمى عالماً، فمن فهم الغنى الإلهيّ
هكذا فقد علمه. وأما تنزيه الحق عما تنزهه عباده مما سوى العبودية فلا علم لهم بما هو
الأمر عليه فإنه يكذب ربه في كل حال يجعل الحق فيه نفسه مع عباده، وهذا أعظم ما يكون
من سوء الأدب مع الله أن ينزهه عما نسبه سبحانه إلى نفسه بما نسبه إلى نفسه فهو يؤمن

١٢٠
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
ببعض وهو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ويكفر ببعض ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ
حَقًّاً﴾ فجعل العبد نفسه أعلم منه بربه نفسه وأكثر من هذا الجهل فلا يكون، والعبد المؤمن
ينبغي له أن ينسب إلى الحق ما نسبه الحق إلى نفسه على حد ما يعلمه الله من ذلك إذا لم يكن
ممن كشف الله عن بصيرته حتى رأى الأمر على ما هو عليه وهذا هو الشرك الخفي فإنه نزاع
الله تعالى خفي في العبد لا يشعر به كل أحد ولا سيما الواقع فيه ويتخيل أنه في الحاصل وهو
في الفائت، ولهذا أمر الحق تعالى أن يسبح بحمده أي بما أثنى على نفسه، وما وصف تعالى
نفسه بشيء إلا في معرض الثناء عليه بذلك الوصف، وهذا المنزه الجاهل ينزهه عن ذلك
الوصف الذي وصف به الحق نفسه وأخذ يثني عليه بما يرى أنه ثناء على الله، والله ما أمره أن
ينزهه إلا بحمده أي بما أثنى على نفسه به في كتبه وعلى ألسنة رسله ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ
بِحَدِهِ﴾ إلا هذا الإنسان فإن بعضه يسبحه بغير حمده ويكذب الحق في بعض ما أثنى به على
نفسه وهو لا يشعر بذلك ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ فلم
يؤاخذكم على ما تركتم من الثناء عليه مما أثنى به على نفسه ولم يعجل عليكم العقوبة
﴿غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] بما ستره عنكم من علم ذلك ممن هو بهذه المثابة فإذا أراد العبد نجاة
نفسه وتحصيل أسباب سعادته فلا يحمد الله إلا بحمده كان ما كان على علم الله في ذلك من
غير تعيين، فإن قبضه الله تعالى ذلك اطلع على الأمر على ما هو عليه إذا لم يكن من أهل
الكشف في الحياة الدنيا، وإن لم يفعل وتأوّل فهو لما تأوَّله وحرمه الله كل ما خرج عن تأويله
فلم يره فيه وهذا أعظم الحرمان، وعند الكشف الأخروي يرى ما كان عليه من سوء الأدب
مع الله والجهل به كما ورد أن أهل هذا المقام إذا تجلى لهم الحق تعالى في الآخرة ينكرونه
ولا يقرّون به لأنهم ما عبدوا رباً إلا مقيداً بعلامة فإذا ظهر لهم بتلك العلامة أقرّوا له بالربوبية
وهو عين ما أنكروه، وأي جهل أعظم من أن يقرّ بما هو له منكر. ويتضمن هذا المنزل علم
الوافدين على الله، وعلم أنواع الفتوح ومجيء المعاني بمجيء من قامت به فينسب المجيء
إليها لا إليه، وعلم الزمان.
الوصل السادس من خزائن الجود فيما يناسب ويتعلق به المنزل السادس :
[نظم: السريع]
فذلك الشَّخْصُ الذي قد كَفَزْ
مَنْ سَتَرَ الحَقَّ ولم يُفْشِهِ
فيه بعَيْنِ العقل أو بالبَصَزْ
وليس مُخفياً على ناظر
يَظْهَرُ فيما قد بدا مِنْ صُوَزْ
تبارك الله الذي لم يَـزَلْ
في كلّ ما يظهرُ أو قد ظَهَرْ
فإنه مُنْشِئُها دائماً
اعلم أيدك الله أن عبادة الله بالغيب عين عبادته بالشهادة فإن الإنسان وكل عابد لا يصح
أن يعبد معبوده إلا عن شهود إما بعقل أو ببصر أو بصيرة، فبالبصيرة يشهده العابد بها فيعبده
وإلا فلا تصح له عبادة، فما عبد إلا مشهوداً لا غائباً، فإن أعلمه بتجليه في الصور للبصر حتى
يميزه عبده أيضاً على الشهود البصري ولا يكون ذلك إلا بعد أن يراه بعين بصيرته، فمن جمع