النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس
يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] فهذا مما أوحي به إليّ قلت له: وصلني عنك أنك تقول بالخرق
فقال: فلولا الخرق ما رفعت مكاناً علياً، فقلت: فأين مكانتك من مكانك؟ فقال: الظاهر
عنوان الباطن، قلت: بلغني أنك ما طلبت من قومك إلا التوحيد لا غير، قال: وما فعلوا فإن
كنت نبياً أدعو إلى كلمة التوحيد لا إلى التوحيد فإني التوحيد ما أنكره أحد، قلت هذا غريب
ثم قلت: يا واضع الحكم الاجتهاد في الفروع مشروع عندنا وأنا لسان علماء الزمان، قال:
وفي الأصول مشروع فإن الله أجلّ أن يكلف نفساً إلا وسعها، قلت: فلقد كثر الاختلاف في
الحق والمقالات فيه، قال: لا يكون إلا كذلك فإن الأمر تابع للمزاج، قلت فرأيتكم معاشر
الأنبياء ما اختلفتم فيه، فقال: لأنا ما قلناه عن نظر وإنما قلناه عن الّ واحد فمن علم الحقائق
علم أن اتفاق الأنبياء أجمعهم على قول واحد في الله بمنزلة قول واحد من أصحاب النظر،
قلت: فهل الأمر في نفسه كما قيل لكم فإن أدلة العقول تحيل أموراً مما جئتم به في ذلك،
فقال: الأمر كما قيل لنا وكما قال من قال فيه فإن الله عند قول كل قائل ولهذا ما دعونا الناس
إلا إلى كلمة التوحيد لا إلى التوحيد، ومن تكلم في الحق من نظره ما تكلم في محظور، فإن
الذي شرع لعباده توحيد المرتبة وما ثم إلا من قال بها، قلت: فالمشركون قال: ما أخذوا إلا
بالوضع فمن حيث كذبوا في أوضاعهم واتخذوها قربة ولم ينزلوها منزلة صاحب تلك الرتبة
الأحدية، قلت: فإني رأيت في واقعتي شخصاً بالطواف أخبرني أنه من أجدادي وسمى لي
نفسه فسألته عن زمان موته فقال لي: أربعون ألف سنة، فسألته عن آدم لما تقرّر عندنا في
التاريخ لمدته فقال لي: عن أي آدم تسأل عن آدم الأقرب؟ فقال: صدق إني نبيّ الله ولا أعلم
للعالم مدة نقف عندها بجملتها إلا أنه بالجملة لم يزل خالقاً ولا يزال دنيا وآخرة والآجال في
المخلوق بانتهاء المدد لا في الخلق، فالخلق مع الأنفاس يتجدد، فما أعلمناه علمناه ﴿وَلَا
يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلَّا بِمَا شَآءً﴾ [البقرة: ٢٥٥] فقلت له: فما بقي لظهور الساعة؟ فقال:
اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون، قلت: فعرّفني بشرط من شروط اقترابها:
فقال وجود آدم من شروط الساعة، قلت: فهل كان قبل الدنيا دار غيرها؟ قال: دار الوجود
واحدة والدار ما كانت دنيا إلا بكم والآخرة ما تميزت عنها إلا بكم وإنما الأمر في الأجسام
أكوان واستحالات وإتيان وذهاب لم يزل ولا تزال، قلت: ما ثم؟ قال: ما ندري وما لا
ندري، قلت: فأين الخطأ من الصواب؟ قال: الخطأ أمر إضافيّ والصواب هو الأصل فمن
عرف الله وعرف العالم عرف أن الصواب هو الأصل المستصحب الذي لا يزال وأن الخطأ
بتقابل النظرين ولا بد من التقابل فلا بد من الخطأ فمن قال بالخطأ قال بالصواب، ومن قال بعدم
الخطأ قال صواباً وجعل الخطأ من الصواب، قلت: من أي صفة صدر العالم؟ قال: من الجود،
قلت: هكذا سمعت بعض الشيوخ يقول: قال صحيح ما قال، قلت: وإلى ماذا يكون المآل بعد
انتقالنا من يوم العرض؟ قال: رحمة الله وسعت كل شيء، قلت: أيّ شيء؟ قال: الشيئيتان
فالباقي أبقاه برحمته والذي أوجده أوجده برحمته ثم قال: محالّ العوارض ثابتة في وجودها
والعوارض تتبدل عليها بالأمثال والأضداد، قلت: ما الأمر الأعظم؟ قال: العالم به أعظم.
الفتوحات المكية ج٦ - م٦

٨٢
في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس
ثم ودّعته وانصرفت، فنزلت بهارون عليه السلام فوجدت يحيى قد سبقني إليه فقلت
له: ما رأيتك في طريقي فهل ثم طريق أخرى؟ فقال: لكل شخص طريق لا يسلك عليها إلا
هو، قلت: فأين هي هذه الطرق؟ فقال: تحدث بحدوث السلوك، فسلمت على هارون عليه
السلام فرد وسهل ورحب وقال: مرحباً بالوارث المكمل، قلت: أنت خليفة الخليفة مع
كونك رسولاً نبياً؟ فقال: أما أنا فنبيّ بحكم الأصل وما أخذت الرسالة إلا بسؤال أخي فكان
يوحى إليّ بما كنت عليه، قلت: يا هارون إن ناساً من العارفين زعموا أن الوجود ينعدم في
حقهم فلا يرون إلا الله ولا يبقى للعالم عندهم ما يلتفتون به إليه في جنب الله ولا شك أنهم
في المرتبة دون أمثالكم وأخبرنا الحق أنك قلت لأخيك في وقت غضبه ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِى
اَلْأَعْدَاءَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] فجعلت لهم قدراً وهذا حال يخالف حال أولئك العارفين، فقال:
صدقوا فإنهم ما زادوا على ما أعطاهم ذوقهم ولكن انظر هل زال من العالم ما زال عندهم؟
قلت: لا، قال: فنقصهم من العلم بما هو الأمر عليه على قدر ما فاتهم فعندهم عدم العالم
فنقصهم من الحق على قدر ما انحجب عنهم من العالم فإن العالم كله هو عين تجلي الحق
لمن عرف الحق فأين تذهبون؟ إن هو إلا ذكر للعالمين بما هو الأمر عليه: [المتقارب]
فمن فَاتَّهُ ليس بالكَامِلِ
فليس الكمالُ سِوَى كَوْنِهِ
وحَوْصِلْ من السُّنْبُلِ الحَاصِلِ
فيا قائلاً بالفَناءِ أَنَّيِّدْ
ولا تَبِعِ النَّقْدَ بالآجلِ
ولا تَزْكُنَنَّ إلى فائتٍ
ولا تَمْزُجِ الحَقّ بالباطلِ
ولا تُتْبِعِ النَّفْسَ أغْراضَها
ثم ودّعته ونزلت بموسى عليه السلام فسلمت عليه فرد وسهل ورحب فشكرته على ما
صنع في حقنا مما اتفق بينه وبين نبينا محمد 18 في المراجعة في حديث فرض الصلوات
فقال لي: هذه فائدة علم الذوق فللمباشرة حال لا يدرك إلا بها، قلت: ما زلت تسعى في
حق الغير حتى صح لك الخير كله، فقال: سعي الإنسان في حق الغير إنما يسعى لنفسه في
نفس الأمر فما يزيده ذلك إلا شكر الغير والشاكر ذاكر لله بأحب المحامد لله وللساعي منطقة
بتلك المحامد، فالساعي ذاكر لله بلسانه ولسان غيره، قال الله تعالى لموسى عليه السلام: يا
موسى اذكرني بلسان لم تعصني به، فأمره أن يذكره بلسان الغير فأمره بالإحسان والكرم، ثم
قلت له: إن الله اصطفاك على الناس برسالته وبكلامه وأنت سألت الرؤية ورسول الله وَلاقه
يقول: إن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت فقال: وكذلك كان لما سألته الرؤية أجابني فخررت
صعقاً فرأيته تعالى في صعقتي، قلت: موتاً؟ قال: موتاً، قلت: فإن رسول الله وَ لخير شك في
أمرك إذا وجدك في يوم البعث فلا يدري أجوزيت بصعقة الطور فلم تصعق في نفخة الصعق
فإن نفخة الصعق ما تعم فقال: صدقت كذلك كان جازاني الله بصعقة الطور فما رؤيته تعالى
حتى مت ثم أفقت فعلمت من رأيت ولذلك قلت: تبت إليك فإني ما رجعت إلا إليه، فقلت:
أنت من جملة العلماء بالله فما كانت رؤية الله عندك حين سألته إياها؟ فقال؟ واجبة وجوباً
عقلياً، قلت: فبماذا اختصصت به دون غيرك؟ قال: كنت أراه وما كنت أعلم أنه هو فلما

٨٣
في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس
اختلف عليّ الموطن ورأيته علمت من رأيت فلما أفقت ما انحجبت واستصحبتني رؤيته إلى
أبد الأبد، فهذا الفرق بيننا وبين المحجوبين عن علمهم بما يرونه فإذا ماتوا رأوا الحق فميزه
لهم الموطن فلو ردّوا لقالوا مثل ما قلنا، قلت: فلو كان الموت موطن رؤيته لرآه كل ميت
وقد وصفهم الله بالحجاب عن رؤيته قال: نعم هم المحجوبون عن العلم به أنه هو وإذا كان
في نفسك لقاء شخص لست تعرفه بعينه وأنت طالب له من اسمه وحاجتك إليه فلقيته وسلمت
عليه وسلم عليك في جملة من لقيت ولم يتعرَّف إليك فقد رأيته وما رأيته فلا تزال طالباً له
وهو بحيث تراه فلا معوّل إلا على العلم، ولهذا قلنا في العلم أنه عين ذاته إذ لو لم يكن عين
ذاته لكان المعوّل عليه غير إله ولا معوّل إلا على العلم، قلت: إن الله دلك على الجبل وذكر
عن نفسه أنه تجلى للجبل فقال لا يثبت شيء لتجليه فلا بدّ من تغير الحال فكان الدك للجبل
كالصعق لموسى يقول موسى: فالذي دكه أصعقني، قلت له: إن الله تولى تعليمي فعلمت منه
على قدر ما أعطاني، فقال: هكذا فعله مع العلماء به فخذ منه لا من الكون فإنك لن تأخذ إلا
على قدر استعدادك فلا يحجبنك عنه بأمثالنا فإنك لن تعلم منه من جهتنا إلا ما نعلم منه من
تجليه، فإنا لا نعطيك منه إلا على قدر استعدادك فلا فرق فانتسب إليه فإنه ما أرسلنا إلا
لندعوكم إليه لا لندعوكم إلينا فهي ﴿كَلِمَةٍ سَوَآْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ،
شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] قلت: كذا جاء في القرآن، قال:
وكذلك هو، قلت: بماذا سمعت كلام الله؟ قال: بسمعي، قلت: وما سمعك؟ قال: هو،
قلت: فبماذا اختصصت؟ قال: بذوق في ذلك لا يعلمه إلا صاحبه، قلت له: فكذلك
أصحاب الأذواق، قال: نعم والأذواق على قدر المراتب.
ثم ودّعته وانصرفت فنزلت بإبراهيم الخليل عليه السلام فسلمت عليه فردّ وسهل
ورحب فقلت يا أبت لم قلت: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] قال: لأنهم قائلون بكبرياء
الحق على آلهتهم التي اتخذوها، قلت: فإشارتك بقولك هذا قال أنت تعلمها قلت: إني أعلم
أنها إشارة ابتداء وخبره محذوف يدل عليه قولك: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْتَلُوهُمْ﴾ إقامة
الحجة عليهم منهم، فقال: ما زدت على ما كان عليه الأمر، قلت: فما قولك في الأنوار
الثلاثة أكان عن اعتقاد؟ قال: لا بل عن تعريف لإقامة الحجة على القوم ألا ترى إلى ما قال
الحق في ذلك: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِنْزَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ،﴾ [الأنعام: ٨٣] وما كان اعتقاد القوم
في الإله إلا أنه نمروذ بن كنعان لم تكن تلك الأنوار آلهتهم ولا كان نمروذ إلهاً عندهم لهم
وإنما كانوا يرجعون في عبادتهم لما نحتوه آلهة لا إليه ولذلك لما قال إبراهيم: ﴿رَبِىَ الَّذِى
يُحِي، وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] لم يجرؤ نمروذ أن ينسب الإحياء والإماتة لآلهتهم التي وضعها
لهم لئلا يفتضح فقال: ﴿أَنَاْ أُحِ، وَأُمِيتٌ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فعدل الى نفسه تنزيهاً لآلهتم عندهم
حتى لا يتزلزل الحاضرون، ولما علم إبراهيم قصور إفهام الحاضرين عما جاء به لو فصله
وطال المجلس فعدل إلى الأقرب في أفهامهم فذكر حديث إتيان الله بالشمس من المشرق
وطلبه أن يأتي بها من المغرب فبهت الذي كفر فقلت له: هذا إعجاز من الله كونه بهت فيما له

٨٤
في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس
فيه مقال وإن كان فاسداً، لأنه لو قاله قيل له قد كانت الشمس طالعة من المشرق وأنت لم
تكن وأكذبه من تقدمه بالسنّ على البديهة فقال: وما المقال؟ قلت: يقول ما نفعل الأمر
بحكمك ولا تبطل الحكمة لأجلك قال: صدقت فكان بهته إعجازاً من الله سبحانه حتى علم
الحاضرون أن إبراهيم عليه السلام على الحق ولم يكن لنمروذ أن يدعي الألوهة، ثم رأيت
البيت المعمور فإذا به قلبي وإذا بالملائكة التي تدخله كل يوم تجلى الحق له سبحانه الذي
وسعه في سبعين ألف حجاب من نور وظلمة فهو يتجلى فيها لقلب عبده لو تجلى دونها
لأحرقت سبحات وجهه عالم الخلق من ذلك العبد، فلما فارقته جئت سدرة المنتهى فوقفت
بين فروعها الدنيا والقصوى وقد غشيتها أنوار الأعمال وصدحت في ذرى أفنائها طيور أرواح
العاملين وهي على نشأة الإنسان. وأما الأنهار الأربعة فعلوم الوهب الإلهي الأربعة التي
ذكرناها في جزء لنا سميناه مراتب علوم الوهب، ثم عاينت متكآت رفارف العارفين فغشيتني
الأنوار حتى صرت كلي نوراً وخلع علي خلعة ما رأيت مثلها فقلت: إلهي الآيات شتات
فأنزل عليّ عند هذا القول: ﴿قُلْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاُلْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبُونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] فأعطاني في هذه الآية كل الآيات وقرب عليّ الأمر وجعلها
لي مفتاح كل علم، فعلمت أني مجموع من ذكر لي وكانت لي بذلك البشرى بأني محمديّ
المقام من ورثة جمعية محمد بّله فإنه آخر مرسل وآخر من إليه تنزل آتاه الله جوامع الكلم
وخص بست لم يخص بها رسول أمّة من الأمم، فعم برسالته لعموم ست جهاته، فمن أي
جهة جئت لم تجد إلا نور محمد ينفهق عليك فما أخذ أحد إلا منه ولا أخبر رسول إلا عنه،
فعندما حصل لي ذلك قلت: حسبي حسبي قد ملأ أركاني فما وسعني مكاني وأزال عني به
إمكاني فحصلت في هذا الإسراء معاني الأسماء كلها فرأيتها ترجع إلى مسمى واحد وعين
واحدة، فكان ذلك المسمى مشهودي وتلك العين وجودي، فما كانت رحلتي إلا فيّ ودلالتي
إلا عليّ، ومن هنا علمت أني عبد محض ما فيّ من الربوبية شيء أصلاً. وفتحت خزائن هذا
المنزل فرأيت فيها من العلوم علم أحدية عبودة التشريف ولم أكن رأيته قبل ذلك، وإنما كنت
رأيت جمعية العبودية ورأيت علم الغيب بعين الشهادة وأين منقطع الغيب من العالم ويرجع
الكل في حق العبد شهادة، وأعني بالغيب غيب الوجود أي ما هو في الوجود وهو مغيب عن
بعض الأبصار والبصائر، وأما غيب ما ليس بموجود فمفتاح ذلك الغيب لا يعلمه إلا هو
تعالى. ورأيت فيه علم القرب والبعد ممن وعمن. ورأيت فيه علم خزائن مزيد العلوم متنزيلها
على قلوب العارفين وبمن تحق ومن يقسمها ورأيت فيه علم خزائن مزيد العلوم وتنزلها على
قلوب العارفين وبمن تحق ومن يقسمها على القلوب وما ينزل منها عن سؤال وعن غير
سؤال، فإذا سأل الإنسان مزيد العلم فليسأل كما أمر الله تعالى نبيه أن يسأل إذ قال له: ﴿وَقُل
رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [ طه: ١١٤] فنكر ولم يعين فعم، فأي علم نزل عليه دخل تحت هذا السؤال
فإن النزول عن سؤال أعظم لذة من النزول عن غير سؤال، فإن في ذلك إدراك البغية وذلة

٨٥
في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس
الافتقار وإعطاء الربوبية حقها والعبودية حقها، فإن العبد مأمور أن يعطي كل شيء حقه كما
أعطى الله كل شيء خلقه. وفي العلم المنزل عن السؤال من علوّ المنزلة ما لا يقدر قدر ذلك
إلا الله، ورأيت علم حصر الآيات في السمع والبصر فإما شهود وإما خبر، ورأيت التوراة
وعلم اختصاصها بما كتبها الله بيده وتعجبت من ذلك كيف كتبها بيده ولم يحفظها من التبديل
والتحريف الذي حرَّفه اليهود أصحاب موسى، فلما تعجبت من ذلك قيل لي في سرّي: اسمع
الخطاب، بل أرى المتكلم وأشهده في اتساع رحمة أنا فيها واقف وقد أحاطت بي فقال لي:
أعجب من ذلك أن خلق آدم بيديه وما حفظه من المعصية ولا من النسيان وأين رتبة اليد من
اليدين؟ فمن هذا فاعجب، وما توجهت اليدان إلا على طينته وطبيعته، وما جاءته الوسوسة
إلا من جهة طبيعته لأن الشيطان وسوس إليه وهو مخلوق من جزء ما خلق منه آدم فما نسي
ولا قبل الوسوسة إلا من طبيعته وعلى طبيعته توجهت اليدان، ثم مع هذا فما حفظه مما حمله
في طينته من عصاة بنيه، فلا تعجب لتغيير اليهود التوراه فإن التوراة ما تغيرت في نفسها وإنما
كتابتهم إياها وتلفظهم بها لحقه التغيير، فنسب مثل ذلك إلى كلام الله فقال: ﴿يُحَرِّقُونَهُ مِنْ
بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥] وهم يعلمون أن كلام الله معقول عندهم، وأبدوا في الترجمة عنه
خلاف ما هو في صدورهم عندهم وفي مصحفهم المنزل عليهم فإنهم ما حرفوا إلا عند
نسخهم من الأصل وأبقوا الأصل على ما هو عليه ليبقى لهم العلم ولعلمائهم، وآدم مع اليدين
عصى بنفسه ولم يحفظ حفظ كلام الله فهذا أعجب، وإنما عصم كلام الله لأنه حكم والحكم
معصوم ومحله العلماء به، فما هو عند العلماء محرف وهم يحرفونه لأتباعهم وآدم ما هو
حكم الله فلا يلزمه العصمة في نفسه وتلزمه العصمة فيما ينقله عن ربه من الحكم إذا كان
رسولاً هو وجميع الرسل وهذا علم شريف فإن الله ما جعل في العالم هدى لا يصح أن يعود
عمى فإنه أبان لمن أوصله إليه، فما اتصف بالعمى إلا من لم يصل إليه الهدى من ربه، ومن
قيل له هذا هدى لا يقال إنه وصل إليه حتى يكون هو الذي أنزل عليه الهدى وحصل له العلم
بذلك فإن هذا لا يكون عنده عمى أبداً، فما استحب العمى على الهدى إلا من هو مقلد في
الأمرين لأبناء جنسه، فالعمى يوافق طبعه والهدى يخالف طبعه فلذلك يؤثره عليه، فرأيت
فيها علم من اتأد وعلى الله اعتمد، وهذا هو التوكل الخامس وهو قوله تعالى في سورة
المزمل: ﴿فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. ورأيت فيها علم ما ينال بالورث وعلم ما ينال بالكسب،
ورأيت فيها علم الفرق بين شكر المكلف وشكر العبد. ورأيت فيها علم تنوع الأحكام لتنوّع
الأزمان فإنه من المحال أن يقع شيء في العالم إلا بترتيب زماني وتقدم وتأخر ومفاضلة لأن
الله أشهدني أسماءه فرأيتها تتفاضل لاشتراكها في أمور وتميزها في أمور مع الاشتراك، وكل
اسم لا يقع فيه اشتراك مع اسم لا مفاضلة بين ذانك الاسمين فاعلم ذلك فإنه علم عزيز.
ورأيت فيها علم تسليط العالم بعضه على بعض وما سببه فرأيته من حكم الأسماء الإلهية في
طلبها ظهورها وولايتها وما هي عليها من الغيرة، ورأيتها تستعين بالمشارك لها من الأسماء
فهي المعانة المعينة ولذلك خرج الخلق على صورتها فمنها المعان والمعين، ولما وقع الأمر

٨٦
في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس
هكذا خاطبهم بحكم التعاون فقال: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِ وَالنَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] فيكون ما فطروا
عليه عباده فإنهم فد يتعاونون بتلك الحقيقة على الإثم والعدوان. ورأيت علم الجبر فرأيته آخر
ما تنتهي إليه المعاذر وهو سبب مآل الخلق إلى الرحمة فإن الله يعذر خلقه بذلك فيما كان
منهم فإنهم لا يبقى منهم إلا التضرّع الطبيعي، ولولا أن نشء الآخرة مثل نشء الدنيا ذو جسم
طبيعي وروح ما صح من الشقي طلب ولا تضرع، إذ لو لم يكن هناك أمر طبيعي لم يكن
للنفس إذا جهلت من ينبهها على جهلها لعدم إحساسها إذ لا حس لها إلا بالجزء الطبيعي الذي
هو الجسد المركب وبالجهل شقاؤها، فكانت النفس بعد المفارقة إذا فارقت وهي على جهالة
كان شقاؤها جهلها ولا تزال فيه أبداً، فمن رحمة الله بها أن جعل لها هذا المركب الطبيعي في
الدنيا والآخرة، وما كل أحد يعلم حكمة هذا المركب الذي لا يخلو حيوان عنه. ورأيت علم
الرجعة وهو علم البعث وحشر الأجساد في الآخرة وأن الإنسان إذا انتقل عن الدنيا لن يرجع
إليها أبداً لكنها تتنقل معه بانتقاله، فمن هذه الدار من ينتقل إلى الجنة، ومنهم من ينتقل إلى
النار والجنة تعم الدار ونعيمها فإنه ما يبقى دار إلا الجنة والنار، والدنيا لا تنعدم ذاتها بعد
وجودها ولا شيء موجود فلا بد أن يكون في الدارين أو في أحدهما فأعطى الكشف أن تكون
مقسمة بين الدارين، وقد ورد في الخبر النبويّ من ذلك ما فيه غنية وكان بعض الصحابة
يقول: يا بحر متى تعود ناراً؟ وهو الحميم الذي يشربه أهل النار. وقوله ◌َّيل في الأنهار
الأربعة: ((إنّها من الجَنَّةِ)) فذكر سيحان وجيحان والنيل والفرات، وَ(بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ
مِنْ رِيَاضِ الجَثَّةِ)) ومجالس الذكر حيث كانت روضات من روضات الجنة، والأخبار في ذلك
كثيرة، ولسنا من أهل التقليد بحمد الله، بل الأمر عندنا كما آمنا به من عند ربنا شهدناه عياناً.
ورأيت فيها علم مرتبة قول النبي وَلّ: ((إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ)) وأن ذلك من الشرف والمجد
في موطنه فلا يهمل مثل هذا فإن لكل موطن شرفاً يخصه لا يكون شرفه إلا به، وهنا زلت
جماعة من العارفين حيث لم يفرقوا بين شرف النفوس وشرف العقول وأنهما لا يتداخلان وأن
الكمال في وجود الشرفين. ورأيت فيها علم ما يرى الإنسان إلا ما كان عليه سواء عرف ذلك
أو جهله فإنه لا بد أن يشهده فيعرفه في الموضع الذي لا ينفعه العلم به ولا مشاهدته إياه .
ورأيت فيها علم التداخل والدور وهو أنه لا يكون الحق إلا بصورة الخلق في الفعل ولا يكون
الخلق فيه بصورة الحق فهو دور لا يؤدي إلى امتناع الوقوع بل هو الواقع الذي عليه الأمر فإن
الله لا يمل حتى تملوا، فهذا حكم خلق في حق، وقال: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ
لِلْإِسْلَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَمُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] فهذا منه كما كان عوده
ومآله منا. ورأيت فيها علم منزلة القرآن من العالم ولمن جاء وبما جاء وإلى أين يعود. ورأيت
فيها علم التلبيس وأن أصله العجلة من الإنسان، فلو اتئد وتفكر وتبصر لم يلتبس عليه أمر
وقليل فاعل ذلك. ورأيت فيها علم الليل وحده والنهار وحده والزمان وحده واليوم وحده
والدهر وحده والعصر وحده والمدة وحدها. ورأيت فيها علم التفصيل وفيما ظهر. ورأيت
فيها علم ما لزم الإنسان من حكم الله الذي فصله الشرع فلا ينفك عنه. ورأيت فيها علم تقابل

٨٧
في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس
النسختين وأن الإنسان في نفسه كتاب ربه. ورأيت فيها علم سبب وجوب العذاب في الآخرة
وهو جلي، والعلم الخفي إنما هو في وجود سبب عذاب الدنيا ولا سيما في حق الطفل
الرضيع وهل الطفل الرضيع وجميع الحيوان لهم تكليف إلهي برسول منهم في ذواتهم لا
يشعر به؟ وأن الصغير إذا كبر وكلف لا يشعر ولا يتذكر تكليفه في حال صغره لما يقوم به من
الآلام، وبالحيوان فإنه تعالى ما يعذب ابتداء ولكن يعذب جزاء، فإن الرحمة لا تقتضي في
العذاب إلا الجزاء للتطهير، ولولا التطهير ما وقع العذاب، وهذا من أسرار العلم الذي اختص
الله به من شاء من عباده ولكل أمة رسول ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وما من
شيء في الوجود إلا وهو أمة من الأمم، قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ
◌ِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] في كل شيء. وقال ◌َّ في الكلاب: ((إنّها أمّة من
الأمم)) فعمت الرسالة الإلهية جميع الأمم صغيرهم وكبيرهم، فما من أمة إلا وهي تحت
خطاب إلهي على لسان نذير بعث إليها منها وفيها. ورأيت فيها علم حكم الوجوب الموسع
المخير كأوقات الصلوات والتخيير في الكفارات. ورأيت فيها علم كون الحق مع إرادة العبد
لا يخالفه وهذه الصفة بالعبد أولى فكما أمر الله عبده فعصاه كذلك دعاه عبده فلم يجبه فيما
سأل فيه كما أمره فلم يطعه، ألا ترى إلى الملائكة لما لم تعص أمر الله أجابها الله في كل ما
سألته فيه حتى أن العبد إذا وافق في الصلاة تأمينه تأمين الملائكة غفر له، ورأيت فيها عموم
العطاء الإلهي وأنه من الكرم الإلهي إتيان الكبائر في العالم المكلف فإنه لا بد لطائفة من
التبديل فيبدل بها كبير بكبير: [مخلع البسيط]
في كُلُّ نَوْعٍ وكلّ جِنْسِ
إحياءُ نَفْسٍ بِقَتْلِ نَفْسٍ
فمن الناس من يبدل له بالتوبة والعمل الصالح، ومن الناس من يبدل له بعد أخذ
العقوبة حقها منه، وسبب إنفاذ الوعيد في حق طائفة حكم المشيئة الإلهية، فإذا انتهت المدة
طلبت المشيئة في أولئك تبديل العذاب الذي كانوا فيه بالنعيم المماثل له فإن حكم المشيئة
أقوى من حكم الأمر وقد وقع التبديل بالأمر، فهو بالإرادة أحق بالوقوع، وستر الله هذا
العلم عن بعض عباده وأطلع عليه من شاء من عباده، وهو من علم الحكمة التي من أوتيها
فقد أوتي خيراً كثيراً ولذلك قال الحق تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] غفوراً أي
يستر رحيماً بذلك الستر بعد قوله: ﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]
وقال في المسرفين: ﴿لَا نَقْنَطُواْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] فجاء بالمغفرة والرحمة في حق التائب وصاحب العمل الصالح كما جاء
بهما في المسرفين الذين لم يتوبوا ونهاهم عن القنوط وأكد بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ وأكثر من هذا
الإفصاح الإلهي في مآل عباده إلى الرحمة ما يكون مع عمارة الدارين الجنة وجهنم، وأن
لكل واحدة منهما ملأها لا يخرجون منها، فعطاء الله لا مانع له، وإنما الاسم المانع إنما
متعلقه أن نعيم زيد ممنوع عن عمرو، كما أن نعيم عمرو ممنوع عن زيد، فهذا حكم المانع
لا أنه يمنع شمول الرحمة. ورأيت فيها علم الفرق بين مفاضلة المفضولين في الدنيا وبينهم

٨٨
في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس
في الآخرة. ورأيت فيها علم من ترك ما هو عليه لماذا ترك وسببه. ورأيت فيها علم أن الله
هو المعبود في كل معبود من خلف حجاب الصورة. ورأيت فيها علم الرفق بالعالم ومعاملة
كل صنف بما يليق به من الرفق. ورأيت فيها علم ما يجني الإنسان إلا ثمرة غرسه لا غير.
ورأيت فيها علم الحدود في التصرفات ومقاديرها وأوزانها ورأيت فيها علم التخلق
بالأخلاق الإلهية من كونه رباً خاصة. ورأيت فيها علم حكم مرتبة الجزء من الكل وإن كان
الجزء على صورة الكل. ورأيت فيها علم نتاج المقدمتين الفاسدتين علماً صحيحاً مثل كل
إنسان حجر وكل حجر حيوان فكل إنسان حيوان، فلم يلزم من فساد المقدمتين أن لا تكون
النتيجة صحيحة وهذا لا يعرف ميزانه. ورأيت فيها علم تأثير المثل في مثله بماذا أثر فيه
وليس أحدهما بأولى من الآخر ولا أحق بنسبة التأثير إليه والمثلان ضدان فافهم. ورأيت
فيها علم العبث وكيف يصح مع قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا﴾
[صّ: ٢٧] والعبث فيما بينهما، فبأي نظر يكون عبئاً وبأي نظر لا يكون باطلاً، وقول الله
تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] فقيد وما قيد الباطل. ورأيت علم
فضل الذكور على الإناث وهي مفاضلة عرضية لا ذاتية. ورأيت فيها علم أحكام المحال
والحال والمكان والمتمكن فيه. ورأيت فيها علم الحجب المانعة من التأثير الإلهي في
المحجوب بها. ورأيت فيها علم سلطنة الأحدية وأنه لا يبقى لسلطانها أحد وهل يصح فيها
تجل أو لا؟ فالذي قال بالتجلي فيها ما يريد هل أحدية الواحد أو أحدية المجموع؟ وكذلك
من لا يقول بالتجلي فيها هل يريد أحدية الواحد أو أحدية المجموع؟ ورأيت فيها علم آداب
السماع وترك الكلام عنده. ورأيت علم إلحاق الأدنى بالأعلى في حكم ضرب المثل له
ومن هو هذا الأعلى وبماذا كان أعلى؟ ورأيت فيها علم المجبور على الثناء على من كان
يذمه قبل الجبر. ورأيت فيها علم السبب المانع الذي يمنع العاقل من سلوك الأشد والأخذ
بالأولى والأحق. ورأيت فيها علم العروج والنزول من الشخص الواحد لاختلاف الأحوال
ومن نزل لماذا نزل ومن أنزله؟ ومن صعد لماذا صعد ومن أصعده؟ ورأيت فيها علم أحوال
الناس في البرزخ فإنه تقابلت فيه الأخبار فهل يعم التقابل أو يخص؟ وهل العموم
والخصوص في الزمان أو في الأشخاص؟ ورأيت فيها علم ما فائدة الآيات التي لا تأتي
للإعجاز فلأي شيء أتت؟ ورأيت فيها علم ما السبب الذي أجرأ الضعيف من جميع الوجوه
على القوي من جميع الوجوه مع علمه بأنه قادر على إهلاكه ورأيت فيها علم طاعة إبليس
ربه في كل شيء إلا في السجود لآدم وما ذكر آدم بأنه عصى نهي الله، وقيل في إبليس أبى
ولم يقل فيه عصى أمر الله هل ذلك شرف يرجع لآدم لكونه على الصورة وما لإبليس هذا
المقام، وذكر الله في آدم أنه عصى ربه فذكر من عصى ولم يذكر في حق إبليس إلا أبى ولم
يذكر أنه أبى امتثال أمر ربه، وفي آية أخرى قيل: ﴿لَمَّ يَكُنْ مِّنَ اُلسَّجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]
وفي آية أخرى قيل: ﴿اُسْتَكْبَرَ﴾ [ص: ٧٤] وفي آية أخرى قال: ﴿َأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾
[الإسراء: ٦١] وفي آية أخرى قيل: ﴿أَ أَنْ يَكُونَ مَعَ اُلسَّجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١] فانظر ما أفادك

٨٩
في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس
الحق في هذه الآيات وما في طيها من الأسرار. ورأيت فيها علم الاغترار. ورأيت فيها علم
من فضل آدم من المخلوقين وأن فضله لم يعم، وهكذا أخبرني رسول الله وَّر في واقعة
رأيتها، وهكذا أخبر الخليل إبراهيم عليه السلام شيخنا أبا مدين بأن فضل آدم لم يعم.
ورأيت فها علم الإمامة والإمام. ورأيت فيها علم أن الدنيا عنوان الآخرة وضرب مثال لها وأن
حكم ما فيها هو أتم وأكمل في الآخرة. ورأيت فيها علم السبب الذي لأجله يميل قلب
صاحب العلم بالشيء عما يعطيه علمه وما حكمه. ورأيت فيها علم سنة الله في عباده لا
تتبدل. ورأيت فيها علم توقيت محادثة الحق التي لا بد لصاحب العناية منها والجمع بين
الشهود والمحادثة وما يكون من المحادثة مسامرة، وأن الحق لا يمتنع من المسامرة ويمتنع
من المحادثة في أوقات مّا وهي خطاب إلهي من العبد لله ومن الله للعبد وما ينتج هذا العلم
لمن علمه يوم القيامة. ورأيت فيها علم أحوال الصادقين في حركاتهم في الدخول إلى
الحضرة الإلهية من العالم والخروج منها إلى العالم، وممن تمكن في هذا المقام أبو يزيد
البسطامي. ورأيت فيها علم تشخص العدم حتى يقبل الحكم عليه بما يؤثر فيه الوجود وإن لم
يكن كذلك فلا يعقل وصورته صورة تجلي الحق في أي صورة ظهر يحكم عليه بما يحكم به
على تلك الصورة التي تجلى فيها ويستلزمه حكمها، ومن ذلك نسب إليه تعالى ما نسب من
كل ما جاءنا في الكتاب والسنة ولا يلزم التشبيه. ورأيت فيها علم الطب الإلهي في الأجسام
الطبيعية لا في الأخلاق وقد يكون في الأخلاق فإن مرض النفس بالأخلاق الدنية أعظم من
مرض الأجسام الطبيعية. ورأيت فيها علم ما لا يتعدى العامل ما يقتضيه طبعه ومزاجه إن كان
ذا مزاج، فإن كان العامل ممن لا مزاج له فإن عمله بحسب ما هو عليه في ذاته. ورأيت فيها
علم حكم من يسأل عما يعلم فيجيب أنه لا يعلم فيكون ذلك علماً به عند السائل أنه يعلم ما
سأله عنه، فإن أجابه بما يعلم كما هو الأمر في نفسه وعليه علم أنه لا يعلم المجيب ما سأل
عنه السائل. ورأيت فيها علم التعاون على حصول العلم إذا وجد هل يحصل به كل علم
يتعاون عليه أو يحصل به علم بعض العلوم دون بعض؟ ورأيت فيها علم سبب وضع الشرائع
وإرسال الرسل. ورأيت فيها علم التحكم على الرسل ما سببه وهل هو محمود أو مذموم أو لا
محمود ولا مذموم أو في موطن محمود وفي موطن مذموم؟ ورأيت فيها علم المانع من وقوع
الممكنات دفعة واحدة أعني ما وقع منها وهل ذلك ممكن أم لا؟ وفيما يمكن ذلك وفيما لا
يمكن، والذي يمكن فيه هل وقع أم لا؟ وما ثم إلا جوهر أو عرض حامل ومحمول قائم
بنفسه وغير قائم بنفسه فيدخل في ذلك التقسيم الجسم وغيره، وهل الجسم مجموع أعراض
وصفات والجوهر كذلك أم ليس كذلك؟ ورأيت فيها علم مرتبة التسعة من العدد. ورأيت فيها
علم تعارض الخصمين ما أدّاهما إلى المنازعة هل أمر وجودي أو عدمي؟ ورأيت فيها علم
الحق المخلوق به. ورأيت فيها علم تسمية الاسم الواحد من الأسماء بجميع الأسماء كما
ذهب إليه صاحب خلع النعلين أبو القاسم بن قسي رحمه الله في كتاب خلع النعلين. ورأيت
فيها علم مراتب المحامد وعواقبها. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

٩٠
في المنازل / الباب الثامن والستون وثلاثمائة في معرفة منزل الأفعال
الباب الثامن والستون وثلاثمائة
في معرفة منزل الأفعال مثل أتى ولم يأت وحضرة الأمر وحده
[نظم: الطويل]
فأين امتيازي بالحديث عَنِ النّخلِ
إذا كان غَيْرُ الجنْسِ مِثْلِيَ في الفَصْل
كما جاء في القرآن في سُورة النَّمْلِ
أنا ناطقٌ والطيرُ مثلي ناطقٌ
به فوُجُودُ الشّكلِ يأَنَسُ بالشَّكْلِ
فلا تَفْرحنَّ إلا بما أنت واحدٌ
لقد كان لي شَيْخٌ عزيزٌ مُقَدَّسٌ
يقول بتفضيل الأمور وبالوَضْلِ
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الَّخِذُونِ وَأُفِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ
اُللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهذا القول لا يكون إلا يوم القيامة فما وقع فعبر بالماضي عن المسقبل
لتحقق وقوعه ولا بد وزوال حكم الإمكان فيه إلى حكم الوجوب وكل ما كان بهذه المثابة،
فحكم الماضي فيه والمستقبل على السواء، وسياقه بالماضي أكد في الوقوع وتحققه من بقائه
على الاستقبال .
اعلم يا ولي أسعدك الله بالحق ونطقك به أن جماعة من أهل الله غلطوا في أمر جاء من
عند الله تعالى وساعدناهم في غلطهم وما ساعدناهم ولكن مشينا أقوالهم لانتمائهم إلى الله
حتى لا ينتمي إليه سبحانه إلا أهل حق وصدق، وذلك أن الأمر الذي غلطوا فيه علم الحق
المخلوق به وجعلوا هذا المخلوق به عيناً موجودة لما سمعوا الله يقول إنه: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ بِآلْحَقّ﴾ [النحل: ٣] وما أشبه هذه الآيات الواردة في القرآن، والباء هنا بمعنى اللام
ولهذا قال تعالى في تمام الآية: ﴿تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] من أجل الباء والأمر في
نفسه في حق السماء والأرض وما أنزل ما بينهما حتى يعم الوجود كله مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ
آلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] كذلك ما خلق السموات والأرض إلا بالحق أي للحق
فاللام التي نابت الباء هنا منابها عين اللام التي في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ فخلق السموات والأرض
للحق والحق إن يعبدوه ولهذا قال: ﴿وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] والشرك هو الظلم
العظيم، وما ظهر من موجود إلا من هذا النوع الإنساني، وما ذكر الجن معه في الخلق للعبادة
إلا لكونه أغواه بالشرك لا أنه أشرك والإنس هو الذي أشرك هذا إذا لم تكن الجن عبارة عن
باطن الإنسان فكأنه يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَ﴾ وهو ما استتر من الإنسان وما بطن منه والإنس
وهو ما يبصر منه لظهوره ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ظاهراً وباطناً. ثم قال: ﴿أَوَّلَمْ يَرَ الْإِنسَئِنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ
مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] أي بين الخصومة ظاهر بها وقال: ﴿خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ
فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ قُّبِينٌ﴾ وذلك لدعواه في الربوبية، وما خلقه الله إلا عبداً فلا يتجاوز قدره
فنازع ربه في ربوبيته وما نازعه مخلوق إلا هو، ووصف خصومته بالإبانة دون من وصفه
بالخصومة من الملأ الأعلى وغيرهم وفي دعوى غير الربوبية، فإنه ما من خصام يكون من
مخلوق في أمر خلاف دعوى الربوبية إلا وهو ممكن أن يكون الحق بيده في ذلك ويخفى

٩١
في المنازل/ الباب الثامن والستون وثلاثمائة في معرفة منزل الأفعال
على السامع والحاكم، فلا يدري هل الحق معه أو مع خصمه؟ وهل هو صادق في دعواه أو
هو كاذب للاحتمال المتطرق في ذلك إلا دعواه في الربوبية فإنه يعلم من نفسه ويعلم كل
سامع من خلق الله أنه كاذب في دعواه وأنه عبد ولذلك خلقه الله، فلهذا قيل فيه إنه خصيم
مبين أي ظاهر الظلم في خصومته، فمن نازع ربه في ربوبيته كيف يكون حاله؟ ثم إن هذا
الإنسان ليته يسعى في ذلك في حق نفسه فإنه يعلم من نفسه أنه ليس له حظ في الربوبية ثم
يعترف بالربوبية لخلق من خلق الله من حجر أو نبات أو حيوان أو إنسان مثله أو جان أو ملك
أو كوكب فإنه ما بقي صنف من المخلوقات إلا وقد عبد منه وما عبده إلا الإنسان الحيوان،
فأشقى الناس من باع آخرته بدنيا غيره، ومن هلك فيما لا يحصل بيده منه شيء فيشهد على
نفسه أنه أجهل الناس بغيره وأعلم الناس بنفسه لأنه ما ادّعاها لنفسه، ومن ادّعاها لنفسه فإنما
استخف قومه فأطاعوه لذلك وهو يعلم خلاف ذلك من نفسه ولذلك قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم
مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨] أي في اعتقادكم.
واعلم أن الحق تعالى لا يخلق شيئاً بشيء لكن يخلق شيئاً عند شيء، فكل ما يقتضي
الاستعانة والسببية فهي لام الحكمة، فما خلق الله شيئاً إلا للحق والحق أن يعبدوه فإذا هو
خصيم مبين وما ذاك إلا من عمى القلوب التي في الصدور عن الحق، فلو كانت غير معرضة
عن الحق مقبلة عليه لأبصرت الحق فأقرّت بالربوبية له في كل شيء ولم يشرك بعبادة ربه أحداً
ولذلك قال ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] والصالح الذي لا يدخله
خلل، فإن ظهر فيه خلل فليس بصالح، وليس الخلل في العمل وعدم الصلاح فيه إلا الشرك
فقال: ﴿وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِِّ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] فنكر فعم كل من ينطلق عليه اسم أحد وهو
كل شيء في عالم الخلق والأمر، وعم الشرك الأصغر وهو الشرك الذي في العموم وهو
الربوبية المستورة المنتهكة في مثل فعلت وصنعت وفعل فلان ولولا فلان فهذا هو الشرك
المغفور، فإنك إذا راجعت أصحاب هذا القول فيه رجعوا إلى الله تعالى والشرك الذي في
الخصوص فهم الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر وهو الظلم العظيم الذي ظلموا به هذا المقول
عليه أنه إله مع الله، فظلموا الله في وحدانية الألوهية له، وظلموا الشريك في نسبة الألوهية
إليه، فيأخذهم الله بظلم الشريك لا بظلمه في أحديته، فإن الذي جعلوه شريكاً يتبرأ منهم يوم
القيامة حيث تظهر الحقوق إلى أربابها المستحقين لها، فعلى الحقيقة أن الله لا يخلق شيئاً
بشيء وإن خلقه لشيء فتلك لام الحكمة وعين خلقه عين الحكمة إذ خلقه تعالى لا يعلل
فالخلق عبد بالذات أثرت فيه العوارض ولا سيما الشخص الإنساني، بل ما أثرت العوارض
إلا في الشخص الإنساني وحده دون سائر الخلق وما سواه فعلى أصله من تنزيه خالقه عن
الشريك ولذلك قال: ﴿وَإِن مِّن شَىءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ﴾ [الإسراء: ٤٤] وهذا ضمير
الجمع في تفقهون إنما هم الناس خاصة، فجميع المخلوقات عبدوا الله إلا بعض الناس،
فالإنسان ألد الخصام حيث خاصم فيما هو ظاهر الظلم فيه وليس إلا الربوبية، وهل رأيتم
عبداً يخاصم ربه إلا إذا خرج عن عبوديته وزاحم سيده في ربوبيته فادعى ملكاً لنفسه، فإذا

٩٢
في المنازل/ الباب الثامن والستون وثلاثمائة في معرفة منزل الأفعال
تصرّف فيه سيده نازعه فيه وخاصمه، فما وقعت خصومة من عبد في عبوديته، وإنما وقعت
فيما هو رب فيه ومالك له، وكثير من أهل الله من العلماء منهم ممن لا أذكره ولا أسميه فإن
هذه النسبة إليه نسبة تنص على جهله فلذلك تأذبت معه فقرروا المخلوق به على وجهين :
فمنهم من جعل هذا الحق المخلوق به عين علة الخلق والحق تعالى لا يعلل خلقه هذا هو
الصحيح في نفسه حتى لا يعقل فيه أمر يوجب عليه ما ظهر من خلقه بل خلقه الخلق منة منه
على الخلق وابتداء فضل وهو الغنيّ عن العالمين. ومنهم من جعل هذا الحق المخلوق به عيناً
موجودة بها خلق الله ما سواها وهم القائلون بأنه ما صدر عن الواحد إلا واحد، وكان صدور
ذلك الواحد صدور معلول عن علة أوجبت العلة صدوره، وهذا فيه ما فيه، والذي أقول به
أنه : [الطويل]
وذلك تَوْحِيدٌ إلى مَنْ له الأمْرُ
إذا جَاءَ أمْرُ الله فالآمرُ الأمر
عليه وهذا الظُلْمُ قد عَمَّهُ الحَجْرُ
فلا تُشْركوا فالشِّرْكُ ظُلْمٌ مُبَرْهَنْ
ولما كان العلم تحيا به القلوب كما تحيا بالأرواح أعيان الأجسام كلها سمي العلم روحاً
تنزل به الملائكة على قلوب عباد الله وتلقيه وتوحي به من غير واسطة في حق عباده أيضاً،
فأما إلقاؤه ووحيه به فهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وأما تنزيل
الملائكة به على قلوب عباده فهو قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ
عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢] فهم المعلمون والأستاذون في الغيب يشهدهم من نزلوا عليه، فإذا نزل هذا
الروح في قلب العبد بتنزيل الملك أو بإلقاء الله ووحيه حيى به قلب المنزل عليه فكان صاحب
شهود ووجود لا صاحب فكر وتردّد ولا علم يقبل عليه دخلاً فينتقل صاحبه من درجة القطع
إلى حال النظر، فالعبد العالم المجتبى إما يعرج فيرى، وإما ينزل عليه في موضعه: [الكامل]
نَعْتُ المُحَقّق في شُهُود الذَّاتِ
إنّ العُرُوجَ لرُؤية الآيات
وانْظُز إلى الماضي يُريك الآتي
فانْظُرْ بِفِعْلِ الحالِ تَشْهَدْ کَوْنَهُ
بوجوده في أكثر الحَالاتِ
إنّ الوجود مُبَرِهِنّ عن نفسه
والماضي والآتي مع الأمواتِ
فالحالُ في الأحياء يشهدُ دائماً
فإن قال المعتذر عن هؤلاء: فما فائدة خلق الإنسان الكامل على الصورة؟ قلنا: ليظهر
عنه صدور الأفعال والمخلوقات كلها مع وجود عينه عنده أنه عبد، فإن غاية الأمر الإلهيّ أن
يكون الحق مع العبد وبصره بل جميع قواه فقال تعالى: ((فَإِذَا أَخْيَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ))
الحديث، فأثبت بالضمير عينه عبداً لا ربوبية له، وجعل ما يظهر به وعليه ومنه أن ذلك هو
الحق تعالى لا للعبد، فهذا الخبر يؤيد ما ذهبنا إليه وهو عليهم لو اعتذروا به محتجين علينا
كما فعلت أنت ولم يكن لهم هذا الخبر فلا شيء أعلى من كلام النبوّة ولا سيما فيما أخبرت
به عن الله عز وجل، فإن قالوا: إن الإمكان جعلنا أن نقول ما نقول. قلنا: الإمكان حكم
وهمي لا معقول لا في الله ولا في المسمى ممكناً فإنه لا يعقل أبداً هذا المسمى ممكناً إلا
مرجحاً، وحالة الاختيار لا تعقل إلا ولا ترجيح، وهذا غير واقع فهو غير واقع عقلاً لكن تقع

٩٣
في المنازل/ الباب الثامن والستون وثلاثمائة في معرفة منزل الأفعال
وهماً والوهم حكم عدمي فما ثم إلا واجب بذاته أو واجب به فمشيئة الحق في الأشياء
واحدة : [البسيط]
وَحِيدَةُ العَيْنِ لا شِرْكٌ يُثَنّيها
والحَقُّ ليس له إلا مشيئتُه
أتى فحِكْمَتُهُ الإمكان تذريها
والاخْتِيَارُ مُحَالٌ فَرْضُهُ فإذا
والله بالحال أخْفَى نَفْسَهُ فيها
فلا تزالُ على الترجيح نشأتُهُ
في المُمْكنات فيُبْديها ويُخْفيها
فزالَ مِنْ عِلْمِنَا الإمكانُ عن نَظَرٍ
وإذا زال الإمكان زال الاختيار وما بقي سوى عين واحدة، لأن المشيئة الإلهية ما عندها
إلا أمر واحد في الأشياء، ولا تزال الأشياء على حكم واحد معين من الحكمين فما الأمر كما
توهمه القائل بالإمكان، فثبت أنه ما ثم إلا حق لحق، وحق لخلق، فحق الحق ربوبيته، وحق
الخلق عبوديته، فنحن عبيد وإن ظهرنا بنعوته، وهو ربنا وإن ظهر بنعوتنا، فإن النعوت عند
المحققين لا أثر لها في العين المنعوتة، ولهذا تزول بمقابلها إذا جاء ولا تذهب عيناً بل لا
يزال كونها في الحالين، فالقائم عين القاعد من حيث عينه، والقائم ليس القاعد من حيث
حكمه، فالقائم لا يمكن أن يقعد في حال قيامه، والقاعد لا يمكن أن يقوم في حال قعوده،
وما شاء الحق إلا ما هو الأمر عليه في نفسه، فمشيئة الحق في الأمور عين ما هي الأمور عليه
فزال الحكم، فإن المشيئة إن جعلتها خلاف عين الأمر، فإما أن تتبع الأمر وهو محال، وإما
أن يتبعها الأمر وهو محال، وبيان ذلك أن الأمر هو أمر لنفسه كان ما كان فهو لا يقبل التبديل
فهو غير مشاء بمشيئة ليست عينه فالمشيئة عينه فلا تابع ولا متبوع فتحفظ من الوهم، فإن له
سلطاناً قوياً في النفس يحول بينها وبين العلم الصحيح الذي يعطيه العقل السليم.
ولما دخلت هذا المنزل عندما رفعت إلى أعلامه فاستدللت عليه بأعلامه حتى وصلت
إليه بعدما قاسيت مشقة وطالت علي الشقة، فلما دخلته صعب علي التصرف فيه لما فيه من
المهالك وهو منزل مظلم لا سراح فيه، فكنت أمشي فيه بحس الرجل والتثبت مخافة الوقوع
في مهلك من مهالكه، فإذا ثبت قدمي في موضع أحس به ولا أبصره حينئذ شرعت في نقله
أطلب موضعاً أنتقل إليه، فإذا وقعت قدمي بفراغ علمت أن هنالك مهلكاً.، فسرت أتتبع
بقدمي يميناً وشمالاً حتى أجد لقدمي موضعاً يستقر فيه وأنا معتمد على القدم الأخرى، وما
زلت كذلك أنتقل من مكان إلى مكان في هذه الظلمة ولا أبصر شيئاً لعدم النور من الخارج
المقارن لنور بصري فكان رجلي بصري فعلمت من ذلك قدر ما تصرفت فيه، وأنا على حذر
ما أدري ما يعرض لي في طريقي من حيوان يؤذيني ولا أحس به حتى يوقع الأذى بي، ومع
هذا خاطرت بنفسي لأني قلت: أنا في ظلمة على كل حال فسواء علي قعدت أو تصرفت،
فإني إذا قعدت لم آمن أن يأتيني حيوان يؤذيني، وإن تصرفت لم آمن أيضاً من حيوان يؤذيني
أو مهلك أقع فيه، فالتثبت في التصرف أرجى لي فرجحته على القعود طلباً للفائدة، فبينا أنا
كذلك إذ فجئني نور الشرع من خارج بصورة سراج مصباح لا تحركه الأهواء لكونه في مشكاة
ومشكاته الرسول فهو محفوظ من الأهواء التي تطفيه وذلك المصباح في زجاجة قلبه وجسمه

٩٤
في المنازل/ الباب الثامن والستون وثلاثمائة في معرفة منزل الأفعال
المصباح واللسان ترجمته والإمداد الإلهي زيته والشجرة حضرة إمداده، فاجتمع نور البصر مع
هذا النور الخارج فكشفنا ما في الطريق من المهالك والحيوانات المضرة فاجتنبنا كل ما يخاف
منها ويحذر، وسلكنا محجة بيضاء ما فيها مهلك ولا حيوان مضر، ولو تعرض إلينا عدلنا عنه
لاتساع الطريق وسهولته والموانع والحصون التي فيه المانعة ضرر تلك الحيوانات ﴿وَمَنْ لَّ
يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ نُورًّا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٤٠] وبعد أن ظهر هذا المصباح لم ينطف ولا زال، فمن
استدبره وأعرض عنه مشى في ظلمة ذاته وتلك الظلمة ظلمته فيكون ممن جنى على نفسه
بإعراضه عن المصباح واستدباره، فهذا حكم من ترك الشرع واستقل بنظره، فهو وإن ثبت في
سعيه لظلمة ذاته على خطر من دواب الطريق وإن لم يقع في مهلك، فينبغي للعاقل أن لا
يستعجل في أمر له فيه أناة، ولا يتأنى في أمر يكون الحق في المبادرة إليه والإسراع في
تحصيله، هذا فائدة العقل في العاقل.
ورأيت في هذا المنزل علوماً جمة منها علم الحاصل في عين الفائت لأنه لولا ذلك ما
علمت فضل الحاصل على الفائت في حقك إذا كان فيه سعادتك، ولا فضل الفائت على
الحاصل إذا كان الفائت مطلوبك، ولو حصل لك أشقاك وأنت لا تعلم فكان الفضل فيه في
حقك فوته فإن بفوته سعدت، وهذا لا يكون إلا لمن أسعده الله وهو قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمّ وَعَسَى أَنْ تُحِبُواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَّمُونَ﴾
[البقرة: ٢١٦] ومنه ما روي أن رسول الله وسلّر قبل رسالته كان يرعى الغنم بالبادية فيريد أن
يدخل إلى مكة ليصيب فيها ما يصيب الشبان، فإذا دخل مكة وترك في الغنم بعض من يعرفه
يحفظها حتى يأتي إليه يرسل الله عليه النوم فيفوته تحصيل ما دخل من أجله فيستعجل الرجوع
إلى غنمه فيخرج وقد فاته ما دخل من أجله وكانت في ذلك عصمته وحفظه من حيث لا
يشعر، ويقال في المثل في هذا المعنى: من العصمة أن لا تجد.
وفي هذا المنزل من العلوم علم أحدية الأفعال وهو أمر مختلف فيه، فمن مثبت ذلك
للحق تعالى، ومن مثبت ذلك للخلق فهو أحدي في الطائفتين، ومن مثبت في ذلك شركاً
خفياً وهو القائلون بالكسب. وفيه علم ما لا يعلم إلا بالوهب ليس للكشف فيه مدخل جملة
واحدة وهو ما لا يدرك إلا بذات المدرك اسم فاعل على حسب ما هو المدرك اسم فاعل
عليه، فإن كان ممن تنسب إليه الحواس فالحواس له ذاتية لا محالها المعين لها، وإن كان
ممن لا تنسب إليه الحواس فإدراكه للأمور المحسوسة كصاحب الحواس أيضاً بذاته ولا يقال
أنها محسوسة له لأنه لا ينسب إليه حس فهي معلومة له، والحواس طريق موصلة إلى العلم،
والعلم بالأمر هو المطلوب لا بما حصل، فقد رأيت الأكمه يدرك الفرق بين الألوان مع فقد
حس البصر وجعل الله بصره في لمسه فيبصر بما به يلمس. وفيه علم الإعلام بتوحيد الحق
نفسه في ألوهيته بأي لسان أعلم ذلك وما السمع الذي أدرك هذا الإعلام الإلهي إذا تبعه الفهم
عنه فإن لم يتبعه فهم فهل يقال فيه أنه سمع أم لا؟ وفيه علم رتبة الإنسان الحيوان ومزاحمته
الإنسان الكامل بالقوة فيما لا يكون من الإنسان الكامل إلا بالفعل، وأن الإنسان الكامل

٩٥
في المنازل/ الباب الثامن والستون وثلاثمائة في معرفة منزل الأفعال
يخالف الإنسان الحيوان في الحكم، فإن الإنسان الحيوان يرزق رزق الحيوان وهو للكامل
وزيادة، فإن الكامل له رزق إلهي لا يناله الإنسان الحيوان، وهو ما يتغذى به من علوم الفكر
الذي لا يكون للإنسان الحيوان والكشف والذوق والفكر الصحيح. وفيه علم رحمة الله
بالعالم حيث أحالهم على الأسباب وما جعل لهم رزقاً إلا فيها ليجدوا العذر في إثباتها، فمن
أثبتها جعلاً فهو صاحب عبادة، ومن أثبتها عقلاً فهو مشرك وإن كان مؤمناً، فما كل مؤمن
موحد عن بصيرة شهودية أعطاه الله إياها وفيه علم رتبة المباح من الشرائع وما حدوه به من أنه
لا أجر فيه ولا وزر حد صحيح أم لا، وهل فيه حصول الأجر في فعله وتركه وما ينظر إليه من
أفعال الله ومما يحكم به في الله فإنه لا يماثلها إلا الاختيار المنسوب إلى الله، فإن لم يثبت
هنالك اختيار على حد الاختيار فلا يثبت هنا مباح على حد المباح لأنه ما هو ثم وفيه علم ما
يعلمه المخلوق وأنه محدود مقيد لا ينسب إليه الإطلاق في العلم به فإن ذلك من خصائص
الحق سبحانه وتعالى وفيه علم اختلاف الطبائع فيمن تركب منها وبماذا اختلف من لا طبيعة
له، ولولا حكم الاختلاف فيمن لا طبيعة له ما ظهر الاختلاف في الطبيعة، كما أنه لولا
اختلاف الطبيعة ما ظهر خلاف فيما تألف منها وهو علم عجيب في المفرد العين والمفرد
الحكم، فبالقوابل ظهر الخلاف بالفعل وهو في المفرد بالقوة. وفيه علم توقف العالم بعضه
على بعض فيما يستفاد منه مع التمكن من ذلك كان دونه وفيه علم رتبة من كثرت علومه ممن
قلت علومه ومن قلت علومه عن كثرة أو من قلت لا عن كثرة وإن كان الشرف عند بعضهم
في قلة العلم فلماذا أمر الله عز وجل رسوله وَ ال# أن يطلب الزيادة من العلم والزيادة كثرة ومن
كان علمه من المعلومات وإن كثرت أحدية كل معلوم التي هي عين الدلالة على أحدية الحق
فهو صاحب علم واحد ولا أقل من الواحد في معلومات كثيرة مجمل كل معلوم أحدية هي
معلومة للعالم بالله وحده، وما نبه على هذه المسألة إلا ابن السيد البطليوسي فإنه قال فيما
وقفنا عليه من كلامه أن الإنسان كلما علا قدره في العالم قلت علومه، وكلما نزل عن هذه
المرتبة الشريفة اتسعت علومه، وأعني العلم بالأفعال، وأعني بالقلة العلم بالذات من طريق
الشهود وكان رأيه في علم التوحيد رأي الفيثاغوريين وهم القوم الذين أثبتوا التوحيد بالعدد
وجعلوه دليلاً على أحدية الحق وعلى ذلك جماعة من العقلاء. وفيه علم العلم الثابت الذي
لا يقبل الزوال في الدنيا ولا الآخرة. وفيه علم نصب الأدلة لمن لا يعرف الأمر إلا بالنظر
الفكري وفيه علم ما لا يمكن أن ينسب إلا إلى الله فإن نسب إلى غير الله دل عند من يعرف
ذلك العلم على جهل من ينسبه إلى غير الله بالله وفيه علم كون الموجودات كلها نعماً إلهية
أنعم الله بها، وعلم من هو الذي أنعم الله بها عليه وهل هو هذا المنعم عليه من جملة النعم
فيكون عين النعمة عين المنعم اسم مفعول فاعلم ذلك وفيه علم الموت في الحياة والحياة في
الموت ومن هو الحي الذي لا يموت والميت الذي لا يحيا؟ ومن يموت ويحيا ومن لا يموت
ولا يحيا؟ وفيه علم سبب وجود الإنكار في العالم ولماذا يستند من الحضرة الإلهية؟ وقل قوله
لعبده عندما ينسب إليه ما ظهر عليه من الأمور التي نهى أن يعملها: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَين

٩٦
في المنازل/ الباب الثامن والستون وثلاثمائة في معرفة منزل الأفعال
نَّفْسِكٌ﴾ [النساء: ٧٩] إنكار إلهي عن نسبة ذلك الفعل إلى الله، ولماذا سمي منكراً وهو
معروف؟ وقوله: الذين ﴿يَأْمُونَ بِلْمَعْرُوفِ﴾ وهو الأمر بما هو معلوم له ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] وهو أن يأمر بما ليس معلوماً عنده من النكرة التي لا تتعرف، ولما كان
المنكر فعل ما أمر بتركه أو ترك ما أمر بفعله ولا يوصف بأنه أتى منكراً حتى يعلم أنه مأمور به
ذلك العمل أو منهي عنه فصح له اسم المنكر، لما يحصل للعبد من الحيرة في ذلك وعدم
تخلصه إلى أحد الجانبين، فإن نسبه إلى الحق في بعض الأمور عارضه الأدب أو الدليل
الحسيّ والعقليُّ والسمعيُّ فيسلب عن ذلك العمل نعت المعرفة ويلحقه بالنكرة، ولما اختص
المنكر بالمذموم من الأفعال لا بالمحمود. وفيه علم ذم الله المتكبر والكبرياء صفته وقد علم
الله عز وجل أنه لا يدخل قلب إنسان الكبر على الله ولكن يدخله الكبر على خلق الله وهو
الذي منه وحينئذ يدخل الحنة، فإنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر على غير الله
حتى يزال وأما على الله فمحال فإن الله قد طبع على القلوب التواضع له، وإن ظهر من بعض
الأشخاص صورة الكبرياء على أمر الله وهو الذي جاءت به الوسائط وهم الرسل عليهم السلام
من الله لا على الله، فإنه يستحيل الكبرياء من المخلوق عليه لأن الافتقار له ذاتي، ولا يمكن
للإنسان أن يجهل ذاته. وفيه علم الجميل والكفالة وانتقال الحق إلى الكفيل من الذي عليه
الحق وبراءة من انتقل الحق عنه منه. وفيه علم السبب الذي أوجب للإنسان أن يؤخذ من
مأمنه. وفيه علم التسليم والتفويض. وفيه علم اختلاف أحوال الخلق عند الموت ما سبب
ذلك ولماذا لم يقبضوا على الفطرة كما ولدوا عليها؟ وما الذي أخرجهم عن الفطرة أو أخرج
بعضهم وما هي الفطرة؟ وهل يصح الخروج عنها أو لا يصح؟ ورحمة الله تعالى بخلقه في
أخذ العهد على الناس لما أخذهم الله من ظهور آبائهم وأشهدهم على أنفسهم بربوبيته عليهم
فقالوا بلى أنت ربنا ولم يشهدهم بتوحيده إبقاء عليهم لعلمه أن فيهم من يشرك به إذا خرج إلى
الدنيا وتبريه من الشريك في العقبى يوم العرض الأكبر. وفيه علم المحاجة يوم القيامة والفرق
بين الحجة الداحضة والحجة البالغة وما هو الموطن الذي يقال فيه للإنسان: ﴿لَا يَُْلُ عَمَّا
يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وفيه علم ما يجب على المبلغين عن الله تعالى من رسول
ووارث. وفيه علم ما يؤتى عن أمر الله وما يجتنب وأحكامهم في ذلك عن بينة وعن غير بينة .
وفيه علم ما لا يمكن التبدل فيه عقلاً مع إمكان ذلك عقلاً، وكيف يدخل النسخ في أدلة
العقول كما يدخل في أحكام الشرائع. وفيه علم التحكم على الله هل يسوغ ذلك لأحد من
أهل الله من غير أمر الله أو لا يسوغ؟ وفيه علم كيف يوجد الله من يوجده من العالم. وفيه علم
هل عين الاعتماد على الله في دفع المكروه والضراء عين الاعتماد عليه في إبقاء النعم على
المنعم عليه اسم مفعول وعلى أي اسم إلهي يكون كل اعتماد من هذين الاعتمادين. وفيه علم
صفة الشخص الذي ينبغي أن يسأل في العلم الذي يعطي السعادة للعامل به. وفيه علم السبب
الذي يوجب الخوف عند من أعطاه الله الأمان في الدار الدنيا وارتفاع ذلك عنه في الدار
الآخرة واختلاف وجوه الأخذ الإلهي مع الأمان. وفيه علم تنقل الصور الموجودة عن

٩٧
في المنازل/ الباب الثامن والستون وثلاثمائة في معرفة منزل الأفعال
الأشخاص تطلب وجه الله في تنقلها وهي كالظلال مع الأشخاص الظاهرة عنه عند استقبال
النور واستدباره أو يكون عن يمينه ذلك النور أو شماله. وفيه علم نفي أن يتخذ الحق إلهاً في
المجموع وهل يتخذ بغير المجموع أو لا يصح أن يكون متخذاً؟ فإنه إله لعينه لا بالاتخاذ
فاعلم ذلك. وفيه علم ما لله من الدين وما للعبد منه ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] والدين
الذي تدخله المشقة هل هو لله فإنه يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]
وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال رسول الله وَّه :
((دِينُ الله يُسْرٌ)) وقال: ((بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ)) كما قال أيضاً: ﴿وَلَهُ الدِيْنُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]
وقال: «مَنْ يُشَادّ هُذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ)) وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فإنه
ما كلفها إلا ما آتاها من القوة عليه. وفيه علم ردّ النعم إلى الله ولماذا يغلب على الإنسان
شهود الضراء حتى تحول بينه وبين ما فيها من طعم النعم حتى يضجر من البلاء، وهذا كان
مقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشاهد نعم البلاء في البلاء فيجمع بين الصبر والشكر في
الآن الواحد وكان صاحب عملين. وفيه علم الاستدراج بالنعم. وفيه علم حكم من عامل
الحق بجهله وهو يظن في نفسه أنه على علم في ذلك. وفيه علم التعرية. وفيه علم صفة
المفتي والفتيا ومتى يفتي المفتي هل بعد الاستفتاء أو يفتي وإن لم يستفت وهل يفتقر المفتي
إلى إذن الإمام له في ذلك أم لا؟ وفيه علم استخراج العلوم من النظر في الموجودات
وتفاصيله. وفيه علم أنواع الوحي وضروبه وما يختص بالأولياء الأتباع من ذلك وما لا يشارك
فيه النبيّ من الوحي. وفيه علم الإحاطة بوجوه كل معلوم من هو ذلك العالم بها وما صفته.
وفيه علم تفاضل الصفات لماذا يرجع؟ وفيه علم الأرزاق الروحانية وما هو الرزق الذي في
تناوله حياة القلوب من الرزق الذي فيه موت القلوب فإنه قد يكون الموت من الجوع وقد
يكون من الشبع والامتلاء، وما هو الرزق الذي يشبع منه والرزق الذي لا يشبع منه؟ والرزق
الذي يتساوى فيه جميع العالم والرزق الذي يخص بعض العالم دون بعض. وفيه علم لعلم
بالرازق وأنه أحق بالعبادة لافتقار المرزوق إلى الرزق. وفيه علم التحرك والسكون ومن أحق
بالمقام هل المتحرك أو الساكن؟ وحكاية المتحرّك والساكن لما تحاكما في ذلك إلى العالم
بذلك ذوقاً وما جرى لهما وأن صاحب الرزق من يأكله لا من يجمعه، وأخبر تعالى عن لقمان
الحكيم فيما أوصى به لابنه: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ
السَمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اَللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] ولم يقل يأت إليها. وفيه علم العدل وأداء
الحقوق. وفيه علم النسيان بعد العلم بحيث لا يدري أنه علم ما قد نسيه أصلاً. وفيه علم
الاسم الإلهيّ الواقي واختلاف صوره في العالم مثل اختلاف الاسم الرزاق. وفيه علم
اختلاف الحال على المشاهد في حال رؤيته. وفيه علم من يدع الناس إلى ما هو عليه حتى
يكون داعي حق. وفيه علم الأوامر الإلهية. وفيه علم المحسن والإحسان. وفيه علم الأنساب
وقول النبي بَّهِ: ((إنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ فَلاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٌّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلاَ لأَعْجَمِيٌّ
عَلَى عَرَبِيٍّ إلَّ بِالتَّقْوَى فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: اليَوْمَ أَرْفَعُ نَسَبَكُمْ وَأَضَعُ نَسَبِي أَيْنَ المُتَّقُونَ؟)) وقال
الفتوحات المكية ج٦ - م٧

٩٨
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقْنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فهل هو المتقي من يكون وقاية لله أو
من يتخذ الله وقاية ولهذا رجال ولهذا رجال. وفيه علم الإيلاء وأقسامه وأحكامه في المولى
وصورة الإيلاء وما يكون الله من ذلك وما يكون للعبد. وفيه علم كون العالم العامل في دنياه
في جنة معجلة في نفسه وإن كان رديء الحال فنعيمه في نفسه أعظم النعيم. وفيه علم
المداخلة في القرآن مع كونه محفوظاً من عند الله فلا يصح في القرآن تحريف ولا تبديل كما
وقع في غيره من الكتب المنزلة. وفيه علم النسخ ما هو. وفيه علم حكم من يخالف ظاهره
باطنه عن شهود. وفيه علم دفع الإنسان عن نفسه إعظاماً لها لما رأى من تعظيم الله حقها في
تحريم الجنة على من قتل نفسه، وإن كان قتل نفسه لا يدخل جهنم إلا بنفسه الحيوانية لأن
جهنم ليست موطناً للنفس الناطقة، ولو أشرفت عليها طفى لهيبها بلا شك لأن نورها أعظم، فإن
الذي قتل نفسه عظم جرمه لحق الجوار الأقرب وحال بذلك بينها وبين ملكها، وما سوى نفسه
فبعيد عن هذا القرب الخاص الذي لنفسه. وفيه علم ما حلل وحرّم هل حرم أو حلل لنفسه أو
لأمور مخصوصة وأحوال في المحرّم والمحرّم عليه، ولا محلل ولا محرّم إلا الله بلسان الشرع
لسان الرسول - أو المجتهد من علماء الرسوم كالفقهاء. وفيه علم تغير الإقبال الإلهيّ لتغير
الأحوال. وفيه علم إقامة العظيم مقام الجماعة. وفيه علم السياسات في المخاطبات من العلماء
والعارفين الدعاة إلى الله. وفيه علم الجزاء بالمماثل في أي نوع كان وفيما يحمد من ذلك كله
وفيما يذم. وفيه علم المعية الإلهية. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب التاسع والستون وثلاثمائة
في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
[نظم: الخفيف]
قُلْتُ ما قُلْتُ والكؤوسُ تُدَارُ
قُلْتُ لمَّا أن قال قومي بأنّي
وهـ و شَرْبي الذي عليه المَدَارُ
مَنْ مُديرُ الكؤوس قلتُ حبيبي
في إِلّهِ له القُلُوبُ تُعَارُ
ثم قالوا فما يقولُ حبيبٌ
ولسانُ الكريم يُغطيك مالاً
كَرَماً منه وامْتِئَاناً وفَضْلاً
إن تَشَأْ قلت أنت مالك هذا
كُلّ هذا أباحَهُ لك فَضْلاً
ثم يأتيكَ سائلاً فتَحَارُ
ولك الحُكُمُ بعد ذا والخَيَارُ
أو تَشَأْ ضِدَّهُ فليس يَغَارُ
حَكَم الجَبْرُ فيه والاضْطِرَارُ
اعلم أيدنا الله وإياك أنه ما من شيء أوجده الله في العالم الذي لا أكمل منه في الإمكان
إلا وله أمثال في خزائن الجود، وهذه الخزائن في كرسيه وهذه الأمثال التي تحتوي عليها هذه
الخزائن لاتنتهي أشخاصها، فالأمثال من كل شيء توجد في كل زمان فرد في الدنيا والآخرة
البقاء كل نوع وجد منه ما وجد. واختلف أصحابنا في هذا النوع الإنساني هل تنقطع أشخاصه
بانتهاء مدة الدنيا أم لا؟ فمن لم يكشف قال بانتهائه، ومن كشف قال بعدم انتهائه، وأن التوالد

٩٩
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
في الآخرة في هذا النوع الإنساني باق في المثل في نكاح الرجل والمرأة الآدمية الإنسانية على
صورة أذكرها، والتوالد أيضاً بين جنسين مختلفين وهما بنو آدم، والحور اللاتي أنشأهن الله
في الجنان على صورة الإنسان ولسن بأناسي فتوالدهما بنكاح بينهما في الإنس والحور،
ويتناكحان في الزمن الفرد، ينكح الرجل إذا أراد جميع من عنده من النساء والحور من غير
تقدم ولا تأخر مثل فاكهة الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، بل بقطف دان من غير فقد مع وجود
أكل وطيب طعم، فإذا أفضى الرجل إلى الحوراء أو الإنسية له في كل دفعة شهوة ولذة لا
يقدر قدرها لو وجدها في الدنيا غشي عليه من شدة حلاوتها فتكون منه في كل دفعة ريح مثيرة
تخرج من ذكره فيتلقاها رحم المرأة فيتكون من حينه فيها ولد في كل دفعة، ويكمل نشؤه ما
بين الدفعتين ويخرج مولوداً مصوَّراً مع النفس الخارج من المرأة روحاً مجرداً طبيعياً، فهذا هو
التوالد الروحاني في البشرى بين الجنسين المختلفين والمتماثلين، فلا يزال الأمر كذلك دائماً
أبداً، ويشاهد الأبوان ما تولد عنهما من ذلك النكاح وهم كالملائكة الذين يدخلون البيت
المعمور ولا يعودون إليه أبداً، هذا صورة توالد هذا النوع الإنساني، ولا حظ لهؤلاء الأولاد
في النعيم المحسوس ولا بلغوا مقام النعيم المعنوي، فنعيمهم برزخيّ كنعيم صاحب الرؤيا
بما يراه في حال نومه وذلك لما يقتضيه النشء الطبيعي، فلا يزال النوع الإنساني يتوالد ولكن
حكمه ما ذكرناه. وأما توالد الأرواح البشرية فإن لهما في الآخرة مثل ما لهما في الدنيا
اجتماعات برزخيات مثل ما يرى النائم في النوم أنه ينكح زوجته ويولد له، فإذا أقيم العبد في
هذا المقام سواء كان في الدنيا أو في الآخرة ونكح الرجل من حيث روحه زوجته من حيث
روحها يتولد بينهما من ذلك النكاح أولاد روحانيون ما يكون حكمهم حكم المولدين من
النكاح الحسي في الأجسام والصور المحسوسات التي تقدم ذكرها، فيخرج الأولاد ملائكة
كراماً لا بل أرواحاً مطهرة وهذا هو توالد الأرواح، ولكن لا بد أن يكون ذلك عن تجل
برزخيّ فتجلى الحق في الصور المقيدة، فإن البرزخ أوسع الحضرات جوداً وهو مجمع
البحرين: بحر المعاني وبحر المحسوسات، فالمحسوس لا يكون معنى، والمعنى لا يكون
محسوساً، وحضرة الخيال التي عبرنا عنه بمجمع البحرين هو يجسد المعاني ويلطف
المحسوس ويقلب في عين الناظر عين كل معلوم فهو الحاكم المتحكم الذي يحكم ولا يحكم
عليه مع كونه مخلوقاً إلا أن الأنفاس التي تظهر من تنفس الحوراء أو الآدمية إذا كانت صورة ما
ظهرت فيه من نفس النكاح يخرج مخالفاً للنفس الذي لا صورة فيه يميزه أهل الكشف ولا يدرك
ذلك في الآخرة إلا أهل الكشف في الدنيا، وصورة هذا النشء المتولد عن هذا النكاح في الجنة
صورة نشء الملائكة أو الصور من أنفاس الذاكرين الله وما يخلق الله من صور الأعمال، وقد
صحت الأخبار بذلك عن رسول الله (ص18، وإنما جعلنا الكرسي موضع هذه الخزائن لأن
الكرسي لغة عبارة عن العلم كما قال: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي علمه
وكذلك هو هنا فإن الخزائن فيها أشخاص الأنواع، وهذه الأشخاص لا تتناهى وما لا يتناهى لا
يدخل في الوجود، إذ كل ما يحصره الوجود فإنه متناه، فلا بد أن يكون الكرسي هنا علمه، فإن

١٠٠
في المنازل/ الباب التاسع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل مفاتيح خزائن الجود
علمه محيط بما لا يتناهى، فلا تتخيل في الكرسي الذي ذكرناه أنه هذا الكرسي الذي فوق
السوات ودون العرش فإنه كرسي محصور موجود متناهي الأجزاء.
واعلم أن أفضل ما جاد به الله تعالى على عباده العلم، فمن أعطاه الله العلم فقد منحه
أشرف الصفات وأعظم الهبات، والعلم وإن كان شريفاً بالذات فإن له شرفاً آخر يرجع إليه من
معلومه فإنها صفة عامة التعلق، وتشرف المفاتيح بشرف الخزائن، وتشرف الخزائن بقدر
شرف ما اختزن فيها، فالموجود الحق أعظم الموجودات وأجلها وأشرفها، فالعلم به أشرف
العلوم وأعظمها وأجلها، ثم ينزل الأمر في الشرف إلى آخر معلوم، وما من شيء إلا والعلم
به أحسن من الجهل به، فالعلم شرفه ذاتي له، والشرف الآخر مكتسب والخزائن محصورة
بانحصار أنواع المعلومات ومرجعها وإن كثرت إلى خزانتين: خزانة العلم بالله وخزانة العلم
بالعالم، وفي كل خزانة من هاتين الخزانتين خزائن كالعلم بالله من حيث ذاته بالإدراك
العقلي، ومن حيث ذاته بالإدراك الشرعي السمعي، والعلم به من حيث أسمائه، والعلم به من
حيث نعوته، والعلم به من حيث صفاته، والعلم به من حيث النسب إليه، وكل ذلك من حيث
النظر الفكري ومن حيث السمع وهو من حيث السمع كما هو من حيث الكشف. والخزانة
الأخرى التي هي العلم بالعالم تحوي على خزائن وفي كل خزانة خزائن، فالخزائن الأول العلم
بأعيان العالم من حيث إمكانه، ومن حيث وجوبه، ومن حيث ذواته القائمة بأنفسها، ومن حيث
أكوانه، ومن حيث ألوانه، ومن حيث مراتبه، ومن حيث مكانه وزمانه ونسبه وعدده ووضعه
وتأثيره وكونه مؤثراً فيه منه ومن غيره إلى أمثال هذا من العلوم، وعلم الدنيا والبرزخ والآخرة
والملأ الأعلى والأدنى، فأوّل مفتاح من هذه الخزائن أعطاه العالم بالله مفتاح خزانة العلم
بالوجود مطلقاً من غير تقييد بحادث ولا قديم وبماذا تميز هل بنفسه أو بغيره وهو العدم،
فالوجود ظهور الموجود في عينه فإن به تظهر جميع الأحكام من نفي وإثبات ووجوب وإمكان
وإحالة ووجود وعدم ولا وجود ولا عدم، هذا كله لا يثبت ولا يصح إلا من موجود يكون عينه
وماهيته ووجوده لا يقبل التكثر إلا بحكمه عليه، فإن الحقائق التي تبرز إليه فيه لوجوده فنقول
بالكثرة في عينه وهو واحد ولكل حقيقة اسم فله أسماء: [الطويل]
ولم يَرَني غَيْرٌ فكنتُ بَصيرًا
تَجَسَّدَتِ أسمائي فكنتُ كَثِيرًا
وأين يكونُ الغَيْرُ كنتِ غَيُورَا
فيا قائلاً بالغَيْر أيْنَ وُجُودُهُ
فبالحق كان الحَقُّ فيه غَفُورا
تعالى على من أو بعِزْ فليس ثَمّ
غَنِيّاً ولا كان الغنيُّ فَقِيرا
فوالله لولا الله ما كان كَوْنُه
فسَلْ بالذي قام الوُجُودُ خَبِيرًا
بمن أو إلى عَلَقِ الفَقْرِ والغِنَى
فإذا كان الوجود أوّل خزائن الجود وأعطاك الحق مفتاح هذه الخزانة كالذي كان عرّفك
بك فعرفته فأنت أوّل معلوم وهو آخر معلوم، وأنت آخر موجود وهو أوّل موجود، فإنه ليس
في قوتك أن تعلم المعدوم لأن العلم شهود، وإن لم يكن كذلك فليس بعلم، هذا هو الحق