النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي من أصمه الله عن الدعوة فما سمعها لم يتغير لذلك فإن الصائح إذا نادى من قام به الصمم وعلم أنه لم يسمع نداءه لم يجد عليه وقام عذره عنده، فإن كان الرسول حاكماً تعين عليه الحكم بما عين الله له فيه، وهذا علم شريف يحتاج إليه كل وال في الأرض على العالم. وأما علم ما يحتاج إليه الملك من الأرزاق فهو أن يعلم أصناف العالم وليس إلا اثنان وأعني بالعالم الذي يمشي فيهم حكم هذا الإمام وهم: عالم الصور وعالم الأنفس المدبرون لهذه الصور فيما يتصرّفون فيه من حركة أو سكون، وما عدا هذين الصنفين فما له عليهم حكم إلا من أراد منهم أن يحكمه على نفسه كعالم الجان. وأما العالم النوراني فهم خارجون عن أن يكون للعالم البشريّ عليهم تولية، فكل شخص منهم على مقام معلوم عينه له ربه فما يتنزل إلا بأمر ربه، فمن أراد تنزيل واحد منهم فيتوجه في ذلك إلى ربه وربه يأمره ويأذن له في ذلك إسعافاً لهذا السائل أو ينزله عليه ابتداء. وأما السائحون منهم فمقامهم المعلوم كونهم سياحين يطلبون مجالس الذكر، فإذا وجدوا أهل الذكر وهم أهل القرآن الذاكرون القرآن فلا يقدمون عليهم أحداً من مجالس الذاكرين بغير القرآن، فإذا لم يجدوا ذلك ووجدوا الذاكرين الله لا من كونهم تالين قعدوا إليهم ونادى بعضهم بعضاً هلموا إلى بغيتكم فذلك رزقهم الذي يعيشون به وفيه حياتهم. فإذا علم الإمام ذلك لم يزل يقيم جماعة يتلون آيات الله آناء الليل والنهار، وقد كنا بفاس من بلاد المغرب قد سلكنا هذا المسلك لموافقة أصحاب موفقين كانوا لنا سامعين وطائعين وفقدناهم ففقدنا لفقدهم هذا العمل الخالص وهو أشرف الأرزاق وأعلاها فأخذنا لما فقدنا مثل هؤلاء في بث العلم من أجل الأرواح الذين غذاؤهم العلم، ورأينا أن لا نورد شيئاً منه إلا من أصل هو مطلوب لهذا الصنف الروحاني وهو القرآن، فجميع ما نتكلم فيه في مجالسي وتصانيفي إنما هو من حضرة القرآن وخزائنه أعطيت مفتاح الفهم فيه والإمداد منه، وهذا كله حتى لا نخرج عنه فإنه أرفع ما يمنح، ولا يعرف قدره إلا من ذاقه وشهد منزلته حالاً من نفسه وكلمه به الحق في سرّه، فإن الحق إذا كان هو المكلم عبده في سرّه بارتفاع الوسائط فإن الفهم يستصحب كلامه منك، فيكون عين الكلام منه عين الفهم منك لا يتأخر عنه فإن تأخر عنه فليس هو كلام الله، ومن لم يجد هذا فليس عنده علم بكلام الله عباده، فإذا كلمه بالحجاب الصوري بلسان نبيّ أو من شاء الله من العالم فقد يصحبه الفهم وقد يتأخر عنه هذا هو الفرق بينهما. وأما الأرزاق المحسوسة فإنه لا حكم له فيها إلا في بقية الله فمن أكل مما خرج عن هذه البقية لم يأكل من يد هذا الإمام العادل، وليس مسمى رزق الله في حق المؤمنين إلا بقية الله، وكل رزق في الكون من بقية الله، وما بقي إلا أن يفرق بينهما، وذلك أن جميع ما في العالم من الأموال لا يخلو إما أن يكون لها مالك معين أو لا يكون لها مالك، فإن كان لها مالك معين فهي من بقية الله لهذا الشخص، وإن لم يكن لها مالك معين فهي لجميع المسلمين، فجعل الله لهم وكيلاً هذا الإمام يحفظ عليهم ذلك، فهذا من بقية الله الذي زاد على المال المملوك، فكل رزق في العالم بقية الله، إن عرفت معنى بقية الله فمال زيد بقية الله لزيد لما حجر الله عليه التصرّف في مال عمرو بغير إذنه، ومال عمرو بقية الله لعمرو لما ٦٢ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي حجر عليه التصرّف في مال زيد بغير إذنه، فما في العالم رزق إلا وهو بقية الله، فيحكم الإمام فيه بقدر ما أنزل الله من الحكم فيه فاعلم ذلك، فالناس على حالتين: اضطرار وغير اضطرار، فحال الاضطرار يبيح قدر الحاجة في الوقت ويرفع عنه حكم التحجير، فإذا نال ما يزيلها به رجح عليه حكم التحجير، فإن كان المضطرّ قد تصرّف فيما هو ملك لأحد تصرّف فيه بحكم الضمان في قول وبغير ضمان في قول، فإن وجد أدّاه عند القائل بالضمان، وإن لم يجد فإمام الوقت يقوم عنه في ذلك من بيت المال، وإن كان المتصرّف قد تصرّف فيما لا يملكه أحد أو يملكه الإمام بحكم الوكالة المطلقة من الله له فلا شيء عليه لا ضمان ولا غيره، وهذا علم يتعين المعرفة به على إمام الوقت لا بدّ منه، فما تصرّف أحد من المكلفين بالوجه المشروع إلا في بقية الله، قال الله عز وجل: ﴿يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦] وهو حكم فرعيّ، وإنما الأصل أن الله خلق لنا ما في الأرض جميعاً ثم حجر وأبقى فما أبقاه سماه بقية الله وما حجر سماه حراماً أي المكلف ممنوع من التصرّف فيه حالاً أو زماناً أو مكاناً مع التحجير، فإنّ الأصل التوقف عن إطلاق الحكم فيه بشيء، فإذا جاء حكم الله فيه كنا بحسب الحكم الإلهيّ الذي ورد به الشرع إلينا، فمن عرف هذا عرف كيف يتصرّف في الأرزاق. وأما علم تداخلِ الأمور بعضها على بعض فهذا معنى قوله تعالى: ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُلِحُ اَلنَّهَارَ فِىِ اَلَيْلِ﴾ [فاطر: ١٣] فالمولج ذكر والمولج فيه أنثى، هذا الحكم له مستصحب حيث ظهر، فهو في العلوم العلم النظري، وهو في الحس النكاح الحيوانيّ والنباتي، وليس شيء من ذلك مراداً لنفسه فقط بل هو مراد لنفسه ولما ينتجه، ولولا اللحمة والسدا ما ظهر للشفة عين وهو سار في جميع الصنائع العملية والعلمية، فإذا علم الإمام ذلك لم تدخل عليه شبهة في أحكامه، وهذا هو الميزان الموضوع في العالم في المعاني والمحسوسات، والعاقل يتصرّف بالميزان في العالمين بل في كل شيء له التصرّف فيه، وأما الحاكمون بالوحي المنزل أهل الإلقاء من الرسل وأمثالهم فما خرجوا عن التوالج، فإن الله جعلهم محلاً لما يلقي إليهم من حكمه في عباده، قال تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الزُُّعُ الْأَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقال تعالى: ﴿يُنْزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢] فما ظهر حكم في العالم من رسول إلا عن نكاح معنوي لا في النصوص ولا في الحاكمين بالقياس، فالإمام يتعين عليه علم ما يكون بطريق التنزيل الإلهيّ وبين ما يكون بطريق القياس وما يعلمه المهدي أعني علم القياس ليحكم به وإنما يعلمه ليتجنبه، فما يحكم المهدي إلا بما يلقي إليه الملك من عند الله الذي بعثه الله إليه ليسدّده، وذلك هو الشرع الحقيقيّ المحمدي الذي لو كان محمد ،َ لي حياً ورفعت إليه تلك النازلة لم يحكم فيها إلا بما يحكم هذا الإمام، فيعلمه الله أن ذلك هو الشرع المحمدي فيحرم عليه القياس مع وجود النصوص التي منحه الله إياها ولذلك قال رسول اللهَ وَّ في صفة المهدي: ((يَقْفُو أثَرِي لاَ يُخْطِىُ)) فعرفنا أنه متبع لا متبوع، وأنه معصوم ولا معنى للمعصوم في الحكم إلا أنه لا يخطىء، فإن حكم الرسول لا ينسب إليه خطأ، فإنه ﴿مَا فِىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] كما أنه لا يسوغ القياس في موضع ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ. يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَّ ٦٣ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي يكون فيه الرسول مس# موجوداً وأهل الكشف النبيّ عندهم موجود فلا يأخذون الحكم إلا عنه، ولهذا الفقير الصادق لا ينتمي إلى مذهب إنما هو مع الرسول الذي هو مشهود له، كما أن الرسول مع الوحي الذي ينزل عليه، فينزل على قلوب العارفين الصادقين من الله التعريف بحكم النوازل أنه حكم الشرع الذي بعث به رسول الله وسل# وأصحاب علم الرسوم ليست لهم هذه المرتبة لما أكبوا عليه من حب الجاه والرياسة والتقدّم على عباد الله وافتقار العامّة إليهم، فلا يفلحون في أنفسهم ولا يفلح بهم، وهي حالة فقهاء الزمان الراغبين في المناصب من قضاء وشهادة وحسبة وتدريس. وأما المتنمسون منهم بالدين فيجمعون أكتافهم وينظرون إلى الناس من طرف خفي نظر الخاشع ويحركون شفاههم بالذكر ليعلم الناظر إليهم أنهم ذاكرون، ويتعجمون في كلامهم ويتشدقون ويغلب عليهم رعونات النفس وقلوبهم قلوب الذئاب لا ينظر الله إليهم، هذا حال المتدين منهم لا الذين هم قرناء الشيطان لا حاجة لله بهم، لبسوا للناس جلود الضأن من اللين أخوان العلانية أعداء السريرة، فالله يراجع بهم ويأخذ بنواصيهم إلى ما فيه سعادتهم، وإذا خرج هذا الإمام المهدي فليس له عدوّ مبين إلا الفقهاء خاصة فإنهم لا تبقى لهم رياسة ولا تمييز عن العامة، ولا يبقى لهم علم بحكم إلا قليل، ويرتفع الخلاف من العالم في الأحكام بوجود هذا الإمام، ولولا أن السيف بيد المهدي لأفتى الفقهاء بقتله، ولكن الله يظهره بالسيف والكرم فيطمعون ويخافون فيقبلون حكمه من غير إيمان بل يضمرون خلافه كما يفعل الحنفيون والشافعيون فيما اختلفوا فيه، فلقد أخبرنا أنهم يقتتلون في بلاد العجم أصحاب المذهبين ويموت بينهما خلق كثير ويفطرون في شهر رمضان ليتقووا على القتال، فمثل هؤلاء لولا قهر الإمام المهدي بالسيف ما سمعوا له ولا أطاعوه بظواهرهم. كما أنهم لا يطيعونه بقلوبهم بل يعتقدون فيه أنه إذا حكم فيهم بغير مذهبهم أنه على ضلالة في ذلك الحكم، لأنهم يعتقدون أن زمان أهل الاجتهاد قد انقطع وما بقي مجتهد في العالم، وأن الله لا يوجد بعد أئمتهم أحداً له درجة الاجتهاد، وأما من يدعي التعريف الإلهيّ بالأحكام الشرعية فهو عندهم مجنون مفسود الخيال لا يلتفتون إليه، فإن كان ذا مال وسلطان انقادوا في الظاهر إليه رغبة في ماله وخوفاً من سلطانه وهم ببواطنهم كافرون به. وأما المبالغة والاستقصاء في قضاء حوائج الناس فإنه متعين على الإمام خصوصاً دون جميع الناس، فإن الله ما قدمه على خلقه ونصبه إماماً لهم إلا ليسعى في مصالحهم هذا والذي ينتجه هذا السعي عظيم، وله في قصة موسى عليه السلام لما مشى في حق أهله ليطلب لهم ناراً يصطلحون بها ويقضون بها الأمر الذي لا ينقضي إلا بها في العادة وما كان عنده عليه السلام خبر بما جاءه فأسفرت له عاقبة ذلك الطلب عن كلام ربه فكلمه الله تعالى في عين حاجته وهي النار في الصورة ولم يخطر له عليه السلام ذلك الأمر بخاطر، وأي شيء أعظم من هذا؟ وما حصل له إلا في وقت السعي في حق عياله ليعلمه بما في قضاء حوائج العائلة من الفضل فيزيد حرصاً في سعيه في حقهم، فكان ذلك تنبيهاً من الحق تعالى على قدر ذلك عند الله تعالى وعلى قدرهم لأنهم عبيده على كل حال، وقد وكل هذا على القيام بهم كما قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ ٦٤ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي قَوَّمُونَ عَلَى اْلِسَآءِ﴾ [النساء: ٣٤] فأنتج له الفرار من الأعداء الطالبين قتله الحكم والرسالة كما أخبر الله تعالى من قوله عليه السلام ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّ حُكْمًا وَحَعَلَنِى مِنَ اُلْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ٢١] وأعطاه السعي على العيال وقضاء حاجاتهم كلام الله وكله سعي بلا شك، فإن الفارّ أتى في فراره بنسبة حيوانية فرت نفسه من الأعداء طلباً للنجاة وإبقاء للملك والتدبير على النفس الناطقة، فما سعى بنفسه الحيوانية في فراره إلا في حق النفس الناطقة المالكة تدبير هذا البدن، وحركة الأئمة كلهم العادلة إنما تكون في حق الغير لا في حق أنفسهم، فإذا رأيتم السلطان يشتغل بغير رعيته وما يحتاجون إليه فاعلموا أنه قد عزلته المرتبة بهذا الفعل ولا فرق بينه وبين العامة. ولما أراد عمر بن عبد العزيز يوم ولي الخلافة أن يقيل راحة لنفسه لما تعب من شغله بقضاء حوائج الناس دخل عليه ابنه فقال له: يا أمير المؤمنين أنت تستريح وأصحاب الحاجات على الباب من أراد الراحة لا يلي أمور الناس، فبكى عمر وقال: الحمد لله الذي أخرج من ظهري من ينبهني ويدعوني إلى الحق ويعينني عليه، فترك الراحة وخرج إلى الناس. وكذلك خضر واسمه بليا بن ملكان بن فالغ بن غابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح عليه السلام كان في جيش فبعثه أمير الجيش يرتاد لهم ماء وكانوا قد فقدوا الماء فوقع بعين الحياة فشرب منه فعاش إلى الآن وكان لا يعرف ما خص الله به من الحياة شارب ذلك الماء، ولقيته بإشبيلية، وأفادني التسليم للشيوخ وأن لا أنازعهم، وكنت في ذلك اليوم قد نازعت شيخاً في مسألة وخرجت من عنده فلقيت الخضر بقوس الحنية فقال لي: سلم إلى الشيخ مقالته، فرجعت إلى الشيخ من حيني فلما دخلت عليه منزله فكلمني قبل أن أكلمه وقال لي: يا محمد أحتاج في كل مسألة تنازعني فيها أن يوصيك الخضر بالتسليم للشيوخ، فقلت له: يا سيدنا ذلك هو الخضر الذي أوصاني؟ قال: نعم، قلت له: الحمد لله هذي فائدة، ومع هذا فما هو الأمر إلا كما ذكرت لك، فلما كان بعد مدة دخلت على الشيخ فوجدته قد رجع إلى قولي في تلك المسألة وقال لي: إني كنت على غلط فيها وأنت المصيب، فقلت له: يا سيدي علمت الساعة أن الخضر ما أوصاني إلا بالتسليم ما عرفني بأنك مصيب في تلك المسألة فإنه ما كان يتعين علي نزاعك فيها فإنها لم تكن من الأحكام المشروعة التي يحرم السكوت عنها، وشكرت الله على ذلك، وفرحت للشيخ الذي تبين له الحق فيها، وهذا عين الحياة ماء خص الله به من الحياة شارب ذلك الماء، ثم عاد إلى أصحابه فأخبرهم بالماء فسارع الناس إلى ذلك الموضع ليستقوا منه، فأخذ الله بأبصارهم عنه فلم يقدروا عليه، فهذا ما أنتج له سعيه في حق الغير، وكذلك من والى في الله وعادى في الله وأحب في الله وأبغض في الله فهو من هذا الباب، قال الله تعالى: ﴿لَّا تَحِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَذُونَ مَنْ حَاذَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمَّ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهٌ﴾ [المجادلة: ٢٢] فما يدري أحد ما لهم من المنزلة عند الله لأنهم ما تحرَّكوا ولا سكنوا إلا في حق الله لا في حق أنفسهم إيثاراً لجناب الله على ما يقتضيه طبعهم. وأما الوقوف على علم الغيب الذي يحتاج إليه في الكون ٦٥ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي خاصة في مدة خاصة وهي تاسع مسألة ليس وراءها ما يحتاج إليه الإمام في إمامته وذلك أن الله تعالى أخبر عن نفسه أنه ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] والشأن ما يكون عليه العالم في ذلك اليوم، ومعلوم أن ذلك الشأن إذا ظهر في الوجود عرف أنه معلوم لكل من شهده، فهذا الإمام من هذه المسألة له اطلاع من جانب الحق على ما يريد الحق أن يحدثه من الشؤون قبل وقوعها في الوجود، فيطلع في اليوم الذي قبل وقوع ذلك الشأن، فإن كان مما فيه منفعة لرعيته شكر الله وسكت عنه، وإن كان مما فيه عقوبة بنزول بلاء عام أو على أشخاص معينين سأل الله فيهم وشفع وتضرع فصرف الله عنهم ذلك البلاء برحمته وفضله وأجاب دعاءه وسؤاله، فلهذا يطلعه الله عليه قبل وقوعه في الوجود بأصحابه، ثم يطلعه الله في تلك الشؤون على النوازل الواقعة من الأشخاص ويعين له الأشخاص بحليتهم، حتى إذا رآهم لا يشك فيهم أنهم عين ما رآه، ثم يطلعه الله على الحكم المشروع في تلك النازلة الذي شرع الله لنبيه محمد ◌ّ أن يحكم به فيها فلا يحكم إلا بذلك الحكم فلا يخطىء أبداً، وإذا أعمى الله الحكم عليه في بعض النوازل ولم يقع له عليه كشف كان غايته أن يلحقها في الحكم بالمباح، ويعلم بعدم التعريف أن ذلك حكم الشرع فيها فإنه معصوم عن الرأي والقياس في الدين، فإن القياس ممن ليس بنبيّ حكم على الله في دين الله بما لا يعلم فإنه طرد علة، وما يدريك لعل الله لا يريد طرد تلك العلة، ولو أرادها لأبان عنها على لسان رسوله ول# وأمر بطردها، هذا إذا كانت العلة مما نص الشرع عليها في قضية، فما ظنك بعلة يستخرجها الفقيه بنفسه ونظره من غير أن يذكرها الشرع بنص معين فيها ثم بعد استنباطه إياها يطردها فهذا تحكم على تحكم بشرع لم يأذن به الله، وهذا يمنع المهدي من القول بالقياس في دين الله ولا سيما وهو يعلم أن مراد النبيّ مَّ التخفيف في التكليف عن هذه الأمة ولذلك كان يقول وَ الر: ((اثْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ)) وكان يكره السؤال في الدين خوفاً من زيادة الحكم، فكل ما سكت له عنه ولم يطلع على حكم فيه معين جعله عاقبة الأمر فيه الحكم بحكم الأصل، وكل ما أطلعه الله عليه كشفاً وتعريفاً فذلك حكم الشرع المحمدي في المسألة وقد يطلعه الله في أوقات على المباح أنه مباح وعاقبة فكل مصلحة تكون في حق رعاياه يطلعه الله عليها ليسأله فيها، وكل فساد يريد الله أن يوقعه برعاياه فإن الله يطلعه عليه ليسأل الله في رفع ذلك عنهم لأنه عقوبة كما قال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيَدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] فالمهدي رحمة كما كان رسول الله وَل رحمة، قال الله عز وجل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةُ لِّلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] والمهدي يقفو أثره لا يخطىء فلا بد أن يكون رحمة، كان رسول الله وَلَه يقول لما جرح: ((اللَّهُمَّ اهدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ)» يعتذر لربه عنهم ولما علم أنه بشر وأن أحكام البشرية قد تغلب عليه في أوقات دعا ربه فقال: ((اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي بَشَرٌ أَرْضى كَمَا يَرْضَى البَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ البَشَرُ» يعني أغضب علیھم وأرضى لنفسي (اللَّهُمَّ مَنْ دَعَوْتُ عَلَيْهِ فَاجْعَلْ دُعَائِي عَلَيْهِ رَحْمَةً لَهُ وَرِضْوَانًا)). فهذه تسعة أمور لم تصح لإمام من أئمة الدين خلفاء الله ورسوله بمجموعها إلى يوم القيامة إلا لهذا الإمام المهدي، كما أنه ما الفتوحات المكية ج٦ - م٥ ٦٦ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي نص رسول الله وهو على إمام من أئمة الدين يكون بعده يرثه ويقفو أثره لا يخطىء إلا المهدي خالصة، فقد شهد بعصمته في أحكامه، كما شهد الدليل العقلي بعصمة رسول الله وص الة فيما يبلغه عن ربه من الحكم المشروع له في عباده. وفي هذا المنزل من العلوم: علم الاشتراك في الأحدية وهو الاشتراك العام مثل قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبَِّ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] فوصف نفسه تعالى بالأحدية وهذه السورة نسب الحق تعالى وأفرد العبادة له من كل أحد. وفيه علم الإنزال الإلهي وفيه علم المعنى الذي جعل الكتابة كلاماً وحقيقة الكلام معلومة عند العقلاء، والكلام مسألة مختلف فيها بين النظار. وفيه علم الكلام المستقيم من الكلام المعوج وبماذا يعرف استقامة الكلام من معوجه. وفيه علم ما جاءت به الرسل عموماً وخصوصاً وفيه بعلم من تكلم بغير علم هل هو علم في نفس الأمر ولا علم عند من يرى أنه ليس بعلم أنه علم مع كونه يعلم أنه لا منطق إلا الله. وفيه علم معرفة الصدق والكذب ولماذا يرجعان والصادق والكاذب. وفيه علم إذا علمه الإنسان ارتفع عنه الحرج في نفسه إذا رأى ما جرت به العادة في النفوس من الأمور العوارض أن يؤثر فيها حرجاً حتى يود الإنسان أن يقتل نفسه لما يراه وهذا يسمى علم الراحة وهو علم أهل الجنة خاصة، فمن فتح الله به على أحد من أهل الدنيا في الدنيا فقد عجلت له راحة الأبد مع ملازمة الأدب ممن هذه صفته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقدر مرتبته. وفيه علم ما أظهر الله للأبصار على الأجسام أنه حلية الأجسام ومن قبح عنده بعض ما ظهر لماذا قبح عنده ومن رآه كله حسناً لما رآه وبأي عين رآه فيقابله من ذاته بأفعال حسنة، وهذا العلم من أحسن علم في العالم وأنفعه وهو الذي يقول بعض المتكلمين فيه: لا فاعل إلا الله، وأفعاله كلها حسنة فهؤلاء لا يقبحون من أفعال الله إلا ما قبحه الله فذلك لله تعالى لا لهم، ولو لم يقبحوا ما قبح الله لكانوا منازعين الله عز وجل. وفيه علم ما وضعه الله في العالم على سبيل التعجب وليس إلا ما خرق به العادة، وأما الذي يعقلون عن الله فكل شيء في العادة عندهم فيه تعجب، وأما أصحاب العوائد فإنهم لا تعجب عندهم إلا فيما ظهر فيه خرق العادة. وفيه علم التشوق إلى معالي الأمور من جبلة النفوس وبماذا تعلم معالي الأمور هل بالعقل أو بالشرع؟ وما هي معالي الأمور؟ وهل هي أمر يعم العقلاء أو هو ما يراه زيد من معالي الأمور لا يراه عمرو بتلك الصفة فيكون إضافياً؟ وفيه علم دخول الأطول في الأقصر وهو إيراد الكبير على الصغير. وفيه علم أحكام الحق في الخلق إذا ظهر وإذا بطن ومن أي حقيقة يقبل الاتصاف بالظهور والبطون. وفيه علم الحيرة التي لا يمكن لمن دخل فيها أن يخرج منها. وفيه علم من يرى أمراً على خلاف ما هو عليه ذلك الأمر في نفسه وهل يصح لصاحب هذا العلم أن يجمع بين الأمرين أم لا؟ وفيه علم اتساع البرازخ وضيقها. وفيه علم ما للاعتلال والانحراف من الأثر فيما ينحرف عنه أو يقابل. وفيه علم الأحوال في العالم وهل لها أثر في غير العالم أم لا أثر لها فيه؟ وفيه علم ما يعظم عند الإنسان الكامل وماثم أعظم منه ولماذا يرجع ما يعظم عنده حتى يؤثر فيه حالة لا يقتضيها ٦٧ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي مقامه الذي هو فيه، وهل حصل له ذلك العلم عن مشاهدة أو فكر؟ وفيه علم هل يصح من الوكيل المفوّض إليه المطلق الوكالة أن يتصرف في مال موكله تصرف رب المال من جميع الوجوه أو له حدّ يقف عنده في حكم الشرع؟ وفيه علم حكمة طلب الأولياء الستر على مقامهم بخلاف الأنبياء عليهم صلوات الله. وفيه علم السياسة في التعليم حتى يوصل المعلم العلم إلى المتعلم من حيث لا يشعر المتعلم أن المعلم قصد إفادته بما حصل عنده من العلم فيقول له المتعلم: يا أستاذ لقد حصل لي من فعلك كذا وكذا مع كذا وكذا علم وافر صحيح وهو كذا، ويتخيل المتعلم أن الذي حصل له من العلم بذلك الأمر لم يكن مقصوداً للمعلم وهو مقصود في نفس الأمر للمعلم فيفرح المتعلم بما أعطاه الله من النباهة والتفطن حيث علم من حركة أستاذه علماً لم يكن عنده في زعمه أن أستاذه قصد تعليمه. وفيه علم من علوم الكشف وهو أن يعلم صاحب الكشف أن أي واحد أو جماعة قلت أو كثرت لا بد أن يكون معهم من رجال الغيب واحد عندما يتحدثون، فذلك الواحد ينقل أخبارهم في العالم ويجد ذلك الناس من نفوسهم في العالم يجتمع جماعة في خلوة أو يحدث الرجل نفسه بحديث لا يعلم به إلا الله فيخرج أو تخرج تلك الجماعة فتسمعه في الناس والناس يتحدثون به، ولقد عملت أبياتاً من الشعر بمقصورة ابن مثنى بشرقي جامع تونس من بلاد إفريقية عند صلاة العصر في يوم معلوم معين بالتاريخ عندي بمدينة تونس فجئت إشبيلية وبينهما مسيرة ثلاثة أشهر للقافلة فاجتمع بي إنسان لا يعرفني فأنشدني بحكم الاتفاق تلك الأبيات عينها ولم أكن كتبتها لأحد فقلت له: لمن هي هذه الأبيات؟ فقال لي: لمحمد بن العربي وسماني، فقلت له: ومتى حفظتها؟ فذكر لي التاريخ الذي عملتها فيه والزمان مع طول هذه المسافة فقلت له : ومن أنشدك إياها حتى حفظتها؟ فقال لي: كنت جالساً في ليلة بشرق إشبيلية في مجلس جماعة على الطريق ومر بنا رجل غريب لا نعرفه كأنه من السياح فجلس إلينا فتحدث معنا ثم أنشدنا هذه الأبيات فاستحسناها وكتبناها فقلنا له: لمن هذه الأبيات؟ فقال: لفلان وسماني لهم، فقلنا له فهذه مقصورة ابن مثنى ما نعرفها ببلادنا، فقال: هي بشرقي جامع تونس، وهنالك عملها في هذه الساعة وحفظتها منه ثم غاب عنا فلم ندر ما أمره ولا كيف ذهب عنا وما رأيناه. ولقد كنت بجامع العديس بإشبيلية يوماً بعد صلاة العصر وشخص يذكر لي عن رجل كبير من أهل الطريق من أكابرهم اجتمع به في خراسان فذكر لي فضله وإذا بشخص أنظر إليه قريباً منا والجماعة معي لا تراه فقال لي: أنا هو هذا الشخص الذي يصفه لك هذا الرجل الذي اجتمع بنا في خراسان، فقلت للرجل المخبر: إن هذا الرجل الذي رأيته بخراسان أتعرف صفته؟ فقال: نعم فأخذت أنعته له بآثار كانت فيه وحلية في خلقه فقال الرجل : هو والله على صورة ما وصفت، وهل رأيته؟ فقلت له: هو ذا جالس يصدقك عندي فيما تخبر به عنه وما وصفته لك إلا وأنا أنظر إليه وهو عرَّفني بنفسه ولم يزل معي جالساً حتى انصرفت فطلبته فلم أجده، وأما الأبيات التي أنشدنيها لي فهي هذه: [المجتث] أمْسَيْتُ فيها مُعَنَّى مَقْصُورة ابْنِ مُثَنَّى ٦٨ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي حُلْوِ اللَّما يتمنّى بشَادِنْ تُونِسِيِّ فأصبح الجسْمُ مُضْنَى خلعتُ فيه عِذَاري رأيتُه يتجنّى سألتُه الوَضْلَ لمّا وهزَّ عِطْفَيْهِ عُجْبًا كالغصن إذ يتثنّى إليك يا هذا عنَّا وقال أنت غريبٌ ومتُّ وَجْداً وحُزْنَا فذُبْتُ شوقاً ويأساً وهذا الصبي يقال له أحمد بن الإدريسي من تجار البلد كان أبوه وكان شاباً صالحاً يحب الصالحين ويجالسهم وفقه الله، وكان هذا المجلس بيني وبينه سنة تسعين وخمسمائة ونحن الآن في سنة خمس وثلاثين وستمائة. وفيه علم ما يحمد من الجدال وما يذم منه ولا ينبغي لمسلم ممن ينتمي إلى الله أن يجادل إلا فيما هو فيه محق عن كشف لا عن فكر ونظر، فإذا كان مشهوداً له ما يجادل عنه حينئذ يتعين عليه الجدال فيه بالتي هي أحسن إذا كان مأموراً بأمر إلهي، فإن لم يكن مأموراً فهو بالخيار، فإن تعين له نفع الغير بذلك كان مندوباً إليه، وإن يئس من قبول السامعين له فليسكت ولا يجادل، فإن جادل فإنه ساع في هلاك السامعين عند الله. وفيه علم قول الإنسان أنا مؤمن إن شاء الله مع علمه في نفسه في ذلك الوقت أنه مؤمن، وهذه مسألة عظيمة الفائدة لمن نظر فيها تعلمه الأدب مع الله إذا لم يتعد الناطق بها الموضع الذي جعلها الله فيه، فإن تعداه ولم يقف عنده أساء الأدب مع الله ولم ينجح له طلب. وفيه علم الشيء الذي يذكرك بالأمر الذي كنت قد علمته ثم نسيته. وفيه علم الزيادة في الزمان والنقصان لماذا ترجع وقول النبي وَّ: ((قَدْ يَكُونُ الشَّهْرُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ)) لعائشة في إيلائه من نسائه، وبماذا ينبغي الأخذ من ذلك في الحكم الشرعي هل بأقل ما ينطلق عليه اسم الشهر أو بأكثر؟ وفيه علم إيثار صحبة أهل الله على الغافلين عن الله وإن شملهم الإيمان. وفيه علم ما ينبغي لجلال الله أن يعامل به سواء أرضى العالم أم أسخطه. وفيه علم المياه وهو علم غريب وما حد الريّ منها في المرتوي من الماء الذي يروي، فإن من الماء ما يروي ومنه ما لا يروي، وما هو الماء الذي جعل الله منه كل شيء حيّ هل هو كل ماء أو له خصوص وصف من بين المياه؟ ووصف الماء الذي خلق الله منه بني آدم بالمهانة فقال: ﴿خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿مِّن مَّاءٍ فَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]. وفيه علم علامة من أسعده الله ممن أشقاء في الحياة الدنيا. وفيه علم ما هي الدنيا في نفسها وما حياتها وما زينتها. وفيه علم ما يبقى وما يفنى وما يقبل الفناء من العالم وما يقبل البقاء. وفيه علم صورة الإحاطة بما لا يتناهى ومما لا يتناهى لا يوصف بأنه محاط به لأنه يستحيل دخوله في الوجود. وفيه علم أحوال الجان وتكليف الحق إياهم بالشرائع المنزلة من عنده هل هو تكليف ألزمهم الحق به ابتداء أو ألزموه أنفسهم فألزمهم الحق به كالنذر؟ وفيه علم الفرق بين الفعل والمفعول. وفيه علم من يقبل الإعانة في الفعل. وفيه علم النحل والملل. وفيه علم الاستحقاق. وفيه علم ما لا ينفع العلم به. وفيه علم العلم ٦٩ في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس الغريب بماذا تقبله النفوس وتقبل عليه أكثر من غيره. وفيه علم يصح الإعراض عن العلم مع بقائه علماً في المعرض عنه أو يقدح عنده شبهة فيه فلا يعرض عنه حتى يزول عنه أنه علم وهذا عند المحققين العارفين من أخفى العلوم. وفيه علم الحجب التي تحول بين عين البصيرة وما ينبغي لها أن تدركه لولا هذه الحجب. وفيه علم الحلم والفرق بينه وبين العفو، وعلم الغفور الرحيم هل هو برزخ بين الحليم والعفو ولهما حكم في هذا أم لا؟ وفيه علم لا تتعدى الأمور مقاديرها عند الله. وفيه علم ما الذي أغفل الأكابر عن الاستثناء الإلهي في أفعالهم كقصة سليمان وموسى وغيرهما عليهم السلام. وفيه علم رد ما ينبغي لمن ينبغي وهو أفضل العلوم لأنه يورث الراحة ويسلم من الاعتراض عله في ذلك والله أعلم. وفيه علم ما يحمده من نفسه وينكره من غيره ويذمه. وفيه علم الوقوف بين العالمين ما حال الواقف فيه. وفيه علم كون الحق ما أوجد شيئاً إلا عن سبب فمن رفع الأسباب فقد جهل فمن يزعم أنه رفعها فما رفعها إلا بها إذ لا يصح رفع ما أقره الله وما يعطيه حال الوجود، وما الفرق بين الأسباب المعتادة التي يجوز رفعها وبين الأسباب المعقولة التي لا يمكن رفعها. وفيه علم من احتاط على عباد الله ما له عند الله. وفيه علم اتخاذ الشبه أدلة ما الذي أعماهم عن كونها شبهاً. وفيه علم من يهمل من عباد الله يوم القيامة ممن لا يهمل. وفيه علم الخواص. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس الذي ما كشفه أحد من المحققين لقلة القابلين له وقصور الأفهام عن دركه [نظم: الكامل] ويفتحُ الأغلاقَ والأبوابَا إنّ الثَّوَكُلَ يُثْبِتُ الأسْبابا ويُقَرِّبُ الأعداءَ والأحبابا ويجودُ بالخير الأعَمِّ لنفسه وَحِذْ إلهكَ واتْرُكِ الأربابا ويقول للنفس الضعيفة ناصحاً فمن اقتفى أَثَري إليه أصابا إنّي خليفتُه وقد وُكُلْتُهُ فلقد نجا من يحفظُ الأنسابا إنّي له رَحِمٌ وذاك وسيلتي قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فوصف نفسه بأمر لا ينبغي أن يكون ذلك الوصف إلا له تعالى وهو قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمَّ﴾ فهو تعالى معنا أينما كنا في حال نزوله إلى السماء الدنيا في الثلث الباقي من الليل في حال كونه استوى على العرش، في حال كونه في العماء، في حال كونه في الأرض وفي السماء، في حال كونه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد منه، وهذه نعوت لا يمكن أن يوصف بها إلا هو، فما نقل الله عبداً من مكان إلى مكان ليراه بل ليريه من آياته التي غابت عنه، قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ مَايَئِنَاً﴾ ٧٠ في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس [الإسراء: ١] وكذلك إذا نقل الله العبد في أحواله ليريه أيضاً من آياته فنقله في أحواله مثل قوله وَ﴾: ((زُوِيَتْ لِيَ الأَرْضُ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا)) وكذلك قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] وذلك عين اليقين لأنه عن رؤية وشهود، وكذلك نقله عبده من مكان إلى مكان ليريه ما خص الله به ذلك المكان من الآيات الدالة عليه تعالى من حيث وصف خاص لا يعلم من الله تعالى إلا بتلك الآية وهو قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِثُرِيَهُ مِنْ ءَايَلِنَأَ﴾ وحديث الإسراء يقول: ((ما أسريت به إلا لرؤية الآيات لا إليّ فإنه لا يحويني مكان ونسبة الأمكنة إليّ نسبة واحدة فأنا الذي وسعني قلب عبدي المؤمن فكيف أسري به إليّ وأنا عنده ومعه أينما كان)) فلما أراد الله أن يري النبيّ عبده محمداً وَّر من آياته ما شاء أنزل إليه جبريل عليه السلام وهو الروح الأمين بدابة يقال لها البراق إثباتاً للأسباب وتقوية له ليريه العلم بالأسباب ذوقاً، كما جعل الأجنحة للملائكة ليعلمنا بثبوت الأسباب التي وضعها في العالم، والبراق دابة برزخية فإنه دون البغل الذي تولد من جنسين مختلفين وفوق الحمار الذي تولد من جنس واحد، فجمع البراق بين من ظهر من جنسين مختلفين وبين من ظهر من جنس واحد لحكمة علمها أهل الله في صدور عالم الخلق وعالم الأمر، وفي صدور الأجسام الطبيعية وما فوقها، فركبه وير وأخذه جبريل عليه السلام والبراق للرسل مثل فرس النوبة الذي يخرجه المرسل إليه للرسول ليركبه تهمماً به في الظاهر وفي الباطن أن لا يصل إليه إلا على ما يكون منه لا على ما يكون لغيره ليتنبه بذلك، فهو تشريف وتنبيه لمن لا يدري مواقع الأمور، فهو تعريف في نفس الأمر كما قررناه بما قلناه، فجاء وَّله إلى البيت المقدس ونزل عن البراق وربطه بالحلقة التي تربطه بها الأنبياء عليهم السلام كل ذلك إثبات للأسباب، فإنه ما من رسول إلا وقد أسري به راكباً على ذلك البراق، وإنما ربطه مع علمه بأنه مأمور، ولو أوقفه دون ربط بحلقة لوقف، ولكن حكم العادة منعه من ذلك إبقاء لحكم العادة التي أجراها الله في مسمى الدابة، ألا تراه 8* كيف وصف البراق بأنه شمس وهو من شأن الدواب التي تركب، وأنه قلب بحافره القدح الذي كان يتوضأ به صاحبه في القافلة الآتية إلى مكة، فوصف البراق بأنه يعثر والعثور هو الذي أوجب قلب الآنية أعني القدح، فلما صلى جاءه جبريل بالبراق فركب عليه ومعه جبريل فطار البراق في الهواء فاخترق به الجو فعطش واحتاج إلى الشرب فأتاه جبريل عليه السلام بإناءين إناء لبن وإناء خمر وذلك قبل تحريم الخمر فعرضهما عليه فتناول اللبن فقال له جبريل عليه السلام: أصبت الفطرة أصاب الله بك أمتك، ولذلك كان وليه يتأول اللبن إذا رآه في النوم بالعلم؛ خرج البخاري في الصحيح أن رسول الله وَّ قال: «أُرِيتُ كَأَنّي أَتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُهُ حَتَّى رَأَيْتُ الرِّيّ يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ)) قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: ((العِلْمُ)) فلما وصل إلى السماء الدنيا استفتح جبريل فقال له الحاجب: من هذا؟ فقال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد رَّله، قال: وقد بعث ٧١ في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح فدخلنا فإذا بآدم وَلّ وعن يمينه أشخاص بنيه السعداء أهل الجنة، وعن يساره نسم بنيه الأشقياء عمرة النار، ورأى رَّة نفسه في أشخاص السعداء الذين على يمين آدم فشكر الله تعالى وعلم عند ذلك كيف يكون الإنسان في مكانين وهو عينه لا غيره فكان له كالصورة المرئية والصور المرئيات في المرآة والمرايا فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبيّ الصالح، ثم عرج به البراق وهو محمول عليه في الفضاء الذي بين السماء الأولى والسماء الثانية أو سمك السموات فاستفتح جبريل السماء الثانية كما فعل في الأولى وقال وقيل له، فلما دخل إذا بعيسى عليه السلام بجسده عينه فإنه لم يمت إلى الآن بل رفعه الله إلى هذه السماء وأسكنه بها وحكمه فيها وهو شيخنا الأوّل الذي رجعنا على يديه وله بنا عناية عظيمة لا يغفل عنا ساعة واحدة وأرجوا أن ندرك زمان نزوله إن شاء الله فرحب به وسهل، ثم جاء السماء الثالثة فاستفتح وقال وقيل له، ففتحت وإذا بيوسف عليه السلام فسلم عليه ورحب وسهل وجبريل في هذا كله يسمي له من يراه من هؤلاء الأشخاص، ثم عرج به إلى السماء الرابعة فاستفتح وقال وقيل له، ففتحت فإذا بإدريس عليه السلام بجسمه فإنه ما مات إلى الآن بل رفعه الله مكاناً علياً وهو هذه السماء قلب السموات وقطبها فسلم عليه ورحب وسهل، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فاستفتح وقال وقيل له، ففتحت فإذا بهارون ويحيى عليهما السلام فسلما عليه ورحبا به وسهلا، ثم عرج به إلى السماء السادسة فاستفتح وقال وقيل له ففتحت فإذا بموسى عليه السلام فسلم عليه ورحب وسهل، ثم عرج به إلى السماء السابعة فاستفتح وقال وقيل له، ففتحت فإذا بإبراهيم الخليل عليه السلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور فسلم عليه ورحب وسهل وسمى له البيت المعمور الضراح فنظر إليه وركع فيه ركعتين وأعلمنا أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من الباب الواحد ويخرجون من الباب الآخر، فالدخول من باب مطالع الكواكب والخروج من باب مغارب الكواكب، وأخبره أن أولئك الملائكة يخلقهم الله كل يوم من قطرات ماء الحياة التي تسقط من جبريل حين ينتفض كما ينتفض الطائر عندما يخرج من انغماسه في نهر الحياة فإن له كل يوم غمسة فيه، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها كالقلال وورقها كآذان الفيلة فرآها وقد غشاها الله من النور ما غشي فلا يستطيع أحد أن ينعتها لأن البصر لا يدركها لنورها ورأى أنه يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران ونهران باطنان، فأخبره جبريل أن النهرين الظاهرين النيل والفرات والنهرين الباطنين نهران يمشيان إلى الجنة، وأن هذين النهرين النيل والفرات يرجعان يوم القيامة إلى الجنة وهما نهرا العسل واللبن، وفي الجنة أربعة أنهار: نهر من ماء غير آسن ونهر من لبن لم يتغير طعمه ونهر من خمر لذة للشاربين ونهر من عسل مصفى وهذه الأنهار تعطي لأصحابها علوماً عند شربهم منها متنوعة يعرفها أصحاب الأذواق في الدنيا ولنا فيها جزء صغير فلينظر ما ذكرناه في ذلك الجزء، وأخبره أن أعمال بني آدم تنتهي إلى تلك السدرة وأنها مقر الأرواح فهي نهاية لما ينزل مما هو فوقها ونهاية لما يعرج إليها مما هو دونها وبها مقام جبريل عليه السلام وهناك منصته، فنزل ◌َل# عن البراق بها وجيء إليه بالرفرف وهو نظير ٧٢ في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس المحفة عندنا فقعد عليه وسلمه جبريل إلى الملك النازل بالرفرف فسأله الصحبة ليأنس به فقال: لا أقدر لو خطوت خطوة احترقت فما منا إلا له مقام معلوم، وما أسرى الله بك يا محمد إلا ليريك من آياته فلا تغفل، فودعه وانصرف على الرفرف مع ذلك الملك يمشي به إلى أن ظهر لمستوى سمع منه صريف القلم والأقلام في الألواح بما يكتب الله بها مما يجريه في خلقه وما تنسخه الملائكة من أعمال عباده وكل قلم ملك، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ثم زج في النور زجة فأفرده الملك الذي كان معه وتأخر عنه فاستوحش لما لم يره وبقي لا يدري ما يصنع وأخذه هيمان مثل السكران في ذلك النور وأصابه الوجد فأخذ يميل ذات اليمين وذات الشمال واستفزعه الحال وكان سببه سماع إيقاع تلك الأقلام وصريفها في الألواح فأعطت من النغمات المستلذة ما أداه إلى ما ذكرناه من سريان الحال فيه وحكمه عليه فتقوى بذلك الحال، وأعطاه الله في نفسه علماً علم به ما لم يكن يعلمه قبل ذلك عن وحي من حيث لا يدري وجهته، فطلب الإذن في الرؤية بالدخول على الحق فسمع صوتاً يشبه صوت أبي بكر وهو يقول له: يا محمد قف إن ربك يصلي فراعه ذلك الخطاب وقال في نفسه: أربي يصلي؟ فلما وقعٍ في نفسه هذا التعجب من هذا الخطاب وأنس بصوت أبي بكر الصديق تلي عليه: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَبِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] فعلم عند ذلك ما هو المراد بصلاة الحق. فلما فرغ من الصلاة مثل قوله: ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَآنِ﴾ [الرحمن: ٣١] مع أنه لا يشغله شأن عن شأن ولكن لخلقه أصناف العالم أزمان مخصوصة وأمكنة مخصوصة لا يتعدى بها زمانها ولا مكانها لما سبق في علمه ومشيئته في ذلك، فأوحى الله إليه في تلك الوقفة ما أوحى ثم أمر بالدخول فدخل فرأى عين ما علم لا غير وما تغيرت عليه صورة اعتقاده، ثم فرض عليه في جملة ما أوحى به إليه خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزل حتى وصل إلى موسى عليه السلام فسأله موسى عما قيل له وما فرض عليه فأجابه وقال: إن الله فرض على أمتي خمسين صلاة في كل يوم وليلة فقال له: يا محمد قد تقدمت إلى هذا الأمر قبلك وعرفته ذوقاً وتعبت مع أمتي فيه وإني انصحك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجع ربك وسله التخفيف، فراجع ربه فترك له عشراً فأخبر موسى بما ترك له ربه فقال له موسى: راجع ربك فراجعه فترك له عشراً، فأخبر موسى فقال له راجع ربك فراجعه فترك له عشراً، فأخبر موسى فقال له راجع ربك فراجعه فترك له عشراً، فأخبر موسى فقال له راجع ربك فراجعه فقال له ربه: هي خمس وهي خمسون ما يبدل القول لديّ، فأخبر موسى فقال راجع ربك فقال: إني أستحيي من ربي وقد قال لي كذا وكذا، ثم ودعه وانصرف ونزل إلى الأرض قبل طلوع الفجر، فنزل بالحجر فطاف ومشى إلى بيته؛ فلما أصبح ذكر ذلك للناس فالمؤمن به صدقه وغير المؤمن به كذبه والشاك ارتاب فيه، ثم أخبرهم بحديث القافلة وبالشخص الذي كان يتوضأ وإذا بالقافلة قد وصلت كما قال فسألوا الشخص فأخبرهم بقلب القدح كما أخبرهم رسول الله صَلّ وسأله من حضر من المكذبين ممن رأى بيت المقدس أن يصفه لهم ولم يكن رأى منه وَ لّ إلا قدر ما مشى فيه وحيث صلى فرفعه الله له حتى نظر إليه ٧٣ في المنازل / الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس فأخذ ينعته للحاضرين فما أنكروا من نعته شيئاً ولو كان الإسراء بروحه وتكون رؤيا رآها كما يراه النائم في نومه ما أنكره أحد ولا نازعه وإنما أنكروا عليه كونه أعلمهم أن الإسراء كان بجسمه في هذه المواطن كلها، وله ◌َ# أربعة وثلاثون مرة الذي أسرى به منها إسراء واحد بجسمه الباقي بروحه رؤیاً رآها. وأما الأولياء فلهم إسراءات روحانية برزخية يشاهدون فيها معاني متجسدة في صور محسوسة للخيال يعطون العلم بما تتضمنه تلك الصور من المعاني، ولهم الإسراء في الأرض وفي الهواء غير أنهم ليست لهم قدم محسوسة في السماء، وبهذا زاد على الجماعة رسول الله ◌َلة بإسراء الجسم واختراق السموات والأفلاك حساً وقطع مسافات حقيقية محسوسة، وذلك كله لورثته معنى لا حساً من السموات فما فوقها، فلنذكر من إسراء أهل الله ما أشهدني الله خاصة من ذلك، فإن إسراءاتهم تختلف لأنها معان متجسدة بخلاف الإسراء المحسوس، فمعارج الأولياء معارج أرواح ورؤية قلوب وصور برزخيات ومعان متجسدات، فما شهدته من ذلك وقد ذكرناه في كتابنا المسمى بالإسراء وترتيب الرحلة: [الطويل] ألم تَرَ أن اللّهَ أسْرَى بعبده إلى أن علا السَّبْعَ السموات قاصداً إلى السِّذْرَةِ العُلْيا وكُرْسِيِّه الأخمَى إلى سُبُحَاتِ الوجه حين تَقَشَّعَتْ وكان تَدَلِّيهِ على الأمر إذا دَنَا وكانت عيونُ الكون عنه بمعزلٍ فخاطبه بالأنْسِ صوتٌ عَتِيقِهِ فأزعجه ذاك الخطابُ وقال هل وشال حجابَ العلم عن عين قلبه فِعَايَنَ ما لا يَقْدُرُ الخلقُ قَدْرَهُ وألفاه تَوّاقاً إلى وجه ربّه ومن قَبْلِ ذا قد كان أشهد قَلْبَهُ من الحَرَمِ الأدنى إلى المسجد الأقْصَى إلى بيته المعمور بالملأ الأغْلَى إلى عرشه الأسْنَى إلى المستوى الأزْهَى سحابُ العَمَى عن عين مُقْلَتِهِ النّجْلا من الله قُزباً قابَ قوسين أو أدنى تلاحظ ما يسقيه بالمورد الأخلَى تَوَقَّفْ فربُّ العرش سبحانه صَلَّى يصلّي إلهي ما سمعتُ به يُثْلَى وأوْحَى إليه في الغيوب الذي أَوْحَى وأيَّده الرحمن بالعُزوة الوُثْقَى فأكرمه الرحمنُ بالمنظر الأجْلَى بغار حِرَاءٍ قبل ذلك في المَجْلَى فإذا أراد الله تعالى أن يسري بأرواح من شاء من ورثة رسله وأوليائه لأجل أن يريهم من آياته فهو إسراء لزيادة علم وفتح عين فهم فيختلف مسراهم، فمنهم من أسرى به فيه فهذا الإسراء فيه حل تركيبهم فيوقفهم بهذا الإسراء على ما يناسبهم من كل عالم بأن يمر بهم على أصناف العالم المركب والبسيط فيترك مع كل عالم من ذاته ما يناسبه، وصورة تركه معه أن يرسل الله بينه وبين ما ترك منه مع ذلك الصنف من العالم حجاباً فلا يشهده ويبقى له شهود ما بقي حتى يبقى بالسر الإلهيّ الذي هو الوجه الخاص الذي من الله إليه، فإذا بقي وحده رفع عنه حجاب الستر فيبقى معه تعالى كما بقي كل شيء منه مع مناسبه فيبقى العبد في هذا الإسراء هو لا هو، فإذا بقي هو لا هو أسرى به من حيث هو لا من حيث لا هو إسراء معنوياً ٧٤ في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس لطيفاً فيه لأنه في الأصل على صورة العالم وصورته على صورته تعالى فكله على صورته من حيث هو تعالى، فإن العالم على صورة الحق والإنسان على صورة العالم، فالإنسان على صورة الحق فإن المساوي لأحد المتساويين مساو لكل واحد من المتساويين، فإنه إذا كان كل ألف باء وكل باء جيم فكل ألف جيم فلينظر جيم من حيث هو ألف لا من حيث هو باء، كذلك ينظر الإنسان نفسه من حيث هو على صورة الحق لا من حيث هو على صورة العالم وإن كان العالم على صورة الحق. ولما كان الترتيب على ما وقع عليه الوجود لتأخر النشأة الجسمية الإنسانية عن العالم فكانت آخراً فظهرت في نشأتها على صورة العالم وما كان العالم على الكمال في صورة الحق حتى وجد الإنسان فيه، فبه كمل العالم، فهو الأوَّل بالمرتبة والآخر بالوجود، فالإنسان من حيث رتبته أقدم من حيث جسميته، فالعالم بالإنسان على صورة الحق، والإنسان دون العالم على صورة الحق، والعالم دون الإنسان ليس على الكمال في صورة الحق، ولا يقال في الشيء إنه على صورة كذا حتى يكون هو من كل وجوهه إلا الذي لا يمكن أن يقال فيه هو كما قلنا في جيم أنه ألف لكونه باء والباء ألف، ولكن قد تميز عين كل واحد بأمر ليس هو عين الآخر وهو كون الألف ألف والباء باء والجيم جيم، كذلك الحق حق، والإنسان إنسان، والعالم عالم، وقد بان ذلك بالتساوي، فإنه إن لم تكن ثم حقيقة يقع بها تميز الأعيان لم يصح أن تقول كذا مساو لكذا بل تقول: عين كذا بلا تجوز، فإني قد أشرت إلى أمرين فقد وقع التمييز فلا بد من فصل يعقل لولا ذلك الفصل ما كانت كثرة في عين الواحد، فلم يبق للواحد سوى أحديته التي يقال بها لا هو عين الآخر، وبالذي يقال به هو عين الآخر هو أحدية الكثرة، فإنه كثرة بإطلاق ألف باء جيم عليه، ثم قال في إقامة البرهان: كل هذا هو هذا، فأشار فكثر وأعاد الضمير فوحد فوصل وفصل، فالفصل في عين الوصل لمن عقل، فإذا وقف الغير على ما قدمناه وعلم أنه ما كان على صورة العالم وإنما كان على صورة الحق أسرى به الحق في أسمائه ليريه من آياته فيه، فيعلم أنه المسمى بكل اسم إلهيّ، سواء كان ذلك الاسم من المنعوت بالحسن أو لا، وبها يظهر الحق في عباده، وبها يتلوَّن العبد في حالاته، فهي في الحق أسماء وفينا تلوينات وهي عين الشؤون التي هو فيها الحق، ففينا بنا يتصرف كما نحن به فيه نظهر ولهذا قلنا : [مجزوء الوافر] وهذا منكَ يَكْفيني دليلي فيكَ تَلْويني ـذي إليك يَدْعُوني فلم أسأل عن الأمْرِ الـ وليس الأمْرُ يُدرِيني فإنّي لست أذرِيه رُ لما ميّزت تكويني فلو يُدرِينِيَ الأمـ سيَهْديني ويُخييني ولا قلنا ولا قالوا فأغنيه ويَغْنيني وقد قالوا وقد قلنا ويُفْنيني ويُبْقيني فأُفْنِيه وأُبْقِيه ٧٥ في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس وأُغْضِبُه فيَهْجُوني فأُرْضيه فيمدحُني فإذا أسرى الحق بالولي في أسمائه الحسنى إلى غير ذلك من الأسماء وكل الأسماء الإلهية علم تقلبات أحواله وأحوال العالم كله، وأن ذلك التقلب هو الذي أحدث فينا عين تلك الأسماء، كما علمنا أن تقلبات الأحوال أحكام تلك الأسماء، فاسم الحال الذي انقلبت منه، والذي انقلبت إليه هو أسمي به أقلب كما به تقلبت، فبالرؤوف الرحيم كان وَّر بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، وبالمؤمن كان مؤمناً، وبالمهيمن كان مهيمناً، فجعلنا شهداء بعضنا على بعض وعلى أنفسنا وبالصبور والشكور كان ما ابتلي به من الريح لسوق الجواري في البحر آية ﴿لَّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ لما فيها من الأمر المفزع الهائل ﴿شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١] لما فيها من الفرح والنعمة بالوصول إلى المطلوب بسرعة، ولقد رأيت ذلك ذوقاً من نفسي جرينا بالريح الشديد من ضحى يومنا إلى غروب الشمس مسيرة عشرين يوماً في موج كالجبال فكيف لو كان البحر فارغاً والريح من ورائنا كنا نقطع أكثر من ذلك، ولكن أراد الله أن يرينا آيات كل صبار شكور، فما من اسم سمى به نفسه إلا وسمانا به، فبها نتقلب في أحوالنا وبها نقلب، فمن علم هذه الآيات فقد أسرى الحق به في أسمائه فأراه من آياته ليكون سميعاً بصيراً، سميعاً لما يخبر به الحق من التعريفات باللسان الخاص وهو ما أنزله من كلامه الذي نسبه إليه وباللسان العام وهو ما يتكلم به جميع العالم مما يتكلمون به كان ما كان فإنه قد سمعنا ما حكاه الحق لنا من كلام اليهود فيه وسمعناه من اليهود فسمعناه باللسان العام والخاص فحكى ما نطقهم به، إذ ليس في وسع المخلوق أن ينطق من غير أن ينطق فإذا نطق نطق فافهم فحكى به عنهم بهم عنه. فإذا كمل حظه من الإسراء في الأسماء وعلم ما أعطته من الآيات أسماء الله في ذلك الإسراء عاد يركب ذاته تركيباً غير ذلك التركيب الأول لما حصل له من العلم الذي لم يكن عليه حين تحلل، فما زال يمر على أصناف العالم ويأخذ من كل عالم ما ترك عنده منه فيتركب في ذاته فلا يزال يظهر في طور طور إلى أن يصل إلى الأرض فيصبح في أهله، وما عرف أحد ما طرأ عليه في سره حتى تكلم فسمعوا منه لساناً غير اللسان الذي كانوا يعرفونه، فإذا قال له أحدهم ما هذا؟ يقول له: إن الله أسرى بي فأراني من آياته ما شاء، فيقول له السامعون: ما فقدناك كذبت فيما ادعيت من ذلك، ويقول الفقيه منهم: هذا رجل يدعي النبوّة أو قد دخله خلل في عقله فهو إما زنديق فيجب قتله وإما معتوه فلا خطاب لنا معه، فيسخر به قوم ويعتبر به آخرون ويؤمن بقوله آخرون وترجع مسألة خلاف في العالم، وغاب الفقيه عن قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِى الْآَفَاقِ وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ولم يخص طائفة من طائفة، فمن أراه الله شيئاً من هذه الآيات على هذه الطريقة التي ذكرناها فليذكر ما رآه ولا يذكر الطريقة فإنه يصدق وينظر في كلامه ولا يقع الإنكار عليه إلا إذا ادعى الطريقة. واعلم أنه ليس بين العالم وصاحب هذه الطريقة والصفة فرق في الإسراء لأنه لرؤية الآيات وتقلبات الأحوال في العالم كله آيات فهم فيها لا يشعرون، فما يزيد هذا الصنف على سائر الخلق المحجوبين إلا بما يلهمه الله في سره من النظر بعقله وبفكره أو من التهيؤ بصقالة مرآة قلبه ٧٦ في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس ليكشف له عن هذه الآيات كشفاً وشهوداً وذوقاً ووجوداً. فالعالم ينكرون عين ما هم فيه وعليه، ولولا ذكره الطريقة التي بها نال معرفة هذه الأشياء ما أنكره عليه أحد، فالناس كلهم لا أحاشي منهم من أحد يضربون الأمثال لله وقد تواطؤوا على ذلك ولا واحد منهم ينكر على الآخر والله يقول: ﴿فَلَا تَضْرِيُوْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ وهم في عماية عن هذه الآية، فأما أولياء الله فلا يضربون لله الأمثال فإن الله هو الذي يضرب الأمثال للناس لعلمه بمواقعها لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، فيشهد الولي ما ضربه الله من الأمثال فيرى في ذلك الشهود عين الجامع الذي بين المثل وبين ما ضرب له ذلك المثل فهو عينه من حيث ذلك الجامع وما هو عينه من حيث ما هو مثل، فالولي لا يضرب لله الأمثال بل هو يعرف ما ضرب الله له الأمثال كقوله تعالى : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهٍ﴾ أي صفة نوره ﴿كَمِشْكَوْقٍ فِهَا مِصْبَاٌ الْمِصْبَاحُ فِ رُجَابَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّا كَوْكَبٌ دُرِىٌ يُوقَدُ مِن شَجَرَةِ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُنَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىَءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسَّهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورِّ يَهْدِى اَللَّهُ لِنُورِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ بما ضربه لعباده من هذا النور بالمصباح لنوره الممثل به من يشاء ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسُِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] فهذا مصباح مخصوص ما هو كل مصباح. فلا ينبغي أن يقال: نور الله كالمصباح من كونه يكشف المصباح كل ما انبسط عليه نوره لصاحب بصر مثل هذا لايقال، فإن الله ما ذكر ما ذكره من شروط هذا المصباح ونعوته وصفاته الممثل به سدى، فمثل هذا المصباح هو الذي يضرب به المثل فإن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وقد قال إنه ما يضرب الأمثال إلا للناس، ونهانا أن نضرب الله الأمثال، فإن الله يعلم ونحن لا نعلم، فإن ضربنا الأمثال فلننظر فإن كان الله قد ضرب في ذلك مثلاً للناس فلنقف عنده وهو الأدب الإلهي، وإن لم نجد لله في ذلك مثلاً مضروباً فلنضرب عند ذلك مثلاً للناس الذين لا يعلمون ذلك إلا بالمثل المضروب، وإن أنصفنا فلا نضربه لله فإن الله يعلمه، وتتحرى الصواب في ضرب ذلك المثل إن كنت صاحب فكر واعتبار، وإن كنت صاحب كشف وشهود فلا تتحرى فإنك على بينة من ربك فلا تقصد ما أنت فيه بل تبديه كما شهدته مثل ما يحكى ما ضرب الله لنفسه من المثل، فهذه حالة أولياء الله في ضرب الأمثال كما قال في اختلاف الناس في عدد أصحاب الكهف رجماً بالغيب لأنهم ما شاهدوهم ولذا جاء بفعل الاستقبال فقال: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ الآية، ثم قال: ﴿قُل ◌َِّ أَعْلَمُ بِعِذَتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ﴾ يعني كم عددهم ﴿إِلَّا قَلِلٌ﴾ [الكهف: ٢٢] أما من شاهدهم ممن لا يغلب عليه الوهم وأما من أعلمه الله بعدتهم، وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] من باب الإشارة في الجمع بين الآيتين، ولكن كما قال من أنه رابع ثلاثة لا ثالث ثلاثة لأنه لا يقال رابع أربعة إلا في الجنس الواحد والأمثال، فإذا انتفت المثلية لم يقل فيه أنه خامس خمسة إذا كان معهم وإنما يقال فيه خامس أربعة أو سادس خمسة، ألا ترى الكلب لما لم يكن من النوع الإنساني قالوا سبعة وثامنهم كلبهم ولم يقولوا ثمانية ثامنهم كلبهم فافهم تصب إن شاء الله: [مجزوء الوافر] نِ مِنْ أکْوانه مَثَلاَ فلا تَضْربْ لرَبِّ الكَوْ ٧٧ في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس فجَلَّ بذاته وعَلاَ فلا أحَدٌ يماثلُه وكلُّ الناس قد فَعَلَا فلم أضْربْ له مَثَلاً وكُنْ في حِزْب من عَقَلاً فلا تَضْربْ له مَثَلاً فلما أراد الله أن يسري بي ليريني من آياته في أسمائه من أسمائي وهو حظ ميراثنا من الإسراء أزالني عن مكاني وعرج بي على براق إمكاني فزج بي في أركاني فلم أر أرضي تصحبني فقيل لي: أخذه الوالد الأصلي الذي خلقه الله من تراب، فلما فارقت ركن الماء فقدت بعضي فقيل لي: إنك مخلوق من ماء مهين فإهانته ذلته فلصق بالتراب فلهذا فارقته فنقص مني جزءان فلما جئت ركن الهواء تغيرت علي الأهواء، وقال لي الهواء: ما كان فيك مني فلا يزول عني فإنه لا ينبغي له أن يعدو قدره ولا يمد رجله في غير بساطه فإن لي عليك مطالبة بما غيره مني تعفينك فإنه لولاه ما كنت مسنوناً فإن طيب بالذات خبيث بصحبة من جاورني، فلما خبثتني صحبته ومجاورته قيل فيه حمأ مسنون فعاد خبئه عليه فإنه هو المنعوت وهو الذي غيرني في مشامّ أهل الشم من أهل الروائح فقلت له: ولماذا أتركه عندك؟ قال: حتى يزول عنه هذا الخبث الذي اكتسبه من عفونتك ومجاورة طينتك ومائك فتركته عنده فلما وصلت إلى ركن النار قيل قد جاء الفخار فقيل: وقد بعث إليه؟ قال نعم، قيل: ومن معه؟ قال: جبريل الجبر فهو مضطر في رحلته ومفارقة بنيته، فقال لي عنده في نشأته جزء مني لا أتركه معه إذ قد وصل إلى الحضرة التي يظهر فيها ملكي واقتداري ونفوذ تصرّفي فنفذت إلى السماء الأولى وما بقي معي من نشأتي البدنية شيء أعوّل عليه ولا أنظر إليه، فسلمت على والدي وسألني عن تربتي فقلت له: إن الأرض أخذت مني جزأها وحينئذ خرجت عنها وعن الماء بطينتي، فقال لي: يا ولدي هكذا جرى لها مع أبيك فمن طلب حقه فما تعدَّى ولا سيما وأنت لها مفارق ولا تعرف هل ترجع إليها أو لا فإنه تعالى يقول: ﴿إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] ولا يعلم أحد ما في مشيئة الحق إلا أن يعلمه الحق بذلك، فالتفت فإذا أنا بين يديه وعن يمينه من نسم بنيه عيني فقلت له: هذا أنا فضحك فقلت له: فأنا بين يديك وعن يمينك قال نعم هكذا رأيت نفسي بين يدي الحق حين بسط يده فرأيتني وبنيّ في اليد ورأيتني بين يديه فقلت له: فما كان في اليد الأخرى المقبوضة؟ قال: العالم قلت له: فيمين الحق تقضي بتعيين السعادة؟ فقال نعم تقضي بالسعادة، فقلت له: فقد فرق الحق لنا بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فقال لي: يا ولدي ذلك يمين أبيك وشماله ألا ترى نسم بنيّ على يميني وعلى شمالي وكلتا يدي ربي يمين مباركة فبنيّ في يميني وفي شمالي وأنا وبنيّ في يمين الحق وما سوانا من العالم في اليد الأخرى الإلهية، قلت: فإذاً لا نشقى، فقال: لو دام الغضب لدام الشقاء فالسعادة دائمة وإن اختلف المسكن فإن الله جاعل في كل دار ما يكون به نعيم أهل تلك الدار فلا بد من عمارة الدارين، وقد انتهى الغضب في يوم العرض الأكبر وأمر بإقامة الحدود فأقيمت وإذا أقيمت زال الغضب فإن الرسالة تزيله فهو عين إقامة الحدود على المغضوب عليه فلم يبق إلا الرضا وهو الرحمة التي وسعت كل شيء، فإذا انتهت الحدود ٧٨ في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس صار الحكم للرحمة العامة في العموم، فأفادني أبي آدم هذا العلم ولم أكن به خبيراً فكان لي ذلك بشرى معجلة إلهية في الحياة الدنيا وتنتهي القيامة بالزمان كما قال الله خمسين ألف سنة وهذه مدة إقامة الحدود ويرجع الحكم بعد انقضاء هذه المدة إلى الرحمن الرحيم، وللرحمن الأسماء الحسنى وهي حسنى لمن تتوجه عليه بالحكم، فالرحيم برحمته ينتقم من الغضب وهو شديد البطش به مذل له مانع بحقيقته فيبقى الحكم في تعارض الأسماء بالنسب والخلق بالرحمة مغمورون فلا يزال حكم الأسماء في تعارضها لا فينا فافهم فإنه علم غريب دقيق لا يشعر به بل الناس في عماية عنه، وما منهم إلا من لو قلت له ترضى لنفسك أن يحكم عليك ما يسوءك من هذه الأسماء لقال لا، ويجعل حكم ذلك الاسم الذي يسوء في حق غيره، فهذا من أجهل الناس بالخلق وهو بالحق أجهل، فأفاد هذا الشهود بقاء أحكام الأسماء في الأسماء لا فينا وهي نسب تتضاذّ بحقائقها فلا تجتمع أبداً، ويبسط الله رحمته على عباده حيث كانوا فالوجود كله رحمة. ثم رحلت عنه بعدما دعا لي فنزلت بعيسى عليه السلام في السماء الثانية فوجدت عنده ابن خالته يحيى عليهما السلام فكانت الحياة الحيوانية ولو كان يحيى ابن خالته لكان روحاً، ولما كانت الحياة الحيوانية ملازمة للروح وجدت يحيى عند روح الله عيسى لأن الروح حي بلا شك وما كل حيّ روح فسلمت عليهما فقلت له: بماذا زدت علينا حتى سماك الله بالروح المضاف إلى الله؟ فقال: ألم تر إلى من وهبني لأمي ففهمت ما قال فقال لي: لولا هذا ما أحييت الموتى، فقلت له: فقد رأينا من أحيا الموتى ممن لم تكن نشأته كنشأتك، فقال: ما أحيا الموتى من أحياهم إلا بقدر ما ورثه عني فلم يقم في ذلك مقامي كما لم أقم أنا مقام من وهبني في إحياء الموتى، فإن الذي وهبني يعني جبريل ما يطأ موضعاً إلا حيي ذلك الموضع بوطأته وأنا ليس كذلك، بل حظنا أن نقيم الصور بالوطء خاصة والروح الكل يتولى أرواح تلك الصور وما يطؤه الروح الذي وهبني هو يعطي الحياة في صورة ما أظهره الوطء فاعلم ذلك. ثم رددت وجهي إلى يحيى عليه السلام وقلت له: أخبرت أنك تذبح الموت إذا أتى الله به يوم القيامة فيوضع بين الجنة والنار ليراه هؤلاء وهؤلاء ويعرفون أنه الموت في صورة كبش أملح قال نعم ولا ينبغي ذلك إلا لي فإني يحيى وأن ضدي لا يبقى معي وهي دار الحيوان فلا بد من إزالة الموت فلا مزيل له سواي، فقلت له صدقت فيما أشرت إلي به ولكن في العالم يحيى كثير فقال لي: ولكن لي مرتبة الأولية في هذا الاسم فبي يحيى كل من يحيى من الناس من تقدم ومن تأخر وأن الله ما جعل لي من قبل سمياً، فكل يحيى تبع لي فبظهوري لا حكم لهم فنبهني على شيء لم يكن عندي فقلت: جزاك الله عني خيراً من صاحب موروث وقلت: الحمد لله الذي جمعكما في سماء واحدة أعني روح الله عيسى ويحيى عليهما السلام حتى أسألكما عن مسألة واحدة فيقع الجواب بحضور كل واحد منكما فإنكما خصصتما بسلام الحق، فقيل في عيسى أنه قال في المهد ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّا﴾ [مريم: ٣٣] وقيل في يحيى: ﴿وَسَلَمُّ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥] فأخبر عيسى عن نفسه بسلام الحق عليه، والحق أخبر بسلامه على يحيى فأيّ مقام أتم؟ فقال لي : ٧٩ في المنازل / الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس ألست من أهل القرآن؟ قلت له: بلى أنا من أهل القرآن فقال: انظر فيما جمع الحق بيني وبين ابن خالتي أليس قد قال الله فيّ: ﴿وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] فعينني في النكرة فقلت له: نعم، قال: ألم يقل في عيسى ابن خالتي أنه ﴿مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ كما قال عني فعينه في النكرة ثم قال: إن عيسى هذا لما كان كلامه في المهد دلالة على براءة خالتي مما نسب إليها لم يترجم عن الله إلا هو بنفسه فقال: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَىَّ﴾ يعني من الله، قلت له: صدقت قلت ولكن سلم بالتعريف وسلام الحق عليك بالتنكير والتنكير أعم، فقيل لي: ما هو تعريف عين بل هو تعريف جنس فلا فرق بينه بالألف واللام وبين عدمهما فأنا وإياه في السلام على السواء وفي الصلاح كذلك، وجاء الصلاح لنا بالبشرى فيّ وفي عيسى بالملائكة، فقلت له: أفدتني أفادك الله فقلت له: فلم كنت حصوراً؟ فقال: ذلك من أثر همة والدي في استفراغه في مريم البتول والبتول المنقطعة عن الرجال لما دخل عليها المحراب ورأى حالها فأعجبه فدعا الله أن يرزقه ولداً مثلها فخرجت حصوراً منقطعاً عن النساء فما هي صفة كمال وإنما كانت أثر همة فإن في الإنتاج عين الكمال، قلت له: فنكاح الجنة ما فيه نتاج، فقال: لا تقل بل هو نتاج ولا بدو ولادته نفس تخرج من الزوجة عند الفراغ من الجماع فإن الإنزال ريح كما هو في الدنيا ماء فيخرج ذلك الريح بصورة ما وقع عليه الاجتماع بين الزوجين، فمنا من يشهد ذلك ومنا من لا يشهده كما هو الأمر عليه في الدنيا عالم غيب لمن غاب عنه وعالم شهادة في حق من شهده، قلت له: أفدتني أفادك الله من نعمة العلم به ثم قلت له: هذه سماؤك؟ قال لي: لا أنا متردد بين عيسى وهارون أكون عند هذا وعند هذا، وكذلك عند يوسف وإدريس عليهما السلام فقلت له: فلماذا خصصت هارون دون غيره من الأنبياء؟ فقال لي لحرمة النسب ما جئت لعيسى إلا لكونه ابن خالتي فأزوره في سمائه وآتي إلى هارون لكون خالتي أختاً له ديناً ونسباً، قلت: فما هو أخوها لأن بينهما زماناً طويلاً وعالماً فقال لي قوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] ما هذه الأخوة؟ أترى هو أخو ثمود لأبيه وأمه فهو أخوهم فسمى القبيلة باسم ثمود وكان صالح من نسل ثمود فهو أخوهم بلا شك ثم جاء بعد ذلك بالدين، ألا ترى أصحاب الأيكة لما لم يكونوا من مدين وكان شعيب من مدين فقال في شعيب أخو مدين وإلى مدين أخاهم شعيباً، ولما جاء ذكر أصحاب الأيكة قال: إذ قال لهم شعيب ولم يقل أخاهم لأنهم ليسوا من مدين وشعيب من مدين فزيارتي لهما صلة رحم وأنا لعيسى أقرب مني لهارون. ثم عرج بي إلى السماء الثالثة إلى يوسف عليه السلام فقلت له بعد أن سلمت عليه فرد وسهل بي ورحب: يا يوسف لم لم تجب الداعي حين دعاك ورسول الله وَ له يقول عن نفسه أنه لو ابتلي بمثل ما ابتليت به ودعي لأجاب الداعي ولم يبق في السجن حتى يأتيه الجواب من الملك بما تقول النسوة، فقال لي: بين الذوق والفرض ما بين السماء والأرض كثير بين أن تفرض الأمر أو تذوقه من نفسك لو نسب إليه 8# ما نسب إلي لطلب صحة البراءة في غيبته فإنها أدل على براءته من حضوره، ولما كان رحمة كان من عالم السعة والسجن ضيق، فإذا جاء لمن حاله هذا سارع إلى الانفراج وهذا فرض، فالكلام مع التقدير ٨٠ في المنازل/ الباب السابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس المفروض ما هو مثل الكلام مع الذائق، ألا تراه و # ما ذكر ذلك إلا في معرض نسبة الكمال إليَّ فيما تحملته من الفرية عليّ فقال ذلك أدباً معي لكوني أكبر منه بالزمان كما قال في إبراهيم نحن أحق بالشك من إبراهيم فيما شك فيه إبراهيم، وكما قال في لوط: ((يَرْحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى رُكْن شَديد)» أتراه أكذبه حاشى الله فإن الركن الشديد الذي أراده لوط هو القبيلة والركن الشديد الذي ذكره رسول الله 8# هو الله، فهذا تنبيه لك أن لا تجري نفسك فيما لا ذوق لك فيه مجرى من ذاق، فلا تقل لو كنت أنا عوض فلان لما قيل له كذا وقال كذا ما كنت أقوله لا والله بل لو نالك ما ناله لقلت ما قاله، فإن الحال الأقوى حاكم على الحال الأضعف. وقد اجتمع في يوسف وهو رسول الله حالان: حال السجن وحال كونه مفترى عليه، والرسول يطلب أن يقرّر في نفس المرسل إليه ما يقبل به دعاء ربه فيما يدعوه به إليه، والذي نسب إليه معلوم عند كل أحد أنه لا يقع من مثل من جاء بدعوته إليهم فلا بد أن يطلب البراءة من ذلك عندهم ليؤمنوا بما جاء به من عند ربه ولم يحضر بنفسه ذلك المجلس حتى لا تدخل الشبهة في نفوس الحاضرين بحضوره، وفرق كبير بين من يحضر في مثل هذا الموطن وبين من لا يحضر، فإذا كانت المرأة لم تخن يوسف في غيبته لما برأته وأضافت المراودة لنفسها لتعلم أن يوسف لم يخن العزيز في أهله وعلمت أنه أحق بهذا الوصف منها في حقه فما برأت نفسها بل قالت: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] فمن فتوّة يوسف عليه السلام إقامته في السجن بعد أن دعاه الملك إليه وما علم قدر ذلك إلا رسول الله وَ لهم حيث قال عن نفسه: ((لأجَبْتُ الدَّاعي)) ثناء على يوسف، فقلت له: فالاشتراك في إخبار الله عنك إذ قال: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] ولم يعين فيماذا يدل في اللسان على أحدية المعنى فقال: ولهذا قلت للملك على لسان رسوله أن يسأل عن النسوة وشأن الأمر، فما ذكرت المرأة إلا أنها راودته عن نفسه وما ذكرت أنه راودها فزال ما كان يتوهم من ذلك، ولما لم يسم الله في التعبير عن ذلك أمراً ولا عين في ذلك حالاً فقلت له: لا بد من الاشتراك في اللسان قال: صدقت فإنها همت بي لتقهرني على ما تريده مني وهممت أنا بها لأقهرها في الدفع عن ذلك، فالاشتراك وقع في طلب القهر مني ومنها فلهذا قال: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ [يوسف: ٢٤] يعني في عين ما هم بها وليس إلا القهر فيما يريد كل واحد من صاحبه دليل ذلك قولها: ﴿اَلْكَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَأْ رَوَدَتُهُ عَن نَّفْسِهِ،﴾ [يوسف: ٥١] وما جاء في السورة قط أنه راودها عن نفسها، فأراه الله البرهان عند إرادته القهر في دفعها عنه فیما تريده منه، فكان البرهان الذي رآه أن يدفع عن نفسه بالقول اللين كما قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا [طه: ٤٤] أي لا تعنف عليها وتسبها فإنها امرأة موصوفة بالضعف على كل حال، فقلت له : أفدتني أفادك الله . ثم ودّعته وانصرفت إلى إدريس عليه السلام فسلمت عليه فرد وسهل ورحب وقال : أهلاً بالوارث المحمدي فقلت له: كيف أبهم عليك الأمر على ما وصل إلينا؟ فما علمت أمر الطوفان بحيث لا تشك فيه والنبيّ واقف مع ما يوحى به إليه فقال: ﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ