النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ في المنازل/ الباب الرابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سرَّين لما طلب منه من الشكر عليها؟ أو هل هو عقوبة لأمر وقع منهم؟ أو هل تسوغ فيه مجموع هذه الوجوه كلها؟ وفيه علم الرفق في التعليم في مواطن والإغلاظ في مواطن. وفيه علم من أين جئت وإلى أين تروح وهل ثم رجوع على الحقيقة أم لا؟ أو هو سلوك أبداً قدماً لا رجوع فيه، والرجوع للمعقول والمحسوس في العالم لأية نسبة إلهية يرجع وهل وصف الحق بالرجوع على ما قلناه في الرجوع أم لا؟ فإن الحقائق تأبى أن يكون ثم رجوع. وفيه علم الفرق بين وصف النفوس الناطقة بالعقول والنهي والأحكام والألباب وأمثال هذه الألقاب لماذا يرجع. وفيه علم ما حكمة إقامة الدليل لمن لا يعلم أن ذلك دليل وهو يعلم أنه عالم بهذه الصفة فهل هو عينه مقصود بذاك الدليل أو غيره فيكون فيه ناقلاً فينتفع به ويقبله من يصل إليه من نقل هذا الذي لم يعلم أن ذلك دليل وهذا يقع كثيراً وهو قول النبي ◌َّ: (رُبَّ حَامِلٍ فِقْهِ لَيْسَ بِفَقِيهِ)) فإذا حمله ونقله إلى فقيه قبله ذلك الفقيه واستفاد به علماً لم يكن عنده والناقل لا علم له بشيء من ذلك. وفيه علم تسمية الشيء باسم الشيء إذا كان مجاوراً له أو كان منه سبب. وفيه علم لم أمر الشارع بقتل الساحر ولماذا سمي كافراً؟ ولما علم فرعون صدق موسى عليه السلام وأضمر الإيمان في نفسه الذي أظهره عند غرقه حين رأى البأس هل قتل من قتل من السحرة الذين آمنوا لكونهم سحرة فقتلهم شرعاً في باطن الأمر ولإيمانهم في ظاهر الأمر وإذا قتل الساحر هل ذلك القتل كفارة له وجزاء على سحره ولم يبق عليه من جهة ذلك السحر في الآخرة مطالبة فيه من الحق سبحانه وتعالى أم لا مطالبة عليه فيه من الله؟ وفيه علم تفاضل المقرّبين عند الله بماذا فضل بعضهم بعضاً. وفيه علم قول النبي ◌ّر في ابتلاء المؤمن بالرزايا والمصائب أن له خيراً في ذلك كله، ولماذا كان أهل الله في الدنيا أشد بلاء من سواهم؟ ولماذا يرجع اقتضاء ذلك في حقهم دون غيرهم من الناس المؤمنين؟ وفيه علم لماذا جبلت النفوس على حب المال ولا سيما الذهب هل لحيازته درجة الكمال المعدني فوقعت المناسبة بين الكاملين أو هل لما فيه من قضاء حوائجهم فهم فقراء إليه لوصولهم به إلى أغراضهم وقول عيسى عليه السلام: قلب كل إنسان حيث ماله فاجعلوا مالكم في السماء تكن قلوبكم في السماء فمن اكتنز ماله فقد دفن قلبه في أرض طبيعته فلا يلتذ بمشاهدة أبيه الذي هو الروح الإلهي أبداً. ومثل هذا يكون ابن أمه وإن كان له أب ولكن لا ينسب إليه كعيسى ابن مريم عليهما السلام ينسب إلى أمه وما وهبه لها إلا جبريل عليه السلام لما تمثل لها بشراً سوياً وأعلمها ومع هذا فما نسب إلا إلى البقعة الجسمية مع كونه يحيي الموتى من حيث ما هو من هبات الروح الأمين. وفيه علم الغيرة الإلهية وممن زاحمه في الاسم الخاص الذي به شرفه. وفيه علم متى يتعين إجابة السائل فيما سأل إذا سأل ومن سأل بالحال هل يتعين إجابته بالحال فيكون الجواب مطابقاً للسؤال. وفيه علم وضع من ارتفع بنفسه وانحطاط من تطاول فوق قدره. وفيه علم فائدة الموعظة ولو كفر بها فإن لها أثراً في الباطن عند السامع وإن لم يظهر ذلك فإنه يحس به من نفسه. وفيه علم من أراد كيداً فصادف حقاً فهو عنده كذب ثم أسفرت ٤٢ في المنازل/ الباب الخامس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل أسرار اتصلت في حضرة الرحمة العاقبة أنه صدق في نفس الأمر ولكن لا علم له بذلك. وفيه علم الأوقات وما تعامل به عقلاً وشرعاً عند السليم الفكر. وفيه علم تعيين مكارم الأخلاق. وفيه علم أن العلم بما لا يعلم أنه لا يعلم علم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الخامس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل أسرار اتصلت في حضرة الرحمة بمن خفي مقامه وحاله على الأكوان وهو من الحضرة المحمدية [نظم: السريع] مَرْتَبَةُ الخمسةِ معروفةٌ تَحْفَظُ ذِكْرَ الله من رحمةٍ سوى الذي يحفظُ أعْيانَنا جميع ما في الكون من خَلْقِهِ لولاه لم نُوجَدْ بأعياننا فَهْوَ مع الكثرة في حُكْمِهِ لولا وجودُ الكثرة في حُكْمِهِ فهو وحيدُ العين في مُلكه لما حملناه على كَوْننا عَزَّ فما يدركُه غيرُه سبحانه من مَلِكِ قاهرِ ليس على غَيْرِهِ مِنَ أكْوانِهِ مِنْ أَزَلٍ صَحَّ له حكمُنا تَخْفَظُ ما جاوزها مِنْ عَدَدْ قامت بها ليس لها مُسْتَخَذْ وهوَ الإلهُ المتعالي الصَّمَذْ له إذا يدعوه عبدي سَجَدْ مع كونه سبحانه لم يَلِذ لم تَنْتَفِ عنه صفاتُ الأحَدْ لما بَدَا منه وُجُودُ العَدَد وحُكْمُهُ فِي كَوْنِهِ مُسْتَنْدْ من نفسنا من فضله ما عُيِدْ وجَلَّ أن يبقى بحُكُم المُدَذ قد قَهَرَ الكلَّ وأهْلَ العَدَدْ لكل من يعرفه مُعْتَمَذْ كذاك أيضاً حكمُه في الأبَدْ اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الله لما سمى نفسه بالظاهر والباطن اقتضى ذلك أن يكون الأمر الوجودي بالنسبة إلينا بين جلي وخفي، فما جلاه لنا فهو الجلي وما ستره عنا فهو الخفي، وكل ذلك له تعالى جلي، قال رسول الله بَّه في دعائه: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلّ اسْم سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ)) وهو الجلي عند من علمه الله إياه والخفي عمن لم يعلمه، ثم قال: ((أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْم غَيْبِك)) فهذا خفي عما سوى الله فلا يعلمه إلا الله، فإنه تعالى يعلم السرّ وهو ما بينه وبين خلقه وأخفى وهو ما لا يعلمه إلا هو مثل مفاتح الغيب التي عنده لا يعلمها إلا هو فهو عالم الغيب وهو الخفي، والشهادة وهو الجلي، وما أوجده من الممكنات وهو الجلي أيضاً، وما لم يوجده منها وهو الخفي أيضاً ولا يخلو العالم من هاتين النسبتين دنيا ولا آخرة، فالمزيد الواقع من العالم في العالم فهو من الخفي والمزيد لا يزال فالعالم مزيد خارج من الخفاء إلى الجلا لا يزال، فالجلي من سؤال السائلين إنما يسمعه الحق من الاسم الظاهر، والخفي منه يسمعه من الاسم الباطن، فإذا أعطاه ما سأل في المنازل/ الباب الخامس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل أسرار اتصلت في حضرة الرحمة ٤٣ فالاسم الباطن يعطيه للظاهر والظاهر يعطيه للسائل، فالظاهر حاجب الباطن والجلي حاجب الخفي، كما أن الشعور حاجب العلم. واعلم أن الله عز وجل يعامل عباده بما يعاملونه به فكأنه تعالى بحكم التبعية لهم وإن كان ابتداء الأمر منه ولكن هكذا علمنا وقرر لدينا فإنا لا ننسب إليه إلا ما نسبه إلى نفسه ولا يتمكن لنا إلا ذلك، فمن حكم تبعية الحق تعالى للمخلوق قوله تعالى: ﴿قُلّ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وقوله ◌ََّ في الصحيح: ((إنَّ الله لاَ يَمَلُ حَتَّى تَمَلُّوا)) وقوله تعالى: ﴿فَذْكُرُونِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقوله سبحانه: ((مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأِ خَيْرٍ مِنْهُ)): [السريع] إلاّ يكونُ الحَقُّ في مِثْلِهَا فلا يكونُ العَبْدُ في حَالَةٍ كذا أتانا الحُكْمُ فِي شَكْلِهَا وكُلُّها منه ولكنّه فكل مخالف أمر الحق فإنه يستدعي بهذه المخالفة من الحق مخالفة غرضه، ولذلك لا يكون العفو والتجاوز والمغفرة من الحق جزاء لمخالفة العبد في بعض العبيد، وإنما يكون ذلك امتناناً من الله عليه، فإن كان جزاء فهو جزاء لمن عفا عن عبد مثله وتجاوز وغفر لمن أساء إليه في دنياه فقام له الحق في تلك الصفة من العفو والصفح والتجاوز والمغفرة مثلاً بمثل يداً بيد وها ورد في الخبر الصحيح عن رسول الله وَ له: ((ما كَانَ الله لِيَتْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيَأْخُذَهُ مِنْكُمْ)) فما نهى الله عباده عن شيء إلا كان منه أبعد، ولا أمركم بكريم خلق إلا كان الحق به أحق . واعلم أن هذا المنزل هو منزل الميراث المعنوي وهو منزل الشريعة وكون الحياة شرطاً في جميع وجود النسب المنسوبة إلى الله، وهذه النسبة أوجبت له سبحانه أن يكون له اسمه الحي، فجميع الأسماء الإلهية موقوفة عليه ومشروطة به حتى الاسم الله فالاسم الله هو المهيمن على جميع الأسماء التي من جملتها الحي، ونسبة الاسم الحي لها المهيمنة على جميع النسب الأسمائية حتى نسبة الألوهة التي بها تسمى الله الله، قال وَلَه: ((العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ)) وما ورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر، وقال: (نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نَرِثُ وَلاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَة)) يعني الورث أي ما يورث من الميت من المال فلم يبق الميراث إلا في العلم والحال والعبارة عما وجدوه من الله في كشفهم وأهل النظر في نظرهم وهؤلاء هم العلماء الذين يخشون الله لعلمهم بأنه يعلم حركاتهم وسكناتهم على التعيين والتفصيل، فإنه الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين وفي جميع أحوالك، فأبان وَلّ أن الأنبياء لهم التقدم فإنهم لا يورثون حتى ينقلبوا إلى الله من هذه الدار، فكل ما يناله المتبع لنبي خاص في حياته فإنه إنعام من ذلك النبي لا ميراث، وكل ما ناله من نبي قد مات فذلك علم موروث، فكل وارث علم في زمان فإنما يرث من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام لا من تأخر عنه، فوارثة عالم كل أمة كانت لنبي قبل رسول الله وَّر فوراثة جزئية، وهذه الأمة المحمدية لما كان نبيها محمد وَّر آخر الأنبياء وكانت أمّته خير الأمم صح للوارث منهم أن يرثه ويرث جميع الأنبياء عليهم السلام ولا يكون هذا أبداً في عالم أمّة متقدمة قبل ٤٤ في المنازل/ الباب الخامس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل أسرار اتصلت في حضرة الرحمة هذه الأمة، فلهذا كانت أفضل أمّة أخرجت للناس لأنها زادت على الوارثين بأمر لم ينله إلا هذه الأمة فكل وارث نبيّ فعلمه من فيض نور من ورثه من الله ونظره سبحانه إلى أنبيائه أتم النظر فعلم الورثة أتم العلوم، وكل علم لا يكون عن ورث فإنه ليس بعلم اختصاص كعلم أصحاب الفترات فإن علمهم ليس بعلم وراثة وإن كانوا علماء ولكنهم لم يكونوا متبعين لنبيّ لأنه لم يبعث إليهم وليسوا بأنبياء فما كان لهم من الله نظرة الأنبياء، فنزلوا عن درجة الورثة في العلم وعلموا أن الله أنبياء. وأما الذين لا يقرُّون بالأنبياء ولا بالنبوَّة على ما هي عليه في نفسها ويرون أن مسمى الأنبياء إنما هو لمن صفى جوهرة نفسه من كدورات الشهوات الطبيعية والتزم مكارم الأخلاق العرفية وإنه إذا كان بهذه المثابة انتقش في نفسه ما في العالم العلويّ من الصور بالقوّة فنطق بعلم الغيوب وليست النبوّة عندنا ولا هي في نفسها كذلك ولا بد، وقد تكون في بعض الأشخاص على ما قالوه ولكن مع جواز ما ذكروه من نقش ما في العالم من الصور بالقوّة في نفس هذا الشخص مما وقع في الوجود ولا يقع في جزئيات الأمور، فإن الذي في حركات الأفلاك وسباحة الكواكب وفي السموات من العلوم التي تكون من آثارها لا علم لها بذلك من كوكب وسماء وفلك وملك فيعرف هذا الشخص منها ما لا تعرف من نفسها، وما ذكر عن أحد من نبيّ ولا حكيم أنه أحاط علماً بما يحوي عليه حاله في كل نفس نفس إلى حين موته بل يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً، مع علمنا أن الله عز وجل أوحى في كل سماء أمرها، وأن الله قد أودع اللوح المحفوظ علمه في خلقه بما يكون منهم إلى يوم القيامة . ولو سئل اللوح ما فيك أو ما خط القلم فيك من علم الله عز وجل ما علم، فإن الله أودع ذلك كله في نظره لمن هو دونه، ولا يعلم ما يكون عن ذلك النظر من الأثر إلا الله، فإن الأثر ما يظهر عن النظر بل عن استعداد القابل ولهذا قال: ﴿وَمَا أَمْرُنَآ إِلَّا وَحِدَهُ كَلَمْجٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] فانظر في لمحة البصر الواحد ما تدرك من المنظورات، وهذا الأمر وإن كان واحدة فإنه بالوجود مختلف لاختلاف القوابل في الاستعداد فلا يعلم الأمور على التفصيل إلا الله وحده ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وكل صاحب مجاهدة وخلوة وتصفية نفس على غير شريعة ولا مؤمن بها على ما هي عليه في نفسها، فإن العلم الذي يكون عليه ويجده عند هذا الاستعداد ليس بعلم ميراث ولا للحق إليه نظر نبويّ، بل غايته أن يتلقى من الأرواح الملكية بقدر ما هو عليه من المناسبة، ومن الله على قدر ما أعطاه نظره الفكريّ لأنه لا كشف له البتة من الله لأن ذلك من خصائص الأنبياء عليهم السلام ومتبعيهم لا من قال بهم ولم يتبع واحداً منهم على التعيين من أصحاب التعريف ولا عمل عملاً في زمان الفترة لقول نبيّ، وإن وافق بعمله عمل نبيّ لكنه غير مقصود له الاتباع فإن الإلقاء إليه دون الإلقاء إلى الوارث العامل على ذلك لقول ذلك النبيّ وبين العلمين بون عظيم، وتمييز ذوقيّ مشهود جعلنا الله وإياكم من الوارثين. وكل من أظهر اعتقاد النبوّة وصرف ما جاءت به من الأحكام الظاهرة إلى معان نفسية لم تكن من قصد النبيّ بما ظهر عنه ما اعتقدته العامة من ذلك فإنه لا يحصل على طائل من العلم، ومن اعتقد فيما جاء به هذا النبيّ أنه في الظاهر والعموم على ما هو عليه حق كله، وله ٤٥ في المنازل/ الباب الخامس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل أسرار اتصلت في حضرة الرحمة زيادة مصرف آخر مع ثبوت هذه المعاني، فجمع بين الحس والمعنى في نظره فذلك الوارث العالم الذي شاهد الحق على ما هو عليه وهذا لا يحصل إلا بالتعمل، وليس معنى التعمل أن يقول هذا الذي ليس له هذا الاعتقاد ثم يسمع به مني أو من غيري فيقول: أنا أعتقده وأربط نفسي به، فإن كان ما قاله حقاً فأنا له، وإن لم يكن فما يضرّني، فمثل هذا لا ينفعه ولا يفتح له فيه لأنه غير مصدّق به على القطع بل هو صاحب تجربة، وأين الإيمان من الشك والتجربة، فهذا أعمى البصيرة ناقص النظر، فإنه لو صح منه النظر الفكريّ في الأدلة لعثر على وجه الدلالة فانقدح له المطلوب وأسفر له عن الأمر على ما هو عليه، كما أسفر لغيره ممن وفى النظر حقه، فإنه إذا وفى الناظر نظره حقه لزمه الإيمان ملازمة الظل للشخص لأنهما مزدوجان، فإنه يطلع بعين الدليل على رتبة هذا المسمى بالنبيّ والشارع عند الله، فمن المحال أن يشهده ذوقاً ولا يتبعه حالاً هذا ما لا يتصوَّر، ولقد آمنا بالله وبرسوله وما جاء به مجملاً ومفصلاً مما وصل إلينا من تفصيله وما لم يصل إلينا أو لم يثبت عندنا، فنحن مؤمنون بكل ما جاء به في نفس الأمر أخذت ذلك عن أبويّ أخذ تقليد ولم يخطر لي ما حكم النظر العقلي فيه من جواز وإحالة ووجوب، فعملت على إيماني بذلك حتى علمت من أين آمنت وبماذا آمنت، وكشف الله عن بصري وبصيرتي وخيالي فرأيت بعين البصر ما لا يدرك إلا به، ورأيت بعين الخيال ما لا يدرك إلا به، ورأيت بعين البصيرة ما لا يدرك إلا بها فصار الأمر لي مشهوداً والحكم المتخيل المتوهم بالتقليد موجوداً فعلمت قدر من اتبعته وهو الرسول المبعوث إليّ محمد ◌ّ وشاهدت جميع الأنبياء كلهم من آدم إلى محمد عليهم السلام، وأشهدني الله تعالى المؤمنين بهم كلهم حتى ما بقي منهم من أحد ممن كان ويكون إلى يوم القيامة خاصهم وعامهم، ورأيت مراتب الجماعة كلها فعلمت أقدارهم واطلعت على جميع ما آمنت به مجملاً مما هو في العالم العلويّ وشهدت ذلك كله، فما زحزحني علم ما رأيته وعاينته عن إيماني، فلم أزل أقول وأعمل ما أقوله وأعمله لقول النبي وَيهر لا لعلمي ولا لعيني ولا لشهودي فواخيت بين الإيمان والعيان وهذا عزيز الوجود في الأتباع، فإن مزلة الأقدام للأكابر إنما تكون هنا إذا وقعت المعاينة لما وقع به الإيمان، فتعمل على عين لا على إيمان فلم يجمع بينهما، ففاته من الكمال أن يعرف قدره ومنزلته، فهو وإن كان من أهل الكشف فما كشف الله له عن قدره ومنزلته فجهل نفسه فعمل على المشاهدة والكامل من عمل على الإيمان مع ذوق العيان وما انتقل ولا أثر فيه العيان وما رأيت لهذا المقام ذائقاً بالحال، وإن كنت أعلم أن له رجالاً في العالم لكن ما جمع الله بيني وبينهم في رؤية أعيانهم وأشخاصهم وأسمائهم فقد يمكن أن أكون رأيت منهم وما جمعت بين عينه واسمه، وكان سبب ذلك أني ما علقت نفسي قط إلى جانب الحق أن يطلعني على كون من الأكوان ولا حادثة من الحوادث، وإنما علقت نفسي مع الله أن يستعملني فيما يرضيه ولا يستعملني فيما يباعدني عنه، وأن يخصني بمقام يكون لمتبع أعلى منه، ولو أشركني فيه جميع من في العالم لم أتأثر لذلك فإني عبد محض لا أطلب التفوق على عباده، بل جعل الله في نفسي من الفرح أني ٤٦ في المنازل/ الباب الخامس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل أسرار اتصلت في حضرة الرحمة أتمنى أن يكون العالم كله على قدم واحدة في أعلى المراتب، فخصني الله بخاتمة أمر لم يخطر لي ببال، فشكرت الله تعالى بالعجز عن شكره مع توفيتي في الشكر حقه، وما ذكرت ما ذكرته من حالي للفخر لا والله وإنما ذكرته لأمرين: الأمر الواحد لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] وأية نعمة أعظم من هذه والأمر الآخر: ليسمع صاحب همة فتحدث فيه همة لاستعمال نفسه فيما استعملتها فينال مثل هذا فيكون معي وفي درجتي فإنه لاضيق ولا حرج إلا في المحسوس والألوهية خاصة، ولهذا لا يتعلق حكم الغيرة إلا بهذين المقامين، فأما المحسوس فلحصره فإنه إذا كان عندك لم يكن عين ما هو عندك عند غيرك، وأما في الألوهية فإن المدعي فيها كاذب ومن هي له صادق فمتعلق الغيرة كون من ليست فيه الألوهية ويدعيها كاذباً فالغيرة على المقام فإنها لا تكون إلا لواحد ليس لغيره فيها قدم والغيرة مشتقة من الغير، فهذا قد أبنت لك عن سواء السبيل. واعلم أن أطيب ما يورث من العلم ما يرثه العالم من الأسماء الإلهية. فإن قلت : وكيف تورث الأسماء الإلهية ولا يكون الورث إلا بعد موت؟ قلنا: وكذلك أقول، فاعلم أني أريد بهذا النوع من العلم كون الحق سبحانه قادراً على أن يفعل ابتداء ما لا يفعله ولا وقع إلا منك كما بينا أنك آلة له تعالى، فلما كان منك ولا بد ما يمكن أن يكون له دونك ومن المحال أن يكون لما هو منك كونان، فإن الكائن لا يقبل كونين بل هو وجود واحد، فينزل هذا القدر من الكون الظاهر منك مما كان له منزلة المال الموروث ممن كان له إذ يستحيل أن يكون له مع موته، كما استحال أن يكون هذا الكائن عن غير من كان عنه، فتحقق هذه النكتة فإنها عجيبة في أصحاب الأذواق لا في أحكام العقل. واعلم أنه لما لم يتمكن أن يتقدَّم الاسم الحيّ الإلهيّ اسم من الأسماء الإلهية كانت له رتبة السبق فهو المنعوت على الحقيقة بالأوّل، فكل حيّ في العالم وما في العالم إلا حيّ فهو فرع عن هذا الأصل، وكما لا يشبه الفرع الأصل بما يحمله من الثمر وما يظهر منه من تصريف الأهواء له على اختلافها عليه وما يقبل من حال التعرية واللباس إذا أورق وتجرّد عن ورقه، والأصل ليس كذلك بل هو الممدّ له بكل ما يظهر فيه وبه إذ ليس له بقاء في فرعيته وأحكامها إلا بالأصل، كذلك الاسم الحيّ مع سائر الأسماء الإلهية، فكل اسم هو له إذا حققت الأمر فيسري سرّه في جميع العالم فخرج على صورته فيما نسب إليه من التسبيح بحمده والتسبيح والتنزيه تعرية، وكذلك الأصل معرّى عن ملابس الفروع وزينتها من ورق وثمر وكل ذلك منه وهو منزه في ذاته عن أن تقوم به، فقد أعطى ما لا يقوم به ولا يكون صفة له، وهذا علم لا يمكن أن يحصل إلا لصاحب كشف، وإذا حصل له لا يمكن أن يقسم العالم إلى حي وإلى غير حي بل هو عنده كله حيّ، ولكن تنسب عندنا الحياة لكل حيّ بحسب حقيقة المنعوت بها المسمى عند أهل الكشف والشهود لا عند من لا يرى الحياة إلا في غير الجماد، والنامي في نظره ليس كلامنا إلا مع أهل الكشف الذين أشهدهم الله الأمر على ما هو عليه في نفسه فاعلم ذلك . ٤٧ في المنازل/ الباب الخامس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل أسرار اتصلت في حضرة الرحمة واعلم أنه لما كان الاسم الحيّ اسماً ذاتياً للحق سبحانه لم يتمكن أن يصدر عنه إلا حيّ فالعالم كله حيّ، إذ عدم الحياة أو وجود موجود من العالم غير حيّ لم يكن له مستند إلهي في وجوده البتة، ولا بد لكل حادث من مستند، فالجماد في نظرك هو حيّ في نفس الأمر، وأما الموت فهو مفارقة حي مدبر لحي مدبر، فالمدبر والمدبر حي، والمفارقة نسبة عدمية لا وجودية إنما هو عزل عن ولاية، ثم إنه ما من شرط الحي أن يحس فإن الإحساس والحواس أمر معقول زائد على كونه حياً وإنما من شرطه العلم وقد يحس وقد لا يحس، ولو أحس فليس من شرط الإحساس وجود الآلام واللذات، فإن العلم يغني عن ذلك مع كون العالم لا يحس بما جرت العادة أنه لا يدرك إلا بالحس، وأنت تعلم وجميع العقلاء أن الله عالم بكل شيء مع تنزيهه عن الإحساس والحواس، فلحصول العلم طرق كثيرة عند من يستفيد علماً، والحس طريق موصلة إلى العلم بالمحسوس، فقد يوصل إلى العلم به من غير طريق الحس فيكون معلوماً في الحالتين، لكنه لا يكون محسوساً لمن علمه من غير طريق الحس لكنه هو له مشهود ومعلوم، كما لا نشك أنا نرى ربنا بالأبصار عياناً على ما يليق بجلاله وهو مرئي لنا، ولا نقول فيه إنه محسوس لما يطلبه الحس من الحصر والتقييد فهذه رؤية غير مكيفة، وكلامنا في هذا مع من يقول بالرؤية بالبصر ولا نقول بالكيف ولا الحصر والتقييد بل نراه منزهاً كما علمناه منزهاً، وقد قدمنا في غير موضع من هذا الكتاب تصويب كل اعتقاد وصحة كل مقالة عقلية في الله، وأما المقالات الشرعية المنزلة من الله فيه فالإيمان بها واجب وما جاءت لتخالف العقل فإنها جاءت بموافقة العقل في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقد جاءت بما لا يقبله دليل العقل من حيث نظره فزاد علماً به لم يكن ليستقل به قبله بإيمانه إن كان عن خبر أو بذوقه إن كان عن شهود، وسلمنا له ما وصف به نفسه من كل ما لا يستقل به العقل من حيث انفراده بذلك في نظره لكوننا لا نحيط علماً بذاته لا بل لا نعلمها رأساً. ولما كانت الاعيان في الوجود لها اتصال بعضها ببعض ولها انفصال بعضها عن بعض جعل الله ذلك علامة لمن لا كشف له على أن للعالم بالله اتصالاً معنوياً من وجه وفصلاً من وجه، فهو من حقيقة ذاته وألوهته وفاعليته متصل منفصل من وجه واحد ذلك الوجه عينه لأنه لا يتكثر، وإن كثرت أحكامه وأسماؤه ومعقولات أسمائه فاتصاله خلقه إيانا بيديه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾ [ص: ٧٥] خلقنا لهم ﴿مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَكَمًا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ﴾ [يسّ: ٧١] وانفصاله انفصال ألوهة من عبودة ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ بانفصاله ﴿الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] باتصاله، ولكن لا يكون التكوين من العالم إلا باتصاله لا بانفصاله، والعالم يكوّن ما كلفه الله به من العبادات، ولهذا أضاف أعمالها إلى العبد وأمره أن يطلب الإعانة من الله في ذلك، كما أنه آلة للحق في بعض الأفعال والآلات معينة للصانع فيما لا يصنع إلا بآلة، والعالم منفصل عن الحق بحده وحقيقته فهو منفصل متصل من عين واحدة فإنه لا يتكثر في عينه وإن تكثرت أحكامه فإنها نسب وإضافات عدمية معلومة فخرج على صورة حق، فما صدر عن الواحد إلا واحد وهو عين الممكن، وما صدرت الكثرة أعني أحكامه إلا من الكثرة وهي الأحكام ٤٨ في المنازل/ الباب الخامس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل أسرار اتصلت في حضرة الرحمة المنسوبة إلى الحق المعبر عنها بالأسماء والصفات، فمن نظر العالم من حيث عينه قال بأحديته، ومن نظره من حيث أحكامه ونسبه قال بالكثرة في عين واحدة، وكذلك نظره في الحق فهو الواحد الكثير، كما أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وأين التنزيه من التشبيه والآية واحدة وهي كلامه عن نفسه على جهة التعريف لنا بما هو عليه في ذاته ففصل بليس وأثبت بهو، وأما نداؤه تعالى للعالم ونداء العالم إياه فمن حيث الانفصال فهو ينادي: يا أيها الناس، ونحن ننادي: ياربنا، ففصل نفسه عنا كما فصلنا أيضاً أنفسنا عنه فتميزنا، وأين هذا المقام من مقام الاتصال إذا أحبنا وكان سمعنا وبصرنا وجميع قوانا وجعل ذلك حين أخبرنا اتصال محب بمحبوب فنسب الحب إليه ونحن المحبوبون، ولا خفاء بالفرق بين أحكام المحب ومنزلته وبين أحكام المحبوب ومنزلته فارتفعنا به ونزل سبحانه بنا، وذلك حتى لا يكون الوجود على السواء فإنه محال التسوية فيه فلا بد من نزول ورفعة فيه وما ثم إلا نحن وهو، فإذا كان حكم واحد النزول كان حكم الآخر الرفعة والعلوّ، وكل محب نازل وكل محبوب عال، وما منا إلا محب ومحبوب، فما منا إلا له مقام معلوم، وما منا إلا نازل على، فهذه أحكام مختلفة في عين واحدة: [المتقارب] ويا رَبَّنا ما الذي نَتَّقي فيا أيُّها المؤمنون اتَّقُوا فلم أذرِ من رَاحَ أو مَنْ بَقِي فنادى فناديتُ مستفهماً فإما سعيدٌ وإما شَقِي وقسم حكمي على حكمه ويشقَى ويسعدُ إذا انْتُقي فيرضى ويغضبُ في حكمه وأين النعالُ من المَفْرِقِ فأين الأكاليلُ من رِجْله ليلقى العُبَيْدُ الذي قد لَقِي فيظهر في ذا وذا مثله فقد علم العبدُ ما يَتَّقي إذا كان ما قلتُه كائناً واعلم أيدك الله أن في هذا المنزل من العلوم علم الحجب المتصلة بالمحجوب فإن القرب المفرط حجاب مثل البعد المفرط. وفيه علم مجالسة العبد ربه إذا ذكره وانقسام أهل الذكر فيه إلى من يعلم أنه جليس الحق في حين ذكره الحق وإلى من لا يعلم ذلك وسبب جهله بمجالسته ربه كونه لا يعلم ربه فلا يميزه أو كونه لا يعلم أن ربه ذكره لصمم قام به وغشاوة على بصره، فإن الذاكر الصحيح يعلم متى يذكره ربه وإن لم يعلم شهوداً مجالسة ربه وغيره يعلم ذلك ويشهد جليسه فكما هو الحق جليس من ذكره كذلك العبد جليس الحق إذا ذكره ربه، ولا يجالسه إلا عبد في الحالتين ولو جالسه به فعبوديته لم تزل فإن عينه لم تزل لأن غاية القرب أن يكون الحق سمعه وبصره فقد أثبت عينه وليس عينه سوى عبودته وفيه علم ما الفرق بين مجالسة الحق تعالى في الخلوة والجلوة هل الصورة في ذلك واحدة أم تتنوّع بتنوع المجالس؟ وفيه علم ما يتحدث به جليس الحق مع الحق وفي أي صورة يكون ذلك فإن المشاهدة للبهت فهل كل مشاهدة للبهت أو لا يكون البهت إلا في بعض المشاهدات؟ ولا بد من العلم بأن المتجلي هو الله تعالى. وفيه علم كل من دعا الله كائناً من كان أنه لا يشقى ولا أحاشي أحداً وإن شقي الداعي ٤٩ في المنازل/ الباب الخامس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل أسرار اتصلت في حضرة الرحمة العارض فالمآل إلى السعادة الأبدية. وفيه علم من خاف غير الله بالله ما حكمه عند الله وهو مقام عزيز لكونه خاف بالله ومن هذه حالته لا يرى غير الله فكيف يخاف غير الله؟ يقول الله تعالى: ﴿فَلَ تَّخَافُوُهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وفيه علم من طلب الأمان من الله بالغير هل هو مصيب صاحب علم أو مخطىء صاحب جهل؟ وهل يخاف الله لعينه أو يخاف لما يكون منه؟ فمتعلق الخوف إن كان لما يكون منه فمتعلقه ما يكون منه وهو ما يقوم بك. وفيه علم أثر العادات في الأكابر أهل الشهود لماذا يرجع مع علمهم بأنه على كل شيء قدير فما مشهودهم؟ هل مشهودهم ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدٌ﴾ [البروج: ١٦] وهم جاهلون بما في إرادة الحق بهم فتؤثر العادات فيهم بوساطة حالهم في هذا المقام الذي تعطيه الإرادة الإلهية. وفيه علم هل الأمور كلها بالنسبة إلى الله على السواء أو ليست على السواء؟ فإن لم تكن على السواء فما السبب الذي أخرجها أن تكون على السواء؟ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُاْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقوله: ﴿وَلَهُ اُلْمَثَلُ اُلْأَعْلَى فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [الروم: ٢٧] فهو قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] ابتداء وإعادتهم أهون من ابتدائهم وابتداؤهم أهون من خلق السموات والأرض، فخلق السموات والأرض أكبر قدراً من خلق الناس فإن الناس لهما عليهم حق ولادة فالناس منفعلون عنهما فإن الجرمية غير معتبرة هنا فإنه قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وما من أحد إلا وهو يعلم حساً أن خلق السموات والأرض أكبر في الجرم من خلق الناس وما ثم إلا انفعال الجسم الطبيعي عنهما لا غير. وفيه علم ابتداء كل عين في كونها فليس لها مثال سبق. وفيه علم الفرد الأوَّل الذي هو أوّل الأفراد. وفيه علم مايسمى كلاماً فإن ذلك مسألة خلاف طال فيها الكلام بين أهل النظر وقول الله لزكريا عليه السلام أن جعل الله له آية على وجود يحيى عليه السلام ﴿أَلَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَهْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] فاستثنى وما استثنى إلا الكلام والأثر موجود من الإشارة والرمز كما هو موجود من نظم الحروف في النطق. وفيه علم النيابة عن الله ونيابة الحق عن العبد ومن أتم فإنه أمر أن يتخذ وكيلاً وجعل بعضنا خلفاء في الأرض وأخبر أنا ننطق بكلامه وهو القائل منا إذا قلنا بعض أقوالنا. وفيه علم المناسبة التي تشمل العالم كله وأنه جنس واحد فتصح المفاضلة فيما تحته من الأنواع والأشخاص، فإن الإمام أبا القاسم بن قسي صاحب خلع النعلين منع من ذلك فاعتبر خلاف ما اعتبرناه فهو مصيب فيما اعتبره مخطىء باعتبارنا إذ ما ثم إلا حق وأحق وكامل وأكمل، فالمفاضلة سارية في أنواع الجنس للمفاضلة التي في الأسماء بالإحاطة، وما يزيد به هذا الاسم على غيره كالعالم والقادر وكالقادر والقاهر. وفيه علم التأثيرات في العالم. وفيه علم ما حكم من رأى لنفسه قدراً وهل إذا أتى بما يدل عليه وهو كامل هل إتيانه بذلك شفقة على الغير أو تعظيماً لنفسه؟ وهل يؤثر مثل ذلك في الرضا أم لا يؤثر فيه؟ ومن أعلى من يحتج عن نفسه ويذب عنها أو من لا يحتج عنها بل يكون مع الناس عليها ومتى يصلح أن يكون للإنسان هذا الحكم ومتى يصلح أن لا يكون له هذا الحكم؟ وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعَلَمُ أَنََّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] ولم يقل تعالى: فارض بحكم ربك. وفيه علم سعي الإنسان في عدالته عند الحكام الفتوحات المكية ج٦ - ٤٢ ٥٠ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي لقبول شهادته فهو من باب السعي في حق الغير لا في حق نفسه لأمور تطرأ إن لم يكن عدلاً لا يقبل الحاكم شهادته فربما ظهر الباطل على الحق فوجب السعي في العدالة لهذا كما قال: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) وما قصد الفخر وإنما قصد الإعلام وإراحة أمته من التعب حتى لا تمشي في ذلك اليوم كما تمشي الأمم إلى نبيّ بعد نبيّ للشفاعة فتقتصر على محمد وَلّ بما أعلمها من ذلك وأن الرجوع إليه في آخر الأمر: [المتقارب] رَأَى الأمْرَ يُفْضي إلى آخَرٍ فصَيَّرَ آخِرَهُ أوَّلاَ فتميزت الأمة المحمدية عن سائر الأمم في ذلك الموطن بهذا القدر إلى غير هذا. وفيه علم موطن بيان الأمور لجميع الخلق وارتفاع التلبيس ورجوع الناس وغيرهم إلى الحق وهل ذلك نافعهم أم لا؟ وفيه علم ما لا يصح إلا لله الاتصاف به. وفيه علم ما يجب لله وما يستحيل. وفيه علم حكم من يبتغي نصرة من خذله الله عند الله تعالى. وفيه علم من يزيد شرفاً بتشريف من ينسب إليه. وفيه علم الفرق بين المهدي والهادي. وفيه علم النبوّة العامة والنبوة الخاصة وما يبقى منها وما يزول. وفيه علم هل يكون للولي الذي ليس بنبيّ مقام في الولاية لا يكون ذوقاً لنبي أم لا. وفيه علم ما هي النعم الظاهرة والباطنة ومن يتنعم بكل نعمة منهما من الإنسان. وفيه علم علامات المقربين عند الله وبماذا يعرفون. وفيه علم هل يلحق اللاحق بالسابق وأي المنزلتين أفضل؟ وفيه علم من يرى أن أحوال الآخرة على ميزان أحوال الدنيا سواء في جميع الأمور. وفيه علم ما ينبغي أن يكون عليه صاحب جنة الأعمال، وما يكون عليه صاحب جنة الورث، وما يكون عليه صاحب جنة الاختصاص. وفيه علم سبب اختصاص عالم الأمر بالأمر وعالم الإنسان بالنهي والأمر. وفيه علم ما نفى الله من أسمائه أن يشرك فيه فلم يشرك. وفيه علم ما لا يدرك إلا بالحوالة. وفيه علم الجزاء ومحله أيضاً. وفيه علم صفة الطريق إلى الجنة ومن يسلك. وفيه علم من أرخى الله له في طِوَلِهِ في الدنيا هل يرخي له في الآخرة كذلك جزاء. وفيه علم اختلاف أحوال الخلق في الاستدعاء إلى الله تعالى يوم القيامة للفصل والقضاء. وفيه علم ما هو أعظم الأهوال عند الله ولم يأت به إلا الإنسان خاصة وما أجرأه على ذلك وقد خلقه الله ضعيفاً فقيراً إلى كل شيء، وفيه انقلاب الولي عدوّاً لمن كان له ولياً، وانقلاب العدو ولياً لمن كان له عدواً. وفيه علم العلم الضروري والنظري والبديهي، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي الظاهر في آخر الزمان الذي بشّر به رسول الله ◌َّر وهو من أهل البيت [نظم: الكامل] وعليهما فَلَكُ الوجود يَدُورُ إنّ الإمامَ إلى الوَزير فَقِيرُ بوجود هذين فسوف يَبُورُ والمُلْكُ إن لم تَسْتَقِمْ أحوالُهُ ٥١ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي ما عنده فيما يريد وَزِيرُ إلا الإله الحقّ فهو مُنَزَّةٌ عن أن يراه الخَلْقُ وهو فَقِيرُ جَلَّ الإِلهُ الحَقُّ في مَلَكُوتِهِ اعلم أيدنا الله أن الله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد طول الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله ﴿ه من ولد فاطمة يواطىء اسمه اسم رسول الله وَّر جده الحسين بن علي بن أبي طالب يبايع بين الركن والمقام، يشبه رسول الله وّ في خلقه بفتح الخاء وينزل عنه في الخلق بضم الخاء لأنه لا يكون أحد مثل رسول الله وَيّر في أخلاقه والله يقول فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] هو أجلى الجبهة، أقنى الأنف، أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسم المال بالسوية، ويعدل في الرعية، ويفصل في القضية، يأتيه الرجل فيقول له: يا مهدي أعطني وبين يديه المال فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله، يخرج على فترة من الدين يزع الله به ما لا يزع بالقرآن يمسي جاهلاً بخيلاً جباناً، ويصبح أعلم الناس أكرم الناس أشجع الناس يصلحه الله في ليلة يمشي النصر بين يديه يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، يقفو أثر رسول الله وَ ال لا يخطىء له ملك يسدده من حيث لا يراه يحمل الكل ويقوّي الضعيف في الحق ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، يفعل ما يقول ويقول ما يعلم ويعلم ما يشهد، يفتح المدينة الرومية بالتكبير في سبعين ألفاً من المسلمين من ولد إسحاق، يشهد الملحمة العظمى مأدبة الله بمرج عكا، يبيد الظلم وأهله، يقيم الدين، ينفخ الروح في الإسلام يعز الإسلام به بعد ذله، ويحيا بعد موته، يضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبى قتل ومن نازعه خذل، يظهر من الدين ما هو الدين عليه في نفسه ما لو كان رسول الله وَيّ لحكم به، يرفع المذاهب من الأرض فلا يبقى إلا الدين الخالص أعداؤه مقلدة العلماء أهل الاجتهاد لما يرونه من الحكم، بخلاف ما ذهبت إليه أئمتهم فيدخلون كرهاً تحت حكمه خوفاً من سيفه وسطوته ورغبة فيما لديه، يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم، يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهيّ، له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه هم الوزراء يحملون أثقال المملكة ويعينونه على ما قلده الله، ينزل عليه عيسى ابن مريم بالمنارة البيضاء بشرقي دمشق بين مهرودتين متكئاً على ملكين ملك عن يمينه وملك عن يساره. يقطر رأسه ماء مثل الجمان يتحدر كأنما خرج من ديماس والناس في صلاة العصر فيتنحى له الإمام من مقامه فيتقدم فيصلي بالناس، يؤم الناس بسنة محمد ومثله؛ يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويقبض الله المهدي إليه طاهراً مطهراً. وفي زمانه يقتل السفياني عند شجرة بغوطة دمشق، ويخسف بجيشه في البيداء بين المدينة ومكة حتى لا يبقى من الجيش إلا رجل واحد من جهينة يستبيح هذا الجيش مدينة الرسول وَّ# ثلاثة أيام ثم يرحل يطلب مكة فيخسف الله به البيداء، فمن كان مجبوراً من ذلك الجيش مكرهاً يحشر على نيته القرآن حاكم والسيف مبيد، ولذلك ورد في الخبر: ((إِنَّ اللهَ يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لاَ يَزَعُ بِالقُرْآنِ)): [الطويل] وعَيْن إمام العالمين فَقِيدُ ألا إنّ خَتْمَ الأولياء شَهِيدُ ٥٢ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي هو الصارمُ الهنديُّ حين يُبيدُ هو السيدُ المهديُّ من آل أحمَدٍ هو الوابل الوَسْمِيُّ حين يَجُودُ هو الشمسُ يجلو كل غَمِّ وظُلمْةٍ وقد جاءكم زمانه، وأظلكم أوانه، وظهر في القرن الرابع اللاحق بالقرون الثلاثة الماضية قرن رسول الله 8# وهو قرن الصحابة، ثم الذي يليه، ثم الذي يلي الثاني، ثم جاء بينهما فترات وحدثت أمور وانتشرت أهواء وسفكت دماء، وعائت الذئاب في البلاد وكثر الفساد، إلى أن طم الجور وطما سيله، وأدبر نهار العدل بالظلم حين أقبل ليله، فشهداؤه خير الشهداء، وأمناؤه أفضل الأمناء، وإن الله يستوزر له طائفة خبأهم له في مكنون غيبه أطلعهم كشفاً وشهوداً على الحقائق، وما هو أمر الله عليه في عباده فبمشاورتهم يفصل ما يفصل وهم العارفون الذين عرفوا ما ثم، وأما هو في نفسه فصاحب سيف حق وسياسة مدنية يعرف من الله قدر ما تحتاج إليه مرتبته ومنزله لأنه خليفة مسدد يفهم منطق الحيوان يسري عدله في الإنس والجان من أسرار علم وزرائه الذين استوزرهم الله له قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] وهم على أقدام رجال من الصحابة ﴿صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٢٣] وهم من الأعاجم ما فيهم عربي لكن لا يتكلمون إلا بالعربية لهم حافظ ليس من جنسهم ما عصى الله قط هو أخص الوزراء وأفضل الأمناء، فأعطاهم الله في هذه الآية التي اتخذوها هجيراً وفى ليلهم سميراً، فضل علم الصدق حالاً وذوقاً، فعلموا أن الصدق سيف الله في الأرض ما قام بأحد ولا اتصف به إلا نصره الله لأن الصدق نعته والصادق اسمه، فنظروا بأعين سليمة من الرمد، وسلكوا بأقدام ثابتة في سبيل الرشد، فلم يروا الحق قيد مؤمناً من مؤمن بل أوجب على نفسه نصر المؤمنين، ولم يقل بمن بل أرسلها مطلقة وجلاها محققة فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ﴾ [النساء: ١٣٦] وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا﴾ [النساء: ٩٣] وقال: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] فسماهم مؤمنين، وقال: ﴿﴿وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ﴾ [غافر: ١٢] فسمى المشرك مؤمناً فهؤلاء هم المؤمنون الذين أيده الله بهم في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَّلَ مِن قَبْلٌ﴾ [النساء: ١٣٦] فميزهم عن المؤمنين من أهل الكتاب والكتب وما ثم مخبر جاء بخبر إلا الرسل، فتعين أن المؤمنين الذي أمروا بالإيمان أنهم الذين آمنوا بالباطل وآمنوا بالشريك عن شبه صرفتهم عن الدليل لأن الذين آمنوا بالباطل كفروا بالله والذين آمنوا بالشريك اشمأزت قلوبهم إذا ذكر الله وحده، فما أتاهم بهذا الخبر إلا أئمتهم المضلون الذين سبقوهم، وكان ذلك في زعمهم عن برهان أعني الأئمة لا عن قصور بل وفوا النظر حقه فما أعطاهم استعدادهم الذي آتاهم الله ما كلف الله نفساً إلا ما آتاها وما آتاها غير ما جاءت به فآمن بذلك أتباعهم وصدقوا في إيمانهم وما قصدوا إلا طريق النجاة ما قصدوا ما يرديهم. ولما رأوا أن الله يفعل ابتداء ويفعل بالآلة جعلوا الشريك كالوزير معيناً على ظهور بعض الأفعال الحاصلة في الوجود، فلما ذكر الله وحده رأوا أن هذا الذاكر لم يوف الأمر حقه لما علموا من توقف بعض الأفعال على وجود بعض الخلق، وما كان مشهودهم إلا الأفعال الإلهية الحاصلة في ٥٣ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي الوجود عن الأسباب المخلوقة، فلم يقبلوا توحيد الأفعال لأنهم ما شاهدوه ولو قبلوه أبطلوا حكمة الله فيما وضع من الأسباب علواً وسفلاً، فهذا الذي أذاهم إلى الاشمئزاز وعدم الإنصاف، فذمهم الله إيثاراً لجناب المؤمنين الذي لم يروا فاعلاً إلا الله، وأن القدرة الحادثة والأمور الموقوفة على الأسباب لا أثر لها في الفعل، فهذه الطائفة وحدها هي التي خص الله بهذا الخطاب. وأما الذين كفروا بالله فهم الذين ستروه بحجاب الشرك وآمنوا بالباطل والباطل عدم، وما رأوا من ينتفي عنه التشبيه والشرك إلا العدم، فإن الوجود صفة مشتركة، فإيمانهم بالباطل إيمان تنزيه، وكفرهم أي سترهم نسبة الوجود إلى الله لما وقع في ذلك من الاشتراك ولذلك قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] لأنهم خسروا في تجارتهم وجود ربح وإظهار تمام الأمر على ما هو عليه ﴿أَشْتَّرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] أي الحيرة بالبيان، فأخذوا الحيرة وعلموا أن الأمر عظيم وأن البيان تقيد وهو لا يتقيد فآثروا الحيرة على البيان، وأما أصحاب العقل السليم والنظر الصحيح والإيمان العام فهم الذين أثبتوا الحيرة في مقامها وموطنها فقال ◌َّ: ((زِدْنِي فِيكَ تَحَيُّراً)) وأثبتوا البيان في مقامه الذي لا يتمكن معرفة ذلك الأمر إلا بالبيان ولا يقبل الحيرة، فأعطوا كل ذي حق حقه ووضعوا الحكمة في موضعها فالكل مؤمنون فإن الله سماهم مؤمنين كما سماهم كافرين ومشركين وجعلهم على مراتب في إيمانهم ولهذا قال: ﴿لَِزْدَادُوَاْ إِيمَنًا فَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] فيما آمنوا به، كما زادهم مرضاً ورجساً إلى رجسهم فيما كفروا به فمنهم الصادق والأصدق، فينصر الله المؤمن الذي لم يدخله خلل في إيمانه على من دخله خلل في إيمانه فإن الله يخذله على قدر ما دخله من الخلل أي مؤمن كان من المؤمنين فالمؤمن الكامل الإيمان منصور أبداً، ولهذا ما انهزم نبي قط ولا وليّ، ألا ترى يوم حنين لما ادعت الصحابة رضي الله عنهم توحيد الله ثم رأوا كثرتهم فأعجبتهم كثرتهم فنسوا الله عنده ذلك فلم تغن عنهم كثرتهم شيئاً، كما لم تغن أولئك آلهتهم من الله شيئاً مع كون الصحابة مؤمنين بلا شك، ولكن دخلهم الخلل باعتمادهم على الكثرة ونسوا قول الله ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةٌ كَثِيرَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] فما أذن الله هنا إلا للغلبة فأوجدها فغلبتهم الفئة القليلة بها عن إذن الله: [الطويل] وكُلُّ بصيرٍ بالوجود يَرَاهُ فما ثَمَّ إِلا الله ليس سِوَاهُ وأما تأثير الصدق فمشهود في أشخاص ما لهم تلك المكانة من أسباب السعادة التي جاءت بها الشرائع ولكن لهم القدم الراسخ في الصدق فيقتلون بالهمة وهي الصدق، قيل لأبي يزيد: أرنا اسم الله الأعظم، فقال لهم: أرونا الأصغر حتى أريكم الأعظم أسماء الله كلها عظيمة، فما هو إلا الصدق اصدق وخذ أي اسم شئت فإنك تفعل به ما شئت، وبه أحيا أبو يزيد النملة، وأحيا ذو النون ابن المرأة الذي ابتلعه التمساح، فإن فهمت فقد فتحت لك باباً من أبواب سعادتك إن عملت عليه أسعدك الله حيث كنت ولن تخطىء أبداً، ومن هنا تكون في راحة مع الله إذا كانت الغلبة للكافرين على المسلمين، فتعلم أن إيمانهم تزلزل ودخله الخلل وأن الكافرين فيما آمنوا به من الباطل والمشركين لم يتخلخل إيمانهم ولا تزلزلوا فيه، ٥٤ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي فالنصر أخو الصدق حيث كان يتبعه، ولو كان خلاف هذا ما انهزم المسلمون قط كما أنه لم ينهزم نبي قط، وأنت تشاهد غلبة الكفار ونصرتهم في وقت وغلبة المسلمين ونصرتهم في وقت، والصادق من الفريقين لا ينهزم جملة واحدة بل لا يزال ثابتاً حتى يقتل أو ينصرف من غير هزيمة، وعلى هذه القدم وزراء المهدي، وهذا هو الذي يقررونه في نفوس أصحاب المهدي، ألا نراهم بالتكبير يفتحون مدينة الروم فيكبرون التكبيرة الأولى فيسقط ثلث سورها، ويكبرون الثانية فيسقط الثلث الثاني من السور، ويكبرون الثالثة فيسقط الثلث الثالث فيفتحونها من غير سيف، فهذا عين الصدق الذي ذكرنا وهم جماعة أعني وزراء المهدي دون العشرة. وإذا علم الإمام المهدي هذا عمل به فيكون أصدق أهل زمانه فوزراؤه الهداة وهو المهدي، فهذا القدر يحصل للمهدي من العلم بالله على أيدي وزرائه، وأما ختم الولاية المحمدية فهو أعلم الخلق بالله لا يكون في زمانه ولا بعد زمانه أعلم بالله وبمواقع الحكم منه فهو والقرآن أخوان، كما أن المهدي والسيف أخوان، وإنما شك رسول الله وَّل في مدة إقامته خليفة من خمس إلى تسع للشك الذي وقع في وزرائه لأنه لكل وزير معه سنة، فإن كانوا خمسة عاش خمسة، وإن كانوا سبعة عاش سبعة، وإن كانوا تسعة عاش تسعة، فإنه لكل عام أحوال مخصوصة، وعلم ما يصلح في ذلك العام خص به وزير من وزرائه فما هم أقل من خمسة ولا أكثر من تسعة ويقتلون كلهم إلا واحداً منهم في مرج عكاء في المائدة الإلهية التي جعلها الله مائدة لسباع الطير والهوام، وذلك الواحد الذي يبقى لا أدري هل يكون ممن استثنى الله في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] أو يموت في تلك النفخة. وأما الخضر الذي يقتله الدجال في زعمه لا في نفس الأمر وهو فتى ممتلىء شباباً هكذا يظهر له في عينه، وقد قيل إن الشاب الذي يقتله الدجال في زعمه أنه واحد من أصحاب الكهف وليس ذلك بصحيح عندنا من طريق الكشف، وظهور المهدي من أشراط قرب الساعة، ويكون فتح مدينة الروم وهي القسطنطينية العظمى والملحمة الكبرى التي هي المأدبة بمرج عكا وخروج الدجال في ستة أشهر، ويكون بين فتح القسطنطينية وخروج الدجال ثمانية عشر يوماً، ويكون خروجه من خراسان من أرض المشرق موضع الفتن تتبعه الأتراك واليهود يخرج إليه من أصبهان وحدها سبعون ألف مطيلسين في أتباعه كلهم من اليهود، وهو رجل كهل أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية مكتوب بين عينيه كاف فاء راء فلا أدري هل المراد بهذا الهجاء كفر من الأفعال أو أراد به كفر من الأسماء إلا أنه حذف الألف كما حذفتها العرب في خط المصحف في مواضع مثل ألف الرحمن بين الميم والنون، وكان ◌َله يستعيذ وأمرنا بالاستعاذة من فتنة المسيح الدجال ومن الفتن، فإن الفتن تعرض على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء نعوذ بالله من الفتن. حدثنا المكي أبو شجاع بن رستم الأصبهاني إمام مقام إبراهيم بالحرم المكي في آخرين كلهم قالوا: حدثنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم بن أبي سهل الكروخي قال: أخبرنا مشايخي الثلاثة: القاضي أبو عامر محمود بن القاسم الأزدي وأبو نصر عبد العزيز بن محمد ٥٥ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي الترياقي وأبو بكر محمد بن أبي حاتم الغورجي التاجر قال: أخبرنا محمد بن عبد الجبار الجراحي قال: أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي قال: أنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي قال: حدثنا علي بن حجر: أنا الوليد بن مسلم وعبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن يحيى بن خالد الطائي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر دخل حديث أحدهما في حديث الآخر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يحيى بن خالد الطائي عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه جبير بن نفير عن النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله ◌َّ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل قال: فانصرفنا من عند رسول الله وَّ ثم رحنا إليه فعرف ذلك فينا فقال: ((ما شأنُكُم؟)) فقلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل فقال: ((غير الدّجّال أخوف لي عليكم إن يخرجْ وأنا فيكم فأنا حَجِيجُه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امرىء حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قَططّ عينه طافية شبيه بعبد العزى بن قطن فمن رآه منكم فليقرأ فواتح سورة أصحاب الكهف)) قال: ((يخرجُ ما بين الشام والعراق فعاث يميناً وشمالاً يا عباد الله اثبتوا اثبتوا))، قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: ((أربعون يوماً يومٌ كَسَنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم))، قلنا: يا رسول الله أرأيت اليوم الذي كالسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: ((لا ولكن اقْدُرُوا له))، قلنا: يا رسول الله فما سرعته في الأرض؟ قال: ((كالغيث إذا اسْتَدبَرَتْهُ الريحُ فيأتي القوم فيدعوهم فيكذبونه ويردون عليه قوله فينصرف عنهم فتتبعه أموالهم فيصبحون ليس بأيديهم شيء ثم يأتي القوم فيدعوهم فيستجيبون له ويصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت فتروح عليهم سارحتهم كأطول ما كانت دراً وأمده خواصر وأدره ضروعاً))، قال: ((ثم يأتي الخربة فيقول لها أخرجي كنوزك وينصرف عنها فتتبعه كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً شاباً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين ثم يدعوه فيقبل يتهلل وجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ هبط عيسى ابن مريم بشرقي دمشق عند المنارة البيضاء بين مهرودتين واضعاً يديه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه انحدر منه جمان كاللؤلؤ)) قال: ((ولا يجد ريح نفسه یعني أحد إلا مات وریح نفسه منتهى بصره)) قال: ((فيطلبه حتى يدركه بباب لدّ فيقتله)) قال: ((ويلبث كذلك ما شاء الله)) قال: ((ثم يوحي الله إليه أن أحرز عبادي إلى الطور فإني قد أنزلت عباداً لي لا يد لأحد بقتالهم)) قال: ((ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم كما قال الله تعالى من كل حدب ينسلون)) قال: ((فيمرّ أولهم ببحيرة طبرية فيشربون ما فيها ثم يمرّ بها آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء ثم يسيرون إلى أن ينتهوا إلى جبل بيت المقدس فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض فهلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم محمراً دماً ويحاصر عيسى ابن مريم وأصحابه حتى يكون رأس الثور يومئذ خيراً لهم من مائة دينار لأحدكم اليوم)) قال: ((فيرغب عيسى ابن مريم إلى الله وأصحابه)) قال: ((فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى موتى كموت نفس واحدة قال: ويهبط عيسى ابن ٥٦ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي مريم وأصحابه فلا يجد موضع شبر إلا وقد ملأنه زهمتهم ونتنهم ودماؤهم قال: فيرغب عيسى إلى الله وأصحابه قال: فيرسل الله عليهم طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم بالمهبل ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين ويرسل الله عليهم مطراً لا يكن منه بيت ولا وبر ولا مدر)) قال: ((فيغسل الأرض ويتركها كالزلفة)) قال: ((ثم يقال للأرض أخرجي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك الله في الرسل حتى أن الفئام من الناس ليكتفون باللقحة من الإبل، وأن القبيلة ليكتفون باللقحة من البقر، وأن الفخذ ليكتفون باللقحة من الغنم، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً فقبضت روح كل مؤمن ويبقى سائر الناس يتهارجون كما يتهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة)) قال أبو عيسى : هذا حديث غريب حسن صحيح. ثم نرجع إلى ما بنينا عليه الباب من العلم بوزراء المهدي ومراتبهم: فاعلم أني على الشك من مدة إقامة هذا المهدي إماماً في هذه الدنيا فإني ما طلبت من الله تحقيق ذلك ولا تعيينه ولا تعيين حادث من حوادث الأكوان إلا أن يعلمني الله به ابتداء لا عن طلب، فإني أخاف أن يفوتني من معرفتي به تعالى حظ في الزمان الذي أطلب فيه منه تعالى معرفة كون وحادث، بل سلمت أمري إلى الله في ملكه يفعل فيه ما يشاء، فإني رأيت جماعة من أهل الله تعالى يطلبون الوقوف على علم الحوادث الكونية منه تعالى ولا سيما معرفة إمام الوقت، فأنفت من ذلك وخفت أن يسرقني الطبع بمعاشرتهم وهم على هذه الحال وما أردت منه تعالى إلا أن يرزقني الثبوت على قدم واحدة من المعرفة به وإن تقلبت في الأحوال فلا أبالي، ولما رأيته قد قدمني وأخرني ورأيت اختلاف عيني لاختلاف الحال فلم أر عيناً واحدة تثبت فما استقر لي أمر أثبت عليه كما كنت عليه في حال عدمي ورأيت أن حكم الوجود ومقام الشهود حكم على عيني بذلك طلبت الإقالة من وجودي فخاطبته نظماً وحكماً: [الوافر] ومن حُكْم التَّحَقُّق بالشُّهودِ لكَ العُثْبَى أَقِلْنِي من وُجُودي وقد أمسيت أطلب بالسجودِ لقد أصبحت قِبْلَةَ كل شيء عجبتُ لحالتي إذ قال كُوني أنا عينُ المسوّد والمَسُودِ فإمّا أن تُمَيِّزَني إماماً لقد لَعِبَتْ بنا أيدي الخفايا وإما أن أُمَيَّزَ في العَبيدِ خفايا الغيب في عَيْنِ الوُجودِ فلما سألت ذلك أبان لي عن جهلي وقال لي: أما ترضى أن تكون مثلي؟ ثم أقام لي اختلاف تجليه في الصور وما يدركه من ذاته البصر فقلت ما عليّ من اختلاف الأحوال على عين ثابتة لا تقبل التقييد فإني ما أنكرت اختلاف الأحوال فإن الحقائق تعطي ذلك، وإنما أقلقني اختلاف العين من وجودي لاختلاف الأحوال، فإني أعلم مع كونك كل يوم في شأن أنك العين الثابتة في الغنى عن العالمين فإني علمت: [مجزوء الكامل] نّعْتُ المهيمن بالخَبَرْ أنّ التَّحَوّلَ في الصُّوَز فيماتلاه من السُّوَزْ وبذاك أنْزَلَ وَخِيَهُ ٥٧ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي ولقد رأيتُ مثالَهُ بمُطَوَّلٍ وبمُخْتَصَرْ أردت بالمطول العالم كله، وبالمختصر الإنسان الكامل لما رأيت أن التقلب في كل ذلك لازم، ففي العالم تقلب الليل والنهار، وفي الإنسان الكامل الذي ساد العالم في الكمال وهو محمد مَّة سيد الناس يوم القيامة وهو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين، ولما جرى بنا القلم في حلبة العبارة الرقمية لأن التعريف قد يقع لفظاً وكتابة، وقد يقع في العموم عند الخواص بالنظر وقد وجدته، وقد يقع بالضرب وقد وجده رسول الله وَل بأمور كثيرة غير ما ذكرنا، وكل ذلك خطاب وتعريف فطريق علمنا الأخبار ولما كنت على هذه القدم التي جالست الحق عليها أن لا أضيع زماني في غير علمي به تعالى قيض الله واحداً من أهل الله تعالى وخاصته يقال له أحمد بن عقاب اختصه الله بالأهلية صغيراً فوقع منه ابتداء ذكر هؤلاء الوزراء فقال لي: هم تسعة، فقلت له: إن كانوا تسعة فإن مدة بقاء المهدي لا بد أن تكون تسع سنين فإني عليم بما يحتاج إليه وزيره، فإن كان واحداً اجتمع في ذلك الواحد جميع ما يحتاج إليه، وإن كانوا أكثر من واحد فما يكونون أكثر من تسعة فإنه إليها انتهى الشك من رسول الله وسلّ في قوله خمساً أو سبعاً أو تسعاً في إقامة المهدي وجميع ما يحتاج إليه مما يكون قيام وزرائه به تسعة أمور لا عاشر لها ولا تنقص عن ذلك وهي: نفوذ البصر، ومعرفة الخطاب الإلهي عند الإلقاء، وعلم الترجمة عن الله، وتعيين المراتب لولاة الأمر، والرحمة في الغضب، وما يحتاج إليه الملك من الأرزاق المحسوسة والمعقولة، وعلم تداخل الأمور بعضها على بعض، والمبالغة والاستقصاء في قضاء حوائج الناس، والوقوف على علم الغيب الذي يحتاج إليه في الكون في مدته خاصة، فهذه تسعة أمور لا بد أن تكون في وزير الإمام المهدي إن كان الوزير واحداً أو وزرائه إن كانوا أكثر من واحد. فأما نفوذ البصر فذلك ليكون دعاؤه إلى الله على بصيرة في المدعوّ إليه لا في المدعو فينظر في عين كل مدعوّ ممن يدعوه فيرى ما يمكن له الإجابة إلى دعوته فيدعوه من ذلك ولو بطريق الإلحاح وما يرى منه أنه لا يجيب دعوته من غير إلحاح لإقامة الحجة عليه خاصة، فإن المهدي حجة الله على أهل زمانه وهي درجة الأنبياء التي تقع فيها المشاركة قال الله تعالى: ﴿أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَأْ وَمَنِ ◌ُتَّبَعَنِّى﴾ [يوسف: ١٠٨] أخبر بذلك عن نبيه وَّلَرَ، فالمهدي ممن اتبعه وهو وَّوَ لا يخطىء في دعائه إلى الله فمتبعه لا يخطىء فإنه يقفو أثره، وكذا ورد الخبر في صفة المهدي أنه قال رَير: ((يَقْفُو أَثَرِي لا يُخْطِئُ)) وهذه هي العصمة في الدعاء إلى الله وينالها كثير من الأولياء بل كلهم، ومن حكم نفوذ البصر أن يدرك صاحبه الأرواح النورية والنارية عن غير إرادة من الأرواح ولا ظهور ولا تصوّر كابن عباس وعائشة رضي الله عنهما حين أدركا جبريل عليه السلام وهو يكلم رسول الله ◌ّ على غير علم من جبريل بذلك ولا إرادة منه للظهور لهم فأخبرا بذلك رسول الله وَّل# ولم يعلما أنه جبريل عليه السلام فقال لها بَّ: أو قد رأيتيه؟ وقال لابن عباس: أرأيته؟ قالا: نعم، قال: ذلك جبريل. وكذلك يدركون رجال الغيب في حال إرادتهم الاحتجاب وأن لا يظهروا للأبصار فيراهم صاحب هذا الحال، ومن نفوذ البصر ٥٨ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي أيضاً أنهم إذا تجسدت لهم المعاني يعرفونها في عين صورها فيعلمون أيّ معنى هو ذلك الذي تجسد من غير توقف . وصل: وأما معرفة الخطاب الإلهيّ عند الإلقاء فهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] فأمَّا الوحي من ذلك فهو ما يلقيه في قلوبهم على جهة الحديث فيحصل لهم من ذلك علم بأمر مَّا وهو الذي تضمنه ذلك الحديث، وإن لم يكن كذلك فليس بوحي ولا خطاب، فإن بعض القلوب يجد أصحابها علماً بأمر مّا من العلوم الضرورية عند الناس فذلك علم صحيح ليس عن خطاب، وكلامنا إنما هو في الخطاب الإلهي المسمى وحياً، فإن الله تعالى جعل مثل هذا الصنف من الوحي كلاماً، ومن الكلام يستفيد العلم بالذي جاء له ذلك الكلام، وبهذا يفرق إذا وجد ذلك. وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ مِن وَرَآبٍ حَادٍ﴾ فهو خطاب إلهي يلقيه على السمع لا على القلب فيدركه من ألقى عليه فيفهم منه ما قصد به من أسمعه ذلك وقد يحصل له ذلك في صور التجلي فتخاطبه تلك الصورة الإلهية وهي عين الحجاب فيفهم من ذلك الخطاب علم ما يدل عليه ويعلم أن ذلك حجاب وأن المتكلم من وراء ذلك الحجاب، وما كل من أدرك صورة التجلي الإلهي يعلم أن ذلك هو الله، فما يزيد صاحب هذه الحال على غيره إلا بأن يعرف أن تلك الصورة وإن كانت حجاباً فهي عين تجلي الحق له. وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ فهو ما ينزل به الملك أو ما يجيء به الرسول البشريّ إلينا إذا نقلا كلام الله خاصة مثل التالي قال تعالى : ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وقوله تعالى: ﴿وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اُلْطُورِ الْأَيَّمَنِ وَقَبْتَهُ نَّا﴾ [مريم: ٥٢] وقوله تعالى: ﴿نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨] فإن نقلا علماً وأفصحا عنه ووجداه في أنفسهما فذلك ليس بكلام إلهي وقد يكون الرسول والصورة معاً وذلك في نفس الكتابة، فالكتاب رسول وهو عين الحجاب على المتكلم فيفهمك ما جاء به ولكن لا يكون ذلك إذا كتب ما علم، وإنما يكون ذلك إذا كتب عن حديث يخاطبه به تلك الحروف التي يسطرها، ومتى لم يكن كذلك فما هو كلام، هذا هو الضابط، فاللقاء للرسل والإلقاء للخبر الإلهي بارتفاع الوسائط من كونه كلمه لا غير، والكتابة رقوم مسطرة حيث كانت لم تسطر إلا عن حديث ممن سطرها لا عن علم، فهذا كله من الخطاب الإلهي لصاحب هذا المقام. وأما علم الترجمة عن الله فذلك لكل من كلمه الله في الإلقاء والوحي فيكون المترجم خلاقاً لصور الحروف اللفظية أو المرقومة التي يوجدها ويكون روح تلك الصور كلام اللّه لا غير، فإن ترجم عن علم فما هو مترجم لا بد من ذلك، يقول الولي: حدثني قلبي عن ربي وقد يترجم المترجم عن ألسنة الأحوال وليس من هذا الباب بل ذلك من باب آخر يرجع إلى عين الفهم بالأحوال وهو معلوم عند علماء الرسوم وعلى ذلك يخرجون قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] يقولون يعني بلسان الحال وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] فجعلوا هذه الإباية والإشفاق حالاً لا حقيقة، وكذلك قوله عنهما: ﴿قَالَتَآ أَنَيْنَا ٥٩ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] قول حال لا قول خطاب، وهذا كله ليس بصحيح ولا مراد في هذه الآيات بل الأمر على ظاهره كما ورد هكذا يدركه أهل الكشف، فإذا ترجموا من الموجودات فإنما يترجمون عما تخاطبهم به لا عن أحوالهم إذ لو نطقوا لقالوا هذا، وأصحاب هذا القول انقسموا على قسمين: فبعضهم يقول إن كان هذا وأمثاله نطقا حقيقة وكلاماً فلا بد أن يخلق في هؤلاء الناطقين حياة وحينئذ يصح أن يكون حقيقة، وجائز أن يخلق الله فيهم حياة ولكن لا علم لنا بذلك أن الأمر وقع كما جوَّزناه أو هو لسان حال، فأما أصحاب ذاك القول فكذا وقع في نفس الأمر لأن كل ما سوى الله حيّ ناطق في نفس الأمر، فلا معنى للأحوال مع هذا عند أهل الكشف والوجود. وأما القسم الآخر وهم الحكماء فقالوا: إن هذا لسان حال ولا بدّ لأنه من المحال أن يحيا الجماد، وهذا قول محجوب بأكثف حجاب فما في العالم إلا مترجم إذا ترجم عن حديث إلهيّ فافهم ذلك. وأما تعيين المراتب لولاة الأمر فهو العلم بما تستحقه كل مرتبة من المصالح التي خلقت لها، فينظر صاحب هذا العلم في نفس الشخص الذي يريد أن يوليه ويرفع الميزان بينه وبين المرتبة، فإذا رأى الاعتدال في الوزن من غير ترجيح لكفة المرتبة ولاه وإن رجح الوالي فلا يضرّه وإن رجحت كفة المرتبة عليه لم يوله لأنه ينقص عن علم ما رجحه به فيجور بلا شك وهو أصل الجور في الولاة، ومن المحال عندنا أن يعلم ويعدل عن حكم علمه جملة واحدة وهو جائز عند علماء الرسوم وعندنا هذا الجائز ليس بواقع في الوجود وهي مسألة صعبة ولهذا يكون المهديُّ («يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)) يعني الأرض فإن العلم عندنا يقتضي العمل ولا بد وإلا فليس بعلم وإن ظهر بصورة علم والمراتب ثلاثة وهي التي ينفذ فيها حكم الحاكم وهي: الدماء والأعراض والأموال، فيعلم ما تطلبه كل مرتبة من الحكم الإلهيّ المشروع وينظر في الناس، فمن رأى أنه جمع ما تطلبه تلك المرتبة نظر في مزاج ذلك الجامع فإن رآه يتصرّف تحت حكم العلم علم أنه عاقل فولاه، وإن رآه يحكم على علمه وأن علمه معه مقهور تحت حكم شهوته وسلطان هواه لم يوله مع علمه بالحكم، قال بعض الملوك لبعض جلسائه من أهل الرأي والنظر الصحيح حين استشاره فقال له: من ترى أن أولي أمور الناس؟ فقال: ولّ على أمور الناس رجلاً عاقلاً فإن العاقل يستبرىء لنفسه، فإن كان عالماً حكم بما علم، وإن لم يكن عالماً بتلك الواقعة ما حكمها حكم عليه عقله أن يسأل من يدري الحكم الإلهيّ المشروع في تلك النازلة، فإذا عرفه حكم فيها فهذا فائدة العقل، فإن كثيراً ممن ينتمي إلى الدين والعلم الرسميّ تحكم شهوتهم عليهم، والعاقل ليس كذلك، فإن العقل يأبى إلا الفضائل فإنه يقيد صاحبه عن التصرّف فيما لا ينبغي ولهذا سمي عقلاً من العقال. وأما الرحمة في الغضب فلا يكون ذلك إلا في الحدود المشروعة والتعزير، وما عدا ذلك فغضب ليس فيه من الرحمة شيء ولذلك قال أبو يزيد: بطشي أشدّ لما سمع القارىء يقرأ: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] فإن الإنسان إذا غضب لنفسه فلا يتضمن ذلك الغضب رحمة بوجه، وإذا غضب لله فغضبه غضب الله وغضب الله لا يخلص عن رحمة إلهية تشوبه، فغضبه في الدنيا ما نصبه من الحدود والتعزيرات، وغضبه في ٦٠ في المنازل/ الباب السادس والستون وثلاثمائة في معرفة منزل وزراء المهدي الآخرة ما يقيم من الحدود على من يدخل النار، فهو وإن كان غضباً فهو تطهير لما شابه من الرحمة في الدنيا والآخرة، لأن الرحمة لما سبقت الغضب في الوجود عمت الكون كله ووسعت كل شيء، فلما جاء الغضب في الوجود وجد الرحمة قد سبقته ولا بد من وجوده، فكان مع الرحمة كالماء مع اللبن إذا شابه وخالطه، فلم يخلص الماء من اللبن، كذلك لم يخلص الغضب من الرحمة، فحكمت على الغضب لأنها صاحبة المحل، فينتهي غضب الله في المغضوب عليهم، ورحمة الله لا تنتهي، فهذا المهدي لا يغضب إلا لله فلا يتعدى في غضبه إقامة حدود الله التي شرعها بخلاف من يغضب لهواه ومخالفة غرضه، فمثل هذا الذي يغضب الله لا يمكن أن يكون إلا عادلاً ومقسطاً لا جائراً ولا قاسطاً، وعلامة من يدعي هذا المقام إذا غضب الله وكان حاكماً وأقام الحد على المغضوب عليه يزول عنه الغضب على ذلك الشخص عند الفراغ منه وربما قام إليه وعانقه وآنسه وقال له: أحمد الله الذي طهرك وأظهر له السرور والبشاشة به وربما أحسن إليه بعد ذلك هذا ميزانه ويرجع لذلك المحدود رحمة كله، وقد رأيت ذلك لبعض القضاة ببلاد المغرب قاضي مدينة سبتة يقال له أبو إبراهيم بن يغمور وكان يسمع معنا الحديث على شيخنا أبي الحسين بن الصائغ من ذرية أبي أيوب الأنصاري وعلى أبي الصبر أيوب الفهري وعلى أبي محمد بن عبد الله الحجري بسبتة في زمان قضائه بها وما كان يأتي إلى السماع راكباً قط بل يمشي بين الناس، فإذا لقيه رجلان قد تخاصما وتداعيا إليه وقف إليهما وأصلح بينهما، غزير الدمعة طويل الفكرة كثير الذكر، يصلح بين القبيلتين بنفسه فيصطلحان ببركته، والقاضي إن بقي معه الغضب على المحدود بعد أخذ حق الله منه فهو غضب نفس وطبع أو لأمر في نفسه لذلك المحدود ما هو غضب الله فلذلك لا يأجره الله فإنه ما قام في ذلك مراعاة لحق الله وهذا من قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] فابتلاهم أوّلاً بما كلفهم فإذا عملوا ابتلى أعمالهم هل عملوها لخطاب الحق أو عملوها لغير ذلك؟ وهو قوله عز وجل أيضاً: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السََّآيِرُ﴾ [الطارق: ٩] وهذا ميزانه عند أهل الكشف فلا يغفل الحاكم عند إقامة الحدود عن النظر في نفسه وليحذر من التشفي الذي يكون للنفوس، ولهذا نهي عن الحكم في حال غضبه، ولو لم يكن حاكماً في حق من ابتلي بإقامة حد عليه، فإن وجد لذلك تشفياً فيعلم أنه ما قام في ذلك الله وما عنده فيه خير من الله، وإذا فرح بإقامة الحد على المحدود إن لم يكن فرحه له لما سقط عنه ذلك الحد في الآخرة من المطالبة وإلا فهو معلول، وما عندي في مسائل الأحكام المشروعة بأصعب من الزنى خاصة ولو أقيم عليه الحد فإني أعلم أنه يبقى عليه بعد إقامة الحد مطالبات من مظالم العباد. واعلم أن غير الحاكم ما عين الله له إقامة الحد عليه فلا ينبغي أن يقوم به غضب عند تعدي الحدود، فليس ذلك إلا للحكام خاصة ولرسول الله وّخير من حيث ما هو حاكم، فلو كان مبلغاً لا حاكماً لم يقم به غضب على من رد دعوته فإنه ليس له من الأمر شيء وليس عليه هداهم فإن الله يقول في هذا للرسول وَلّ: ﴿إِنْ عَلَّكَ إِلَّا الْبَغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقد بلغ فأسمع الله من شاء وأصم من شاء فهم أعقل الناس أعني الأنبياء، وإذا كوشف الداعي على