النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
في المنازل / الباب الثاني والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سجود القلب والوجه والكل والجزء
على معرفة الحكمة التي أوجد الله لها العالم وأن اسمه الحق تعالى حق وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ
عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] أن معناه غنيّ عن وجوده لا عن ثبوته، فإن العالم في حال ثبوته
يقع به الاكتفاء والاستغناء عن وجوده لأنه وفى الألوهة حقها بإمكانه، ولولا طلب الممكنات
وافتقارها إلى ذوق الحالات وأرادت أن تذوق حال الوجود كما ذاقت حال العدم فسألت
بلسان ثبوتها واجب الوجود أن يوجد أعيانها ليكون العلم لها ذوقاً فأوجدها لها لا له، فهو
الغني عن وجودها وعن أن يكون وجودها دليلاً عليه وعلامة على ثبوته، بل عدمها في الدلالة
عليه كوجودها، فأي شيء رجح من عدم أو وجود حصل به المقصود من العلم بالله؟ فلهذا
علمنا أن غناه سبحانه عن العالم عين غناه عن وجود العالم، وهذه مسألة غريبة لاتصاف
الممكن بالعدم في الأزل، وكون الأزل لا يقبل الترجيح، وكيف قبله عدم الممكن مع أزليته،
وذلك أنه من حيث ما هو ممكن لنفسه استوى في حقه القبول للحكمين، فما يفرض له حال
عدم إلا ويفرض له حال وجود، فما كان له الحكم فيه في حال الفرض فهو مرجح، فالترجيح
ينسحب على الممكن أزلاً في حال عدمه وأنه منعوت بعدم مرجح، والترجيح من المرجح
الذي هو اسم الفاعل لا يكون إلا بقصد لذلك، والقصد حركة معنوية يظهر حكمها في كلّ
واحد بحسب ما تعطيه حقيقته، فإن كان محسوساً فرَّغ حيزاً وشغل حيزاً، وإن كان معقولاً
أزال معنى وأثبت معنى ونقل من حال إلى حال.
وفي هذا المنزل من العلوم علوم شتى منها الدعاء المقيد والدعاء المطلق وما ينبغي أن
يقال لكل مدعوّ ويعامل به. ومنها علم الحركات وأسبابها ونتائجها. ومنها علم منزلة من تكلم
فيما لا يعلم ويتخيل أنه يعلم هل ما تكلم به علم في نفس الأمر أم ليس بعلم؟ أم يستحيل أن
يكون إلاَّ علماً لكن لا يعلمه هذا المتكلم؟ وهل ظهر مثل هذا في العالم وهو خلق الله لتمييز
المراتب فيعلم به مرتبة الجهل من العلم والجاهل من العالم أو ما ثم إلا علم؟ ومنها علم تعيين
من جعل الله الحيرة في العالم على يديه وهل الحيرة تعطي سعادة على الإطلاق أو شقاوة أو فيها
تفصيل منها ما يعطي سعادة ومنها ما يعطي شقاوة؟ وهل المتحير فيه هل كونه متحيراً فيه اسم
مفعول لذاته أم يمكن أن لا يتحير فيه. وفيه علم سبب الاحتراق الذي يجده صاحب الحيرة في
باطنه في حال حيرته وهل إذا علم الحائر أن الذي تحير فيه لا يكون العلم به إلا عين التحير فيه
فيزول عنه ألم الاحتراق. ومنها علم نصب الأدلة كيف رتبها الله للعقلاء أصحاب النظر
والاستبصار. ومنها علم غريب وهو هل يمكن أن يمر على القابل للعلوم زمان لا يستفيد فيه
علماً أم لا؟ ومنها علم الرتبة الإلهية هل تحجب عن الله أو تدل على الله؟ وصفة من تحجبه
وصفة من تكون له دلالة على خالقه. ومنها علم كون الله ما أوجد واحداً قط ولا يصح وإنما
أوجد اثنين فصاعداً معاً من غير تقدُّم في الوجود ولا تأخر. ومنها علم كون الحق لا تثبت له
أحدية إلا في ألوهيته وأما في وجوده فلا بد من معقولين فصاعداً، فاجعل ذلك ما شئت إما نسباً
أو صفات بعد أن لا تعقل أحدية. ومنها علم تعلق الأسماء الإلهية بالكائنات، ومنها علم سعي
الآخرة إلى أن تجيء ومن أين جاءت وما هذه الحركة المنسوبة إليها؟ ومنها علم معقول الدنيا

٢٢ في المنازل/ الباب الثاني والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سجود القلب والوجه والكل والجزء
والآخرة ما هو؟ ومنها علم جهل من أعرض عن الله ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ١١٥]
فكيف يشقى من أقبل على وجه الله وإن لم يقصد الإقبال على وجه الله وهو في نفس الأمر مقبل
على وجه الله معرض عن وجه الله، ومتى ينطلق على الإنسان الإقبال على الله بكل وجه وذلك
إذا كان الإنسان وجهاً كله وعيناً كله لم يصح في حق من هذه صفته إعراض عن الله. ومنها علم
غريب وهو أنه لا يرجع إلى الإنسان إلا ما خرج منه للأصل الذي يعضده وهو قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ
اٌلْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] ومنه بدا الأمر كله وإليه يعود، وهذا معنى قوله وَّ: «إنَّمَا هِيَ
أَعْمَالُكُمْ تُرَدُ عَلَيْكُمْ)) فاجهد أن لا يخرج عنك إلا ما تحمد رجوعه إليك. ومنها علم من يكون
مع الله على آخر قدم ما يصنع ولا يكون ذلك إلا في حضرة التكليف إذ لا أجر إلا فيه فابحث
على علم هذا. ومنها علم الربح والخسران وما يقع فيه الربح والخسران وهل ثم موطن للإنسان
يكون فيه لا يكون دنيا ولا آخرة؟ وأعني بالآخرة الدار الآخرة التي جاءت الشرائع بها عن الله .
ومنها علم ما انقسم بالحال في الدنيا انقسم بالدار في الأخرى ففي الآخرة منزلان: جنة وجهنم،
وفي الدنيا منزلتان: عذاب ونعيم، أو ألم ولذة، فإذا كان الإنسان في حال يقال فيه أنه لا صفة له
كدعوى أبي يزيد فهل صاحب هذه الدعوى هو الذي له الموطن الذي ليس بدنيا ولا آخرة.
ومنها علم ما يؤول إليه حال من ترك الأخذ بالأهم فالأهم. وفيه علم الأمور العوارض ما لها من
الأثر في العالم. ومنها علم خزائن الأرزاق وقول بعض الصالحين وقد شكى إليه شخص كثرة
العائلة فقال له: ادخل إلى بيتك وانظر كل من ليس له رزق على الله فأخرجه فقال له: كلهم
رزقهم على الله، فقال له: فما تضرك كثرتهم أو قلتهم. ومنها علم الفصل بالشهود والكشف
بالحكم، وفيه علم الفرق بين الإرادة والمشيئة والهمة والعزم والقصد والنية. وفيه علم ما للنائب
من صفات من استنابه هل يقوم بها كلها أو ما يطلبه من استنيب فيه؟ ومنها علم مراتب القول
وبماذا ينسب السوء إليه من الحسن من الطيب. ومنها علم بيان الطرق الموصلة إلى الثناء على
الله بطريق التنزيه والإثبات. ومنها علم ما يقع به التساوي بين الأشقياء والسعداء في الدنيا.
ومنها علم الميل إلى الأكوان والميل إلى جانب الحق وما يحمد من ذلك وما يذم. ومنها علم
إقامة نشأة ما نسب الحق إلى نفسه مما لا يقوم إلا على أيدي عباده. ومنها علم الكور والحور
واللازم والقائم والخاضع والنازل. ومنها علم الأعلام بتكرار القصد إلى الحق في الأمور التي
دعا الحق عباده إليها من العبادات. ومنها علم السبل القريبة والبعيدة والسالكين فيها واحتساب
الآثار إذا كان السلوك فيها وعليها مشروعاً وغير مشروع لكن يقتضيه العقل السليم والنظر
الصحيح وتعيين القرب الإلهية في ذلك من غير توقيف وما يصح من ذلك وما لا يصح. ومنها
علم الحمد لله على آلائه القريبة المناسبة من الإنسان. ومنها علم ما لكل موجود من المنافع في
العالم. ومنها علم الموانع في العالم وما منعت عقلاً وشرعاً. ومنها علم ظهور المعدوم في
صورة الموجود وتميزه في الوجود من الوجود الحقيقي. ومنها علم النحل والملل. ومنها علم
ما لا ينتفع به إلا بعد إزالة ما ينتفع به منه. ومنها علم أحوال السائلين وما يليق بكل سائل من
الجواب. ومنها علم ما يقبل الحق من أعمال عباده مما لا يقبل مع كونه ليس بمحرم ولا

٢٣
في المنازل/ الباب الثالث والستون وثلاثمائة في معرفة منزل إحالة العارف ما لم يعرفه ...
مذموم. ومنها علم الفرق بين العظمة الإلهية والكبرياء. ومنها علم الإحسان ومعرفة ماهيته .
ومنها علم صفة من ينوب الحق عنه في صرف ما يسوء مع وجود ما يسوءه. ومنها علم
المعارضة بالمثل. ومنها علم عواقب الأسماء الحسنى. ومنها علم العمارة والخراب وحكمهما
في الدنيا والآخرة. ومنها علم الرجوع عن الحق ما يؤثر في الراجع. ومنها علم تقدير الواحد
بالكثير كما قال بعضهم : [السريع]
أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدٍ
وما على الله بمُسْتَنْكَرٍ
ومنها علم تقدير التخالج في الحديث وما يرفع من ذلك وما لا يرفع. ومنها علم عرض
الفتن على القلوب وحكم من أنس بها من غيره. ومنها علم السبب المبقي للشاك على شكه
مع التمكن من النظر المخرج عن الشك فلم يفعل. ومنها علم الفرق بين الإيمان والعلم وما
بين العالم والمؤمن من المراتب. ومنها علم تتبع الحق مراضي عباده الذين تتبعوا مراضيه
جزاء وفاقاً. ومنها علم تأخير البيان مع التمكن من استعجال إيضاحه لأمر يراه العالم مع
الحاجة إليه. ومنها علم صفة من يطلبه العفو الإلهي. ومنها علم ما ينبغي أن يكشف من
العلوم وما ينبغي أن يستر منها. ومنها علم تداخل عالم الغيب في الشهادة وعالم الشهادة في
الغيب. ومنها علم الاستدراج والمكر. ومنها علم كل علم غايته العمل فلم تظهر غايته ما
العلة في ذلك. ومنها علم كون السماء كالخيمة لا كالكرة المجوفة وأن هيئة السموات على
خلاف ما ذكره أصحاب علم الهيئة ولماذا يرجع سير الكواكب هل لأنفسها أو لفلك دائر بها؟
وفيه علم ما لا ينبغي فيه تنازع لوجود الإمكان العقلي فيه. ومنها علم ما يؤثر العلم به في
نفس العالم به. ومنها علم استحالة خلق العالم أعيان الجواهر. ومنها علم المصطفى المختار
من كل نوع من العالم ومن كل جنس. ومنها علم الآباء والأبناء في المعاني وغير المعاني.
ومنها علم التعلق بالأسباب وترك التعلق بها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى
السفر الرابع والعشرون .
[السفر الخامس والعشرون]
بِسْمِ الهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
الباب الثالث والستون وثلاثمائة
في معرفة منزل إحالة العارف ما لم يعرفه على من هو دونه
ليعلمه ما ليس في وسعه أن يعلمه وتنزيه الباري عن الطرب والفرح
[نظم مخلع البسيط]
جاء به ناطقُ الكِتَّابِ
وَضْعُ الموازين للحِسَابِ
ولا مِدَادٍ ولا اكْتِسَابِ
كِتَابِ ذاتٍ بلا يَرَاعِ
ولا ذهابٍ ولا إيابِ
ولا صِفَاتٍ ولا نُعُوتٍ

٢٤
في المنازل/ الباب الثالث والستون وثلاثمائة في معرفة منزل إحالة العارف ما لم يعرفه ...
قابَلَهُ قَابِلُ المَتَابِ
فإنْ يَتُبْ للذي اعْتَراهُ
وفي جِفَانٍ مِثْل الجَوَابي
طَالَبَهُ الشُّكْرِ فِي قُدُورٍ
هذا منزل التوحيد العقلي أعني توحيد الأفعال أي لا فاعل إلا الله وهو منزل شريف.
فاعلم أن العالم لم يزل في حال عدمه مشاهد الواجب الوجود لأنه لم يزل في عدم مرجح
وهو ثابت العين، وقد وصفه الحق في حال عدمه بالسمع والطاعة له، فلم يستحل عليه إضافة
المشاهدة، ولهذا لم ينكره أحد من الممكنات في حال وجوده، إلا أن هذا الموجود الإنساني
وحده من بين العالم أشرك بعضه به ممن غلب عليه حجاب الطبع وهو ما اعتاد أن يسمع
ويطيع ويعبد بالأصالة إلا لرب يشهده، وقد صير ذلك المعبود حجاب الطبع غيباً له فاتَّخذَ ما
اتخذ من الموجودات التي يشهدها ويراها إما من العالم السماوي كالكواكب، وإما من العالم
الأسفل كالعناصر، أو ما تولد عنها رباً يعبده على المشاهدة التي اعتادها وسكنت نفسه بها إليه
ويوهم في نظره أن ذلك المتخذ إلهاً يشهد الحق وأنه أقرب إليه منه فعبد نفسه له خدمة ليقربه
إلى الله عز وجل كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ يعني الآلهة الذين اتخذوها
للعبادة ﴿إِلَّاّ لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فأكدوه بـ ((زلفى)) وكان هذا عن نظر واجتهاد، ثم
رأوا أصحاب الشرائع المنزلة الإلهية قد قيدوا الناس بالسجود ووضع الوجوه على الأرض
والركوع والاستقبال على طريق القربة إلى الله في جهة معينة وتقبيل حجر قالوا لنا إنه يمين الله
وجاؤوا بتعظيم شعائر وأعلام محدثات أضافوها إلى الله وجعلوا تعظيمنا إياها أي لتلك
الشعائر والمناسك من تقوى القلوب، وقرنوا بذلك التعظيم إذا ظهر منا سعادتنا فزادهم ذلك
اعتماداً على ما قرّروه ونصبوه من الآلهة والشرائع ولم يفرقوا بين ما هو وضع لله في خلقه
وبين ما وضعوه لأنفسهم من أنفسهم، وكلامنا إنما هو مع الأئمة أصحاب النظر الأوَّل الذين
وضعوا هذه الأمور معبودة لهم على طريق القربة إلى الله عز وجل، ثم إنهم مما اغتروا به ما
رأوه وسمعوه في الشرائع الإلهية من سعادة المجتهد على الإطلاق سواء أخطأ أو أصاب
فالأجر له محقق بعد استيفاء النظر في حقه والاجتهاد في زعمه على قدر ما أعطاه الله في نفسه
من الاستعداد، فتخيلوا فيما ليس ببرهان أنه برهان على ما طلبوه، فما اتخذوه إلهاً إلا عن
برهان في زعمهم وهو قوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ،﴾ [المؤمنون: ١١٧]
يعني في زعمه، فدل على أنه من قام له برهان في نظره أنه غير مؤاخذ وإن أخطأ فما كان
الخطأ له مقصوداً وإنما كان قصده إصابة الحق على ما هو عليه الأمر، وأصل هذا كله أن لا
يعبد غيباً لأنه بالأصالة ما تعوّده، ولهذا جاء جبريل عليه السلام ليعلم النبي وَله وأصحابه ما
هو الأمر عليه في صورة أعرابي فقال النبي وَّر: ((أَتَذْرُونَ مَنْ هَذَا؟)) أَوْ قَالَ: ((رُدُّوا عَلَيَّ
الرَّجُلَ)) فَالْتُمِسَ فَلَمْ يَجِدُوه فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ لأصحابه لما أدبر: «هذا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلَّمَ النَّاسَ
دِينَهُمْ)) وكان فيما سأله أن قال له: ما الإحسان؟ فقال له النبي ◌ََّ في الجواب: ((أَنْ تَعْبُدَ الله
كَأَنَّكَ تَرَاهُ)» لما علم أن العبادة على الغيب تصعب على النفوس ثم تمم وقال: ((فَإِنْ لَمْ تَكُنْ
تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ)) أي أحضر في نفسك أنه يراك وهو نوع آخر من الشهود من خلف حجاب تعلم

٢٥
في المنازل / الباب الثالث والستون وثلاثمائة في معرفة منزل إحالة العارف ما لم يعرفه ...
أن معبودك يراك من حيث لا تراه ويسمعك، فما أتانا الشرع في هذا كله إلا بما كان فيه لهؤلاء
اغترار وإليه استناد، ولذلك قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]
وقال: ﴿يُضِلُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [النحل: ٩٣] وهو الذي يرزق الإصابة في النظر
والذي يرزق الخطأ. فخرج من مضمون هذا كله أن العبادة لا تتعلق من العابد إلا بمشهود أو
كالمشهود لا سبيل إلى الغيب وهذا من رحمة الله الخفية وألطافه، وما خرج عمن ذكرناه إلا
المقلدة فبهم ألحق الشقاء فجعل لهم الحق في الشرع المنزل مستنداً من رحمته فيهم يستندون
إليه فيه فقال: ﴿فَسَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وأهل الذكر هم أهل القرآن
فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] وهو القرآن وهم أهل الاجتهاد ومنهم
المصيب والمخطىء فإذا سأل المقلد من أخطأ من أهل الاجتهاد في نفس الأمر وعمل بما
أفتاه فإنه مأجور لأنه مأمور بالسؤال فاستند مقلدو النظار الذين أخطؤوا في نظرهم في الأصول
مع توفية ما أدّاهُم إليه استعدادهم فيما أفتوهم به من اتخاذهم الآلهة دون الله، وإن لم ينظروا
فإن الله ما كلف نفساً إلا وسعها وهو ما جعل فيها فعمت رحمته الأئمة والمأمومين، فما في
العالم إلا موحد أي مستند إلى واحد، وقد علمت من هذا المساق ما الشرك وما صفة
المشرك وقد أعذرهم الله من وجه فقال لهم: ﴿لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَهِّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَميعًا﴾ [الزمر: ٥٣] هذا إذا قصد العبد فعل الذنب معتقداً أنه ذنب، فكيف حال من لم يتعمد
إتيان الذنب واتخذ ذلك قربة لشبهة قامت له فهو أحق بالمغفرة، وأما مؤاخذته أهل الشرك
على القطع بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] فهو ظاهر لقرينة الحال، وأما
من طريق اللسان فهو الواقع فإن الله ما ستر الشرك على أهل الشرك بل ظهروا به فهو إخبار بما
وقع في الوجود من ظهور الشرك وستر ما دون ذلك لمن يشاء أن يستر، فإن ثم أموراً لم تظهر
العين ولا لعقل كما جاء في وصف الجنة: ((فيها ما لا عَيْنٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَرَ على
قَلْبٍ بَشَر)) ولكن قرائن الأحوال تدل على القطع بمؤاخذة المشركين. ثم لم يذكر سبحانه ما
هو الأمر عليه فيهم بعد المؤاخذة التي هي إقامة الحدّ عليهم في الآخرة يوم الدين الذي هو
الجزاء فيدخلون النار مع بعضهم آلهتهم ليتحققوا مشاهدة أن تلك الآلهة لا تغني عنهم من الله
شيئاً لكونهم اتخذوها عن نظرهم لا عن وضع إلهيّ، فانظر يا وليّ في عدل الله وفضله فله
الحمد على كل حال وهذا حمد نبوي صحيح، فإن الثناء على كل حال من مشرك وغير
مشرك، فإن المشرك كما قلنا ما جعل العظمة والكبرياء إلا لله وجعل الآلهة كالسدنة
والحجاب فما عبدوهم إلا من أجله، وإن أخطؤوا فيهم ما أخطؤوا إلا في الأحدية فهم أيضاً
من الحامدين لله، إذ كانوا أهل ثناء على الله بتوحيد عظمته وإيثاره على هؤلاء الحجبة، فاجعل
بالك لرحمة الله السابغة الواسعة التي بسطها الله على خلقه ترشد للحق إن شاء الله. وأما
اختلاف العقائد في الله في أصحاب الشرائع الإلهية وغيرهم فإن العالم لو آخذهم الله تعالى
بالخطأ لآخذ كل صاحب عقيدة فيه فإنه قد قيد ربه بعقله ونظره وحصره ولا ينبغي لله إلا
الإطلاق فإن ﴿بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [يسّ: ٨٣] فهو يقيد ولا يتقيد ولكن عفا الله عن

٢٦
في المنازل/ الباب الثالث والستون وثلاثمائة في معرفة منزل إحالة العارف ما لم يعرفه ...
الجميع، فمن أراد إصابة الحق وأن يوفيه حقه وفقه لعلمه بسعته واتساعه، وأنه عند اعتقاد
المعتقد فإنه ربط اعتقاده به ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٧] فصاحب هذا العلم يرى الحق
دائماً وفي كل صورة فلا ينكره إذا أنكره من قيده، ومع هذا فالله قد عفا عمن قيده بتنزيه أو
تشبيه من أئمة الدين. ثم انظر في شهادة الله عز وجل عند نبيه وَّ في حق المشركين: ﴿ وَلَيْن
سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فهو تنبيه عجيب ولما قيل لهم:
﴿أَسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠] وما رأوا له عيناً ولا يعلمونه إلا مسمى الله ولم يعلموا أنه عين
مسمى الرحمن فتخيلوا في الرحمن أنه شريك لله فأنكروا ذلك ولم ينكروا ذلك فيمن نصبوه
إلهاً على ما قَرَّرْناهُ لأنهم عالمون بأسماء من نصبوهم آلهة من دون الله فعلموا بأسمائهم أنهم
ليسوا في الحقيقة في الألوهة مثله، فإن له تعالى عندهم توحيد العظمة والكبرياء. ودلهم
بالسجود للرحمن على عبادة غيب فقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾
[الفرقان: ٦٠] لأنهم ما علموا في الغيب إلا إلهاً واحداً فقال الله لنبيه وَّهِ ﴿آدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ
الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] فتعجبوا من ذلك غاية العجب لأنهم
تخيلوا أن مسمى الرحمن ليس هو مسمى الله وإن كان لكل واحد الأسماء الحسنى، وذلك لما
أعمى الله بصائرهم وكثف أغطيتهم فلم يعقلوا عن الله ما أراد بما أنزله في حقهم، وجعل
الحق ذلك أيضاً مستنداً لهم حيث جاء إليهم باسم يطلب مسمى لا يعرفون هذه العلامة له
حين علم ذلك أهل الله وخاصته: [البسيط]
حَقائق كلها في الذّات تَشْتَرِكُ
فالله والرَّبُّ والرَّحْمُنُ والمَلِكُ
لذا بَدَا الجسمُ والأرواحُ والفَلَكُ
فالعَيْنُ واحدةٌ والحُكُمُ مشتركٌ
وكلّها أدواتٌ بين خالقنا
جاءت بها رُسُلُ الرحمن قاطبةً
وبيننا ولهذا يضمن الدَّرَكُ
مع الكتاب الذي قد سَاقَهُ المَلَكُ
واعلم أن العلم بالله له طريقان: طريق يستقل العقل بإدراكه قبل ثبوت الشرع وهو يتعلق
بأحديته في ألوهته وأنه لا شريك له وما يجب أن يكون عليه الإله الواجب الوجود وليس له
تعرّض إلى العلم بذاته تعالى، ومن تعرض بعقله إلى معرفة ذات الله فقد تعرَّض لأمر يعجز
عنه ويسيء الأدب فيه وعرَّض نفسِه لخطر عظيم، وهذا الطريق هو الذي قال فيه الخليل
إبراهيم عليه السلام لقومه: ﴿أَقِّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧]
فنبههم على أن العلم بالله من كونه إلهاً واحداً في ألوهته من مدركات العقول، فما أحالهم إلا
على أمر يصح منه أن ينظر فيعلم بنظره ما هو الأمر عليه، والطريق الآخر طريق الشرع بعد
ثبوته، فأتى بما أتى به العقل من جهة دليله وهو إثبات أحدية خالقه وما يجب له عز وجل،
والمسلك الآخر من العلم بالله العلم بما هو عليه في ذاته، فوصفه بعد أن حكم العقل بدليله
بعصمته فيما ينقله عن ربه من الخبر عنه سبحانه مع ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأن
لا يضرب له مثل بل هو الذي يضرب الأمثال لأنه يعلم ونحن لا نعلم فنسب إليه تعالى أموراً
لا يتمكن للعقل من حيث دليله أن ينسبها إليه ولا يتمكن له ردّها على من قام الدليل العقليّ

٢٧
في المنازل/ الباب الثالث والستون وثلاثمائة في معرفة منزل إحالة العارف ما لم يعرفه ...
عنده على عصمته فأورثه ذلك حيرة بين الطريقين، وكلا الطريقين صحيحان لا يقدر على
الطعن على أحدهما، فمن العقلاء من تأول تأويل تنزيه وتأييد وعضد تأويله بليس كمثله شيء
وبقوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ [الأنعام: ٩١] ومن العقلاء من سلم علم ذلك إلى من جاء به
أو إلى الله، ومن العقلاء من أهل اللسان من شبه وعذر الله كل طائفة وما طلب من عباده في
حقه إلا أن يعلموا أنه إله واحد لا شريك له في ألوهته لا غير، وأن له الأسماء الحسنى بما
هي عليه من المعاني في اللسان وقرن النجاة والسعادة بمن وقف عندما جاء من عنده عز وجل
في كتبه وعلى ألسنة رسله عليهم السلام: [السريع]
إذا أبَانَ الحَقُّ عن نَفْسِهِ
بنفسه في كُتْبِهِ فَاعْتَقِذْ
وذلك العلم به فاغتَقِذْ
فما علينا من جُناحٍ به
به الذي يَنْفي وُجُودَ العَدَدْ
فإنّ حَظَّ العقل من علّمه
وأنه الله الذي لم يَلِذ
وأنّه في شأنه واحدٌ
بعقله عن فِكْرِه لا تَزِدْ
كذاك لم يُولَدْ ولمن رَامَهُ
وبرهان ذلك يا وليّ اختلاف المقالات فيه من العقلاء النظار، واتفاق المقالات فيه من كل
من جاء من عنده من رسول ونبيّ وولي وكل مخبر عن الله، ولو وقف العاقل من المؤمنين على
معنى قوله في كتابه: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] وعلم أن ما أنتجه العقل من فكره بتركيب
مقدمتيه أن تلك النتيجة للعقل عليها ولادة وأنها مولودة عنه وهو قد نفى أن يولد فأين الإيمان
وليس المولود إلا عينه؟ بخلاف ما إذا أنتج العقل نسبة الأحدية له، فما معقولية الأحدية للواحد
عين من نسبت إليه الأحدية، فللعقل على الأحدية ولادة، وعلى الاستناد إليه ولادة، وعلى كل
لا يكون له على عينه ولادة، فأما هويته وحقيقته فما لعقل عليها ولادة وقد نفى ذلك بقوله:
﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ ومن هنا تعرف أن كل عاقل له في ذات الله مقالة إنما عبد ما ولده عقله، فإن كان
مؤمناً كان طعنا في إيمانه، وإن لم يكن مؤمناً فيكفيه أنه ليس بمؤمن، ولا سيما بعد بعثة
محمد ريه العامة وبلوغها إلى جميع الآفاق، وأن لله عباداً عملوا على إيمانهم وصدقوا الله في
أحوالهم ففتح الله أعين بصائرهم وتجلى لهم في سرائرهم فعرفوه على الشهود وكانوا في
معرفتهم تلك على بصيرة وبينة بشاهد منهم وهو الرسول المبعوث إليهم، فإن الله جعل الرسل
شهداء على أممهم ولأممهم، فمع كون هذا المؤمن على بينة من ربه حين تجلى له تلاه في تلك
الحال شاهد منه وهو الرسول فأقامه له في الشهود مرآة فقال له هذا الذي جئتك من عنده فلما
أبصره ما أنكره بعد ذلك مع اختلاف صور التجلي، فربما كنى عنه من هذه حالته من المؤمنين
بما وصف نفسه في كتبه أو على ألسنة رسله أو وصفته به رسله، فآمن العاقل المؤمن بذلك من
كتاب الله وقول الرسول وكفر بذلك من قول صاحب هذه الحالة من المؤمنين المتبعين، وأما غير
المؤمنين فهم الذين يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس وهم الورثة
الذين دعوا إلى الله على بصيرة كما دعوا الرسل قال تعالى عنه وَلّهِ: ﴿أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا
وَمَنِ أُتَّبَعَنِى﴾ [يوسف: ١٠٨] ومعنى البصيرة هنا ما ذكرناه أي على الكشف مثل كشف الرسل

٢٨
في المنازل/ الباب الثالث والستون وثلاثمائة في معرفة منزل إحالة العارف ما لم يعرفه .. .
فكيف آمن بهذا المؤمن من الرسول وكفر به بعينه من التابع رسول الله وَّر أخيه المؤمن إذا جاءه
به فلا أقل من أن يأخذه منه حاكياً، وما رأينا ولا سمعنا عن صاحب كشف إلهيّ من المؤمنين
خالف كشفه ما جاءت به الرسل جملة واحدة ولا تجده، فقد علمت الفرق بين العقلاء في معرفة
عينه وبين الرسل والأولياء وما جاءت به الكتب المنزلة في ذلك، فالمؤمن عند ما أعطاه سبيله،
والعاقل عند ما أعطاه دليله: [السريع]
سبحانه جَلَّ على نَفْسِهِ
وأين حُكْمُ العقل من حُكْمِه
إلا به إذْ ليس من جِنْسِهِ
هيهات لا يعرفه غيرُه
بفكره القاصِرِ في حَبْسِهِ
في خَلَدِي فهو على قُدْسِهِ
والعقلُ قد أدخل معبودَهُ
وقال هذا ولدي صُنْتُهُ
كلام حالٍ فإذا حَوْقَلُوا
فخالقي المخلوقُ لي فاغْتَبِرْ
قالوا تعالى الله في نَفْسِهِ
في فرعه الأعلى وفي أسِّهِ
فعليك بعبادة الله التي جاء بها الشرع وورد بها السمع، ولا تكفر بما أعطاك دليلك المؤدّي
إلى تصديقه، وقصارى الأمر أن تسلم له ولأمثاله مقالته في ربه لثبوت صدقه وثبوت المؤمن
على اتباعه، فإذا أنصفت في الأمر وعلمت ما نطقت به الرسل عليهم السلام في حق الله جوَّزْت
أن تهب من تلك المعرفة نفحة في قلوب المتبعين من المؤمنين تؤدّيهم إلى الموافقة في النطق
وأنه حيث كان لسان الحق فتسلمه في الفرع كما سلمته في الأصل بجامع الموافقة، وإياك
والكفران فإنه غاية الحرمان فتكون من ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِيلِ وَكَفَرُواْ بِلَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْخَسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] فاعبد ربك المنعوت في الشرع حتى يأتيك اليقين فينكشف الغطاء
ويحتد البصر فترى ما رأى وتسمع ما سمع فتلحق به في درجته من غير نبوّة تشريع بل وراثة
محققة لنفس مصدقة متبعة، وهذا باب يتسع المجال فيه لاتساع الأفعال، فإن توحيد الأفعال
يتسع باتساعها، فإن نسب الأفعال لا تنتهي بل هي في مزيد ما دام الفعل يظهر من الفاعل، ومنها
طلب المزيد في قوله تعالى: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فإن له في كل فعل تجلياً خاصاً لا
يكون إلا لعين ذلك الفعل، ولهذا يتميز كل فعل عن غيره بما يخصه من التجلي : [السريع]
لا تَرْعَوي فيه ولا تَأْتَلِي
قد قُلْتُ في الحَقِّ الذي قُلْتُهُ
فإنه الحَقُّ الذي جاءني
من عنده وهو العليم الولي
مُؤَيِّدٌ بِكَشْفه كيف لي
فكيف لي بردّه وهو لي
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فأتى بكاف الصفة في نفي المماثلة
عن المثل المفروض، ولها عموم النفي حتى تقترن بها حال مخصصة إذ قصارى الناظر في
ذلك التوقف حتى يرى ما تعطيه قرائن الأحوال فيها، وهذه آية صاحب الدليل العقلي، لكنه
جاء هذا النفي والإثبات للمثلية باللسان العربي والمماثلة في اللسان على غير المماثلة التي
اصطلح على إطلاقها العقلاء، فيحتاج العاقل أن يتكلف دليلاً على أن الحق أراد المماثلة
العقلية، ولا دليل يطلب من صاحب اللسان فيها فإنه بلسانه نزلت وعلى اصطلاحه، ومثل هذا

٢٩
في المنازل/ الباب الثالث والستون وثلاثمائة في معرفة منزل إحالة العارف ما لم يعرفه ...
لا يدرك بالقياس ولا بالنظر، فإنه يرجع إلى قصد المتكلم ولا يعرف ما في نفس المتكلم إلا
بإفصاحه عما في نفسه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ،﴾ [إبراهيم: ٤]
والعربي لا يعرف المماثلة العقلية ولا ينكرها إذا سمعها، وكل لفظ ورد في وصف الله تعالى
معرّى عن لفظة المثل وحرف كاف الصفة فقد تعرَّى عن أدوات التشبيه ولحق بالألفاظ
المشتركة. واعلم أن كاف الصفة لا فرق بينها وبين لفظة المثل وإن كان لهذا الحرف مواطن
من جملتها موطن الصفة، فإذا وردت في موطن الصفة في اللسان وهو أن تقول زيد كعمرو
فإن العرب لا تريد إلا الإفادة، فمن المحال أن تجيء بمثل هذا وتريد به أنه يماثله في
الإنسانية وهي المماثلة العقلية، وإنما تريد أنه كعمرو في الكرم مثلاً أو في الشجاعة أو في
الفصاحة أو في العلم أو في الحسن وما أشبه ذلك مما دل عليه الحال بقرينته عند السامع لتقع
له الفائدة، فإذا قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلا بد أن يقول فيماذا أو يدل عليه
قرينة الحال في المجلس ولا سيما وقد أردف نفي المماثلة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: ١١] وهاتان صفتان محققتان في المخلوق، فلا بد إن تحقق ما نفي أن يعلم هل هي
كاف الصفات أو غيرها مما يطلبه اللسان منها بما وضعها له؟ فإن كانت كاف صفة هنا فما نفي
إلا مماثلة المثل أن يماثل، فأثبت المثل له بالهاء التي في مثله وهي ضمير يعود على الحق،
ومعلوم أن المثل ليس عين مماثله، ولو كان عين من هو مثل له ما كان مثلاً له لا عقلاً ولا
شرعاً، فوجود المثل عين إثبات الغير بلا شك، فإن عمت المماثلة فهي العقلية بلا شك ولا
ينكرها اللسان، وإن خصت فهي لما خصت له حقيقة لا مجازاً مثل زيد كالبحر لاتساعه في
العلم أو في الجود، ومن العلماء من جعل الكاف في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ زائدة، فإن
كانت جاءت لمعنى فما هي زائدة، فإن ذلك المعنى الذي سيقت له لا يظهر ولا يحصل إلا
بها في نفس المخاطب فانتفى أن تكون زائدة فإن الله ما خلق شيئاً باطلاً ولا عبثاً، والزائد لغير
معنى، إنما هو عبث، والعرب من المحال أن تجيء بزائد لغير معنى، فإذا جاءت بهذا
الحرف جاءت به لمعنى فهو لما جاءت به، فإن المتكلم لا يجيء بالكلمة فيما يقوله النحويّ
زائدة إلا لقصد التوكيد، فإذا زالت زال التوكيد، فإذا ما هي زائدة فإن الكلام المؤكد ما استقل
دونها وما يقوم مقامها، فإذا أكد تعالى نفي المثل فما هي زائدة فجعل تأكيد نفي المثل في
مقابلة من أثبت المثل فرضاً ووجوداً في زعمه، والصحيح في هذه الكاف أنها كاف الصفة
بقرائن الأحوال أي لو فرض له مثل لم يماثل ذلك المثل فأحرى إن لا يماثل فهو أبلغ في نفي
المماثلة في اللسان. ثم نقول في قولنا بقرائن الأحوال لكون الحق ما وصف الإنسان الكامل
إلا بما وصف به نفسه، فنفى مماثلة الإنسان الكامل أن يماثله شيء من العالم، ويعضد هذا
قوله: إنه خلق آدم على صورته، فهذا خبر يقع به الأنس للنفس، فما في العالم زائد لغير
معنى لأنه ما فيه عبث ولا باطل، بل كل ما فيه مقصود لمعنى. فإن قلت: فأين المماثلة في
الفعل؟ قلنا: بيان هذا من وجهين: الوجه الواحد أن يفعل بآلة ظاهرة فإذا قمت في توحيده في
الأفعال جعلنا آلة له فيفعل بنا ما ينسب في الشاهد لنا فعله فنحن له كالقدّوم للنجار والإبرة

٠٠
٣٠
في المنازل/ الباب الثالث والستون وثلاثمائة في معرفة منزل إحالة العارف ما لم يعرفه.
للخائط مثلاً هذا إذا جعلناه مثلاً لنا، فإذا جعلنا أنفسنا مثلاً له وهو الوجه الآخر من الوجهين
في الجواب وهو الفعل بالإرادة والقصد وهي آلة باطنة فإنها نسبة فهو يفعل بالإرادة، فإذا كان
الإنسان صاحب همة نافذة فإنه يفعل بهمته كان مثلاً له ولا يوجد ذلك في كل إنسان من هذا
النوع فإنما نحن به وله فيفعلنا ويفعل بنا ويفعل فينا، فلا يثبت التوحيد في الأعمال إلا أن
تكون آلة لا بد من ذلك، والله العالم والمعلم الذي أطلع من شاء على ما شاء من علمه .
وفي هذا المنزل من العلوم: علم ما بقي من الزمان لقيام الساعة. وفيه علم الفرق بين
ما ينزل من العلم على قلوب العلماء من حضرة الربوبية وحضرة الرحمانية دون غيرهما من
الحضرات الإلهية. وفيه علم ما ينبغي أن يكون عليه صاحب هذا العلم من الصفة وهل يصح
هذا العلم لمن لا يرفع به رأساً أم لا؟ وفيه علم الأسرار التي لا تذاع. وفيه علم الردّ والقبول.
وفيه علم الفرق بين الرؤيا والمبشرات وأن الرؤيا أعم والمبشرات أخص، فإن الإنسان قد يرى
ما يحدّث به نفسه وما يلعب به الشيطان أو يحزنه، ولو لم يكن لذلك أثر فيمن رويت له أو
رآها لنفسه ما أثبت الشارع لذلك الخوف مزيلاً وهو قوله: أن يتفل صاحب الرؤيا المفزعة
على يساره ثلاثاً ويستعيذ بالله من شرّ ما رأى فإنها لا تضره وليتحوّل من شقه الذي كان عليه
نائماً حين الرؤيا إلى شقه الآخر فإنها تتحوَّل بتحوّله كما يحوِّل صاحب الاستسقاء رداءه عند
الدعاء فيحوّل الله حالة الجدب بالخصب ويرمي شرّها عمن اتخذه معاذاً، فلم يؤثر فيه إذ هو
ليس بمحل للأثر وإن كان قد ورد ولكن على وجه خاص، فقد ورد في الشرع «أَنَّ العَبْدَ يَفْعَلُ
فِعْلاَ يُسْخِطُ بِهِ رَبَّهُ وَيَفْعَلُ فِعْلاَ يُرْضِي بِهِ رَبَّهُ)). وفيه علم في أي صورة يستعمل الدليل العقلي
وفي أيّ صورة لا يستعمل. وفيه علم حقائق الأشياء التي بالعلم بها يصح أن تكون معلومات.
وفيه علم الحدود الإلهية الموضوعة في العالم في الدنيا والآخرة وتنتهي أوقاتها. وفيه علم
العلم المولد من غير المولد، والمولد علم ما ظهر عن الفكر والتدبر والروية. وفيه علم
مقارعة الوجود العدم وفي أيّ حضرة أو ميدان يجتمعان وليس لهما ميدان مقارعة إلا
الممكنات فالمرجح غالب والمرجوح مغلوب. وفيه علم التوحيد الإلهيّ وأماكنه ستة
وثلاثون. وفيه علم ما يعلل وما لا يعلل. وفيه علم ما ينبغي أن يتخذ عدة للشدائد من
الأسباب وغيرها وما ثم غير سبب تدفع به. وفيه علم الفصل والوصل ولهما بابان في هذا
الكتاب. وفيه علم الأصل الذي منه أو به ظهرت الأكوان وأعيان العالم. وفيه علم من هو
العالم ومن يحفظ عليه صورته ومن لا يحفظ عليه صورته. وفيه علم نسبة الحركة إلى العالم
العلوي وما يطلب بتلك الحركة. وفيه علم الانتقال من حال إلى حال وما أصل ذلك. وفيه
علم نشأة الإنسان على الانفراد وأعني بالإنسان الإنسان الحيوان. وفيه علم التثبت في الأمور
وما سبب وما ينتج. وفيه علم العجز والقصور ومن هو أهله. وفيه علم الحافظ والحفظ
والمحفوظ من حيث ما هو محفوظ والمحفوظ به. وفيه علم الزيادة والنقص وأن الدنيا من
حين خلقها الله ما زالت تنقص، وأن الآخرة من حين شرع النقص في الدنيا ما زالت تزيد فهي
في كل يوم في مزيد والدنيا في كل يوم أيضاً في نقص. وفيه علم من علم أنه لا يكون منه

٣١
في المنازل/ الباب الرابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سرَّين
كون كذا لما طولب بكون ذلك، كمن يطلب القيام من المقعد الذي لا يصح منه القيام ولماذا
يريده مع علمه بأنه لا يستطيعه. فيه علم عناية الحق بعبده في حال لا يتصف فيه العبد بالعقل
ولا بالوجود كأبي يزيد وأمثاله من الأولياء وكعيسى ويحيى من الأنبياء. وفيه علم إقامة
الحجج. وفيه علم ما يستقل العقل بإدراكه مما لا يستقل بإدراكه. وفيه علم طيب الخبيث عند
الخبيث. وفيه علم نسبة الإصابة لكل مجتهد ومعنى نسبة الخطأ إلى المجتهد وأن ذلك الخطأ
علم في نفس الأمر وحّم الله. وفيه علم الصنائع العملية بالفطرة والروية والتعليم، فهذه ثلاثة
أحوال فهي بالفطرة في الحيوان وبالتعليم في الضعيف العقل والروية، وبالروية والتدبير في
القويّ العقل الصحيح الفكر والنظر. وفيه علم ما يتقى ومن يتقي وبماذا يتقي وأصناف
المتقين. وفيه علم الفرق بين البلاء والابتلاء. وفيه علم القرين الصالح هل الصلاح فيه
بالجعل أو بالأصالة؟ وفيه علم حكم الجزاء الوفاق المناسب بالاتفاق. وفيه علم أحوال الندم
ومتى يتعين وقته. وفيه علم التبديل والتحويل في الصور مع بقاء العين وهل ينتقل الاسم
بانتقال الحال أم لا؟ وفيه علم ترتيب الكتب الإلهية مع أن الكلام واحد في نفسه، وكيف
ينسب للمتأخر التقدم على من هو متأخر عنه؟ وفيه علم ما تعطيه العبادة من العلوم. وفيه علم
عموم رحمة المخلوق وهو من أسنى العلوم وأخفاها. وفيه علم ما يمكن أن يكون فيه
التساوي بين المخلوقات وبين ما لا يكون. وفيه علم التنزيه ومكانة الخلق من الحق والحق
من الخلق. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع والستون وثلاثمائة
في معرفة منزل سرَّين من عرفهما نال الراحة في الدنيا والآخرة والغيرة الإلهية
[نظم: الوافر]
بأحكام فذاك المُسْتَنَابُ
إذا ما قام شَخْصّ عن سِوَاهُ
فلا شكٌ لديه ولا ارْتِيَابُ
فإن لم يَسْتَنِبْهُ وقام فيها
لكان دعاؤُه فيه يُجَابُ
ولو يَذْعُو عليه إذا تَعَدَّى
يصيبُ إذا يريد ولا يُصَابُ
لصِدْقِ الوعد والإخلاص فيه
هذا منزل البشرى الإلهية بالراحة التي أوجبها الاعتناء الإلهيّ بمن بشر بها من عباد الله
الصالحين إلى يوم القيامة وفي القيامة، فإن الله لم يزل كل شيء عنده بالفعل في عباده ما عنده شيء
بالقوّة، فوردت التعريفات الإلهية إليه بما كان لله فيه من الأفعال والأحوال ليتذكر بعقله شهوده
ذلك من ربه فيه في حال عدمه لما كان عليه من الثبوت الذي أوجب له قبول التصرّف الإلهي فيه،
وبتلك الحالة الثبوتية امتثل أمر الحق بالتكوين، فإن الأمر لا يرد إلا على متصف بالسمع فالقول
الإلهيّ لم يزل، والسمع الثبوتي لم يزل وما حدث الا السمع الوجودي الذي هو فرع عن السمع
الثبوتي، فانتقلت الحال على عين السمع ما انتقل السمع، فإن الأعيان لا تنقلب من حال إلى حال
وإنما الأحوال تلبسها أحكاماً فتلبسها، فيتخيل من لا علم له أن العين انتقل، فالأحوال تطلب

٣٢
في المنازل/ الباب الرابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّين
الأسماء الإلهية لا أن الأعيان هي الموصوفة بالطلب، ويحدث للأعيان أسماء وألقاب بحسب
أحكام الأحوال التي تنقلب عليها، ولولا الأحوال ما تميزت الأعيان فإنه ما ثم إلا عين واحدة
تميزت بذاتها عن واجب الوجود كما اشتركت معه في وجوب الثبوت فله تعالى وجوب الثبوت
والوجود، ولهذه العين وجوب الثبوت فالأحوال لهذه العين كالأسماء الإلهية للحق فكما أن
الأسماء للعين الواحدة لا تعدد المسمى ولا تكثره كذلك الأحوال لهذه العين لا تعددها ولا تكثرها
مع معقولية الكثرة والعدد في الأسماء والأحوال، وبهذا صح لهذه العين أن يقال فيها أنها على
الصورة أي على ما هو عليه الأمر الإلهيّ، فحصل لهذه العين الكمال بالوجود الذي هو من جملة
الأحوال التي تقلبت عليها فما نقصها من الكمال إلا وهو نفي حكم وجوب الوجود للتمييز بينها
وبين الله إذ لا يرتفع ذلك ولا يصح لها فيه قدم، وله تمييز آخر وذلك أن الحق يتقلب في الأحوال
لا تتقلب عليه الأحوال لأنه يستحيل أن يكون للحال على الحق حكم بل له تعالى الحكم عليها
فلهذا يتقلب فيها ولا تتقلب عليه ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فإنها لو تقلبت عليه أوجبت له
أحكاماً، وعين العالم ليس كذلك تتقلب عليه الأحوال فتظهر فيها أحكامها وتقليبها عليها بيد الله
تعالى. فأما تقليب الحق في الأحوال فمعلوم بالنزول والاستواء والمعية والضحك والفرح
والرضى والغضب، وكل حال وصف الحق به نفسه فهو سبحانه يتقلب فيها بالحكم، فهذا الفرق
بيننا وبين الحق وهو أوضح الفروق وأجلاها فوقعت المشاركة في الأحوال كما وقعت في الأسماء
لأن الأسماء هي أسماء الأحوال ومسماها العين، كما أنه لها الأسماء بنسبة غير هذه النسبة
ومسماها الحق فهو السميع البصير العالم القدير، وأنت السميع البصير العالم القدير، فحال
السمع والبصر والعلم والقدرة لنا وله بنسبتين مختلفتين فإنه هو هو ونحن نحن، فلنا آلات ونحن
له آلات، فإن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، وقال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اَللَّهِ﴾
[التوبة: ٦] ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [الأنفال: ١٧] والآلة رسول الله وَّ فالتقلب
للحق في الأحوال لإظهار أعيانها كتقلب الواحد في مراتب الأعداد لإظهار أعيانها .
واعلم أن هذا المنزل ما سمي منزل سرّين إلا لسرّ عجيب وهو أن الشيء الواحد تثنيه
نفسه لا غيره في المحسوس والمعقول فأما في المحسوس فآدم ثناه ما فتح في ضلعه القصير
الأيسر من صورة حواء فكان واحداً في عينه فصار زوجاً بها وليست سوى نفسه التي قيل بها
فيه أنه واحد، وأما في المعقول فالألوهية ليست غير ذاته تعالى، ومعقول الألوهة خلاف
معقول كونه ذاتاً فثنت الألوهة ذات الحق وليست سوى عينها، فكما بث في الحس من آدم
ومن ثناه من ذاته رجالاً كثيراً ونساء على صورة الزوجين، كذلك بث من ذات الحق تعالى
وكونه إله العالم على صورة هذين المعقولين، فالعالم خرج على صورة مؤثر ومؤثر فيه للتوالد
أي لتوالد أجزائه، فإن الألوهة حكم للذات فبها حكمت بإيجاد العالم فلما آثرت الحكم
بإيجاد العالم لذلك ظهر العالم بصورة من أوجده بين مؤثر ومؤثر فيه كما جرى في
المحسوس، فإن الله ما خلق من آدم وحوَّاء أرضاً ولا سماء ولا جبلاً ولا غير نوعه بل ما خلق
منهما إلا مثلهما في الصورة والحكم: [الكامل]

٣٣
في المنازل/ الباب الرابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سرَّين
إن التي كان الوُجُودُ بكَوْنها
إِنّي لأهواها وأهْوَى قُرْبَها
لَّيْلَى ولُبْنَى والرَّبابُ وزَيْنَب
لو مِتُّ مات وجودُها بمماتنا
عجباً لنا ولها فإنّ وجودنا
ذاتٌ يُقَدْسُ لَفْظُها مَعْنَاها
منّي وأهوى كُلَّ من يَهْواها
أَتْرَابُ من حُبِّي لها مَخْيَاها
فوجودنا عَيْنٌّ لها وسوَاها
فَرْدّ فلا ثَانٍ فمن ثَنَّاها
ولما كان الأصل واحداً وما ثناه سوى نفسه ولا ظهرت كثرة إلا من عينه، كذلك كانت
له في كل شيء من العالم آية تدل على أنه واحد، فالكون كله جسم وروح بهما قامت نشأة
الوجود، فالعالم للحق كالجسم للروح، وكما لم يعرف الروح إلا من الجسم، فإنا لما نظرنا
فيه ورأينا صورته مع بقائها تزول عنها أحكام كنا نشاهدها من الجسم وصورته من إدراك
المحسوسات والمعاني فعلمنا أن وراء الجسم الظاهر معنى آخر هو الذي أعطاه أحكام
الإدراكات فيه فسمينا ذلك المعنى روحاً لهذا الجسم، فكذلك ما علمنا أن لنا أمراً يحرّكنا
ويسكننا ويحكم فينا بما شاء حتى تظرنا في نفوسنا فلما عرفنا نفوسنا عرفنا ربنا حذوك النعل
بالنعل، ولهذا أخبر في الوحي بقوله: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وفي الخبر المنزل الإلهيّ :
﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَئِنَا فِ آلْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] فما ظهر العالم
عن الله إلا بصورة ما هو الأمر عليه وما في الأصل شرّ فإلى من تستند الشرور والعالم في
قبضة الخير المحض وهو الوجود التام، غير أن الممكن لما كان للعدم نظر إليه كان بذلك
القدر ينسب إليه من الشرّ ما ينسب إليه فإنه ليس له من ذاته حكم وجوب الوجود لذاته، فإذا
عرض له الشرّ فمن هناك ولا يستمر عليه ولا يثبت فإنه في قبضة الخير المحض والوجود.
ثم من تمام المعرفة الموضوعة في العلم بالله أن للجسم في الروح آثاراً معقولة معلومة
لما يعطيه من علوم الأذواق وما لا يمكن أن يعلمها إلا به وأن الروح له آثار في الجسم
محسوسة يشهدها كل حيوان من نفسه، كذلك العالم مع الحق لله فيه آثار ظاهرة وهي ما
يتقلب فيه العالم من الأحوال وذلك من حكم اسمه الدهر، وأخبر الحق سبحانه أن للعالم من
حيث ما كلفه آثاراً لولا تعريفه إيانا بها ما عرفناها، وذلك أنه إذا اتبعنا رسوله فيما جاءنا به من
طاعة الله أحبنا وأرضيناه فرضي عنا، وإذا خالفناه ولم نمتثل أمره وعصيناه أخبرنا أنا أسخطناه
وأغضبناه فغضب علينا وإذا دعوناه أجابنا، فالدعاء من أثره والإجابة من أثرنا، ذلك لتعلموا
أنه ما أظهر شيئاً إلا من صورة ما هو هو، ويستحيل أن يكون الأمر إلا كذلك، وإلا فمن أين
وما ثم إلا هو ولا يعطي الشيء إلا ما في قوّته، ولهذا نعت الحق لنا نفسه بنعوت المحدثات
عندنا وهي في الحقيقة نعوته ظهرت فينا ثم ما عادت عليه، ونعتنا سبحانه بنعوت ما يستحقه
جلاله فهي نعوته على الحقيقة، فلولا ما أوجدنا على صورة ما هو عليه في نفسه ما صح ولا
ثبت أن نقبل صفة مما وصفنا بها مما هي حق له، ولا كان يقبل صفة مما وصف بها نفسه مما
هي حق لنا والكل حق له؛ فهو الأصل الذي نحن فرعه والأسماء أغصان هذه الشجرة أعني
شجرة الوجود، ونحن عين الثمر، بل هو عين الثمر، فما لنا مثل سوى وجود هذا الشجر،
الفتوحات المكية ج٦ - م٣

٣٤
في المنازل/ الباب الرابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سرَّين
ومن تمام المعرفة بالله ما أخبرنا به على لسان رسوله 18 من تحوّله تعالى في الصور في
مواطن التجلّي وذلك أصل تقلبنا في الأحوال باطناً وظاهراً وكل ذلك فيه تعالى، وكذلك هو في
شؤون العالم بحسب ما يقتضيه الترتيب الحكمي، فشأنه غداً لا يمكن أن يكون إلا في غد،
وشأن اليوم لا يمكن أن يكون إلا اليوم، وشأن أمس لا يمكن أن يكون إلا في أمس، هذا كله
بالنظر إليه تعالى. وأما بالنظر إلى الشأن يمكن أن يكون في غير الوقت الذي تكوّن فيه لو شاء
الحق تعالى وما في مشيئته جبر ولا تحير تعالى الله عن ذلك بل ليس لمشيئته إلا تعلق واحد لا
غير ومنها قوله ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيََّ الثَّقَلَآنِ﴾ [الرحمن: ٣١] يعني منكم ومن العالم الذي هو سوانا،
وإنما سمانا بالثقلين لما فينا من الثقل وهو عين تأخرنا بالوجود فأبطأنا ومن عادة الثقيل الإبطاء
كما أنه من عادة الخفيف الإسراع، فنحن والجن من الثقلين، ونحن أثقل من الجن للركن
الأغلب علينا وهو التراب، فالإنسان آخر موجود في العالم لأن المختصر لا يختصر إلا من
مطوّل وإلا فليس بمختصر، فالعالم مختصر الحق والإنسان مختصر العالم والحق فهو نقاوة
المختصر أعني الإنسان الكامل. وأما الإنسان الحيوان فإنه مختصر العالم وله يفرغ الحق ليقيم
عليه ميزان ما خلق له، فإن قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ النَّقَلَانِ﴾ كلمة تهديد والإنسان الكامل لا
يتوجه عليه هذا الخطاب غير أن في هذه الكلمة إشارة للحوق الرحمة بهما أعني الثقلين، وذلك
في فتح اللام الداخلة على ضمير المُخاطب في لكم وإن كان الفتح الإلهيّ قد يكون بما يسوء
كما يكون بما يسرّ، ولكن رحمته سبقت غضبه، وجاء بآلة الاستقبال وهو السين وآخر درجة
الاستقبال ما يؤول إليه أمر العالم من الرحمة التي لا غضب بعدها لارتفاع التكليف واستيفاء
الحدود، ولما جاء بضمير الخطاب في قوله لكم وعلمنا من الكرم الإلهيّ أبداً أنه يرجح جانب
السعداء وجانب الرحمة على النقيض ولهذا سمي ما يتألم به أهل الشقاء عذاباً لأن السعداء
يستعذبون آلام أهل الشقاء إيثاراً لجناب الحق حيث أشركوا، فلهم في أسباب الآلام نعيم فسمى
الحق ذلك عذاباً إيثاراً لهم حين آثروه فلذلك جاء بحرف الخطاب ليفتح اللام وليعلم بآلة
الخطاب أنهم قوم مخصوصون لأنه لا يفقد من العالم ضمير الغائب، فلا بد له من أهل مثل قوله
في السعداء: ﴿لَمْ جَنَّتٍ تَجْرِى﴾ [البقرة: ٢٥] فأتى بضمير الغائب فغابوا عن هؤلاء المخاطبين
وفتح اللام فتح رحمة تعطيها قرائن الأحوال، ولهذه الأداة مراتب يعامل الحق بها عباده مثل
قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧] ومثل قوله: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِىِ
السَّمَوَتِ وَمَا فِ اٌلْأَرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣] و﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ اُلْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] و﴿لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ
وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّى﴾ [طه: ٦] فله ولنا ومع هذا فالأدب يلزمنا وبالأدب يكون
أصحاب السلطان جلساء من غير انبساط لأن الشهود والانبساط لا يجتمعان، قال بعضهم: اقعد
على البساط وإياك والانبساط : [البسيط]
ولستُ أعْبُدُ مَنْ نَعْتي بصُورَتِهِ
إنّي عَبَدْتُ مِنَ أمرٍ ليس يَضْلُحُ لي
وليس سُورةُ حالي غَيْرَ سُورَتِهِ
فإنّه قال هذا لم أقُلْهُ أنا

٣٥
في المنازل/ الباب الرابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سرَّين
فإن الدون الأدون إذا نسب إليه ما لا يقتضيه مقامه من الصفات الشريفة يأنف من ذلك
لأنه هجو به، كما يأنف الشريف أن يوصف بدون ما يستحقه شرفه.
وصل: وأمَّا من قال من أصحابنا وذهب إليه كالإمام أبي حامد الغزالي وغيره بأن الفرق
بين الولي والنبيّ نزول الملك فإن الولي ملهم والنبي ينزل عليه الملك مع كونه في أمور يكون
ملهماً فإنه جامع بين الولاية والنبوّة فهذا غلط عندنا من القائلين به ودليل على عدم ذوق
القائلين به، وإنما الفرقان إنما هو فيما ينزل به الملك لا في نزول الملك، فالذي ينزل به
الملك على الرسول والنبيّ خلاف الذي ينزل به الملك على الولي التابع، فإن الملك قد ينزل
على الولي التابع بالاتباع وبإفهام ما جاء به النبيّ مما لم يتحقق هذا الولي بالعلم به، وإن كان
متأخراً عنه بالزمان أعني متأخراً عن زمان وجوده فقد ينزل عليه بتعريف صحة ما جاء به النبيّ
وسقمه مما قد وضع عليه أو توهم أنه صحيح عنه أو ترك لضعف الراوي وهو صحيح في
نفس الأمر، وقد ينزل عليه الملك بالبشرى من الله بأنه من أهل السعادة والفوز وبالأمان كل
ذلك في الحياة الدنيا فإن الله عز وجل يقول: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] وقال
في أهل الاستقامة القائلين بربوبية الله إن الملائكة تنزل عليهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ
رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدِمُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ
نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت: ٣٠، ٣١]. ومن أولياء الله من يكون له
تُوعَدُونَ فِّ)
من الله ذوق الإنزال في التنزيل، فما طرأ ما طرأ على القائلين بخلاف هذا إلا من اعتقادهم في
نفوسهم أنهم قد عموا بسلوكهم جميع الطرق والمقامات وأنه ما بقي مقام إلا ولهم فيه ذوق
وما رأوا أنهم نزل عليهم ملك فاعتقدوا أن ذلك مما يختص به النبي فذوقهم صحيح وحكمهم
باطل وهم قائلون أنه من أتى منهم بزيادة قبلت منه لأنه عدل صاحب ذوق ما عندهم تجريح و
لا طعن ولا يتعدون ذوقهم، فمن هنالك وقع الغلط ولو وصل إليهم ممن تقدمهم أو كان
معهم في زمانهم من أهل الله القول بنزول الملك على الولي قبلوه وما ردوه، وقد رأينا في
الوقائع ممن تقدم جماعة غير قائلين بأمر ما فلما سمعوه منا قبلوه ولم ينكروه لارتفاع التهمة
عنهم في أشكالهم وأمثالهم، فإن قال أحد من أهل الله من أهل الإشارات وهم أصحاب النداء
على رأس البعد إنك قد قلت أنه ما من حقيقة ولا نسبة في العالم إلا وهي صادرة عن نسبة
إلهية ومن نسب العالم الافتقار، وقد قال أبو يزيد وهو من أهل الكشف والوجود: إن الله قال
له في بعض مشاهده معه تقرّب إلي بما ليس لي: الذلة والافتقار، فاعلم أيها المستفيد أن
الحق تعالى له الرحمة والعفو والكرم والمغفرة وما جاء من ذلك من أسمائه الحسنى وهي له
تعالى حقيقة، وكذلك له الانتقام والبطش الشديد، فهو سبحانه الرحيم العفو الكريم الغفور ذو
انتقام، ومن المحال أن تكون آثار هذه الأسماء فيه أو يكون محلاً لآثارها، فرحيم بمن،
وعفوّ عمن، وكريم على من، وغفور لمن، وذو انتقام ممن، فلا بد أن يقول: إن الله الخالق
يطلب المخلوق والمخلوق يطلب الخالق وصفة الطالب معروفة والحاصل لا ينفي، فلا بد
من العالم لأن الحقائق الإلهية تطلبه، وقد بينا لك أن معقولية كونه ذاتاً ما هي معقولية كونه

٣٦
في المنازل/ الباب الرابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سرَّين
إلهاً فثنت المرتبة وليس في الوجود العيني سوى العين، فهو من حيث هو غنيّ عن العالمين،
ومن حيث الأسماء الحسنى التي تطلب العالم لإمكانه لظهور آثارها فيه يطلب وجود العالم،
فلو كان العالم موجوداً ما طلب وجوده، فالأسماء له كالعائلة، ورب العيال يسعى على عياله،
والخلق عيال الله الأبعد، والأسماء الآل الأقرب، فسأله العالم لإمكانه، وسألته الأسماء
لظهور آثارها، وما يسأل إلا فيما ليس له وجود فلا بدّ من وجود العالم، والكتاب حاكم،
والعلم سابق، والمشيئة محققة فمن المحال أن لا يقع، وإنما وقع التكفير في الطائفة التي
قالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] بالمجموع فإنهم ليسوا بأغنياء عن الله وليس
الحق بمتأخر عن إيجادهم ولا عن إسباغ النعم عليهم فضلاً منه ومنة لحكم كتاب سبق، قال
الله تعالى: ﴿لَّوْلَا كِتَبُ مِنَ اَللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] فالحكم للكتاب
ونسبة الكتاب ما هي نسبة الذات، وتعين إمضاء الحكم فيمن أمضاه، فهو للكتاب كالسادن
والمتصرّف بحكم جبر المرتبة هذا تعطيه الحقائق بأنفسها وهي لا تتبدل ولو تبدلت الحقائق
اختل النظام ولم يكن علم أصلاً ولا حق ولا خلق، فلو نظر العاقل في حكمة الخطاب الإلهيّ
في قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ [آل عمران: ١٨١] وأخذه من قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى
نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] يريد أوجبها على نفسه لأنه ما ثم موجب إلا هو تعالى فقال:
سنوجب ما قالوه فيما يرجع ضرره عليهم، وقال في تمام الآية: ﴿ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ
الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] عقوبة لقولهم، ولهذا كان تحقيق كفرهم بالمجموع فإنهم ليسوا
بأغنياء فهذا روح هذه الآية؛ وأما احتجاجك بما قاله لأبي يزيد فهو أيضاً عين المجموع، فلم
يقل الذلة وحدها بل قال الذلة والافتقار ونسبة المجموع ليست بنسبة الأفراد، فلولا الممكن
ما ظهر أثر للأسماء الإلهية والاسم هو المسمى عينه ولا سيما الأسماء الإلهية، فالوجود
طالب ومطلوب ومتعلق الطلب العدم، فإما إعدام موجود وإما إيجاد معدوم، قال الله تعالى :
﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فما نفى إلا الألوهة أن تكون نعتاً لأكثر من واحد،
فللأسماء الإلهية أو المرتبة التي هي مرتبة المسمى إلهاً التصريف والحكم فيمن نعت بها، فبها
يتصرَّف ولها يتصرَّف وهو غني عن العالمين في حال تصرّفه لا بد منه، فانظر ما أعجب الأمر
في نفسه، ومن هنا يعرف قول أبي سعيد الخراز أنه ما عرف الله إلا بجمعه بين الضدين ثم
تلا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَلَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَاِنُ﴾ [الحديد: ٣] وأما قول اليهود في البخل: ﴿يَدُ اللَّهِ
مَغْلُولَةٌ﴾ فقال تعالى فيهم: ﴿غُلَّتْ أَيَدِهِمْ وَلُمِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ [المائدة: ٦٤] أي أبعدوا عن صفة الكرم
الإلهيّ، فإن أقوالهم من أعمالهم فغلت أيديهم فوقع البخل الذي نسبوه إلى الله بهم، فما
شهدوا من الله إلا ما قالوا فأذاقهم طعم ما جاؤوا به وكذبهم الله بعد ذلك في المآل فبسط
عليهم الكرم بالرحمة التي وسعت كل شيء ليعرّفهم بأنهم كانوا كاذبين وهو أشد العذاب
عليهم وأشد النعيم، فإنه إذا بسط عليهم الجود والكرم علموا جهلهم فتوهموه فتعذبت
نفوسهم بتصوّر الحال التي كانوا عليها من الجهل بالله ويتنعمون بإزالة ذلك ووقوفهم على
العلم، وعلموا أن جهلهم أورثهم الكذب على الله تعالى بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء

٣٧
في المنازل/ الباب الرابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّين
فالحكم للمشيئة فافهم وليست مشيئته غير ذاته، فأسماؤه عينه وأحكامها حكمه، وما ظهر
العالم إلا بما هي عليه من القوى: [المجتث]
ولا تُجَاوِزَ حَدَّكْ
فانْظُرْ إليه تَكُنْهُ
فإنما هو عِنْدَكْ
فكُلُ ما هو فيه
[نظم: مخلّع البسيط]
أَظْهَرَ أمْرَ الوجود مِنْهُ
من قَدَرَ الله حَقَّ قَدْرِهْ
مِنْ علمه فيه فهو عَنْهُ
فكُلُّ أمر تراه عينٌ
لذاك ما للوجود كُنْهُ
فِعَيْنُهُ عَيْنُ مَنْ تراهُ
فإذا قلت الله فهو مجموع حقائق الأسماء الإلهية كلها، فمن المحال أن يقال على
الإطلاق فلا بد أن تقيده الأحوال، وإن قيدته الألفاظ فبحكم التبعية للأحوال، فكلما أضيف
إليه فانظر أي اسم تستحقه تلك الإضافة فليس المطلوب من الله في ذلك الأمر إلا الاسم الذي
تخصه تلك الإضافة والحقيقة الإلهية التي تطلبه فلا تتعداه، ومن كان هذا حاله فقد وفى الله
حقه وقدر قدره مجملاً، فإنه لا يقدر قدره مفصلاً لأن الزيادة من العلم بالله لا تنقطع دنيا ولا
آخرة فالأمر في ذلك غير متناه، ألم تر أن الله تعالى بعث موسى عليه السلام برسالة إلى
فرعون كان من جملتها أن يقول له إذا قال له فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُوْلَى﴾ [طه: ٥١] ﴿عِلْمُهَا
عِندَ رَبٍِ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبٍِّ وَلَا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢] يعني ما أوجبه على نفسه من ذلك فما كتبها
في اللوح المحفوظ إلا ليعلم من ليس من شأنه أن لا يعلم إلا بالإعلام، لا ليتذكر ما أوجبه
على نفسه مما تستقبل أوقاته في المدد الطائلة فإنه سبحانه لا يضل ربي الذي جئتك من عنده
الأدعوك إلى عبادته ولا ينسى. وقال تعالى عن نفسه: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وما
نسوه على الإطلاق فما ينساهم على الإطلاق وإنما ينساهم فيما نسوه فيه مما لو علموا به
نالتهم الرحمة من الرحيم بذلك، فلما نسوه نسيهم الرحيم، إذ تولاهم الاسم الإلهيّ الذي
كانوا في العمل الذي يدعو ذلك الاسم إليه، فإذا انقضى عدل ميزانه فيه زال النسيان إذ لا بد
من زواله عند كشف الغطاء عند الموت في الدنيا فلا يموت أحد من أهل التكليف إلا مؤمناً
عن علم وعيان محقق لا مرية فيه ولا شك من العلم بالله والإيمان به خاصة هذا هو الذي
يعم، فلا بأس أشد من الموت وما بقي إلا هل ينفعه ذلك الإيمان أم لا، أما في رفع العقوبة
عنهم فلا إلا من اختصه الله مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنَفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]
ثم قال وهو موضع استشهادنا: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] وأما الاستثناء
فقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَمَثَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾
[يونس: ٩٨] فلا حكم على الله في خلقه، وأما نفع ذلك الإيمان في المآل فإن ربك فعال لما
يريد وإنه يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فهذا قوله عهده إلينا في كتابه
وعلى ألسنة رسله عليهم السلام: [الطويل]

٣٨
في المنازل/ الباب الرابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سرَّين
رسولٌ إلى قلبي من الملأ الأعلى
فقُلْ لي فإن الحقّ فيما أتَى به
فأخبَرَني بالأمر من نصفه فما
بَلِ الأمْرُ فيه واحدٌ ليس غيره
وذلك فرقانٌ يَبِينُ دليلُه
وإن كان قولُ الله في كل حالة
وخَلْقي عجيبٌ لا يزال مُجَدَّداً
فحُكّمُ الحكيم الحَقِّ في الخلق ظاهرٌ
لقد جادَّ لي إنعامُه بشهوده
أقولُ بأخرَى في الأمور ولا أوْلَى
فمن عَالِم يُبْلي ومن عَالَم يُبْلَى
وليس بقَرآن على قلبنا يُثْلَى
عليّ إذا ما جئتُ حضرَتَه يُمْلَى
وما مَرَّ منه لا يُزال ولا يَبْلَى
فسبحان من أعْمَى وسبحان من أَجْلَی
وقد خَصَّني منه بمَوْرِدِهِ الأَخْلَى
فمن اتقى الله جعل له فرقاناً. وإن كان في عين القرآن العزيز الذي هو الجمع من قريت
الماء في الحوض إذا جمعته فما كل فرقان قرآن وكل قرآن فرقان: [الوافر]
بعَيْنِكَ لاجتماعِ في اقْتِراقٍ
فعَيْنُ الجَمْعِ عَيْنُ الفَرْق فانْظُرْ
عليه بالفِرَاق وَبالتَّلاقي
فليس المِثْلُ عَيْنَ الِمِثْلِ فَاحْكُمْ
حكمْنا بالنّكاح وبالطّلاقِ
وإنْ شئنا إذا فَكَّرْتَ فيه
فسَاقُ الحَقّ مُلْتَفِّ بساقي
فلولا الحَقُّ ما كان اتساقٌ
لأعلم أن في العُقْبَى مَسَاقي
وعند شُرُودنا عنه دعاني
فإن طِبْنا فمِسْكٌ في حِقَاقٍ
إليه في جُسُوم من نباتِ
﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] فتميز الواحد عمن ثناه فانفرد كل فريق
بأحديته وجمعيته، فمنهم من تأنّس بانفراده بفرديته وأحديته، ومنهم من استوحش في انفراده
بفرديته وأحديته فتلك عند العارفين وحشة الحجاب: [الطويل]
ولله فيما قلتُه الخَلْقُ والأمْرُ
فأيُّ نعيم لا يُكَدِّرُهُ الذَّهْرُ
ولولا وجودي لم يُرَ في الوَرَى الشَّرُّ
ولكنه أخفّى فشأني له ستْرُ
يلوحُ له من نشأتي الدُّرُّ والدَّرُّ
وللعلم منها ما يجودُ به الدَّرُ
وإن كنت ذا عين فقد رُفع السترُ
وإن لم تشأُ خمراً فمَشْرَبُك المِزْرُ
ولو لم يكن ذِكْرٌ لقام به الفِكْرُ
فلولا وُجُودُ الحَقّ ما كان خَيْرُه
ولست سواه لو تسرّ حقيقتي
فمن يَتَحَقّقْ صُورَتَيَّ فإنه
فدُرِّ لأحجار تُنَافِسُ نشأتي
فإن كُنْتَ ذا عقل تَبَيَّنْ حُكْمَهُ
فإن شِئْتَ فاشْرَبْهُ رحيقاً مُخَتَّماً
فسبحان من أحيا الفؤاد بذكره
واعلم أيدك الله بروح منه أني ما رأيت ثبوت العلم على صورته لا يتغير إلا في هذا
المنزل فأورثني الطمأنينة فيما علمت أنه لا يزول، وأن الشبه لا تزلزله، وأن الشبهة إذا جاءت
لمن شاهد هذا الأمر في هذا المنزل رآها شبهة لا يمكن أن تتغير له عن صورتها، بخلاف من
ليس له هذا المنزل فإنه يتزلزل ويؤديه ذلك التزلزل إلى النظر فيما كان قد قطع أنه يعلمه، ولا

٣٩
في المنازل/ الباب الرابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سرِّين
يعرف هل العلم الأول كان شبهة أو هل الشهود شبهة أو هل الأمران شبهة؟ فيحار، وذلك أنه
ليس هو في علمه بالأمور على بصيرة لأنه ولدها بفكرة، فإذا جاءت الأمور بأنفسها لا بجعلك
وإنشائك أعطتك حقائقها فعلمتها على ما هي عليه، ويتعلق بهذا المنزل آيات كثيرة من القرآن
العزيز، ولو بسطنا الكلام فيها لطال المدى، فلنذكر منها بعض آيات لا كلها ولا أشرحها،
وإنما أنبه عليها للعقول السليمة والأبصار النافذة، فمن ذلك: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾.
[آل عمران: ١٨٩]. ومنها: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ في سورة التغابن [الآية: ١].
ومنها: ﴿وَقَالَتِ أَمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّىِ وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] ومنها: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَّفِّفِينَ﴾
[المطففين: ١] ومنها: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِِّنِّ﴾ [الماعون: ٤] ومنها ﴿وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حيث وقع،
ومنها: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَمَكُرْ بَعْدَ أَنْ تُوَلَّأْ مُدِِّرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ومنها: ﴿وَلَيْن سَأَلْتَهُم مَّنْ
خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] توطئة لسعادتهم، ومنها: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾
[الروم: ٤] فصدر بهذه الآية ليعلم بما هو الأمر عليه بالنسبة إليه، ومنها: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَيِذٍ
أَّخَبِيرٌ﴾ العاديات: ١١] فاكتفى بالخبرة عن العلم إذ كانت كل خبرة علماً، ومنها: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ
◌َجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىّ﴾ [الأنعام: ٣٥] فجاء بحرف امتناع لامتناع، ومنها: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ
أُمَّةً وَحِدَةٌ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾
[الزخرف: ٣٣] ومنها: ﴿إِنَّ الشَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥] ومنها:
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوَأْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَاً﴾ [الأنعام: ٥٣] ومنها: ﴿مَّا
كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] الآية، ومنها: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ
وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّقُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ومنها: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُنَّهُ﴾ [آل
عمران: ٨١] ومنها: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن زَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرُّ﴾ [الكهف: ٢٩] الآية،
ومنها: ﴿وَإِنَُّ لِحُبِّ الْخَيْ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] ومنها: ﴿يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ أَ بِأَنَّ رَبَّكَ
أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤، ٥] ومنها: ﴿أَفَنَ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ، أَهْدَى﴾ [الملك: ٢٢] وهو الذي
سقط على وجهه في النارٍ من الصراط وهو من الموحدين، ومنها: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِلُ الْغَيْثَ مِنْ
بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] ومنها: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِىِ الْأَبْصَرِ﴾ [النور: ٤٤]
أي تعجباً: ومنها ﴿فَمَن يَكْفُرَّ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِّ أُعَذِّبُهُ, عَذَابًا لَّآ أُعَذِبُهُ، أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾
[المائدة: ١١٥] ومنها: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ﴾ [الحديد: ٤] فتدبر منازل هذه الآيات وأمثالها،
ومن هنا تعرف قوة الألف واللام اللتين للعهد والتعريف والجنس وإلحاق لام ألف بالحروف.
والحروف على قسمين: حروف هجاء وهي الحروف الأصلية وحروف معاني وكلاهما في
الرقم بالوضع وفي اللفظ بالطبع في الإنسان وكلها منك وفيك، وما ثم أمر خارج عنك فلا
ترجو أن تعرف نفسك بسواك فإنه ما ثم فأنت دليل عليك وعليه وما ثم من هو دليل عليك :
[مخلع البسيط]
وأنت في الحالتَيْن وَحدَكْ
مَنْ ذا الذي تَرْتَجِيه بَعْدَكْ
فكُلُّ ما فيه فَهْوَ عِنْدَكْ
فانْظُرْ إليه به تَكُنْ هُوَ

٤٠
في المنازل/ الباب الرابع والستون وثلاثمائة في معرفة منزل سرَّين
وفي هذا المنزل من العلوم: علم ما للأسباب في المسببات من الأحكام وتفصيل
الأسباب وهل العالم كله أسباب بعضه لبعضه؟ وهل من الأسباب ما يكون عدماً وهو سبب
مثل النسب كتعلقات المعاني الموجبة أحكاماً بتعلقها. وفيه علم ما ثبت الله من الأحكام
عقلاً وشرعاً. وفيه علم ما فائدة الأخبار في المخير المعقول وما الأخبار التي تفيد علماً من
التي تفيد ظناً أو غلبة ظن من الأخبار التي تفيد حيرة من الأخبار التي تقدح في الأدلة
النظرية لقدحها في العلم. وفيه علم الخلق عيال الله هل معناه معنى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُهُ
اُلْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] وفيماذا يكون الفقر مع كونهم موجودين وعلمهم من الحق أنهم
لا يعدمون بعد وجودهم وإنما هو تقلب أحوال عليهم، فمن حال يزول وحال يأتي والزائل
يعطي زواله حكماً والآتي يعطي إتيانه حكماً، والمحكوم عليه بالحكمين واحد العين كالقائم
يقعد فالقعود آت والقيام زائل، فحكم زوال القيام كونه ليس بقائم وهو عين حكم القعود
يزيده القعود أحكاماً لم تفهم من زوال القيام قد صار إليها وهي أنه ليس بمضطجع ولا
راكع ولا ساجد ولا منبطح وفيه علم ما حكمة استفهام العالم عما يعلم. وفيه علم لماذا
يرجع ما يدركه البصر من تحول العين الواحدة في الصور في نظر الناظر هل هي في نفسها
على ما يدركها البصر أو هي على ما هي عليه في نفسها لم تنقلب عينها؟ وهذا راجع إلى
ما يرى من الأعيان ويحكم عليها بأنها هل تكثرت بأعراض أو بجواهر؟ فإن الصور تختلف
في النظر دائماً، وكل منظور إليه بالبصر من الأجسام جسم فالجسمية حكم عام، ونرى فيها
صوراً مختلفة منها ما يكون سريع الزوال، ومنها ما يبطىء في النظر والجسم جسم لم يتبدل
وليس الموصوف بما ظهر إلا الجسم، وكذلك الصور الروحانية والتجلي الإلهي وهذا علم
فيه إشكال عظيم، والتخلص منه بطريق النظر الفكري عسير جداً. وفيه علم ما للنائب من
الشروط أن يشترطها على من استخلفه مع علمه بأنه مقهور في إقامته نائباً فهل اشتراطه
مؤذن بجهله بمن استخلفه أو بنسيانه فيذكره أو يعلمه بمصالحه أكثر من علم من استخلفه
بها وينفتح في هذا الاشتراط أمور هائلة تقدح أو يعلم النائب أن من استخلفه يريد منه أن
يسأله فيما اشترط عليه ليريه فقره إليه ذوقاً إذ لو كان للنائب الاستقلال بما طلبه في شرطه
ما اشترطه. وفيه علم تعرض النائب لمن استخلفه بالرشاء وما يقبل من الرشاء وما لا يقبل.
وفيه علم إجابة المستخلف النائب في كل ما يسأله من مصالحه. وفيه علم أن في الطعن
على المستخدمين تسفيه من استخدمهم وهو علم خطر جداً ولذلك نهى عن الطعن على
الملوك والخلفاء وأخبرنا أن قلوبهم بيد الله إن شاء قبضها عنا وإن شاء عطف بها علينا،
وأمرنا أن ندعو لهم وأن وقوع المصلحة بهم في العامة أكثر من جورهم، وما حكمة
جورهم مع كونهم نواب الله على الحقيقة في خلقه سواء كانوا كفاراً أو مؤمنين وعادلين أو
جائرين ما يخرجهم ذلك عن إطلاق النيابة عليهم، فهل إذا جار النائب انعزل فيما جار فيه
من النيابة أو انعزل على الإطلاق من النيابة ثم جدد الحق له نيابة أخرى مجددة. وفيه علم
تعداد النعم من المنعم على المنعم عليه هل هو منّ قادح أو هل هو تعريف ليعلم قدر ذلك