النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
في المنازل/ الباب الرابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة المنزل الأقصى السَّرَيَاني
الكشف والشهود أتى المخالفة بحكم التقدير لا بحكم الانتهاك فكان عاملاً بما علم فلم يضره
ذلك العمل بل هو مغفور له. واعلم أن هذا القدر الذي ذكرناه في هذه المسألة هو من العلم
الذي ورد فيه الخبر الذي لفظه: ((إنَّ مِنَ العِلْم كَهَيْئَةِ المَكْنُونِ لا يَعْلَمَهُ إلاَّ العَالِمُونَ بالله فَإِذَا
نَطَقُوا بِهِ لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمْ إلاَّ أَهْلُ الغِرَّةِ بِالله)) وَهذا من طريق الكشف عند أهله حديث صحيح
مجمع عليه عندهم خاصة عرفوه وتحققوه فجعله كهيئة المكنون ما جعله مكنوناً إذ لو كان
مكنوناً لانفرد به تعالى، فلما لم يعلمه إلا العلماء بالله علمنا أن العلم بالله يورث العلم بما
يعلمه الله فهو مستور عن العموم معلوم للخصوص، ومعنى العلم بالله أنه لا يعلم فقد علمنا
أن ثم ما لا يعلم على التعيين وما عداه فيمكن العلم به، فأكنة هذا العلم قلوب العلماء بالله
فإذا نطقوا به فيما بينهم إذ لا يصح النطق به إلا على هذا الحدّ، واتفق أن يكون في المجلس
من ليس من أهله ولا من أهل الله فإن أهل الله هم أهل الذكر وهم العلماء بالله أنكره عليهم
أهل الغرّة بالله فأضاف أهليتهم إلى الغرة وهم الذين يزعمون أنهم عرفوا الله فمن العلم الذي
هو كهيئة المكنون وما هو بمكنون هذا العلم، فإن العلم المكنون يعلم شهوداً ولا ينقال،
بخلاف علوم الفكر فإنها كلها تنقال، فإذا حصلت أيضاً لصاحب الكشف من غير فكر ولا
روية فإنها تنقال من غير دليل فيقبلها منه العالم بالدليل، فهذا العلم هو الذي كهيئة المكنون
لأن العالم به غير عالم بالدليل، فاعلم أن الديار داران: دار تسكنها الأرواح الناطقة وهو البدن
الطبيعي المسوّى المعدل الذي خلقه الله بيديه ووجه عليه صفتيه، فلما أنشأه أسكنه داراً أخرى
هي دار الدار، وقسم سبحانه دار الدار قسمين: قسماً سماه الدنيا وقسماً سماه الآخرة، ثم
علم ما يصلح لسكنى كل دار من الساكنين الذين هم ديار النفوس الناطقة، فخلق للدار الدنيا
لفنائها وذهاب عينها وتبدل صورتها ووضعها وشكلها وخفاء حياتها ساكناً هو هذه الدار التي
أسكنها النفس الناطقة، فجعل هذه النشأة مثل دار سكناها خفية الحياة فانية ذاهبة العين متبدلة
الصورة والوضع والشكل فاتصف ساكنها وهو النفس الناطقة بالجهل والحجاب والشك
والظن والكفر والإيمان وذلك لكثافة هذه الدار التي هي نشأته البدنية، وحال بينه وبين شهود
الله، وجعله في حجر أمه ترضعه وتقوم به، فما شهد من حين أسكن هذه النشأة سوى عين
أمه حتى أنه جهل أباه بعض الساكنين، ولولا أن الله منّ عليه بالنوم وجعل له في ذلك أمراً
يسمى الرؤيا في قوّة تسمى الخيال فإذا نام كأنه خرج عن هذه النشأة فنظر إليه أبوه وسرّ به
وألقى إليه روحاً وآنسه وبادرت إليه الأرواح وتراءى له الحق من تنزيهه، وبدا له ذلك كله في
أجساد ألف شهودها من جنس دار نشأته التي فارقها بالنوم، فيظن في النوم أنه في دار نشأته
التي ألفها ويعرفها ويظن في كل ما يراه في تلك المواد أنها على حسب ما شهدها، فهذا
القدر هو الذي له في هذه النشأة الدنيا من الأنس بأبيه وإخوانه من الأرواح ومن الأنس بربه،
ومنهم من يتقوى في ذلك بحيث إنه يرى ذلك في يقظته، وأعطاه علماً سماه علم التعبير عبر
به في مشاهدة تلك الصور إلى معانيها، فإذا أراد الله أن يخلي هذه الدار الدنيا من هذه النشأة
التي هي دار النفس الناطقة أرحل عن هذه النشأة روحها المدبر لها وأسكنه صورة برزخية من

٣٦٢
في المنازل/ الباب الرابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة المنزل الأقصى السَّرَيَاني
الصور التي كان يلبسها في حال النوم، فإذا كان يوم القيامة وأراد الله أن ينقله إلى الدار
الأخرى دار الحيوان وهي دار ناطقة ظاهرة الحياة ثابتة العين غير زائلة أنشأ لهذه النفس الناطقة
داراً من جنس هذه الدار الأخرى مجانسة لها في صفتها لأنها لا تقبل ساكناً لا يناسبها فخلق
نشأة بدنية طبيعية للسعداء عنصرية للأشقياء فسوّاها فعدلها ثم أسكنها هذه النفس الناطقة فأزال
عنها حجب العمى والجهل والشك والظن وجعلها صاحبة علم ونعيم دائم وأراها أباها
ففرحت به وأراها خالقها ورازقها وعرف بينها وبين إخوتها وانتظم الشمل بالأحباب،
وأشهدها كل شي كان في الدار الأولى غائباً، وأسكن هذه النشأة الدار الأخرى المسماة جنة
منها، فإنه قسم الدار الأخرى إلى منزلين هذا هو المنزل الواحد والمنزل الآخر المسمى
جهنم، جعل نشأة بدن أنفسها الناطقة عنصرية تقبل التغيير وأصحبها الجهل وسلب عنها العلم
فأعطى جهل المؤمنين من أهل التقليد من كان من أهل هذه الدار دار الشقاء عالماً بدقائق
الأمور فدخل بذلك الجهل النار إذ كان من أهلها وهي لا تقبل العلماء، وأعطى هذا العالم
الذي كان في الدنيا عالماً بدقائق الأمور ولم يكن من أهل الجنة جهل المؤمن المقلد فإن الجنة
ليست بدار جهل فيرى المؤمن الأبله المقلد ما كان عليه من الجهل على ذلك العالم فيستعيذ
بالله من تلك الصفة ويرى قبحها ويشكر الله على نعمته التي أعطاه إياها بما كساه وخلع عليه
من علم ذلك العالم الذي هو من أهل النار وينظر إليه ذلك العالم فيزيد حسرة إلى حسرته،
ويعلم أن الدار أعطت هذه الحقائق لنفسها فيقول: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون
من المؤمنين لعلمهم إذ كانوا مؤمنين، وإن كانوا جاهلين أنهم إذا انتقلوا إلى دار السعادة
خلعت عنهم ثياب الجهالة وخلع عليهم خلع العلم فلا يبالون بما كانوا عليه من الجهل في
الدنيا لحسن العاقبة وما علموا أنهم لو ردوا إلى الدنيا في النشأة التي كانوا عليها لعادوا إلى
حكمها فإن الفعل بالخاصية لا يتبدل، فما تكلموا بما تكلموا به من هذا التمني إلا بلسان
النشأة التي هم فيها وتخيلوا أن ذلك العلم يبقى عليهم، وما جعل الله في هذه النشأة الدنيا
النسيان للعلماء بالشيء فيما قد علموه ويعلمون أنهم قد كانوا علموا أمراً فيطلبون استحضاره
فلا يجدونه بعد ما كانوا عالمين به إلا إعلاماً وتنبيهاً أنه على كل شيء قدير بأن يسلب عنهم
العلم بما كانوا به عالمين إذا دخلوا النار يختص برحمته من يشاء وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُوَّ
مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْنِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ﴾ وأي ملك أعظم من العلم وهو ما أعطاه من العلم للمؤمن
المقلد الجاهل السعيد في الدار الآخرة ﴿ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءٌ﴾ وأي ملك أفضل من العلم
فينزعه من العالم غير المؤمن الذي هو من أهل النار ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآَهُ﴾ بذلك العلم ﴿وَتُذِلُ مَنْ
تَشَاءٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] بانتزاع ذلك العلم منه: [البسيط]
علمتُ أَنْيَ مسؤولٌ ومَقْصُودُ
لمّا عَلِمْتُ بأن الله كَلَّفَني
وأنّني لا أزال الذَّهْرَ أَعْبُدُهُ
وما تَجَلّى لشيء من خَلِيقَتِهِ
من عَيْنٍ صورته لا من حقيقته
دنيا وآخرةً وَالحَقّ معبودُ
إلا ويشهدُ أن الحَقّ مَشْهُودُ
فالأمرُ والشأنُ موجودٌ ومفقودُ

٣٦٣
في المنازل / الباب الرابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة المنزل الأقصى السَّرَيَاني
وكلنا وَجْهُهُ والوجهُ محدودُ
لأنّنا بعُيون الوجه نُبْصِرُهُ
فليس ثَمَّ سوى الرَّحْمُنِ موجودُ
هو الوجودُ ومَنْ في الكون صُورَتُهُ
دار اللطيف فما في الكون تجريدُ
الدارُ داران دارُ الدار يَعْمُرُها
ولولا أن الحقائق تعطي أن المآل إلى الرحمة في الدار الأخرى فيرحمه معنى وحساً فثم
من تكون الرحمة به عين العافية لا غير وارتفاع الآلام، وهذا مخصوص بأهل النار الذين هم
أهلها فهم لا يموتون فيها لما حصل لهم فيها من العافية بزوال الآلام فاستعذبوا ذلك، فهم
أصحاب عذاب لا أصحاب ألم ولا يحيون أي ما لهم نعيم كنعيم أهل الجنان الذي هو أمر
زائد على كونهم عافاهم من دار الشقاء: [البسيط]
إلا الذي بشُهُود الحِسُّ يُنْشِيهِ
في القَلْبِ مِنْكَ لهيبٌ ليس يُطْفِیهِ
فمن يمرُّ على قلبي فيُنْبيهِ
إنّي أخافُ على الأشراف من شَرَفٍ
فإنه بشهود الحال يُبْرِيهِ
إذا أتَى صاحبُ العاهات يطلبُه
إلا الذي كان قبل اليَوْم يُبْدِيهِ
وما يُعِيدُ على قلبي تَنَعُمَهُ
واعلم أنه من زعم اليوم أن العلم هو السعادة فإنه صادق بأن العلم هو السعادة وبه
أقول، ولكن فاته ما أدركه أهل الكشف وهو أنه إذا أراد الله شقاوة العبد أزال عنه العلم فإنه
لم يكن العلم له ذاتياً بل اكتسبه وما كان مكتسباً فجائز زواله ويكسوه حلة الجهل، فإن عين
انتزاع العلم جهل ولا يبقي عليه من العلم إلا العلم بأنه قد انتزع عنه العلم، فلو لم يبق الله
تعالى عليه هذا العلم بانتزاع العلم لما تعذب، فإن الجاهل الذي لا يعلم أنه جاهل فارح
مسرور لكونه لا يدري ما فاته، فلو علم أنه قد فاته خير كثير ما فرح بحاله ولتألم من حينه
فما تألم إلا بعلمه ما فاته أو مما كان عليه فسلبه، ولقد أصابني ألم في ذراعي فرجعت إلى الله
بالشكوى رجوع أيوب عليه السلام أدباً مع الله حتى لا أقاوم القهر الإلهي كما يفعله أهل
الجهل بالله ويدعون في ذلك أنهم أهل تسليم وتفويض وعدم اعتراض فجمعوا بين جهالتين،
ولما تحققت ما حققني الله به في ذلك الوجع قلت: [مخلع البسيط]
وذاك مِنّي لضِيقِ بَاعي
شكوتُ منه ومِنْ ذراعي
فأين دعواكِ في اتّساعي
فقلتُ للنفس تَذَّعِيهِ
له فضُرِّيَ عينُ انتفاعي
قالت أنا أشتكيك منه
لولا التَّشَكّي مما أقاسي
وذاك جَهْلٌ يَدْرِيهِ قَلْبُ
لولا شُرُودي عنه بجَهْـلـي
فقُلْتُ لَبَّيْكَ مِن دَعَاني
قد نفق الشوق فاغْتَنِمْه
خرجتُ عنه وعن طِبَاعي
صَاحِبِ حَالٍ بالأتْبَاعِ
لما دعاني إليه داع
فقال أبْغي عَيْنَ المَتَاعِ
فعَيْنُ وَصْلي عَيْنُ انْقِطَاعيّ
فخف عني ما كنت أجده وغاب عني ما كنت أشهده: [الطويل]
ولولا وجودُ اللّوح ما كنت أمْليهِ
فلولا وجودُ العَقْلِ ما كنتُ أذريهِ

٣٦٤
في المنازل/ الباب الرابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة المنزل الأقصى السَّرَيَاني
ولولا حُصُولُ العِلْمِ ما كُنْتُ أُجْرِيهِ
ولولا شُهُودُ الكَوْنِ ما كنت أُوفیهِ
فما عنده عِلْمٌ بَما حَقُّهُ فِیهِ
فمن قال إنّ الخَلْقَ يَعْرِفُ كَوْنَهُ
هو الأَمْرُ في عين الحقيقة يَكْفِيهِ
ويكفيه هذا القَدْرُ مِنْ جَهْلِهِ بما
إذا انكشفت الحقائق فلا ريب ولا مين وبان صبحها لذي عينين كان الاطلاع وارتفع
النزاع وحصل الاستماع، ولكن بينك وبين هذه الحال مفاوز مهلكة وبيداء معطشة وطرق
دارسة وآثار طامسة، يحار فيها الخرّيت فلا يقطعها إلا من يحيي ويميت لا من يحيا ويموت،
فكيف حال من يقاسي هذه الشدائد ويسلك هذه المضايق، ولكن على قدر آلام المشقات
يكون النعيم بالرحات، وما ثم بيداء ولا مفازة سواك، فأنت حجابك عنك فزل أنت وقد سهل
الأمر، فمن علم الخلق علم الحق، ومن جهل البعض من هذا الشأن جهل الكل، فإن البعض
من الكل فيه عين الكل من حيث لا يدري، فلو علم البعض من جميع وجوهه علم الكل،
فإن من وجوه كونه بعضاً علم الكل، وهذا المنزل من المنازل التي كثرت آياتها واتضحت
دلالاتها، ولكن الأبصار في حكم أغطيتها والقلوب في أكنتها والعقول مشغولة بمحاربة
الأهواء، فلا تتفرغ للنظر المطلوب منها .
وفي هذا المنزل من العلوم: علم مقاومة الأعداء وتقابل الأهواء بالأهواء فإن العقول
إن لم تدفع الهوى بالهوى لم تحصل على المقصود فإن النفوس ما اعتادت إلا الأخذ عن
هواها فإذا كان العقل عالماً بالسياسة حاذقاً في إنشاء الصور أنشأ للنفس صورة مطلوبه في
عين هواها فقبلته قبول عشق فظفر بها، وفيه علم خواص الأعداد والحروف، وفيه علم
بسائط الأعداد وما حكمها فيما تركب منها وهل يبقى فيها مع التركيب خواصها التي لها من
كونها بسائط أم لا؟ وفيه علم الظروف الزمانية وبيد من هي، وفيه علم الزمان المستقبل إذا
كان حالاً ما حكمه؟ وفيه علم أحدية العلم وما ينسب إليه من الكثرة ليس لعينه وإنما ذلك
لمتعلقاته، وفيه علم ما ينتجه النظر الفكري في الظروف المكانية، وفيه علم آجال الأكوان
في الدنيا والآخرة مع كون الآخرة لا نهاية لها وعموم قوله: ﴿ كُلِّ يَجْرِىّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾
[لقمان: ٢٩] فلا بدّ لكل شيء من غاية والأشياء لا يتناهى وجودها فلا تنتهي غاياتها، فالله
يجدد في كل حين أشياء، وكل شيء له غاية تلك الغاية هي أجله المسمى، فليس الأجل
إلا لأحوال الأعيان، والأعيان غايتها عين لا غاية، وفيه علم الحقيقة والمجاز والاعتبار
ومم يعبر وإلى ماذا يعبر وما فائدة ذلك؟ وفيه علم عمارة الدارين وهو الذي ذكرنا منه طرفاً
في هذا الباب وما استوفيناه، وفيه علم اختلاف أحكام أحوال الساعة، وفيه علم اختلاف
المكلفين في أحوالهم وأن الله يخاطب كل صنف من حيث ما هو ذلك الصنف عليه
لا يزيده على ذلك، وفيه علم يقضي بأن الأمر بدء كله لا إعادة فيه، وفيه علم كون الحق
ينزل في الخطاب إلى فهم المخاطب وكله حق وإن تناقض وظهر فيه تقابل فثم عين واحدة
تجمعه كالسواد والبياض ضدان متقابلان يجمعهما اللون وكالألوان حقائق مختلفة يجمعهنّ
العرض، وفيه علم التوحيد بعين التشبيه، وفيه علم التفضيل، وفيه علم حكم كلمات الله

٣٦٥
في المنازل/ الباب الخامس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل السبل المولدة وأرض العبادة
حكم خلق الله، وفيه علم تكوين الأعمال الكونية وإقامتها صوراً، وفيه علم الجمع
والوجود، وفيه علم ما تقتضيه النشأة الطبيعية من الأحكام، وفيه علم العلل والأسباب
والجزاء، وفيه علم الفرق بين أسباب الدنيا وأسباب الآخرة وفضل أسباب الدنيا عليها، وفيه
علم ما يعود على الإنسان من عمله وما يضيف إلى الله من ذلك يضيفه إلى نفسه، وفيه علم
التكوين الإلهي من الأسباب الكونية وهي الآثار العلوية البرزخية لا غير، وفيه علم تغير
الأحوال لتغير الحركات الفلكية، وفيه علم حال الحيوان من حين نشأته إلى حين موته،
وفيه علم القياس الإلهي، وفيه علم تأثير الكون في الكون وعلم ما يتقى به ذلك التأثير،
وفيه علم القيامة وأحوالها ومراتبها، وفيه علم أمر العالم بجملته، وفيه علم فضل أهل
النواميس الإلهية على أهل النواميس العقلية الحكمية، فهذا ذكر أكثر ما يحوي عليه هذا
المنزل من العلوم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخامس والخمسون وثلاثمائة
في معرفة منزل السبل المولدة وأرض العبادة
واتساعها وقوله تعالى: ﴿يا عبادي إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾
[المديد]
وسَماء الله تَنْكِحُهَا
ما لأرض الله واسعةٌ
ويَمِينُ الجُوِد تَفْتَحُهَا
مجمعُ الأبواب مغلقةٌ
وبنُور العِلْم يَشْرحُها
وصُدُورٍ ضاقَ مَسْكَنُها
وعلومُ الكَشْفِ تُوضِحُها
مبهماتُ السّرّ مظلمةٌ
حضرةُ المِحسانٍ تَمْنَحُها
كلّ ما أُعْطِيتَ مِنْ نِعَم
ثُمّ إن قام الفسادُ بها
ثُمّ إِن شَذَّتْ وإنْ عَدَلَتْ
كلُّ دَغْوَى غَيْرُ صادقةٍ
زَنْدِ ذِي البَلْوَى بكل أذَّى
فعسى الرّحمنُ يُصْلِحُها
فلجامُ الهَدْيِ يَكْبَحُها
فلسانُ العَجْزِ يَفْضَحُها
من بلاء الكَوْنِ يَقْدَحُهَا
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنَّ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِهَا﴾ [النساء: ٩٧] ولم يقل منها ولا إليها
فهي أرض الله سواء سكنها من يعبده أو من يستكبر عن عبادته، وقال عز من قائل: ﴿يَعِبَادِىَ
الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] فأضافها إليه أشدّ إضافة من قوله: ((إن
أرض الله)) وكذلك أضاف العباد إليه إضافة الأرض إضافة اختصاص، وكذلك أضافهم في
الأمر بالعبادة إليه فقال: ﴿فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] وقال في غير هذا الموطن: ﴿أَعْبُدُواْ
اللََّ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧] فمن عرف قدر هذه الإضافة إلى المتكلم عرف
قدر ما بين الإضافتين وإن كان المقصود بالعبادة واحداً فضيق في توسعه في إضافتهم إلى
المتكلم، ووسع في إضافتهم إلى الاسم، وهنا أسرار لا يعلمها إلا من يعلم الأمر على ما هو

٣٦٦
في المنازل / الباب الخامس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل السبل المولدة وأرض العبادة
عليه في نفسه وهو قوله عليه السلام لما فتح مكة: ((لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْح)) مع أن مكة أشرف
البقاع وأنها بيت الله الذي يحج إليه من مشارق الأرض ومغاربها، ولكن أمر وعظم الأجر لمن
يهاجر منها من أجل ساكنيها، فلما فتحها الله وأسكنها المؤمنين من عباده قال: ((لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ
الفَتْحِ)) فمن فتح الله عليه رآه في كل شيء أو عين كل شيء فلم يهاجر لأنه غير فاقد، فإن
هاجرَ فعن أمره فيهاجر به منه إليه عن أمره مثل خروجه إلى أداء الصلاة في مسجد الجماعة،
ومثل خروجه إلى مكة يريد الحج، وكخروجه أيضاً إلى الجهاد وإلى الزيارة، وزيارة أخ في
الله تعالى، أو في السعي على العيال، فهذا كله ليس بهجرة على الحقيقة وإنما هي سياحة عن
أمر إلهيّ على شهود، فإن لم يكن على شهود ولا كأنه شهود فما هو مطلوبنا في هذا
الموضع، فإن أدنى مرتبة الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.
ولما خلق الله الإنسان الكامل بالصورتين الموجود بالنشأتين الذي جمع الله له بين
الاسمين الأوّل والآخر وأعطاه الحكمين في الظاهر والباطن ليكون بكل شيء عليماً خلقه من
تراب الأرض أنزل موجود خلق ليس وراءها وراء كما أنه ليس وراء الله مرمى، فجعل مسكنه
في أشرف الأماكن وهو النقطة التي يستقر عليها عمد الخيمة، وجعل العرش المحيط مكان
الاستواء الرحماني كما يليق بجلاله إعلاماً بالارتباط الإلهي الذي بين العرش والأرض وما
بينهما من مراتب العالم المتحيز العام للمساحات من الأفلاك والأركان، فجميع العالم في
جوف العرش إلا الأرض فإنها مقر السرير، فلما أراد الله أن يخلقنا لعبادته قرب الطريق علينا
فخلقنا من تراب في تراب وهو الأرض التي جعلها الله ذلولاً والعبادة الذلة، فنحن الأذلاء
بالأصل لا نشبه من خلق نوراً من النور وأمر بالعبادة فبعدت عليهم الشقة لبعد الأصل مما
دعاهم إليهم من عبادته، فلولا أن الله أشهدهم بأن خلقهم في مقاماتهم ابتداء لم ينزلوا منها
فلم يكن لهم في عبادتهم ارتقاء كما لنا ما أطاقوا الوفاء بالعبادة فإنّ النور له العزة ماله الذلة،
فمن عناية الله بنا لما كان المطلوب من خلقنا عبادته أن قرب علينا الطريق بأن خلقنا من
الأرض التي أمرنا أن نعبده فيها، ولما عبد منا من عبد غير الله غار الله أن يعبد في أرضه غيره
فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِنَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أي حكم فما عبد من عبد غير الله إلا لهذا
الحكم فلم يعبد إلا الله وإن أخطؤوا في النسبة إذ كان الله في كل شيء وجه خاص به ثبت ذلك
الشيء فما خرج أحد عن عبادة الله .
ولما أراد الله أن يميز بين من عبده على الاختصاص وبين من عبده في الأشياء أمر
بالهجرة من الأماكن الأرضية التي يعبد الله فيها في الأعيان ليميز الله الخبيث من الطيب،
فالخبيث هو الذي عبد الله في الأغيار، والطيب هو الذي عبد الله لا في الأغيار، وجعل
تعالى هذه الأرض محلاً للخلافة فهي دار ملكه وموضع نائبه الظاهر بأحكام أسمائه، فمنها
خلقنا وفيها أسكننا أحياء وأمواتاً ومنها يخرجنا بالبعث في النشأة الأخرى حتى لا تفارقنا
العبادة حيث كنا دنيا وآخرة، وإن كانت الآخرة ليست بدار تكليف ولكنها دار عبادة، فمن لم
يزل منا مشاهداً لما خلق له في الدنيا والآخرة، فذلك هو العبد الكامل المقصود من العالم

٣٦٧
في المنازل/ الباب الخامس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل السبل المولدة وأرض العبادة
النائب عن العالم كله الذي لو غفل العالم كله أعلاه وأسفله زمناً فرداً عن ذكر الله وذكره هذا
العبد قام في ذلك الذكر عن العالم كله وحفظ به على العالم وجوده، ولو غفل العبد الإنساني
عن الذكر لم يقم العالم مقامه في ذلك وخرب منه من زال عنه الإنسان الذاكر، قال
النبي وَّرَ: (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ وَفِي الأرْضِ مَنْ يَقُولُ: الله الله)) ولما خلق الله هذه النشأة الإنسانية
وشرّفها بما شرفها به من الجمعية ركب فيها الدعوى وذلك ليكمل بها صورتها فإن الدعوى
صفة إلهية قال تعالى: ﴿إِنَِّىّ أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَأَعْبُدْنِ﴾ [طه: ١٤] فادّعى أنه لا إله إلا هو
وهي دعوى صادقة، فمن ادّعى دعوى صادقة لم تتوجه عليه حجة وكان له السلطان على كل
من ردّ عليه دعواه لأن له الشدّة والغلبة والقهر لأنه صادق والصدق الشدّة فلا يقاوم.
ولما كانت الدعوى خبراً والخبر نسبة الصدق إليه ونسبة الكذب على السواء بما هو
خبر يقبل هذا وهذا علمنا عند ذلك أنه لا بد من الاختبار، فادعى المؤمن الإيمان وهو
التصديق بوجود الله وأحديته وأنه لا إله إلا هو وأن كل شيء هالك إلا وجهه، وأن الأمر لله
من قبل ومن بعد، فلما ادعى بلسانه أن هذا مما انطوى عليه جنانه وربط عليه قلبه احتمل أن
يكون صادقاً فيما ادعاه أنه صفة له، ويحتمل أن يكون كاذباً في أن ذلك صفة له فاختبره الله
لإقامة الحجة له أو عليه بما كلفه من عبادته على الاختصاص لا العبادة السارية بسريان
الألوهة ونصب له وبين عينيه الأسباب وأوقف ما تمس حاجة هذا المدعي على هذه الأسباب
فلم يقض له بشيء إلا منها وعلى يديها، فإن رزقه الله نوراً يكشف به ويخترق سدف هذه
الأسباب فيرى الحق تعالى من ورائها مسبباً اسم فاعل أو يراه فيها خالقاً وموجداً لحوائجه
التي اضطره إليها، فذلك المؤمن الذي هو على نور من ربه وبينه من أمره الصادق في دعواه
الموفي حق المقام الذي ادّعاه بالعناية الإلهية التي أعطاه ﴿وَمَن لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾
[النور: ٤٠] فقال بعد إقراره بربوبية خالقه لما أشهده على نفسه في أخذ الميثاق حين قال له
ولأمثاله: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فلما أوجده في هذه الدنيا أوجده على تلك
الفطرة فقال بألوهية الأسباب التي رزقه الله منها وجعلها حجباً بينه وبين الله، ولم يكن له نور
يهتدي به في ظلمات البر والبحر وليس إلا النجوم وهي هنا نجوم العلم الإلهي، فأضاف
الألوهة إلى غير مستحقها فكذب في دعواه لكثرة الأسباب وإقراره في شركه بأن ذلك قربة منه
إلى الله خالق الأسباب وجعلها آلهة فلم يصدق قوله لا إله إلا هو، ولهذا قال من قال: ﴿أَجَعَلَ
اَلْأَلِمَةَ إِلَهَا وَجِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] وليس العجب إلا ممن كثر الآلهة والذي لم يقل
بنسبة الألوهة للأسباب لكنه لم ير إلا الأسباب وما حصل له من الكشف ما يخرجه عنها مع
توحيد الألوهة، كان ذلك شركاً خفياً لا يشعر به صاحبه أنه شرك يحجبه عن الأمر العالي
الذي طلب به، فلم يوجد صاحب هذه الدعوى في توحيد الله وتوحيده في أفعاله مع
الاضطراب عند فقد السبب وسكونه عند وجوده صادقاً فنقصه على قدر ما فاته من ذلك هذا
ولم يجعل للأسباب آلهة .
فإن قلت: فالمشرك الذي ادعى أنه مشرك فهو صادق في دعواه أنه مشرك فلماذا لم

٣٦٨
في المنازل/ الباب الخامس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل السبل المولدة وأرض العبادة
ينفعه صدقه؟ قلنا: هو كاذب في دعواه في نسبة الألوهة إلى من ليس بالإله هذه دعواه التي
كفر بها فهو صادق في أنه مشرك وليس بصادق في أن الشركة في الألوهة صحيحة لأنه بحث
عن ذلك بأدلة العقلية والشرعية فلم يوجد لما ادّعاه عين في الصدق فاختبر الله العباد بما شرع
لهم بإرسال الرسل واختبر الله المؤمنين بالأسباب، فكل صنف اختبره بحسب دعواه، فمن
صدق أورثه ذلك الصدق ما تعطيه دعواه ولهذا يسأل الصادقين عن صدقهم فيما صدقوا فيه،
هل صدقوا فيما أمروا به وأبيح لهم؟ أو هل صدقوا في إتيان ما حرم عليهم إتيانه مع كونهم
صادقين فيقال لهم فيم صدقتم؟ فإن النمامين صادقون والمغتابين صادقون وقد ذمهم الله
وتوعد على ذلك مع كونه صدقاً فلهذا يسأل الصادقين عن صدقهم فيما صدقوا، فهذا من
اختبار الله إياهم، وأصل هذا كله ما ركب فيهم من الدعاوى، مما اختبرهم الله به في الخطاب
أن جعل ما ابتلاهم به ليعلم الله الصادق في دعواه من الكاذب، فأنزل نفسه في هذا الاختبار
منزلة من يستفيد بذلك علماً وهو سبحانه العالم بما يكون منهم في ذلك قبل كونه، فمن
المنزهة في زعمهم من يقول إن الله لا يستفيد من ذلك علماً فإنه لا يعلم الأمر من حيث
ما هو واقع من فلان على التعيين، فردّ كلام الله وتأوّله إذا خاف من وقوع الأذى به لذلك،
ومن الظاهرية من التزم أنه يعلم بذلك الاختبار وقوفاً عند هذا اللفظ، ومن الناس من صرف
ذلك إلى تعلق العلم به عند الوقوع، فالعلم قديم والتعلق حادث، ومن المؤمنين من سلم علم
ذلك إلى الله وآمن به من غير تأويل معين وهذا هو أسلم ما يعتقد، وهذا كله ابتلاء من الله
لعباده الذين ادعوا الإيمان به بألسنتهم فإنه قال حتى نعلم كما قاله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥]
وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنَكُمْ وَيَعْلَمَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]
فميز بينهما فيجازي المجاهد بجزاء معين، ويجازي الصابر عليه بجزاء معين، وقال:
﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] لما ذكر الفتنة وهي الاختبار. فإذا
نظر الإنسان إلى نشأته البدنية قامت معه الأرض التي خلق منها وجعل منها غذاؤه وما به
صلاح نشأته لم يرزقه الله في العادة من غيرها، ومن خرق الله فيه العادة بأن لم يرزقه منها
رزقه من أمر طبيعي خفي، وهو السبب الذي أبقى عليه حياته به فوفر عليه حرارته ورطوبته
التي هي مادة حياته بأمر لطيف لا يعلمه إلا الله، ومن أطلعه عليه لأن الله لما وضع الأسباب
لم يرفعها في حق أحد، وإنما أعطى الله بعض عباده من النور ما اهتدى به في المشي في
ظلمات الأسباب غير ذلك ما فعل به فعاينوا من ذلك على قدر أنوارهم فحجب الأسباب
مسدلة لا ترفع أبداً فلا تطمع، وإن نقلك الحق من سبب فإنما ينقلك بسبب آخر فلا يفقدك
السبب جملة واحدة فإنه حبل الله الذي أمرك بالاعتصام به وهو الشرع المنزل وهو أقوى
الأسباب وأصدقها، وبيده النور الذي يهتدى به في ظلمات بر هذه الأسباب وبحرها، فمن
عمل كذا وهو السبب فجزاؤه كذا فلا تطمع فيما لا مطمع فيه ولكن سل الله تعالى رشة من
ذلك النور على ذاتك، وأظهر الأمور اللطيفة أن جعل بدنك ذا مسام، وأحاط بك الهواء الذي
هو مادة الحياة الطبيعية فإنه حار رطب بالذات، وجعل فيك قوّة جاذبة فقد تجذب في وقت

٣٦٩
في المنازل/ الباب الخامس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل السبل المولدة وأرض العبادة
فقدك الأسباب المعتادة الهواء من مسامك فتغذي به بدنك وأنت لا تشعر، وقد علمنا أن من
الحشرات من يكون غذاؤه من مسام بدنه مما يجذبه من الرطوبات على ميزان خاص يكون له
به البقاء من غير إفراط ولا تفريط .
ثم لتعلم أيها الأخ الولي أن أرض بدنك هي الأرض الحقيقية الواسعة التي أمرك الحق
أن تعبده فيها وذلك لأنه ما أمرك أن تعبده في أرضه إلا ما دام روحك يسكن أرض بدنك،
فإذا فارقها أسقط عنك هذا التكليف مع وجود بدنك في الأرض مدفوناً فيها فتعلم أن الأرض
ليست سوى بدنك، وجعلها واسعة لما وسعته من القوى والمعاني التي لا توجد إلا في هذه
الأرض البدنية الإنسانية. وأمّا قوله: فتهاجروا فيها فإنها محل للهوى ومحل للعقل فتهاجروا
من أرض الهوى منها إلى أرض العقل منها، وأنت في هذا كله فيها ما خرجت عنها، فإن
استعملك الهوى أرداك وهلكت، وإن استعملك العقل الذي بيده سراج الشرع نجوت وأنجاك
الله به، فإن العقل السليم المبرأ من صفات النقص والشبه هو الذي فتح الله عين بصيرته
لإدراك الأمور على ما هي عليه فعاملها بطريق الاستحقاق فأعطى كل ذي حق حقه، ومن لم
يعبد الله في أرض بدنه الواسعة فما عبد الله في أرضه التي خلق منها فإن الله يقول: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ
اُلْإِنسَنِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَتٍ مِّن ◌َّاءٍ فَهِيٍ﴾ [السجدة: ٧، ٨] وهو الماء الذي نبع من
هذه الأرض البدنية واستقر في رحم المرأة ﴿ثُمَّ سَوَّنَهُ﴾ [السجدة: ٩] فبعد تسوية أرض البدن
وقبوله الاشتعال بما فيه من الرطوبة والحرارة نفخ الله فيه فاشتعل فكان ذلك الاشتعال روحاً له
فما خرج إلا منه فمنه خلق، وجعل العقل في هذه النشأة نظير القمر في الأرض نوراً يستضاء
به ولكن ما له ذلك النفوذ بالحجب المانعة من البيوت والجدران والأكنة. وجعل الشرع لهذا
العقل في هذه الأرض البدنية سراجاً فأضاءت زوايا هذه الأرض بنور السراج فأعطى من العلم
بها مما فيها ما لم يعطه نور العقل الذي هو بمنزلة القمر، ثم يعيدنا فيها يعني في النشأة
الأخرى أيضاً كما خلقنا فيها ويخرجنا إخراجاً لمشاهدته كما أنشأنا منها وأخرجنا لعبادته،
فخلق أرواحنا من أرض أبداننا في الدنيا لعبادته، وأسكننا أرض أبداننا في الآخرة لمشاهدته
إن كنا سعداء، كما آمنا به في النشأة الأولى لما اعتنى الله بنا، والحال مثل الحال سواء في
تقسيم الخلق في ذلك، وكذلك يكونون غداً، والموت بين النشأتين حالة برزخية تعمر
الأرواح فيها أجساداً برزخية خيالية مثل ما أعمرتها في النوم وهي أجساد عن هذه الأجسام
الترابية، فإن الخيال قوّة من قواها، فما برحت أرواحها منها أو مما كان منها فاعلم ذلك
فأرض الله التي هي ركن موجودة وأنت فيها مدفون، وما أمرت بعبادة ربك، وما دمت في
أرض بدنك الواسعة مع وجود عقلك وسراج شرعك فأنت مأمور بعبادة ربك، فهذه الأرض
البدنية لك على الحقيقة أرض الله الواسعة التي أمرك أن تعبده فيها إلى حين موتك، ومن مات
فقد قامت قيامته وهي القيامة الجزئية وهو قوله: ﴿وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] فإذا فهمت القيامة
الجزئية بموت هذا الشخص المعين علمت القيامة العامة لكل ميت كان عليها، فإن مدّة البرزخ
هي للنشأة الآخرة بمنزلة حمل المرأة الجنين في بطنها ينشئه الله نشأ بعد نشء فتختلف عليه
الفتوحات المكية ج٥ - م٢٤

٣٧٠
في المنازل/ الباب الخامس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل السبل المولدة وأرض العبادة
أطوار النشء إلى أن يولد يوم القيامة، فلهذا قيل في الميت إنه إذا مات فقد قامت قيامته أي
ابتدأ فيه ظهور نشأة الأخرى في البرزخ إلى يوم البعث من البرزخ، كما يبعث من البطن إلى
الأرض بالولادة، فتدبير نشأة بدنه في الأرض زمان كونه في البرزخ ليسويه ويعدله على غير
مثال سبق مما ينبغي للدار الآخرة فيعبده فيها أعني في أرض نشأته الأخراوية عبادة ذاتية
لا عبادة تكليف، فإن الكشف يمنعه أن يكون عبداً لغير من يستحق أن يكون له عبداً كما ينال
هذا المقام رجال الله هنا. ولما خلق الله أرض بدنك جعل فيها كعبة وهو قلبك وجعل هذا
البيت القلبي أشرف البيوت في المؤمن فأخبر أن السموات وفيها البيت المعمور والأرض
وفيها الكعبة ما وسعته وضاقت عنه ووسعه هذا القلب من هذه النشأة الإنسانية المؤمنة،
والمراد هنا بالسعة العلم بالله سبحانه، فهذا يدلك على أنها الأرض الواسعة وأنها أرض
عبادتك فتعبده كأنك تراه من حيث بصرك لأن قلبك محجوب أن يدركه بصرك فإنه في الباطن
منك فتعبد الله كأنك تراه في ذاتك كما يليق بجلاله وعين بصيرتك تشهده فإنه ظاهر لها ظهور
علم، فتراه بعين بصيرتك وكأنك تراه من حيث بصرك، فتجمع في عبادتك بين الصورتين:
بين ما يستحقه تعالى من العبادة في الخيال وبين ما يستحقه من العبادة في غير موطن الخيال
فتعبده مطلقاً ومقيداً وليس ذلك لغير هذه النشأة، فلهذا جعل هذه النشأة المؤمنة حرمه المحرم
وبيته المعظم المكرم، وقد أشرت إلى هذا المعنى بقولي: [مجزوء الرجز]
قد زَاَل عَنْهُ كلّهُ
من كان حَقّاً كُلُّهُ
وأنتَ منه ظلُّهُ
فالحَقُّ شخصٌ قائمٌ
فالأمرُ حَقِّ كُلُّهُ
أو أنْتَ فيه ظلُّهُ
فالحلُ لا يحلُّهُ
حرامُه مُختَرمٌ
فإنه يُجِلُّهُ
عن كُلُ ما لا ينبغي
فكل من في الوجود من المخلوقات يعبد الله على الغيب إلا الإنسان الكامل المؤمن فإنه
يعبده على المشاهدة، ولا يكمل العبد إلا بالإيمان فله النور الساطع، بل هو النور الساطع
الذي يزيل كل ظلمة، فإذا عبده على الشهادة رآه جميع قواه فما قام بعبادته غيره، ولا ينبغي
أن يقوم بها سواه، فما ثم من حصل له هذا المقام إلا المؤمن الإنساني فإنه ما كان مؤمناً إلا
بربه فإنه سبحانه المؤمن. واعلم أنك إذا لم تكن بهذه المنزلة وما لك قدم في هذه الدرجة فأنا
أدلك على ما يحصل لك به الدرجة العليا، وهو أن تعلم أن الله ما خلق الخلق على مزاج
واحد بل جعله متفاوت المزاج، وهذا مشهود بالبديهة والضرورة لما بين الناس من التفاوت
في النظر العقلي والإيمان، وقد حصل لك من طريق الحق أن الإنسان مرآة أخيه، فيرى منه
ما لا يراه الشخص من نفسه إلا بوساطة مثله، فإن الإنسان محجوب بهواه متعشق به، فإذا
رأى تلك الصفة من غيره وهي صفته أبصر عيب نفسه في غيره فعلم قبحها إن كانت قبيحة أو
حسنها إن كانت ذات حسن.
واعلم أن المرائي مختلفة الأشكال وأنها تصير المرئي عند الرائي بحسب شكلها من

٣٧١
في المنازل/ الباب الخامس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل السبل المولدة وأرض العبادة
طول وعرض واستواء وعوج واستدارة ونقص وزيادة وتعدد وكل شيء يعطيه شكل تلك
المرآة، وقد علمت أن الرسل أعدل الناس مزاجاً لقبولهم رسالات ربهم، وكل شخص منهم
قبل من الرسالة قدر ما أعطاه الله في مزاجه من التركيب، فما من نبيّ إلا بعث خاصة إلى قوم
معينين لأنه على مزاج خاص مقصور، وأن محمداً وَّر ما بعثه الله إلا برسالة عامة إلى جميع
الناس كافة، ولا قبل هو مثل هذه الرسالة إلا لكونه على مزاج عام يحوي على مزاج كل نبيّ
ورسول، فهو أعدل الأمزجة وأكملها وأقوم النشآت، فإذا علمت هذا وأردت أن ترى الحق
على أكمل ما ينبغي أن يظهر به لهذه النشأة الإنسانية فاعلم أنك ليس لك ولا أنت على مثل
هذا المزاج الذي لمحمد وّل#، وأن الحق مهما تجلى لك في مرآة قلبك فإنما تظهره لك
مرآتك على قدر مزاجها وصورة شكلها، وقد علمت نزولك عن الدرجة التي صحت
لمحمد رَّ في العلم بربه في نشأته، فالزم الإيمان والاتباع واجعله إمامك مثل المرآة التي
تنظر فيها صورتك وصورة غيرك، فإذا فعلت هذا علمت أن الله تعالى لا بد أن يتجلى
لمحمد ◌َّ في مرآته، وقد أعلمتك أن المرآة لها أثر في ناظر الرائي في المرئي، فيكون ظهور
الحق في مرآة محمد ◌ّي أكمل ظهور وأعدله وأحسنه لما هي مرآته عليه، فإذا أدركته في مرآة
محمد لم فقد أدركت منه كمالاً لم تدركه من حيث نظرك في مرآتك، ألا ترى في باب
الإيمان وما جاء في الرسالة من الأمور التي نسب الحق لنفسه بلسان الشرع مما تحيله العقول،
ولولا الشرع والإيمان به لما قبلنا من ذلك من حيث نظرنا العقلي شيئاً ألبتة بل نرده ابتداء
ونجهل القائل؟ فكما أعطاه بالرسالة والإيمان ما قصرت العقول التي لا إيمان لها عن إدراكها
ذلك من جانب الحق، كذلك قصرت أمزجتنا ومرائي عقولنا عند المشاهدة عن إدراك
ما تجلى في مرآة محمد وَّر أن تدركه في مرآتها، وكما آمنت به في الرسالة غيباً شهدته في
هذا التجلي النبوي عيناً: [مجزوء الوافر]
فلَوْلاهُ ولَؤْلانا
ولا جاءت رسالاتٌ
بأخبارٍ وأحكام
وتوراةً وإنْجيلاً
وسمّاهُ أولو الألبا
وثَلِّث ذاك إسلاماً
فسُبْحان الذي أَسْرَى
وخصّ بصورة الرحمـ
وجاءت رُسْلُهُ تَتْرَى
وأعطانا وحابانا
وجَنَّات وأنْهاراً
وكَشْفاً ثُمّ إشهاداً
لما كانَ الذي كانــا
من الرحمن مَؤلانا
وسُمّي ذاك تِبْيَانَا
وفُزْقَاناً وقُرْآَنَا
ب بالأفكار بُزهانًا
وإيماناً وإخسَانـا
به ليَرَاهُ مخسَانًا
ـن من سمّاه إنسانا
زَرَافاتٍ ووِخْدَانا
هنا ما شاء كِثْمَانـا
ورَوْحاً ثُمَّ رَيْحَانا
وإسْراراً وإغلانا

٣٧٢
في المنازل/ الباب الخامس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل السبل المولدة وأرض العبادة
فقد نصحتك وأبلغت لك في النصيحة، فلا تطلب مشاهدة الحق إلا في مرآة نبيك وت طير،
واحذر أن تشهده في مرآتك أو تشهد النبي وما تجلى في مرآته من الحق في مرآتك فإنه ينزل بك
ذلك عن الدرجة العالية، فالزم الاقتداء والاتباع ولا تطأ مكاناً لا ترى فيه قدم نبيك، فضع
قدمك على قدمه إن أردت أن تكون من أهل الدرجات العلى والشهود الكامل في المكانة
الزلفى، وقد أبلغت لك في النصيحة كما أمرت، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وفي هذا المنزل من العلوم: علم مرتبة الحسبان والظنون وعلم التقرير الإلهي، وفيه علم
الأسرار الخفية عن أكثر الناس، وفيه علم الأفراد، وفيه علم الملاحم، وفيه علم المسابقة وأين
حلبة المسابقة التي بين الله وبين عباده وهو علم شريف فيه من الرحمة الإلهية ما لايصفه
واصف، وفيه علم الردّ على من يقول بإنفاذ الوعيد وشمول الرحمة للجميع وذلك أن الإنسان
إذا عصى فقد تعرض للانتقام والبلاء وأنه جار في شأو الانتقام بما وقع منه وأن الله يسابقه في
هذه الحلبة من حيث ما هو غفار وعفو ومتجاوز وزحيم ورؤوف، فالعبد يسابق بالمعاصي
والسيئات الحق تعالى إلى الانتقام والحق أسبق فيسبق إلى الانتقام قبل وصول العبد بالسيئات
إليه فيجوزه بالغفار وأخواته من الأسماء فإذا وصل العبد إلى آخر الشأو في هذه الحلبة وجد
الانتقام قد جازه الغفار وحال بينه وبين العصاة وهم كانوا يحكمون على أنهم يصلون إليه قبل
هذا وهو قوله تعالى في العنكبوت: [الآية: ٤] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا﴾ أي
يسبقون بسيئاتهم مغفرتي وشمول رحمتي ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ بل السبق لله بالرحمة لهم هذا
غاية الكرم، وهذا لا يكون إلا في الطائفة التي تقول بإنفاذ الوعيد فيمن يموت على غير توبة،
فإذا مات العاصي تلقته رحمة الله في الموطن الذي يشاء الله أن تلقاه فيه، وفيه علم قول
النّبِيّ وََِّّ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أَحَبَّ الله لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لِقَاءَهُ)) ولم يقل لم يلقه فما
كره الله إلا لقاءه الذي كره وهو أن يلقاه آخذاً له على جريمته ومنتقماً فكره الله أن يلقاه بما كره
هذا المسيء فلقيه تعالى بالمغفرة والرضوان لأنه علم أنه ما كره لقاء الله مع كونه مؤمناً بلقائه إلا
لما هو عليه من المخالفة فكره الله لقاءه بما تستحقه المخالفة من العقوبة فلقيه بالعفو والمغفرة،
وفيه علم ما تستحقه الذات لنفسها لا من حيث اتصافها بأنها إله. وفيه علم أن رد الأمور كلها
وإن كانت الله فإن الله بعد وقوفه عليها يردها بما شاء على عباده، وفيه علم إرسال الستور بين
النفوس المؤمنة وبين المخالفات ومن خالف منهم أرسلت الستور بينه وبين العقوبات، وفيه علم
معاملة الله عباده بما يوافق أغراضهم، وفيه علم منزلة الأسباب الموضوعة في العالم التي لها
الآثار فيه، وفيه علم ما تدعوه إليه الأسباب وما ينبغي أن يجيب منها وما ينبغي أن لا يجيب،
وفيه علم إلحاق الأباعد بالأداني والأسافل بالأعالي في التحام ذلك، وفيه علم جهل من يساوي
بين الحق والخلق ومن جهل مراتب العالم عند الله، وفيه علم التفسير والتمييز، وفيه علم
ما يعود على العامل من عمله وما لا يعود، وفيه علم أعمار الأشياء وهو بقاء الشيء إلى زمان
فساد صورته التي بزوالها يزول عنه الاسم الذي كان يستحقه جماداً كان أو نباتاً أو حيواناً، وفيه
علم الأخذ الإلهي بالأسباب الكونية وأن كل مأخوذ به جند من جنود الله، وفيه علم كون العالم

٣٧٣
في المنازل/ الباب السادس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مكتتمة ...
آيات بعضه لبعض، وفيه علم النصائح من المؤمنين وغير المؤمنين، وفيه علم بيان العلم
بالأدلة، وفيه علم ما تمس الحاجة إليه في كل وقت، وفيه علم الاعتبار، وفيه علم الإرادة
والمشيئة، وفيه علم من ينبغي أن يعتمد عليه في الأمور ومن لا يعتمد عليه فيها، وفيه علم من
أراد بأخيه المؤمن سوءاً عاد عليه وهو سار في كل جنس من الأمم، وفيه علم من استعجل صفة
ما يكون في يوم القيامة هنا وما حكمه عند الله، وفيه علم الهجرة والمهاجر، وفيه علم الوهب
من غير الوهب، وفيه علم ما أدّى الجاهل مع علمه أن يقول: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ
عِندِكَ فَأَمَّطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ اثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وأمثال هذا مثل قوله:
﴿أَنْتِنَا بِعَذَابٍ اُللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] فانظر في هذا الخبر الإلهي فإنه
مبالغة منهم في التكذيب إذ لو احتمل عندهم صدق الرسول ما قالوا مثل هذا القول فإن النفوس
قد جبلت على جلب المنافع لها ودفع المضارّ عنها. وفيه علم الرفق بالأمم والدعاء عليهم من
أنبيائهم، وفيه علم العلم بالدار الآخرة والزمان الآخر ولماذا يرجع وما ثم شمس تطلع ولا دليل
يقبل، وفيه علم تنوّع الأسباب وفيه علم مراتب من اتخذ من الآلهة دون الله، وفيه علم فضل
العلماء والحكماء الإلهيين، وفيه علم ما ينبغي للمؤمن أن يثابر عليه، وفيه علم الصنعة
والصانع، وفيه علم التنازع في الحديث ومراتب المتنازعين، وفيه علم المجمل من المحكم من
المفصل من المتشابه، وفيه علم تعلق الإيمان بما ليس بحق مثل قوله: ﴿ وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِالْبَطِلِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] وفيه علم الداعي الذي يوجب استعجال طلب الشقاء، وفيه علم مواطن
الإيمان والزلف، وفيه علم مراتب الصبر والتوكل، وفيه علم من عرف الحق واجتنبه وما يحمد
من ذلك وما يذم كالحق المأمور باجتنابه كالغيبة، وفيه علم البسط المحمود والمذموم، وفيه
علم من علم أمراً فقيل له ما تعلمه، وفيه علم الحياة السارية في الموجودات وبطونها في الدنيا
وظهورها في الآخرة وبأي بصر كشفها في الدنيا من كشفها، وفيه علم الاضطرار وكيف يذهب
بذهابه، وفيه علم الطرق إلى الله وإن اختلفت فكلها حق وما يحمد منها ويذم وما يوصل إلى
السعادة منها وما يحيد بسالكه عن سعادته مع كونه يصل إلى الله، وفيه علم المعية الإلهية
ومراتب الموجودات فيها، فهذا بعض ما يحوي عليه هذا المنزل من العموم، والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والخمسون وثلاثمائة
في معرفة منزل ثلاثة أسرار مكتتمة والسر العربي في الأدب
الإلهي والوحي النفسي والطبيعي وهو من الحضرة المحمدية
[البسيط]
قد كان عِنْدي ولم أشْعُرْ بمَوْضِعِهِ
بَذَلْتُ نَفْسي لنَفْسِي كَيْ أَفُوزَ بمَنْ
فغِبْتُ فيه بأمْرٍ من مُشَرِّعهِ
سماء فانْظُرْ إلى أحوال مُبْدِعهِ
حتى رأيتُ له شكلاً يُماثلني
هل للنعيم به أو للتَّخَلْقِ بالأ

٣٧٤
في المنازل/ الباب السادس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مكتتمة ...
بِسرُّ حكمته فاخضُرْ عَسَى تَعِهِ
فإنْ يُخَاطِبْكِ الرّحمنُ من كُتُبٍ
اعلم أيدك الله أن الله تعالى لما عمر الخلاء بالعالم كله امتلأ به وخلق فيه الحركة
ليستحيل بعضه لبعض، وتختلف فيه الصور بالاستحالات لطبيعة الخلاء الذي ملأه عن العالم
ذلك الذي استحال إليه فلا يزال يستحيل دائماً وذلك هو الخلق الجديد الذي أكثر الناس منه
في لبس وشك، ومن علم هذا من أهل الله الذين أشهدهم الله ذلك عيناً في سرائرهم علم
استحالة الدنيا إلى الآخرة واستحالة الآخرة بعضها إلى بعض، كما استحال منها ما استحال
إلى الدنيا، كما ورد في الخبر في النيل والفرات وسيحان وجيحان أنها من أنهار الجنة
استحالت فظهرت في الدنيا بخلاف الصورة التي كانت عليها في الآخرة، ومن ذلك قوله:
((بَيْنَ قَبْرِي وَمِثْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ) فاستحالت تربة في الدنيا في مساحة مقدرة
معلومة، وكذلك وادي محسر هو واد في النار استحال إلى الدنيا وآدم وحوّاء وإبليس من عالم
الآخرة استحالوا إلى الدنيا ثم يستحيلون إلى الآخرة فتتغير عليهم الصور بحسب ما تعطيه
طبيعة المكان المتوهم الذي تنقلهم إليه الحركة فتؤثر فيهم روحاً كان أو جسماً متحيزاً كان أو
غير متحيز والله محرّكه على الدوام، ولولا نحن ما تميزت آخرة من دنيا فإن الله ما اعتبر من
العالم في هذه الإضافة إلا هذا النوع الإنساني والجان، فجعل الظهور للإنس من اسمه
الظاهر، وجعل البطون للجان من اسمه الباطن، وما عداهما فمسخر لهما كما هو في نفسه
مسخر بعضه لبعضه من أجل الدرجات التي أنزلهم فيها، فأعطتهم الدرجات صور
ما استحالوا إليه لما نقلتهم الحركة الإلهية إليها، ولما لم تظهر لأعياننا إلا هنا سميت هذه
الدار دار الدنيا والأولى وسميت الحياة الدنيا، فإذا استحلنا إلى البرزخ واستحلنا من البرزخ
إلى الصور التي يكون فيها النشر والبعث سميت تلك الآخرة، ولا يزال الأمر في الآخرة في
خلق جديد منها فيها أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار إلى ما لا يتناهى، فلا نشاهد في
الآخرة إلا خلقاً جديداً في عين واحدة، فالعالم متناه لا متناه.
ولما كان الأمر هكذا لذلك يرى الإنسان نفسه إذا هو نام في الجنة أو في القيامة أو في
غير مكانه وبلده مما يعرفه أو يجهله في غير صورته وفي غير حاله فقد استحال في نفسه
بحركته التي نقلته من اليقظة إلى النوم إلى صور يعهدها في أوقات ولا يعهدها في أوقات،
وإلى أحوال محمودة حسنة يسرّ بها وأحوال مذمومة قبيحة يتألم لها، ثم تسرع إليه الاستحالة
فيرجع إلى اليقظة إما باستيفاء المعنى الذي استحال إليه في النوم فلم يبق فيه ما يعطيه في تلك
الاستحالة الخاصة وهو الذي ينتبه من غير سبب وهو الانتباه الطبيعي لما أخذت النفس للعين
حقها من النوم الذي فيه راحتها، فإن انتقل من النوم إلى اليقظة بسبب إما من جهة الحس وإما
من أمر مفزع أو حركة ما مزعجة ظهرت منه في حال نومه فاستيقظ، فإن وافق ذلك الأمر
استيفاء العين حقها من النوم الطبيعيّ كان وإن لم يوافق وبقي من حق العين بقية لولا ذلك
السبب لاستوفاها فإنه يستوفيها في نوم آخر، ولذلك بعض النائمين يطول نومهم في وقت
وسبب طوله ما ذكرناه، وأما قصر نومه فلأحد أمرين وهو ما ذكرناه إما لسبب يوقظه وإما

٣٧٥
في المنازل/ الباب السادس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مكتتمة ...
لاستيفاء العين حقها في تلك النومة الخاصة من أجل المزاج الذي يكون عليه، فإنه لا يستوي
مزاج المتعوب ومزاج المستريح، فالمتعوب يطلب من الراحة ما يزيل به ذلك التعب
فيستغرقه النوم ويطول لأنه يحب استيفاء الراحة فلا يوقظه قبل الاستيفاء إلا أحد ثلاثة أشياء أو
كلها أو بعضها على حسب ما يقع، إما بأمر مزعج يراه في نومه أو يوقظه أحد من المتيقظين
قصداً أو صيحة عظيمة أو حركة أو ما كان من هذه الأسباب في عالم الحس مقصوداً لانتباهه
أو غير مقصود بل يقع بالاتفاق. والأمر الثالث أن تكون النفس متعلقة الخاطر بقضاء شغل
ما تحب أن تفعله فتنام على ذلك الخاطر وهو متعلق بذلك الأمر فيزعجه فينتبه قبل استيفاء
حقه من النوم .
وليس المقصود مما ذكرناه إلا تعريفك بأن العالم لا يخلو في كل نفس من الاستحالة،
ولولا أن عين الجوهر من الذي يقبل هذه الاستحالة في نفسه واحد ثابت لا يستحيل من حيث
جوهره ما علم حين يستحيل إلى أمر ما ما كان عليه من الحال قبل تلك الاستحالة، غير أن
الاستحالات قد يخفى بعضها ويدق، وبعضها يكون ظاهراً تحس به النفس كاستحالة
خواطرها وحركاتها الظاهرة وأحوالها وتدق وتخفى كاستحالتها في علومها وقواها وألوان
المتلونات بتجديد أمثالها، فهي لا تدرك ذلك الأمر إلا من كان من أهل الكشف فإنه يدرك
ذلك وأزال عنه الكشف ذلك اللبس الذي أعمى غيره عن إدراك هذا الأمر فإن قلت: فهذه
الصورة التي يستحيل إليها جواهر العالم ما هي؟ قلنا: الممكنات ليس غيرها هي في شيئية
ثبوتها وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ [النحل: ٤٠] فإذا ظهر عن قوله: ﴿كُنْ﴾
[النحل: ٤٠] لبس شيئية الوجود وهو قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] أي
قدرتك أي ما كانت لك شيئية الوجود وهي على الحقيقة شيئية الظهور ظهور لعينه، وإن كان
في شيئية ثبوته ظاهراً متميزاً عن غيره بحقيقته ولكن لربه لا لنفسه، فما ظهر لنفسه إلا بعد
تعلق الأمر الإلهي من قوله ﴿كُنْ﴾ بظهوره، فاكتسب ظهوره لنفسه فعرف نفسه وشاهد عينه
فاستحال من شيئية ثبوته إلى شيئية وجوده، وإن شئت قلت: استحال في نفسه من كونه لم
يكن ظاهراً لنفسه إلى حالة ظهر بها لنفسه بتقدير العزيز العليم، فالعالم كله طالع غارب وفلك
دائر ونجم سابح ظاهر بين طلوع وغروب عن وحي إلهيّ وهو ما يتوجه عليه من أمر بظهور
وخفاء ووحي نفسي، وهو ما يطلبه منه الحق وما يطلب من الحق تعالى، فيوحي إلى الحق
كما أوحى الحق إليه، فيعمل الحق بما أوحى إليه عبده وقتاً وقد لا يعمل وقتاً، كما أن العبد
إذا أوحى الحق إليه فأمره بشي يعمله أو يتركه فيطيعه وقتاً ويعصيه وقتاً فظهر الحق للمكلف
بصورته في العطاء والإباية، فما رأى العبد في الحق إلا صورته فلا يلومن إلا نفسه إذا دعا
الحق في أمر فلم يجبه. ألا ترى إلى الملائكة لما لم يعصوا الله تعالى فيما دعاهم إليه من فعل
كما أخبر عنهم ما دعوه في شيء إلا أجابهم لأنهم ليسوا على صورة منع مما دعاهم الحق إليه
والعالم لا يشهد من الحق إلا صورة ما هو عليه، ولذلك قال رَّل* فيمن يقول آمين بعد قراءة
الفاتحة: ((مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ)) لأن تأمين الملائكة مقبول عند الله مجاب،

٣٧٦
في المنازل/ الباب السادس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مكتتمة ...
فوافق زمان الإجابة للملائكة فحصلت له الإجابة بحكم التبعية إلا أن يكون وقته وقت إجابة له
جزاء لما امتثل من أمر الحق في وقت ما، والأصل في العالم قبول الأمر الإلهي في التكوين
والعصيان أمر عارض عرض له نسبي، وفي الحقيقة ما عصى الله أحد ولا أطاعه بل الأمر كله
لله وهو قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] فأفعال العباد خلق الله والعبد محل لذلك
الخلق، فالعالم كله محصور في ثلاثة أسرار: جوهره وصوره والاستحالة وما ثم أمر رابع.
فإن قلت: فمن أين ظهر حكم الاستحالة في العالم من الحقائق الإلهية؟ قلنا: إن الحق وصف
نفسه بأنه ﴿كُلَّ يَوْرٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] والشؤون مختلفة، ووصف نفسه بالفرح بتوبة عبده
ولم يفرح بها قبل كونها، وكذلك قوله بَ له: ((إنَّ الله لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا)) وذكر عنه العارفون
به وهم الرسل عليهم السلام أن الله تعالى يغضب يوم القيامة غضباً لم يغضب قبله مثله ولن
يغضب بعده مثله كما يليق بجلاله فقد نعتوه بأنه كان على حالة قبل هذا الغضب لم يكن فيها
منعوتاً بهذا الغضب، وقد ورد في الصحيح تحوله في الصور يوم القيامة إذا تجلى لعباده
والتحول هو عين الاستحالة ليس غيرها في الظهور، ولولا ذلك ما صح للعالم ابتداء في
الخلق، وكان العالم مساوقاً لله في الوجود وهذا ليس بصحيح في نفس الأمر، فكما قبل
تعالى الظهور لعباده في صور مختلفة كذلك أيضاً لم يخلق ثم خلق فكان موصوفاً في الأزل
بأنه عالم قادر أي متمكن من إيجاد الممكن، لكن له أن يظهر في صورة إيجاده وأن لا يظهر
فظهر في إيجاد صورة الممكن لما شاء، ولا فرق بين الممكنات في النسبة إليه سبحانه ونحن
نعلم أن زيداً ما أوجده الله مثلاً إلا أمس أو الآن فقد تأخر وجوده مع كون الحق قادراً،
فكذلك يلزم الحكم في أول موجود من العالم أن يكون الله يتصف بالقدرة على إيجاد الشيء
وإن لم يوجده كما أنك قادر على الحركة في وقت سكونك وإن لم تتحرك ولا يلزم من هذا
محال، فإنه لا فرق بين الممكن الموجود الآن المتأخر عن غيره وبين الممكن الأول، فإن
الحق غير موصوف بإيجاد زيد في وقت عدم زيد فالصورة، واحدة إن فهمت، غير أن إطلاق
لفظ الاستحالة لا يطلق على الله وإن كان قد أطلق على نفسه التحول فنقف عنده مع معقولية
ما ذكرناه فما ثم إلا الله والتوجه وقبول الممكنات لما أراد الله بذلك التوجه فهذه ثلاثة لا بد
منها ومن ظهور حكمها فالغروب لا يكون إلا عن طلوع من طالع ثم غرب، والظهور
لا يكون إلا من بطون لا عن بطون وأعني بقولي لا عن بطون أنه لم يكن ظاهراً ثم بطن ثم
ظهر عن ذلك البطون بل لم يزل باطناً ثم أظهره الله فظهر لنفسه .
وصل: لما كان الوصف النفسي للموصوف لا يتمكن رفعه إلا ويرتفع معه الموصوف
لأنه عين الموصوف ليس غيره وكان تقدم العدم للممكنات نعتاً نفسياً لأن الممكن يستحيل
عليه الوجود أزلاً فلم يبق إلا أن يكون أزليّ العدم، فتقدم العدم له نعت نفسي والممكنات
متميزة الحقائق والصور في ذاتها لأن الحقائق تعطي ذلك، فلما أراد الله أن يلبسها حالة
الوجود وما ثم إلا الله وهو عين الوجود وهو الموجود ظهر تعالى للمكنات باستعدادت
الممكنات وحقائقها فرأت نفسها بنفسها في وجود موجدها وهي على حالها من العدم، فإن

٣٧٧
في المنازل/ الباب السادس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مكتتمة ...
لها الإدراكات في حال عدمها كما أنها مدركة للمدرك لها في حال عدمها، ولذا جاء في
الشرع أن الله يأمر الممكن بالتكوين فيتكون، فلولا أن له حقيقة السمع وأنه مدرك أمر الحق
إذا توجه عليه لم يتكون ولا وصفه الله بالتكون ولا وصف نفسه بالقول لذلك الشيء المنعوت
بالعدم، فكذلك للممكن جميع القوى التي يدرك بها المدركات التي تخص هذه الإدراكات،
فلما أمرها بالتكوين لم تجد وجوداً تتصف به، إذ لم يكن ثم إلا وجود الحق فظهرت صوراً
في وجود الحق، فلذلك تداخلت الصفات الإلهية والكونية، فوصف الخلق بصفات الحق
ووصفت الحق بصفات الخلق، فمن قال: ما رأيت إلا الله صدق، ومن قال: ما رأيت إلا
العالم صدق، ومن قال: ما رأيت شيئاً صدق لسرعة الاستحالة وعدم الثبات فيقول:
ما رأيت شيئاً، ومن قال: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله فهو ما قلنا أن للممكن إدراكاً في
حال عدمه فإذا جاءه الأمر الإلهي بالتكوين لم يجد إلا وجود الحق فظهر فيه لنفسه فرأى الحق
قبل رؤية نفسه، فلما لبسه وجود الحق رأى نفسه عند ذلك فقال: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله
قبله أي قبل أن يتكون فيه، فيقبل الحق صورة ذلك الشيء، فمن لم يعلم الأمر هكذا وإلا فما
علم الحق ولا الخلق ولا هذه النسب فـ ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ﴾ بالصورة للاستحالات ﴿إِلَّا
وَجْهَمٌ﴾ [القصص: ٨٨] والضمير في وجهه يعود على الشيء، فالشيء هالك من حيث صورته
غير هالك من حيث وجهه وحقيقته، وليس إلا وجود الحق الذي ظهر به لنفسه له الحكم أي
لذلك الشيء الحكم في الوجه، فتختلف عليه الأحكام باختلاف الصور ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْحَعُونَ﴾
[القصص: ٨٨] في ذلك الحكم أي إلى ذلك الشيء يرجع الحكم الذي حكم به على الوجه.
فالحكم والتحكيم للإحالة لأنها المقصود لا محالة، فما ثم إلا هلاك وإيجاد في عين واحدة
لا تبديل إلا الله لا تبديل لخلق الله ﴿لَا نَّدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهُ﴾ [يونس: ٦٤] بل التبديل له كما له
الأمر من قبل ومن بعد يقضي بذلك كونه أخبر عن نفسه أنه الأول والآخر من عين واحدة
فليس إلا صور ظاهر هنا وفي البرزخ والآخرة وهو الذي جاء به قوله: ﴿أَمِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِ
الْخَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] توهموا ذاك وما حققوا لذلك قالوا: ﴿كَرَّةُ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢] فلو
رأوها لرأوا أنها ليست سوى أعيانها الظاهرة، فما أحالوها ولا عرجوا عنها لكونهم ما نظرت
أعينهم إلا إليها، فكيف ينكرون ما رأوه أو يجحدون عن نفوسهم ما تيقنوه؟ ومن لم يكن له
هذا الإدراك فقد حرم العلم والمعرفة التي أعطاها الشهود والكشف.
وفي هذا المنزل من العلوم: علم المعجزات، وعلم الطمس، وعلم التتالي وتتابع
الموجودات في الخلق، وفيه علم اليقين، وفيه علم ما يحصل بالخبر، وفيه ما علم ما يحمد
ويذم، وفيه علم الغضب ولا يقع إلا ممن لم يعط الأمور حقها في حدودها، وفيه علم
الرحمة بالضعفاء والخلق كلهم ضعفاء بالأصالة فالرحمة تشملهم، وفيه علم ورث الكون
للأسماء الإلهية، وفيه علم التمكين، وفيه علم الأشهاد، وفيه علم البيان لتمييز ما يحذر وما
لا يحذر، وفيه علم إلحاق الإناث بالذكور وهو إلحاق المنفعل بالفاعل من حيث ما ينفعل
عنه منفعل آخر حتى ينتهي الأمر إلا منفعل آخر لا ينفعل عنه منفعل، كما ينتهي الأمر من

٣٧٨
في المنازل/ الباب السادس والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مكتتمة ...
الطرف الآخر إلى فاعل لا يكون منفعلاً عن فاعل وهو الحق تعالى، وفيه علم اختلاف
الوجوه في العين الواحدة، وفيه علم الآثار وما تعطي العالم بها من العلوم، ومن هنا أخذ
السامري القبضة من أثر جبريل فلولا علمه بما تعطيه الآثار ما فعل، ومن هذا الباب الذين
يقصون الأثر في طلب الشيء، ومن هذا الباب تعرف أقدام السعداء من أقدام الأشقياء إذا رأى
صاحب هذا العلم وطأتهم في الأرض وإن لم ير أشخاصهم فإذا رأى أثر أرجلهم حكم عليهم
بما يظهر له، وفيه علم التعريض وقولهم في المثل السائر: إن في المعاريض لمندوحة عن
الكذب، وفيه علم التورية ولذلك كان ◌َّ إذا أراد غزو جهة ورى بغيرها، وفيه علم ما تعطيه
الأسباب من الحكم في العالم، وفيه علم حكم الأحوال على الرجال الأقوياء بل حكم
الأحوال على كل شيء، ومن هذا الباب رضي الله عن المطيع وغضبه على من يشاء من
العصاة، وفيه علم من أين نصر الشخص من يشبهه في الصفة إذا تعدى عليه آخر وهو ضدّ
لمماثله بالجسد الذي ركبه الله عليه ويظهر ذلك في الحيوان كثيراً، وفيه علم الأسباب التي
تورث الالتجاء إلى الله عز وجل وهي أسباب القهر، وفيه علم سفر الخواطر وسفر الأجسام
وما ينتج كل سفر منها، وفيه علم من أين يترك الإنسان طلب ما هو محتاج إليه بالطبع مثل
قول بعضهم في أن الفقير من ليست له إلى الله حاجة وهذا وإن كان لفظه في غاية القبح فهو
من جهة المعنى في غاية الحسن لأنه أرفع درجات التسليم، وصاحب هذا المقام هو الذي
اتخذ الله وكيلاً لعلمه بأنه تعالى أعلم بما يصلح لهذا العبد فلا يعين له العبد حاجة لجهله
بالمصالح، فالفقير ليست له إلى الله حاجة معينة بل ردّ أمره كله إلى الله. وفيه علم ما ينتج من
له هذا المقام وكان حاله، وفيه علم من عرف مقدار النساء ومنزلتهن في الوجود ولهذا حببهن
الله لمحمد ◌َّ# فإنه من أسرار الاختصاص، ولما علم الله موسى عليه السلام قدر هذا استأجر
نفسه في مهر امرأة عشر سنين وأعني بالنساء الأنوثة السارية في العالم وكانت في النساء أظهر
فلهذا حببت لمن حببت إليه، فإن النظر العقلي لا يعطي ذلك لبعده عن الشهوة الطبيعية، وما
علم هذا العقل أنه ما تنزه عن الشهوة لطبيعية الحيوانية في زعمه إلا بالشهوة الطبيعية، فما
زهد في شيء إلا بما زهد فيه فما خرج عن حكمه وهذا أجهل الجاهلين، ولو لم يكن من
شرف النساء إلا هيئة السجود لهن عند النكاح والسجود أشرف حالات للعبد في الصلاة،
ولولا خوفي أن أثير الشهوة في نفوس السامعين فيؤديّ ذلك إلى أمور يكون فيها حجاب
الخلق عما دعاهم الحق إليه لجهلهم بما كنت أذكره في ذلك ولكن له مواطن يستعمل فيها
لأظهرت من ذلك ما لا يظهر على فضله فضل شيء ولذلك قرن معه حب الطيب والصلاة
ومن أسماء الله تعالى الطيب، ولو نظرت فيما أنتج الله من الكلام الإلهيّ لموسى عليه السلام
حين خرج ساعياً لأهله لما كانوا يحتاجون إليه من النار، فبسعيه على عياله واستفراغه ناداه
الحق وكلمه في عين حاجته وهي النار فقال له: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨].
وفيه علم وجود الحق في عين الخلاف يوجد في عين الاتفاق لمن عقل، وفيه علم افتقار
الأعلى إلى الأدنى وحاجته إليه وهذا العلم من أصعب العلوم لدقة ميزانه فإنه ما كل أحد يقدر

٣٧٩
في المنازل/ الباب السابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل البهائم من الحضرة الإلهية ..
يزن بهذا الميزان ولا سيما في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿مَا
أُرِدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] فمن أي شيء تحفظ في قوله: ﴿مَآ أُرِيدُ مِنْهُم
مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ونحن نعلم أنه لا يطعم ولا يطلب الرزق من عباده بل هو الرزاق
ذو القوّة لما كانت القوّة فينا للغذاء فقال: ﴿أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ فتكون قوّتي مما طمعت بل لي القوّة
من غير غذاء ولا طعام، وفيه علم الإمامة في العالم وأنه لا يجتمع أمر العالم إلا بها ولا
تكون المصالح إلا بها، وفيه علم تعليم العلم، وفيه علم الغيب الإضافيّ وما ثم غيب مطلق،
وفيه علم من طلب شيئاً فلما أعطيه ردّه ولم يقبله، فما السبب الذي حمل الطالب على طلبه؟
وما السبب الذي جعله يردّه ولا يقبله؟ فينبني على هذا علم السبب المؤدي إلى الطلب على
الإطلاق من غير تخصيص طالب من طالب، وفيه علم ما يتبع الشخص إلا من له الحكم
فيه، وما يحكم فيه إلا من له التعشق به وهذا اتباع الاختيار لا اتباع الجبر، فإن اتباع الجبر قد
لا يكون له حكم ما ذكرناه، وإن كان العاشق مجبوراً للعشق القائم به ولكن الفرق ظاهر بين
الحركتين، وفيه علم التوصيل وما ينتج، وفيه علم الأصناف الذين يضاعف لهم العطاء في
الآخرة، وفيه علم ما ينبغي أن يطلب له العالم، وفيه علم ما يحذر من الاتباع وما لا يحذر
وما يذم من الحذر وما لا يذم، وفيه علم السبب الموجب لهلاك ما يهلك من العالم، وفيه
علم المفاضلة في العالم بالمراتب، وفيه علم الأنساب والأحساب وما يقع به الشرف في
الانتساب وما لا يقع ونهى النبيّ ◌َّر عن الطعن في الأنساب، وفيه علم الأهوال الشاغلة،
وفيه علم الجبر ومن هو المجبور، وفيه علم التنزيه، وفيه علم عواقب الثناء وأوائله، وفيه
علم الأحكام ولمن تنسب ومن يحكم بها، وفيه علم التقدير الذي لم يقع ولو وقع ما ينتج
وهل ترك وقوعه من باب الرحمة بالعالم أم لا؟ وفيه علم إقامة الحجج، وفيه علم الابتلاء وما
فائدته، وفيه علم صنعة الكيمياء، وفيه علم الاعتبار، وفيه علم التمني وما يفيد منه وينفع
المتمني وما لا يفيد ولا ينفع، وفيه علم أهلية كل موجود لما أهل له، وفيه علم من جازى
بأفضل مما عمل له، ومن أجاب بأكثر مما سئل عنه، وفيه علم ما نهي عنه المؤمن هل هو
بقاء على الأصل لأنه ترك ولماذا تأخر عن الأمر وكلاهما حكم الله. والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل.
الباب السابع والخمسون وثلاثمائة
في معرفة منزل البهائم من الحضرة الإلهية وقهرهم تحت سرين موسويين
[البسيط]:
هَيْهَاتَ ما تُسْدَلُ الأستارُ والكِلَلُ
لو أنّ ما سَتَرَتْ يَبْدُو لأغْيُننا
ولا بدا عَرَضٌ في طَيِّهِ مَرَضٌ
ولا جديدٌ تكون النّفْسُ تَلبَسُهُ
إلا لأمر عظيم كُلّه جَلَلُ
لَمَا بَدَتْ نِحَلٌ فينا ولا مِلَلُ
ولا دواءٌ ولا طِبُّ ولا عـلـلُ
ولا التّوسُط منه لا ولا الثَملُ

٣٨٠
في المنازل/ الباب السابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل البهائم من الحضرة الإلهية ...
وليس يُذْركها في ذلكم مَلَلُ
إنّ السُّتُورَ تُرَى في العين صُورتُها
والحُجْبُ تُبْصر ما لا تُبْصرُ المُقَلُ
وأعيُنُ الكَوْنِ خَلْفَ السّتْرِ ناظرةٌ
اعلم أيدك الله أيها الطالب أن معرفة الأمور على ما هي عليه في أنفسها أنك لا تعلم
ذلك إلا إذا أوقفك الله عليك من نفسك وأشهدك ذلك من ذاتك، فيحصل لك ما طلبته ذوقاً
عندما تقف عليه كشفاً، ولا سبيل إلى حصول ذلك إلا بعناية أزلية تعطيك استعداداً تاماً لقبوله
برياضات نفسية ومجاهدات بدنية، وتخلق بأسماء إلهية، وتحقق بأرواح طاهرة ملكية،
وتطهير بطهارة شرعية مشروعة لا معقولة وعدم تعلق بأكوان، وتفريغ محل عن جميع الأغيار
لأن الحق ما اصطفى لنفسه منك إلا قلبك حين نوّره بالإيمان فوسع جلال الحق فعاين من
هذه صفته الممكنات بعين الحق فكانت له مشهودة وإن لم تكن موجودة فما هي له مفقودة،
وقد كشف لبصيرته بل لبصره وبصيرته نور الإيمان حين انبسط على أعيان الممكنات، أنها في
حال عدمها مرئية رائية مسموعة سامعة برؤية ثبوتية وسمع ثبوتي لا وجود له، فعين الحق
ما شاء من تلك الأعيان فوجه عليه دون غيره من أمثاله قوله المعبر عنه باللسان العربيّ
المترجم بكن فأسمعه أمره فبادر المأمور فتكون عن كلمته لا بل كان عين كلمته، ولم تزل
الممكنات في حال عدمها الأزلي لها تعرف الواجب الوجود لذاته وتسبحه وتمجده بتسبيح
أزلي وتمجيد قديم ذاتي ولا عين لها موجودة ولا حكم لها مفقود، فإذا كان حال الممكنات
كلها على ما ذكرناه من هذه الصفات التي لا جهل معها فكيف تكون في حال وجودها
وظهورها لنفسها جماداً لا ينطق؟ أو نباتاً بتعظيم خالقه لا يتحقق؟ أو حيواناً بحاله
لا يصدق؟ أو إنساناً بربه لا يتعلق؟ هذا محال، فلا بدّ أن يكون كل ما في الوجود من ممكن
موجود يسبح الله بحمده بلسان لا يفقه ولحن ما إليه كل أحد يتنبه فيسمعه أهل الكشف
شهادة ويقبله المؤمن إيماناً وعبادة فقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ
تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] فجاء باسم الحجاب والستر وهو قوله: ﴿غَفُورًا﴾
وجاء بالاسم الذي يقتضي تأخير المؤاخذة إلى الآجل وعدم حكمها في العاجل وهو الحليم
لما علم أن في عباده من حرم الكشف والإيمان وهم العقلاء عبيد الأفكار والواقفون مع
الاعتبار، فجازوا من الظاهر إلى الباطن مفارقين الظاهر فعبروا عنه إذ لم يكونوا أهل كشف
ولا إيمان لما حجب الله أعينهم عن مشاهدة ما هي عليه الموجودات في أنفسها ولا رزقوا
إيماناً في قلوبهم يكون له نور يسعى بين أيديهم. وأما المؤمنون الصادقون أولو العزم من
الأولياء فعبروا بالظاهر معهم لا من الظاهر إلى الباطن وبالحرف عينه إلى المعنى ما عبروا عنه
فرأوا الأمور بالعينين وشهدوا بنور إيمانهم النجدين، فلم يتمكن لهم إنكار ما شهدوه ولا
جحدوا ما تيقنوه، فأسمعهم الله نطق الموجودات لا بل نطق الممكنات قبل وجودها فإنها
حية ناطقة دراكة بحياة ثبوتية ونطق ثبوتي وإدراك ثبوتي، إذ كانت في أنفسها أشياء ثبوتية،
فلما قبلت شيئية الوجود قبلتها بجميع نعوتها وصفاتها وليس نعتها سوى عينها، فهي في حال
شيئية وجودها حية بحياة وجودية، ناطقة بنطق وجودي، دراكة بإدراك وجودي، إلا أن الله