النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
في المنازل/ الباب الرابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار المغفرة
ما كان التكوين واقعاً لأن حكمها الاعتدال، والاعتدال يقابل الميل ولا يكون التكوين إلا
بالميل: ولما علم النبيّ 98َّ من الله أنه ما أوجد العالم إلا بترجيح أحد الإمكانين قال
رسول الله وَّ﴾ القاضي الدين: ((إذا وَزَنْتَ فَأَرْجِخْ)) فَإِنَّ المُمْكِنَ الوَجْهَانِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ فَمَا
أَوْ جَدَهُ الله إلاَّ بِالتَّرْجِيحِ. ثم إن الله ذكر عن نفسه ما كان عليه ولا عالم فذكر عن نفسه أنه
أحب أن يعرف فرجح جانب المعرفة به على مقابله فخلق العالم بالترجيح لجانب العلم على
مقابله، فلما وازن الله بين الرحمة والغضب رجحت الرحمة وثقلت وارتفع الغضب الإلهيّ،
ولا معنى لارتفاع الشيء إلا زوال حكمه فلم يبق للغضب الإلهي حكم في المآل، فإنه في
المآل وقع ترجيح الرحمة وارتفاع الغضب لخفته، فما ظهر حكم الغضب إلا في حال وضع
الغضب والرحمة في الميزان، فحكم كل واحد منهما في العالم إلى أن يظهر الترجيح فيرتفع
حكم الغضب، وما قلنا هذا إلا ردّاً لما قاله من يدعي الكشف فقال في الموازنة الإلهية: ((إن
الله لا يحكم عدله في فضله ولا فضله في عدله وإن القبضتين على السواء من جميع
الوجوه))، وهذا من أعظم الغلط الذي يطرأ على أهل الكشف لعدم الأستاذ، وما يقول هذا إلا
من لم يكن بين يدي أستاذ قد رباه أستاذ متشرع عارف بموارد الأحكام الشرعية ومصادرها،
فإن الله ما نصب طريقاً إلى معرفته التي لا يستقل العقل بإدراكها من حيث فكره إلا ما شرعه
لعباده على ألسنة رسله وأنبيائه، وإنما قلنا هذا لما علمنا أن ثم طريقاً آخر يقتضيه الوجود
ويحصله بعض النفوس الفاضلة فأردنا أن نرفع الإشكال، وذلك أن النفوس تصفو بالرياضة
وترك الشهوات الطبيعية والاستغراق في الأمور المحسوسة وتتشوّق إلى ما منه جاءت وما
أريدت له وإلى أين مآلها وما مرتبتها من العالم؟ وعلمت من ذاتها أن وراء هذا الجسم أمراً
آخر هو المحرّك له والمدبر لما عاينت من الموت النازل به فتنظر إلى آلاته على كمالها ولا
ترى له تلك الإدراكات التي كانت له في زمان وصفه بالحياة، فعلمت أنه لا بد من أمر آخر
هناك لا تعرف ما نسبته إلى هذا الجسم هل نسبة العرض إلى محله أو المتمكن إلى مكانه أو
الملك إلى ملكه؟ ثم علمت أن بين الموت والنوم فرقاناً بما تراه في النوم من الصور وما
تستفيده من الأحوال الملذة والمؤلمة وسرعة التغير في صورة النائم من حال إلى حال ولم تر
ذلك في صورة الجسم، ثم تستيقظ فترى الجسم على حاله في صورته ما تغير، وترى انفعال
الجسم في بعض الأوقات لما يطرأ للنائم في حال نومه مثل دفق الماء في الاحتلام عند رؤية
الجماع في النوم. فعلمت بهذا كله أن وراء هذا الجسم أمراً آخر بينه وبين هذه الصورة
علاقة؛ ثم إنها رأت تفاوت الأمثال في العلوم والفهم وافتقار بعضها إلى التعليم ونظرت إلى
حال من زهد وفكر واتخذ الخلوات ولم يأخذ من لذات المحسوسات إلا ما تمس إليه
الحاجات مما به قوام هذا الجسم، وأن صاحب هذا الحال يزيد على نفس أخرى بعلوم
وفضائل يفتقر إليه فيها وفي العلم بها، فنظرت في الطريق الذي أوصل تلك النفوس دون
غيرها إلى هذا المقام فلم تر مانعاً إلا انكباب بعض النفوس على تناول هذه المشتهيات
الظاهرة الطبيعية والتنافس فيها فزهدت في ذلك كله وتحلت بمكارم الأخلاق ولم تترك لأحد

٢٦٢
في المنازل/ الباب الرابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار المغفرة
عليها مطالبة ولا علاقة ولم تزاحمهم على ما هم عليه، وجنحت إلى الخلوات ورفعت الهمة
إلى الاستشراف لتعلم ما هو الأمر عليه، فلما كانت بهذه المثابة وكل ذلك نظر منها ما هو
عن تقليد شرع إلهيّ وإنما هو عن فكرة صحيحة وإلهام إلهيّ ناقص غير كامل، لأن الإلهام
الكامل أن يلهم لاتباع الشرع والنظر في كلامه وفي الكتب التي قيل لنا أنها جاءت من عند الله
فمثل هذا هو الإلهام الأكمل، فلما صفت هذه النفس وشفَّت وصارت مثل المرآة وزال عنها
صدأ هذه الطبيعية انتقش فيها صور العالم فرأت ما لم تكن رأته فنطقت بالغيوب والتحقت
بالملأ الأعلى التحاق غريب ورد على غير موطنه وهو موطنه ولكن ما عرف لغربته لما سافر
إلى أرض طبيعته وبدنه، فلم يكن له ذلك الإدلال ولا كمال الأنس بذلك العالم، ورأى
اشتغال ذلك العالم عنه بالتسبيح والتقديس وما سخروا فيه من الأعمال في حق هذه المولدات
العنصرية فرأت ما يختص منهم بتحريك الأفلاك وتسيير كواكبها وما يحدث في الأركان منها
وعلمت ما لم تكن تعلم، وأخذت عن الأرواح الملكية علوماً لم تكن عندها وما علمت أن
ثم طريقاً تصل منه إذا سلكت عليه إلى الأخذ عن الله منشىء الكل، وأن بينه وبينها باباً خاصاً
يخصها فقالت: هذا هو الغاية وما ثم إلا هؤلاء، ونظرت إلى تفوقها بذلك على غيرها من
أمثالها فقنعت، فكل ما يأتي به من هذا نعته وحاله ليس له ذوق إلهي البتة، ولا يأخذ أبداً إلا
عن الأرواح والعقول الملكية أخذ حال لا أخذ نطق إلا إن تجسد له في خياله أمر يخاطبه،
وصاحب الطريقة الشرعية يقلد الشارع فيما أخبره به من أنه ما ثم إله بينه وبين العالم مناسبة
وأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ولا يشبه شيئاً من العالم أعلاه وأسفله، ومع
هذا كله فله عين وأعين، ويد ويدان، ووجه، وكلام، ونزول، واستواء، وفرح، ومعية مع
عباده بالصحبة وقرب وبعد، وإجابة لمن دعاه ورحمة، وأن العالم كله عبيد له خلقهم وفضل
بعضهم على بعض، وأن له غضباً، وأن له خلفاء في الأرض من هذا النوع الإنساني، فعندما
سمع ذلك وعلم أن ثم خليفة من نوعه تشوف إلى تلك المرتبة أن ينالها ورأى الطريق التي
شرعها شارع وقته وخاطبه بها ورأى جميع ما كان يفعله صاحب تلك النفس التي فكرت
بنظرها قد حرضها هذا الشارع عليه وحمده وقال به، فأخذ به هذا المؤمن من حيث إن هذا
الشارع جاء به وعلق الهمة بربه الذي أوجده لما أعلمه الشارع أنه المنتهى فقال له: ﴿وَأَنَّ إِلَى
رَبِّكَ الْمُنَهَى﴾ [النجم: ٤٢] وليس وراء الله مرمى، فجعله موضع غايته وسلك سلوك المفكر
الباحث صاحب النظر العقلي لكن بالطريق الشرعي، فصفت نفسه وصقلت مرآته وانتقش فيها
صور العالم كله الروحاني، وإلى حدّ الطبيعة التي دون النفس يصل أهل الفكر، وما ينتقش
فيهم مما فوقها إلا من يكون سلوكه على الطريق المشروع، فإذا وصل هذا السالك على طريق
الشرع انتقش فيه ما في اللوح المحفوظ، فيرى مرتبة الشرائع ويرى نفسه وحظه ونصيبه
وغايته من العالم فيعمل بحسب ما يراه فيرتفع بالطلب إلى الوجه الخاص به فيأخذ عن الحق
أخذ إلهام وأخذ تجل وأخذ تنزيه وأخذ تشبيه، ويعاين سريان الوجود في الممكنات، ويعلم
عند ذلك لمن الحكم فيما ظهر ومن هو الظاهر الذي تظهر فيه هذه الأحكام والاختلافات

٢٦٣
في المنازل/ الباب الرابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار المغفرة
الروحانية والطبيعية، فإذا نطق هذان الشخصان علم الكامل من الرجال الفرق بين الشخصين،
وعلم من أين أتى على كل واحد منهما، ولماذا نقص السالك بفكره عن رتبة المتشرع،
فصاحب الفكر لا يزال أبداً منكوس الرأس منتظراً ما يأتيه به الإمداد الروحاني، وصاحب
الشرع لا يزال منكوس الرأس حياء من التجلي الإلهيّ في أوقات، كما لا يزال شبه الحائر
الواله المبهوت إذا رآه في كل شيء فلا ينطق إلا به ولا ينظر إلا إليه ولا يعلم أن ثم عيناً
سواه، فيطلبه الملأ الأعلى والأرواح العلى والأفلاك الدائرة المتحركة والكواكب السابحة
لتوصل إليه ما أمنت عليه مما يستحقه عليها، فلا تجد من يأخذ عنها بطريق الاعتبار والأدب،
فتؤدي ذلك أداء ذاتياً ويأخذه منها ما بقي من نشأته أخذاً ذاتياً وهو غائب بربه عن هذا كله،
فإذا رد إلى رؤية ذاته رأى في ذاته جميع ما أعطاه العالم كله أعلاه وأسفله مما هو له وهو
أمانة عندهم، فشكر الله على ذلك وعلم أن كل ما في الكون مسخر له ولأمثاله ولكن
لا يعلمون. فإذا حصل في هذا المقام رأى أن الذين أوتوا العلم على درجات يزيدون بها على
غيرهم من أمثالهم، ويرى أن أمثاله بمثابته ولا علم لهم بذلك فيفرح بذاته ويحزن لهم حيث
هم في مقام واحد معه ولا يشعرون بذلك وأنه ما فضل عليهم إلا بالعلم به وبهم وبما هو
الأمر عليه، ولما ارتقى هذه الدرجات ارتقاء كشف وتحقيق ومعاينة يقينية طلب من أين له
هذه الدرجات التي ارتقى فيها واختص دون أكثر أمثاله بها، فتجلى له الحق عند ذلك في
اسمه رفيع الدرجات وأنه الملقي من هذه الدرجات الروح على من يشاء من عباده، فعلم أنه
ممن شاء من عباده فقابل الدرجات بالدرجات، فإذا هي عينها لا غيرها، ورأى تلك
الدرجات في العالم كله وأنه فيها فأخذ يظهر للعالم بها والعالم لا يشعر فيخاطب كل إنسان
من حيث هو من درجته التي له فيقول هذا معي وعلى هذا مذهبي واعتقادي، فلا ينكره أحد
من العالم ولا ينكر هو أحداً من العالم مع لزوم الأدب الإلهي، ولا يلزم الأدب إلا صاحب
المقام ومقام أن لا مَقام مُقام .
وأما صاحب الحال فقد يظهر عليه من هذا لنقصه ونزوله عن صاحب المقام ما يؤدّي
الناظر فيه إلى معرفته به، فالكامل ينصبغ بكل صورة في العالم ويتستر بما يقدر عليه، فإن كان
ثم من رآه في صورة قد اختلفت عليه لأجل اختلاف الخلق اعتقد فيه عدم التقييد الذي هو
عليه هذا الناظر فقال بكفره وزندقته وما علم من أين أتى عليه، فينبغي لصاحب هذا المقام أن
لا يظهر لشخصين في صورة واحدة أبداً، كما لا يتجلى الحق لشخصين في صورة واحدة
أبداً، فإن الدرجات هي الدرجات، فإن كفره وزندقه من لم ير اختلاف الصور عليه فذلك
جهل منه وحسد فيكون ما ينسبه إليه على صورة ما ينسبه إلى الله جل وعلا من الصاحبة
والولد والشريك وما نزه الحق نفسه عنه، فهذا لا يؤثر في صاحب هذا المقام بل هو على
كماله، وذلك الواقع فيه من المفترين فإنه ما حكم عليه إلا بما شاهده منه ويقول بلسانه عنه
ما يعلم خلافه في نفسه ظلماً وعلواً كما قال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] وكذلك تكون عاقبة هذا.

٢٦٤
في المنازل/ الباب الرابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار المغفرة
فدرجات الحق ما هو العالم عليه، وصاحب هذا المقام قد تميز فيها حين ميزها فهو
الإله الظاهر والباطن والأوّل في الوجود والآخر في الشهود والله غني عن العالمين فلا يدخله
تنكير والإله يدخله التنكير فيقال إله، فاجعل بالك لما نبهتك عليه لتعلم الفرقان بين قولك الله
وبين قولك إله، فكثرت الآلهة في العالم لقبولها التنكير والله واحد معروف لا يجهل أقرت
بذلك عبدة الآلهة فقالت: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وما قالت إلى إله
كبير هو أكبر منها، ولهذا أنكروا ما جاء به وَّر في القرآن والسنة من أنه إله واحد من إطلاق
الإله عليه، وما أنكروا الله ولو أنكروه ما كانوا مشركين فبمن يشركون إذا أنكروه فما أشركوا
إلا بإله لا بالله فافهم؛ فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا وَجِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] وما قالوا
أجعل الآلهة الله فإن الله ليس هو عند المشركين بالجعل، وعصم الله هذا اللفظ أن يطلق على
أحد وما عصم إطلاق إله، ولقد رأيت بعض أهل الكفر في كتاب سماه ((المدينة الفاضلة))
رأيته بيد شخص بمرشانة الزيتون ولم أكن رأيته قبل ذلك فأخذته من يده وفتحته لأرى ما فيه
فأوّل شيء وقعت عيني عليه قوله: ((وأنا أريد في هذا الفصل أن ننظر كيف نضع إلهاً في
العالم)) ولم يقل ((الله)) فتعجبت من ذلك ورميت بالكتاب إلى صاحبه وإلى هذا الوقت ما
وقفت على ذلك الكتاب. فمن كان ذا بصيرة وتنبه فليتفطن لما ذكرناه فإنه من أنفع الأدوية
لهذه العلة المهلكة، فاسم الإله من الدرجات المذكورة فلا بد منه إذ لا بد من الدرجات.
ومن هذا الباب قول السامري: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨] في العجل ولم يقل هذا
الله الذي يدعوكم إليه موسى، وقول فرعون: ﴿لَّعَلِّيَّ أَطَّلِعُ إِلَ إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص: ٣٨] ولم
يقل إلى الله الذي يدعو إليه موسى عليه السلام، وقال: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾
[القصص: ٣٨] فما أحسن هذا التحري لتعلم أن فرعون كان عنده علم بالله لكن الرياسة وحبها
غلب عليه في دنياه فإنه قال: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ﴾ ولم يقل ما علمت للعالم لما علم أن قومه
يعتقدون فيه أنه إله لهم، فأخبر بما هو عليه الأمر وصدق في إخباره بذلك، فإنه علم أنه ليس
في علمهم أن لهم إلهاً غير فرعون.
ولما كان في نفس الأمر أن ثم درجات منسوبة إلى الله بالرفعة بكونه رفيع الدرجات كثر
على وجه الاختلاف صور التجلي؛ لهذا نطق السامري بقوله: ﴿وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨] فإن
التجلي الإلهي لا يكون إلا للإله وللرب لا يكون لله أبداً ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ﴾ [الحديد: ٢٤]
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴿َ اللَّهُ الضَّمَدُ ﴿ لَمْ بَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًّا
أَحَدٌ ()﴾ [الإخلاص] وهو سبحانه لا يتجلى لشخص في صورة واحدة مرتين ولا لشخصين
في صورة واحدة فلهذا قال: ﴿وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨] فإن تجليه للأنبياء مختلف الصور إحدى
الحكم بأنه الإله في أيّ صورة تجلى، ألا تراه في القيامة إذا تجلى ينكر ويعرف باختلاف
الصور. فإن قلت: فقد رجع إلى الصورة حين أنكر حتى يعرف؟ فقلنا: لو علمت قوله هل
بينكم وبينه علامة فتلك العلامة هي الدليل لهم حيثما رأوها عليه علموا أنه ربهم فسميت
صورة تلك العلامة، إذ كل معلوم ينطلق عليه اسم الصورة فبالعلامة عرفوه لا أنه كرر عليهم

٢٦٥
في المنازل/ الباب الرابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار المغفرة
الصورة وإنما كانت تلك الصورة هي العلامة، فدرجات الحق ليست لها نهاية لأن التجلي فيها
وليس له نهاية فإن بقاء العالم ليس له نهاية، فالدرجات ليست لها نهاية في الطرفين أعني
الأزل والأبد اللذين ظهرا بالحال وهو العالم، فلو زال العالم لم يتميز أزل من أبد، كما هو
الأمر عليه في نفسه، فما ثم بدء في حق الحق ونفي البدء في حقه درجة من درجاته التي ارتفع
بها عن مناسبة العالم، ودرجات العالم التي هي عين درجاته لا يتناهى أبدها، وإن كان نزول
العالم في درجة منها فتلك الدرجة هي بدء للعالم لا أن الدرجات لها ابتداء بل ظهور العالم
فيها له ابتداء .
واعلم أن الحق من حيثما تميز عن الخلق كان برزخاً بين الدرجات وبين الدركات فإنه
وصف نفسه بأن له يدين وما بين اليدين برزح، فما كان على اليمين هو درجات الجنة لأهلها،
وما كان على اليد الأخرى دركات النار لأهلها، فنسبة السفل إليه نسبه العلوّ لأنه مع العباد
أينما كانوا فهو معهم في درجاتهم وهو معهم في دركاتهم كما يليق بجلاله .
واعلم أنه من الدرجات درجة المغفرة وهما درجتان: الواحدة ستر المذنبين عن أن
تصيبهم عقوبة ذنوبه، والدرجة الأخرى سترهم عن أن تصيبهم الذنوب، وهذا الستر هو ستر
العصمة، فقال في الستر الواحد من المغفرة: ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْحِيمِ﴾ [غافر: ٧] وقال في الستر
الآخر من المغفرة ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر: ٩] وما ثم للمغفرة ستر آخر، فالستر الحائل بين
المذنب والعذاب ستر كرم وعفو وصفح وتجاوز، والستر الحائل بين العبد والذنب ستر عناية
إلهية واختصاص وعصمة يوجب ذلك خوفاً أو رجاء أو حياء كما جاء في صهيب: نعم العبد
صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، فسبب عصمته من وجود المعصية خوفه، ولو لم يكن
الخوف لمنعه الحياء من الله تعالى أن يجري عليه لسان ما يسمى ذنباً في حق من كان، ولو لم
يكن ذنباً في حقه لكونه ما أقيم إلا فيما أبيح له، وهذه غاية العناية والعصمة من التصرّف في
المباح، وأعظم المعاصي ما يميت القلوب ولا تموت إلا بعدم العلم بالله وهو المسمى
بالجهل، لأن القلب هو البيت الذي اصطفاه الله من هذه النشأة الإنسانية لنفسه، فغصبه فيه
هذا الغاصب وحال بينه وبين مالكه، فكان أظلم الناس لنفسه لأنه حرمها الخير الذي يعود
عليها من صاحب هذا البيت لو تركه له فهذا حرمان الجهل، غير أن هنا نكتة ينبغي التنبيه
عليها وذلك أن صاحب القلب الذي يرى أنه وسع القلب ربه دون سائر نشأته ينزل عن درجة
من يرى أن الحق عين نشأته من غير تخصيص إذ كان الحق سمعه وبصره وجميع قواه، فما
اختص منه بشيء دون شيء، فصاحب القلب مراقب قلبه، وصاحب الحالة الأخرى يحكم
بربه على كل شيء استتر فيه ربه عن ذلك الشيء وهو مشهود لصاحب هذه الصفة في ذلك
الستر فيعامله بما يوحى إليه به، فإن أوحى إليه بالكشف عنه اعتناء من الحق بهذا المستور عنه
كشفه له وأعرب له عن نفسه عرفه ما هو الحق منه، وإن أوحى إليه بإبقاء الستر عليه أبقاه ولم
يظهر له شيئاً مما هو في نفسه عليه هذا المستور فيحكم صاحب هذه الصفة على صاحب
القلب، ولا يحكم عليه صاحب القلب لشغله بحراسة قلبه الذي هو بيت ربه لئلا يدخل فيه

٢٦٦
في المنازل/ الباب الرابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار المغفرة
غير ربه فإنه الحفيظ البوّاب، فإذا فهمت هذا فانظر أي الرجلين تكون، ولهذا أهل المراقبة
لا يزالون في الحجاب عن التصرّف في الكون وهم أهل الحدود في الله، فإذا ارتفعوا عن مراقبة
قلوبهم فهو أعظم الحجب، وإذا تعدوا في مراقبة قلوبهم مراقبة العالم بأسره اتسع عليهم
المجال، ولكن ما لهم حكم صاحب ذلك الوصف الذي ذكرنا فإنهم مراقبون إياه لكونه مراقباً
إياهم لأنه على كل شيء رقيب، فقابلوا الحفظ بالحفظ مقابلة الأمثال بالموازنة والمطابقة، فكما
راقبهم بعينه راقبه هذ المراقب بعينه أيضاً، ومن كان حقاً كله في نفسه وفي العالم خرج عن صفة
المراقبة فإنها مقام سلوك ومحجة، فإذا سلكت فيه به ومنه إليه لم يكن ثم من يراقب، إذ
لا خوف في ذلك الطريق من مانع يمنع السالك فيه فهو سلوك لا مراقبة فيه.
ويتضمن هذا المنزل من العلوم: علم إسبال الستور وعلى من تسبل، فقد يسبل الستر
على جهة التعظيم كالحجاب والستر الذي وراءه الملك أو المخدرة، ويسبل الستر أيضاً دون
من لا يرتضي للكشف لما وراء الستر، وقد تسبل الأستار رحمة بمن تسبل دونهم كالحجب
الإلهية بين العالم وبين الله إبقاء عليهم لئلا تحرقهم السبحات الوجهية، فيتضمن علم لماذا
تسدل وعلى من تسدل؟ وفيه علم صور تركيب الكلام الإلهي مع أحديته من أين قبل التركيب
وما هو إلا واحد العين، ليفرق الإنسان العالم بين حقيقة الكلام وبين ما يتكلم به من له صفة
الكلام، فيعلم أن التركيب فيما يتكلم به لا في الكلام، وعلم هذا النوع من المعلومات علم
عزيز لا يختص به إلا العلماء بالله الذين سمعوا كلام الله في أعيان الممكنات، وفيه علم
القابل والمقبول منه والقبول الذي هو نعت القابل وهل يتنوّع القبول لتنوّعها القابل أو لا أثر
للقابل فيه؟ وفيه علم الحدود الإلهيّة لماذا ترجع هل إليها في ذاتها أو إلى الله أو إلى الممكنات
التي هي العالم؟ وفيه علم صفات المنازعين الذين يعلمون الحق فيسترونه مثل الفقهاء الذين
يلتزمون مذهباً لا يعتقدون صحته فيناظرون عليه مع علمهم ببطلانه، والخصم الذي يكون في
مقابلته يأتي بالحق على بطلانه ويعلم هذا الآخر أن الحق بيد صاحبه فيردّه ويظهر الباطل في
صورة الحق على علم منه، فهل يستوي هو ومن يظن في الباطل أنه حق فيذب عنه لكونه
عنده أنه حق؟ وما حكم هؤلاء عند الله يوم القيامة؟ وهل لهم مستند إلهي أم لا؟ وفيه علم
الفرق بين الإنكار والجحد والكذب وهل هذا كله أمر عدمي أو وجودي؟ فإن كان وجودياً
ففي أي مرتبة هو من مراتب الوجود؟ هل يعمها كلها أو هو في بعضها؟ وكذلك إن كان عدمياً
في أي مرتبة هو من مراتب العدم؟ هل هو في مرتبة العدم الذي لا يقبل الوجود؟ وهل ثم
للعدم مرتبة لا يقبل الوجود بنسبة ما أو ما ثم عدم إلا ويقبل نسبة إلى مرتبة وجودية؟ أو هو
في مرتبة العدم الذي يقبل المنعوت به الوجود وهو العدم الممكن. وفيه علم همّ الأضعف
بالأقوى بالسوء هل هو عن قوّة حقيقية فما هو أضعف أو هل هو عن قوّة متوهمة؟ فهو في
نفس الأمر أضعف ولا يعلم فما الذي يحجبه عن ضعفه، وفيه علم من جهل قدر الأمور وما
تستحقه ما السبب الذي جعله يجهل ذلك حتى ظهر منه ما لا ينبغي فيما لا ينبغي، وفيه علم
مراتب الملائكة فيما يذكرون العالم به عند الله إذ لهم القرب الإلهي وهم الوسائط بين الله

٢٦٧
في المنازل/ الباب الرابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار المغفرة
وبني خلقه وهم في الوسط في شهادة التوحيد في قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ
وَالْمَلَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] وفيه علم المفاضلة في كل شيء بين الله وبين خلقه، وفيه
علم ما ينتجه الاعتراف بالحق عند الله، وفيه علم الحكم بالاختيار هل يقدح في العدل أم لا
وفيه علم الفرق بين من علم الشيء عن جهل وبين من علمه عن نسيان وما صفة أهل التذكر
من صفة غيرهم؟ وفيه علم الإخلاص ممن أوفى حق من، وفيه علم ما يكره وما يحب وهل
عين ما يكرهه زيد هو عين ما يحبه عمرو أم لا؟ وفيه علم ما ينفرد به الحق دون الخلق هل
يعلم ذلك أم لا؟ وهل يمكن الوصول إليه بعناية إلهية من تعريف أم لا، وما المانع إن امتنع
ذلك؟ وفيه علم منزلة الإمام العادل ومرتبته، وفيه علم أحوال المحجوبين عن الله بالظلمة دون
النور، وعلم المحجوبين عن الله بالنور دون الظلمة، وعلم المحجوبين عن الله بالنور والظلمة
معاً، وهل هذه الحجب رحمة بالمحجوبين أو حجب بعد؟ وفيه علم ما يتوجه على الأعضاء
من التكاليف، وفيه علم الاعتبار والتفكر، وفيه علم تأييد أهل العناية الإلهية بماذا يؤيدهم
وفي أي موطن يؤيدهم وما السبب الموجب لتسليط أعدائهم عليهم وتمكنهم منهم؟ ولماذا
استند المعتدي عليهم هل يستند لأمر وجودي إلهي أو لأمر وجودي نفسي؟ وفيه علم ما أنت
إذا رأيته قلت فيه إنه حق، ثم تقول فيه إنه باطل، ثم تقول فيه إنه باطل حق، ثم تقول فيه إنه
لا باطل ولا حق. ثم تقول فيه لا أدري ما هو، فعوده إلى الجهل به هل هو عين العلم بذلك
الأمر أو يمكن الوصول إلى العلم به؟ ولكن هذا ما وصل فنطق بنعته لا بنعت ما تكلم فيه،
وفيه علم الإنصاف من غير تعصب وما حضرته وتسكين الغضب من الغاضب بلطف من
المسكن لا بقهر فإن القهر لا يسكن الغضب وإنما يخفي حكمه لسلطان القهر عليه، وفيه
علم إحاطة الملائكة بالعالم يوم يصفون وهم اليوم على تلك الصورة، وعلم الفرق بين
حكمهم فينا اليوم وبين حكمهم في ذلك اليوم والصفة واحدة من الإحاطة ولماذا ينادي هناك
بعضهم بعضاً؟ وهنا ليس كذلك إلا في مواطن مخصوصة لأن القيامة على صورة الدنيا سواء،
غير أن الحاكم هنالك هو الواحد بارتفاع الوسائط وهنا هو الحاكم الواحد بعينه لكن بالوسائط
ليفرق بين الدارين كما فرق بالجنة والنار بين القبضتين، وفيه علم من تحكم على الله من أين
تحكم وما الذي أجرأه على ذلك هل صفة حق أو صفة جهل؟ وفيه علم العناية الإلهية
بالجبارين المتكبرين، وفيه علم ما عصم الله من الأسماء الإلهية لماذا عصمته وما لم يعصمه
من الأسماء الإلهية كاسمه الأحد ولا يتجلى في هذا الاسم ولا يصح التجلي فيه ولا في
الاسم الله وما عدا هذين الاسمين من الأسماء المعلومات لنا فإن التجلي يقع فيها. وفيه علم
الحركة في عين السكون، وفيه علم الاشتراك بين المؤمن والعالم في أي حضرة يكون ذلك
وبماذا يتميزون؟ وهل ينال المؤمن درجة العالم؟ وما يقبله من جهة الخبر الصادق هل يلحق
بذلك درجة العلماء أم لا؟ وهل الدليل على تصديق الرسل في ادعائهم أنهم رسل ينسحب في
الدلالة على ما جاؤوا به من الأخبار والأحكام؟ أو يفتقرون إلى دليل آخر أو يكونون علماء
مع كونهم مقلدين؟ وفيه علم الدور في كون الداعي يكون مدعوّاً لمن دعاه بحكم التعارض،

٢٦٨
في المنازل/ الباب الرابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار المغفرة
وفيه علم حكم طلب النجاة في العالم كله بالطبع ولكن تجهل ومن هو الصنف الذي يعلمها
من العالم وما هي النجاة؟ وفيه علم علامة كل داع وما يدعو إليه من الأسماء الإلهية، وفيه
علم الوقت الذي يلقي الإنسان فيه ما في يده ولا يعتمد عليه ويسلم إلى الله جميع أموره،
وفيه علم الجين وإعادة السهام على راميها وقد عاينت هذا النبال بمدينة تلمسان من عالم
بصنعة الرمي وإنشاء القسيّ والنبال فرأيته يرمي بالسهم فإذا انتهى السهم إلى مرماه عاد إلى
الرامي وحده فكان ذلك لي عبرة في كون الأعمال ترجع على عامليها. وفيه علم ما يتنزل
منزلة الزمان وليس بزمان، وفيه علم التنازع بعد حكم الحاكم وما سببه إذ لا أثر له في رد
الحكم، وفيه علم مراتب الشهود من الحاكم وترك الحاكم حكمه بما يعلم ويحكم بقول
الشهود وما سبب وضع ذلك في العالم ولكن ليس ذلك عندنا إلا في الأموال لا في النفوس
ولا في إقامة الحدود، وفيه علم ما لا يجوز تأخيره لمسيس الحاجة إليه، وما فائدة البيان
الذي وضع لحصول العلم ويترك الحكم به؟ وفي أي النوازل يكون ذلك؟ ومن هو على
الصواب في هذه المسألة؟ هل من يقول أنه يحكم بعلمه أو المخالف؟ وعندي في هذه
المسألة لو كنت عالماً بأمر ما وشهد الشهود بخلاف علمي ولا يجوز لي أن أحكم بعلمي إذا
كنت ممن يقول بذلك استنبت في الحكم من لا علم له بالأمر وتركت الحكم فيه وهذا هو
الوجه الصحيح عندي والذي أعمل به وإن كان في النفس منه شيء وهذا عندي في الحكم في
الأموال، وأمّا الحكم في الأبدان فلا أحكم إلا بعلمي إذا علمت البراءة، فإن لم تكن البراءة
وعلمت صدق المفتري حكمت بالشهود وتركت علمي وعلم سبب هذا الذي ذهبت إليه
يتضمنه هذا المنزل. وفيه علم ما يفضل به العالم على الإنسان وهو أن له عليه ولادة، وفيه
علم مسمى الساعة، وفيه علم هل يصح التكبر من العالم على الله أم لا؟ وفيه علم ما تطلبه
الأشياء من الأمور طلباً ذاتياً هل يصح فيه خرق العادة فيكون بالجعل أم لا؟ وإن انخرقت فيه
العادة فما محل خرق العادة هل في الطالب فيتبعه ما كانت تقتضيه ذاته أم لا؟ وفيه علم
حضرة تقرير النعم على المنعم عليه ما يكون من ذلك على جهة التعليم أو على جحده
لذلك، وفيه علم أصل حياة العالم الحسية والمعنوية هل ترجع إلى أصل واحد أم لا؟ وهل
في الطبيعة حياة حتى تعطي الحياة الحسية أم لا؟ وفيه علم النشأة الإنسانية الدنياوية وأحوالها
في مدة بقائها في هذه الدار وما يؤول إليه أمرها من حيث جسميتها بعد الموت، وفيه علم
الموت والحياة هل ذلك نسبة أو عين موجودة تظهر في مواطن مختلفة؟ وحكم المميت هل
يميت بموت فيكون سبباً أو يميت فقط؟ وكذلك الحياة فيكون عين الميت عين الموت بحكم
المميت، وفيه علم القضاء وفضله عن القدر، وفيه علم كون الآية التي يأتي بها الرسول ليست
بشرط ولا يجب عليه الإتيان بها، وفيه علم مراعاة الله عباده مع سوء أدبهم مع الله، وفيه علم
عموم نفع الإيمان في الآخرة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٢٦٩
في المنازل/ الباب الخامس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ الإخلاص في الدين
الباب الخامس والأربعون وثلاثمائة
في معرفة منزل سرّ الإخلاص في الدين وما هو الدين
ولماذا سمي الشرع ديناً وقول النبيّ وَّ: ((الخَيْرُ عَادَةٌ))
[البسيط]
وسُورَتي من كتاب الله تَشْزِيلُ
لكلِّ شَخْصٍ من القُرآن سُورَتُهُ
عند الشَّنَزُّل ميكالٌ وجبريلُ
أتى بها المَلأُ العُلْوِيُّ يَقْدُمُهُ
وفي جوانبها هَذيّ وتضليلُ
أتَى بها تنثني لِيناً مَعَاطِفُها
نارٌ ونُورٌ وَتَخْزِيهُ وَتَمْثِيلُ
إذا نَظَرْتَ ترى في آيها عَجَباً
لم يَفْتَرِعْ طَرْفَها بِكُخْلِهِ المِيلُ
بِكْرُ النّواظر في أجْفانها دَعَجْ
تجلت لنا هذه السورة بمدينة حلب، وقيل لي لما رأيتها هذه سورة لم يطمثها إنس ولا
جانّ، فرأيت لها ومنها ميلاً عظيماً إلى جانبي، وقد مثلت لي في شبه هذا المنزل الذي كنت
دخلته قبل ذلك، ثم قيل لي: هي خالصة لك من دون المؤمنين، فلما قيل لي ذلك فهمت
الإشارة وعلمت أنها ذاتي وعين صورتي لا غيري، فإنه ما لموجود شيء مخلص له ليس
لغيره قديمه وحديثه إلا ذاته خاصة فقلت: ها أنا ذا، فعلمت عند ذلك معنى التخليص،
وعلمت ما تلي علي فيما أنزل على من القرآن عند التلاوة، وذلك أنه لما نزل الإلهام بتلاوة
سورة الإخلاص رزقت عين الفهم في تسميتها بهذا الاسم دون غيرها من السور، فإنها كلها
نسب الله وصفته، وهي عين مجموع العالم، ففهمت الإشارة بها في أن العالم مع كونه هو
الحق المبين من حيث مجموعه لا من حيث جزء جزء منه، فتخلص النسب لله من حيث
ذاته، فهذا المجموع هو في الحق عين واحدة وهو في العالم عين الحق المبين، قالت طائفة
من الأمّة اليهودية: انسب لنا ربك، فنسبه لمجموع العالم بما نزل عليه من الله تعالى في ذلك
فقيل له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] فنعته بالأحدية ولكل جزء من العالم أحدية تخصه
لا يشارك فيها بها يتميز ويتعين عن كل ما سواه مع ماله من صفات الاشتراك، ثم قيل له :
﴿اَللَّهُ الصََّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] وهو الذي يصمد إليه في الأمور أي يلجأ والأسباب الموضوعة
كلها في العالم يلجأ إليها ولهذا سميت أسباباً لتواصل مسبباتها إلى الصمد الأوّل الذي إليه
تلجأ الأسباب ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] وهو العقيم الذي لا يولد له، وبهذه الصفة نعت
الريح بالعقيم لأنه من الرياح ما هي لواقح ومنها ما هي عقيم ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] آدم
عليه السلام فإن الولادة معلومة عند السائلين فخوطبوا بما هو معلوم عندهم ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ
كُفُوَا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] أراد بالكفو هنا الصاحبة لأجل مقال من قال: إن المسيح ابن الله
وعزير ابن الله، والكفاءة المثل، والمرأة لا تماثل الرجل أبداً فإن الله يقول: ﴿وَلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ
دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فليست له بكفؤ فإن المنفعل ما هو كفؤ لفاعله، والعالم منفعل عن الله فما
هو كفؤ لله وحوّاء منفعلة عن آدم فله عليها درجة الفاعلية فليست له بكفؤ من هذا الوجه.

٢٧٠
في المنازل/ الباب الخامس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ الإخلاص في الدين
ولما قال إنه ﴿لِلرِّجَالِ عَهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لم يجعل عيسى عليه السلام منفعلاً عن
مريم حتى لا يكون الرجل منفعلاً عن المرأة كما كانت حوّاء عن آدم ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾ جبريل أو
الملك ﴿بَشَرًّا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وقال لها: ﴿أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمًا زَكِنًا﴾ [مريم: ١٩]
فوهبها عيسى عليه السلام، فكان انفعال عيسى عن الملك الممثل في صورة الرجل، ولذلك
خرج على صورة أبيه ذكراً بشراً روحاً، فجمع بين الصورتين اللتين كان عليهما أبوه الذي هو
الملك فإنه روح من حيث عينه بشر من حيث تمثله في صورة البشر، فسمى هذه السورة سورة
الإخلاص، أي خلص الحق للعالم من التنزيه الذي يبرهن عليه العقل، وخلصه من العالم
بمجموع هذه الصفات في عين واحدة وهي أعني هذه الصفات مفرقة في العالم لا يجمعها
عين واحد، فإن آدم عليه السلام أكمل صورة ظهرت في العالم ومع هذا نقصه لم يلد فإنه أحد
صمد لم يولد ولم تكن لو حوّاء كفواً، فخلصت هذه السورة الحق من التشبيه كما خلصته من
التنزيه، فإذا فهمت ما أشرنا إليه فاعلم أنّ سر الإخلاص هو سر القدر الذي أخفى الله علمه
عن العالم لا بل عن أكثر العالم فميز الأشياء بحدودها، فهذا معنى سر القدر فإنه التوقيف
عينه وبه تميزت الأشياء وبه تميز الخالق من المخلوق والمحدث من القديم، فتميز المحدث
بنعت ثابت يعلم ويشهد، وما تميز القديم من المحدث بنعت ثبوتي يعلم بل تميز بسلب
ما تميز به المحدث عنه لا غير، فهو المعلوم سبحانه المجهول، فلا يعلم إلا هو ولا يجهل
إلا هو، فسبحان من كان العالم به عين الجهل به، وكان الجهل به عين العلم به وأعظم من
هذا التمييز لا يكون ولا أوضح منه لمن عقل واستبصر.
وأمّا الإخلاص في الدين فهو الجزاء الوفاق فما ثم إلا جزاء وفاق لا ينقص ولا يزيد،
فإن الله جعله جزاء وفاقاً إنباء عن حقيقة لأن المجازي لا يمكن أن يقبل ما لا يعطيه
استعداده، وباستعداده قبل ما ظهر عليه من الدين الذي يطلب الجزاء فيه بعينه أعني الاستعداد
قبل الجزاء فكان الجزاء وفاقاً، والجزاء ما هو إلا للعمل ولا يأخذه العامل إلا من عمله ولهذا
قيل: ((إنَّ في الجنة ما لا عَيْنٌ رأتْ ولا أُذُنّ سمعتْ ولا خَطَرَ على قلب بَشَرِ)) وهو الصحيح،
فإنه يصدر من العاملين عمل من غير قصد ما رأته عينه ولا سمعته أذنه ولا خطر على قلبه إلا
عندما ظهر منه رأته عينه عند ذلك وخطر له كما يرى ما في الجنة مما لم يره في الدنيا ولا
سمع به ولا خطر على قلبه، فذلك هو الجزاء الوفاق لهذا النوع من العمل، وهذا العمل هو
من قوله تعالى: ﴿وَنُنِشِئَكُمْ فِىِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] فأظهره في منزل لا يعلمه من جهة
فكره ولا رأته عينه ولا سمعته أذنه أنه يقام فيه، فيكون جزاؤه ما ذكره في الجنة مما لا عين
رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فخلص الجزاء لهذا العمل بصفة الوفاق وهذا
من سر القدر .
ولما كان الدين هو عمل الخير والدين العادة ذكر عليه السلام أن الخير عادة، وهذا
الذكر بشارة من عالم بالأمور وهو الرسول وَل# بأن النفس خيرة بالذات، وما تقبل الشر إلا
لجاجة من القرين بما يلج عليها به فلم يجعل الشر من ذاتها فقال وَله: ((الخَيْرُ عَادَةٌ وَالشَّرُّ

٢٧١
في المنازل/ الباب الخامس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ الإخلاص في الدين
لَجَاجَةٌ)) ولما ألح القرين على النفس ولج بالشر الذي هو عين مخالفة أمر الله ونهيه وضاقت
منافسها من هذا الإلحاح واللجاج أوحى الله إليها بل كلمها من الوجه الخاص الذي لا يعرفه
الملك بأن تقبل منه ما ألح عليها به من الشر، فرأى الحق فيها استيحاشاً وخوفاً من المكر
الإلهيّ، فأشهدها حضرة التبديل وأشهدها مآل المكلفين إلى الرحمة وتلا عليها: ﴿يُدِّلُ اللَّهُ
سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] وتلا عليها في المسرفين: ﴿لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فأزال وحشتها وقبلت من القرين الشر الذي جاء به إليها فسر بما
وقع منها من القبول لجهله بعموم الرحمة وعموم العفو والمغفرة، وأن الله ما جعل العفو إلا
لهذا الصنف الذي يتلقى من الشيطان القرين ما جاء به من الشر، وما علم أن الله قد جعل
النفس في قبولها شر القرين بالدجاج والإلحاح منزلة المكره والمكره غير مؤاخذ، فسمى الشر
لجاجة بشارة إلهية لا يشعر بها كل أحد وجعل الخير عادة فإن النفس بالذات خيرة لأن أباها
الروح القدسي الطاهر فطبعها الخير لا غيره، وأمّها هذه الصورة المسوّاة من هذه الأخلاط،
فأوّل قبول ظهر فيها قبول السواء والعدل وهو قوله: ﴿فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] وقبول
العدل عين الخير وقبلت بالأصالة هذه النشأة مجاورة الأضداد وهى الأخلاط، ومن عادة
الضدّ المنافرة عن ضدّه، ولم يوجد هنا تنافر فدل على خيرية الأصل ثم قبولها بعد التعديل
والتسوية لنفخ الروح القدسي، فكان أوّل قبول قبلته على ما زاد على نشأتها نفخ هذا الروح
الخير الطاهر المطهر، فلهذا كان الخير لها عادة بالطبع الذي طبعت عليه، ولهذا ترجع في
المآل إلى أصلها، فإن الأصل منها ما ذكرناه من قبول الخير فتلحقها الرحمة في المآل كما
كان وجودها عين الرحمة فختم الأمر بما به بدأ والخاتمة عين السابقة .
ومما يؤيد ما ذكرناه أن أوّل نشأة إنسانية التي كانت أصل النشآت الإنسانية كانت في
غاية التقديس، وأوج الشرف بكونها مخلوقة على الصورة الإلهية فلم يظهر عنها إلا
المناسب، فكما كان المناسب لها مع وجود المخالفة التي تعطيها حقائق الأسماء الإلهية
المقابلة أن لا يتطرّق إليها لمخالفة بعضها بعضاً لسان ذم، كذلك ما ظهر من المخالفة في
هذه النشأة الإنسانية لا يتطرّق إليها في المآل تسرمد عذاب فإن الأصل يحميها من ذلك وهو
الصورة فكانت مجبورة في مخالفتها فلا بد من المخالفة لأنه لا بد من تقابل الأسماء في الذي
خلقت على صورته، فالنافع ما هو الضار، ولا المعطي هو المانع، ولا بد من ظهور هذه
الحقائق في هذه النشأة حتى يصح كمال الصورة، فالطائع يقابل العاصي، والمشرك يقابل
الموحد، والمعطل يقابل المثبت، والموافق يقابل المخالف من إمداد الأسماء الإلهية وهو
قوله: ﴿كُلَّا نُّمِدُ هَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَيِّكَ﴾ [الإسراء: ١٠] يعني الطائع والعاصي، وأهل الخير
والشر ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] أي ممنوعاً لأنه يعطي لذاته، والمحال
القوابل تقبل باستعدادها واستعدادها أثر الأسماء الإلهية فيها، ومن الأسماء الإلهية الموافق
والمخالف، مثل الموافق: الرحيم والغفور وأشباهه، ومثل المخالف: المعز والمذل، فلا بد
أن يكون استعداد هذا المحل في حكم اسم من هذه الأسماء فيكون قبوله للحكم الإلهيّ

٢٧٢
في المنازل/ الباب الخامس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ الإخلاص في الدين
بحسب ذلك، فإما مخالف وإما موافق، ومن كان هذا حاله كيف يتعلق به ذم ذاتي والأعراض
لا ثبات لها، فالخير في الإنسان ذاتي وهو الذي يبقى لها حكمه، والشر عرضي فيزول ولو
بعد حين، قال تعالى: ﴿وَلَنَعْلَمُنَّ نَبَأَمُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] وهذا مثل قوله: ﴿يَعِبَادِىَ﴾ [الزمر:
٥٣] فأضافهم إلى نفسه، كما أضاف إلى نفسه نفوسهم في خلقها فقال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
زُوحِى﴾ [صَ: ٧٢] و﴿كُلَّا تُمِّدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَيِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠] ثم قال: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُواْ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] والإسراف كرم عام خارج عن الحد والمقدار، وكذا قال في الإنفاق:
﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: ٦٧] أي لم يوسعوا ما يخرج عن الحاجة، ولم يقتروا لم
ينقصوا مما تمس إليه الحاجة ﴿لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٥٣] فإنها وسعت كل شيء
وأنتم من الأشياء وقد عرفتكم كيف أنشأتكم ومن أي شيء أنشأتكم، من روح مطهرة وطبيعة
موافقة قابلة طائعة غير عاصية ولا مخالفة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فما أبقى
منها شيئاً، فبأي شيء يسرمد عليهم العذاب ولا يكون إلا جزاء وفاقاً وقد غفر وما غفر له فلا
حكم له، فإن الذي غفر له ﴿هُوَ اٌلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] والغفور الرحيم لذاته فلا يبرح من
حين له يغفر مغفوراً له لا يعود إليه حكم الذنب لأن الحافظ هو الغفور الرحيم، فلو أزاله
وغفره غير هذا الاسم وأمثاله أمكن أن لا يثبت لعدم الحافظ له فتنبه لما أعلمناك به فإنه من
لباب المعرفة .
واعلم أن الكُمَّلَ من رجال الله الخلفاء في العالم الذين عبدوا على المشاهدة لا على
الغيب هم الذين تكون لهم الرؤية الإلهية جزاء لا زيادة، ومن نزل عن هذا الكمال هو الذي
تكون له زيادة على الجزاء في قوله: ﴿لِلَِّينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وهو قول
رسول الله وَلّ: ((إِذَا وَزَنْتَ فَأَرْجِخْ)) لما قضى رسول الله وََّ ما كان عليه فلما وزنه قال للذي
بيده الميزان: ((أزجِخ)) ليزيد له على ما يستحق لما رأى أن الحق قد ذكر الزيادة على
المعاوضة، وقال في هذا المقام: ((أَخسَنُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» فهذا هو الإخلاص في الدين
الذي هو الجزاء، وهنا يظهر معنى قوله وَلَّ: ((وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) لأنه لما نطق وَّه بالاستعاذة
به بضمير الخطاب من غير تعيين اسم لم يجد له مقابلاً لأنه ما عين اسماً فلم يجد من يستعيذ
منه فرأ نفسه على صورته فقال منك فاستعاذ بالله من نفسه لأن النفس الذي هو المثل وردت
في القرآن مثل قوله: ﴿فَلاَ تُزَكُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] أي أمثالكم، وقال ◌َّهَ: ((لاَ أُزَكِّي عَلَى
اللهِ أَحَدا)) وقال: ((كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ)) أي أمثالكم فيتوجه قوله: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) أن الكافين
واحدة، ويتوجه أن الكاف في منك تعود على المثل وهو نفس المستفيذ فإنه خليفة محصل
للصورة على أتم الوجوه، فاستعاذ بالله من نفسه لما يعلمه من المكر الخفي الإلهي، فإنه
ما أظهر الصورة المثلية في هذه النشأة على التشريف فقط بل هي شرف وابتلاء، فمن ظهر
بحكم الصورة على الكمال فقد حاز الشرف بكلتي يديه، فإن الصورة الإلهية لا يلحقها ذم
بكل وجه، ومن نقص عن هذا الكمال كان في حقه مكراً إلهياً من حيث لا يشعر، كما أن
الخلافة في العالم ابتلاء لا تشريف ولهذا قال ◌َّ: ((إنَّها فِي الآخِرَة مَنْدَمَةٌ)) لما يتعين على

٢٧٣
في المنازل/ الباب الخامس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ الإخلاص في الدين
صاحبها من الحقوق التي يطالب بها يوم القيامة حتى يتمنى أنه لم يل أمراً من أمور العالم وقد
جعلنا رعاة فقال: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلَّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) فلكل شخص حكم من الصورة
الإلهية، فمن جمعت له الصوّرة بكمالها لم يسأل فإن الله ﴿لَا يُسْثَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾
[الأنبياء: ٢٣] ومن لا ينطق عن الهوى لا يسأل عما يقول سؤال مناقشة وحساب، ولكن قد
يسأل سؤال استفهام لإظهار علم يستفيده السامعون كسؤال الحق رسله، وهم لا ينطقون عن
الهوى يوم يجمعهم فيقول: ماذا أجبتم؟ فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:
١٠٩] فيعلم أهل الموقف أصحاب الكشف أن الرسل هم أتم العالم كشفاً، ومع هذا فما
أطلعهم الله على إجابة القلوب من أممهم ولا إجابة من وصلت إليهم دعوتهم ولم يكونوا
حاضرين ولا من كان حاضراً وأجابه بلسانه هل أجابه بقلبه كما أجابه بلسانه؟ فإن قلت: فقد
سمع إجابة من أجابه بلسانه وما أجابه به، قلنا: لقرائن الأحوال حكم لا يعرفه إلا من
شاهدها. وقد عرفنا من عين جواب الرسل عليهم السلام أنهم فهموا عن الله عند هذا السؤال
أنه أراد إجابة القلوب فإنهم قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَآ إِنَّكَ أَنَتَ عَلَّهُ الْغُيُوبِ﴾ فلو فهموا من سؤاله
تعالى إجابة الألسنة لفصلوا بين من سمعوا إجابته بإقراره بلسانه وبين من لم يسمعوا ذلك منه،
فلما ذكروا في الجواب الغيوب علمنا أن السؤال كان عن جواب القلوب، واستفدنا من هذا
أن الذي يكشف له ما يلزم أن يعم كشفه كل شيء لكن عنده استعداد الكشف لا غير، فما
جلى له الحق من أسرار العالم في مرآه قلبه إن كان معنى، أو في مرآة بصره، إن كان صورة
کشفه ورآه لا غیر .
فإن قلت: فمن كان الحق بصره قد سمعتك تقول فيمن هذا حاله أنه يدرك كل مبصر
في الكون ولا يغيب عن بصره شيء لأنه ناظر بحق. قلنا: صدقت ولكن فرق ما بين المقام
والحال والأحوال لا بقاء لها وهذا حال فعند حصوله صح له هذا الكشف في ذلك الزمان،
ولما رفع عنه رجع ينظر بعين خلق بإمداد حق لا بحق، فيكون حكمه حكم خواص الخلق له
الكشف الجزئي لا الكلي إذ لا يكشف إلا المعتاد الذي للعموم، فإذا كشف كل مبصر في
العالم كشفه على ما هو عليه في وقته، فلما رفع عنه لم يعرف ما آل إليه أمر تلك المبصرات
في زمان رفع هذا الكشف هل بقوا على ما كانوا عليه أو هل انتقلوا عن ذلك وطلب الله منهم
العلم بذلك لقولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ والجواب بالظنون لا يليق، ثم تمموا فقالوا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ
عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ فقيدوه بالغيوب فإنه في يوم تبلى فيه السرائر والسرائر غيوب العالم بعضهم عن
بعض، فعلمنا الحق بهذه الآية التأدب مع أصحاب الكشف وأن نعلم مراتب الكشف لئلا ننزل
صاحب الكشف فوق منزلته ونطلب منه ما لا يستحقه حاله فنتعبه ولا نعذره ونصفه بالجهل
في ذلك ولا علم لنا بأنا جهلنا فتكون جهالتان.
وكما أن للملائكة مقامات معلومة كذلك للبشر مقامات معلومة منها يكون المزيد لهم
لا يتعدّونها وإن زادوا علماً فمن ذلك المقام وهو المقام الذي يكون فيه عند آخر نفس يكون
منه ويفارق الروح تركيب هيكله المسمى موتاً، فمن ذلك المقام يكون له المزيد، ولهذا يقع
الفتوحات المكية ج٥ - م١٨

٢٧٤
في المنازل/ الباب الخامس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ الإخلاص في الدين
التفاضل بين الناس في الدار الآخرة ويزيد الله الذين أوتوا العلم وهم مؤمنون على المؤمنين
الذين لم يؤتوا العلم درجات وبالمقامات فضل الله كل صنف بعضه على بعض.
وفي هذا المنزل من العلوم علم العرش هل العرش الذي استوى عليه الاسم الرحمن
هو العرش الذي يأتي عليه الله الحكم العدل يوم القيامة للفصل والقضاء الذي تحمله الثمانية
أو هو عرش آخر؟ وهل إن كان عرشاً آخر غير الذي استوى عليه فما معنى قول الرسول وَالله
لما نزلت هذه الآية ﴿وَيَجِّلُ عَرّشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيَذٍ ثَمَنِيَّةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] يعني يوم الآخرة قال:
((وهُوَ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ)) وما هؤلاء الثمانية المنكّرة؟ هل كلهم أملاك أو ليسوا بأملاك؟ أو بعضهم
أملاك وبعضهم غير أملاك؟ وهل العرش سريراً وهو ملك معين من الملك ما هو الملك كله
لأنه فيه أتى للفصل والقضاء بين عباده وعباده من الملك فلا بد أن يكون ملكاً معيناً؟ وهل هذا
العرش الذي يأتي عليه يوم القيامة هو ظلل الغمام التي يأتي فيها الله يوم القيامة أم لا؟
والملائكة هي التي تأتي في ظلل من الغمام ويكون إتيان الله مطلقاً من هذا التقييد. وفيه علم
نهاية سطح العرش هل له فوقية أم لا؟ وما معنى له حول؟ وما معنى الاستواء عليه إذا لم
يتصف بأن له فوقاً فإنه نهاية الجسم فلا خلاء ولا ملاء بعده؟ وهذا كله إذا كان العرش سريراً
أو ملكاً خاصاً من العالم، فإن كان العرش عبارة عن العالم كله لا عالم الأجسام كان له حكم
آخر ليس هذا حكمه هذا كله يتضمنه هذا المنزل ويحتاج إلى العلم به ليعلم الأمر على ما هو
عليه، وفيه علم اختلاف الاستواء باختلاف الأدوات الداخلة وبعدم الأدوات، وفيه علم
اختلاف الجماعات ولم لم يكن الكل جماعة واحدة؟ وبماذا تميزت جماعة من أخرى؟ وما
الصفة التي عدمتها كل جماعة حتى تفرقت الجماعات ولم تفترق إلى آحاد. وفيه علم أول قوّة
يكون لها الحكم عند البعث من قوى الحس وهل يتقدمها حكم قوة أخرى من قوى الحس
قبل البعث أم لا؟ وفيه علم انتشار الروح الإلهي على الأجسام كلها، وفيه علم أحوال حكم
الله يوم القيامة في الخلق وبأي اسم يتجلى في ذلك اليوم، وفيه علم القوة الإلهية والنشر
والطيّ في أي أوان يكون وهل يتقدم بعث العالم أو يتأخر؟ فإن تأخر فأين يكون العالم عند
ذلك؟ وهل تجتمع الملائكة والبشر في صعيد واحد في ذلك اليوم أم لا؟ وفيه علم منزلة من
وصف الحق بأوصاف الخلق من الذم ومبلغه من العلم في ذلك، وفيه علم تأديب الصغير
والكبير وهو قوله: إياك أعني فاسمعي يا جارة، وفيه علم الأدوات في ترتيب الخطاب وما
تفيد كل أداة منها واشتراك الأدوات في الصورة واختلافها في الحكم كلفظة لا فصورتها
واحدة وهي من جملة الأدوات وأحكامها مختلفة بحسب الحضرة التي تتجلى فيها فيكون
حكمه النفي ويكون النهي ويكون العطف وهكذا سائر الأدوات وهذا من علم البيان الذي
علمه الإنسان، وفيه علم الإيمان المذموم في الشرع وهل حكم الإيمان في نفسه حكم الشرع
فيه أم لا؟ وهل يعدل به عن حقيقته فيظهر له تجل في غير حقيقته صورته فيسمى به الصورة
التي انتقل إليها، وفيه علم مراتب الكذب ومحموده من مذمومه وأين يجب استعماله وأين
يحرم استعماله؟ ومراتب المكذبين. وفيه علم مرتبة الخنثى وهو الذي تنسب إليه الذكورة

٢٧٥
في المنازل/ الباب الخامس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ الإخلاص في الدين
فيقبلها وتنسب إليه الأنوثة فيقبلها فهل هو ذكر أو أنثى أو لا ذكر ولا أنثى؟ فإن الله قال :
﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [النجم: ٤٥] فهل يتضمن هذا الخطاب الخنثى فإنه مخلوق ينسب
إليه الأمران ليدخل تحت هذا الخطاب، أو هو خارج عن هذا الخطاب ويدخل تحت قوله :
﴿ِاللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فإن الخنثى برزخ متوسط فإن اسم الحيوان ينطلق عليه ولا
بد فإنه ليس من خصائص الإنسان، كما أن الذكورة والأنوثة ليست من خصائص النوع
الإنساني، وفيه علم التهيؤ لانتظار الفجآت لأنه لا يدري بما يأتي وهذا مقام لم أر أحداً أتم
مني فيه لله الحمد على ذلك، وفيه علم التعمل في اكتساب الأهم فالأهم وهو من الحزم وأين
موطنه من موطن التراخي؟ وفيماذا يكون التراخي أولى من الحزم وما يحمد من الحزم مع
كونه سوء الظن ويبتني على هذا أمور كثيرة فهو علم شريف، وفيه علم ما آل العالم المكلف
من الإنس والجان والجان الذين هم الملائكة وهل يرتفع عنهم الخوف أم لا يزال يستصحبهم
أبد الآبدين؟ وفيه علم التجلي في غير صورة العلم، وفيه علم حجاب النعم ومتى هو الإنسان
أتم حضوراً مع الله هل في حال الشدة أو في حال الرخاء؟ ولأي حال هو الحمد العام والحمد
الخاص؟ وفيه علم اختلاف المحامد لاختلاف الأحوال، وفيه علم الإنس بمن يقع الأنس هل
بالمناسب أو بغير المناسب أو بهما؟ وفيه علم الاعتماد على الأسباب هل كله مذموم أو
محمود أو منه ما هو مذموم ومنه ما هو محمود؟ وما هو سبب بوضع الحق وما هو سبب
بوضع الخلق؟ وفيه علم مراتب العلم بالموت، وفيه علم نفي الوكالة من الخلق، وفيه علم
الكفاية وبمن يكتفى وهل يصح الاكتفاء بمخلوق في أمر أم لا؟ وفيه علم ما هو الإحسان ومن
هو المحسن وعلم الإساءة ومن هو المسيء. وفيه علم المثلين إذا تماثلا من جميع الوجوه
المعنوية هل يصطحبان أم لا؟ فإن الفائدة قد ارتفعت ما بينهما وهذه مسألة لا يتنبه إليها إلا
منور البصيرة من لا يزال مع الأنفاس يستفيد ومن ليست له هذه الحالة فليس بإنسان كامل
الإنسانية لأنه ما أعطي النظر إلا ليستفيد، وفيه علم الفرق بين معاملة الله ومعاملة الخلق وهل
تتساوى عند العامل المراقبة في المعاملتين أم لا؟ ولا سيما عند من يرى أن الله قد جعل
للعالم حقوقاً بعضه على بعضه فيتعين على العامل مراقبة الخلق لأداء الحقوق التي أوجبها الله
عليه لهم فهل ذلك من مراقبته فيكون ما راقب إلا الحق؟ أو هل ذلك من مراقبة الخلق فيرجع
ذلك إلى استحقاق هذه الحقوق؟ وهل استحقها العالم على هذا الشخص لذاتهم أعني لذات
المستحقين أو هل يستحقها بجعل الله فيعلم من هذا المنزل صورة الأمر على حقيقته من جمع
أو تفصيل؟ وفيه علم تفاضل طبقات العذاب والنعيم، وفيه علم ضرب الأمثال ومن ينبغي أن
يضرب له مثل ومن ينبغي أن لا يضرب له مثل لقوله: ﴿فَلَا تَضْرِيُواْ لِلَِّ اَلْأَمْثَالُ﴾ [النحل: ٧٤]
وهو قد ضرب الأمثال فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ كيف يضربها ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] فناط
بهم الجهل بالمواطن فالعالم يقطع عمره في نظر ما ضرب الله له من الأمثال ولا يستنبط مثلاً
من نفسه ولا سيما لله وما أظن يفي عمر الإنسان بتحصيل علم ما ضرب الله له من الأمثال،
وفيه علم من يبين عن الله هل يسمّى هادياً أم لا؟ فإنه مهدي بلا شك، وفيه علم حال القرآن

٢٧٦
في المنازل/ الباب السادس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ صدق فيه بعض العارفين
في التالين عن الله العارفين بتنزله على قلوبهم وما يورثهم ذلك من القبض والبسط وأي
الصفتين يتقدم حكمها في التالين بالحال أو في القبض أو البسط؟ وفيه علم فضل العقل في
العقلاء وما لب العقل هل حكمه حكم العقل أم لا؟ فإن الله فرق الآيات فجعل آيات ﴿لِأُوْلِى
اُلْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] وآيات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] فقيدهم من العقال وهو التقييد،
وفيه علم المقرب هل له حد عند الله في نفوذ عنايته أو تنفذ عنايته مطلقاً؟ وفيه علم شرف
اتباع ما شرع الله اتباعه من مكارم الأخلاق، وفيه علم الربح والخسران لماذا يرجعان؟ وفيه
علم الحذر العقلي والحذر المشروع هل هو الحذر العقلي الذي يعينه العقل أم لا تعيين في
ذلك إلا للشرع؟ أو فيه ما جعل الله تعيينه للعقل فاكتفى به عن تعيينه في الشرع ومنه ما جعل
الله تعيينه للشرع؟ وفيه علم ما يكره وما لا يكره، وفيه علم نشء الذرية لإنشاء الإنسان بما
هو إنسان، وفيه علم التداخل في الأشياء إذا كانت أحوالاً وأعراضاً كتداخل الرائحة واللون
والسكون والعلم والجهل في الذات الواحدة في الزمن الواحد، وفيه علم تعيين أنصبة الشركاء
في الشيء وأنها إذا تعينت فليسوا بشركاء، ولا بد أن يكون النصيب في نفس الأمر معيناً وإن
وقعت الإشاعة فلجهل الشركاء في ذلك فإنه لا بد أن يتعين إذا وقعت القسمة إما في عين
الشيء أو في قيمته فإذا لا تصح الشركة أصلاً لأن الأمور معينة عند الله في هذا الشيء
المسمى مشتركاً فيه وقد ثبت اسم الشركاء عرفاً وشرعاً فلماذا يرجع؟ ألا ترى إلى الذين
اتخذوا مع الله شركاء في الألوهة هل لهم منها نصيب؟ فإذا علمت أنه ليس لهم نصيب في
الألوهة فما هم شركاء وقد سموا شركاء فيعلم أنه لا تصح الشركة في العالم أصلاً للاتساع
الإلهي، فلا يشترك اثنان فصاعداً في أمر قط، فالذي عند هذا مثل لما عند هذا ما هو عين
ما عند هذا، وإن انطلق على ذلك اسم الاشتراك فنقول: ما وقع به الاشتراك غير ما وقع به
الامتياز، وما ثم إلا الامتياز خاصة ما ثم اشتراك، إذ ليس هذا الذي عند هذا هو عين الآخر
عند الآخر، فيعلم من هذا الكشف معنى إطلاق الشركة في العرف وأن الشرع تبع العرف في
ذلك ليفهم عنه لأنه جاء بلسان قومه وهو ما تواطؤوا عليه، ولهذا اختلف الناس في الرسول
هل له وضع لغة في ذلك اللسان أو ليس له ذلك؟ وفيه علم اختلاف تنزل الشرائع من الله
باختلاف الأحوال والأزمان والأماكن والأشخاص والنوازل، والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل .
الباب السادس والأربعون وثلاثمائة
في معرفة منزل سرّ صدق فيه بعض العارفين فرأى نوره
كيف ينبعث من جوانب ذلك المنزل وهو من الحضرات المحمدية
[الطويل]:
ولا تَبْتَدي واحكمْ بما أنزل اللَّهُ
عَجِبْتُ لمعصوم يقال له اتَّبِغ
مع الوحي والتحقيقُ ما ثَمَّ إلا هُو
وکیف یُرَی المعصومُ یحکم بالهوى

٢٧٧
في المنازل/ الباب السادس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ صدق فيه بعض العارفين
إذا نظرتَ من عارف الوقت عَيْنَاهُ
فكل هَوَى في عالم الخلق ساقطٌ
وشاهدُ حال الوقت عن ذاك أعْمَّاهُ
ولكنه المرموزُ ولا يدركُ السَّنا
وما يعلمُ المعنى الذي قد قصدتُه
ألا كلُّ كون حرفُ لفظ محفَّقٌ
وبيَّنْتُه إلا حليمٌ وأوّاهُ
ونسبتُكم من ذلك الحرف معناهُ
اعلم أن هذا المنزل من منازل التوحيد والأنوار وأدخلنيه الله تعالى مرتين، وفي هذا
المنزل صرت نوراً كما قال ◌َ﴾ في دعائه: ((وَاجْعَلْنِي نُوراً)) ومن هذا المنزل علمت الفرقان
بين الأجسام والأجساد، فالأجسام هي هذه المعروفة في العموم لطيفها وشفافها وكثيفها
ما يرى منها وما لا يرى، والأجساد هي ما يظهر فيها الأرواح في اليقظة الممثلة في صور
الأجسام، وما يدركه النائم في نومه من الصور المشبهة بالأجسام فيما يعطيه الحس وهي في
نفسها ليست بالأجسام.
واعلم أن مرتبة الإنسان الكامل من العالم مرتبة النفس الناطقة من الإنسان، فهو الكامل
الذي لا أكمل منه وهو محمد رَّة، ومرتبة الكمل من الأناسي النازلين عن درجة هذا الكمال
الذي هو الغاية من العالم منزلة القوى الروحانية من الإنسان وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه
عليهم، ومنزلة من نزل في الكمال عن درجة هؤلاء من العالم منزلة القوى الحسية من الإنسان
وهم الورثة رضي الله عنهم، وما بقي ممن هو على صورة الإنسان في الشكل هو من جملة
الحيوان، فهم بمنزلة الروح الحيواني في الإنسان الذي يعطي النموّ والإحساس.
واعلم أن العالم اليوم بفقد جمعية محمد بَلّ في ظهوره روحاً وجسماً وصورة ومعنى
نائم لا ميت، وأن روحه الذي هو محمد ◌ّ هو من العالم في صورة المحل الذي هو فيه
روح الإنسان عند النوم إلى يوم البعث الذي هو مثل يقظة النائم هنا، وإنما قلنا في محمد وَطاقة
على التعيين إنه الروح الذي هو النفس الناطقة في العالم لما أعطاه الكشف، وقوله وَله: إنَّهُ
سَيِّدُ النَّاسِ؛ والعالم من الناس فإنه الإنسان الكبير في الجرم والمقدم في التسوية والتعديل
ليظهر عنه صورة نشأة محمد چ# كما سوى الله جسم الإنسان وعدله قبل وجود روحه ثم نفخ
فيه من روحه روحاً كان به إنساناً تاماً أعطاه بذلك خلقه وهو نفسه الناطقة، فقبل ظهور
نشأته # كان العالم في حال التسوية والتعديل كالجنين في بطن أمه، وحركته بالروح
الحيواني منه الذي صحت له به الحياة فأجل فكرك فيما ذكرته لك، فإذا كان في القيامة حيي
العالم كله بظهور نشأته مكملة ول# موفر القوى، وكان أهل النار الذين هم أهلها في مرتبتهم
في إنسانية العالم مرتبة ما ينمو من الإنسان فلا يتصف بالموت ولا بالحياة؛ وكذا ورد فيهم
النص من رسول الله وَّ أنهم ((لا يَمُوتون فيها ولا يَخْيَوْن)) وقال الله فيهم: ﴿لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا
يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] والملائكة من العالم كله كالصور الظاهرة في خيال الإنسان وكذلك الجن،
فليس العالم إنساناً كبيراً إلا بوجود الإنسان الكامل الذي هو نفسه الناطقة، كما أن نشأة
الإنسان لا تكون إنساناً إلا بنفسها الناطقة، ولا تكون كاملة هذه النفس الناطقة من الإنسان إلا
بالصورة الإلهية المنصوص عليها من الرسول بول#، فكذلك نفس العالم الذي هو محمد مرَّل

٢٧٨
في المنازل/ الباب السادس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ صدق فيه بعض العارفين
حاز درجة الكمال بتمام الصورة الإلهية في البقاء والتنوّع في الصور وبقاء العالم به، فقد بان
لك حال العالم قبل ظهوره ولو أنه كان بمنزلة الجسد المسوى، وحال العالم بعد موته بمنزلة
النائم، وحالة العالم ببعثه يوم القيامة بمنزلة الانتباه واليقظة بعد النوم.
واعلم أن الإنسان لما كان مثال الصورة الإلهية كالظل للشخص الذي لا يفارقه على كل
حال غير أنه يظهر للحس تارة ويخفى تارة، فإذا خفي فهو معقول فيه، وإذا ظهر فهو مشهود
بالبصر لمن يراه، فالإنسان الكامل في الحق معقول فيه كالظل إذا خفي في الشمس فلا يظهر
فلم يزل الإنسان أزلاً وأبداً، ولهذا كان مشهوداً للحق من كونه موصوفاً بأن له بصراً فلما مد
الظل منه ظهر بصورته ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَذَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] ولو شاء لجعله ساكناً أي
ثابتاً فيمن هو ظله فلا يمده فلا يظهر له عين في الوجود الحسي إلا لله وحده، فلم يزل مع الله
ولا يزال مع الله فهو باق ببقاء الله، وما عدا الإنسان الكامل فهو باق بإبقاء الله .
ولما سوّى الله جسم العالم وهو الجسم الكل الصوري في جوهر الهباء المعقول قبل
فيض الروح الإلهي الذي لم يزل منتشراً غير معين إذ لم يكن ثم من يعينه فحيي جسم العالم
به، فكما تضمن جسم العالم أجسام شخصياته كذلك تضمن روحه أرواح شخصياته ﴿هُوَ
الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩] ومن هنا قال من قال: إن الروح واحد العين في
أشخاص نوع الإنسان، وإن روح زيد هو روح عمرو وسائر أشخاص هذا النوع، ولكن
ما حقق صاحب هذا الأمر صورة هذا الأمر فيه فإنه كما لم تكن صورة جسم آدم جسم كل
شخص من ذريته، وإن كان هو الأصل الذي منه ظهرنا وتولدنا كذلك الروح المدبرة لجسم
العالم بأسره، كما أنك لو قدرت الأرض مستوية لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً وانتشرت الشمس
عليها أشرقت بنورها ولم يتميز النور بعضه عن بعضه ولا حكم عليه بالتجزي ولا بالقسمة ولا
على الأرض، فلما ظهرت البلاد والديار وبدت ظلالات هذه الأشخاص القائمة انقسم النور
الشمسي وتميز بعضه عن بعضه لما طرأ من هذه الصور في الأرض، فإذا اعتبرت هذا علمت
أن النور الذي يخص هذ التنزل ليس النور الذي يخص المنزل الآخر ولا المنازل الأخر، وإذا
اعتبرت التي ظهر منها هذا النور وهو عينها من حيث انفهاقه عنها قلت: الأرواح روح واحدة
وإنما اختلفت بالمحال الشمس كالأنوار نور عين واحدة غير أن حكم الاختلاف في القوابل
مختلف لاختلاف أمزجتها وصور أشكالها، ولما أعطيت هذا المنزل سنة إحدى وتسعين
وخمسمائة وأقمت فيه شبه لي بالماء في النهر لا يتميز فيه صورة بل هو عين الماء لا غير،
فإذا حصل ما حصل منه في الأواني تعين عند ذلك ماء الجب من ماء الجرة من ماء الكوز
وظهر فيه شكل إنائه ولون إنائه فحكمت عليه الأواني بالتجزي والأشكال مع علمك أن عين
ما لم يظهر فيه شكل إذا كان في النهر عين ما ظهر إذا لم يكن فيه غير أن الفرقان بين
الصورتين في ضرب المثل أن ماء الأواني وأنوار المنازل إذا فقدت رجعت إلى النور الأصلي
والنهر الأصلي، وكذلك هو في نفس الأمر لو لم تبق آنية ولا يبقى منزل لأنه لما أراد الله بقاء
هذه الأنوار على ما قبلته من التمييز خلق لها أجساداً برزخية تميزت فيها هذه الأرواح عند

٢٧٩
في المنازل/ الباب السادس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ صدق فيه بعض العارفين
انتقالها عن هذه الأجسام الدنياوية في النوم وبعد الموت، وخلق لها في الآخرة أجساماً طبيعية
كما جعل لها في الدنيا ذلك غير أن المزاج مختلف فنقلها عن جسد البرزخ إلى أجسام نشأة
الآخرة فتميزت أيضاً بحكم تميز صور أجسامها ثم لا تزال كذلك أبد الآبدين، فلا ترجع إلى
الحال الأوّل من الوحدة العينية أبداً. فانظر ما أعجب صنع الله الذي أتقن كل شيء، فالعالم
اليوم كله نائم من ساعة مات رسول الله وَّ يرى نفسه حيث هي صورة محمد رَّ إلى أن
يبعث، ونحن بحمد الله في الثلث الأخير من هذه الليلة التي العالم نائم فيها، ولما كان تجلي
الحق في الثلث الأخير من الليل وكان تجليه يعطي الفوائد والعلوم والمعارف التامة على أكمل
وجوهها لأنها عن تجل أقرب لأنه تجل في السماء الدنيا، فكان علم آخر هذه الأمة أتم من
علم وسطها وأوّلها بعد موت رسول الله وَله، لأن النبيّ وَّر لما بعثه الله بعثه والشرك قائم
والكفر ظاهر، فلم يدع القرن الأوّل وهو قرن الصحابة إلا إلى الإيمان خاصة ما أظهر لهم
مما كان يعلمه من العلم المكنون وأنزل عليه القرآن الكريم وجعله يترجم عنه بما يبلغه إفهام
عموم ذلك القرن، فصوّر وشبه ونعت بنعوت المحدثات وأقام جميع ما قاله من صفة خالقه
مقام صورة حسية مسوّاة معدّلة، ثم نفخ في هذه الصورة الخطابية روحاً لظهور كمال النشأة
فكان الروح ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] و﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾
[الصافات: ١٨٠] وكل آية تسبيح في القرآن فهو روح صورة نشأة الخطاب فافهم فإنه سرّ عجيب
فلاح من ذلك لخواص القرن الأوّل دون عامته، بل لبعض خواصه من خلف خطاب التنزيه
أسرار عظيمة، ومع هذا لم يبلغوا فيها مبلغ المتأخرين من هذه الأمة لأنهم أخذوها من موّاد
حروف القرآن والأخبار النبوية، فكانوا في ذلك بمنزلة أهل السمر الذين يتحدثون في أوّل
الليل قبل نومهم، فلما وصل زمان ثلث هذه الليلة وهو الزمان الذي نحن فيه إلى أن يطلع
الفجر فجر القيامة والبعث ويوم النشر والحشر تجلى الحق في ثلث هذه الليلة وهو زماننا،
فأعطى من العلوم والأسرار والمعارف في القلوب بتجليه ما لا تعطيه حروف الأخبار، فإنه
أعطاها في غير مواد بل المعاني مجرّدة فكانوا أتم في العلم وكان القرن الأوّل أتم في العمل.
وأما الإيمان فعلى التساوي، فإن هذه النشأة لما فطرت على الحسد وبعث فيها نبي من
جنسها فما آمن به إلا قوي على دفع نفسه لما فيها من الحسد وحب التفوق والنفور من الحكم
عليها، ولا سيما إذا كان الحاكم عليها من جنسها تقول: بماذا فضل علي حتى يتحكم فيّ بما
يريده؟ فينسب إلى المؤمن من الصحابة من القوّة في الإيمان ما لا ينسب إلى من ليست له
مشاهدة تقدم جنسه عليه، فكان اشتغالهم بدفع قوّة سلطان الحسد أن يحكم فيهم بالكفر
يمنعهم من إدراك غوامض العلوم وأسرار الحق في عباده، ولم تحصل له رتبة الإيمان بغيب
صورة الرسول وما جاء به لكونهم مشاهدين له ولصورة ما جاء، فلما جاء زماننا ووجدنا
أوراقاً مكتوبة سواداً في بياض وأخباراً منقولة ووجدنا القبول عليها ابتداء لا نقدر على دفعه
من نفوسنا إذا وفقنا الله علمنا أن قوّة نور الإيمان أعطى ذلك ولم نجد تردّداً ولا طلبنا آية ولا
دليلاً على صحة ما وجدناه مكتوباً من القرآن ولا منقولاً من الأخبار، فعلمنا على القطع قوة

٢٨٠
في المنازل / الباب السادس والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرّ صدق فيه بعض العارفين
الإيمان الذي أعطانا الله عناية منه، وكنا في هذه الحالة مؤمنين بالغيب الذي لا درجة للصحابة
فيه ولا قدم، كما لم يكن لنا قدم في الإيمان الذي غلب ما يعطيه سلطان الحسد عند
المشاهدة، فقابلنا هذه القوّة بتلك القوّة فتساوتا وبقي الفضل في العلم حيث أخذناه من تجلي
هذه الليلة المباركة التي فاز بها أهل ثلثها مما لا قدم للثلثين الماضيين من هذه الليلة فيها .
ثم إن تجليه سبحانه في ثلث الليل من هذه الليالي الجزئية التي يعطيها الجديدان في
قوله: ((إنْ ربَّنا ينزلُ كلَّ ليلة في الثُّلُثِ الأخير منها إلى السماء الدُّنيا فيقول: هل مِنْ تائب؟ هل
مِنْ مستغفر؟ هل مِنْ سائل؟ حتى يَنْصَدِعَ الفجر))، فقد شاركنا المتقدمين في هذا النزول وما
يعطيه غير أنه تجل منقطع، وتجلى ثلث هذه الليلة التي نحن في الثلث الأخير منها وهي من
زمان موت رسول الله قلية إلى يوم القيامة لم يشاركنا في هذا الثلث أحد من المتقدمين، فإذا
طلع فجرها وهو فجر القيامة لم ينقطع التجلي بل اتصل لنا تجليه فلم يزل بأعيننا فنحن بين
تجل دنياويّ وأخراوي وعام وخاص غير منقطع ولا محجوب، وفي الليالي الزمانية يحجبه
طلوع الفجر فحزنا ما حازوه في هذه الليالي، وفزنا بما حصل لنا من تجلي ثلث هذه الليلة
المباركة التي لا نصيب لغير أهلها جبراً لقلوبهم لما فقدوه من مشاهدة الرسول وَل﴾ وكان خيراً
لهم، فإنهم لا يعرفون كيف كانت تكون أحوالهم عند المشاهدة هل يغلبهم الحسد أو
يغلبونه؟ ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْفِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
فاعرف يا ولي منزلتك من هذه الصورة الإنسانية التي محمد ول# روحها ونفسها الناطقة
هل أنت من قواها أو من محال قواها وما أنت من قواها هل بصرها أم سمعها أم شمها أم
لمسها أم طعمها؟ فإني والله قد علمت أي قوّة أنا من قوى هذه الصورة لله الحمد على ذلك،
ولا تظنّ يا وليّ أن اختصاصنا في المنزلة من هذه الصورة بمنزلة القوى الحسية من الإنسان
بل من الحيوان أن ذلك نقص بنا على منزلة القوى الروحانية لا تظن ذلك بل هي أتم القوى
لأن لها الاسم الوهاب، لأنها هي التي تهب للقوى الروحانية ما تتصرف فيه، وما يكون به
حياتها العلمية من قوّة خيال وفكر وحفظ وتصور ووهم وعقل وكل ذلك من موادّ هذه القوى
الحسية، ولهذا قال الله تعالى في الذي أحبه من عباده: «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ
الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ)) وذكر الصورة المحسوسة وما ذكر من القوى الروحانية شيئاً ولا أنزل نفسه
منزلتها لأن منزلتها منزلة الافتقار إلى الحواس، والحق لا ينزل منزلة من يفتقر إلى غيره،
والحواس مفتقرة إلى الله لا إلى غيره، فنزل لمن هو مفتقر إليه لم يشرك به أحداً فأعطاها
الغنى فهي يؤخذ منها وعنها ولا تأخذ هي من سائر القوى إلا من الله، فاعرف شرف الحس
وقدره وأنه عين الحق، ولهذا لا تكمل النشأة الآخرة إلا بوجود الحس والمحسوس لأنها
لا تكمل إلا بالحق، فالقوى الحسية هم الخلفاء على الحقيقة في أرض هذه النشأة عن الله
لا نراه سبحانه كيف وصف نفسه بكونه سميعاً بصيراً متكلماً حياً عالماً قادراً مريداً، وهذه
كلها صفات لها أثر في المحسوس، ويحس الإنسان من نفسه بقيام هذه القوى به، ولم يصف
سبحانه نفسه بأنه عاقل ولا مفكر ولا متخيل، وما أبقى له من القوى الروحانية إلا ما للحس