النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
في المنازل/ الباب الأحد والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل التقليد في الأسرار
واعلم أن الله تعالى لما كان له مطلق الوجود ولم يكن له تقييد مانع من تقييد بل له
التقييدات كلها فهو مطلق التقييد لا يحكم عليه تقييد دون تقييد فافهم معنى نسبة الإطلاق
إليه، ومن كان وجوده بهذه النسبة فله إطلاق النسب فليست نسبة به أولى من نسبة، فما كفر
من كفر إلا بتخصيص النسب مثل قول اليهود والنصارى عن أنفسهم دون غيرهم من أهل
الملل والنحل: نحن أبناء الله وأحباؤه، فإذ وقد انتسبوا إليه كانوا يعمون النسبة وإن كانت خطأ
في نفس الأمر فقال لهم الله: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ﴾ [المائدة: ١٨] يقول
تعالى: النسبة واحدة فلم خصصتم نفوسكم بها دون هؤلاء؟ وإن أخطأتم في نفس الأمر
فخطؤكم من عموم النسبة أقل من خطئكم من خصوصها فإن ذلك تحكم على الله من غير
برهان. وأما طائفة أخرى فجعلوا لله ما يكرهون فقالوا: الملائكة بنات الله؛ فحكموا عليه بأنه
اصطفى البنات على البنين، فتوجه عليهم الحكم بالإنكار في حكمهم مع كونهم يكرهون ذلك
لنفوسهم مع كونهم يقولون في الشركاء: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] مع
كونهم جعلوا لله جزءاً من عباده، فلو أضافوا الكل إليه لم يكن ذلك من الكفر الظاهر بل
يكون الحكم فيه بحكم ما نسبوا، فإن وقعت النسبة العامة للخلق بكونهم عبيداً سعدوا، وإن
وقعت بالنبوّة طولبوا بما قصدوا فإن استندوا في ذلك إلى خبر إلهيّ سلموا بل سعدوا مثل
قوله: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لََّصْطَفَى﴾ [الزمر: ٤] فأجاز التبني، بل فيه رائحة من كون
جبريل تمثل لمريم بشراً سوياً، وقد وصف الحق تعالى نفسه بالتحوّل في الصور وأجرى
أحكامها عليه وهو علم يومىء إليه لأجل الإيمان ولا يفشى في العموم لما يسبق إلى النفوس
من ذلك، وبقي تعلق الاصطفاء بمن يتعلق هل بالصاحبة فيكون من باب التجلي في الصور
فيكون عين الصورتين لأنه قال: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَنْ تَنَّخِذَ لَمْوَمَ﴾ [الأنبياء: ١٧] يعني الولد ﴿لََّتَّخَذْنَهُ مِن
لَّدُنَّ﴾ [الأنبياء: ١٧] وما له ظهور إلا من الصاحبة التي هي الأمّ، فيكون الاصطفاء في حق
الصاحبة وهي من لدنه فما خرج عن نفسه، كما أن آدم عليه السلام ما خرج عن نفسه في
صاحبته، فما نكح إلا من هو جزء منه به وبالمجموع يكون نفسه فهو قوله: ﴿مِن لَّدُنَّا﴾ وجاء
بحرف ((لو)) فدل على الامتناع فلم يكن من الوجهين، فإن كان الاصطفاء للبنوة فذلك التبني
لا البنوة، وإن استندوا إلى غير خبر إلهيّ وأعني بالخبر الإلهيّ ما جاء على لسان الرسل في
الكتب أو في الوحي، فإن كان استنادهم إلى كشف إلهي واطلاع في ذلك فهم تحت حكم ما
اطلعوا، ولا عذر للمقلدة في ذلك لأن فيهم الأهلية للاطلاع بحكم النشأة فإن لها استعداداً
عاماً وهو الاستعداد للاطلاع، وإن تفاضل الاطلاع فذلك لاستعداد آخر خاص غير الاستعداد
العام، فأهل الجبر إذا استمسكوا بالخبر سعدوا، وإن أخطؤوا في التأويل ولم يصادفوا العلم
فلهم ثواب الاجتهاد، وإن أصابوا فهو المقصود، فمنهم من هو على بينة من ربه بإصابته،
ومنهم من ليس على بينة من ربه وهو مصيب في نفس الأمر وكل من له متمسك إلهي فهو
ناج، وأما من كفر بالكل فذلك غاية العمى.
وصل في التحضيض الكوني: وهو سرّ جعله الله في عباده العامة والسالكين في هذا
الفتوحات المكية ج٥ - م١٦

٢٤٢
في المنازل/ الباب الأحد والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل التقليد في الأسرار
الطريق، وأما الخاصة فلا يقع منهم ذلك أبداً لأنه ليس بنعت إلهيّ إلا أنه جاء من الله فيما
يرجع إلى الكون لا فيما يرجع إليه سبحانه مثل قوله: ﴿لَّوْلَا جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءً﴾ [النور:
١٣] وأما أداة لو فهي إلهية وتتضمن معنى التحضيض وقد اتصف بها خاصة الله فقال رسول
اللهِ وَّ: ((لَوَ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَذْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَذْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً وَلْكِنِّي سُقْتُ
الهَذْيَ فَلاَ يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حتى يَبْلُغَ الهَذْيُ مَحلَّهُ)) فرائحة التحضيض في (لو)) هو ما يفهم منه
كأنه قال لنفسه: هلا أحرمت بعمرة؟ ولا يقع التحضيض من الخواص أبداً إلا فيما شغلوا به
نفوسهم من الأفعال التي ترضي الله، فيبدو لهم في ثاني زمان رضى الله في فعل ما هو أتم
وأعلى من الأوّل، إما في جناب الله، أو في حق نفسه، أو في حق الغير، رفقاً بهم وشفقة
عليهم، لا يقع منهم على جهة الاعتراض على الله بأن يقولوا: هلا فعل الله كذا عوضاً من
فعله كذا، هذا لا يتصوّر من الخواص أبداً فإنه سوء أدب مع الله تعالى وترجيح تدبير كوني
على تدبير إلهي، وما وصف الحق نفسه بأنه يدبر الأمر إلا أن يعرفنا أنه ما عمل شيئاً إلا ما
تقتضيه حكمة الوجود، وأنه أنزله موضعه الذي لو لم ينزله فيه لم يوف الحكمة حقها وهو
الذي أعطى كل شيء خلقه، ولذلك لا يمكن أن يظهر لعباده في صفة تحضيض بالنظر إليه
فوضعه في اللسان بل في جميع الألسنة ابتلاء لعباده وتمحيصاً ليجتنبه أهل العناية فيتميزوا
بذلك عن غيرهم.
واعلم أن الاختصاص الإلهي الذي يعطي السعادة غير الاختصاص الإلهي الذي يعطي
كمال الصورة وقد يجتمعان - أعني الاختصاصين - في حق بعض الأشخاص، فالاختصاص
الذي يعطي السعادة هو الاختصاص بالإيمان والعصمة من المخالفة أو بموت عقيب توبة،
والاختصاص الذي يعطي كمال الصورة هو الذي لا يعطي إلا نفوذ الاقتدار والتحكم في
العالم بالهمة والحس؛ والكامل من يرزق الاختصاصين، وأقوى التأثير تأثير من يغضب الله
كقوم فرعون حيث قال تعالى فيهم: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] أي أغضبونا
والله سبحانه نفوذ الاقتدار فانتقم منهم ليجعلهم عبرة للآخرين، وجعل ذلك مقابلاً لنفوذ
الاقتدار الكوني لأنه قال: ﴿ءَاسَفُونَا﴾ ألا ترى إلى علم فرعون في قوله: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ
أَسْوِرَةُ مِّنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٥] يقول: فلو وهو حرف تحضيض أعطي يعني موسى نفوذ
الاقتدار فينا حتى لا ننازعه ونسمع له ونطيع لأن اليدين محل القدرة، والأسورة وهو شكل
محيط من ذهب أكمل ما يتحلى به من المعادن، ونفوذ الاقتدار من الاختصاص الإلهي، يقول
لقومه فما أعطي ذلك موسى، والذي يدلك على ما قلناه أن فرعون أراد هذا المعنى في هذا
القول أنه جاء بـ(أو)) بعده وهي حرف عطف بالمناسب فقال: ﴿أَوْ جَّةَ مَعَهُ الْمَلَتِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾
[الزخرف: ٥٥] لعلمه بأن قومه يعلمون أن الملائكة لو جاءت لانقادوا إلى موسى طوعاً وكرهاً،
يقول فرعون: فلم يكن لموسى عليه السلام نفوذ اقتدار في حتى أرجع إلى قوله من نفسي بأمر
ضروري لا نقدر على دفعه فترجعوا إلى قوله لرجوعي ولا جاء معه من يقطع باقتدارهم
﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ [الزخرف: ٥٥] أي لطف معناهم بالنظر فيما قاله لهم فلما جعل فيهم هذا

٢٤٣
في المنازل/ الباب الأحد والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل التقليد في الأسرار
حملهم على تدقيق النظر في ذلك ولم يكن لهم هذه الحالة قبل ذلك؛ فأطاعوه ظاهراً بالقهر
الظاهر لأنه في محل يخاف ويرجى، وباطناً بما نظروا فيه مما قاله لهم، فلما أخذ قلوبهم
بالكلية إليه ولم يبق لله فيهم نصيب يعصمهم أغضبوا الله فغضب فانتقم فكان حكمهم في نفس
الأمر خلاف حكم فرعون في نفسه، فإنه علم صدق موسى عليه السلام، وعلم حكم الله في
ظاهره بما صدر منه، وحكم الله في باطنه بما كان يعتقده من صدق موسى فيما دعاهم إليه،
وكان ظهور إيمانه المقرر في باطنه عند الله مخصوصاً بزمان مؤقت لا يكون إلا فيه وبحالة
خاصة فظهر بالإيمان لما جاء زمانه وحاله فغرق قومه آية ونجا فرعون ببدنه دون قومه عند
ظهور إيمانه آية، فمنٍ رحمة الله بعباده أن قال: ﴿فَلْيَّوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ يعني دون قومك
﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾ [يونس: ٩٢] أي علامة لمن آمن بالله أن ينجيه الله ببدنه أي بظاهره،
فإن باطنه لم يزل محفوظاً بالنجاة من الشرك لأن العلم أقوى الموانع، فسوّى الله في الغرق
بينهم وتفرقاً في الحكم فجعلهم سلفاً ومثلاً للآخرين، يعني الأمم الذين يأتون من بعدهم،
وخص فرعون بأن تكون نجاته آية لمن رجع إلى الله بالنجاة .
ولما كان الاختصاص الإلهي الكامل في الجمع بين السعادة والصورة كان الكمال
للمؤمن بالخلافة في المكان الذي من شأنه أن يظهر فيه كمال الصورة من نفوذ الاقتدار عند
الإغضاب وليست الجنة بمحل لهذه الصفة فليست بدار خلافة بل هي دار ولاية محكوم على
صاحب تلك الولاية بأمر لا يتعدّاه ولا تعطي نشأته أن يقبل سواه حتى لو كان فيها تقديراً من
شأنه أن يغضب ما قبل صاحب الولاية صفة الغضب لأنه على مزاج خاص بخلاف نشأة الدنيا
ولهذا قال: ﴿إِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠] ولم يقل في العالم ولو لم تعترض
الملائكة ما ابتليت بالسجود، فكان ما ابتلوا ما به عن إغضاب دقيق خفي لا يشعر به إلا
الراسخون في العلم، وهكذا كل انتقام إلهي يقع بالعالم لا يكون إلا بعد إغضاب لأن الله خلق
العالم بالرحمة وليس من شأنها الانتقام، كما أن الغضب من شأنه الانتقام، لكنه - أعني
الغضب - على طبقات، فيظهر الانتقام على ميزانه من غير زيادة ولا نقصان، ولا يقع الانتقام
أبداً إلا تطهيراً لمن كان منه الإغضاب، فلذلك لا يكون الانتقام إلى غير نهاية بل ينتهي الحكم
به إلى أجل مسمى عند الله وتعقبه الرحمة به لأن لها الحكم الأبديّ الذي لا يتناهى، ومن
جعل باله لما ذكرناه ودقق النظر فيه رأى علماً كبيراً إلهياً من سريان العدل في الحكم الإلهي
وشمول الفضل وسبق الرحمة الغضب، وأن الحق يجري في حكمه بما هي الحقائق عليه، إذ
الحقائق لا تتبدل لأنفسها ولا تتحول .
فهذا الذي ذكرناه في هذه المسألة من الآيات التي جاء بها الحق على لسان المترجم
﴿لَقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] و﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] ليست لغير هذا الصنف، فحافظ
على تحصيل معرفة الإغضاب على غاية الاستقصاء حتى تجتنبه، فإنه من علم الأسرار ما
يعرفه كل أحد، وهو كان علم حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله وَير، ولهذا كان أصحاب
رسول الله ◌َلا يسمونه صاحب السر لعلمه بهذا العلم، وليس فيما يمنح الله أولياءه من العلم

٢٤٤
في المنازل/ الباب الأحد والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل التقليد في الأسرار
به في حقهم أنفع من هذا العلم، وما رأيت أحداً له فيه ذوق، ولا سمعت عن أحد من أهل
الله تعالى بعد حذيفة من ظهر عليه حكم هذا العلم وهو عصمة خفية تكاد لا يشعر صاحبها بها
وما في الكشف أتم منه، ولا يرزق الله هذا العلم إلا للأدباء أهل المراقبة فإنهم يأخذون
الأشياء بحكم المطابقة والمناسبة بين الرب والمربوب والخالق والمخلوق، ولا يحكم عليهم
حاكم الإمكان والجواز لأنه ليس له في هذه الحضرة قدم ولا عين أعني الإمكان، وهذا مقام
وراء طور العقل لأن العقل يحكم في مثل هذا بالإمكان والأمر في نفسه ليس كذلك ولكن إذا
شهده قبله وإذا فكر فيه أدخله تحت الإمكان.
ويختص هذا المنزل من العلوم بعلم الإيهام والإبهام والرموز والألغاز والأسرار، وفيه
علم الحروف المركبة التي هي الكلمة، وفيه علم الأنوار وما يختص به عالم الشهادة من
الشهود، وفيه علم الجعل، وفيه علم الجمع والتفصيل، وفيه علم منازل العلو في الأسماء
الإلهية وأحكامها، وفيه علم الإعجاز، وفيه علم التقرير، وفيه علم نتائج الجهل وهو أمر
عدميّ فكيف يكون له حكم وجوديّ؟ وفيه علم مقابلة الاقتدار بالاقتدار، وفيه علم سريان
وجود الحقّ في العالم ولهذا ما أنكره أحد وإنما وقع الغلط من طلب الماهية فأدّى إلى
الاختلاف فيه الذي ظهر في العالم، وفيه علم ما يختص به الحق تعالى لنفسه من غير أن
يكون له حكم في العالم، وفيه علم الشرائع كلها وأنها بالجعل ولهذا تجري إلى أمد وغايتها
حكم الحق بها في القيامة في الفريقين فإذا عمرت الداران وانقضى أمد العقوبة انتشر حكم
الرحمة، وفيه علم الشفع والوتر، وتقدم علم الزوج على الفرد، وعلم الحامل والمحمول،
وعلم شمول النعم في البلايا والرزايا والأمور المؤلمة، وفيه علم نفي الطاقة الكونية وردّها
إلى الله، وفيه علم قسمة العالم بين الله وبين العالم وما هو عالم لله وعالم للعالم وصفة من
يعلم هذا ممن لا يعلمه والعالم به هل يجب عليه ستره أو يعطي ستره لذاته؟ وعلم
المحاكمات وتفاضل الناس فيها، وعلم المطالبات الإلهية متى تكون ولماذا تؤول، وعلم
السبب الذي يرد الخلق كلهم إلى المشيئة الإلهية وهل هو رجوع عن علم أو رجوع عن قهر؟
وعلم الفرق بين علم التقليد وعلم النظر وهل ما يربط عليه المقلد يكون في حقه علماً أم لا؟
وعلم حكم السابقة على العالم بنقيض ما يعطيه علمهم، وعلم العواقب على الإطلاق وهل
يعم أثرها في الحال للعالم بها أم لا؟ وعلم الفترات وما حكم أصحابها، وعلم الأشراف وما
هو وهل في العالم شريف وأشرف أم لا مفاضلة في العالم؟ وإذا وقعت المفاضلة بل هي
واقعة هل يؤول الناظر فيها إلى التساوي فيكون كل مفضول يفضل على من فضل عليه؟ وهذا
مذهب جماعة منهم أبو القاسم بن قسيّ صاحب خلع النعلين، وفيه علم الحكمة بما جعل الله
في العالم من الاختلاف، وفيه علم السبب الذي لأجله لزم الشيطان الإنسان وقول النبي مَيّ:
((إنَّ الله أَعَانَهُ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ)) وفيه علم حكم من التبس عليه الباطل بالحق، وفيه علم الكشف
فإنه ليس لمخلوق اقتدار على شيء وأن الكل بيد الله وهو علم الحيرة من أجل التكليف
ووقوعه على من ليس له من الأمر شيء، وفيه علم أثر الأسباب الإلهية في المسببات هل هو

٢٤٥
في المنازل/ الباب الثاني والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين منفصلين عن ثلاثة أسرار
ذاتي أو جعل إلهي؟ وفيه علم الاغتباط بما يعطيه التجلي الإلهي والاعتصام به، وفيه علم
التوحيد النبوي، وفيه علم الحجب التي تمنع من حكم العلم في العالم مع وجود علمه عنده،
وفيه علم قبول الرجعة إلى الله عند رؤية البأس وحلول العذاب وأن ذلك نافع لهم في الآخرة
وإن لم يكشف عنهم العذاب في الدنيا، وما اختص قوم يونس إلا بالكشف عنهم في الحياة
الدنيا عند رجعتهم فيكون معنى قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] يعني
في الدنيا فإن الله يقول: ﴿وَأَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] فالراجع مع نزول
العذاب به مقبول رجوعه لأنه أتى بما ترجى منه بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وفيه علم أسرار
الحق في العالم وظهور العالم بصورة الحق ومنزلته، وفيه علم عموم الولاية في كل نوع وما
ينقضي منها وما لا ينقضي، وفيه علم الإضافات الإلهية هل هي على طريق التشريف أو على
طريق الابتلاء، أو منها ما يكون تشريفاً ومنها ما يكون ابتلاء؟ وفيه علم مرتبة من جمع بين
الظاهر والباطن ممن لم يجمع، وفيه علم حكمة الاستناد إلى الوسائط هل هو على طريق
الابتلاء أو المقصود به تشريف الوسائط؟ وفيه علم إقامة الحجة الإلهية على المنازعين وحكم
من لم ينازع واعترف بالحق لأهله، وفيه علم الإحاطة الإلهية بالذات، وفيه علم الزيادات هل
هي بأن يؤخذ من زيد ما عنده أو بعض ما عنده فيعطي عمراً أو هي زيادات بإيجاد معدوم؟ أو
هل منها ما هو إيجاد معدوم ومنها ما هو عن انتقال من شخص إلى شخص؟ وفيه علم ما
يختص به الله من العلوم، وعلم ما يختص به الكون من العلوم مما لا يجوز في العقل أن
يكون ذلك حكماً لله وهل حكمه في الشرع كما هو حكمه في العقل أم لا؟ وهو علم الأذواق
بالحواس، وفيه علم مراتب الشفعاء وعلم صفتهم التي يها يملكون الشفاعة، فهذا بعض علوم
هذا المنزل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى السفر الثاني والعشرون.
[السفر الثالث والعشرون]
بِسْمِ اللهِ الرَّغَنِ الرَّحَميدِ
الباب الثاني والأربعون وثلاثمائة
في معرفة منزل سرين منفصلين عن ثلاثة أسرار يجمعها
حضرة واحدة من حضرات الوحي وهو من الحضرة الموسوية
[الطويل]:
مريدٌ وعلاَّمٌ وقدرةُ قَادِرِ
ثلاثةُ أسْرارٍ وسِرَّانِ بعدها
يقول لشيء كُنْ بحكمة فَاطرٍ
وسِرَّانِ قول شرطه في حياة من
هو الأوّل المنعوتُ أيضاً بآخِرٍ
فسبحان من لا شيءَ يدرك كُنْهَهُ
قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ فنفى ثم قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:
١١] فأثبت والآية تقتضي عموم الإثبات في عين النفي وفيما بعده إذا جعلت الكاف للصفة،

٢٤٠٦
في المنازل/ الباب الثاني والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين منفصلين عن ثلاثة أسرار
ويؤيد هذا النظر الخبر وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) ونفى
مماثلته في حال اتصافه بهذا الوصف فورد الشرع بأنه إذا بويع لخليفتين سواء كان في خلافته
عام الخلافة أو مقصوراً على طائفة مخصوصة يقتل الآخر منهما فلا تماثل في تلك الطائفة أو
في العموم بحسب ما يعطيه الوقت، فلولا حكم الإرادة وجوداً وتقديراً لما أمر بقتل الآخر
والقتل زوال من صفة الحكم فزل أنت يبقى هو فإنك الآخر، فإن قال بعض العارفين: فالأوّل
هنا ليس بخليفة، قلنا: هو خليفة حقاً عن أمر إلهي ونهى عن المشاركة فيما أمر به من خلافته
عنك فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَّكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] والوكيل بلا شك خليفة
الموكل فيما وكله فيه وقال: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢] فنهى أن نتخذ وكيلاً
غيره فكونه إلهاً ما هو كونه وكيلاً، ونحن إنما تكلمنا في الوكالة وهي الخلافة وفي الوكيل
وهو الخليفة، كما ينظر باعتبار آخر قوله لنا: ﴿وَأَنِفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيَّهِ﴾ [الحديد: ٧]
فلنا الإنفاق بحكم الخلافة والإنفاق ملك لنا والإنفاق تصرّف فجعلناه عن أمره وكيلاً عنا في
الإنفاق أي خليفة لعلمنا بأنه يعلم من مواضع التصرف ما لا نعلمه فهو المالك وهو الخليفة،
فما ميز الله المراتب وأبانها لنا وظهر بأسمائه في أعيانها وتجلى لنا فيها إلا لننزله في كل مرتبة
رأيناه نزل فيها، فنحكم عليه بما حكم به على نفسه، وهذا هو أتم العلم بالله أن نعلمه به لا
بنظرنا ولا بإنزالنا، تعالى الله الخالق أن نحكم عليه بما خلق دون أن يظهر له فيما حكم به
عليه فيكون هو الحاكم على نفسه لا أنا، وهذا معنى قول العلماء: إن الحق لا يسمى إلا بما
سمى به نفسه إما في كتابه أو على لسان رسوله من كونه مترجماً عنه. فمن أقامه الله في مقام
الترجمة عنه بارتفاع الوسائط أو بواسطة الأرواح النورية وجاء باسم سماه به فلنا أن نسميه
بذلك الاسم، وسواء كان المترجم مشرّعاً لنا أو غير مشرّع لا يشترط في ذلك إلا الترجمة عنه
حتى لا نحكم عليه إلا به فإنه القائل تعالى: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]
تميزون به وتفرقون بين ما ينبغي له وما ينبغي لكم فيعطي كل ذي حق حقه فله المقاليد وله
الفتح بها ودونها ولنا الفتح بها وما هي لنا بل هي بيده وما كان بيده فليس يخرج عنه لأنه ما ثَمَّ
إلى أين فهو المعطي والآخذ لأن الصدقة تقع بيد الرحمن.
واعلم أن الوحي الإلهي إنما ينزل من مقام العزة الأحمى ولهذا لا يكون بالاكتساب لأنه
لا يوصل إلى ذلك المقام بالتعمل، ولو وصل إليه بالتعمل لم يتصف بالعزة فينزل الوحي
لترتيب الأمور التي تقتضيها حكمة الوجود، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً
يخالف ترتيب حكمة الوجود وليس إلا من الله، فهو في غاية الإحكام والإتقان الذي لا يمكن
غيره، فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه أعطاه خلقه وأنزله في منزلته التي يستحقها،
فانظر هذا القوّة الإلهية التي أعطاها الله لمن أنزل عليه الوحي الذي لو أنزل: ﴿عَلَى جَبَلٍ لََّّأَيْتَهُ
خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] فإنهم علموا قدر من أنزله، فرزقهم الله من القوّة
ما يطيقون به حمل ذلك الجلال، فإذا سمعوا في الله ما يخالف ما تجلى لهم فيه ﴿تَكَادُ
السَّمَوَتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِزُ الْجِبَالُ هَذَّا أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠، ٩١] وقد

٢٤٧
في المنازل/ الباب الثاني والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين منفصلين عن ثلاثة أسرار
سمع ذلك أهل الله ورسله وما جرى عليهم شيء من ذلك لما أعطاهم من قوّة العلم إذ لا
أقوى من العلم فتجلى لهم في قوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [الزمر: ٤] و﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ
تَّخِذَ لَوَّ لَّأَتَّخَذْنَهُ مِن لَّهُنَّآ﴾ [الأنبياء: ١٧] فعلم أهل الله من رسول ونبيّ وولي ما لم تعلمه
السموات والأرض والجبال من الله فأنتج لهم هذا العلم بالله قوّة في نفوسهم حملوا بها ما
سمعوه من قول من قال: إن المسيح ابن الله وإنّ عُزيراً ابنُ الله ولم يتزلزلوا ولو نزل ذلك على
من ليست له هذه القوّة لذاب في عينه لعظيم ما جاءه، فانظر ما أكثف حجاب من اعتقد أن الله
ولداً وما أشد عماه عن الحقائق، ومامرّ عليّ في التجلي الإلهي أمر حيرني وأضعف قوّتي أشد
من قول الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ
وَقِهِمْ عَذَابَ الْحَيِمِ﴾ [غافر: ٧] والله يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وأي إحسان
أعظم ممن ثاب واتبع سبيله وقول نوح وهو من الكمل من أهل الله: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْنِى
مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨] فهذا كأنه أبقى شيئاً فإنه ما طلب المغفرة إلا للمؤمن، ولم يذكر اتباع سبيل
الله لأن المؤمن قد يكون مخالف أمر الله ونهيه والله يقول للمسرفين على أنفسهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فهذا الصنف من الملائكة قاموا في مقام الأدب فحكم عليهم
بهذا القول إيثاراً للجناب الإلهيّ على الخلق ولهذا قدّموا وأخروا، وما أخبر الله عنهم في قوله
قبل هذا الدعاء: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةُ وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] ففيه روائح طلب المغفرة
للمسيئين، وأخروا أيضاً قولهم: ﴿وَقِهِمُ السَّيْئَاتِ﴾ أن تقوم بهم فإنه أتم في العناية: ﴿وَمَن
تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ﴾ أي يوم تقيه ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر: ٩] فجاء ما ذكروه في الوسط بين
هذين كأنه إيثار للجناب الإلهيّ، كما يقول النبي وَّ في القيامة: ((سُخْقاً سُخقاً)) وما علق الله
المغفرة إلا بالذنب حيث علقها وقال عن صنف آخر من الملائكة إنهم ﴿يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى
اُلْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فأنزل هؤلاء المغفرة موضعها ما قالوا مثل ما قال ذلك الصنف الآخر
الذي حكى الله عنهم أنهم ﴿يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٧] فتنوّعت مشاربهم كما قالوا:
﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُوٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] والوليّ الكامل يدعو الله بكل مقام ولسان والرسل
تقف عندما أوحى به إليها وهم كثيرون وقد يوحى إلى بعضهم ما لا يوحى إلى غيره،
والمحمديّ يجمع بمرتبته جميع ما تفرّق في الرسل من الدعاء به فهو مطلق الدعاء بكل لسان
لأنه مأمور بالإيمان بالرسل وبما أنزل إليهم، فما وقف الوليّ المحمدي مع وحي خاص إلا
في الحكم بالحلال والحرمة، وأما في الدعاء وما سكت عنه ولم ينزل فيه شيء في شرع
محمد ◌َّ يؤذن بتركه فلا يتركه إذا نزل به وحي على نبي من الأنبياء عليهم السلام رسولاً
كان أو غير رسول .
ثم اعلم أنه من رحمة الله بعباده أن جعل حكم ما اختلفوا فيه إلى الله، فنأخذ هذا من
جهة علم الرسوم أن ننظر ما اختلفوا فيه وتنازعوا فإن كان لله أو لرسوله حكم فيه يعضد قول
أحد المخالفين جعلنا الحق بيده فإنا أمرنا إن تنازعنا في شيء أن نردّه إلى الله ورسوله إن كنا
مؤمنين، فإن كنا عالمين ممن يدعو على بصيرة وعلى بينة من ربنا فنحكم في المسألة بالعلم

٢٤٨ في المنازل/ الباب الثاني والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين منفصلين عن ثلاثة أسرار
وهو ردّ إلى الله تعالى من غير طريق الإيمان وليس لنا العدول عنه البتة.
هذا حد علم الرسم، وأما علم الحقيقة فإن المختلفين حكمهم إلى الله أي حكم ظهور
الاختلاف فيهم إلى الله من حيث إن الأسماء الإلهية هي سبب الاختلاف ولا سيما أسماء
التقابل، يؤيد ذلك قوله في مثل هذا ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبٍِ﴾ [الشورى: ١٠] لأنه ليس غير أسمائه فإنه
القائل: ﴿قَلِ أُدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ﴾ [الإسراء: ١١٠] ولم يقل بالله ولا بالرحمن فجعل الاسم
عين المسمى هنا كما جعله في موضع آخر غير المسمى، فلما قال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَنِّ﴾
والإشارة بذا إلى الله المذكور في قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] فلو لم يكن هنا الاسم
عين المسمى في قوله الله لم يصح قوله ربي والخلاف ظهر في الأسماء الإلهية فظهر حكم الله
في العالم به فيحكم على الخلاف الواقع في العالم بأنه عين حكم الله ظهر في صورة
المخالفين .
وصل في الأجور: وهي الحقوق التي تطلبها الأعمال مخصوصة وهي حكم سار في
القديم والمحدث، فكل من عمل عملاً لغيره استحق عليه أجراً، والأجور على قسمين معنوية
وحسية فإذا استأجر أحد أحداً على عمل ما من الأعمال فعمله فقد استوجب به العامل حقاً
على المعمول له وهو المسمى أجراً، ووجب على المعمول له أداء ذلك الحق وإيصاله إليه،
والمؤجر مخير في استعمال الأجير في الظاهر مضطر في الباطن، والأجير مخير في قبول
الاستعمال في بعض الأعمال مقهور في بعض الأعمال، وحكم الخيار ما زال عنه لأن له أن
لا يقبل إن شاء وأن يقبل إن شاء، فهو مخير في الظاهر مضطر في الباطن كالمؤجر له سواء،
فأوّل أجير ظهر في الوجود عن افتقار الممكن إلى الإيجاد وهو عمل الوجود في الممكن حتى
يظهر عينه من واجب الوجود هو واجب الوجود فقال: الممكن للواجب في حال عدمه أريد
أن أستعملك في ظهور عبني، فالإيجاد هو العمل والوجود هو المعمول والموجود هو الذي
ظهر فيه صورة العمل، فكل معمول معدوم قبل عمله فقال له الحق: فلي عليك حق إن أنا
فعلت لك ذلك وأظهرتك وهذا الحق هو المسمى أجراً، والذي طلب المؤجر من المؤجر
يسمى إجارة، والمؤجر مخير في نفسه ابتداء في تعيين الأجر، فإن شاء عين له ما يعطيه على
ذلك العمل، وإن شاء جعل التعيين للمؤجر، والمؤجر مخير في قبول ما عينه المؤجر إن كان
عين له شيئاً أورده، وإن تبرع المؤجر بالعمل من نفسه وقال: لا آخذ على ذلك أجراً فله ذلك
ولكن لا يزول حكم القيمة من ذلك العمل لأن العمل بذاته هو الذي يعين الأجر بقيمته، فإن
شاء العامل أخذه وإن شاء تركه، ولا يسقط حكم العمل إن أجره كذا، وهذه مسألة عجيبة
تدور بين اختيار واضطرار في المؤجّر والمؤجّر، وكل واحد مجبور في اختياره، غير أن الحق
لا يوصف بالجبر والممكن يوصف بالجبر مع علمنا أنه ما يبدل القول لديه ولا يخرج عن
عمل ما سبق في علمه أن يعمله، وعن ترك ما سبق في علمه أن يتركه، وليس الجبر سوى
هذا، غير أن هنا عين الذي يجبره هو عين المجبور إذ ما جبره إلا علمه، وعلمه صفته وصفته
ذاته، والجبر في الممكن أن يجبره غيره لا عينه، ولو رام خلاف ما جبر عليه لم يستطع فهو

٢٤٩
في المنازل/ الباب الثاني والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين منفصلين عن ثلاثة أسرار
مجبور عن قهر مخير بالنظر إلى ذاته، وفي الأوّل جبر بالنظر إلى ذاته مخير بالنظر إلى العمل
من حيث المعمول له، فاتفق الممكن مع الواجب الوجود أنه إن عمل فيه الإيجاد وظهرت
عينه أنه يستحق عليه أي على الممكن في ذلك أن يعبده ولا يشرك به شيئاً وأن يشكره على ما
فعل معه من إعطائه الوجود بالثناء عليه بالتسبيح بحمده فقبل الممكن ذلك فأوجده الحق
سبحانه، فلما أوجده طلب منه ما استحق عليه من الأجر في ذلك ولم يجعل نفسه في إيجاده
متبرعاً فقال له: اعبدني وسبح بحمدي، فسبحه وعبده جميع ما أوجده من الممكنات ووفاه
أجره ما عدا بعض الناس فلم يوفه أجر ما أوجده له فتعينت عليه مطالبة العامل، وتعين على
الحكم العدل أن يحكم على المعمول له بأداء الأجر الذي وقع الاتفاق عليه وسرى حكم هذه
الإجارة في جميع الممكنات لأن الأعمال تطلبها بذاتها، ولهذا إذا تبرع العامل وترك الأجر لا
يزيل ذلك قيمة ذلك العمل فيقال: قيمة هذا العمل كذا وكذا، سواء أخذ العامل أجره أو لم
يأخذه، وسواء قدره ابتداء أو لم يقدره، فإن صورة العمل تحفظ قيمة الأجر، وقد أخبر الله
عن نفسه أنه داخل تحت حكم هذه الحقوق، وكيف لا يكون ذلك وهو الحكيم مرتب الأشياء
مراتبها، فمنها ما لم نعرفه حتى عرفنا به مثل قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:
٤٧] فالنصر أجر الإيمان لذاته ولكن يقتضيه المؤمن وهو الذي صفته الإيمان وهو سبحانه وفيّ
فلا بدّ من نصر الإيمان ولا يظهر ذلك إلا في المؤمن والمؤمن لا يتبعض فيه الإيمان فاعلم
ذلك، وكل من تبعض فيه الإيمان لأجل تعداد الأمور التي يؤمن بها فآمن المؤمن ببعضها
وكفر ببعضها فليس بمؤمن، فما خذل إلا من ليس بمؤمن فإن الإيمان حكمه أن يعم ولا
يخص، فلما لم يكن له وجود عين في الشخص لم يجب نصره على الله، فإذا ظهر الكافر
على المؤمن في صورة الحكم الظاهر فليس ذلك بنصر للكافر عليه، وإنما الذي يقابله لما
ولَّى وأخلى له موضعه ظهر فيه الكافر وهذا ليس بنصر إلا مع وقوف الخصم فيغلبه بالحجة .
ومما أوجب الحق من ذلك على نفسه أيضاً أعني من الأجر الرحمة فجعلها أجراً على نفسه
واجباً لمن تاب من بعد ما عمل من السوء وأصلح عمله، وقد يتبرّع متبرع بأجر يتحمله لعامل
عمل لغيره عملاً لم يعمله لهذا المتبرع، مثل قوله في المظلوم إذا عفا عمن ظلمه ولم يؤاخذه
بما استحق عليه وأصلح: ﴿فَأَجْرُ عَلَى اَللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وكان ينبغي أن يكون أجره على من
تركت مطالبته بجنايته، فتحمل الله ذلك الأجر عنه إبقاء على المسيء ورحمة به، فلا يبقى
للمظلوم عليه حق يطالبه به، ولما كان العمل يطلب الأجر بذاته ويعود ذلك على العامل وأداء
الرسائل عمل من المؤدي لأن المرسل استعمله في أداء رسالته لمن أرسله إليه فوجب أجره
عليه لأن المرسل إليه ما استعمله حتى يجب عليه أجره ولهذا قالت الرسل لأممها عن أمر الله
تعريفاً للأمم بما هو الأمر عليه: ﴿وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء:
١٠٩] فذكروا استحقاق الأجر على من يستعملهم، ولم يقولوا ذلك إلا عن أمره فإنه قال لكل
رسول: ﴿قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] واختص محمد رَّ بفضيلة لم ينلها غيره
عاد فضلها على أمته ورجع حكمه رَّة إلى حكم الرسل قبله في إبقاء أجره على الله، فأمره

٢٥٠
في المنازل / الباب الثاني والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين منفصلين عن ثلاثة أسرار
الحق أن يأخذ أجره الذي له على رسالته من أمته وهو أن يودوا قرابته فقال له: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمُ
عَّهِ أَجْرًا﴾ أي على تبليغ ما جئت به إليكم ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِ﴾ [الشورى: ٢٣] فتعين على أمته
أداء ما أوجب الله عليهم من أجر التبليغ، فوجب عليهم حب قرابته وَّر وأهل بيته وجعله
باسم المودة وهي الثبوت في المحبة، فلما جعل له ذلك ولم يقل أنه ليس له أجر على الله ولا
أنه بقي له أجر على الله وذلك ليجدد له النعم بتعريفه ما يسر به فقيل له بعد هذا قل لأمتك آمراً
ما قاله رسول لأمته: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] فما
أسقط الأجر عن أمته في مودتهم للقربى، وإنما رد ذلك الأجر بعد تعينه عليهم فعاد ذلك
الأجر عليهم الذي كان يستحقه رسول الله * فيعود فضل المودة على أهل المودة، فما
يدري أحد ما لأهل المودة في قرابة رسول الله وَله من الأجر إلا الله ولكن أهل القربى منهم،
ولهذا جاء بالقربى ولم يجىء بالقرابة، فإنه لا فرق بين عقيل في القرابة النَّسَبية وبين عليّ
فإنهما ابنا عم رسول الله وَّر في النسب، فعلي جمع بين القربى والقرابة، فوددنا من
قرابته وَخر القربى منهم وهم المؤمنون، ولذلك فرق عمر رضي الله عنه بين من هو أقرب قرابة
وأقرب قربى وهو عربي نزل القرآن بلسانه، فلولا ما في ذلك فرقان في لسانهم واصطلاحهم
ما فرق عمر بين القربى والقرابة، وانظر ذلك في القرآن في المغانم في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ
◌ُسَهُ وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] وليسوا إلا المؤمنين من القرابة، فجاء بلفظ القربى
دون لفظ القرابة، فإن القرابة إذا لم يكن لهم قربى الإيمان لا حظ لهم في ذلك ولا في
الميراث وهو قول النبي وَ﴿ يوم دخل مكة: ((مَا تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ)) لأنه الذي ورث أباه
دون علي لإيمان علي وكفر عقيل، وقال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِرِ
يُوَذُونَ مَنْ حَاذَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾
[المجادلة: ٢٢] فلو كان المودة في القربى التي سألها رسول الله وَلو منا يريد به القرابة ما نفاها
الحق عنها في قوله: ﴿يُؤَآَذُونَ مَنْ حَاذَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ولو كانوا قرابتهم، فعلمنا أن المودة في
القربى أنها من أهل الإيمان منهم وهم الأقربون إلى الله، فتميز رَّ عن سائر الرسل عليهم
السلام بما أعطى الله لأمته في مودتهم في القربى، وتميزت أمته على سائر الأمم بما لها من
الفضل في ذلك، لأن الفضل الزيادة وبالزيادة كانت خير أمة أخرجت للناس أمة محمد عَليه
وإن كانت كل أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ويؤمنون بالله فخصت هذه الأمة بأمور لم
يخص بها أمة من الأمم، ولها أجور على ما خصصت به من الأعمال مما لم يستعمل فيها
غيرهم من الأمم، فتميزوا بذلك يوم القيامة وظهر فضلهم، فالأجور مترددة بين الحق والخلق
للحق أجر على خلقه لأعمال عملها لهم وللخلق أجر على الله لأعمال عملوها له ولأعمال
عملوها للخلق رعاية للحق، كالعفو من العافين عن الناس وللخلق أجر على الخلق بتشريع
الحق وحکمه في ذلك .
والذي يؤول إليه الأمر فى هذه المسألة أن الأجور تتردد ما بين الحق والحق ليم
للخلق في ذلك دخول إلا أنهم طريق لظهور هذه الأجور لولا وجد الخلق في ذلك لم ينه

٢٥١
في المنازل/ الباب الثاني والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين منفصلين عن ثلاثة أسرار
للإجارة حكم ولا للأجر عين، ولذلك كان الأجر جزاء وفاقاً لأن المؤجر حق والمؤجر حق
إذ لا عامل إلا خالق العمل وهو الحق والخلق عمل وفيه ظهور العمل فلذلك زاحم وأدخل
نفسه في ذلك وأقره الحق على هذه المزاحمة وقبلها، فمن الخلق من علم ذلك ومنهم من
جهله .
وهذا المنزل يتسع المجال فيه ولا سيما لو أخذنا في تعيين الأجور وأصحابها، فلنذكر
ما يتضمن هذا المنزل من العلوم:
فمن ذلك: علم أجور الخلق دون الحق وفيه علم الاتصال بمن والانفصال عمن
والانفصال والاتصال فيمن وهو علم غريب يتضمن الوجود كله وغير الوجود، فإن الوجود
المقيد قد انفصل عن حال العدم واتصل بحال الوجود انفصال ترجيح واتصال ترجيح، وأما
الوجود المطلق فانفصاله عن العدم انفصال ذاتي غير مرجح، فمن علم هذا العلم علم أين كان
وممن انفصل وبمن اتصل. وفيه علم التشبيه في المعاني بالمناسبات، وفيه علم الترتيب في
التوقيت وبه يتعلق علم القضاء والقدر، وفيه علم الملك والتمليك وهل حكم التمليك إذا وقع
حكم الملك الأصلي أو يختلف حكمهما؟ وفيه علم ما تميز به عالم الأركان من عالم الأفلاك
الأخرى ولماذا قبل الاستحالة عالم الأركان فذهبت أعيان صوره كما تذهب صور أركانه
باستحالة بعضها إلى بعض بالسخافة والكثافة وعالم الأفلاك ليس كذلك وإنما استحالتهم
ظهورهم في الصور التي يظهرون فيها لعالم الأركان، ولما كانت هذه الاستحالة في الصور
الطبيعية التي ظهرت من دون الطبيعة ولم تظهر في العالم الذي فوق الطبيعة وظهرت في
التجلي الإلهيّ وظهر حكمه بالاستحالة العنصرية في أعيان صوره وفي صوره بل لا في صوره
وهل يرجع هذا كله لتغير الأمر في نفسه أو يكون ذلك في نظر الناظر؟ وفيه علم المتقابلات
هل يفتقر العلم به إلى العلم بمقابله أو ينفرد كل واحد في العلم بنفسه دون العلم بالمقابل من
غير توقف عليه؟ وهذا لا يكون إلا عند من لا يرى أن العين واحدة. وفيه علم أثر الطبيعة في
الملأ الأعلى ومكانه، وفيه علم أحوال الملأ الأعلى، وفيه علم اجتماع الموحدين والمشركين
في الحفظ الإلهيّ وهل ذلك من باب الاعتناء بالخلق وإن جهلوا أو هو من باب إعطاء الحقائق
في أن لا يكون الأمر إلا هكذا إلا أنه من باب العناية وهو عندنا من باب العناية بالإعلام
الإلهي بذلك بطريق الإيماء لا بالتصريح لأن هذا من علم الأسرار التي لا تفشى في العموم
ولكن لها أهل ينبغي للعالم بذلك أن يبديه لأهله فإنه إذا لم يعطه لأهله فقد ظلم الجانبين
العلم ومن هو أهل له، وفيه علم مراتب الأدوات العاملة والظاهرة أحكامها في العبارات وهو
علم الحروف التي جاءت لمعنى فمنها مركب وغير مركب، وفيه علم تقسيم الظالمين من
ينصر منهم ممن لا ينصر، ولماذا يرجع الظلم في وجوده هل وجوده من الظلمة أو من النور؟
وفيه علم كون الحق عين الأشياء ولا يعرف، وفيه علم الفرق بين الحياة والأحياء وإذا وقع
الأحياء بماذا يقع هل بالحياة القديمة أو ثم حياة حادثة تظهر بالأحياء في الأحياء؟ وفيه علم
الرجوع ممن وإلى من والاعتماد فيماذا وعلى من؟ وفيه علم فيماذا خلق الله الخلق هل خلقه

٢٥٢
في المنازل/ الباب الثاني والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين منفصلين عن ثلاثة أسرار
في شيء أو خلقه لا في شيء فيكون عين المخلوقات عين شيئياتها، وفيه علم اشتراك الحق
والخلق في الوجود وجميع ما اشتركوا فيه هل هو اشتراك معقول أو مقول لا غير؟ وفيه علم
النواميس الموضوعة في العالم هل تضمها حضرة واحدة جامعة أو لكل ناموس حضرة أو
يجمعها حضرتان لا غير؟ فينسب الناموس الواحد إلى الحكمة والناموس الآخر إلى الحكم
الإلهيّ النبويّ وإن كثرت أنواعها. وفيه علم الاختصاص الإلهي لبعض المخلوقات بماذا وقع
هل بالعناية أو بالاستحقاق وهو علم منع أهل الله عن كشفه في العموم والخصوص لأنه علم
ذوق لا ينال بالقياس ولا بضرب المثل؟ وفيه علم كلمة الوصل والفصل هل هي كلمة واحدة
أو كلمتان؟ وفيه علم تفاضل أهل الكتب هل هو راجع لفضل الكتب أم لا؟ وهل للكتب
المنزلة فضل بعضها على بعض أم لا فضل فيها؟ فإن الله جعل في نفس القرآن التفاضل بين
السور والآيات، فجعل سورة تعدل القرآن كله عشر مرات، وأخرى تقوم مقام نصفه في
الحكم، وأخرى على الثلث، وأخرى على الربع، وآية لها السيادة على الآيات، وأخرى لها
من آي القرآن ما للقلب من نشأة الإنسان وللقرآن تميز بالإعجاز على غيره من الكتب. وفيه
علم المواخاة بين سور القرآن ولهذا قال عليه السلام: ((شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَواتُهَا)) فجعل بينهنّ
أخوة، وفيه علم تقرير كل ملة على ما هي عليه وكل ذي نحلة على نحلته وما يلزمه من توفية
حقها، وفيه علم من فارق الجماعة ما حكمه، وفيه علم المواخاة بين الكتب المنزلة من عند
الله والموازين الإلهية الموضوعة في العالم على اختلاف صورها المعنوية والمحسوسة
فالمعنوية كالبراهين الوجودية والجدلية والخطابية والموازين المحسوسة مشهود بالحس
اختلافها، وفيه علم مواطن العجلة من مواطن التثبط، وفيه علم قوّة اللطيف وضعف الكثيف
وأن القوّة للمتصرف والضعف للمتصرف فيه، وفيه علم ما يقتضي الزيادة مما يقتضي النقص
وما بينهما من الفضل، وفيه علم تأخير حكم الحاكم عن إيقاعه في المحكوم عليه لشبهة تمنعه
من ذلك حتى يستيقن أو يغلب على ظنه فيما لا يوصل إلى اليقين فيه، فإن الكافر في الدنيا
يمكن أن يرجع مؤمناً عند الموت فإن عجل فيه الحكم قبل الموت بالكفر فما أعطى الحاكم
حكم الشبهة حقها في موطنها، وفيه علم ما يقبل الزيادة من الأعمال مما لا يقبلها ولا يقبل
النقص وهي في الشرائع: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ [القصص: ٨٤] وهو عشر أمثالها ﴿وَمَنْ
جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وفيه علم نفوذ الكلمة هل هو لذاتها أم لا؟ وأنها
من الكلم وهو الجرح وهو أثر من الجارح في المجروح، وكذلك كل كلمة لها أثر في السامع
أدناه سماعه صورة ما نطق به وتكلم إلى ما فوق ذلك مما يحمله ذلك الكلام من المعاني،
وفيه علم أصل البغي في العالم وهل هو مشتق من بغى يبغي إذا طلب فيكون البغي لما ذمه الله
طلباً مقيداً إذا كان الطلب منه ما هو مذموم ومنه ما هو محمود وما دواء ذلك البغي؟ وفيه علم
الطيّ والنشر لحكم الوقت، وفيه علم الدلالات والآيات هل ذلك أي كونها دلالات وآيات
لأنفسها أو هي بالوضع؟ وفيه علم حدوث المشيئة لماذا يرجع والحق لا تقوم به الحوادث،
وفيه علم النوازل هل تنزل ابتداء أو تنزل جزاء، وفيه علم السكون والحركة وعلم المواطن

٢٥٣
في المنازل/ الباب الثالث والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين في تفصيل الوحي ...
التي ينبغي أن يظهر فيها حكم السكون وحكم الحركة، وفيه علم ما يعطي الله عباده في الدنيا
من علوم ومراتب وغير ذلك هل هو من الدنيا أو هو من الآخرة؟ وفيه علم الاستجابة لأوامر
الله إذا قامت صورتها ظاهرة هل تنفع بصورتها وأين تنفع؟ أو هل لا تنفع إلا حتى ينفخ في
تلك الصورة روح تحيا به وهو صورة الباطن، ويتعلق بهذا العلم علم الصور مطلقاً هل لها
ظاهر وباطن أو منها ما هي ظاهرة لا باطن لها؟ وفيه علم ما الباعث للحيوان كله على طلب
الانتصار لنفسه هل هو دفع للأذى أو هو جزاء أو طلب انتقام أو بعضه لهذا وبعضه لهذا؟ وفيه
علم التحسين والتقبيح هل ذلك راجع لذات الحسن والقبح أو لأمر عارض؟ وفيه علم ما
يحب ويكره من النعوت، وفيه علم ما يرفع الحرج ممن ظهر منه ما يكرهه الطبع، وفيه علم
الأسباب التي تمنع ما يطلب الطبع ظهوره، وفيه علم ما لا يدرك إلا بالنظر الدقيق الخفي،
وفيه علم الإقامة والانتقال في الأحوال هل الأحوال تنتقل والعبد ثابت أو العبد منتقل في
الأحوال والأحوال ثابتة؟ وهو من العلوم الغريبة الموقوفة على الكشف، وفيه علم ما ينكر من
الحق مما لا ينكر، وعلم ما يقره الحق من الباطل مما لا يقره، وما الباطل الذي يقبل الزوال
من الباطل الذي لا يقبله، وفيه علم الإنتاج وغير الإنتاج مع وجود المقدمات ومتى تنتج
المقدمات، وفيه علم حجاب ظاهر النشأة وما مسمى البشر منها وهل لباطنها مباشرة كما
لظاهرها أم لا؟ وفيه علم ما الحجاب الذي بين الله وبين عبده، وفيه علم الكلام المحدث
والقديم لماذا يرجع هل يختلف أو حكم ذلك واحد؟ وفيه علم الأنوار ومراتبها وسبحات
الوجه ولماذا تعددت والوجه واحد والسبحات كثيرة، وفيه علم التمييز بين السبل الإلهية،
وفيه علم المبدأ والمعاد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الثالث والأربعون وثلاثمائة
في معرفة منزل سرين في تفصيل الوحي من حضرة حمد الملك كله
[المتقارب]:
لكل لَبِيبِ بعيد المَدَى
لقد فَصَّلَ الله آياتِهِ
ولم تَتَّبِغْ غَيْرَ سُبُل الهُدَى
وأحْكَمَهَا لقُلُوب زَكَتْ
لأسماعنا ناشداً مُنْشِدَا
ونطق من لم يزل ناطقاً
وجاء بنُور الهُدَى فاهْتَدَى
فحَيَّرَ ألبابَنا نُطْقُهُ
له المنتهى وله المُبْتَدَى
بصيرٌ بأنواره ظاهرٌ
اعلم أيدك الله أن الاسمين الإلهيين ((المدبر)) و((المفصل)) هما رأسا هذا المنزل اللذان
يهبان للداخل فيه جميع ما يحمله وما يتضمنه من العلوم الإلهية مما يطلب الأكوان ومما يتعلق
بالله، وحكم المدبر في الأمور أحكامها في حضرة الجمع والشهود وإعطاؤها ما تستحقه،
وهذا كله قبل وجودها في أعيانها وهي موجودة له، فإذا أحكمها كما ذكرناه أخذها المفصل
وهذا الاسم مخصوص بالمراتب، فأنزل كل كون وأمر في مرتبته ومنزلته كأمير المجلس عند

٢٥٤
في المنازل/ الباب الثالث والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين في تفصيل الوحي ...
السلطان. ثم إن المدبر لما خلق الله رحمتين وهما أوّل خلق خلقه الله الرحمة الواحدة بسيطة
وخلق الرحمة الأخرى مركبة فرحم بالبسيطة جميع ما خلق الله من البسائط ورحم بالمركبة
جميع ما خلق الله من المركبات وجعل للرحمة المركبة ثلاثة منازل لأن المركب ذو طرفين
وواسطة، والواسطة عين البرزخ الذي بين الطرفين حتى يتميزا فيرحم كل مرحوم من المركب
بالرحمة المركبة من هذه المنازل، فبالرحمة الأولى المركبة ضم أجزاء الأجسام بعضها إلى
بعض حتى ظهرت أعيانها صوراً قائمة، وبالرحمة الثانية المركبة من المنزل الثاني ركب
المعاني والصفات والأخلاق والعلوم في النفس الناطقة والنفس الحيوانية الحاملة للقوى
الحسية، وبالرحمة الثالثة المركبة ضم النفوس الناطقة إلى تدبير الأجسام فهو تركيب روح
وجسم، وهذا النوع من التركيب هو الذي يتصف بالموت، فأبرز المدبر هذه النفوس من
أبدانها بتوجه النفخ الإلهيّ عليها من الروح المضاف إليه تعالى، فركبها المدبر مع الجسم
الذي تولدت عنه وهو تركيب اختيار، ولو كان تركيب استحقاق ما فارقه بالموت وجعله مدبراً
لجسد آخر برزخيّ وألحق هذا بالتراب، ثم ينشىء له نشأة أخرى يركبه فيها في الآخرة، فلما
اختلفت المراكب علمنا أن هذا الجسم المعين الذي هو أم لهذه النفس الناطقة المتولدة عنه ما
هي مدبرة له بحكم الاستحقاق لانتقال تدبيرها إلى غيره، وإنما الجسم الذي تولدت عنه على
هذه النفس له من الحق أنها ما دامت مدبرة له لا تحرك جوارحه إلا في طاعة الله تعالى، وفي
الأماكن والأحوال التي عينها الله على لسان الشارع لها، هذا ما يستحقه عليها هذا الجسم لما
له عليها من حق الولادة.
فمن النفوس من هو ابن بار فيسمع لأبويه ويطيع وفي رضاهما رضى الله، قال عز
وجل: ﴿أَنِ أُشْكُرْ لِ﴾ من الوجه الخاص ﴿وَلِوَلِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] من الوجه السببي ومن
النفوس ما هو ابن عاق فلا يسمع ولا يطيع، فالجسم لا يأمر النفس إلا بخير، ولهذا يشهد
على ابنه يوم القيامة جلود الجسم وجميع جوراحه فإن هذا الابن قهرها وصرفها حیث یھوی،
وقسم الله هذه الرحمة المركبة على أجزاء معلومة أعطى منها جبريل ستمائة جزء بها يرحم الله
أهل الجنة، وجعل بيده تسعة عشر جزءاً يرحم بهذه الأجزاء أهل النار الذين هم أهلها يدفع
بها ملائكة العذاب الذي هم تسعة عشر كما قال تعالى: ﴿عَلَهَا تِسْعَةً عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] وأما
المائة رحمة التي خلقها الله فجعل منها في الدنيا رحمة واحدة بها رزق عباده كافرهم ومؤمنهم
وعاصيهم ومطيعهم، وبها يعطف جميع الحيوان على أولاده، وبها يرحم الناس بعضهم بعضاً
ويتعاطفون كما قال الله: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] و﴿ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَآءُ بَعْضٍٍ﴾ [الجاثية: ١٩] ((والمنافقين بعضهم أولياء بعض)) كل هذا ثمرة هذه الرحمة، فإذا
كان في الآخرة يوم القيامة ضم هذه الرحمة إلى التسعة والتسعين رحمة المدخرة عنده فرحم
بها عباده على التدريج والترتيب الزمانيّ ليظهر بهذا التأخير مراتب الشفعاء وعناية الله بهم
وتميزهم على غيرهم، فإذا لم يبق في النار إلا أهلها القاطنون بها الذين لا خروج لهم منها
وأرادت ملائكة العذاب التسعة عشر عذاب أهل النار تجسد من الرحمة المركبة تسعة عشر

٢٥٥
في المنازل/ الباب الثالث والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين في تفصيل الوحي ...
ملكاً فحالوا بين ملائكة العذاب وأهل النار ووقفوا دونهم وعضدتهم الرحمة التي وسعت كل
شيء، فإن ملائكة العذاب قد وسعتهم الرحمة كسائر الأشياء، فيمنعهم ما وسعهم منها عن
مقاومة هذه الرحمة المركبة، وكان الذي يعضدهم أوّلاً غضب الله الذي ظهر من إغضاب
المخالفين، فلما انقضى مجلس المحاكمة وكان الحق قد أمر بمن أمر به إلى السجن وهو
جهنم كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أي سجناً لأن المحصور مسجون
ممنوع من التصرف بخلاف أهل الجنة فإن لهم التبوّأ منها حيث يشاؤون، وليس كذلك أهل
النار، وهذا من الرفق الإلهي الخفي بعباده، فلو أعطاهم التبوّأ من النار حيث يشاؤون لكانوا
لا يستقرّ بهم قرار طلباً للفرار من العذاب إذا أحسوا به رجاء أن يكون لهم في مكان آخر منها
راحة وفي وقت العذاب ما فيها راحة، فكان لا يبقى في جهنم نوع من العذاب إلا ذاقوه،
والعذاب المستصحب أهون من العذاب المجدّد وكذا النعيم، ولهذا يبدل الله جلودهم في
النار إذا نضجت ليذوقوا العذاب، فيمشي عليهم زمان يذوقون فيه العذاب مستصحباً إلى أن
تنضج الجلود وحينئذ يتجدد عليهم بالتبديل عذاب جديد، فلو كان لهم التبوؤ من جهنم حيث
يشاؤون لما استقرّوا حتى تنضج جلودهم بل كانوا يذوقون في كل موضع ينتقلون إليه عذاباً
جديداً إلى حصول الإنضاج، فيكون ذلك الانتقال أشد في عذابهم فرحمهم الله من حيث لا
يشعرون كما مكر بهم من حيث لا يشعرون .
فهذه سبعمائة رحمة وتسع عشرة رحمة مائة منها بيد الله لم يتصرف فيها أحد من خلق
الله اختص بها لنفسه بها يرحم الله عباده بارتفاع الوسائط بل منه للمرحوم خاصة وهي على
عدد الأسماء الإلهية أسماء الإحصاء التسعة والتسعين اسماً رحمة واحدة لكل اسم من هذه
المائة التي بيد الله لا علم لمخلوق بها وتمام المائة الرحمة المضافة إليه التي وسعت كل
شيء، فبهذه المائة رحمة ينظر إلى درج الجنة وهي مائة درجة وبها بعد انقضاء زمان استحقاق
العذاب ينظر إلى دركات النار وهي مائة درك كل درك يقابل درجة من الجنة، فتتأيد بهذه
الرحمة الواسعة التسع عشرة رحمة التي تقاوم ملائكة العذاب في النار، وتلك الملائكة قد
وسعتهم فيجدون في نفوسهم رحمة بأهل النار لأنهم يرون الله قد تجلى في غير صورة
الغضب الذي كان قد حرضهم على الانتقام الله من الأعداء، فيشفعون عند الله في حق أهل
النار الذين لا يخرجون منها فيكونون لهم بعدما كانوا عليهم فيقبل الله شفاعتهم فيهم وقد
حقت الكلمة الإلهية أنهم عمار تلك الدار فيجعل الحكم فيهم للرحمة التي وسعت كل شيء،
ولهذه التسع عشرة رحمة التي هي الرحمة المركبة فأعطاهم في جهنم نعيم المقرور
والمحرور، لأن نعيم المقرور بوجود النار ونعيم المحرور بوجود الزمهرير، فتبقى جهنم على
صورتها ذات حرور وزمهرير، ويبقى أهلها متنعمين فيها بحرورها وزمهريرها، ولهذا أهل
جهنم لا يتزاورون إلا أهل كل طبقة في طبقتهم، فيتزاور المحرورون بعضهم في بعض،
ويتزاور المقرورون بعضهم في بعض، لا يزور مقرور محروراً ولا محرور مقروراً، وأهل
الجنة يتزاورون كلهم لأنهم على صفة واحدة في قبول النعيم لأنهم كانوا هنا أعني في دار

٢٥٦
في المنازل/ الباب الثالث والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين في تفصيل الوحي ...
التكليف أهل توحيد لم يشركوا توحيد علم أو توحيد إيمان، وأهل النار لم يكن لهم صفة
التوحد وكانوا أهل شرك فلهذا لم يكن لهم صفة أحدية تعمهم في النعيم مطلقاً من غير تقييد،
فهم في جهنم فريقان وأهل الجنة فريق واحد، فينفرد كل شريك بطائفة وهؤلاء هم الثنوية
ما ثم غيرهم وهم أهل النار الذين هم أهلها؛ وأما أهل التثليث فيرجى لهم التخلص لما في
التثليث من الفردية لأن الفرد من نعوت الواحد فهم موحدون توحيد تركيب فيرجى أن تعمهم
الرحمة المركبة ولهذا سموا كفاراً لأنهم ستروا الثاني بالثالث فصار الثاني بين الواحد والثالث
كالبرزخ، فربما لحق أهل التثليث بالموحدين في حضرة الفردانية لا في حضرة الوحدانية،
وهكذا لما رأيناهم في الكشف المعنوي لم نقدر أن نميز ما بين الموحدين وأهل التثليث إلا
بحضرة الفردانية، فإني ما رأيت لهم ظلاً في الوحدانية ورأيت أعيانهم في الفردية، ورأيت
أعيان الموحدين في الوحدانية والفردانية فعلمت الفرق بين الطائفتين. وأما ما زاد على أهل
التثليث فالكل ناجون بحمد الله من جهنم ونعيمهم في الجنة يتبوّأون منها حيث يشاؤون كما
كانوا في الدنيا ينزلون من حضرات الأسماء الإلهية حيث يشاؤون بوجه حق مشروع لهم كما
كانوا إذا توضؤوا يدخلون من أيّ باب شاؤوا من أبواب الجنة الثمانية .
وإذا علمت هذا فاعلم أن هذه الرحمة المركبة تعمّ جميع الموجودات وأنها مركبة من
رحمة عامة وهي التي وسعت كل شيء، ومن رحمة خاصة وهي الرحمة التي تميز بها من
اصطفاه الله واصطنعه لنفسه من رسول ونبيّ وولي، وبهذه الرحمة المركبة جمع الله الكتب
وأنزل كل كتاب سوراً وآيات، فمن آياته ما بقي كالقرآن وكل آية ظهرت بطريق الإعجاز، ومن
آياته ما لم يبق فبقي اقتصار حكمها على من جاء بها فدلت على غيره كما دلت عليه، فإن الله
جعلها علامة على صدق ما ادّعاه كل واحد واحد ممن ادّعى القرب من الله إما بالحال وإن لم
ينطق بالدعوى لما يرى عليه من آثار طاعة ربه، وإما بالدعوى من حيث نطقه بذلك ولا يقع
ذلك إلا عن غفلة فإنهم مأمورون بستر هذه الآيات أعني الأولياء فهي منسوخة في الأولياء
محكمة في الأنبياء والرسل فقال: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ يقول من علامة ﴿أَوْ نُنِهَا﴾ يقول أو
نتركها يعني نتركها آية للأولياء كما كانت آية للأنبياء ﴿نأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ من باب المفاضلة أي
بأزيد منها في الدلالة وهي آيات الإعجاز فلا تكون إلا لأصحابها أو لمن قام فيها بالنيابة على
صدق أصحابها، فلا يكون لوليّ قط هذه العلامة من حيث صحة مرتبته، وأما قوله: ﴿أَوْ
مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] الضمير يرجع إلى الآية المنسوخة فلم يكن لها صفة الإعجاز بل هي مثل
الأولى. ولا يصح حمل هذه الآية على أنها آي القرآن التي نزلت في الأحكام فنسخ بآية ما كان
أثبت حكمه في آية قبلها، فإنّ الله ما قال في آخر هذه الآية ألم تعلم أنّ الله عليم خبير ولا حكيم.
ومثل هذه الأسماء هي التي تليق بنظم القرآن الوارد بآيات الأحكام وإنما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ
تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ﴾ [البقرة: ١٠٦] فأراد الآيات التي ظهرت على أيدي الأنبياء عليهم
السلام لصدق دعواهم في أنهم رسل الله، فمنها ما تركها آية إلى يوم القيامة كالقرآن، ومنها ما
رفعها ولم تظهر إلى يوم القيامة، فلما جمع الله بهذه الرحمة المركبة القرآن في الكتب لا في

٢٥٧
٠
في المنازل/ الباب الثالث والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين في تفصيل الوحي .
الصدور فإنه في الصدور قرآن وفي اللسان كلام وفي المصاحف كتاب، وضع ذلك الاسم
المفصل عن أمر المدبر فإنه متقدّم عليه بالرتبة فلهذا له الحكم في التفصيل بالقوّة وللمفصل
بالفعل ومنزل الرحمة رحب واسع المجال فيه، وكيف لا يتسع وقد وسعت كل شيء؟.
هذا القدر كاف فيما يقع به المنفعة للسامعين من الناس، فذكرنا حكمها في الدارين وما
يعود منها علينا وهو الغرض المقصود.
وفي هذا المنزل معرفة منازل الرحمة المركبة وإلى كم تنتهي منازلها والمنزل الذي
أكدت فيه والمنزل الذي لم تؤكد فيه، وعلى كم من درج وقع التوكيد فيها؟ وفيه علم ما لا
يعلم إلا من طريق الخبر الإلهيّ، وعلم الإبانة عن مقام الجمع كالصلاة الجامعة بين الله والعبد
في قراءة فاتحة الكتاب، ومن هنا يؤخذ الدليل بفرضيتها على المصلي في الصلاة، فمن لم
يقرأها في الصلاة فما صلى الصلاة التي قسمها الله بينه وبين عبده فإنه ما قال: قسمت
الفاتحة، وإنما قال: ((قسمتُ الصَّلاة)) بالألف واللام اللتين للعهد والتعريف. فلما فسر الصلاة
المعهودة بالتقسيم جعل محل القسمة قراءة الفاتحة، وهذا أقوى دليل يوجد في فرض قراءة
الحمد في الصلاة، وفيه علم تأثير الرحمة المركبة في العالم المحمديّ خاصة، وفيه علم
تنزيل المعاني منزلة الأشخاص، وفيه علم التراجم، وفيه علم الطائفة التي سمعت وقيل فيها
أنها لم تسمع مع وجود الفهم فيما سمعت فما الذي نفى عنها وما الذي أبقى لها، وفيه علم
الحجب الكونية المظلمة والظلمانية ومن هو أهل كل حجاب وعمن حجب من حجب هل
حجب عن سعادته أو عن مشاهدة ربه أو عن مشاهدة مقام رسوله؟ وفيه علم اجتراء الكون
على الله، وفيه علم اللطف الإلهي بالمعاندين الرادين لأوامره المنازعين لناصريه، وفيه علم ما
شيب رسول الله ◌َّليل الذي ذكره في سورة هود وأخواتها، وفيه علم طلب السر الإلهيّ، وفيه
علم الإحاطة بما لا يتناهى، وفيه علم الجزاء لذي هو على غير الوفاق الزمانيّ فإن مدد
الأعمال التي تطلب الأجور متناهية والأجر عليها غير متناه فما هو الجزاء الوفاق من غير
الوفاق، وفيه علم الإنكار والإقرار والتقرير والتوبيخ وما صفته وأين محله؟ وفيه علم الخلق
الجسميّ والجسماني ومراتب الخلق وكم له من المقدار الزمانيّ، وفيه علم المراتب المضاف
إليها الرب، وفيه علم القصد الإلهيّ. وفيه علم موضع الأجوبة التي تكون بحكم المطابقة عند
سؤال السائل، وفيه علم مرتبة العاقل وشرفه على العالم إذا كان عالماً، فإن العاقل إذا رأى ما
لا بد له منه بادر إليه وغير العاقل لا يفعل ذلك، وفيه علم من خلق لأمر واحد ومن خلق
لأمرين فصاعداً، ومن وفى بما خلق له ومن لم يوف بما خلق له، وفيه علم سعادة من استكبر
بحق ممن استكبر بنفسه كإبليس ومن شاء الله، وفيه علم تقرير المناسبة بينه وبين خلقه وأين
هذا التقرير من ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ومثل ما جاء في الخبر: ((لله أَشَدُّ فَرَحاً
بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ فَلاَةٍ)) الحديث، وقوله تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ
هُوَ أَشَدُ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ [فصلت: ١٥] وفيه علم المفاضلة وأصنافها ومحلها، وفيه علم الاختيار
الكونيّ وأنه مجبور في اختياره وهل له مستند إلهيّ في جبره في اختياره أم لا؟ وقوله: فيسبق
الفتوحات المکیة ج٥ - م١٧

٢٥٨
في المنازل/ الباب الثالث والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين في تفصيل الوحي ...
عليه الكتاب، وقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَُّ اُلْقَوْلُ لَدَنَّ﴾ [قَ: ٢٩] وقوله: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:
٣٠] هل معناه إنما التبديل لله ليس للخلق تبديل أو لا تبديل لخلق الله من كونه أعطى كل شيء
خلقه. وفيه علم حكمة الأخذ الإلهي جزاء هل يعم أو يؤلم ابتداء من غير جزاء كإيلام البريء
والصغير فهل هو كما قاله القائل أو ليس الأمر كذلك؟ وإنما هو بريء في ظاهر الأمر مما
نسب إليه وما هو بريء عند الله من أمر آخر وقع منه في حق حيوان أم ما لا يعلمه إلا الله،
والمبتلى أن تذكره فلا يكون على هذا الأخذ أبداً بل له جزء ابتداء، وإنما قاله من قاله بنسبة
خاصة رأى الأخذ عندها مع براءة المأخوذ بما نسب إليه من تلك النسبة الخاصة، ولم يكن
عند الله الأخذ إلا من أمر عمله استحق به هذه العقوبة فانتظر انقضاء زمان المهملة فانقضى
عند دعوى عليه غير صادقة هو منها بريء فأخذ عندها، وإنما كان الأخذ بما تقدم فقيل : هذا
الأخذ وهو بريء مما نسب إليه فصدقوا أنه بريء ولم يصدقوا في أنه أخذ من أجل تلك
الدعوى عليه، وهو من علم المكاشفة والاعتبار، والمكاشفة في تحصيل هذا العلم أتم لأنه
يعين لك الكشف العلة على خصوصها، والاعتبار يجملها لك من غير تعيين، أو يخرج لها
عللاً محتملة لا يدري ما أوجب ذلك الأخذ منها، فهذا الفرق بين أهل الاعتبار والكشف.
وفيه علم إلحاق الله بصفة المتقين حتى كان وليهم فإنه ولي المؤمنين لأنه مؤمن وهو ولي
المتقين، فمن أين يوصف الحق بأنه متق، وفيه علم من أين أعطى من أعطَى العلم بنطق
العالم من غير جهة الخبر فإن الخبر تقليد، وفيه علم تأثير الأحوال في أصحابها عند الله، وفيه
علم ترك الأدب لما يرجى في ذلك من نيل الغرض المقصود، وسواء كان محموداً أو مذموماً
لأنه ما كل غرض محمود ولا كل عرض مذموم، وفيه علم تغير الأحوال لتغير الوارد، وفيه
علم المؤاخاة بين الملائكة والناس الصلحاء منهم، وفيه علم أين ينزل أهل الله يوم القيامة وفي
الجنان وأي اسم يصحبهم من الأسماء الإلهية؟ وفيه علم توقف الأسماء الإلهيّة بعضها على
بعض وأنها تعطي بالمجموع أمراً لا يكون يعطيه فرد فرد من ذلك المجموع، وفيه علم ما
تنتجه السياسة الحكمية التي تقضي بها العقول وأنها في ذلك على بصيرة من حيث لا تشعر
أعطتها ذلك تجربتها النفوس وما صفة من يقول بهذا العلم؟ وفيه علم الميل لم يميل ولم
يمال؟ وفيه علم النظر في الأولى فالأولى، وفيه علم الأعواض وهو إذا اعتاض عليك أمر
تعوّضت عنه بأمر يقوم مقامه فيما تريد، إما موازنة سواء وإما أزيد بقليل أو أنقص منه بقليل،
بحيث أنه لا يؤثر في المطلوب أثراً يخرجه عن نيل غرضه بالكلية وهل في الوجود من لا
عوض له إذا فقد أم لا؟ وفيه علم تمييز الرجال بالأحوال. وفيه علم تقاسيم الأوامر الإلهية
التي تقسمها قرائن الأحوال وما حكم الأمر إذا تعرى عن قرائن الأحوال؟ هل حكمه الوجوب
أم لا أو التوقف؟ وهل تعريه عن قرائن الأحوال قرينة حال عدمية تعطيه الوجوب؟ وهل عندنا
قرينة حال تعطي الوجوب للأمر؟ وفيه علم وصف العدم بأوصاف الوجود من الانتقال من
حال إلى حال مع كونه عدماً لا يزول عن هذا الوصف، وفيه علم من أين قدم الله في نعته
نفسه في كلامه بالرحمة على الأخذ ولم يفعل ذلك في صفة الكون فإنه قد قدم في صفة الكون

٢٥٩
في المنازل/ الباب الرابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار المغفرة
صفة أهل المقت على صفة أهل السعادة كما وقع في سورة الغاشية وأمثالها، وهل جاء مثل
هذا ليفرق بين الخلق والحق أم لا؟ وفيه علم الوجهين في الأشياء، فما من شيء إلا وفيه نفع
بوجه وضرر بوجه أي شيء كان إذا اعتبرته ووزنته وجدت الأمر كما قلنا، فليس لشيء في
الوجود وجه واحد أبداً أعظمها وأرفعها نور الله به ظهرت الأشياء من خلف الحجب ولو شال
الحجب لأحرقت ما أوجدته فهي الموجدة المعدمة، وكذا نزول القرآن له وجه نفع في المؤمن
فإنه يزيد به إيماناً وفيه وجه ضرر للكافر لأنه يزيد رجساً إلى رجسه قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ،
كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ثم من رحمته بخلقه أن قال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ، إِلَّا
اٌلْفَسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] فأعطانا العلامة، فمن وجد في نفسه تلك العلامة علم أنه من أهل
الضلال. وفيه علم البعد الإلهيّ والقرب الإلهيّ من السعداء والأشقياء، والقرب الكوني
والبعد الكوني هل هو على موازنة القرب والبعد الإلهيّ أو لهذا حكم ولهذا حكم؟ وكذلك
هو وفيه علم من علمه علم أنه ليس لله من أعمال العبد شيء، وفيه علم ما هو العلم، وفيه
علم ما يوجب السآمة والملل ومن يتصف بهما من العالم ممن لا يتصف بهما مع كون الحق
قد وصف نفسه بالملل إذا مل عبده من الخير الذي يكون عليه أو الشر سواء، وفيه علم ما لا
ينفع من الظنون بالخير عند الله وما ينفع منها، وفيه علم أسباب رجعة الكون إلى الله في
الدنيا، وفيه علم أن الحق هو عين الأشياء بما هو عين الأشياء هل بنفسه أو بشهوده أو
بإحاطته؟ وفيه علم ما هو الحق وحكم هذا الاسم حيث ورد هل تختلف أحكامه؟ أو هو عين
واحدة في كل موضع ورد، فإن الناس تفرقوا في ذلك فرقاً، والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
الباب الرابع والأربعون وثلاثمائة
في معرفة منزل سرين من أسرار المغفرة وهو من الحضرة المحمدية
[الطويل]:
رأيتُ رجالاً لا يرون بكافر
فقلت لهم كُفُّوا عن الزُّور إنه
فما كلُّ عَيْنٍ في الوجود مغايرٌ
ولا كاذب والشأن صدقٌ وإيمانُ
مقامٌ ولكن فيه بَخْسٌ ونُقْصَانٌ
ولا كل كون ما سوى الله إنسانُ
ومنه صغير فيه حَقِّ وبُهْتانُ
ولكنه منه كبيرٌ مُقَدَّمٌ
ولا كانت أسماءٌ ولا كانت أعيانُ
فلولا وجودي لم يكن ثَمَّ عالمٌ
وكان وحيدَ الذات ليس بخالق
ودَلَّ دليلُ العقل في كل حالة
ولا مالك يقضي بذلك برهانُ
بأن إلهَ الخلق في الخلق مِحْسَانُ
قد قدمنا أن الله رحمة عامّة ورحمة خاصة وأن الله خص هذه الأمة برحمة خاصة فقال
رسول الله وَّهِ: ((إنَّ أُمتَّي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ إِنَّمَا عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا
الزَّلازِلُ وَالقَتْلُ وَالبَلاءُ)) خرج هذا الحديث البيهقي في كتاب ((الأدب)) له في باب ((المؤمن قلّ

٢٦٠
في المنازل/ الباب الرابع والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل سرين من أسرار المغفرة
ما يخلو من البلاء لما يراد به من الخير)) من طريق أبي القاسم علي بن محمد بن علي
الإيادي عن أبي جعفر عبد الله بن إسماعيل إملاء عن إسماعيل بن إسحاق القاضي عن
محمد بن أبي بكر عن معاذ بن معاذ عن المسعودي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي
موسى قال: ((قال رسول الله (َير)) الحديث، وكلهم قالوا حدّثنا إلا المسعودي فإنه عنعنه،
وإلا البيهقي فإنه قال: أخبرنا. وفي الباب عن أبي بردة قال: كنت جالساً عند ابن زياد وعنده
عبد الله بن يزيد فجعل يؤتى برؤوس الخوارج قال: وكانوا إذا مرّوا برأس قلت: إلى النار،
قال: فقال لي: لا تفعل يا ابن أخي فإني سمعت رسول الله وَلَه يقول: ((يَكُونُ عَذَابُ هذِهِ
الأُمَّةِ فِي دُنْيَاهَا)) وقد ورد في الحديث الصحيح عن رسول اللهِ وَّرَ أنه قال: ((أَمَّا أَهْلُ النَّارِ
الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لاَ يَمُوتُونَ فِيها ولا يَخْيَوْنَ وَلْكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّرُ بِذُنُوبِهِمْ)) ولم
يخصص وَّ أمة من أمة فإنه ما قال ناس من أمتي، فهذه رحمة عامة فيمن ليس من أهل
النار، ثم قال ربََّ: ((فَأَمَاتَهُمُ الله فِيهَا إِمَاتَةً)) فأكده بالمصدر، فهذا كله قبل ذبح الموت، وإنما
أماتهم حتى لا يحسوا بما تأكل النار منهم، فإن النفوس التامة هي الموحدة المؤمنة فيمنع
التوحيد والإيمان قيام الآلام والعذاب بها، والحواس أعني الجسوم كلها مطيعة لله فلا تحس
بآلام الإحراق الذي يصيرهم حمماً، فإن الميت لا يحس بما يفعل به وإن كان يعلمه فما كل
ما يعلم يحس به، فرفع الله العذاب عن الموحدين والمؤمنين، وإن دخلوا النار فما أدخلهم
الله النار إلا لتحقق الكلمة الإلهية ويقع التمييز بين الذين اجترحوا السيئات وبين الذين عملوا
الصالحات، فهذا حديث صحيح يعم الناس، ويبقى العذاب على أهل النار الذين هم أهلها
يجري إلى أجل مسمى عند الله إلى أن تذكرهم ملائكة العذاب التسعة عشر فإن الملائكة إذا
شفعت لم تشفع هذه التسعة عشر فتتأخر شفاعتهم إلى أوان اتصافهم بالرحمة عندما يرتفع
شهودهم غضب الله إيثاراً منهم لجناب الله على الخلق، فإن الملائكة تشفع يوم القيامة يقول
الله: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين فيشفع عند شديد
العقاب والمنتقم، وهذا من باب شفاعة الأسماء الإلهيّة، فيخرج من النار كل موحد وحد الله
من حيث علمه لا من حيث إيمانه وما له عمل خير غير ذلك لكنه عن غير إيمان فلذلك
اختص الله به، وهذا الصنف من الموحدين هم الذين شهدوا مع شهادة الله سبحانه والملائكة
أنه لا إله إلا هو، فمن هناك سبقت لهم العناية بالاشتراك في الشهادة ولم يعرفهم إلا الله
وحده والملائكة وإن عرفتهم فإن الملائكة تحت أمر الله كالثقلين فيحترمون جناب الله
ويؤثرونه على هؤلاء، فلا يقدمون على الشفاعة فيهم لمخالفتهم أمر الله وعدم قبولهم
الإيمان، فينفرد الله وحده سبحانه من كونه أرحم الراحمين بإخراج هؤلاء من النار ويترك
أهلها فيها على حالهم إلى تجليه في صورة الرضا وعموم حكم الرحمة المركبة في عالم
التركيب وشفاعة ملائكة العذاب، فحينئذ يتغير الحال على أهل النار كما ذكرناه من المحرور
والمقرور .
واعلم أن الموازنة بحكم الاعتدال معقولة غير موجودة الحكم لأنه لو كان لها حكم