النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
في المنازل / الباب الثامن والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل عقبات السويق ...
وأثنينا علينا بها وأثنى الله على نفسه بها لأنا قدمنا أن نزول الشرائع في العالم من الله إنما تنزل
بحكم ما تواطأ عليه أهل ذلك اللسان، سواء صادف أهل ذلك اللسان الحق في ذلك أو لا
وقد تواطأ الناس على أن هذه الأسماء التي سمى الحق بها نفسه مما يثنى بها في في
المحدثات إذا قامت بمن تقوم به نعتاً أو صفة فأثنى الله على نفسه بها ونبه على أنها أسماء لا
نعوت ليفهم السامع الفهم الفطن أن ذلك من حكم التواطؤ لا حكم الأمر في نفسه كما دل
دليل الشرع: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] من جميع الوجوه فلا يقبل الأينية، فإنه لو
قبلها لم يصدق ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ على الإطلاق فإن قبول الأينية مماثلة.
وأما الدليل العقلي فلا يقول بها أصلاً ومع هذا الحكم للتواطؤ فقال رسول الله وَالة
للسوداء الخرساء: ((أَيْنَ الله))، فأطلق عليه لفظ الأينية لعلمه أن الأينية في حقه بمنزلة الاسم لا
بمنزلة النعت، فقالت السوداء: في السماء بالإشارة فقبل ما أشارت به وجعلها مؤمنة لأن الله
أخبر عن نفسه أنه في السماء فصدقته في خبره فكانت مؤمنة، ولم يقل ◌ّ# فيها عند ذلك إنها
عالمة وأمر بعتقها والعتق سراح من قيد العبودية تنبيه من النبيّ بَّه بالعتق في حقها من قيد
العبودية والملك على أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ سراح من قيد الأينية وفاء الظرف التي أتت
به السوداء في الجواب، فانظر ما أعجب الشارع العارف بالله وهذا كله تنزيه، فالثناء على الله
بصفات الإثبات التي جعلها أسماء وجعلها الخلق نعوتاً كما هي لهم نعوت إذا وقع هذا الثناء
من العبد صورة لا يكون روح تلك الصورة تسبيحاً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ كان جهلاً بما
يستحقه المثني عليه فإنه أدخله تحت الحد والحصر، بخلاف كون ذلك أسماء لا نعوتاً فيا
وليّ لا يفارق التسبيح ثناؤك على الله جملة واحدة، فإنك إذا كنت بهذه المثابة نفخت روحاً
في صورة ثنائك التي أنشأتها، فلا تكن من المصوّرين الذي يعذبون يوم القيام بأن يقال لهم:
أحيوا ما خلقتم ولا قدرة لهم على ذلك هناك لأن الدعوى هناك لا تقع لما هو عليه من كشف
الأمور وفي الدنيا ليس كذلك.
ثم انظر في تحقيق ما ذكرناه من إنشاء صورة الثناء إذا لم تنفخ فيها روح التسبيح قوله
لطائفة: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمُ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٤] فلو قالوا عيسى
دعي إلهاً من دون الله وقد خلق من الأرض لما عجنه طيناً لانتظام الأجزاء الترابية بما في الماء
من الرطوبة والبرودة فزادت كمية برودة التراب فثقل عن التحليل وعدم الانتظام وأزالت
الرطوبة اليبوسة التي في التراب فالتأمت أجزاؤه لظهور شكل الطائر فقدم الحق لأجل هذا
القول أن خلق عيسى للطير كان بإذن الله، فكان خلقه له عبادة يتقرب بها إلى الله لأنه مأذون له
في ذلك فقال: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ﴾ [المائدة: ١١٠] فما أضاف خلقه إلا
لإذن الله والمأمور عبد والعبد لا يكون إلهاً، وإنما جئنا بهذه المسألة لعموم كلمة ما فإنها لفظة
تطلق على كل شيء ممن يعقل ومما لا يعقل، كذا قال سيبويه وهو المرجوع إليه في العلم
باللسان، فإن بعض المنتحلين لهذا الفن يقولون: إن لفظة ((ما)) تختص بما لا يعقل و((مَنْ))
تختص بمن يعقل وهو قول غير محرر، وقد رأينا كلام العرب جمع من لا يعقل جمع من
٢٢٢
في المنازل/ الباب الثامن والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل عقبات السويق ...
يعقل وإطلاق ما على من يعقل، وإنما قلنا هذا لئلا يقال في قوله: ﴿مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾
[الزمر: ٣٨] إنما أراد من لا يعقل وعيسى يعقل فلا يدخل في هذا الخطاب، وقول سيبويه
أولی .
فهذا قد ترجمنا عن هذا المنزل بما فيه تنبيه على شموخه وتفلته من العالم به إن لم يكن
له مراقباً دائماً، وهو يحوي على علوم: منها علم ما خص الله به ألوية الحمد من الرحمة هل
أعطاها الرحمة العامة أو الخاصة؟ فإن التي تجاوره الرحمة الواجبة وهي جزء من الرحمة
العامة فهل لواء الحمد يقتصر عليها وهو أن لا يثني على الله، إلا بالأسماء الحسنى في العرف
أو يتعداها إلى الرحمة العامة في الثناء على الله بجميع الأسماء والكنايات، إذ له الفعل المطلق
من غير تقييد، وله كل اسم يطلبه الفعل وإن لم يطلق عليه، فإن الرحمة الإلهية العامة تعم
هذه الأسماء التي لم يجر العرف بأن تطلق عليه، فتطلق عليه رحمة بها فتجدها مرقومة في
اللواء، وهو علم شريف كنا عد عزمنا أن نضع فيه كتاباً فاقتصرنا منه على جزء صغير سميناه
معرفة المدخل إلى الأسماء والكنايات، وهو أسلوب عجيب غريب ما رأيت أحداً نبه عليه من
المتقدمین مع معرفتهم به.
ومن علوم هذا المنزل علم الإجمال الذي يعقبه التفصيل من غير تأخير، وفيه علم إنزال
الكتب من أين تنزل وما حضرتها من الأسماء الإلهية؟ وهل جميع الكتب المنزلة من حضرة
واحدة من الأسماء أو تختلف حضراتها باختلاف سبب نزولها؟ فإن التوراة وإن كتبها الله بيده
فما نزلت للإعجاز عن المعارضة والقرآن نزل معجزاً، فلا بد أن تختلف حضرة أسماء الله،
فيضاف كل كتاب إلى اسمه الخاص به من الأسماء الإلهية، وفيه العلم الحق المخلوق به وهو
العدل عند سهل بن عبد الله، وفيه علم أهل الحجب في إعراضهم عن دعوة الحق هل
إعراضهم جهل وعناد وجحد؟ وفيه علم ما يتميز به الله عمن تدعى فيه الألوهة وليس فيه
خصوص وصف الإله، وفيه علم ما آخذ الأدلة للعقل لقوّة الفكرية، وفيه علم تأخير الإجابة
عند الدعاء ما سبب ذلك؟ وفيه علم صيرورة الولي عدواً ما سببه؟ وفيه علم التفاضل في الفهم
عن الله هل يرجع إلى الاستعداد أو إلى المشيئة؟ وفيه علم الشهادة الإلهية للمشهود له وعليه،
واجتماع المشهود له وعليه، والرحمة بعد الأداء ولم يكن الصلح أوّلاً ولا يحتاج إلى دعوى
وإلى شهادة، وإذا كان الحق شهيداً فمن الحاكم حتى يشهد عنده؟ فلو حكم بعلمه لم يكن
شاهداً، ويتعلق بهذا العلم علم الشهادة ومراتب الشهداء والشهود فيها، وهل للحاكم أن
يحكم بعلمه ويترك علمه لشهادة الشهود إذا لم تكن شهادتهم شهادة زور مثل أن تشهد شهود
على أن زيداً يستحق على عمرو كذا وكذا درهماً وهو عندهم كما شهدوا، وكان الحاكم قد
علم أن عمراً قد دفع له هذا المستحق بيقين وليس لزيد شهود إلا علم الحاكم، ويعلم الحاكم
أن الشهود شهدوا بما علموا ولم يكن لهم علم بأن عمراً قد أوصل إلى زيد ما كانت الشهادة
قد وقعت عليه. وفيه علم تكذيب الصادق من أين يكذبه من يكذبه مع جواز الإمكان فيما
يدّعيه في أخباره، وفيه علم أسباب ارتفاع الخوف في مواطن الخوف، وفيه علم المناسبة في
٢٢٣
في المنازل/ الباب التاسع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل جثو الشريعة بين يدي الحقيقة
الجزاء الوفاق وهل ما زاد على الجزاء الوفاق يكون جزاء أو يكون هبة؟ وهل الجزاء المؤلم
يساوي الجزاء الملذ في الزيادة أم لا تكون الزيادة إلا في جزاء ما يقع به النعيم؟ وأما في
الآلام فلا يزيد على الوفاق شيء وقوله تعالى: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨] لماذا
ترجع هذه الزيادة؟ وقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٥٦]
فهل هذه الجلود المجددة هل هي من الجزاء الوفاق أو من الزيادة؟ وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا
النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةٌ﴾ [البقرة: ٨٠] هل لهم في هذا القول وجه يصدقون فيه أم لا وجه
لهم؟ وقول الله في حق هؤلاء: ﴿بَلَ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]، هل هو معارض لقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا الثَّارُ إِلَّ أَيَّامًا
مَعْدُوَةٌ﴾ [البقرة: ٨٠] فإنه ما كل من دخل النار تمسه، فإن ملائكة العذاب في النار وهي
دارهم وما تمسهم النار، وما قال الله بعد قوله: ﴿وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
النَّارِ﴾ [البقرة: ٨١] وفيه علم نَشْإ بني آدم وصورته الطبيعية والروحانية، وفيه علم الوصف
الذي إذا أقيم العبد فيه تجاوز الله عنه فيما أساء فيه، وفيه علم الحقوق والمستحقين لها، وفيه
علم الفرق بين العرض والوقوف فإنه ورد: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠] وورد:
﴿ويوم يعرض الذين كفروا على ربهم﴾ وورد: ﴿وَلَوْ تَرَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وورد:
﴿وَبَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ﴾ [الأحقاف: ٢٠] وهل العرض دخول أم لا؟ وفيه علم المطابقة
وهو علم عزيز، وفيه علم مضادة الأمثال، وفيه علم ما يجب على الرسل مما لا يجب، وفيه
علم عدم الثقة بالأسباب المعهودة لأمر ما يكون عنها فيظهر عنها خلاف ذلك من أين وقع
الغلط للذي وثق بها، وفيه علم ما يفنى من الأشياء مما لا ينفى وما يفنى منها هل يفنى بالذات
أم لا؟ وفيه علم كل شيء فيك ومنك، فلا يطرأ عليك أمر غريب ما هو عندك فلا يكشف لك
إلا عنك، وهو علم عزيز أيضاً ما يعلمه كل أحد من أهل الله، وفيه علم الفرق بين أصناف
العالم، وفيه علم الاقتداء، وفيه علم الزمان الكبير من الزمان الصغير وظهور الزمان الكبير
قصيراً كزمان النعيم والوصال، وظهور الزمان القصير كبيراً كزمان الآلام والهجران، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب التاسع والثلاثون وثلاثمائة
في معرفة منزل جثوّ الشريعة بين يدي الحقيقة تطلب الاستمداد من الحضرة
المحمدية وهو المنزل الذي يظهر فيه اللواء الثاني من ألوية الحمد الذي
يتضمن تسعة وتسعين اسماً إلهياً
[الكامل]
إنّي لأجْل خلافتي لَمُسَرَّحُ
الحجرُ من شِيَم الحُدوث فلا تَقُلْ
أين السَّراح وبابُ كونك يُفْتَحُ
ضاعت مفاتحُها فليست تُفتحُ
هيهاتَ أنتَ مقَيّدٌ بخلافة
والقلبُ خَلْفَ مغالقٍ مجبولةٍ
٢٢٤
في المنازل/ الباب التاسع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل جثوّ الشريعة بين يدي الحقيقة
شَرْحٌ لتعلمَ أن قيدَك أرْجَحُ
لا تفرحنَّ بشَرْحِ صَدْرِكَ إنه
اعلم أيدك الله أيها الوَليّ الحميم أن الناس تكلموا في الشريعة والحقيقة، قال الله تعالى
لنبيه وَ﴾ آمراً: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] يريد من العلم به من حيث ما له تعالى من
الوجوه في كل مخلوق ومبدع وهو علم الحقيقة، فما طلب الزيادة في علم الشريعة بل كان
يقول: ((اتْرَكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ))، وعلم الشريعة علم محجة وطريق لا بد له من سالك والسلوك
تعب فكان يريد التقليل من ذلك، وغاية طريق الشريعة السعادة الحسية وليست الحقيقة غايتها
في العموم، فإن من الناس من ينال الحقيقة في أول قدم يضعه في طريق الشريعة لأن وجه
الحق في كل قدم، وما كل أحد يكشف له وجه الحق في كل قدم، والشريعة المحكوم بها في
المكلفين، والحقيقة الحكم بذلك المحكوم به والشريعة تنقطع، والحقيقة لها الدوام فإنها
باقية بالبقاء الإلهي، والشريعة باقية بالإبقاء الإلهي، والإبقاء يرتفع والبقاء لا يرتفع، فهذا
المنزل يعطيك شرف الإنسان على جميع من في السماء والأرض، وأنه العين المقصودة للحق
من الموجودات لأنه الذي اتخذه الله مجلى وأعني به الإنسان الكامل لأنه ما كمل إلا بصورة
الحق، كما أن المرآة وإن كانت تامة الخلق فلا تكمل إلا بتجلي صورة الناظر فتلك مرتبتها
والمرتبة هي الغاية، كما أن الألوهة تامة بالأسماء التي تطلبها من المألوهين فهي لا ينقصها
شيء وكمالها - أعني الرتبة التي تستحقها - الغنى عن العالمين، فكان له الكمال المطلق بالغنى
عن العالمين، ولما شاء أن يعطي كماله حقه ولم يزل كذلك، وخلق العالم للتسبيح بحمده
سبحانه لا لأمر آخر والتسبيح لله، ولا يكون المسبح في حالة الشهود لأنه فناء عن الشهود،
والعالم لا يفتر عن التسبيح طرفة عين لأن تسبيحه ذاتي كالنفس للمتنفس، فدل أن العالم لا
يزال محجوباً وطلبهم بذلك التسبيح المشاهدة، فخلق سبحانه الإنسان الكامل على صورته،
وعرف الملائكة بمرتبته، وأخبرهم بأنه الخليفة في العالم، وأن مسكنه الأرض، وجعلها له
داراً لأنه منها خلقه، وشغل الملأ الأعلى به سماء وأرضاً، فسخر له من في السموات ومن في
الأرض جميعاً منه أي من أجله، واحتجب الحق إذ لا حكم للنائب بظهور من استخلفه،
فاحتجب عن البصائر كما احتجب عن الأبصار فقال رسول الله و 18 يخاطب الناس الذين
يشبهون الإنسان في الصورة الحسية وهم نازلون عن رتبة الكمال: ((إنَّ الله احْتَجَبَ عَنِ البَصَائِرِ
كَمَا اخْتَجَبَ عَنِ الأَبْصَارِ وَإِنَّ المَلأَ الأَعْلَى يَطْلُبُونَهُ كَمَا تَطْلُبُونَهُ أَنْتُمْ»، فكما لا تدركه الأبصار
كذلك لا تدركه البصائر وهي العقول لا تدركه بأفكارها، فتعجز عن الوصول إلى مطلوبها
والظفر به ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ اٌلْأَسْمَّءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] وأمره بتعليم الملأ الأعلى، وأمر من في
السموات والأرض بالنظر فيما يستحقه هذا النائب، فسخر له جميع من في السموات والأرض
حتى المقول عليه الإنسان من حيث تماميته لا من حيث كماليته، فهذا النوع المشارك له في
الاسم إذا لم يكمل هو من جملة المسخرين لمن كمل والحق في كماله بالغنى عن العالمين
وهو وحده - أعني الإنسان الكامل - يعبد ربه الغني عنه، فكماله أن لا يستغنى عنه، وما ثم
من يعبده من غير تسبيح إلا الكامل فإن التجلي له دائم؛ فحكم الشهود له لازم، فهو أكمل
٢٢٥
في المنازل/ الباب التاسع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل جثو الشريعة بين يدي الحقيقة
الموجودات معرفة بالله وأدومهم شهوداً وله إلى الحق نظران، ولهذا جعل له عينين فينظر
بالعين الواحدة إليه من كونه غنياً عن العالمين فلا يراه في شيء ولا في نفسه، وينظر إليه
بالعين الأخرى من اسمه الرحمن بكونه يطلب العالم ويطلبه العالم فيراه ساري الوجود في كل
شيء فيفتقر بهذه النظرة من هذه العين إلى كل شيء من حيث ما هي الأشياء أسماء الحق لا
من حيث أعيانها، فلا أفقر من الإنسان الكامل إلى العالم لأنه يشهده مسخراً له، فعلم أنه لولا
ما هو عليه من الحاجة إلى ما سخروا فيه من أجله ما سخروا فيعرف نفسه أنه أحوج إلى العالم
من العالم إليه، فقام له هذا الفقر العام مقام الغنى الإلهي العام، فنزل في العالم في الفقر منزلة
الحق من حيث الأسماء الإلهية التي تطلب التأثير في العالم، فما ظهر في فقره إلا ظهور
أسماء الحق فهو حق في غناه عن العالم، لأن العالم مسخر في حقه بتأثير الأسماء الإلهية فيه
أعني في العالم، فما يسخر له إلا من له التأثير لا من حيث عين العالم فلم يفتقر إلا الله وهو
حق في فقره إلى العالم، فإنه لما علم أن الله ما سخر العالم لهذا الإنسان إلا ليشتغل العالم بما
كلفهم من التسخير عن طلب العلم به من حيث الشهود فإن ذلك ليس لهم لأنهم نازلون عن
رتبة الكمال أظهر الإنسان الكامل الحاجة لما سخر فيه العالم، فقوي التسخير في العالم لئلا
يفرطوا فيما أمرهم الحق به من ذلك لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، فوافق الإنسان الكامل
بإظهار هذا الفقر الحق في إشغال العالم فكان حقاً في فقره كالأسماء، وحقاً في غناه لأنه لا
يرى المسخر له إلا من له الأثر وهو للأسماء الإلهية لا لأعيان العالم، فما افتقر إلا الله في
أعيان العالم والعالم لا علم له بذلك.
ولما أطت السماء بعمارها وقال: ((وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَبِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ
سَاجِدٌ لله))، فأخبر في قوله ((ساجد لله)) لينبه على نظر كل ملك في السماء إلى الأرض لأن
السجود التطأطؤ والانخفاض، وقد عرفوا أن الأرض موضع الخليفة وأمروا بالسجود فطأطؤوا
عن أمر الله ناظرين إلى مكان هذا الخليفة حتى يكون السجود له، لأن الله أمرهم بالسجود له،
ولم يزل حكم السجود فيهم لآدم، وللكامل أبداً دائماً .
فإن قلت: فيزول في الدار الآخرة مثل هذا السجود؟ قلنا: لا يزول لأن الصورة الظاهرة
من الإنسان الكامل التي وقع السجود لها أنشأها الله من الطبيعة العنصرية ابتداء وإعادة، ففي
الابتداء أنبتها من الأرض ثم أعادها إليها بالموت ثم أخرجها منها إخراجاً بالبعث ولها السفل
في الرتبة تطلب بهذه الحقيقة الله الذي قال فيه النبي وَّرَ: ((لَوْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلٍ لَهَبَطَ عَلَى الله)»،
وكذا ينبغي أن يكون الأمر في نفسه، فلا بد من استصحاب سجودهم للإمام دنيا وآخرة،
فحاز الإنسان الكامل صورة العالم وصورة الحق ففضل بالمجموع، فالساجد والمسجود له فيه
ومنه، ولو لم يكن الأمر هكذا لم يكن جامعاً، فعند الملأ الأعلى ازدحام لرؤية الإنسان
الكامل كما يزدحم الناس عند رؤية الملك إذا طلع عليهم فأطت السماء لازدحامهم، فمن
عرف الله بهذه المعرفة عرف نعم الله التي أسبغها عليه الظاهرة والباطنة فتبرأ من المجادلة في
الله بغير علم، وهو ما أعطاه الدليل النظري ولا كتاب منير وهو ما وقع به التعريف مما هو
الفتوحات المكية ج٥ - ١٥٢
٢٢٦
في المنازل/ الباب التاسع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل جثو الشريعة بين يدي الحقيقة
الحق عليه من النعوت فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٨] أعطاه دليل
فكره ﴿وَلَا هُدَّى﴾ [الحج: ٨] يقول: ولا بيان أبانه له كشفه ﴿ وَلَا كِتَبٍ مُِّيرٍ﴾ [الحج: ٨] وهو ما
وقع به التعريف لما نزلت به الآيات من المعرفة بالله في كتبه المنزلة الموصوفة بأنها نور
ليكشف بها ما نزلت به لما كان النور يكشف به، فنفاهم عن تقليد الحق وعن التجلي
والكشف عن النظر العقلي ولا مرتبة في الجهل أنزل من هذه المرتبة، ولهذا جاءت من الحق
في معرض الذم يذم بها من قامت به هذه الصفة .
وإذا عرفوا نعم الله كما قلنا أوجب هذا العلم عليهم الشكر فشغلوا نفوسهم بشكره كما
فعله رسول الله وَّلَه حين نزل عليه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُبِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٢، ٣]، فقام حتى تورمت قدماه شكراً على
هذه النعمة، وهكذا أخبر لما قيل له في ذلك فقال: ((أَفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً))، فأتى بفعول
وهو بنية المبالغة فكثر منه الشكر لما كثرت النعم، فطلبت كل نعمة منه الشكر لله عليها، ولا
يخطر لصاحب هذا المقام في شكره طلب الزيادة لأنه فعل يطلب الماضي والواقع، فكانت
الزيادة من النعم للشاكر فضلاً من الله، ولهذا أسماها زيادة يطلبها الشكر لا الشاكر فيجني
ثمرته الشاكر فهي من الشكر جزاء للشاكر حيث أوجد عين الشكر في الوجود، وأقام نشأته
صورة متجسدة تسبح الله وتذكره، فطلبت من الله تعالى أن يزيد هذا الشاكر نعمة إلى نعمته
حيث كان سبباً في إيجاد عين الشكر فسمع الله منه وأجابه لما سأل فسأله أن يعرف الشاكرين
بذلك حتى يعلموا أن الشكر قد أدى عند الله ما وجب عليه من حق الشاكر فقال الله لعباده:
﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، فأعلمنا بالزيادة، فالعارف بالله يشكر الله ليكون خلاقاً
لصورة الشكر ليكثر المسبحون لله القائمون في عبادته، فإذا علم الله هذا منه زاده في النعم
الظاهرة والباطنة ليدوم له نعت الخلق للشكر، فلا يزال الأمر له دائماً دنيا وآخرة، وأعظم نشأة
يظهر بها الشكر في الوجود نشأة الشكر على نعمة الصورة الكمالية ونشأة الشكر على نعمة
التسخير، والمزيد من الله للشاكر على قدر صورة الشكر، فاعلم كيف شكر واشتغل بالأهم
فالأهم من ذلك، فإذا طلب الشاكر بشكره المزيد لما وعد الله به لم يعطه الله من نعمة المزيد
إلا على قدر طلبه وصورته من التخليط والسلامة فيكون مزيده مغفرة وعفواً وتجاوزاً لا غير.
وبالجملة فينزل عن درجة الأول الذي أعطي بسؤال الشكر، فإن نشأة الشكر بريئة من
التخليط في عينها، وإن كان الشاكر مخلطاً فلا أثر لتخليطه في صورة الشكر، وله أثر في
المزيد إذا شكر لتحصيل المزيد، فتحصل المفاضلة بين الشاكرين على ما قررناه من الطالبين
المزيد وغير الطالبين والمشتغلين بالأهم وغير المشتغلين به، فهذه طرق لله مختلفة كما قال :
﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨] وهي الطرق، والحقيقة عين واحدة هي غاية
لهذه الطرق وهو قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [ هود: ١٢٣] فأما قوله تعالى لنبيه محمد في
سورة الفتح وهو فتوح المكاشفة بالحق وفتوح الحلاوة في الباطن وفتوح العبارة، ولهذا
الفتوح كان القرآن معجزة فما أعطي أحد فتوح العبارة على كمال ما أعطيه رسول الله وحله فإنه
٢٢٧
في المنازل / الباب التاسع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل جثو الشريعة بين يدي الحقيقة
قال: ﴿لَّيِنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا اُلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] أي معيناً، فقال له: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] في الثلاثة
الأنواع من الفتوح فتحاً فأكده بالمصدر مبيناً أي ظاهراً يعرفه كل من رآه بما تجلى وما حواه،
ففتوح الحلاوة ثابت له ذوقاً، وفتوح العبارة ثابت للعرب بالعجز عن المعارضة، وفتوح
المكاشفة ثابت بما أشهده ليلة إسرائه من الآيات: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾
فيسترك عما يستحقه صاحب الذنب من العتب والمؤاخذة، وما تأخر يسترك عن عين الذنب
حتى لا يجدك فيقوم بك، فأعلمنا بالمغفرة في الذنب المتأخر أنه معصوم بلا شك، ويؤيد
عصمته أن جعله الله أسوة يتأسى به فلو لم يقمه الله في مقام العصمة للزمنا التأسي به فيما يقع
منه من الذنوب إن لم ينص عليها كما نص على النكاح بالهبة أن ذلك خالص له مشروع وهو
حرام علينا ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بأن يعطيها خلقها إذ قد عرفنا بالمخلقة من ذلك وغير
المخلقة، وأخبر بهذه الآية أن نعمته التى أعطاها محمداً مخلقة أي تامة الخلقة وَالر ﴿وَيَهْدِيَكَ
صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] وهو صراط ربه الذي هو عليه كما قال هود عليه السلام: ﴿إِنَّ رَبِ
عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]. والشرائع كلها أنوار، وشرع محمد بَّ بين هذه الأنوار كنور
الشمس بين أنوار الكواكب، فإذا ظهرت الشمس خفيت أنوار الكواكب، واندرجت أنوارها
في نور الشمس فكان خفاؤها نظير ما نسخ من الشرائع بشرعه وَّ مع وجود أعيانها كما
يتحقق وجود أنوار الكواكب، ولهذا ألزمنا في شرعنا العام أن نؤمن بجميع الرسل وجميع
شرائعهم أنها حق، فلم ترجع بالنسخ باطلاً ذلك ظن الذين جهلوا فرجعت الطرق كلها ناظرة
إلى طريق النبي ◌َّ، فلو كانت الرسل في زمانه لتبعوه كما تبعت شرائعهم شرعه فإنه أوتي
جوامع الكلم ﴿ وَيَصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣] والعزيز من يرام فلا يستطاع الوصول إليه .
فإذا كانت الرسل هي الطالبة للوصول إليه فقد عز عن إدراكها إياه ببعثته العامة وإعطاء
الله إياه جوامع الكلم والسيادة بالمقام المحمود في الدار الآخرة، وبجعل الله أمته خير أمة
أخرجت للناس، وأمة كل نبي على قدر مقام نبيها فاعلم ذلك. وإذا طلب الوصول إليه
القائلون باكتساب النبوة عز عليهم الوصول إلى ذلك فإن المكتسب إنما هو السلوك والوصول
إلى الباب، وأما ما وراء الباب فلا علم للواصلين إليه بمن يفتح له ذلك الباب، فمن الناس من
يفتح له بالإيمان العام وهو مطالعة الحقيقة كأبي بكر فلم ير شيئاً إلا رأى الله قبله، ومنهم من
يفتح له بالإنباء العام الذي لا شرع فيه وهذان الفتحان باقيان في هذه الأمة إلى يوم القيامة،
ومن الواصلين من يفتح له الباب بنبوّة التشريع المقصور عليهم، ومنهم من يفتح له الباب
بالرسالة بما شرع وهذان بابان أو فتحان قد منع الله أن يتحقق بهما أحد أو يفتح له فيهما إلا
أهل الاجتهاد، فإن الله أبقى عليهم من ذلك بعض شيء بتقرير الشرع فحكمه للشارع لا لهم،
فكل ما خرج من وراء الباب عند فتحه ما هو مكتسب والنبوّة غير مكتسبة فنصره الله النصر
العزيز، فلم يصل إليه من قال باكتساب النبوّة لأن الموصوف بالعزة لا عين للعزة إلا مع وجود
الطالب لمن قامت به فيحمي مقامه وحضرته أن لا يصل طالب إليه، فالشرائع الحكمية السياسية
٢٢٨
في المنازل/ الباب التاسع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل جثو الشريعة بين يدي الحقيقة
الظاهرة بصورة الشرائع الإلهية ليس لها هذا النصر العزيز، وإنما هو مختص بصاحب الشرع
الإلهي المنزل، والحقيقة تعم الشرعين: الشرع الإلهي والحكميّ السياسي، فصاحب الشريعة
وهو المؤمن إنما جثى بين يدي المحقق الذي هو صاحب الحقيقة ليبين له مأخذ كل شرع من
الحضرة الإلهية ولا يعلم ذلك إلا صاحب الحقيقة، فلهذا سمي هذا المنزل بجثوّ الشريعة بين
يدي الحقيقة لأن كل شرع يطلبها إذ هي باطن كل شرع، والشرائع صورها الظاهرة في عالم
الشهادة ولهذا ما تخلو أمة عن نذير يقوم بسياستها لبقاء المصلحة في حقها سواء كان ذلك الشرع
إلهياً أو سياسياً، على كل حال تقع المصلحة به في القرن الذي يظهر فيه.
وبعد أن علمت منزلة الشريعة من الحقيقة ولها باب يخصه من هذا الكتاب قد تقدم
فلنذكر ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم، فمن ذلك: علم لواء خاص من ألوية الحمد
وأسمائه، وعلم ما لهذا اللواء من حكم الرحمة في العالم الذي يكون تحته، وعلم المناسبات
التي تنضم الأشياء الصورية بها بعضها إلى بعض لإقامة أعيان الصور التي لا تظهر إلا بهذا
الانتظام وهي صور تعطي العلم بذاتها للناظر، وفيه علم الأعلام بالأعلام المنصوبة على
الطريق للسلاك فيه لئلا يضلوا عن مقصودهم الذي هو غاية طريقهم، وفيه علم أنواع الأرزاق
فإنها تختلف باختلاف المرزوقين، وفيه علم فائدة الأخبار بالعبارة المؤيدة بقرائن الأحوال هل
حصول العلم بذلك الخبر عن الخبر أو عن قرائن الأحوال أو عن المجموع أو العلم الذي
تعطيه قرينة الحال غير العلم الذي يعطيه الخبر أو في موضع يجتمعان وفي موضع لا
يجتمعان؟ وفيه علم الفرق بين الاستماع هل يقع بالفهم أو بغير ذلك؟ والفرق بين من هو هو
وبين من هو كأنه هو، وفيه علم الجزاء الخاص بكل مجازى، وفيه علم العلم العام الذي
غايته العمل والذي ليس غايته العمل، وفيه علم نسبة العالم من الحق بطريق خاص، وفيه علم
ما تنتجه الأفكار من العلوم في قلوب المتفكرين، وفيه علم تقرير النعم، وفيه علم ما خلق
العالم له وما السبب الذي حال بينه وبين ما خلق له مع العلم بما خلق له ولا أقوى من العلم
لأن له الإحاطة فمقاومه تحت حيطته فأين يذهب؟ وفيه علم من هو من أهل الأمر ممن هو
ليس هو منهم، وفيه علم الولاية الوجودية السارية التي بها كان الظالمون بعضهم أولياء
بعض، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، والله وليّ المؤمنين من كونه مؤمناً فمن أين هو وليّ
المتقين ولا يتصف بالتقوى أو يتصف بالتقوى من حيث إنه أخذ الجنّ والإنس وقاية يتقي بها
نسبة الصفات المذمومة عرفاً وشرعاً إليه فتنسب إلى الجن والإنس وهما الوقاية التي اتقى بها
هذه النسبة فهو وليّ المتقين من كونه متقياً، وإذا كان وليهم وما ثم إلا متق فهي بشرى من الله
للكل بعموم الرحمة والنصرة على الغضب لأن الولي الناصر فافهم. وفيه علم المراتب بالنسبة
إلى الشرع خاصة لا المراتب بما يقتضيها الوجود، وفيه علم الإله الأعظم الذي شرع اتخاذ
الآلهة من دون الله، وفيه علم الحيرة فيما يقطع به أنه معلوم لك والعلم ضد الحيرة في معلومه
فما الذي حيرك مع العلم؟ وفيه علم سلب الهداية من العالم مع قوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾
[الرحمن: ٤] وهو عين الهدى، وفيه علم الدهر من الزمان، وفيه علم الجمع الأوسط لأن
في المنازل/ الباب الأربعون وثلاثمائة في معرفة المنزل الذي منه خبأ النبيّ وَ ◌ّ ر لابن صياد ... ٢٢٩
الجمع ظهر في ثلاثة مواطن في أخذ الميثاق وفي البرزخ بين الدنيا والآخرة والجمع في البعث
بعد الموت وما ثم بعد هذا الجمع جمع يعم فإنه بعد القيامة كل دار تستقل بأهلها فلا يجتمع
عالم الإنس والجن بعد هذا الجمع أبداً، وفيه علم النحل والملل، وعلم عموم النطق الساري
في العالم كله وأنه لا يختص به الإنسان كما جعلوه فصله المقوم له بأنه حيوان ناطق،
فالكشف لا يقول بخصوص هذا الحد في الإنسان وإنما حد الإنسان بالصورة الإلهية خاصة،
ومن ليس له هذا الحد فليس بإنسان وإنما هو حيوان يشبه في الصورة ظاهر الإنسان، فاطلب
لصاحب هذا الوصف حداً يخصه كما طلبت لسائر الحيوان، وفيه علم ماهية النسخ هل يقع
في الأعيان فيعبر عنه بالمسح كما يقع في الأحكام أم لا؟ وفيه علم مراتب الفوز فإنه ثم فوز
مطلق وفوز مقيد بالأنانة ومقيد بالعظمة وما حد كل واحد منهم، وفيه علم الاستحقاق، وفيه
علم اليقين والعلم والظن والجهل والشك والنظر وفيه علم حكم الشهود من حكم العلم،
وفيه علم من لا يرضى الله عنه وإن رحمه فما رحمه عن رضى، والفرق بين المرحوم عن
رضى وبين المرحوم لا عن رضى وأين منزل كل واحد منهم من الدارين؟ وفيه علم الكبرياء
والجبروت متى يظهر عمومه في العالم بحيث يعرف على التعيين فإنه الآن ظاهر لا يعلمه إلا
قليل من الناس، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الأربعون وثلاثمائة
في معرفة المنزل الذي منه خبأ النبيّ ◌َّ لابن صياد سورة الدخان من القرآن العزيز
فقال له: ((ما خَبَأْتُ لَكَ؟)) فقال له: الدخ. وهو لغة الدخان لأن فيها آية: ﴿يَوْمَ تَأْتِى
السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [ الدخان: ١٠] فعلم ابن صياد اسمها الذي نواه وأضمره في نفسه رسول
اللهِ الَّ في خبئه فقال له وَلَّ: ((اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)) أي علمك بهذا لا يخرجك عن قدرك
الذي أهلك الله له، وقد روي: ((فلم تَعْدُ قَدْرَكَ)) يعني بإدراكك لما خبأته لك، وفي هذا القول
سر يطلعك إياه هذا القول من النبيّ ◌َّ لصاف على المقام الذي أوجب على رسول الله ونَ﴾
أن يقول مثل هذا القول فإنه لم يختبره بما خبأ له عن وحي من الله، فلو كان عن وحي ما عثر
عليه ابن صائد لأن الله من وراء ما يأمر به بالتأييد، بل كان هذا القول مثل قوله {184م في أبار
النخل فلما خرج خبؤه كان ذلك من الله تأديب فعل ليحفظ عليه مقام المراقبة فلا ينطق إلا عن
شهود، إذ بقرينة الحال يعلم أن النبي 8َ# ما خبأ له ما خبأ إلا ليعجزه فأبى الله ذلك،
فقال وِّ: ((إنَّ الله أَدَبَنِي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي)) ولو نطق النبي ◌َّ للحاضرين بقصده فيما خبأ له
لارتدت جماعة من الحاضرين لذلك، ولكن الله عصم نبيه قي عن القول ولم يخرجه العلم
بالخبيئة عن كونه كاهناً والحاضرون يعرفون أمر الكهنة وشأنهم ولا سيما أهل اليمن والحجاز
وجزيرة العرب، فلم يخرجه ذلك العلم عن قدره عند الحاضرين، وفي هذه المسألة أمور
عظيمة يتسع الشرح فيها إلى أمر عظيم: [المجتث]
إلا لمن هو دُونُ
تَرْكُ الرَّضَى لا يكونُ
٢٣٠ في المنازل/ الباب الأربعون وثلاثمائة في معرفة المنزل الذي منه خبأ النبيّ وَّ لابن صياد ...
فإنْ يكُنْ لك حالاً فكلُّ صعب يَهُونُ
وإِنْ أَبَيْتَ رضاهُ
فـما يشاءُ يَكُونُ
هذا المنزل منه خبأ رسول الله وَ# لابن صياد سورة الدخان من القرآن وهو منزل عظيم
فيه من المكر الإلهيّ والاستدراج ما لا تأمن مع العلم به الملائكة من مكر الله، فالعاقل إذا لم
يكن من أهل الاطلاع في تصرفاته فلا أقل من أنه لا يزيل الميزان المشروع له الوزن به في
تصرفاته من يده بل من يمينه فيحفظه في نفس الأمر من هذا المكر، ولا يخرج عن لوازم
عبوديته وأحكامها طرفة عين يعطي من الزيادات في العلوم والأمور ما لا عين رأت ولا أذن
سمعت ولا خطر على بال ممكن، يكون العروج إليه من الأرواح المفارقة وغيرها منه تبدو
العلامات على صدق الصادق وكذب الكاذب، من حصل فيه حصل علم الحكمة الجامعة
وتميز له الشقي من السعيد فيه تختلف أحوال الناظرين، فما يراه زيد نوراً يراه عمرو ظلمة،
ويراه جعفر نوراً وظلمة معاً فإنه يكشف به الأشياء فيقول: هذا نور ويبصره من حيث عينه
فيقول ظلمة فيه تكون المنازلات كلها يلتقي فيه الحق النازل والخلق الصاعد، فيقول الحق
للصاعد: إلى أين؟ فيقول: إليك، ويقول الخلق للنازل: إلى أين؟ فيقول: إليك، فيقول: قد
التقينا فتعال حتى يعين كل واحد منا ما السبب الذي أوجب لكل واحد منا طلب صاحبه،
فيقول الحق: قصدت بالنزول إليك لنريحك من التعب فنعطيك ونهبك من غير مشقة ولا
نصب وأنت في أهلك مستريح لم يكن لي قصد غير هذا، ويقول الخلق: قصدت بالعروج
إليك تعظيماً لك وخدمة لنقف بين يديك وأنت على سرير ملكك، وقد علم الملأ الأعلى أني
خليفتك وأني أعلم بك منهم لما خصصتني به فإذا رآني الملأ الأعلى بين يديك اقتدوا بي فيما
أقوم به بين يديك مما ينبغي لمثلي أن يتأدب معك به فيحصل لهم بالمشاهدة من علم الأدب
معك ما لم يكن عندهم لأني رأيتهم جاهلين بمنزلتك مع كونهم يسبحونك لا يفترون تقول
لهم: ﴿إِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فيعارضونك فيه بما حكيت لي عنهم أنهم قالوا
ولم يكن ينبغي لهم إلا السمع كما لك الأمر، فلما علمت أن الأدب الإلهيّ ما استحكم فيهم
وقد أمرتني بتعليمهم ورأيت أن التعليم بالحال والفعل أتم منه بالقول والعبارة قصدت العروج
إليك ليرى الملأ الأعلى بالحال والفعل ما ينبغي أن يعامل به جلالك، والاستواء أشرف حال
ظهرت به إلى خلقك ومع ذلك اعترضوا عليك فكيف لو نزلت إلى أدنى من حالة الاستواء من
سماء وأرض؟ فيقول الحق: نعم ما قصدت مثلك من يقدر قدر الأشياء فإنه من عرف قدره
وقدر الأشياء عرف قدري ووفاني حقي، ألا ترى محمداً وَلّ لما فرضت عليه وعلى أمته
خمسين صلاة نزل بها ولم يقل شيئاً ولا اعترض ولا قال هذا كثير؟ فلما نزل إلى موسى عليه
السلام فقال له: ((راجع ربك عسى أن يخفف عنه أمتك فإني قاسيت من بني إسرائيل في ذلك
أهوالاً وأمتك تعجز عن حمل مثل هذا وتسأم منه))، فبقي محمد قَلّة متحيراً الأدب الكامل
يعطيه ما فعل من عدم المعارضة والشفقة على أمته تطلبه بالتخفيف عنها حتى لا يعبد الله
بضجر ولا كره ولا ملل ولا كسل فبقي حائراً، فهذا ما أثرت الوسائط والجلساء فأخذ يطلب
في المنازل/ الباب الأربعون وثلاثمائة في معرفة المنزل الذي منه خبأ النبيّ ◌َل لابن صياد ... ٢٣١
الترجيح فيما قاله موسى عليه السلام وفيما وفى هو وَجّ من حق الأدب مع الله .
وقد كان الله تقدم إليه عند ذكر جماعة من الأنبياء عليهم السلام منهم موسى عليه
السلام بأن قال له: ﴿ أُوْلِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] فتأول أن هذا الذي
أشار به عليه من هداهم ولم يتفطن في الوقت أن موسى عليه السلام لما كان في حال هديه ما
سأل التخفيف وذلك الهدى هو الذي أمر رسول الله # 8# أن يقتدي به فأعطاه هذا الاجتهاد
الرجوع إلى الله فسأله التخفيف فما زال يرجع بين الله تعالى وبين موسى عليه السلام إلى أن
قال ما أعطاه الأدب: ((استحييتُ من ربّي))، وانتهى الأمر بالتخفيف إلى العشر فنزل به على
أمته وشرع له أن يشرع لأمته الاجتهاد في الأحكام التي بها صلاح العالم لأنه وَّر بالاجتهاد
رجع بين الله وبين موسى عليه السلام، فأمضى ذلك في أمته لتأنس بما جرى منه ولا
تستوحش، وجبر بهذا التشريع قلب موسى في ذلك فإنه لا بدّ إذا رجع مع نفسه وزال عنه
حكم الشفقة على العباد قام معه تعظيم الحق وما ينبغي لجلاله، فلم يستكثر شيئاً في حقه
وعلم أن القوّة بيده يقوّي بها من شاء، وإذا خطر له مثل هذا وأقامه الحق فيه لا بدّ له أن يؤثر
عنده ندماً على ما جرى منه فيما قاله لمحمد وَّل، فجبر الله قلبه بقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ﴾
[قَ: ٢٩] في آخر رجعة، وكان قد تقدم القول بالتكثير وبدله بالتخفيف والتقليل، فأعلم موسى
أن القول الإلهي منه ما يقبل التبديل ومنه ما لا يقبل التبديل، وهو إذا حق القول منه فالقول
الواجب لا يبدل والقول المعروض يقبل التبديل، فسرّ موسى عليه السلام بهذا القول وأنه ما
تكلم إلا في عرض القول لا في حقه .
وكذلك لما علم بما شرع الله لأمة محمد وَ لّ من الاجتهاد في نصب الأحكام من أجل
اجتهاد محمد وَّه جبر الله تعالى قلب محمد بَّلَه فيما جرى منه وسرى ذلك في أمته وَطّر كما
سرى الجحد والنسيان في بني آدم من جحد آدم ونسيانه جبراً لقلب آدم، فإن هذه النشأة
الطبيعية من حكم الطبيعة فيها الجحد والنسيان، فكانت حركة آدم في جحده حركة طبيعية
وفي نسيانه أثر طبيعي، فلو تناسى لكان الأمر من حركة الطبيعة كالجحد من حيث إنه جحد
هو أثر طبيعي، ومن حيث ما هو جحد بكذا هو حكم طبيعي لا أثر، فهذا الفرق بين حكم
الطبيعة وبين أثرها والنسيان من أثرها والتناسي من حكمها والغفلة من أثرها والتغافل من
حكمها، وقليل من العلماء بالله من يفرق بين حكم الطبيعة وأثرها، فاجتمع في آدم حكم
الطبيعة بالجحد لأنه الأوّل الجامع في ظهره للجاحدين فحكموا عليه بالجحد فجحد لأن الابن
له أثر في أبيه، فالجحد وإن كان من حكم الطبيعة فإنه من أثر الجاحدين من أبنائه لأن آدم
إنسان كامل، وكذا النسيان الواقع منه هو من أثر الطبيعة وحكم الأبناء، فإنه حامل في ظهره
للناسين من أبنائه فحكموا عليه بالنسيان. فانظر ما أعجب هذه الأمور وما يعطيه فتوح
المكاشفة من العلوم وجميع ما ذكرناه من أحكام هذا المنزل وله من الحضرة الإلهية الغيب،
ومن أعيان العالم الطبيعة، ومن عالم الشهادة الظلمة، ففي الشهادة ترى الظلمة ولا يرى بها،
وفي الطبيعة تعلم ولا ترى ويرى أثرها ويرى بها، وفي الغيب يرى ويرى به مع بقاء اسم
٢٣٢ في المنازل/ الباب الأربعون وثلاثمائة في معرفة المنزل الذي منه خبأ النبيّ وَّ لابن صياد ...
الغيب عليه، وإنما قلنا هذا لأن الأسماء تتغير بتغير الأحكام ولا سيما في الأسماء الإلهية فإن
الحكم يغير الاسم للاسم الآخر الذي يطلبه ذلك الحكم والعين واحدة، وفي أحكام الشرائع
عكس هذا تغير الأحكام تبع لتغير الأحوال والأسماء والعين واحدة، قيل لمالك بن أنس من
أئمة الدين: ما تقول في خنزير البحر من بعض السمك؟ فقال: هو حرام، فقيل: فسمك
البحر ودوابه وميتته حلال، فقال: أنتم سميتموه خنزيراً والله قد حرم الخنزير، فتغير الحكم
عند مالك لتغير الاسم، فلو قالوا له: ما تقول في سمك البحر أو دواب البحر؟ لحكم
بالحل، وكذا تغير الأحوال يغير الأحكام، فالشخص الواحد الذي لم يكن حاله الاضطرار
أكل الميتة عليه حرام، فإذا اضطر ذلك الشخص عينه فأكل الميتة له حلال، فاختلف الحكم
لاختلاف الحال والعين واحدة .
واعلم أن الله من هذا المنزل يقبل التجلي في الصور الطبيعية كثيفها ولطيفها وشفافها
لأهل البرازخ والقيامة برزخ وما في الوجود غير البرازخ لأنه منتظم شيء بين شيئين مثل زمان
الحال ويسمى الدائم والأشياء المعنوية دور والحسية أكَرٌ، فما في الكون طرف لأن الدائرة لا
طرف لها، فكل جزء منها برزخ بين جزأين، وهذا علم شريف لمن عرفه، ولهذا جمع في
الإنسان الكامل بين الصورتين الطبيعيتين في نشأته، فخلقه بجسم مظلم كثيف وبجسم لطيف
محمول في هذا الجسم الكثيف سماه روحاً له به كان حيواناً وهو البخار الخارج من تجويف
القلب المنتشر في أجزاء البدن المعطى فيه النموّ والإحساس، وخصه دون العالم كله بالقوّة
المفكرة التي بها يدبر الأمور ويفصلها، وليس لغيره من العالم ذلك فإنه على الصورة الإلهية،
ومن صورتها: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ [الرعد: ٢] فالإنسان الكامل من تممت له الصورة
الإلهية ولا يكمل إلا بالمرتبة، ومن نزل عنها فعنده من الصورة بقدر ما عنده، ألا ترى
الحيوان يسمع ويبصر ويدرك الروائح والطعوم والحار والبارد ولا يقال فيه إنسان بل هو جمل
وفرس وطائر وغير ذلك؟ فلو كملت فيه الصورة قيل فيه إنسان، كذلك الإنسان لا يكمل
فيزول عنه الاسم العام إلى الاسم الخاص، فلا يسمى خليفة إلا بكمال الصورة الإلهية فيه إذ
العالم لا ينظرون إلا إليها، ولهذا لما لم تر الملائكة من آدم إلا الصورة الطبيعية الجسمية
المظلمة العنصرية الكثيفة قالت ما قالت، فلما أعلمهم الله بكمال الصورة فيه وأمرهم بالسجود
له سارعوا بالسجود له ولا سيما وقد ظهر لهم بالفعل في تعليمه الأسماء إياهم ولو لم يعلمهم
وقال لهم الله: إني أعطيته الصورة والشورة لأخذوها إيماناً وعاملوه بما عاملوه به لأمر الله،
فإذا كوشف الإنسان على الإنسان الكامل ورأى الحق في الصورة التي كساها الإنسان الكامل
يبقى في حيرة بين الصورتين لا يدري لأيتهما يسجد، فيخير في ذلك المقام بأن يتلى عليه:
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ففي الإنسان وجه الله من حيث صورته، وفي جانب
الحق وجه الله من حيث عينه، فلأي شيء يسجد قبل سجوده؟ فإن الله يقبل السجود للصورة
كما يقبله للعين، كما تحير رسول الله قية في مثل هذا المقام في منزلة أخرى لما قيل له حين
أسري به وأقيم في النور وحده فاستوحش وسبب استيحاشه إنما كان حيث أسري به بجسمه
في المنازل/ الباب الأربعون وثلاثمائة في معرفة المنزل الذي منه خبأ النبيّ وَّ لابن صياد ... ٢٣٣
العنصري فأدركته الوحشة بخروجه عن أصله ووقوفه في غير منزله فلم يستوحش منه وَالر إلا
حقيقة ما ظهر فيه من العناصر فناداه من ناداه بصوت أبي بكر، إذ كان قد اعتاد الأنس به فأنس
للنداء وأصغى إليه وزالت عنه تلك الوحشة بصوت أبي بكر، فقيل له لما أراد الدخول من
ذلك الموقف على الله: ((قف يا محمد إن ربك يصلي)) فتحير في نسبة الصلاة إليه وكان
محمد ◌َّ في مقام الصورة الإلهية الكاملة التي تستقبل بالصلاة والسجود لها فلما دنا استقبله
ربه بالصلاة له ولا علم له بذلك فناداه الاسم العليم المنسوب إليه الكلام بصوت أبي بكر
ليعرفه بمرتبة أبي بكر ويؤنسه به: ((قف إن ربك يصلي)) والوقوف ثبات وهو قبلة للمصلي
فوقف، وأفزعه ذلك الخطاب لأن حاله في ذلك الوقت التسبيح الذي روحه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فهذا الذي أفزعه، فلما تلي عليه عند ذلك: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ
وَمَلَبِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣] تذكر ما أنزله الله عليه في القرآن فزال
عنه رعب نسبة الصلاة إلى الله بما ذكره به، وكان من أمر الإسراء ما كان، وله موضع غير هذا
نذكره فيه إن شاء الله، فمن أقامه الله بين الصورتين لا يبالي لأيتهما سجد، فإن رأى هذا الذي
كوشف بالصورتين تصافح الصورتين دون سجود إحداهما للأخرى فهي علامة له على كمال
الصورة في حق ذلك الإنسان الخاص، وإن رأى السجود من الصورة الإنسانية للصورة
الأخرى الإلهية فيعلم عند ذلك أن الصورة الإنسانية للصورة الأخرى الإلهية فيعلم عند ذلك
أن الصورة الإنسانية الكاملة في مقام مشاهدة العين لا مشاهدة الصورة فيوافقها في السجود
لها، فإن رأى السجود من الصورة الإلهية للصورة الإنسانية هناك من قوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى
عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٣] لم يوافقها في السجود، فإن وافقها هلك، بل من حصل في ذلك المقام
يعرف الأمور على ما هي عليه فإنه يعلم أن الصلاة من الله على العبد الكامل لا للعبد الكامل،
والصلاة من العبد الكامل لله لا على الله، ومن حصل له هذا الفرقان جمع بين القرآن
والفرقان، وهذا مشهد عزيز ما رأيت له ذائقاً وهو من أتم المعارف.
ولما نزل القرآن نزل على قلب محمد وَل# وعلى قلوب التالين له دائماً التي في
صدورهم في داخل أجسامهم لا أعني اللطيفة الإنسانية التي لا تتحيز ولا تقبل الاتصاف
بالدخول والخروج فيقوم للنفس الناطقة القلب الذي في الصدر ليصير لها مقام المصحف
المكتوب للبصر، فمن هناك تتلقاه النفس الناطقة، وسبب ذلك أنه لما قام لها التفوق والفضل
على الجسم المركب الكثيف بما أعطيته من تدبيره والتصرف فيه ورأته دونها في المرتبة
لجهلها بما هو الأمر عليه وما علمت أنه من الأمور المتممة لكمالها فجعل الله القلب الذي في
داخل الجسم في صدره مصحفاً وكتاباً مرقوماً تنظر فيه النفس الناطقة فتتصف بالعلم وتتحلى
به بحسب الآية التي تنظر فيها فتفتقر إلى هذا المحل لما تستفيده بسببه لكون الحق اتخذه
محلاً لكلامه ورقمه فيه، فنزلت بهذا عن ذلك التفوق الذي كان قد أعجبت به وعرفت قدرها
ورأت أن ذلك القلب مهبط الملائكة بالروح الذي هو كلام الله، وما رأت تلك الملائكة النازلة
تنظر إليها ولا تكلمها إنما ترقم في القلب ما تنزل به، والنفس تقرأ ما نزل فيه مرقوماً فتعلم في
٢٣٤ في المنازل/ الباب الأربعون وثلاثمائة في معرفة المنزل الذي منه خبأ النبيّ وَّ لابن صياد ...
فهمها عن الله أن مراد الله بذلك تعليمها وتأديبها لما طرأ عليها من خلل العجب بنفسها،
فأقرت واعترفت بأن نسبة الله إلى كل شيء نسبة واحدة من غير تفاضل، فلم تر لها تفوقاً على
شيء من المخلوقات من ملا أعلى أو أدنى، ولا تفضيل ولا ترجيح في العالم، ولكن من
حيث الدلالة ونسبة الحق لا من حيث هو العالم، فإنه من حيث هو العالم يكون ترجيح
بعضهم على بعض ويظهر فيه التفاوت؛ فاعلم أن النفس الناطقة من الإنسان إذا أراد الله بها
خيراً كشف لها عن نطق جميع أجزاء بدنها كلها بالتسبيح والثناء على الله بحمده لا بحمد من
عندها، ولا ترى فيهم فتوراً ولا غفلة ولا اشتغالاً، ورأت ذاتها غافلة عما يجب لله تعالى
عليها من الذكر مفرطة مشتغلة عن الله بأغراضها متوجهة نحو الأمور التي تحجبها عن الله
والوقوف عند حدوده، فيعظم العالم عندها وتعلم أنه شعائر الله التي يجب عليها تعظيمها
وحرمات الله وتصغر عندها نفسها، وتعلم أن لو تميزت عن جسمها ولم يكن جسمها من
المتمات لها في نشأتها لعلمت أن الجسم ذلك المدبر لها أشرف منها، فلما علمت أن ذلك
الجسم أشرف منها علمت أن شرفه بما هو عليه من هذه الصفات هو عين شرفها، وأنها ما
أمرت بتدبيره واستخدمت في حقه وصيرت كالخديم له وتوجهت عليها حقوق له من عينه
وسمعه وغير ذلك إلا لشغله بالله وتسبيح خالقه، فعلمت نفسها أنها مسخرة له، فلو كانت هي
من الاشتغال باللّه في مثل هذا الاشتغال كان لها حكم جسمها، ولو وكل الجسم لتدبير ذاته
اشتغل عن التسبيح كما اشتغلت النفس الإنسانية، وإذا علمت أنها مسخرة في حق جسمها
عرفت قدرها وأنها في معرض المطالبة والمؤاخذة والسؤال والحساب، فتعين عليها في دار
التكليف أداء الحقوق الواجبة عليها لله وللعالم الخارج عنها ولنفسها بما يطلبه منها جسمها،
ولم تتفرّغ مع هذا الاشتغال إلى رؤية الأفضلية ولا تشوّفت لمعرفة المراتب، وهذه المرتبة
أعني مرتبة أداء الحقوق أشرف المراتب في حق الإنسان والخاسر من اشتغل عنها كما أن
الرابح من اشتغل بها .
واعلم أن الله تعالى إذا ذكر لك شيئاً بضمير الغائب فما هو غائب عنه، وإنما راعى
المخاطب وهو أنت والمذكور غائب عنك، فإذا ذكره بضمير الحضور من إشارة إليه وغيرها
فإنما راعاك، ومراعاة شهوده لا بد منها في كل حال، ولكن يفرق بين ما يحكيه الله من أقوال
القائلين وبين الكلام الذي يقوله من عند نفسه، فإذا كان الحق سمع العبد وبصره زالت الغيبة
في حق العبد، فما هو عند ذلك مخاطب بما فيه ضمير غائب، وقد وجد الخطاب لمن هذه
صفته بضمير الغائب فكيف الأمر؟ قلنا: لما كان العبد المنزل عليه القرآن مأموراً بتبليغه إلى
المكلفين وتبيينه للناس ما نزل إليهم، ومن الأشياء ما هي مشهودة لهم وغائبة عنهم، ولم
يؤمر أن يحرف الكلم عن مواضعه بل يحكي عن الله كما حكى الله له قول القائلين وقولهم
يتضمن الغيبة والحضور، فما زاد على ما قالوه في حكايته عنهم، وقيل له: ﴿بَلِغْ مَا أُنزِلَ
إِلَيكَ﴾ [المائدة: ٦٧] فلم يعدل عن صورة ما أنزل إليه فقال ما قيل له فإنه ما نزلت المعاني
على قلبه من غير تركيب هذه الحروف وترتيب هذه الكلمات ونظم هذه الآيات وإنشاء هذه
في المنازل/ الباب الأربعون وثلاثمائة في معرفة المنزل الذي منه خبأ النبيّ ◌َل لابن صياد ... ٢٣٥
السور المسمى هذا كله قرآناً، فلما أقام الله نشأة القرآن صورة فى نفسها أظهرها كما شاهدها
فأبصرتها الأبصار في المصاحف وسمعتها الآذان من التالين، وليس غير كلام الله هذا
المسموع والمبصر، وألحق الذم بمن حرّفه بعدما عقله وهو يعلم أنه كلام الله فأبقى صورته
كما أنزلت عليه، فلو بدل من ذلك شيئاً وغير النشأة لبلغ إلينا صورة فهمه لا صورة ما أنزل
عليه، فإنه لكل عين من الناس المنزل إليهم هذا القرآن نظر فيه، فلو نقله إلينا على معنى ما
فهم لما كان قرآناً أعني القرآن الذي أنزل عليه.
فإن فرضنا أنه قد علم جميع معانيه بحيث أنه لم يشذ عنه شيء من معانيه. قلنا: فإن
علم ذلك وهذه الكلمات تدل على جميع تلك المعاني فلأي شيء يعدل؟ وإن عدل إلى
كلمات تساويها في جميع تلك المعاني فلا بد لتلك الكلمات التي يعدل إليها من حيث ما هي
أعيان وجودية أعيان غير هذه الأعيان التي عدل عنها التي أنزلت عليه، فلا بد أن تخالفها بما
تعطيه من الزيادة من حيث أعيانها على ما جمعته من المعاني التي جمعتها الكلمات المنزلة،
فيزيد للناظر في القرآن معاني أعيان تلك الكلمات المعدول إليها وما أنزلها الله فيكون النبيّ قد
بلغ للناس ما نزل إليهم وما لم ينزل إليهم، فيزيدون في الحكم شرعاً لم يأذن به الله، كما
أيضاً ينقص مما أنزل الله أعيان تلك الكلمات التي عدل عنها، فكان الرسول قد نقص من
تبليغ ما أنزل إليه أعيان تلك الكلمات وحاشاه من ذلك، فلم يكن ينبغي له إلا أن يبلغ إلى
الناس ما نزل إليهم صورة مكملة من حيث الظاهر حروفها اللفظية والرقمية، ومن حيث
الباطن معانيها، ولذلك كان جبريل في كل رمضان ينزل على محمد وَل# يدارسه القرآن مرة
واحدة، فكانت له مع جبريل عليهما السلام في كل رمضان ختمة إلى أن جاء آخر رمضان
شهده رسول الله ◌َيّ فدارسه جبريل مرّتين في ذلك الرمضان فختم ختمتين، فعلم أنه يموت
في السنة الداخلة لا في سنة ذلك الرمضان، فكانت الختمة الثانية لرمضان السنة التي مات فيها
حتى تكون السنة له بعد موته، فمات في ربيع الأوّل وكان نزول القرآن في: ليلة القدر التي
هي ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] فأتى بغاية أسماء العدد البسيط الذي لا اسم بعده بسيط إلا
ما يتركب، كما كان القرآن أخر كتاب أنزل من الله، كما كان من أنزل عليه آخر الرسل
وخاتمهم، ثم أضاف ذلك الاسم الذي هو ألف إلى شهر بالتنكير فيدخل الفصول فيه والشهر
العربي قدر قطع منازل درجات الفلك كله لسير القمر الذي به يظهر الشهر، فلو قال: أزيد من
ذلك لكرر ولا تكرار في الوجود بل هو خلق جديد، ولو نقص بذكر الأيام أو الجمع لما
استوفى قطع درجات الفلك فلم تكن تعم رسالته ولم يكن القرآن يعم جميع الكتب قبله، لأنه
ماثم سير لكوكب يقطع الدرجات كلها في أصغر دورة إلا القمر الذي له الشهر العربي،
فلذلك نزل في ليلة هي خير من ألف شهر أي أفضل من ألف شهر، والأفضل زيادة والزيادة
عينها، وجعل الأفضلية في القدر وهي المنزلة التي عند الله لذلك المذكور، وكانت تلك الليلة
المنزل فيها التي هي ليلة القدر موافقة ليلة النصف من شعبان فإنها ليلة تدور في السنة كلها،
وأما نحن فإنا رأيناها تدور في السنة، وأنا رأيناها أيضاً في شعبان، ورأيناها في رمضان في كل
٢٣٦ في المنازل/ الباب الأربعون وثلاثمائة في معرفة المنزل الذي منه خبأ النبيّ وَّر لابن صياد ...
وتر من شهر رمضان، وفي ليلة الثامن عشر من شهر رمضان على حسب صيامنا في تلك
السنة، فأي ليلة شاء الله أن يجعلها محلاً من ليالي السنة للقدر الذي به تسمى ليلة القدر جعل
ذلك، فإن كان ذلك من ليالي السنة ليلة لها خصوص فضل على غيرها من ليالي السنة كليلة
الجمعة وليلة عرفة وليلة النصف من شعبان وغير تلك من الليالي المعروفة فينضاف خير تلك
الليلة إلى فضل القدر فتكون ليلة القدر تفضل ليلة القدر في السنة التي لا ينضاف إليها فضل
غيرها فاعلم ذلك .
ومن هذا المنزل نزل الروح الأمين على قلب محمد ول بسورتين: سورة القدر وسورة
الدخان وهما مختلفان في الحكم، فسورة القدر تجمع ما تفرقه سورة الدخان، وسورة الدخان
تفرق ما تجمعه سورة القدر، فمن لا علم له بما شاهده يتخيل أن السورتين متقابلتان ولم
يتفطن للمنزل الواحد الذي جمعهما ولم يتفطن لنشأته التي قامت من جمعها للمتقابلات
الطبيعية، وصاحب الكشف الصحيح إذا دخل هذا المنزل وكان له قلب وهو شهيد رأى أن
سورة القدر لا تقابل بينها وبين سورة الدخان، فإن سورة القدر تجمع ما تعطيه سورة الدخان
لتفرقه على المراتب، فتأخذه سورة الدخان فتقرقه على المراتب لأنها علمت من سورة القدر
أنها ما جمعت ذلك وأعطته إياها إلا لتفرقه، فسورة القدر كالجابية لسورة الدخان، هكذا هو
الأمر، وهما سورتان لهما عينان ولسانان وشفتان تعرفان وتشهدان لمن دخل هذا المنزل بأنه
من أهل المقام المحمود وأنه وراث مكمل .
ويتضمن هذا المنزل علم المطابقة والمناسبة والمراقبة، وعلم التلويح والرمز، وعلم
النفوذ في الأمور من غير مشقة لأن النفوذ في الأمور بطريق الفكر من أعظم المشقات، وعلم
الإبانة والكشف، وعلم النشآت الطبيعية هل حكمها حكم النشآت العنصرية أم لا؟ وعلم
الفرق بين الأنوار والظلم ولماذا يرجع النور والظلمة وهما حجابان بين الله وعباده وما يلي
العباد من هذه الحجب وما يلي الحق منها وهل ترفع لأحد أو لا تزال مسدلة؟ وهل تعطي
هذه الحجب تحديد المحجوب أم لا؟ فإن أعطت التحديد للمحجوب فبأي نشأة تقيده
وتحده؟ هل بنشأة عنصرية أو طبيعية؟ وإن لم تقيده فبماذا تلحقه؟ هل بما لا يقبل التحيز من
العالم فلا يتصف بالدخول في الأجسام ولا بالخروج منها أو تقضي عليه بحكم يخصه خارج
عن حكم ما لا يتحيز فلا يقبل المكان ولا الحلول؟ وعلم الرحمة التي يتضمنها الإنذار ممن
كان، وعلم الأذواق، وعلم ما يشقى من الأسماء مما يسعد، وعلم تعلم اليقين، وعلم التنزيه
في الربوبية وهو صعب التصوّر، وعلم مرتبة العلم من مرتبة الشك خاصة وما تعطي كل مرتبة
منهما لمن حل فيها ونزل بها، وعلم العذاب أهو من علم الآلام أو هو من علم اللذات؟
وعلم عدم قبول التوبة عند حلول البأس وقبولها من قوم يونس خاصة، وعلم نفوذ قضاء
السوابق هل تنفذ بالشر على من هو على بصيرة أو هل هو مختص بالمحجوبين؟ وعلم طبقات
العذاب، وعلم الابتلاء وطبقاته، وعلم النصائح، وعلم أهل العناية عند الله مع شمول الرحمة
للجميع وقد ابتلوا أهل العناية في الدنيا بما به ابتلي من ليس منهم في الآخرة، ولماذا نرجع
٢٣٧
في المنازل/ الباب الأحد والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل التقليد في الأسرار
عناية الله بأهله مع الابتلاء والبلاء هل لاقتضاء الدارين أو لاقتضاء سابق العلم؟ وعلم وجود
الحق بوجوهه في كل فرد فرد من العالم كله، وعلم توقيت الجمع الأخير من الجموع الثلاثة،
وعلم الاستثناء لماذا يرجع؟ وعلم أين يذهب الجهل والظن والشك والعلم بأصحابهم، وعلم
تقدم الموت على الحياة ومعلوم أن الموت لا يكون إلا عن حياة، وعلوم هذا المنزل كثيرة
فقصدنا منها إلى التعريف بالأهم من ذلك مما تتعلق السعادة بالعلم به، وإن كان العلم كله
عين السعادة لكن في العموم ليست السعادة إلا حصول اللذات ونيل الأغراض والفوز من
الآلام، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الأحد والأربعون وثلاثمائة
في معرفة منزل التقليد في الأسرار
[البسيط]:
في كُلِّ حُكُم من الأحكام تقليدُ
لولاه ما كانّ لي في علمنا قَدَمٌ
إنّ الخلافة تقليدٌ وسلطنةٌ
هي الأمانة ما يَنْفَكُ صاحبُها
جميعُ من في وجود الله يَرْقُبُهُ
حَلَّهُ ربّي بما تعطيه حضرتُه
سواهُ فهو إمامُ الخَلْقِ كُلْهِمُ
وفيه سَلْطَنَةٌ فينا وتَأْبِيدُ
به ولا كان تنزيلٌ وتوحيدُ
فَهْيَ الإمامُ الذي للحقّ مَشْهُودُ
في طاعةٍ وهو عند الله محمودُ
في سِرِّهِ فهو في الأكوان مقصودُ
من الصفاتِ فما في العلم مَوْجودُ
وهو الإلهُ فمجهولٌ ومحدودُ
اعلم أيدنا الله وإياك بروحه القدسي أن التقليد هو الأصل الذي يرجع إليه كل علم
نظري أو ضروري أو كشفي؛ لكنهم فيه على مراتب، فمنهم من قلد ربه وهم الطائفة العلية
أصحاب العلم الصحيح، ومنهم من قلد عقله وهم أصحاب العلوم الضرورية بحيث لو
شككهم فيها مشكك بأمر إمكاني ما قبلوه مع علمهم بأنه ممكن ولا يقبلونه. فإذا قلت لهم في
ذلك يقولون: لأنه لا يقدح في العلم الضروري وأمثلته كثيرة لا أذكرها من أجل النفوس
الضعيفة لقبولها فيؤدي ذلك إلى ضرر وهوس فذلك يمنعني أن أبينها، ومنهم من قلد عقله
فيما أعطاه فكره وما ثم إلا هؤلاء فقد عم التقليد جميع العلماء والتقليد تقييد فما خرج العالم
عن حقيقته فإنه الموجود المقيد، فلا بد أن يكون علمه مقيداً مثله، والتقييد فيه عين التقليد،
غير أنه ذم في بعض المواطن وهي معلومة، وحمد في بعض المواطن وهي معلومة، وليس
في المنازل أصعب مرتقى من هذا المنزل هو أصعب من منزل عقبات السويق، لأن صاحب
ذلك المنزل تارة وتارة، وصاحب هذا المنزل ثابت القدم فيه، فإذا كان التقليد هو الحاكم ولا
بدّ ولا مندوحة عنه فتقليد الرب أولى فيما شرع من العلم به فلا تعدل عنه فإنه أخبرك عن
نفسه في العلم به فيما قلدت فيه عقلك من حيث تقليده لفكره الناظر به في دليله وأعطاك
نقيضه من العلم به، والأصل في العالم الجهل والعلم مستفاد، فالعلم وجود والوجود لله،
٢٣٨
في المنازل/ الباب الأحد والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل التقليد في الأسرار
والجهل عدم والعدم للعالم، فتقليد الحق الذي له الوجود أولى من تقليد من هو مخلوق
مثلك، فكما استفدت منه سبحانه الوجود فاستفد منه العلم فقف عند خبره عن نفسه بما أخبر
ولا تبال بالتناقض في الأخبار فإنه لكل خبر مرتبة ينزل ذلك الخبر فيها وأنت الحضرة الجامعة
لتلك المراتب، فكن على بينة من ربك لم تقل من عقلك لأنه لا يحيلك إلا على نفسه لأنه
خلقك له فلا يعدل بك عنه، فإذا تجلى لك في ضرورة عقلك وجدت استنادك ولا بدّ إلى أمر
ما لا تعلمه من حيث تقليدك لهذه الضرورة العقلية، فإذا تجلى لك في نظر عقلك وجدت في
نفسك أن هذا الذي استندت إليه في وجودك أمر وجودي لا يشبهك إذ عينك وكل ما يقوم بك
ويكون وصفاً لك محدث مفتقر إلى موجد مثلك، فيقول لك عقلك من حيث نظره إن هذا
الموجود ليس مثله شيء من العالم وأنت جميع العالم، لأن كل جزء من العالم يشترك مع
الكل في الدلالة على ما قرّرناه، وإذا تجلى لك في الشرع أبان لك عن التفاوت في مراتب
العالم فتجلى لك في كل مرتبة، فقلد في ذلك الشارع حتى يكشف لك فترى الأمر على
صورة ما أنت به، فقلدت ربك فرأيته مشبهاً ومنزهاً فجمعت وفرقت ونزهت وشبهت، وكل
ذلك أنت لأنه تجل إلهي في المراتب، وأنت الجامع لها وهي لك وللعالم كله وهي الحاكمة
على كل من ظهر فيها فينصبغ في عين الناظر إليه بها، ولذلك قلت لك: وكل ذلك أنت فإن
العالمين من العلامة والعلامة لا تدل إلا على محدود، فلا تدل إلا عليك: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ
اُلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فالعالم لا يدل على العلم بذاته وإنما يدل على العلم بوجوده.
فاعلم أن الحق هو على الحقيقة أم الكتاب، والقرآن كتاب من جملة الكتب إلا أن له
الجمعية دون سائر الكتب، ومع هذا فإنه صفة الحق، والصفة تطلب من تقوم به، والنسبة
تطلب من تنسب إليه، فلذلك قلنا فيه إنه أم الكتاب الذي عنه خرجت الكتب المنزلة
واختلفت الألسنة به لقبوله إياها بحقيقته، فقيل فيه: إنه عربيّ، وإنه عبرانيّ، وإنه سريانيّ
بحسب اللسان الذي أنزل به، وهذا هو عين الجعل في القرآن، وعين نسبة الحدوث إليه في
قوله: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فهو محدث الإتيان وما هو
الإتيان عين الإنزال، كما أنه ليس بعين الجعل، والجعل يكون بمعنى الخلق وبغيره، فما
ينسب إلى القرآن من قوله ((محدث)) فهو من حكم الجعل الذي بمعنى الخلق فلا فرق بين
قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] وبين قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُزْءَانًا عَرَبِيًّا﴾
[الزخرف: ٣] في الحكم.
واعلم أن تحقيق عندية كل شيء راجعة إلى نفسه ولهذا قال: ﴿مَا عِندَكُمُ يَنْفَدِّ﴾ فإن
حكمكم النفاد ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] فإنه له البقاء، فلو كانت عندية الشيء غير نفس
الشيء ما نفد ما عندنا لأنا وما عندنا عند الله وما عند الله باق، فنحن وما عندنا باق، فتبين لك
أن عندية كل شيء نفسه، والعندية في اللسان ظرف مكان أو ظرف محلي كالجسم للعرض
اللوني الذي يدركه البصر فهو أجلى فيما ترومه منه الدلالة فهو بحيث محله، وصاحب المكان
ما هو بحيث المكان، والعندية جامعة للأمرين، ولما لم يمكن في التقليد الضروري أن يجحد
٢٣٩
في المنازل/ الباب الأحد والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل التقليد في الأسرار
أحد من استند إليه في وجوده لذلك أقرّ به من من شأنه الإنكار والجحود. فإن قلت:
فالمعطِّلة أنكرت. قلنا: المعطلة ما أنكرت مستنداً وإنما أنكرت وعطلت الذي عينتموه أنتم
أنه المستند ما عطلت المستند فقلتم أنتم هو كذا فعطلته المعطلة وقالت: بل المستند كذا،
فكما أن أولئك معطلة أنتم أيضاً معطلة تعطيلهم، لكن اختص أولئك باسم المعطلة وهم على
ضروب في التعطيل محل العلم بذلك، وأمثاله العلم بالنحل والملل وهو علم لا ينبغي
للمؤمن أن يقرأه ولا ينظر فيه جملة كما يتعين على أهل الله أن يعرفوا علم كل نحلة وملة بالله
ليشهدوه في كل صورة فلا يقومون في موطن إنكار لأنه تعالى سار في الوجود فما أنكره إلا
محدود، وأهل الله تابعون لمن هم له أهل فيجري عليهم حكمه، وحكمه تعالى عدم التقييد
فله عموم الوجود فلأهله عموم الشهود، فمن قيد وجوده قيد شهوده وليس هو من أهل الله.
واعلم أن الله لما مهد هذه الخليقة جعلها أرضاً له فوصف نفسه بالاستواء وبالنزول إلى
السماء وبالتصرف في كل وجهة الكون موليها ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ﴿فَوَلِ
وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] فإنه لا يرفع حكم أن وجه الله حيثما توليت،
ولكن الله اختار لك ما لك في التوجه إليه سعادتك ولكن في حال مخصوص وهي الصلاة
وسائر الأينيات ما جعل الله لك فيها هذا التقييد، فجمع لك بين التقييد والإطلاق، كما جمع
لنفسه بين التنزيه والتشبيه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
فالعالم كله أرض ممهدة ﴿لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] هل ترى من تفاوت ﴿فَأَرْجِع
الْبَصَرَ ﴾ [الملك: ٣] ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] والحق صفة العالم لأن صفته الوجود
وليس إلا لله، ولذلك ورد في الخبر الصحيح: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) وهكذا جميع قواه
وصفاته، فلما كان العالم ظرفاً مكانياً لمن استوى عليه ظهر بصورته. سئل الجنيد عن المعرفة
والعارف فقال: ((لون الماء لون إنائه))، فجعل الأثر للظرف في المظروف وذلك لتعلم من
عرفت فتعلم أنك ما حكمت على معروفك إلا بك فما عرفت سواك، فأيّ لون كان للإناء
ظهر الماء للبصر بحسب لون الإناء، فحكم من لا علم له بأنه كذا لأن البصر أعطاه ذلك فله
التجلي في كل صورة من صور الأواني من حيث ألوانها، فلم يتقيد في ذاته الماء ولكن هكذا
تراه، وكذلك تؤثر فيه أشكال الظروف التي يظهر فيها وهو ماء فيها كلها، فإن كان الوعاء
مربعاً ظهر في صورة التربيع، أو مخمساً ظهر في صورة التخميس، أو مستديراً ظهر في صورة
الاستدارة لأن له السيلان، فهو يسري في زوايا الأوعية ليظهر تشكلها، فهو الذي حمل
الناظرين لسريانه أن يحكموا عليه بحكم الأوعية في اللون والشكل، فمن لم يره قط إلا في
وعاء حكم عليه بحكم الوعاء ومن رآه بسيطاً غير مركب علم أن ما ظهر فيه من الأشكال
والألوان إنما هو من أثر الأوعية فهو في الأوعية كما هو في غير وعاء بحده وحقيقته، ولهذا
ما زال عنه اسم الماء فإنه يدل عليه بحكم المطابقة فهذه الأوعية له كالسبل في الأرض
للسالك فيها فينسب السالك في كل سبيل منها إلى أنه طالب غاية ذلك السبيل الذي سلك
عليه ﴿فِي أَِّ صُورَةٍ مَا شَآءَ رَّكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] من صوره فيكون هو الظاهر لا أنت، لأن الظهور
٢٤٠
في المنازل/ الباب الأحد والأربعون وثلاثمائة في معرفة منزل التقليد في الأسرار
للصور لا للعين، فالعين غيب أبداً، والصور شهادة أبداً .
ثم إنه لما خلق من كل شيء زوجين بين لنا أن في أرض العالم نجدين: نجد تكون
غايته أنت عند قوم، ونجد عند هؤلاء القوم يكون غايته هو أعني الحق، وأما عند قوم آخرين
فالنجد الواحد تكون غايته أنت في هو، والنجد الآخر يكون غايته هو في أنت، وأما عند قوم
آخرين فالنجد الواحد تكون غايته أنت عين هو، والنجد الآخر تكون هو عين أنت، وأما عند
قوم آخرين فيكون غاية النجدين هو وعين النجدين أنت وعين السالك هو، وأما عند قوم
آخرين فيكون غاية النجدين وعين النجدين وأنهما عين اليدين وعين السالك أنت، وكل من
ذكرناه على صراط مستقيم، فتعويج القوس للرمي عين صراطه المستقيم، فلا يزالون مختلفين
إلا من رحم ربك فما زلنا من الخلاف لأنهم قد خالفوا المختلفين ولذلك خلقهم فما تعدّى
كل خَلْقِ ما خُلِقَ له، فالكل طائع وإن كان فيهم من ليس بمطيع مع كونه طائعاً.
ولما كان الاستواء صفة للحق على العرش وخلق الإنسان على صورته جعل له مركباً
سماه فلكاً كما كان العرش فلكاً، فالفلك مستوى الإنسان الكامل، وجعل لمن هو دون
الإنسان الكامل مركباً غير الفلك من الأنعام والخيل والبغال والحمير ليستوي الإنسان على
ظهور هذه المراكب، وشاركهم في ركوبها الإنسان الكامل، فالكامل في الناس يستوي على
كل مركوب، وغير الكامل لا يستوي على الفلك إلا بحكم التبعية لا لعينه كما ورد في اليقين
حين قال عليه السلام في عيسى عليه السلام: ((لَو ازْدَادَ يَقِيناً لَمَشَى فِي الهَوَاءِ)) يشير إلى
إسرائه، ومعلوم أن عيسى عليه السلام أكثر يقيناً منا لا من النبيّ وَّ ونحن نمشي في الهواء
بحكم التبعية لمن نحن أمته وهو لا بأنا أكثر في اليقين من عيسى عليه السلام، كما أن أمة
عيسى عليه السلام قد مشت على الماء كما مشى عليه السلام على الماء؛ ولكن نعلم وإن كان
الأمر في هذا في حقنا بحكم التبعية أن كل الأمة ما مشت في الهواء كما مشى محمد وَلّ لأنه
لم یکن بعض أمته تابعاً له في کل ما أمر بأن یتبع فیه، فمن وفی بحق اتباعہ کان له حکمه كما
قال: ﴿أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِّى﴾ [يوسف: ١٠٨] وأين المشي في الهواء في
الشرف لمن يكون الحق سمعه وبصره في الدؤوب على نوافل الخيرات المنتجة أو المنتج
ذلك الدؤوب عليها لمحبة الله إياه، وتلك المحبة أنتجت له أن يكون الحق سمعه وبصره؟
فهذا معنى قولنا بحكم التبعية لما أمر به ونهى عنه، لا من كوننا أمة له فقط بل من المجموع
وهو اتباع خاص لأنه نبيّ معين خاص دون غيره، فيورث أتباع شريعته بالعمل ما يكون عليه
من أحوال رسول تلك الشريعة وهذه عناية من الله تعالى، فإن أمة كل نبيّ لا تطيق حال نبيها،
إذ لو أطاقته لكانت مِثْلاً له فتستقل بالأمر دونه، وليس الأمر كذلك فإنه لو طلع حيثما طلع لا
يزال تابعاً، وقد أبان {وَلّ عن مثل هذا فقال: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ
بِهَا)) فله الزيادة عليهم بما له من أجرها الزائد على أجر العاملين بها، وليس لهم ذلك الأجر
الخاص به، فلا يلحقونه أبداً في ذلك المقام، فهم تابعون له دنيا وآخرة وكشفاً، والرسل
عليهم السلام منهم ظهرت السنن فلا تزال أممهم أتباعاً لهم أبداً.