النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
في المنازل / الباب الثاني والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الحراسة الإلهية ...
الحكيم من الكريم من المحصي من المسطور من المرقوم من المعنوي من الحسي من الأم
من الإمام إلى غير ذلك من أصناف الكتب والكتاب، فإن الله كتب التوراة بيده وكتب القلم
بنفسه عن أمر ربه في اللوح المحفوظ، ومرتبة كل كاتب وما كتب من الكتابة في الأرحام وهم
كتاب الخلق والرزق، والأجل والشقاء والسعادة والكرام الكاتبون، والفرق بين المكتوب فيه
من لوح محفوظ وألواح غير محفوظة ورق وغير ذلك وصور الكتابة الإلهية من غيرها، هذا
كله يعلم من هذا المنزل ويشهده من دخله، وعلم المعمور من العالم من غير المعمور وغير
المعمور هل معمور بما لا تدركه أبصارنا أو ليس بمعمور في نفس الأمر وعمارة الأمكنة بما
يتكوّن فيها من نبات أو حيوان أو معدن أو ما ينزل فيه من حق وملك وجان والفرق بين الاسم
الإلهيّ العلي والرفيع ولماذا جاء الاسم الرفيع مقيداً بالإضافة والعلي مطلقاً من غير تقييد،
وعلم كيفية انقلاب الضد إلى ضده إذا جاوز حده هل ذلك من حيث جوهره أو جوهر
صورته؟ وعلم الإيلاء الإلهيّ بنفسه وبالموجودات والمعدومات، وعلم المقسم عليه في
تقييده بالماضي وهو الواقع أو بالمستقبل الذي لا بد من وقوعه حكماً أو وجوده عيناً، ولماذا
اختص المقسوم عليه بالقسم دون غيره وهو من حيث هو عالم واحد، وعلم القضاء هل له
راد أم لا؟ وذلك الراد هل هو منه أو أمر آخر اقتضاه شرط بالرفع أو بالثبوت؟ وعلم تغير
النعوت على المنعوت بها هل كل متغير قام التغير بذاته أو كان التغير في حكمه لا في عينه ولا
في صفته إن كان ذا صفة، وعلم السبب المؤدي إلى الجحد مع العلم وأنه لا ينزل منزلة
الجاهل في الحكم وهل الجاهل معذور أم لا؟ وعلم العلم المحمود من العلم المذموم وهل
الذم له عرضي عرض له من المعلوم أم لا أثر له فيه لا بالحكم العرضي ولا الذاتي، وهل
للعلم أثر محسوس في النفس والحس أم لا أثر له إلا في النفس كمن يعلم أنه تقع به مصيبة
ولا بد فيتغير لذلك مزاجه ولونه وحركته ويتبلبل لسانه ويقول ولا يدري ما يقول فإن العلم أثر
في النفس خوفاً، وهذه الآثار آثار وجود الخوف عنده ما هي آثار العلم لأن العلم قد يقع في
نفس القوي الذي يحكم على نفسه فلا يؤثر فيها خوفاً فلا يتغير مع وجود العلم، وعلم الأمر
الذي يعذب به الكاذب، وهل يعذب بأمر عدمي لمناسبة الكذب أو يعذب بأمر وجودي لكون
الكذب له مرتبة وجود في الوجود الذهني وحينئذ يعبر عنه الكاذب فهل عقوبته مثل نسبته إلى
الحس فيكون بأمر عدمي أو بمثل نسبته إلى الخيال فيكون بأمر وجودي متخيل وهي علوم
عجيبة في المشاهدات لا علم لعلماء الرسوم والنظار بهذه الموازنات لجهلهم بالميزان
الموضوع الذي وضعه الله عند رفع السماء وبسط الأرض بين السماء والأرض وأنه مع كونه
موضوعاً هو بيد الحق المسمى بالدهر يخفض ويرفع، وعلم السحر لماذا يرجع وهل فيه
محمود وما فعله؟ وعلم السواء في قوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنَذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[البقرة: ٦] وقوله: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ
لَّمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَن يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وقوله: ﴿فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَآءُ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور:
١٦] وموطن الدنيا الذي وقع فيه الاستغفار يقتضي أن يقبل بخلاف موطن الآخرة، فكما أنه

١٨٢
في المنازل/ الباب الثالث والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل «خلقت الأشياء من أجلك ...
استوى عندهم الإنذار وعدم الإنذار فلم يؤمنوا، كذلك استوى في حقهم في الآخرة وجود
الصبر وعدمه فلم يؤثر في نفوذ الجزاء الوفاق، وعلم الاعتماد على غير الله مما يحمد الله أن
يعتمد عليه ما أثره في الدار الآخرة في الجزاء الوفاق، وعلم سبب النكاح الذي لا يكون عنه
التناسل لإبقاء ذلك النوع، وعلم سبب المعاطاة من غير حاجة إذ المعاطاة لا تكون إلا في ذي
حاجة، وعلم وجود الامتنان مع المعاوضة في البيوع لا في الهبات لأن الامتنان في الهبات
معقول ولهذا شرعت المكافأة عليه ليضعف سلطان الامتنان والسبب الذي يرفع الامتنان من
العالم ولمن ينبغي الامتنان مع المعاوضة، وعلم الفرق بين الكهانة والوحي، وعلم ما هو
الهوى والعقل الذي يقابله، وعلم من أين خلق العالم هل من شيء أو من لا شيء؟ وعلم هل
تتفاضل الأرواح في القوّة فيؤثر بعضها في بعض كالقوى الجسمانية أم لا؟ وعلم الخزائن
الإلهية وما اختزن فيها وأين مكانها؟ وعلم عندية الحق هل هي نسبة أو ظرف وجودي؟ وعلم
ترقي العالم الطبيعي على أي معراج يكون هل على طبيعي فيفتقر أيضاً إلى معراج أو على غير
طبيعي؟ وعلم صورة تأثير المعاني اللطيفة في الأجرام الكثيفة، وعلم تأثير القصد في الأفعال،
وعلم ما ينبغي أن يكون عليه الإله من الصفات، وعلم سبب خيبة الظنون في وقت دون
وقت، وعلم أحوال التنزيه فهذا بعض ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم قد ذكرناه لتتوفر
همة الطالب على طلبها من الله أو من العالم بها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث والثلاثون وثلاثمائة
في معرفة منزل «خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي
فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك» وهو من الحضرة الموسوية
[البسيط]
من كل خير ولا تُجْزَى بما اكْتَسَبَتْ
إِنَّ النُّفُوسَ لتُجْزَى بالذي كسبتْ
جَنَيْتَ من خَيْر يوم الدين ما غَرَسَتْ
ما الاكتسابُ بكَسْبِ إِن عَمِلْتَ به
اعلم أيدك الله أن الله تعالى خلق جميع من خلق في مقام الذلة والافتقار وفي مقامه
المعين له فلم يكن لأحد من خلق الله من هؤلاء ترق عن مقامه الذي خلق فيه إلا الثقلين، فإن
الله خلقهم في مقام العزة وفي غير مقامهم الذي ينتهون إليه عندد انقطاع أنفاسهم التي لهم في
الحياة الدنيا، فلهم الترقي إلى مقاماتهم التي تورثهم الشهود والنزول إلى مقاماتهم التي تورثهم
الوقوف خلف الحجاب فهم في برزخ النجدين ﴿إِمَّا شَاكِرًا﴾ فيعلو ﴿وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]
فيسفل، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ما قال إلا في
العبادة، فلما جعل العبادة بأيديهم وجعلها المقصود منه بخلقهم فمنهم من قام بما قصد له
فكان طائعاً مطيعاً لأمر الله الوارد عليه بالأعمال والعبادة فإنه قال لهم: ﴿فَأَعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:
٢٥] كما أخبر: ﴿إِنَِّىّ أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَأْ فَأَعْبُدْنِ﴾ [طه: ١٤] هذا أمر بعبادة ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤] هذا أمر بعمل والعمل ما هو عبادة فالعمل صورة والعبادة روحها،

١٨٣
في المنازل / الباب الثالث والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل («خلقت الأشياء من أجلك ...
فالعبادة مقبولة عند الله على كل حال اقترنت بعمل أو لم تقترن، والعمل لغير عبادة لا يقبل
على كل حال من حيث القاصد لوقوعه الذي هو النفس المكلفة، لكن من حيث إن العمل
صدر من الجوارح أو من جارحة مخصوصة فإنها تجزى به تلك الجارحة فيقبل العمل لمن
ظهر منه ولا يعود منه على النفس الآمرة به للجوارح شيء إذا كان العمل خيراً بالصورة كصلاة
المرائي والمنافق، وجميع ما يظهر على جوارحه من أفعال الخير الذي لم تقصد به النفس
عبادة، وأما أعمال الشر المنهي عنها فإن النفس تجزى بها للقصد والجوارح لا تجزى بها لأنه
ليس في قوتها الامتناع عما تريد النفوس بها من الحركات فإنها مجبورة على السمع والطاعة
لها، فإن جارت النفوس فعليها، وللجوارح رفع الحرج بل لهم الخير الأتم وإن عدلت
النفوس فلها وللجوارح فإن النفوس ولاة الحق على هذه الجوارح، والجوارح مأمورة مجبورة
غير مختارة فيما تصرف فيه فهي مطيعة بكل وجه والنفوس ليست كذلك، ومن النفوس من لم
يقم بما قصد له فكان عاصياً مخالفاً أمر الله حين أمره بالأعمال والعبادة، فالطائع يقع منه
العبادة في حالة الاضطرار والاختيار وإن لم يكن مطيعاً من حيث الأمر بالعمل، فإن كان
مطيعاً طائعاً فقد فاز بوقوع ما قصد له فى الخلق والأمر فإن الله الخلق والأمر تبارك الله رب
العالمين وأما العاصي فلا تقع منه العبادة إلا في حال الاضطرارلا في حال الاختيار، ويقع منه
صورة العمل لا العمل المشروع له فهو مخالف لأمر الله فلم يقم بما قصد له من الخلق والأمر
ولما خلق الله الثقلين في هذا المقام الذي قصده بخلقهم وهو أجلية الحق فرغهم لذلك حتى
لا يقوم لهم حجة بالاشتغال بما به قوامهم، فخلق الأشياء التي بها قوامهم خاصة من أجلهم
ليتفرغوا لما قصد بهم فقامت عليهم حجة الله إذا لم يقوموا بما خلقوا له .
ثم إنه علم من بعضهم أنه يقوم له شبهة في السعي فيما خلق من أجله في حق الغير لما
بلغه أن الله يقول: ((جِعْتُ فلم تُطْعِمْني)) وقال، لما قال له العبد: يا رب وكيف تطعم وأنت رب
العالمين؟ فقال الله له: ألم تعلم أنه استطعمك فلان فلم تطعمه أما أنك لو أطعمته وجدت ذلك
عندي، فأنزل الحق نفسه منزلة ذلك الجائع، فلما لاحت له هذه الشبهة قال: نسعى في حق
الغير وننتفع بما نسعى به بحكم التبع فقال الله له: ما فهمت عني ما أريد منهم من رزق وما أريد
أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوّة المتين لا أنتم، فما بقيت لهم حجة بتمام الآية .
وأما اعتمادهم على ذلك الخبر فلا يقوم لهم به حجة عند الله، فإنه لما خلق الأشياء من
أجلك التي بها قوامك أعطاك إياها وأوصلها إليك ليكون بها قوامك، ثم أفضل لبعضهم من
ذلك ما يزيد على قوامهم ليوصله إلى غيره ليكون به قوام ذلك الغير ويحصل لهذا أجر أداء
الأمانة التي أمنه الله عليها فذلك هو الذي عتبه الحق حيث استطعمه فلان وكان عنده ما يفضل
عن قوامه فلم يعطه إياه، فلم يلزم من هذا الخبر أن يسعى في حق الغير وهو المراد في تمام
الآية في قوله: ﴿مَا أُرِدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧].
ولما خلق الله الإنسان وأعطاه الجدل قال بعضهم: لما استطعمني فلان وعندي ما
يفضل عن قوامي فلو كان لهذا المستطعم أمانة عندي ما استطعت إمساكها فلذلك لم نطعمه،

١٨٤
في المنازل/ الباب الثالث والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل ((خلقت الأشياء من أجلك ...
فقيل له ما قيل لإبليس متى علمت أنه ليس له أبعد ما منعته أو قبل ذلك أعطاك الله علم
الكشف أنه ليس لهذا أو عين لك صاحبه أو ما علمت أنه ليس له إلا بعد حصول المنع منك
وانصرافه عنك فلا بد أن يقول بعد المنع علمت ذلك فيقال له بذلك أخذت فإن إبليس قال
للحق أمرتني بما لم ترد أن يقع مني فلو أردت مني السجود لآدم لسجدت فقال الله له: ((متى
علمت أني لم أرد منك السجود بعد وقوع الإباية منك وذهاب زمان الأمر أو قبل ذلك؟» فقال
له: بعد ما وقعت الإباية علمت أنك لو أردت السجود مني لسجدت، فقال الله له بذلك:
((أخذتك ولم يؤاخذ أحد إلا بالجهل))، فإن أهل العلم الذين طالعهم الله بما يحدثه من الكوائن
في خلقه قبل وقوعها لا يؤاخذون على ما لم يقع منهم مما أمروا به بالواسطة أن يقع منهم
فإنهم في عين القربة بالاطلاع، وليس المراد بامتثال الأمر إلا القربة ومحل القربة ليس بمحل
تكليف، فإذا وقع من المقربين أعمال الطاعات فبشهود فإنهم على بينة من ربهم فهم عاملون
من حيث شهودهم الأمر الإلهي من غير الواسطة التي جاءت به، فهم بالصورة في الظاهرة
أتباع الأمر الواسطة، وفي الباطن أصحاب عين لا أتباع.
فالحاصل من هذا أنه من لم يغب عن عبوديته لله في كل حال فقد أدى ما خلق له وكان
طائعاً، وسواء كان مطيعاً أو مخالفاً فإن العبد الآبق لا يخرجه إباقه عن الرق، وإنما يخرجه
عن لوازم العبودية من الوقوف بين يدي سيده لامتثال أوامره ومراسمه، ألا ترى اسم العبودية
ينسحب عليه سواء كان مطيعاً أو مخالفاً؟ كما يبقى اسم البنوّة على الابن سواء كان باراً أو
عاقاً، فالعبد الذي وفى ما خلق له لا يخلو أمره في نفسه من حالتين: إما أن يكون مشهوده
قيمته فهو يقوم في مقام قيمته فيصحبه الانكسار والتسليم والخضوع، وإما أن يقام في حال
الاعتزاز بسيده فيظهر عليه العجب بذلك، والنخوة كعتبة الغلام لما زهى فقيل له في ذلك
فقال: وكيف لا أزهو وقد أصبح لي مولى وأصبحت له عبداً كما هو الأمر في نفسه، ولكن
الفضل في أن يكون ذلك الأمر مشهوداً له، فهاتان حالتان محمودتان تشهد كل واحدة منهما
للعبد بأنه وفى بما خلق له وبقي أيّ الحالتين أولى بالعبد هل شهود القيمة أو الاعتزاز بالسيد؟
فمن قائل بهذا ومن قائل بهذا.
والصحيح عندي عدم الترجيح في ذلك لما نذكره، وذلك أن المقامات والمواطن
تختلف، فالموطن الذي يطلب ظهور الاعتزاز باللّه لا ينبغي أن يظهر فيه العبد إلا بالاعتزاز
بالله، والموطن الذي يقتضي ويطلب بذاته شهود العبد قيمته لا ينبغي أن يظهر فيه هذا العبد
إلا بشهود قيمته، وقد احتج بعضهم في الاعتزاز بقوله تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾
[الشعراء: ٢١] وبأمره تعالى ففروا إلى الله وهذه حجة للفريقين فإنه قد يفر إلى الله لطلب الاعتزاز
بالله، وقد يفر إلى الله لتكون ذلته إلى الله وحاجته لا إلى غيره، إذ هو مفطور على الحاجة
والافتقار، ولهذا قال بعد الأمر بالفرار إلى الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرٌ ﴾ [الذاريات:
٥١] تفتقرون إليه بل فروا إلى الله في طلب حوائجكم منه التي فطرتم عليها.
وأما فرار موسى عليه السلام الذي علله بالخوف من فرعون وقومه فما كان خوفه إلا

١٨٥
في المنازل/ الباب الثالث والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل ((خلقت الأشياء من أجلك ...
من الله أن يسلطهم عليه إذ له ذلك ولا يدري ما في علم الله، فكان فراره إلى ربه ليعتز به
فوهبه ربه حكماً وعلماً وجعله من المرسلين إلى من خاف منهم بالاعتزاز بالله، وأيده بالآيات
البينات ليشد منه ما ضعف مما يطلبه حكم الطبيعة في هذه النشأة، فإن لها خوراً عظيماً لكونها
ليس بينها وبين الأرواح التي لها القوّة والسلطان عليها واسطة ولا حجاب، فلازمها الخوف
ملازمة الظل للشخص، فلا يتقوى صاحب الطبيعة إلا إذا كان مؤيداً بالروح فلا يؤثر فيه خور
الطبيعة، فإن الأكثر فيه إجراء الطبيعة وروحانيته التي هي نفسه المدبرة له موجودة أيضاً عن
الطبيعة فهي أمّها وإن كان أبوها روحاً فللأم أثر في الابن فإنه في رحمها تكوّن وبما عندها
تغذى، فلا تتقوى النفس بأبيها إلا إذا أيدها الله بروح قدسي ينظر إليها، فحينئذ تقوى على
حكم الطبيعة فلا تؤثر فيها التأثير الكلي، وإن بقي فيه أثر فإنه لا يمكن زواله بالكلية.
واعلم أن الطبيعة ولود لا عقم فيها ودود متحببة لزوجها طلباً للولادة فإنها تحب الأبناء
ولها الحنوّ العظيم على أولادها، وبذلك الحنوّ تستجلبهم إليها فإن لها التربية فيهم فلا يعرفون
سواها، ولهذا لا ترى أكثر الأبناء إلا عبيداً للطبيعة لا يبرحون من المحسوسات والملذوذات
الطبيعية إلا القليل فإنهم ناظرون إلى أبيهم وهم المتروحنون وليس علامتهم وعدم التنوّع في
الصور، فإن التنوع في الصور كما هو لهم هو للطبيعة أيضاً، وإنما علامة المتروحنين على
أنهم أبناء أبيهم تنزههم عن الشهوات الطبيعية وأخذهم منها ما يقيمون به نشأتهم كما
قال وَّه: (حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ)) فهمتهم اللحوق بأبيهم الذي هو الروح الإلهي
اليائي لا الأمري، وإنما قلنا اليائي لقوله: ((وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)) بياء الإضافة إليه لأنه فرق
بين روح الأمر وبين روح ياء الإضافة، فجعل روح الأمر لما يكون به التأييد، وجعل روح
الياء لوجود عين الروح الذي هو كلمة الحق المنفوخ في الطبيعة، فحن حنين الولد إلى أبيه
ليتأيد به على ما يطلبه من شهود الحق الخارج عن الروح والطبيعة من حيث ما هو غني عنهما
لا من حيث هو متجل للأبناء منهما أو بهما أو فيهما كل ذلك له وهذا مطلب عزيز، فإذا ناله
وتقوى به أتى الشهوات بحكم الامتنان عليها نزولاً منه إليها، فهو يحكم بها على المشتهيات
ما تحكم عليه شهوة في المشتهيات فهو مشتهي الشهوة وغيره تحت حكم الشهوة فصاحب
هذا المقام يحدث عين الشهوة في نفسه قضاء وإجابة لسؤالات من يشتهي من عالمه الخاص
به فينالون بتلك الشهوة ما يشتهون فيتنعم الروح الحيواني وهي ناظرة إلى ربها غير محجوبة قد
تجلى لها في اسمه الخلاق وخلع عليها هذا الاسم ليتكون عنها ما تريد لا ما تشتهي، فهذه
هي النفوس الفاضلة الشريفة المتشبهة بمن هي له، فتنظر إلى الطبيعة نظر الولد البار لأمه مع
استغنائه عنها وفاء لحقها .
وإن الناس انقسموا في هذا الحكم أقساماً: فمنهم من عبد الله وفاء لحق العبودية فأقام
نشأتها على الكمال فأعطاها خلقها، ومنهم من عبد الله وفاء لحق الربوبية الذي تستحقه على
هذا العبد فأقام نشأة سيادة خالقه عليه فأعطاها خلقها من غير نظر إلى نفسه كما كان الأوّل من
غير نظر إلى سيادة سيده بما هو ظاهر كل نشأة لا بما هي في نفس الأمر لأن العبد لا تعمل له

١٨٦
في المنازل / الباب الثالث والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل «خلقت الأشياء من أجلك ...
فيما تقتضيه الأمور لا نفسها، ومنهم من عبده لإقامة النشأتين فأعطاهما خلقهما فأقام نشأة
عبوديته ونشأة سيادة سيده وذلك في وجوده وعينه إذ هو محل لظهور هذه النشأة ومنهم من
عبد الله لكونه مأموراً بالعبادة وما عنده خبر بإقامة هذه النشآت فعبده بلازم العبودية فعبادته
عن أمر إلهي ما هي ذاتية، ومنهم من أقامه الله في العبادة الذاتية فلم يحضر أمره إلا في العمل
لا في العبادة، ومنهم من عبده بهذه الوجوه كلها وهو أقوى القوم في العبادة والنشأة القائمة
من مثل هذا العبد أتم النشآت خلقاً فإن إقامة النشأة لا بد منها، فإن كانت مقصودة للعبد
أضيفت إليه وحمد عليها، وإن لم تكن مقصودة للعبد العابد أقامها الحق تعالى وأضيفت إلى
الله وحمد عليها مع ظهورها من العابد، والقصد إلى إيجادها أولى من الغفلة عنها أو الجهل
بها، فمن الناس من يشهد ما ينشىء ومن الناس من لا يشهد ما ينشىء لأنه لا يعلم أنه ينشىء
فيتولى الله إنشاءه على غير علم منه حتى تقوم صورة النشأة فيشهدها العابد حينئذ صادرة عنه
فيحمد الله حيث ظهر منه مثل هذا، فهم على طبقات في هذا الباب أعني باب العبادة، وهكذا
الحكم فيما ينشىء عنهم من صور الأعمال الظاهرة والباطنة هم فيها على طبقات مختلفة،
فمنهم الجامع للكل، ومنهم النازل عن درجة الجمع.
فصل: ثم اعلم أن الأحد لا يكون عنه شيء البتة، وأن أول الأعداد إنما هو الاثنان ولا
يكون عن الاثنين شيء أصلاً ما لم يكن ثالث يزوجهما ويربط بعضهما ببعض ويكون هو
الجامع لهما، فحينئذ يتكوّن عنهما ما يتكوّن بحسب ما يكون هذان الاثنان عليه، إما أن يكونا
من الأسماء الإلهية، وإما من الأكوان المعنوية أو المحسوسة أي شيء كان، فلا بدّ أن يكون
الأمر على ما ذكرناه، وهذا هو حكم الاسم الفرد، فالثلاثة أوّل الأفراد، وعن هذا الاسم ظهر
ما ظهر من أعيان الممكنات فما وجد ممكن من واحد وإنما وجد من جمع وأقل الجمع ثلاثة
وهو الفرد فافتقر كل ممكن إلى الاسم الفرد ثم إنه لما كان الاسم الفرد مثلث الحكم أعطى
في الممكن الذي يوجده ثلاثة أمور لا بدّ أن يعتبرها وحينئذ يوجده، ولما كان الغاية في
المجموع الثلاثة التي هي أوّل الأفراد وهو أقل الجمع وحصل بها المقصود والغنى عن إضافة
رابع إليها كان غاية قوّة المشرك الثلاثة فقال: ﴿إِنَ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] ولم يزد
على ذلك، وما حكي عن مشرك بالله أنه قال فيه غير ثالث ثلاثة ما جاء رابع أربعة ولا ثامن
ثمانية، وهكذا ظهرت في البسملة ثلاثة أسماء لما كان من أعطى التكوين يقول: ﴿بسم الله
الرحمن الرحيم﴾ والتكوين الإلهي عن قول كن وهو ثلاثة أحرف: كاف وواو ونون، الواو
بين الكاف والنون لا ظهور لها لأمر عارض أعطاه سكون النون وسكون الواو، إلا أنه للنون
سكون أمر، فانظر سريان الفردية الأوّلية كيف ظهر في بروز الأعيان، واعتبر فيما يتكون عنه
ثلاثة أمور جعلها حقوقاً، فمن أحضر من العابدين المنشئين صور أعمالهم وعباداتهم هذه
الحقوق عند إرادتهم إنشاءها وأعطى كل ذي حق حقه في هذه النشآت كان أتم وأعلى درجة
عند الله ممن لم يقصد ما قصده، والصورة المنشأة فيها ثلاثة حقوق يقصدها الموجد الفرد
الحق الواحد لله وهو ما يستحقه منها من التنزيه أو التسبيح بحمده، وحق النفس الصورة من

١٨٧
في المنازل/ الباب الثالث والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل ((خلقت الأشياء من أجلك ...
الاسم الفرد وهو إيجادها بعد أن لم تكن لتتميز في حضرة الوجود وتنصبغ به وتلحق بما هو
صفة لخالقها وموجدها وهو الله، وهذه الدرجة الأولى من درجات التشبه به للظهور في
الوجود والانصباغ به، والحق الثالث ما للغير في وجودها من المصلحة فتعطيه تلك النشأة
حق ذلك الغير منها وهو مقصود لموجدها، وذلك الغير صنفان: الصنف الواحد الأسماء
الإلهية فتظهر آثارها المتوقف ظهور تلك الآثار على وجود هذه العين، والصنف الآخر ما فيها
من حقوق الممكنات التي لا تكون لها إلا بوجود هذه الصورة المنشأة فيقصد المنشىء لها في
حين الإنشاء هذه الأمور كلها، فيكون الثناء الإلهيّ على هذا العابد بحسب ما أحضر من ذلك
وما قصد، فمنهم من يجمع هذا كله في صورة عبادته وصورة عمله فيسري التثليث في جميع
الأمور لوجوده في الأصل ولهذا قال فيمن قال بالتثليث إنه كافر فقال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِكُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وما سماه مشركاً فإنه ستر ما كان ينبغي له إذ قال به أن
يبين صورته، ولو أبان صورته لقال هذا الذي قلناه وتبين للسامع الحق في ذلك، فما ستر هذا
البيان سماه كافراً لأنه ما من إله إلا إله واحد وإن كانت له أحكام مختلفة ولا بدّ منها، فلو لم
يستر هذا الكافر وأبان لقال ما هو الأمر عليه، وأما من يدعي أن الآلهة ثلاثة فذلك مشرك
جاهل، ونعوذ بالله أن يكون عاقل من المشركين، فالعدد أحكام الواحد وقد جاء العدد في
الأسماء الحسنى وجاء: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَا تَدْعُوا﴾ من حيث دلالته على عين
المسمى ﴿فَلَهُ﴾ أي لذلك المسمى ﴿ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] التي الله والرحمن منها من
حيث ما هي أسماء لكن الأفهام قاصرة عن إدراك ما يريده الله في خطابه بأي لسان كان، فهذا
بعض ما في هذا المنزل قد ذكرناه. فلنذكر ما يحوي عليه من العلوم النافعة على طريق
الذكرى ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَ نَنَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] فنقول ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَ﴾ [الأحزاب: ٤]
و﴿ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦]:
فمن ذلك علم أسماء التكوين، وعلم حروف التكوين، وعلم الأرواح المفرقة لا
الجامعة، وعلم الأمور الحاملة للأشياء ما يقصد بحملها ولمن تنتهي بالحمل إليه، وعلم
السعايات ما نهايتها وما المقصود بها من السعاة هل لنيل ما ليس عندهم أو لإيصال ما
عندهم لمن يطلبه إما بذاته الذي هو الطلب الذاتي وإما بسؤال منه في ذلك فيعطيه هذا
الساعي بتيسير ويريحه من سعيه إليه وكده ومشقته، وعلم تفاصيل الأمور ولماذا ترجع
تفاصيلها وتقسيمها هل إلى الأصل وهو الأسماء الإلهية؟ أو للقوابل وهي أعيان الممكنات؟
أو للجموع أيّ أمر كان من الأمور التي يطلبها التفصيل والتقسيم، وعلم الجزاء وصدق
الوعد دون الوعيد، وعلم مدارج الملائكة والأرواح المفارقة المحمولة في الصور
الجسدية، وعلم الخلاف من علم الاتفاق وفيماذا ينبغي الاتفاق وفيماذا ينبغي الاختلاف
وهل للاختلاف وجه إلى الموافقة أم لا؟ وعلم السبب الذي منه تنبأ من ليس بنبي وهو
المتنبىء، وعلم سبب السهو في العالم، وعلم الفتن والملاحم، وعلم صورة الأخذ من الله
كيف يكون على الكشف وما أنتجه في الآخذين من أعمالهم في زمان التكليف، وعلم

١٨٨
في المنازل/ الباب الرابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل تجديد المعدوم ...
المسامرة بعد إعطاء الحقوق، وعلم الستر والتجلي في بعض المواطن، وعلم أداء الحقوق
ومن يؤدي بعد طلب صاحب الحق حقه ومن يبادر به، وعلم علامات اليقين، وعلم أينيات
الأشياء ويتميز كل أين بتميز الشيئية التي تطلبه، وعلم التشبيه بين الأشياء للروابط التي
تجمعها والوجوه وإن فرقتها أمور أخر فحكم الجامع لا يزول كما أن حكم الفارق لا يزول
فإنه الحكم المقوّم لذات الشيء، وعلم حقوق الزائرين، وعلم سبب تقديم السلام على
تقديم الطعام للضيف النازل وتقديم الطعام قبل الكلام، وعلم ما يتعين على الضيف أن
يقوله ويعرف به صاحب المنزل وما لا يتعين عليه، وعلم الرسالة وظهور الملك في صورة
البشر عند أداء الرسالة ما سببه في بعض الأحوال دون بعض، وعلم الرسالة البشرية، وعلم
الأخذات الإلهية، وعلم تأثير القوّة هل يؤثر في قوي أو ضعيف مطلق أو ضعيف إضافي،
وعلم التمهيد والسياسات والنواميس والشرائع، وعلم النتاج والإنتاج بين الزوجين، وعلم
ما طلب الحق من عباده على الإطلاق والعموم وعلى التقييد. والله يقول الحقّ وهو يهدي
السبيل .
الباب الرابع والثلاثون وثلاثمائة
في معرفة منزل تجديد المعدوم وهو من الحضرة الموسوية
[الطويل]:
عن الحَقِّ لما أن تَحَقَّقَتِ الهَوَى
هَوَى النُّور فارتدَّتْ عقولٌ كثيرةٌ
من الرَّنْقِ ما يُغْميه في موقف السِّوَى
وجاء بحبّ لا يَشُوبُ صفاءه
فقام خطيباً بين مَزْوَةً والصَّفا
وأثبته النعتُ الودودُ بذاته
جباةٌ لعُشّاق وأوجهها العُلا
وقال أنا العِشْقُ الذي سَجَدَتْ له
اعلم أيدك الله أن تجديد المعدوم لا يكون إلا في المعدوم الإضافي، كعدم زيد الذي
كان في الدار فعاد إلى الدار بعد ما كان معدوماً عنها بوجوده في السوق قال تعالى في هذا
المقام: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فكان محدثاً عندهم لا في عينه.
وأما في الأعراض فهل ترد بأعيانها بعد عدمها أو هي أمثالها لا أعيانها؟ ففي إمكان النظر
العقلي أنه لا يحيل رجوعها في أعيانها بعد عدمها، فيكون عين الحركة من المتحرك إذا
التحقت بالعدم ثم أعقبها السكون ثم تحرّك ذلك الساكن في زمان آخر يمكن أن يكون تحريكه
عين حكم تلك الحركة أوجدها الحق بعد عدمها أو زمان عدمها بكونه خلقها في متحرّك آخر
غير ذلك المحل، فيكون ذلك تجديد الوجود عليها فتتصف بالوجود مرتين أو مراراً، وهذا
في الكشف لا يكون للاتساع الإلهيّ فلا يتكرّر شيء أصلاً فهو في خلق جديد لا في تجديد،
فإذا أطلق على الجديد اسم التجديد فلما يعطيه الشبه القويّ الذي يعسر ميزه وفصله عن مثله
فيتخيل لوجود الإمكان في النظر العقلي أنه عين ما انعدم جدد الحق عليه الوجود، ويقال في
الليل والنهار الجديدان لا المتجددان، فما هو يوم السبت يوم الأحد، ولا هو يوم السبت من

١٨٩
في المنازل/ الباب الرابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل تجديد المعدوم ...
الجمعة الأخرى، ولا هو من الشهر، ولا من السنة الأخرى، ولا واحد الأحد عشر المركب
من العشرة، والواحد الذي كان واحداً في أوّل العدد، والعشرة التي انتهى إليها العدد، وحينئذ
ظهر التركيب بل هذا واحد مثله وعشرة مثلها، ولهما حقيقة واحدة هي أحدية الأحد عشر
والواحد والعشرين والواحد والثلاثين، وكل ما ظهر من واحد مركب ما هو عين الواحد الآخر
المركب ولا هو عين الواحد البسيط تركب بل هو أحد عشر لنفسه حقيقة واحدة، وكذلك
واحد وعشرون وواحد ومائة وواحد وألف كل واحد مع ما أضيف إليه عين واحدة ما هو
مركب من أمرين فاعلم ذلك، فإنه علم نافع في الإلهيات لما فيها من الأسماء والصفات
المقولة على الذات المعقول منها كونها كذا ما هو عين كونها كذا، فتعرف من هذا من تجلى
لك في كل تجل، ولهذا قالت الطائفة من أهل الأذواق: إن الله ما تجلى في صورة واحدة
مرتين ولا في صورة واحدة لشخصين، فهو في كل يوم من أيام الأنفاس التي هي أصغر الأيام
في شأن بل في شؤون، فمن علم سعة الله علم سعة رحمته فلم يدخلها تحت الحجر ولا
قصرها على موجود دون موجود.
وأعلم أيدنا الله وإياك أن القرآن مجدّد الإنزال على قلوب التالين له دائماً أبداً لا يتلوه من
يتلوه إلا عن تجديد تنزل من الله الحكيم الحميد وقلوب التالين لنزوله عرش يستوي عليها في
نزوله إذا نزل، وبحسب ما يكون عليه القلب المتخذ عرشاً لاستواء القرآن عليه من الصفة يظهر
القرآن بتلك الصفة في نزوله وذلك في حق بعض التالين، وفي حق بعضهم تكون الصفة للقرآن،
فيظهر عرش القلب بها عند نزوله عليه، سئل الجنيد رضي الله عنه عن المعرفة والعارف فقال:
لون الماء لون إنائه، ولو سئل عارف عن القرآن والقلب المنزل عليه لأجاب بمثل هذا الجواب.
واعلم أن الله نعت العرش بما نعت به القرآن فجاء القرآن مطلقاً من غير تقييد وجاء ذكر
العرش مطلقاً من غير تقييد، فالقرآن المطلق للعرش المطلق أو العرش المطلق للقرآن المطلق
بحسب ما يقع به الشهود من المؤثر والمؤثر فيه، والعرش المقيد بما قيد به القرآن، فقرآن
عظيم لعرش عظيم، وقرآن كريم لعرش كريم، وقرآن مجيد لعرش مجيد، فكل قرآن مستو
على عرشه بالصفة الجامعة بينهما، فلكل قلب قرآن من حيث صفته مجدّد الإنزال لا مجدد
العين، والدرجات الرفيعة لذي العرش كالآيات والسور للقرآن فأما القرآن المطلق فمثل قوله:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥] والعرش المطلق في قوله: ﴿رَفِيعُ
الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥] فالقلب ترتفع درجاته بارتفاع درج آيات القرآن، ولهذا يقال
القارىء القرآن يوم القيامة اقرأ وارق كما كنت تقرأ وينتهي بالرقيّ إلى آخر آية ينتهي إليها
بالقراءة والدرجات عين المنازل، فإذا نزل القرآن على قلب عبد وظهر فيه حكمه واستوى عليه
بجميع ما هو عليه مطلقاً وكان خلقاً لهذا القلب كان ذلك القلب عرشاً له، سئلت عائشة عن
خلق رسول الله وَل* فقالت: ((كان خلقه القرآن))، فما من آية في القرآن إلا ولها حكم في قلب
هذا العبد، لأن القرآن لهذا نزل ليحكم لا ليحكم عليه فكان عرشاً له مطلقاً، كان رسول
الله ◌َ﴾ في تلاوته القرآن ((إذا مرّ بآية نعيم حكمت عليه بأن يسأل الله من فضله فكان يسأل الله

١٩٠
في المنازل/ الباب الرابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل تجديد المعدوم ...
من فضله، وإذا مر بآية عذاب ووعيد حكمت عليه بالاستعاذة فكان يستعيذ، وإذا مر بآية
تعظيم الله حكمت عليه بأن يعظم الله ويسبحه بالنوع الذي أعطته تلك الآية من الثناء على الله،
وإذا مر بآية قصص وما مضى من الحكم الإلهي في القرون قبله حكمت عليه بالاعتبار فكان
يعتبر، وإذا مرّ بآية حكم حكمت عليه أن يقيم في نفسه من يوجه عليه ذلك الحكم فيحكم
عليه به فكان يفعل ذلك))، وهذا هو عين التدبر لآيات القرآن والفهم فيه، ومتى لم يكن التالي
حاله في تلاوته كما ذكرنا فما نزل على قلبه القرآن ولا كان عرشاً لاستوائه لأنه ما استوى عليه
بهذه الأحكام، وكان نزول هذا القرآن أحرفاً ممثلة في خياله كانت حصلت له من ألفاظ معلمه
إن كان أخذه عن تلقين، أو من حروف كتابته إن كان أخذه عن كتابة، فإذا أحضر تلك
الحروف في خياله ونظر إليها بعين خياله ترجم اللسان عنها فتلاها من غير تدبر ولا استبصار،
بل لبقاء تلك الحروف في حضرة خياله، وله أجر الترجمة لا أجر القرآن، ولم ينزل على قلبه
منه شيء كما قال رسول الله ربَّ في حق قوم من حفاظ حروف القرآن ((يَقْرؤون القُرْآنَ لا
يُجَاوزُ حَنَاجِرَهُمْ)) أي ينزل من الخيال الذي في مقدم الدماغ إلى اللسان فيترجم به ولا يجاوز
حنجرته إلى القلب الذي في صدره فلم يصل إلى قلبه منه شيء وقال فيهم: ((إنهم يَمْرُقُون من
الدِّين كما يَمْرُقُ السهمُ من الرَِّيَّةِ لا تَرَى فيه أثراً من دَمِ الزَّميَّةِ».
وكلامنا ليس هو مع من هذه صفته من التالين وليس التالي إلا من تلاه عن قلبه والقرآن
صفة ربه وصفة ذاته، والقلب المؤمن به التقي الورع قد وسعه، فهذا هو العرش الذي وسع
استواء الحق الذي هو رفيع الدرجات ذو العرش، وما أحسن ما نبه الله على صاحب هذا المقام
الذي كان قلبه عرشاً للقرآن ذوقاً وتجلياً، فيعلم لذوقه وخبرته اتصاف الرحمن بالاستواء على
العرش ما معناه، وأمر من ليس يعلم ذلك أن يسأل من يعلمه علم خبرة من نفسه لا علم تقليد
فقال تعالى: ﴿ثُمَّ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أي فالمسؤول الذي
هو بهذه الصفة من الخبرة يعلم الاستواء كما يعلمه العرش الذي استوى عليه الرحمن لأن قلبه
كان عرشاً لاستواء القرآن كما قررناه، فانظر ما أعجب تعليم الله عباده المتقين الذي قال فيهم:
﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ومعناه أن
يفهمكم الله معاني القرآن فتعلموا مقاصد المتكلم به، لأن فهم كلام المتكلم ما هو بأن يعلم
وجوه ما تتضمنه تلك الكلمة بطريق الحصر مما تحوي عليه مما تواطأ عليه أهل ذلك اللسان،
وإنما الفهم أن يفهم ما قصده المتكلم بذلك الكلام هل قصد جميع الوجوه التي يتضمنها ذلك
الكلام أو بعضها؟ فينبغي لك أن تفرّق بين الفهم للكلام أو الفهم عن المتكلم وهو المطلوب،
فالفهم عن المتكلم ما يعلمه إلا من نزل القرآن على قلبه وفهم الكلام للعامة، فكل من فهم من
العارفين عن المتكلم فقد فهم الكلام وما كل من فهم الكلام فهم عن المتكلم ما أراد به على
التعيين إما كل الوجوه أو بعضها، فقد نبهتك على أمر إذا تعملت في تحصيله من الله حصلت
على الخير الكثير وأوتيت الحكمة، جعلنا الله ممن رزق الفهم عن الله .
فنزول القرآن على القلب بهذا الفهم الخاص هي تلاوة الحق على العبد، والفهم عنه فيه

١٩١
في المنازل/ الباب الرابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل تجديد المعدوم ...
تلاوة العبد على الحق، وتلاوة العبد على الحق عرض الفهم عنه ليعلم أنه على بصيرة في
ذلك بتقرير الحق إياه عليه، ثم يتلوه باللسان على غيره بطريق التعليم أو يذكره لنفسه
لاكتساب الأجر وتجديد خلق فهم آخر، لأن العبد المنوّر البصيرة الذي هو على نور من ربه
له في كل تلاوة فهم في تلك الآية لم يكن له ذلك الفهم في التلاوة التي قبلها ولا يكون في
التلاوة التي بعدها، وهو الذي أجاب الله دعاءه في قوله: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فمن
استوى فهمه في التلاوتين فهو مغبون، ومن كان له في كل تلاوة فهم فهو رابح مرحوم، ومن
تلا من غير فهم فهو محروم فالآية عنده ثابتة محفوظة، والذي يتجدد له الفهم فيها عن الله في
كل تلاوة ولا يكون ذلك إلا بإنزال فتارة يحدث إنزاله من الرب الذي ينظر إلى التالي خاصة
لا من حضرة مطلق الربوبية، وتارة يحدث إنزاله من الرحمن مطلقاً لكون الرحمن له الاستواء
على العرش المحيط مطلقاً وله الرحمة التي وسعت كل شيء فلم يتقيد، والرب ليس كذلك
فإنه ما ورد الرب في القرآن إلا مضافاً إلى غائب أو مخاطب أو إلى جهة معينة أو إلى عين
مخصوصة بالذكر أو معين بدعاء خاص لم يرد قد مطلقاً مثل الرحمن، والاسم ((الله)) له حكم
الرحمن وحكم الرب فورد مضافاً ومطلقاً مثل قوله: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ﴾ [الإسراء:
١١٠] فورد مطلقاً، ومثل قوله: ﴿وَإِلَهُكُرْ﴾ [البقرة: ١٦٣] فورد مقيداً ولكن بلفظة إله لا بلفظ
الله، فمن راعى قصد التعريف لم يفرق بين الله والإله، ومن راعى حفظ الاسم وحرمته حيث
لم يتسم به أحد وتسمى بإله فرق بين اللفظتين، وإذا فرق فيكون حكم لفظ الله لا يتقيد، فإذا
كان حدوثه في الإنزال على القلب من الرب ينزل مقيداً ولا بد فيكون عند ذلك قرآناً كريماً أو
قرآناً مجيداً أو قرآناً عظيماً، ويكون القلب النازل عليه بمثل ما نزل عليه من الصفة عرشاً
عظيماً أو عرشاً كريماً أو عرشاً مجيداً، وإذا حدث نزوله من الرحمن على القلب لم يتقيد
بإضافة أمر خاص فكان القلب له عرشاً غير مقيد بصفة خاصة بل له مجموع الصفات
والأسماء، كما أن الرحمن له الأسماء الحسنى كذلك لهذا العرش النعوت العلى بمجموعها،
وإنما قلنا ذلك لأنه نزل علينا في الفهم عن الله في القرآن إطلاق القرآن في موضع وتقييده
بالعظمة في موضع في قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] وقيده
في موضع آخر بالمجد فقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] و﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ [قَ: ١]
وقيده في موضع آخر بصفة الكرم فقال تعالى: ﴿إِنَُّ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] فلما أطلقه وقيده
بهذه الصفات المعينة جعل القلب مستواه خلع عليه نعوت القرآن من إطلاق وتقييد فوصف
عرش القلب بالإطلاق في قوله: ﴿ثُمَّ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] ولم يقيد
العرش بشيء من الصفات كما لم يصف الرحمن، ولما قيد العرش قيده بما قيد به القرآن من
الصفات فقال في العظمة ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] فأخذه من القرآن العظيم، وقال في
الكرم: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ اَلْكَرِيِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] فاستوى عليه القرآن الكريم، وقال: ﴿ذُو
اٌلْعَرْشِ﴾ [البروج: ١٥] في قراءة من خفض وجعله نعتاً للعرش فاستوى عليه القرآن المجيد، فعظم
العرش القبليّ ومجد وكرم لعظم القرآن وكرمه ومجده فجاء بثلاثة نعوت للقرآن لما هو عليه

١٩٢
في المنازل/ الباب الرابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل تجديد المعدوم ...
الأمر في نفسه من التثليث، وقد تقدم الكلام قبل هذا في غير هذا الباب في الاسم الفرد وأن له
في المرتبة الأولى التي يظهر فيها وجود عينه مرتبة الثلاثة فهي أوّل الأفراد فلتنظر هناك رتبة
التثليث في العالم، وقد تقدم لنا شعر في التثليث في بعض منظومنا نشير به إلى هذا المعنى وهو
في ديوان ((ترجمان الأشواق)) لنا وأوّل المقطوعة: [الطويل]
ظِبَاءٌ تُرِيكَ الشَّمْسَ في صَوَرِ الدُّمَى
بذي سَلَم والدَّيْرِ من حَاضِري الحِمَى
وأحرسُ روضاً بالربيع مُنَمْنَمَا
فأرقب أفْلاكاً وأخدمُ بيعة
ووقتاً أُسَمَّى راهباً ومُنَجْمَا
فوقتاً أُسَمَّى رَاعِيَ الظَّبْي بالفلا
إلى آخر القصيدة، وشرحناها عند شرحنا لديوان ترجمان الأشواق.
وقد علمت يا ولي حدوث نزول القرآن المطلق على القلب من غير تقييد وأنه الذكر
الذي آتاه من الرحمن، ولكن ما أعرض عنه كما أعرض من تولى عن ذكره تعالى بل تلقاه
بالقبول والترحيب فقال له: أهلاً وسهلاً ومرحباً، فردّ بتأهيل: وسهل ومرحب. وجعل قلبه
عرشاً له فاستوى عليه بحكمه، وأما إذا أتاه القرآن من ربه فإنه القرآن المقيد بالصفات التي
ذكرناها فيتلقاه أيضاً هذا العبد كما تلقاه من الرحمن بأهل وسهل ومرحب، ويجعل قلبه عرشاً
له من حيث تلك الصفة المعينة فيكسوه القرآن صفة ما جاء به من عظمة أو مجد أو كرم،
فظهرت صورة القرآن في مرآة هذا القلب فوصف القلب بما وصف به القرآن، فإن كان نزوله
بصفة العظمة أثر في القلب هيبة وجلالاً وحياء ومراقبة وحضوراً وإخباتاً وانكساراً وذلة
وافتقاراً وانقباضاً وحفظاً ومراعاة وتعظيماً لشعائر الله، وانصبغ القرآن كله عنده بهذه الصفة،
فأورثه ذلك عظمة عند الله وعند أهل الله، ولم يجهل أحد من المخلوقات عظمة هذا
الشخص إلا بعض الثقلين لأنهم ما سمعوا نداء الحق عليه بالتعريف، وقد ورد عن رسول
اللهِ وََّ أنه قال: ((إِذَا أَحَبَّ الله عَبْداً قَالَ لِجْبِرِيلَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلاناً فَيُحِبّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ
يُعْلِمَ بِذَلِكَ أَهْلَ السَّمَاءِ فَيَقُولُ: أَلاَ إِنَّ الله تَعَالَى قَدْ أَحَبَّ فُلاناً فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ
كُلُّهُمْ، ثمّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأَرْضِ)) ولكن عند من؟ وأين كان قتلة الأنبياء من هذا القبول؟
أخبرنا صاحبنا موسى السدراني وكان صاحب حظوة محمولاً قال: لما وصلت إلى جبل قاف
وهو جبل عظيم طوّق الله به الأرض وطوّق هذا الجبل بحية عظيمة قد جمع الله رأسها إلى
ذنبها بعد استدارتها بهذا الجبل قال موسى: فاستعظمت خلقها قال: فقال لي صاحبي الذي
كان يحملني: سلم عليها فإنها تردّ عليك، قال: ففعلت فردّت السلام وقالت: كيف حال
الشيخ أبي مدين؟ فقلت لها: وأنى لك بالعلم بهذا الشيخ؟ فقالت: وهل على وجه الأرض
أحد يجهل الشيخ أبا مدين، فقلت لها: كثير يستخفونه ويجهلونه ويكفرونه، فقالت: عجباً
لبني آدم إن الله مذ أنزل محبته إلى من في الأرض وإلى الأرض عرفته جميع البقاع والحيوانات
وعرفته أنا في جملة من عرفه فما تخيلت أن أحداً من أهل الأرض يبغضه ولا يجهل قدره كما
هم أهل السماء في حق من أحبه الله، فلما سمعت منه هذه الحكاية قلت: أين هذا الأمر من
كتاب الله؟ قال: لا أدري، قلت له: لما خلق الله آدم الإنسان الكامل على الصورة أعطاه

١٩٣
في المنازل/ الباب الرابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل تجديد المعدوم ...
حكمها في العالم حتى تصح النسبة والنسب فقال تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِى
السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ﴾ فأطلق: ﴿ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَاَلْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآَبُّ﴾ فعم
الأمهات والمولدات وما ترك شيئاً من أصناف المخلوقات، فلما وصل بالتفصيل إلى ذكر
الناس قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨] ولم يقل كلهم، فجعل عبده الصالح المحبوب
في الحكم على صورته فأحبه بحب الله جميع من في السموات ومن في الأرض على هذا
التفصيل وكثير من الناس لا كلهم فكفروه كما كفروا بالله وشتموه كما شتموا الله تعالى وكذبوه
كما كذبوا الله. وقد ورد في الحديث الصحيح الإلهيّ: ((إنَّ اللهَ يَقُولُ: كَذَّبَنِ ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ
يَنْبَغِي لَهُ ذُلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ)) الحديث، فإذا وجد الإنسان من نفسه
هذه الصفة التي ذكرناها عند التلاوة أو استحضار القرآن علم أن القرآن العظيم أتاه من ربه في
ذلك الوقت، وإذا جلى الله له سبحانه وكشف له عن شرف نفسه بخلقه على صورة ربه وما
أعطاه الله من ظهوره بالأسماء الإلهية وما فضله الله به من حيث إنه جعله العين المقصودة
ووسع قلبه حتى وسع علماً بما تجلى له وكشف له عن منزلته عنده وقبوله لزيادة العلم به دائماً
وتأهله للترقي في ذلك إلى غير نهاية دنيا وآخرة وما سخر في حقه مما في السموات وما في
الأرض جميعاً، ونظر إلى نظر كل جزء من العالم إليه بعين التعظيم والشغوف عليه، ورأى
كل العالم في خدمته كما هو في تسبيح ربه لظهوره عندهم في صورة ربه، ويظهر هذا كله
لهذا الشخص عند التلاوة للقرآن لا غير، علم عند ذلك أنه يتلو القرآن المجيد وأنه الذي نزل
عليه وأتاه من ربه، ولهذا كشف له منزولة شرفه ومجده فاستوى مجيد على مجيد.
وإذا جلى الله له سبحانه وكشف له عن كرم نفسه بما يؤثر به على نفسه مع وجود
الحاجة لما آثر به وسعى في قضاء حوائج الناس من مؤمن وغير مؤمن ونظر جميع العالم بعين
الرحمة فرحمه ولم يخص بذلك شخصاً من شخص ولا عالماً من عالم بذل الوسع في إيصال
الرحمة إليهم وقبل أعذارهم وتحمل أعباءهم وجهلهم وأذاهم وجازاهم بالإساءة إحساناً
وبالذنب عفواً وعن الإساءة تجاوزاً وسعى في كل ما فيه راحة لمن سعى له وذلك كله في حال
تلاوته علم قطعاً أنه يتلو القرآن الكريم، فإن هذه صفته وأنه القرآن الذي أتاه من ربه وأن الله
يعامله بمثل ما عامل به، وأعظم ما يتكرم به العبد ما يتكرم به على الحق بطاعته وامتثال أمره فإن
الله يفرح بتوبة عبده، فإذا تكرم على الله بمثل هذا فقد أغاظ عدو الله وهذا أعظم الكرم، فإن
الأخلاق المحمودة لا تحصل للعبد إلا بهذا الطريق الذي قرّرناه، فمن أخذ الأخلاق كما تقرّر
أخذها فهو المتمم لمكارم الأخلاق والمنعوت بها، وذلك لا يكون إلا بالتكرم على الله، فإنا قد
علمنا أنه من المحال أن يعم الإنسان بخلقه ويبلغ به رضى جيمع العالم لما هو العالم عليه في
نفسه من المخالفة والمعاداة، فإذا أرضى زيداً أسخط عدوّه عمراً فلم يعم بخلقه جميع العالم،
فلما رأى استحالة ذلك التعميم عدل إلى تصريف خلقه مع الله فنظر إلى كل ما يرضي الله فقام فيه
وإلى كل ما يسخطه فاجتنبه، ولم يبال ما وافق ذلك من العالم مما يخالفه، فإذا أقيم في هذا
النظر في حال التلاوة علم أن القرآن الكريم نزل عليه فأعطاه صورته وصفته، فإن الله ما نظر من
الفتوحات المكية ج٥ - م١٣

١٩٤
في المنازل/ الباب الرابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل تجديد المعدوم ...
هذا العلم إلا للإنسان لا إلى الحيوان الذي هو في صورة الإنسان فأكرمه ونعمه فيقول: ﴿رَبِّ
أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥] فإذا تصرف هذا التالي في العالم تصرف الحق من رحمته وبسط رزقه وكنفه
على العدو والولي والبغيض والحبيب بما يعم مما لا يقدح ويخص جناب الحق بطاعته وإن
أسخط العدو كما خص الحق بتوفيقه بعض عباده ولم يعم كما عمّ في الرزق، فمن هذه صفته
في حال تلاوته فإنه يتلو القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون وهو قلب هذا التالي: ﴿تَنزِيلٌ
مِّن رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] وما قال رب المؤمنين لعموم الكرم في الرزق والحياة الدنيا. فاعلم
يا ولي ما تتلو وبمن تتلو ومن يسمعك إذا تلوت وبمن تسمع إذا كان الحق يتلو عليك. وهذا
القدر كاف في التنبيه على شرف هذا المنزل فلنذكر ما يحوي عليه من العلوم:
فمن ذلك: علم منازل القرآن، وعلم الأوتاد الأربعة الذين قيل إن الشافعيّ واحد
منهم، وعلم تعجب الحق وكل ما يتعجب منه فهو خلقه، وعلم ما يؤخذ منك وما يبقى عليك
ومن يأخذه منك وهل يأخذه عن عطاء منك أو يأخذه الآخذ جبراً؟ وعلم بعض مراتب الكتب
الإلهية التي عنده ولم تنزل إلينا، وعلم السبب الذي حال بيننا وبين أن يكون لنا من الله ما كان
للرسل منه وهو قوله عليه السلام في الحديث الصحيح في الكشف فقال وَلّ: «لَوْلاَ تَزْيِيدٌ فِي
حَدِيثِكُمْ وَتَمْرِيجٌ فِي قُلُوبِكُمْ لَرَأَيْتُمْ مَا أَرَى وَلَسَمِعْتُمْ مَا أَسْمَعُ)) فهذا قد أبان عن الطريق
الموصلة إلى المقام الذي منه رأى ما رأى وسمع ما سمع فهل يوجد من يزول عنه هذا المانع
فيصل إلى هذا المقام أم لا؟ فنحن نقول: بأنه يزول فإن الله قد أمر أن يبين للناس ما نزل إليهم
وما أبان عن مانع عن رقي إلى مرتبة علياء إلا ليزال ولا ذكر منزلة زلفى إلا لتنال فمن جد
وجد ومن قصر فلا يلومن إلا نفسه، وعلم الاعتبار، وعلم مقام الصلاح الذي يطلبه الأنبياء
عليهم السلام أن يكون لهم، وعلم ما تنتجه الأعمال البدنية من المعارف الإلهية من طريق
الكشف، وعلم نزول العلم وحكمه في قلوب العلماء وما فيه من زيادة الفضل على من ليس
له هذا المقام، وعلم تجديد المعدوم، وعلم إحصاء الأنفاس بالتمحيص لهذا الإنسان دون
غيره، وعلم تقاسيم السكر في المشروب، وعلم ما هو الصور الذي ينفخ فيه فيكون عن النفخ
ما يكون من صعق وبعث بسرعة، وعلم التوكيل الإلهي على العبيد إلى أن يبلغ مداه ويزول،
وعلم العلم الذي ينزل منزلة العين في الطمأنينة الذي قال فيه علي رضي الله عنه: لو كشف
الغطاء ما ازددت يقيناً. وعلم التمييز بين الفرق، وعلم محل الخصام من الدار الأخرى،
وعلم السوابق وحكمها، وعلم النقص في العالم أنه من كمال العالم، وعلم مآل السعداء
وطبقاتهم في السعادة، وعلم استخراج الكنوز، وعلم أحكام أصناف الموصوفين بالوجود،
وعلم الذكر المؤقت وغير المؤقت وما فائدة التوقيت في ذلك، وعلم ما يهون وروده على من
ورد عليه مما لا يهون، وعلم مراتب العالم فانظر يا ولي أي علم تريده فتعمل في تحصيله من
الطريق التي توصلك إليه أو التحلي بالصفة التي تنزله عليك، فإنك بين أعمال بدنية وهي محجة
السلوك بالأعمال، وبين أخلاق روحانية وصفات معنوية إذا كنت عليها نزلت إليك المراتب
وتجلت لك من ذاتها وطلبتك لنفسها، وإذا كنت صاحب محجة وصلت إلى غايتها بالطلب،

١٩٥
في المنازل/ الباب الخامس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الأخوة ...
وفرقان بين الطالب والمطلوب والمراد والمريد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخامس والثلاثون وثلاثمائة
في معرفة منزل الأخوة وهو من الحضرة المحمدية والموسوية
[مجزوء الكامل]:
حارث عقولُ أُولي الشُّهَـى
بَيْنَ العَمَاء والاسْتِوَا
من مُسْتَواه إلى السَّمَا
وكذاك عند نزوله
وبقَلْبنا وبأيْنَمَا
ووجوده في أرضه
تعطي التَّحَيُّرَ والعَمَا
هذي المعالم كلّها
ت لنا فصورتُنا سَوَا
هي سِنَّةٌ مثلُ الجها
عن نَعْتِ عَلَّ وعَنْ عَسَى
فالله جلَّ بذاته
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلنَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وجاء في الخبر: ((إنَّ المُؤْمِنَ مِرْآة
أَخِيهِ)) والمؤمن اسم من أسماء الله، وقد خلق آدم على صورته وله التخلق بالمؤمن، وآخى
رسول الله ◌َله بين أصحابه بدار الخيزران وأخذ بيد علي وقال: ((هذا أخِي)) وقال الله تعالى:
﴿إِنََّا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فجعل أباهم الإيمان فهم إخوة لأب واحد، وقال موسى
لربه حين بعثه إلى فرعون: ﴿قَالَ رَبِّ أَشْرَعْ لِ صَدْرِى ﴿٥ّ وَبَسِرْ لِيِّ أَمْرِى ﴿ وَأَحْدُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِىٌ
١٣٧ يَفْقَهُواْ قَوْلِ ﴿ وَأَجْعَل لِ وَزِيْرًا مِّنْ أَهْلِ ﴿٣َ هَرُونَ أَخِىِ ﴿٣ آشْدُدْ بِهِ، أَزْرِى (٦) وَأَشْرِكُهُ فِىِّ أَمْرِى
(٣٢)﴾ [طه] فآتاه الله سؤله .
فاعلم يا وليّ أن المقام الجامع للأسماء الإلهية التي لها التأثير في الممكنات أخ صحيح
الأخوة شقيق للمقام الجامع لاستعدادات القوابل الممكنات، وهما أخوان لأب واحد يشد كل
واحد منهما أزر صاحبه، ولكن الأسماء هي الطالبة للاستعدادات أن يشد الله بها أزرها فافهم،
فإن هذا من علم الأسرار التي مقامها بين الستر والكشف وهو من أصعب العلوم في التصور
حيث لا يصح نفوذ الاقتدار إلا باتفاق في الأخوين لا بأحدهما، وبهما ظهرت أعيان
الممكنات وحصلت في الوجود معرفة الكائنات بالله ووصل بوجود هذه المعرفة المحدثة
الحق سبحانه إلى عين مطلوبه، فإنه ما أوجد العالم إلا ليعرفه العالم والعالم محدث ولا يقوم
به إلا محدث فقامت به المعرفة بالله إما بتعريف الله وإمّا بالقوّة التي خلق فيه التي بها يصل إلى
معرفة الله من وجه خاص لا غير، فمن نزهه بهذه القوّة فقد عرفه وكفر من شبهه، ومن شبهه
بهذه القوّة فقد عرفه وجهل من نزهه بل كفره، ومن عرفه بالتعريف الإلهيّ جمع بين التنزيه
والتشبيه فنزهه في موطن التنزيه وشبهه في موطن التشبيه، وكل صنف من هذه الأصناف
صاحب معرفة بالله، فما جهله أحد من خلق الله لأنه ما خلقهم إلا ليعرفوه، فإذا لم يتعرف
إليهم بهذه القوّة الموصلة التي هي الفكر أو بالتعريف الإنبائي لم يعرفوه فلم يقع منه في العالم
ما خلق العالم له، ولنا في هذا المقام الذي عم المعتقدات نظم وهو هذا: [الكامل]

١٩٦
في المنازل/ الباب الخامس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الأخوة ...
وأنا شهدتُ جميعَ ما اعْتَقَدُوه
قالوا بما شَهِدُوا وما جَحَدُوه
بجميع ما قالوه واغْتَقَدُوه
في ملكه ربّاً كما شَهِدُوه
والمشركون شَقَوْا وإن عَبَدُوه
والجاحدون وُجُودَ مَنْ وَجَدوه
مثل الثلاثة حين لم يَجدوه
أهلُ السعادة بالهُدَى عبدوه
وتنزَّهوا عن غِيِّه طردوه
عَقَدَ الخلائقُ في الإله عقائدا
لما بدا صوراً لهم متحوّلاً
ذاك الذي أجْنَى عليهم خَلْفُهم
إِنْ أفْرَدُوه عن الشريك فقد نَحَوْا
قد أعذَر الشرعُ المُوَحِّدَ وَحْدَهُ
وكذاك أهل الشكّ أخسرُ منهمُ
والقائلون بنَفْبِه أيضاً شَقَوْا
أجْنَى عليهم من تألَّهَ حين ما
لو وافق الأقوامَ إذ أغْواهمُ
فالعارف الكامل يعرفه في كل صورة يتجلى بها وفي كل صورة ينزل فيها، وغير العارف
لا يعرفه إلا في صورة معتقده وينكره إذا تجلى له في غيرها، كما لم يزل يربط نفسه على
اعتقاده فيه ينكر اعتقاد غيره، وهذا من أشكل الأمور في العلم الإلهي اختلاف الصور لماذا
يرجع هل إليه في نفسه وهو الذي وقع به الإنباء الإلهيّ وأحاله الدليل العقليّ الذي أعطته القوّة
المفكرة، فإذا كان الأمر على ما أعطاه الإنباء الإلهيّ فما رأى أحد إلا الله، فهو المرئي عينه
في الصور المختلفة وهو عين كل صورة، وإن رجع اختلاف الصور لاختلاف المعتقدات
وكانت تلك الصور مثل المعتقدات لا عين المطلوب فما رأى أحد إلا اعتقاده سواء عرفه في
كل صورة فإنه اعتقد فيه قبول التجلي والظهور للمتجلي له في كل صورة أو عرفه في صورة
مقيدة ليس غيرها، فمثل هذا العلم لا يعلم إلا بإخبار إلهي وقرينة حال، فأما الإخبار الإلهي
فقول رسول الله ﴾ إنه الذي يتحوّل في الصور في الحديث الصحيح وقرينة الحال كونه ((ما
خَلَقَ الخَلْقَ إلاّ لِيَعْرِفُوهُ)) فلا بد أن يعرفوه إما كشفاً أو عقلاً أو تقليداً لصاحب كشف أو عقل،
والرؤية تابعة للمعرفة، فكما تعلقت به المعرفة فكان معروفاً تعلقت به الرؤية فكان مرئياً، فإن
قال منكر الأمرين الذي لا يقول بالوصول إلى معرفته ولا إلى رؤيته وإنما العلم به معرفة الناظر
في ذلك بأنه يعجز عن معرفته فيعلم عند ذلك أن من هو بهذه المثابة هو الله فقد حصل العلم
به إجمالاً في عين الجهل به والعجز وهو قول بعضهم: العجز عن درك الإدراك إدراك، فهذا
القدر هو المسمى معرفة بالله، وصاحب هذا القول إن جوزي بقوله فإنه لا يرى الله أبداً كما لا
يعلمه أبداً، وإن لم يجازه الله بقوله، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب، وعلم منه في ثاني
حال خلاف ما كان يعلمه فإنه يراه ويعلم أنه هو والصحيح أنه يعلم ويرى، فإن الله تعالى خلق
المعرفة المحدثة به لكمال مرتبة العرفان ومرتبة الوجود، ولا يكمل ذلك إلا بتعلق العلم
المحدث بالله على صورة ما تعلق به العلم القديم، وما تعلق القديم بالعجز عن العلم به كذلك
العلم المحدث به ما تعلق إلا بما هو المعلوم عليه في نفسه، والذي هو عليه في نفسه أنه عين
كل صورة فهو كل صورة، فما وقع العجز من هذا العبد إلا في كونه قصره على صورة واحدة
وهي صورة معتقده وهو عين صورة معتقده، فما عجز إلا عن الحكم عليه بما ينبغي له، ولا

١٩٧
في المنازل / الباب الخامس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الأخوة ...
يتصف بالعجز عن العلم به إلا من أخذ العلم من دليل عقله، وأما من أخذ العلم به من الله لا
من دليله ونظره فهذا لا يعجز عن حصول العلم بالله، فإنه ما حاول أمراً يعجز عنه فيعترف
بالعجز عنه، وليس هذا الذي يطلبه بنظره في دليل عقله وعلمه من طريق التعريف والتجلي
الذي هو علم موهوب من حكيم حميد، فالقائل سبحان من لا يعرف إلا بالعجز عن المعرفة
به صاحب علم نظر لا صاحب تعريف إلهيّ، وأما العجز عن إحصاء الثناء عليه فهذا قول
كامل محقق فإنه لا يكون العجز عن إحصاء الثناء عليه إلا بعد العلم بالمثني عليه ما هو فيعلم
أنه أعظم من أن يحيط به ثناء ويبلغ فيه وصف منتهاه كما قيل في بعض المخلوقات :
[الطويل]
فأنت الذي تُثْنى وفوق الذي نُثْني
إذا نحنُ أثْنَيْنا عليك بصالح
هذا قول في مخلوق وهو قول محقق، فكيف الثناء على الله سبحانه؟ وإنما حققنا قول
هذا الشاعر في هذا المخلوق مع ما يتخيل العقل بنظره أن الإحاطة بالثناء على المخلوق
ممكنة، وليس الأمر في نفسه كذلك وإنما هذا الشاعر قال حقاً إما مصادفة وإما عن تحقق له
وذلك في قوله: ((فأنت الذي تثني)) وهو ما هو عليه ذلك الممدوح في الوقت ((وفوق الذي
نثني)) فإنه محل قابل لما يخلق الله فيه من النعوت التي يخلق فيه فيثني عليه بها، وهذه النعوت
فيه لا نهاية لها أي لما يكون عنها مما يوجب الثناء بها على الممدوح، وإذا كان هذا الثناء
على الحق تعالى فلها البقاء في الوجود لذاتها لا تقبل العدم، والثناء منا عليه دائم يتجدّد لأنه
في كل نفس فينا يتجدّد علينا علم بالله فنثني عليه به، أو علم بأمر ما لم يكن عندنا فنثني عليه
به، ونحن ما ننشد هذا البيت كما قاله صاحبه، وإنما ننشده على ما قلناه وأعطانا ذلك العلم به
فنقول : [الطويل]
فأنت الذي تُثْني ولَسْنا الذي نُثْني
إذا نحن أثْنَيْنَا عَلَيْكَ بصَالح
وهذا فوق ما قاله الشاعر من وجه ومساو له من وجه، سواء قال ذلك عن علم محقق
أو مصادفة وهو لا يعلم، فنطقه الله تعالى بالحق من حيث لا يشعر، كما أنه يستدرج العبد من
حيث لا يعلم ويمكر به من حيث لا يشعر، والحق معلوم معروف في نفسه، والعالم به عاجز
عن إحصاء الثناء عليه كما ينبغي له، فإنه ليس في الوسع حصول ذلك ولا يعطيه استعداد
ممكن أصلاً، فهذا ما أعطاه مؤاخاة الاستعدادات والأسماء الإلهية، وهذه أعلى أخوّة يوصل
إليها، ثم ينزل إلى أخوّة دونها وهي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾
[الحجرات: ١٠] ومن أسمائه ((المؤمن)) وقد وقع النزاع بينهم بما أخبر به عن نفسه أنه كذا فنازعه
المؤمن من المخلوقين الذي اجتمع معه في الإيمان فكانت له أخوّة معه بهذا الإيمان بنظره في
دليله العقلي أنه على خلاف ما أخبر به عن نفسه مع كونه مصدّقاً له لكنه تأوّل عليه، فلما
ظهرت هذه المنازعة بين المؤمن الحق والمؤمن الخلق قال الله لعلماء الكشف: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ
أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] فدخل المؤمنون العالمون المكاشفون بينهما بالصلح، وذلك أن يكون
المؤمن الحق مع هذا المؤمن أخيه حتى يبلغه قوّته لأنه مخلوق على كل حال، وما أعطيته

١٩٨
في المنازل/ الباب الخامس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الأخوة ...
الكشف الكامل ولا ظهرت إليه به، فليكن معه بحيث يعطيه منزلته فيقول المؤمن الحق للمبلغ
عنه قل لهذا المنازع: ﴿إِنَِّىّ أَنَا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] و﴿لَّا
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وإني منزه عن وصف الواصفين فجاء الرسول بالتوقيع الإلهي
إلى هذا المؤمن المنازع بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وبقوله: ﴿سُبْحَنَ رَيِّكَ رَبِّ
اَلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] وأشباه هذا النوع من التنزيه الذي يعطيه دليل العقل
النظري، فإذا سمع هذا منه طاب قلبه وجنح إليه وزال نزاعه، وجاء العلماء إلى المؤمن الخلق
في المصالحة من هذا الجانب وقالوا له: أنت تعلم أن المؤمن الحق أعلم بنفسه منك به لا بل
أعلم بك من علمك بنفسك وأنك إنما تحكم عليه بما هو خلق له مثلك وهو عقلك وفكرك
ودليلك فلا فرق بينك وبين كل مخلوق في العجز عما لا يعجز عنه المؤمن الحق فقف معه
في موضع التسليم فإنه وإن كان مؤمناً وأنت مؤمن فأنت على مرتبتك التي تليق بك وهو على
مرتبته التي تليق به وأنت تعلم أنك لست مثله وإن جمعكما الإيمان فليس نسبته إليه مثل نسبته
إليك فإنك لست مثله فلا تغرّنك هذه المماثلة واعرف قدرك، فإذا سمع مثل هذا طلب الصلح
والإقالة مما وقع منه من النزاع، وامتن المؤمن الحق عليه بما وقع له في المنشور من التنزيه
الذي وقع النزاع من أجله فأصلح المؤمنون العالمون بين المؤمن الحق وبين هذا المؤمن
الخلق، فهكذا فليكن الفهم عن الله فيما أوحى به إلى عباده على ألسنة رسله وأنزله في كتبه.
ثم في أخوّة الإيمان درجة أخرى في درجات الكشف وهي قوله بعد أن تسمى لنا
بالمؤمن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠] لأبوّة الإيمان، قال: ((المؤمنُ مرآةُ أخيه)) وما
ينطق عن الهوى هذا القائل، فأثبت الأخوّة بين المؤمنين، وجعل كل واحد من المؤمنين مرآة
لأخيه فيراه ويرى فيه نفسه من كونه على أي صورة كان كل مؤمن منهما بهذه المثابة، فيكون
المؤمن الحق مرآة للمؤمن الخلق، فيراه ويعلم أنه يراه كما يعلم صاحب المرآة أن له مرآة ثم
ينظر فيها فلا يرى إلا صورته وصورة ما أثرت المرآة فيه، ولهذا جعل له عينين ليرى بالعين
الواحدة صورته وبالعين الأخرى ما حكمت به المرآة في صورته إذ لم يكن في نفسه على ما
حكمت به المرآة عليه في الصورة المحسوسة من الكبر والصغر والطول والعرض والاستقامة
والانتكاس على حسب شكل المرآة، ولا يرى هذا الأثر كله هذا الناظر إلا في صورته فيعلم
أن له فيه حكماً ذاتياً لا يمكن أن يرى نفسه في هذه المرآة إلا بحسب ذلك، فإذا كان المؤمن
الخلق هو عين المرآة للمؤمن الحق فيراه الحق وهو في نفسه على استعداد خاص فلا يبدو من
الحق له إلا على قدر استعداده، فلا يرى الحق من نفسه في هذه المرآة الخاصة إلا قدر ذلك،
فأثرت هذه المرآة في إدراك الرائي القصور على ما رأى بحكم الاستعداد فأشبهه من هذا الوجه
فعبر عن هذا المقام بالأخوّة، إذ لولا المناسبة بين الأمرين لم يكن كل واحد من الأمرين مرآة
لأخيه، وما نصب الله هذا المثال وخلق لنا هذه المرائي إلا ليعطينا النظر فيها إصلاح ما وقع
في صورتنا من خلل وما يتعلق بها من أذى تنزيله على بصيرة فهي تجل لإزالة العيوب،
فيدلك هذا أن الرائي في المرآة يحصل له علم لم يكن يراه قبل ذلك، ففي المؤمن المخلوق

١٩٩
في المنازل/ الباب الخامس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الأخوة ...
يقرب ذلك ويصح، وفي المؤمن الحق يعسر مثل هذا فهو قوله تعالى في المؤمن الحق:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] كذلك إذا رأى الحق نفسه في مرآة المؤمن المخلوق رأى أنه
بحكم استعدادها لا يرى غير ذلك فيها فيزيل عنه هذا الحكم بنظره في مراء متعدّدة فيختلف
الحكم في الصورة الواحدة باختلاف الاستعدادات وهو عينه لا غيره، فيعلم عند ذلك أن
حكم الاستعداد أعطى ما أعطى وأنه على ما هو عليه في نفسه فزال ما تعلق به من أذى التقيد
كما أزال الابتلاء أذى التردد وطلب إقامة الحجة ليكون هو الغالب فقال: ﴿حَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد:
٣١] فجعل الابتلاء سبب حصول هذا العلم وما هو سبب حصول العلم، وإنما هو سبب إقامة
الحجة حتی لا یکون للمحجوج حجة يدفع بها .
وأمّا مماثلة الصورة في الخلق فهي للنيابة والخلافة ما هي للأخوة فإنه من حيث صورة
العالم من العالم كما هو الروح من الجسد من صورة الإنسان وهو من حيث صورة الحق ما
يظهر به في العالم من أحكام الأسماء الإلهية التي لها التعلق بالعالم، فليست الصورة بأخوة
كما يراه بعضهم، ولهذا لم نذكر الأخوة إلا في أمر خاص وهو المؤمن إلا أن الصورة تشد
أزر إخوة الإيمان بالسببية، فإن الأسباب لولا ما لها أثر في المسبب ما أوجدها الله، ولو لم
يكن حكمها في المسببات ذاتياً لم تكن أسباباً ولم يصدق كونها أسباباً ويعلم ذلك فيمن لا
يقبل الوجود إلا في محل وما ثم محل ويريد الموجد إيجاده، فلا بد أن يوجد المحل لوجود
هذا المراد وجوده، فيكون وجود المحل سبباً في وجود هذا المراد الذي تعلقت الإرادة به
وبإيجاده، فعلمت أن للأسباب أحكاماً في المسببات فهي كالآلة للصانع فتضاف الصنعة
والمصنوع للصانع لا للآلة، وسببه أنه لا علم للآلة بما في نفس الصانع أن يصنع بها على
التعيين، بل لها العلم بأنها آلة للصنع الذي تعطيه حقيقتها ولا عمل للصانع إلا بها، فصنع
الآلة ذاتيّ، وما لجانب الصانع بها إراديّ وهو قوله: ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [النحل: ٤٠]
وكن آلة للإيجاد فما أوجد إلا بها، وكون تلك الكلمة ذاته أو أمراً زائداً علم آخر إنما المراد
هو فهم هذا المعنى، وأنه ما حصل الإيجاد بمجرد الإرادة دون القول ودون المريد والقائل،
فظهر حكم الأسباب في المسببات، فلا يزيل حكمها إلا جاهل بوضعها وما تعطيه أعيانها
﴿وَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] ولهذا قال موسى: ﴿وَأَشْرِكُهُ فِىّ أَغْرِىِ﴾
[طه: ٣٢] وقال: ﴿أَشْدُدْ بِهِ، أَزْرِى﴾ [طه: ٣٢] وهو أفصح مني لساناً فعلم ما قال، وعلمنا نحن
من هذا القول ما أشار إليه به ليفهم عنه صاحب عين الفهم، فهذا معنى التعاون وهو في قوله :
﴿أَسْتَعِينُواْ بِلَّهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ [الفاتحة: ٥] والله في عون العبد ما دام
العبد في عون أخيه. فلولا المشاركة في المطلوب بالوجود من المستعان به ما صدق
المستعين في استعانته، والمستعين قد يستعين شرفاً للمستعان به مع غناه عنه على التعيين،
وإن كان لا بد من سبب أو يكون ممن يستقل به دون السبب فيقصد جعله سبباً لشرفه بذلك
على غيره ليعلم منزلته عنده فإن الله قد جعل المفاضلة في العالم.
وأما المؤاخاة بين الأسماء الإلهية فلا تكون إلا بين الأسماء التي لا منافرة بينها لذاتها

٢٠٠
في المنازل/ الباب الخامس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الأخوة ...
فإن الله ما واخى إلا بين المؤمنين، وما واخى بين المؤمن والكافر بل لم يجعل لأخوة النسب
حظاً في الميراث مع فقد أخوّة الإيمان، فليس المدعى إلا أخوة الإيمان، ألا تراه إذا مات عن
أخ له من النسب وهو على غير دينه لم يرثه أخو النسب وورثه أخو دينه، والصورة بيننا وبين
الحق نسب ودين، فلهذا ما يرث الأرض عز وجل إلا بعد موت الإنسان الكامل حتى لا يقع
الميراث إلا في مستحق له، كما يرث السماء لما فيها من حكم أرواح الأنبياء عليهم السلام لا
من كونها محلاً للملائكة، فإذا صعقوا بالنفخة ورث الله السماء فأنزل الاسم الوارث الملائكة
من السماء وبدّل الأرض غير الأرض والسموات كما ذكرناه فيما قبل من هذا الكتاب،
فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، فالمؤمن لا يبغض المؤمن، والمؤمن لا يقتل
المؤمن لإيمانه، والمؤمن يقتل أخا النسب إذا كان غير مؤمن، فهذا القدر كاف في هذا
الباب. فلنذكر ما يحوي عليه من العلوم :
فمن ذلك: علم صورة نداء الحق عباده من أين يناديهم هل يناديهم من حكم مشيئته أو
يناديهم من حيث ما هم عليه؟ ومن ينادي هل ينادي المعرض أو المقبل أو هما؟ وفيه علم
الآداب الإلهية ومنازل المخلوقات وما ينبغي أن يعامل به كل مخلوق بل كل موجود، وعلم
مصالح الموجودات فلا يتصرف صاحب هذا العلم إلا فيما هو مصلحة لنفسه أو لغيره على
حسب ما يصرفه المطلوب فهو خارج في تصرّفاته عن هوى نفسه إنما هو مع المصالح فهو
لكل شيء لا عليه، وفيه علم الفهم بما يأتي به كل قائل فيعلم من أين تكلم فيقيم له عذراً فيما
ينسب إليه عند من لا يعرف ذلك من الخطأ في قوله، وهو علم عزيز يقل الإنصاف فيه من
أهله فكيف ممن لا يعرفه؟ وما يؤثر تارك العمل بمثل هذا العلم في صاحبه من الحسرة
والندامة على عدم استعماله، وفيه علم الحكمة في التغافل والتناسي وهو الحلم والإمهال
الإلهي أو من ذي القدرة ليرجع المغفول عنه عما هو عليه مما كان لا ينبغي أن يظهر به ولا
عليه، وفيه علم كون الأشياء بيد الله ليس بيد المخلوقين منها شيء وإن ظهرت الصور بأيديهم
فهي بحكم الاستعارة لا بحكم الملك، وفيه علم المنن الإلهية التي أسبغها على العباد في الظاهر
والباطن وتعيين ما يمكن أن يعين منها، وعلم برزخ المتشاجرين ليقف فيه من يريد رفع التشاجر
بينهم، وفيه علم الأسماء وشرفها والفرق بينها وبين ما زاد على الإعلام منها مما وضع لمدح أو
ذم، وفيه علم العدول عن الطريق التي تحول بين العبد وبين حصول العلم فإنه أعلى ما يطلب
وأفضل ما يكتسب وأعظم ما به يفتخر وأسد آلة تعد وتدخر وبه مدح الله نفسه بأن له الحجة
البالغة وليس إلا العلم، وفيه علم مراتب الخلق الإنساني في الخلق فإنهم على طبقات فيه وما
يسمى به الإنسان الذي خلقه الإنسان هل هو إنسان أو حيوان في صورة إنسان من حيث نشأة
جسده؟ وما الأمر الذي عجز عنه في ظهور النفس الناطقة في هذا المخلوق هل لعدم الاستعداد
فيقضي للمنشىء لهذه الصورة ما يقع به قبول نفس ناطقة من النفس الكل؟ أو هل هو تعجيز
أراديّ إلهي لأنه أمر عظيم؟ وقد ذكر أنه وقع مثل هذا، وذكر في الفلاحة النبطية أن بعض العلماء
بعلم الطبيعة كوّن من المنيّ الإنسانيّ بتعفين خاص على وزن مخصوص من الزمان والمكان