النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
في المنازل/ الباب التاسع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل علم الآلاء والفراغ إلى البلاء
وهو الظاهر والباطن، فليس عين ما ظهر بغير لعين ما بطن فافهم فهو الباقي ببقاء الله وما عداه
فهو الباقي بإبقاء الله، وحكم ما هو بالإبقاء يخالف حكم ما هو بالبقاء، فما هو بالبقاء فله دوام
العين، وما هو بالإبقاء فله دوام الأمثال لا دوام العين حتى لا يزال المتنعم متنعماً والنعم
تتوالى عليه دائمة مستمرّة. وما أنشأ الله من كل شيء زوجين إلا ليعرف الله العالم بفضل نشأة
الإنسان الكامل ليعلم أن فضله ليس بالجعل، فإن الذي هو الإنسان الكامل ظهر به ازدواج من
لا يقبل لذاته الازدواج وما هو بالجعل، فضمن الوجود الإنسان الكامل الظاهر بصورة الحق
فصار للصورة بالصورة زوجين فخلق آدم على صورته فظهر في الوجود صورتان متماثلتان
كصورة الناظر في المرآة ما هي عينه ولا هي غيره، لكن حقيقة الجسم الصقيل مع النظر من
الناظر أعطى ما ظهر من الصورة، ولهذا تختلف باختلاف المرآة لا بالناظر، فالحكم في
الصورة الأكبر لحضرة المجلى لا للمتجلي، كذلك الصورة الإنسانية في حضرة الإمكان لما
قبلت الصورة الإلهية لم تظهر على حكم المتجلي من جميع الوجوه فحكم عليها حضرة
المجلى وهي الإمكان، بخلاف حكم حضرة الواجب الوجود لنفسه، فظهر المقدار والشكل
الذي لا يقبله الواجب وهو الناظر في هذا المرآة فهو من حيث حقائقه كلها هو هو، ومن
حيث مقداره وشكله ما هو هو، وإنما هو من أثر حضرة الإمكان فيه الذي هو في المرآة تنوع
شكلها في نفسها ومقدارها في الكبر والصغر. ولما كان الظاهر بالصورة لا يكون إلا في حال
نظر الناظر الذي هو المتجلي لذلك نسب الصورة إلى محل الظهور وإلى النظر، فكانت
الصورة الظاهرة برزخية بين المحل والناظر، ولكل واحد منهما أثر فيها يخرج منهما اللؤلؤ
وهو ما كبر من الجوهر والمرجان وهو ما صغر منه وهو أثر الحضرة لا أثر الناظر، فقال في
زوجية ظهور الإنسان الكامل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أي ليس مثل مثله شيء
أي من هو مثل له بوجوده على صورته لا يقبل المثل أو لا يقبل الموجود على الصورة الإلهية
المثال، فعلى الأوّل نفي المثلية عن الحق من جميع الوجوه لما أثر المحل المتجلي فيه في
الصورة الكائنة من الشكل والمقدار الذي لا يقبله المتجلي من حيث ما هو عليه في ذاته، وإن
ظهر به فذلك حكم عين الممكن في وجوده، وعلى الآخر نفي المثلية عن الصورة التي
ظهرت، فلم يماثلها شيء من العالم من جميع وجوه المماثلة، فلما كان من الصورة زوجان
كان بالجعل من كل شيء خلقنا زوجين، لأن الأصل قبل الزوجية فظهر حكمها في الفرع،
ولكن حكمها في الأصل يخالف حكمها في الفرع.
وهذه مسألة واحدة من مسائل هذا المنزل، فلنذكر ما يتضمن من العلوم كما ذكرنا لسائر
منازل هذا الكتاب: فمن ذلك علم مراتب الأسماء، وعلم الفهم في القرآن، وعلم نطق كل
شيء ومراتبه في البيان عن نفسه، وعلم العدد، وعلم اشتراك العالم فيما يشترك فيه من الصفات
والمراتب، وعلم الفرق بين العوالم واختلاف أحكام العدل لاختلاف المواطن والأعصار فما
هو حق في شرع عاد باطلاً في شرع آخر بالنسخ الطارىء، والإيمان بحقيقته واجب وبنسخه
واجب، وعلم العدول عن الحق وإلى الحق وما يتعلق بذلك من الذم والحمد، وعلم المولدات
الفتوحات المكية ج٥ - م١١

١٦٢
في المنازل/ الباب الثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل القمر من الهلال من البدر
التي هي الأمهات لماذا وضعت في العالم ولم تظهر أعيان الأشياء من غير أن يكون أبناء لأمهات
وآباء وما تحمله الأمهات مما فيه صلاح الأبناء، وعلم تقرير النعم الظاهرة والباطنة ولم تذهب
بالكفر وتزيد بالشكر، وعلم نشأة الجن والإنس دون غيرهما من الحيوان، وعلم الستر والتجلي
الذي لأجله لم يكن في الإمكان أبدع من هذا العالم لعمومه جميع المراتب فلم يبق في الإمكان
إلا أمثاله لا أزيد منه في الكمال الوجودي الحافظ للأصول، وعلم الفواصل بين الأشياء وبين
كل اثنين في المعقول والمحسوس كالخط الفاصل بين الظل والشمس لماذا ترجع هذه الفواصل
هل لأمر زائد على أعيان المفصولين أم لا؟ وعلم ما تحوي عليه حروف الوجود من المعاني،
وعلم الأعلام على ما هي أعلام، وعلم الفناء والبقاء، وعلم ما يفعله الحق مما يظهر في الحال
لا غير، وعلم إضافة ما ينزه العقل إضافته عن الحق إلى الحق، وعلم السرادق الإلهيّ وما فيه
من الأبواب وما يفتح تلك الأبواب للذين يريدون الخروج منها ولماذا يخرجون؟ وما يشهدون
إذا خرجوا وما يخرجهم؟ وعلم العقاب والعذاب ولماذا سمي عقاباً وعذاباً؟ وعلم ما يؤول إليه
محل الملأ الأعلى لا بل الملأ الأوسط، وعلم الخرس والسكوت عن العالم وما سببه، وعلم
العلامات هل تقوم مقام الكلام والعبارة من المتكلم أم لا؟ كالمعجزات والنطق المعلوم من
قرائن الأحوال وإن لم يكن هناك عبارة بنظم حروف وإظهار كلمات، وعلم ما تعطيه العلامات
في الأشياء من الأحكام، وعلم تردد الأشياء بين الأشياء، وعلم نتائج المقامات والأحوال،
وعلم حكم الشفعية في العالم الأخراوي، وعلم الأسباب الموصلة إلى الحكم من السبب إلى
المسبب، وعلم الأذواق والأفكار، وعلم الالتذاذ بما يرد من الحق على الإنسان من طريق
شفعيته أي من حيث شفع الصورة الإلهية لا من حيث ما شابه العالم، وعلم من يمنع بتجليه
النظر إلى غيره مع القدرة عليه فلا يكون في حال فناء، وعلم مقام الأسرار من خلف حجاب
الغيرة والصون الإلهيّ، وعلم التشبيه والتمثيل، وعلم المجازاة بالأمثال كالذهب بالذهب
مفاضلة وهو في حكم الدنيا ربا، وعلم المفاضلة، وعلم بماذا تقع المفاضلة بين الأمثال، وعلم
الفرق بين البراقات والرفارف والأوكار في الأشجار وفي الإسراءات، وعلم مباسطة الحق في
قبضه وقبضه في مباسطته وما يحدث من الزيادة عند صاحب هذه الأحوال، فهذا بعض ما
يحتوي عليه هذا المنزل من أمهات العلوم التي يتفرع أبناؤها بالتناسل إلى ما يتناهى مع الآنات،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الثلاثون وثلاثمائة
في معرفة منزل القمر من الهلال من البدر من الحضرة المحمدية
[الرجز]
في صالح وثُمّ لُوط وافْتَكِزْ
انْظُرْ إلى نُوح وعَادٍ واعْتَبِرُ
ونَادِهِمْ هل فيكمُ منْ مُدّكِرْ
وقلْ لهم قَوْلَ شفيق ناصحٍ
وليس في لَيْسَ وُجُودٌ مستقرّ
وليس في الكون وجودٌ غيره

١٦٣
في المنازل/ الباب الثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل القمر من الهلال من البدر
فَهْوَ له ليس لنا وَهْوَ لنا
ليس له بوَجْهِ كَوْنٍ مُسْتَمِزْ
قد ذهبت وأعْقَبَتْها من صُوَزْ
أين الذي لاحَ لنا من صُوَرٍ
وكان مَشْهُوداً لعَيْنٍ وبَصَرْ
لو ذهبت في الغيب زال عَيْنُه
يقوم بالكون الكونُ له ظهر
أو عدمت وما أرى من عدم
وما بدا من عَدَم لكنه
من كون حَقّ ظاهر لا يَسْتَسِرْ
اعلم أيدك الله أن القمر مقام برزخيّ بين مسمى الهلال ومسمى البدر في حال زيادة
النور ونقصه، فسمي هلالاً لارتفاع الأصوات عند رؤيته في الطرفين، ويسمى بدراً في حال
عموم النور لذاته في عين الرائي، وما بقي للقمر منزل سوى ما بين هذين الحكمين، غير أن
بدريته في استتاره عن إدراك الأبصار تحت شعاع الشمس الحائل بين الأبصار وبينه يسمى
مَخْقاً وهو من الوجه الذي يلي الشمس بدر كما هو في حال كونه عندنا بدراً هو من الوجه
الذي لا يظهر فيه الشمس محق، وما بين هذين المقامين على قدر ما يظهر فيه من النور ينقص
من الوجه الآخر، وعلى قدر ما يستتر به من أحد الوجهين يظهر بالنور من الوجه الآخر،
وذلك لتعويج القوس الفلكيّ، فلا يزال بدراً دائماً ومحقاً دائماً، وذلك لسر أراد الله إعلامه
للعارفين بالله، فضرب لهم هذا المثل بالفعل ليعتبروا فيه بالعبور إلى ما نصب له من معرفة
الإنسان الكامل ومعرفة الله لوجوده على الصورة، وتغير أحواله فيها لتغير المراتب التي يظهر
فيها، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] ولم يسمه بدراً ولا هلالاً، فإنه في هاتين
الحالتين ما له سوى منزلة واحدة بل اثنتين، فلا يصدق قوله منازل إلا في القمر، فللقمر درج
التداني والتدلي، وله الأخذ بالزيادة والنقص في الدخول إلى حضرة الغيب والخروج إلى
حضرة الشهادة ثم إن الله تعالى نعته بالانشقاق لظهور الإنسان الكامل بالصورة الإلهية فكان
شقاً لها، فظهورها في أمرين: ظهور انشقاق القمر على فلقتين ورد في الخبر عن الصاحب أن
القمر انشق على عهد رسول الله وَّل# عند سؤال طائفة من العرب أن يكون لهم آية على صدقه
فانشق فقال رسول الله ﴿ ﴿ للحاضرين: ((اشْهَدُوا)). وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ
اُلْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] فلا يدرى هل أراد الانشقاق الذي وقع فيه السؤال وهو الظاهر من الآية فإنه
أعقب الانشقاق بقوله: ﴿وَإِن يَرَوْأ ءَايَةٌ يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ﴾ [القمر: ٢] وكذا وقع القول
منهم لما رأوا ذلك ولهذا قال رسول الله وَ لَّه للحاضرين: ((اشْهَدُوا)) لوقوع ما سألوا وقوعه وما
لهم إلا ما ظهر، وهل ذلك الواقع في نفس الأمر أو في نظر الناظر؟ هذا لا يلزم فإنه لا يرتفع
الاحتمال إلا بقول المخبر إذا أخبر أنه في نفس الأمر كما ظهر في العين، وقول المخبر هو
محل النزاع، وما اشترطوا في سؤالهم أن لا يظهر منهم ما ظهر منهم من الاعتراض عند وقوع
ما سألوا وقوعه، فلم يلزم النبيّ وَّر أكثر مما وقع فيه من السؤال، ثم جاء الناس من الآفاق
يخبرون بانشقاق القمر في تلك الليلة ولهذا قال الله تعالى عنهم: إنهم قالوا فيه سحر مستمر،
فقال الله: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣] كان ذلك الأمر ما كان، فالقمر لولا ما هو
برزخي المرتبة ما قبل الإهلال والإبدار، والمحق والسرار، فالسحر المستمر داخل تحت

١٦٤
في المنازل/ الباب الثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل القمر من الهلال من البدر
حكم كل ذي أمر مستقر، فهذا انشقاق بالحق وجهل في عين العلم وهو قوله: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم
مِّنَ الْعِلْمِّ﴾ [النجم: ٣٠] فأثبته علماً.
واعلم أن النظر والاعتبار من العلوم التي تظهر من الأسرار والأنوار فالنور للبصر
والأبصار، فقال الله لما ذكر هذا المقام: ﴿فَأُعْتَبِرُوا يَكَأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [الحشر: ٢] أي جوزوا مما
أعطاكم البصر بنوره مما أدركه من المبصرات وأحكامها إلى ما تدركونه بعين بصائركم شهوداً
وهو الأتم الأقوى، أو عن فكرة وهو الشهود الأدنى عن المرتبة العليا، وكلاهما عابر عما
ظهر إلى ما استسر وبطن فهي ﴿اُلْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] كما هي ﴿لَيَتٍ لِقَوْمٍ
يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦] فالمتقي يتولى الله تعليمه فلا يدخل علمه شك ولا شبهة، والمتفكر ناظر
إلى قوّة مخلوقة فيصيب ويخطىء، وإذا أصاب يقبل دخول الشبهة عليه بالقوّة التي أفادته
الإصابة لاختلاف الطرق، فالمتقي صاحب بصيرة، والمتفكر بين البصر والبصيرة لم يبق مع
البصر ولا يخلص للبصيرة. فلنذكر في هذا المنزل مسألة من مسائله كإخوانه من المنازل وهو
منزل شريف عال يسمى منزل النور في الطريق لأن الله جعله نوراً ولم يجعله سراجاً لما في
السراج من الافتقار إلى الإمداد بالدهن لبقاء الضوء، ولهذا كان الرسول ﴿ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾
[الأحزاب: ٤٦] للإمداد الإلهيّ الذي هو الوحي، وجعله منيراً أي ذا نور لما فيه من الاستعداد
لقبول هذا الإمداد كالنار التي في رأس الفتيلة التي ينبعث منها الدخان الذي فيه ينزل النور على
رأس الفتيلة من السراج فيظهر سراجاً مثله، والنور من الأسماء الإلهية، وليس السراج من
أسمائها لأنه لا يستمد نوره من شيء، فعرفت من هذا الاعتبار رتبة القمر من الشمس، قال
تعالى: ﴿وَجَعَلَ اٌلْقَمَرَ فِهِنَّ نُرًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦] فنور السراج مقيد، والنور
القمري مطلق، ولهذا نكره ليعم الأنوار، فكل سراج نور وما كل نور سراج.
واعلم أنه من العلم بالتحقق بالصورة أن العلم المطلق من حيث ما هو متعلق
بالمعلومات ينقسم إلى قسمين: إلى علم يأخذه الكون من الله بطريق التقوى وهو قوله: ﴿إِن
تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] وقوله في الخضر: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [الكهف:
٦٥] وعلم يأخذه الله من الكون عند ابتلائه إياه بالتكليف مثل قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾
[محمد: ٣١] فلولا الاشتراك في الصورة ما حكم على نفسه بما حكم لخلقه من حدوث تعلق
العلم، فإن ظهر الإنسان بصورة الحق كان له حكم الحق، فكان الحق سمعه وبصره، فسمع
بالحق فلا يفوته مسموع، ويبصر بالحق فلا يفوته مبصر، عدماً كان المبصر أو وجوداً وإن
ظهر الحق بصورة الإنسان في الحال الذي لا يكون الإنسان في صورة الحق كان الحكم على
الله مثل الحكم على صورة الإنسان الذي ناله صورة الحق، فينسب إليه ما ينسب إلى تلك
الصورة من حركة وانتقال وشيخ وشاب وغضب ورضا وفرح وابتهاج.
ومن أجل ما بيناه من شأن هذين العلمين جعل الله في الوجود كتابين: كتاباً سماه أمّاً فيه
ما كان قبل إيجاده وما يكون كتبه بحكم الاسم المقيت فهو كتاب ذو قدر معلوم فيه بعض
أعيان الممكنات وما يتكوّن عنها. وكتاباً آخر ليس فيه سوى ما يتكون عن المكلفين خاصة فلا

١٦٥
في المنازل/ الباب الثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل القمر من الهلال من البدر
تزال الكتابة فيه ما دام التكليف، وبه تقوم الحجة لله على المكلفين، وبه يطالبهم لا بالأم،
وهذا هو الإمام الحق المبين الذي يحكم به الحق تعالى الذي أخبرنا الله في كتابه أنه أمر نبيه
أن يقول لربه: ﴿أَحْكُ بِالْحَقْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] يريد هذا الكتاب وهو كتاب الإحصاء ﴿لَا يُغَادِرُ
صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَا﴾ [الكهف: ٤٩] ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ﴾ [القمر: ٥٣] وهو
منصوص عليه في الأمّ التي هي الزبر ومعناه الكتابة، وإن كانت أصناف الكتب كثيرة ذكرناها
في مواقع النجوم فإنها ترجع إلى هذين الكتابين، وسبب إيجاد الكتابين كونه سبحانه خلق من
كل شيء زوجين، فخلق كتابين أيضاً، فمن الكتاب الثاني يسمى الحق خبيراً، ومن الأم
يسمى عليماً، فهو العليم بالأول الخبير بالثاني، إن عقلت فالقضاء الذي له المضي في الأمور
هو الحكم الإلهيّ على الأشياء بكذا، والقدر ما يقع بوجوده في موجود معين المصلحة
المتعدّية منه إلى غير ذلك الموجود مثل قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِىِ الْأَرْضِ﴾
[الشورى: ٢٧] فلو وجد البغي عن البسط لم تقم الحجة عليهم ولكن ينزل بقدر ما يشاء، فما
أنزل شيئاً إلا بقدر معلوم، ولا خلق شيئاً إلا بقدر، فإذا وجد البغي مع القدر قامت الحجة
على الخلق حيث منع الغير مما بيده مع حصول الاكتفاء، فما زاد فيعلم أنه لمصحلة غيره،
ومن فضله جعله قرضاً، ولا يقع القرض فيما هو رزق له لقوام عينه، وجعل هذا الفعل من
جملة مصالح العباد فرفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً.
ولما أنزل الله سبحانه نفسه منزلة عباده أمضى عليه أحكامهم فما حكم فيهم إلا بهم،
وهذا من حجته البالغة له عليهم وهو قوله: ﴿جَزَّآءَ وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] ﴿جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
[الأحقاف: ١٤] ﴿جَزَآءْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢] فأعمالهم عذبتهم وأعمالهم نعمتهم فما
حكم فيهم غيرهم فلا يلومون إلا أنفسهم كما قال الله فيما حكاه لنا من قول الشيطان ﴿لَمَّا قُضِىَ
اُلْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي من قوّة
ولا حجة ولا برهان ﴿إِلََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وليس كل من دعا تلزم إجابته،
ولهذا كانت المعجزات تشهد بصدق الدعوة من الرسل أنها دعوة الله، والشيطان ما أقام برهاناً
لهم لما دعاهم وهو قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَنٍ﴾ فيا عجباً أن الناس جحدوا دعوة
الحق مع ظهور البرهان وكفروا بها، وأجابوا دعوة الشيطان العرية عن البرهان فقال لهم: ﴿فَلَا
تَلُومُونِ وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] نظراً منه إلى حكم الكتاب الثاني الذي به تقوم الحجة
عليهم، فلو نظر إلى الأم والزبر الأوّل لم يقل لهم: ﴿وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ فالقضاء للكتاب
الأوّل يطلبه حكم الكتاب الثاني والقدر بالكتاب الثاني وكلا الكتابين محصور لأنه موجود،
وعلم الله في الأشياء لا يحصره كتاب مرقوم ولا يسعه رق منشور ولا لوح محفوظ ولا يسطره
قلم أعلى ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُولَى وَالْآَخِرَةٌ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] أي إلى الحكم وهو
القضاء، فالضمير في إليه يعود على الحكم فإنه أقرب مذكور فلا يعود على الأبعد ويتعدّى
الأقرب إلا بقرينة حال، هذا هو العلوم من اللسان الذي أنزل به القرآن، فالقضاء يحكم على
القدر والقدر لا حكم له في القضاء، بل حكمه في المقدر لا غير بحكم القضاء، فالقاضي حاكم

١٦٦
في المنازل / الباب الثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل القمر من الهلال من البدر
والمقدر مؤقت، فالقدر التوقيت في الأشياء من اسمه المقيت، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلٍ
شَىْءٍ مُّقِينًا﴾ [النساء: ٨٥] وهذا المنزل أشهدته بقونية في ليلة لم يمرّ عليّ أشدّ منها لنفوذ الحكم
وقوّته وسلطانه، فحمدت الله على قصوره على تلك الليلة ولم يكن حكم تأبيد وإنما كان حكم
وقوع مقدر، فلما رددت إليّ وقد سقط في يدي وعلمت ما أنزل الله عليّ وما قدره الحق لديّ
وفرّقت بين قضائه وقدره في الأشياء كتبت به إلى أخ في الله كان لي رحمه الله أعرّفه بما جرى
كما جرت العادة بين الإخوان. إذا كان كتابه قد ورد علي يطلبني بشرح أحوالي فصادف ورود
هذا الحال فكتبت إليه في الحال: بسم الله الرحمن الرحيم ورد كتاب المولى يسأل وليه عن
شرح ما رأى أنه به أولى ليكون في ذلك بحكم ما يرد عليه : [الوافر]
سَألتَ تهمُّماً عن شَرْح حالي
شِهابَ الدِّين يا مَوْلَى الموالي
ومثلي من يُصَدُّ عن الوِصَالِ
فها أنا طائعٌ حَدَّ الغوالي
تداخلتِ النبالُ عَلى النبالِ
إليه فِعْلَ ذُكْرَانِ الرّجال
بُكَاءَ فَقِيدٍ واحدةِ المَوَالي
أنا المطرودُ من بين الموالي
فكيف تُضَيِّعُني ياذا الجلال
وإنَّ العفو من كّرَم الخِلال
لغير إزالة الداء العضال
حذار كريهةٍ يَوْمَ النضال
فإن الفضل من شِيَمِ المَوالي
فكيف وقفتُ دونكَ في ضلال
لقلتُ فَرَضْتُمُ عين المحال
ضعيفٌ مثل رَبّات الحِجَال
وإلحافاً عظيماً في السؤال
فحُسْنُ الظنّ من كرم الخِصَالِ
وبعد تَحَقُّقِي ما أن أبالي
لكان بجنب عَفْوٍكَ في سفال
فبعد العلم أُلْحَقُ بِالنّعال
بتوحيد يجلُّ عن المقال
طَرَذْتَ بها القبيحَ من الفعال
تَقَدَّسَ عن مكاشفة الخيال
عن المِثْلِ المحقَّق في المثالي
أنا المَطْرودُ من بين الموالي
عصيتُ زجاجَه فجهلتُ قَدْري
رُمِيتُ بأسهم الهجران حتّى
فيرميني بأسهمه فآتي
وقفتُ ببابهِ أشكو وأبكي
وقلتُ بعَبْرةٍ وحنينِ شَجْوٍ
أنا العبدُ المضَيِّعُ حَقَّ رَبِّي
وإنَّ مكارم الأخلاق منكم
وهل نشرت لجَالَيْنُوسَ كُثْبٌ
ويدّخرُ المقَوِّمُ من سهام
إذا كان العُبَيْدُ عُبَيْدَ سُوءٍ
وعهدي باقتحام عقاب نفسي
لو اسْتُنْطِقْتُ عن عجزي وضعفي
وها أنا واقفٌ في حال عجزي
بَعَثْتُ إليه حُسْنَ الظنّ مني
وإن كان الطباعُ طباعَ سوء
وَجُودُكَ قد تَحَقَّقَهُ رجائي
علمتُ بأنّ ذَنْبِيَ لو تَعَالَى
بلطفك قبل علمي كنتُ تاجاً
لقد أيَّدْتَني وشَدذتَ أَزْري
بواقية الوليد مَنَنْتَ ربّي
أعاينِ ما أعاينُ من جمالٍ
وعن صُوَرٍ مقيَّدةٍ تعالى

١٦٧
في المنازل/ الباب الثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل القمر من الهلال من البدر
كمالٌ في كمالٍ في كمالِ
كما نَشَطَ الأسيرُ من العِقَالِ
لحسن عناية وصلاح بال
وأين الشمسُ من نُورِ الهلالِ
ولا ليلٌ إلى يوم انْفِصَالِ
كما سُلخ النهار من الليالي
وكان النُّورُ آياتِ اتّصالي
دعاني للسُجود مع الظّلالِ
فأَشْهَدُهُ وَيَشْهَدُني فأفْنَى
ويأخذني لمشهده ارتياح
فما يلتذّ بالحُسْنَى سوائي
رأيت أهلَّةً طلعتْ شموساً
فِنَفَّرتِ الظلامَ فلا ظلامٌ
سُلِخْتُ عنايةً من لَيْلٍ جسمي
فكان المَحْوُ إِثْبَاتَ انْفِصَالٍ
وبعد الوصل فاسْتمِعَوا مقالي
وإنّ وليك لما أراد النهوض في طريقه، والنفوذ إلى ما كان عليه في تحقيقه، اعترضت
لوليك عقبة كؤود، حالت بينه وبين الشهود، والبلوغ إلى المقصود، والتحقق بحقائق
الوجود، فخفت أن تكون عقبة القضا، لما لسيفه من المضا. فرأيتها صعبة المرتقى، حائلة
بيني وبين ما أريده من اللقا فوقفت دونها في ليلة لا طلوع الفجرها، ولا أعرف ما في طيها من
أمرها. فطلبت حبل الاعتصام، والتمسك بالعروة الوثقى عروة الإسلام. فنوديت: أن الزم
الطلب ما بقيت. فعلمت أني بهذا الخطاب في صورة مثالية، متجلية في حضرة خياليه. وأن
علاقة تدبير الهيكل ما انقطع، وحكمه فيه ما ارتفع. فاستبشرت بزوال إفلاسي، عند رجعتي
إلى إحساسي. فنظمت ما شهدت، وخاطبت وليي في نظمي ببعض ما وجدت. فإذا نظر
وليي إليها، فليعوّل عليها. وليحذر من الأمن من مكر الله، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم
الخاسرون. فاسمع هديت، ما به على لساني نوديت : [مجزوء الرجز]
اعْتَرَضَتْ لي عَقْبَةٌ
فأسفرت عن مِحَنِ
مِنْ دونها جهنّمٌ
ترمي من الغَيْظ وجو
بُحُورُها قد سُجِرَتْ
وشَمْسُها قد كُوّرتْ
أتيتكم أخبركم
ولا تقولوا مثل مَنْ
فكان من أمرهـم
قالوا وقد دَعَاكُمُ الـدا
فيخرجون خُشَّعاً
شُعْئاً حُفاةً حُسَّراً
إلى عَذابِ وتَوّى
فلو ترى نَبِيَّهُمْ
وَسْطَ الطريق في السَّفَرْ
فيمن طغى أو مَنْ كَفَرْ
ذاتُ زَفِيرٍ وسُعُزْ
• المجرمين بشَرّز
وسَقْفُها قد انْفَطَزْ
ونَجْمُها قد انْكَدَز
لتعرفوا معنى الخَبَز
قال فما تُغْنِي النُّذُز
ما قد سمعتم وذُكِرْ
عي إلى شيء نُكُز
مثلَ الجراد المُنْتَشِرْ
في يوم نَحْسٍ مُسْتَمِزْ
إلى خُلُودِ فَي سَقَرْ
حين دعاهم فازدُجِز

١٦٨
في المنازل/ الباب الثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل القمر من الهلال من البدر
وقد دعا مرسله
فقال يا عَيْنُ انسكبْ
حتى التقى الماءُ على
فاضْطَفَقَتْ أمْواجُهُ
فالحُكْمُ حُكُمْ فاصلٌ
وأمرهُ واحدةٌ
سفينةٌ قامت مِنَ الْـ
تجري بعينِ حِفْظِهِ
تسوقها الأرواح عن
أنزلها الجودُ على الـ
نَاداهُمُ الحَقُّ أُخْرُجوا
حَطُّوا وقالوا ربَّنا
فيا سماءُ أقـلــعـي
وأنت يا أرضُ ابْلَعي
قد قُضِيَ الأمْرُ فمنِ
تركتُها تذكرة
وكل ما كان وما
وإنَّ ما يفعلُه
مقدَّر مؤقتٌ
الـمـوتُ سَمَّ نـافـعْ
سفينُكم أجسامُكم
وأنْتُمُ رُكَّابُها
وما لكم من ساحل
فابْتَهِلُوا واجْتَهِدُوًا
هذا الذي أُشْهِذَتُهُ
فازْدَجِرُوا واعْتَبِرُوا
فالكلُّ والله بلا
من قبل ذا أشْهَدَني
فاستمعوا نُطْقي به
فالحمدُ لله الذي
ما عندكم منها خبز
قلتُ تَرَى أين مضت
أنْي ضعيفٌ فانْتَصِرْ
وأنت يا أرضُ انْفَجِز
أمْرٍ حكيم قد قُدِز
وذاكُمُ البحرُ الزّخِز
والأمْرُ أمْرٌ مُسْتَقِرْ
كمثل لَمْحِ بِالبَصَرْ
ـواحِ نَجَّاةٍ ودُسُرْ
وَغَدًا لمن كان كُفِرْ
أَمْرٍ مليكِ مُقْتَدِزْ
-جوديٍّ فقالوا لا وَزَزْ
منها أنا عينُ الوزر
لديك نِعْمَ المُسْتَقَرْ
من سَحْ ماءٍ مُنْهَمِزْ
ماءك واخزن واحتكز
كان عدوّاً قد غَبَرْ
لكم فهل من مُدَّكِز
يكون منكم مُسْتَطر
في الكون من خيرٍ وشَرْ
كذا أتانا في الزّيُز
والحشرُ أدْهَى وَأَمَزْ
في بحر دنيا قد زخر
وأنْتُمُ على خَطَّز
غير القَضاء والقَدَزْ
فما مِنَ الله مَفَز
في ليلتي حتى السَّحَز
واتَّعِظُوا بمن غَبَزْ
شكٌّ على ظَهْر سَفَزْ
أمراً عجيباً فيه سِرْ
واعتبروا لَفْظ السكر
بفضله أعطى البَشَز
بل عندنا منها الخَبَز
قال مضت تقضي الوَطَزْ

١٦٩
في المنازل/ الباب الثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل القمر من الهلال من البدر
قلت تُراها تَرْعَوي
قلتُ وهل تعرفُها
قلتُ على من نَزَلَتْ
قلت وماذا تَّبْتَغي
ما يعرفُ السِّرَّ سوى
تقول زِذني يا فَتَّى
قبَّلْتُها عانّقْتُها
طَعَنْتُ فِي مُسْتَهْدَفٍ
وعَزْفُهُ كأنه
وَجَدْتُهُ كمثل نـا
أردافُها كأنها
يانظرة قد أظهرت
لولا النتائج لم يكن
سرّ لنا وكُنْ له
إذا التقى السرّ وكُنْ
وقائل ذا مَثَلٌ
على القَنَا إذا بدا
قلتُ نعم وبَعدَ ذا
هنا وفي الأخرى وحي
قالوا وكيف، الأمرُ قُلْ
إذا الوليُّ أقْبَلَتْ
يُفضي إليها بالذي
فعندما يَنْكِحُها
من جِنْسٍ ما لو ولدت
من ذي إمام حاكم
فإن يكنْ أنثَى فَهِي
مثل تجلّيه سوا
قال نَعَمْ عِند السَّحَزْ
قال نعم أُخْتُ القَمَرْ
قال على أبي البَشَرْ
قال ضِرَاباً بالذَّكَزْ
والدتي أُمّ البَشَرْ
منه فنِعْمَ المُخْتبر
حَلَّتْ معاقِدَ الأُزُرْ
أجْرَدَ ما فيهِ شَعَرْ
رِيحُ الخُزَامَى والعِطِزْ
ر لمجوسِ تَسْتَعِرْ
أعجازُ نخلِ مُتْقَعِزْ
من الوجود ما ظَهَزْ
للسُرْ مَغْنَى في البَشَرْ
وجود خلق مُسْتَمِرْ
بَدَتْ لعينيك العِبَزْ
قَرَّرَهُ لمن نَظَرْ
لمن يشاءِ فاعْتَبِز
فَهْوَ لأشياء أُخَز
ـث ما تَكُونُ فاذَكِزْ
فقلت سَمْعاً ما ستر
زوجتُه على سُرُزْ
يحمله من الصُوَز
تَصَوُّراً على صُوَزْ
كان على تلك الصّوَزْ
أو ذات غُمْجِ وحَوَز
وإن يكن هُوَ فذَكَزْ
تحوّلٍ بلا غِيَزْ
فليتدبر وليي ما سطرته، وليفكر فيما ذكرته، وليأخذه عبرة من البصر لبصيرته، ومن
سره لسريرته، فقد آن أن يجيء زمان المحن، وقد علمت لما أوجدك، ورتبة الكمال الذي
أشهدك، وما طلب منك إلا ما يقتضيه وجودك، ويقضي به شهودك، فإن أنصفت فقد عرفت،
وإن تعاميت بعدما أراك ما قد رأيت فقد وهيت، فأسد المقالة سؤال الإقالة والسلام.

١٧٠
في المنازل / الباب الثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل القمر من الهلال من البدر
فسرّ بورود كتابي عليه، وأمعن بالنظر فيه وإليه، فأورثه التفكر فيه علة كانت سبب
رحلته وسرعة نقلته، فما بقي إلا أياماً ودرج، وعلى أسنى معراج إلى مقصوده عرج،
وشهدت احتضاره بالدار البيضاء إلى أن قضى، وسافرت من يومي لاستعجال قومي، فهذا
بعض ما يحوي عليه هذا المنزل من الأهوال الصعاب التي تعظم في الشهود صورها.
واعلم أن الله ما ذكر أخبار القرون الماضية إلا لتكون على حذر من الأسباب التي
أخذهم الله بها أخذته الرابية وبطش بهم البطش الشديد، وأما الموت فأنفاس معدودة وآجال
محدودة، وليس الخوف إلا من أخذه وبطشه لا من لقائه، فإن لقاءه يسر الولي والموت سبب
اللقاء فهو أسنى تحفة يتحفها المؤمن فكيف به إذا كان عالماً بخ على بخ.
ويتضمن هذا المنزل من العلوم: علم الرحمتين، وعلم قرب السعي من قرب الشبر
والذراع وهو القرب المحدود، وعلم الرتق والفتق، وعلم المتشابه من المحكم، وعلم
الأبد وعلوم الأدلة، وعلم الاتباع وما يسعد منه وما يشقي، وعلم ثبوت الأمور ومرتبة
الحكم والحكم، وعلم الجزاء الوفاق، وعلم الخبر بالإجابة إلى المكروه كإجابة أولاد أم
عيسى، وعلم التلبيس فيهبك متاعك من غير الوجهة التي تعرف منها أنه متاعك تلبيساً
عليك فإذا انكشف الغطاء وكان البصر حديداً علمت أنه ما أعطاك إلا ما كان بيدك فما زادك
من عنده ولا أفادك مما لديه إلا تغير الصور، فمن وقف على هذا العلم قال بالري في
مشروبه، ومن حرمه لم يزل عاطشاً والماء عنده الذي يرويه ولا يشعر به أنه عنده، وهو من
أسنى علم يوهبه العارفون بالله فهو كالمطر للأرض، وليس عين ما تطلبه من الارتواء سوى
بخارها صعد منها بخاراً ثم نزل إليها مطراً فتغيرت صورته لاختلاف المحل فما شربت ولا
ارتوت إلا من مائها ولو علمت ذلك ما حجبتها المعصرات، فتحقق هذا النوع من العلم في
العلم الإلهي فما أعطاك إلا منك وما هو عليه فلا يعلمه منه إلا هو، فكل عالم فمن نفسه
علمه، فلذلك قال أهل الله: لا يعرف الله إلا الله، ولا النبي إلا النبي، ولا الولي إلا
الولي. ويتضمن أيضاً علم أسباب النجاة والسعادة، وعلم الامتحانات بالعسر واليسر للصابر
والشاكر، وعلم المناسبة التي بها لم يمتثل أمر الله من عصى أمره ومن امتثله هل امتثله بأمر
مناسب أو بعدم المناسب؟ وعلم سبب تأثير الأدنى في الأعلى كتسليط الحيوانات على
الإنسان كقرصة البرغوث إلى ما فوقها وقال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة:
١٨٦] وعلم مشاركة الحيوانات الإنسان في العلوم عن التجلي، وعلم من ردّ كل ما أتاه من
الحق من أين ردّه؟ ومن رد بعضه من أين رده؟ وهل يتساوى الحكم الإلهيّ فيهم أم لا؟
وعلم من أين انهزم الصحابة يوم حنين؟ وعلم مؤاخذة الأعلى بالأدنى إذا نصب دلالة نصبه
من نصبه، وعلم السوابق واللواحق، وعلم الوحدة في عين الجمع، وعلم المراتب
والدرجات، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

١٧١
في المنازل/ الباب الأحد والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والقوّة عليها
الباب الأحد والثلاثون وثلاثمائة
في معرفة منزل الرؤية والقوّة عليها والتداني والترقي
والتلقي والتدلي وهو من الحضرة المحمدية والآدمية
[الطويل]
وتعجزُ عَنِ آَذْرَاكِ من قَالَ أنّها
عَجِبْتُ لعَيْنٍ كيف تدركُ عَيْنَها
شُهُودُ وُرُودِ الغَيْبِ عنها أجَنَّهَا
ولم يَكُ مشهودٌ سواه وإنما
اعلم أيدك الله أن هذا المنزل بينه وبين المنزل الذي قبله تخالج لكون النبيّ مَّ شبه رؤيتنا
الله برؤيتنا القمر ليلة إبداره، والشمس ليس دونها سحاب، وأنه لا يدركنا في رؤيته ضيم ولا
انضمام ولا ضرر يقوم بنا ولا مضاررة لغيرنا، وقد أبان ◌َلّ لأمته عن صورة تجلي الحق لعباده
بقول ما قاله نبيّ لأمته قبله وبهذا أثنى الله عليه فقال: ﴿بِالْمُؤْمِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَئِكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ولم يخص مؤمناً من كافر فقال وَّ لما حذر
من الدجال في دعواه الألوهية فقال: ((أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً مَا قَالَهُ نَبِيٍّ لأُمَّتِهِ وَمَا مِنْ نَبِيِّ إلَّ قَدْ
حَذَّرَ أمْتَهُ الدَّجَّالَ: ألا إنَّ الدَّجَّالَ أَغْوَرُ العَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنْبَةٌ طَافِيَةٌ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ
بِأَغْوَرَ)) فعرفنا بأي صورة نرى ربنا، ولا يقال إنه أراد صورة لا تقبل العور فكانت فائدة
الإخبار، ترتفع، فإن تلك الصورة كانت تعطي بذاتها نفي العور عنها، وإنما لما كانت الصورة
ممن يقبل ذلك بين لنا أنه ليس كذلك لما علم من قوع الشبه فيما وقعت فيه السلامة من العيب،
وإنما كان الدجال أعور لأنه على نصف الصورة إذا لم يحز رتبة الكمال كما حازها أكثر الرجال.
ثم نرجع ونقول: إن موسى لما كلمه ربه أدركه الطمع فقال: ﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ﴾
[الأعراف: ١٤٣] فسأل ما يجوز له السؤال فيه، إذ كانت الرسل أعلم الناس بالله وأنه ذو إدراك
يدركه به، وأنه المدرك بالإدراك لا الإدراك، فإنه عالم بأن الأبصار لا تدركه وإنما هي آلة
يدرك بها، وإنما منع موسى من الرؤية لكونه سألها عن غير أمر إلهي أوحي به إليه فإنهم أدباء
لا يتبعون إلا ما يوحى به إليهم ولا سيما في الجناب الإلهي فلهذا قيل له: لن تراني، ثم
استدرك استدراك لطيف بعبده لما انتهى فيه حد عقوبة فوت الأدب بالسؤال ابتداء الذي حمله
عليه شوقه فكان مثل السكران، فلما علم أن اليأس قد قام به فيما طلبه استدرك بالإحالة على
الجبل في استقراره عند التجلي والجبل من الممكنات فتجلى له ربه فاندك عند ذلك التجلي
لكون روحه ما أوجده الله لحفظ الصورة على الجبل مثل الأرواح المدبرة، وإنما أوجده
ليكون مسبحاً له، فلذلك لم تحفظ عليه صورة الجبلية وأثر فيه التجلي وحفظ روح موسى
عليه السلام على موسى في صعقه عند رؤية ما رآه الجبل الذي كان حجاباً عليه صورة نشأته،
فلما أفاق رجع موسى موسى وما رجع الجبل جبلاً علم موسى أنه قد وقع منه ما كان ينبغي له
أن لا يقع إلا بأمر إلهي فقال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ لما علم أن الله يحب التوّابين ﴿وَأَنَا أَوَّلُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] بوقوع هذا الجائز، إذ ما تقدم لأحد من هذا النوع الإنساني أنه

١٧٢
في المنازل/ الباب الأحد والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والقوّة عليها
سأل ربه رؤيته ولا أنه رآه فلذلك ادعى موسى أنه أوّل المؤمنين ثم أعلمنا وَ ير أنه ((ما منَّا أحدٌ
إلا سَيرِى رَبَّه ويكَلّمه كِفَاحً))، وهذا كله إعلام بالصورة التي يتجلى لنا فيها وهي الصورة التي
خلقنا عليها، ونحن نعلم قطعاً أن ذوق الرسل فوق ذوق الأتباع بما لا يتقارب، فلا تظن أن
سؤال موسى رؤية ربه أنه فاقد للرؤية التي كانت حالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قوله :
((ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله))، هذه الرؤية ما هي الرؤية التي طلبها موسى من ربه فإنها
رؤية حاصلة له لعلوّ مرتبته، فإن ذوق الصادق ما هو ذوق الصديق، فالرؤية ثابتة بلا شك ذوقاً
ونقلاً لا عقلاً، فإن رؤية الله تعالى من محارات العقول ومما يوقف عندها ولا يقطع عليها
بحكم من أحكامها الثلاثة، إذ ليس للأنبياء ولا للأولياء من أهل الله علم بالله يكون عن فكر
قد طهرهم الله عن ذلك بل لهم فتوح المكاشفة بالحق، فمن الرائين من يراه ولا يقيد ومنهم
من يراه به، ومنهم من يراه بنفسه، ومنهم من لا يراه عنده وهو قد رآه ولا يعلم أنه رآه، لأن
هذا الصنف ليس بصاحب علامة في الحق ولا يعرف صورة ظهوره في الوجود، ومنهم من لا
يراه لعلمه بأن عينه لا تظهر هنا للعالم إلا بصور أحكام أعيان العالم وهو مجلاها فلا يقع
الإدراك من الرائي إلا على صورة الحكم لا على العين فيعلم أنه ما رآه ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
[النحل: ٦٠] وهو العزيز الذي لا يرى من حيث هويته الحكيم في تجليه حتى يقال إنه رأى،
انظر إلى الصورة الظاهرة للعين في الجسم الصقيل وحقق رؤيتك فتجد تلك الصورة قد حالت
بينك وبين إدراكك عين الجسم الصقيل الذي هو مجلاها فلا تراه أبداً، والحق مجلى صور
الممكنات فلم ير العالم إلا العالم في الحق لا بالحق وبالحق.
ثم لتعلم أن المرئي الذي هو الحق نور، وأن الذي يدركه به الرائي، إنما هو نور فنور
اندرج في نور فكأنه عاد إلى أصله الذي ظهر منه فما رآه سواه، وأنت من حيث عينك عين
الظل لا عين النور بل النور ما تدرك به كل شيء والنور من الأشياء، فلا تدركه إلا من كونك
حاملاً للنور في عين ظلك والظل راحة والظلمة حجاب، فإذا طلع كوكب الحق ووقع في
قلب العبد استنار به القلب وأضاء، فأزال عن صاحبه الحيرة والخوف فأخبر عن ربه بالصريح
والإيماء وأنواع الإخبارات.
واعلم أن الأنبياء ما اختارت النوم على ظهورها إلا لعلمها أنه كل ما قابل الوجه فهو
أفق له إذ كان لا يقابل الوجه إلا الأفق، وثم أفق أدنى أي أقرب إلى الأرض، وثم أفق أعلى
وهو ما تقابله بوجهك عند استلقائك على ظهرك، وإذا كان التجلي في الصور دخله الحد
والمقدار وأقرب القرب في ذلك أن يكون عين الخط الذي به تقسم الدائرة نصفين لظهور
القوسين اللذين قرب بعضهما من بعض هو القرب الأوّل، والقرب الثاني القرب الخطي الذي
هو أقرب من حبل الوريد، ولا تكون رؤية الحق أبداً حيث كانت إلا في منازلة بين عروج
ونزول، فالعروج منا والنزول منه، فلنا التداني وله التدلي، إذ لا يكون التدلي إلا من أعلى،
ولنا الترقي، وله تلقي الوافدين عليه، وذلك كله إعلام بالصورة التي يتجلى فيها لعباده، وأنها
ذات حد ومقدار ليدخل مع عباده تحت قوله في حكمه: ﴿وَمَا نُنَزِلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر:

١٧٣
في المنازل/ الباب الأحد والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والقوّة عليها
٢١] وكل شيء خلقناه أي جعلناه بقدر، والرؤية مخلوقة فهي بقدر، والتنوّع في التجلي ظهور
محدث عن المتجلى له فهو بقدر، ألا ترى تجليه بالحكم في الأعيان المتخذة آلهة للغيرة
الإلهية حيث حكم وقضى أنه لا يعبد إلا إياه، وكذا أخبر فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ
إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] فعلماء الرسوم يحملون لفظ قضى على الأمر، ونحن نحملها على الحكم
كشفاً وهو الصحيح، فإنهم اعترفوا أنهم ما يعبدون هذه الأشياء ﴿إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾
[الزمر: ٣] فأنزلوهم منزلة النواب الظاهرة بصورة من استنابهم، وما ثم صورة إلا الألوهية
فنسبوها إليهم، ولهذا يقضي الحق حوائجهم إذا توسلوا بها إليه غيرة منه على المقام أن
يهتضم، وإن أخطؤوا في النسبة فما أخطؤوا في المقام ولهذا قال: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءٌ
سَيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣] أي أنتم قلتم عنها أنها آلهة وإلا فسموهم، فلو سموهم لقالوا هذا حجر
أو شجر أو ما كان، فتتميز عندهم بالاسمية، إذ ما كل حجر عبد ولا اتخذ إلهاً ولا كل شجر
ولا كلٍ جسم منير ولا كل حيوان ﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] عليهم بقوله: ﴿قُلْ
سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]. واعلم أنه لولا الهوى ما عبد الله في غيره، وأن الهوى أعظم إله متخذ
عبد فإنه لنفسه حكم وهو الواضع كل ما عبد، وفيه قلت : [الطويل]
ولولا الهَوَى في القَلْبِ ما عُبِدَ الْهَوَى
وحَقِّ الھَوَى إِنَّ الھَوَى سَبَبُ الھوی
قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنَهُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] فلولا قوّة سلطانه
في الإنسان ما أثر مثل هذا الأثر فيمن هو على علم بأنه ليس بإله، فإذا كان يوم القيامة جسد
الله الهوی کما يجسد الموت لقبول الذبح، فإذا جسده قرره على ما حكم به فیمن قام به فحار
وجاء بإله عليه فعذب في صورته وأفرد المحل عنه فحصل في النعيم وتجسد المعاني لا تنكر
عندنا ولا عند علماء الرسوم، فحكمه في هذا مثل الحكم الذي في قوله: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ من
في قَلْبه مثقالُ ذَرَّة من كِبرٍ))، فكان شيخنا أبو مدين رضي الله عنه يقول صدق يزال فيدخل
صاحبه الجنة دونه ويبقى هو في النار صورة مجسدة أو يعود الكبر إلى من هو له فيأخذ كل
ذي حق حقه .
واعلم أن الآلهة المتخذة من دون الله آلهة طائفتان: منها من ادعت ما ادّعي فيها مع
علمهم في أنفسهم أنهم ليسوا كما ادعوا وإنما أحبوا الرياسة وقصدوا إضلال العباد كفرعون
وأمثاله وهم في الشقاء إلا إن تابوا وهم ممن تشهد عليهم ألسنتهم بما نطقت به من هذه
الدعوى فما دونها مما يجب عنه السؤال فتنكر، ومنها من ادّعت ذلك على بصيرة وصحو
وتحقق معرفة في مجلس لقرينة حال اقتضاها المجلس لما رأوا أن الحق عين قواهم وما هم
هم إلا بقواهم وبقواهم يقولون ما يقولون، فقواهم القائلة لا هم وهي عين الحق كما أخبر
الحق وكما أعطاه الشهود بانخراق العادة في قولهم عندهم فقالوا أنا الله، وإني أنا الله ﴿لَا إِلَهَ
إِلَّ أَنَأْ فَأَعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] كأبي يزيد ممن نقل عنه مثل هذا مع صحوه وثبوته وعلمه بأن
الحق هو الظاهر بأفعاله في أعيان الممكنات، وأنه في بعض الأعيان قد نص أنه هو، وفي
بعض الأعيان لم يذكر أنه هو، ولذلك قال بعض العارفين في حق التلميذ الذي استغنى بالله

١٧٤
في المنازل/ الباب الأحد والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والقوّة عليها
على زعمه عن رؤية أبي يزيد: لأن يرى أبا يزيد مرة خير له من أن يرى الله ألف مرة فعبر
أبو يزيد فقيل له هذا أبو يزيد فعندما وقع بصره عليه مات التلميذ، فقيل لأبي يزيد في موته
فقال: رأى ما لا يطيق لأنه تجلى له من حيث أنا فلم يطقه، كما صعق موسى لأن الله من
حيث أنا مجلاه أعظم من حيث المجلى الذي كان يشهده فيه ذلك المريد، ومنها من ادّعت
ذلك في حال سكر كالحلاج فقال قول سكران فخبط وخلط لحكم السكر عليه وما
أخلص : [مجزوء الرمل]
ـبِرُ قلبي عن فُؤادي
قد تَصَبَّرْتُ وهَلْ يضـ
فـي دُنـوي وبـعادي
مَازَجَتْ رُوحُكِ رُوحي
ـك أنّي ومرادي
فأنا أنْتَ كمـا أنـ
فهذا سعد، وإن شقي به آخرون فلا جناح عليه ولا حرج لأنه سكران وهم
المسؤولون، ومثل هذا أيضاً يلحق بأهل السعادة وإن ضل به عالم فما إضلالهم بمقصود
له، فهؤلاء أصناف ثلاثة ادعوا الألوهة لأنفسهم، فشقي بها واحد من الثلاثة وسعد اثنان
وأما الطائفة الأخرى فادعيت فيها الألوهة ولم تدعها لنفسها، كالأحجار والنبات
والحيوان، وبعض الأناسي والأملاك والكواكب والأنوار والجن وجميع من عبد واتخذ
إلهاً من غير دعوى منه فهؤلاء كلهم سعداء، والذين اتخذوهم إذا ماتوا على ذلك أشقياء،
ومن هؤلاء تقع البراءة يوم القيامة من الذين اتخذوهم آلهة من دون الله ما لم يتوبوا قبل
الموت ممن يقبل صفة التوبة وليس إلا الجن وهذا النوع الإنساني، ومهما علم بذلك
المتخذ ولم ينصح ولا وقعت منه البراءة هنا مع كونه لم يدع ذلك ولكنه سكت، فإذا
عذب الله غداً المشركين الذي ذكرهم الله أنه لا يغفر لهم فإنما يعذبهم من حيث أنهم
ظلموا أنفسهم ووقعوا في خلق بكلام ودعوى ساءتهم وتوجهت منهم عليهم حقوق في
أغراضهم يطلبونهم بها فمؤاخذة المشركين لحق الغير لا من جهة نفسه تعالى، وظلم
أنفسهم أعظم من ظلم الغير عند الله بدليل ما جاء في الذي يقتل نفسه من تحريم الجنة
عليه فعظم الوعيد في حقه، فإذا كان يوم القيامة وأدخل المشركون دار الشقاء وهي جهنم
أدخل معهم جميع من عبدوه، إلا من هو من أهل الجنة وعمارها فإنهم لا يدخلون
معهم، لكن تدخل معهم المثل التي كانوا يصوّرونها في الدنيا فيعبدونها لكونها على
صورة من اعتقدوا فيه أنه إله فهم يدخلون النار للعقاب والانتقام، والمعبودون يدخلونها
لا للانتقام فإنهم ما ادعوا ذلك ولا المثل، وإنما أدخلوها نكاية في حق العابدين لها،
فيعذبهم الله بشهودهم إياهم حتى يعلموا أنهم لا يغنون عنهم من الله شيئاً لكونهم ليسوا
بآلهة كما ادعوه فيهم، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وقد قرىء: ﴿حطب جهنم﴾ وقال: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] وقال: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ءَالِهَةٌ مَّا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] وقال فيمن
عبد من أهل السعادة كمحمد وعيسى عليهما السلام والخلفاء من بعده ومن ذكرناه من

١٧٥
في المنازل/ الباب الأحد والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية والقوّة عليها
مدع عن صحو وعن سكر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا
يَسَمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢] فمن كان
مشتهاه ربه فهذه صفته وإنما قال: ﴿لَا يَسَمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ
خَالِدُونَ﴾ لما يؤثر ذلك السماع في صاحبه من الخوف لأنه ليس هو في تلك الحال
بصاحب غضب فيلتذ بالانتقام، فإن الغضب لله إنما يقع في دار التكليف وهنالك لا
نصيب للغضب في السعداء فإنه موطن شفاعة وشفقة ورحمة من السعداء، فلا يغضب في
ذلك الموطن إلا الله، والسعداء مشغولون بالله في تسكين الغضب الإلهي بما تعطيه أنواع
التسكين كما يقول محمد وَلّر في بعض المواطن: ((سُخقاً سُخقاً)) طلباً للتسكين والموافقة
ثم بعد ذلك يشفع في تلك الطائفة عينها لتنوع ما يظهر الحق به في ذلك الموطن، فمن
سمع حسيسها من السعداء الأكابر أثر ذلك السماع فيهم خوفاً على أممهم لا على نفوسهم
فإذا بلغت بهم العقوبة حدها وانقضت فيهم بالعدل مدتها جسدت أهواؤهم التي بها عبدوا غير
الله على صور ما اعتقدوه إلهاً حين عبدوه وعلى صور بواطنهم، فوقع العذاب بصور مجسدة
ليبقى حكم الأسماء دائماً، ويبقى سكان الدار من الناس حيث هم أهلها في نعيم بها ينظرون
إلى صور أهوائهم معذبة فينعمون بها، فإنها دار تتجسد فيها المعاني صوراً قائمة يشهدها
البصر كالموت في صورة كبش أملح فيذبحه يحيى عليه السلام بين الجنة والنار لأن الحياة
ضد الموت، فلا يزول الموت إلا بوجود الحياة، وبهذه الصور المخلوقة يكون ملء النار
والجنة، فإنه أخبر الجنة والنار أنه سبحانه يملأ كل واحدة فقال لهما إن لكل واحدة منكما
ملأها فإذا نزلوا فيها وبقي منها أماكن لم يبلغها عمارة أهلها أنشأ إرادات أهل الدارين صوراً
قائمة ملأهما بها، وهذه الصور من الفرقتين المعبر عنهما بالقدمين، ففي أهل السعادة أن لهم
قدم صدق عند ربهم أي سابق عناية بأن يخلق إرادتهم طاعة الله وعبادته صوراً متجسدة
وأعمالهم وقد ورد أن أعمال العباد ترد عليهم في قبورهم في صور حسنة تؤنسهم، وفي صور
قبيحة توحشهم، فتلك الصور تدخل معهم في دار السعادة والشقاء وبها يكون ملؤهما، وأما
دار الشقاء، إذا طلبت ملأها من الله وضع فيها الجبار قدمه فلهم قدم أيضاً كما كان لأهل
السعادة أي سابق عناية يظهر العذاب في ذلك القدم وهو أهواؤهم، فدار السعداء التي هي
الجنة نعيم كلها ليس فيها شيء يغاير النعيم، ودار الأشقياء ممتزجة بين منعم ومعذب، فإن
فيها ملائكة العذاب لهم نعيم في تعذيب من سلطهم الله عليه فلا نعيم لهم إلا بالانتقام لله وهم
أصحاب تكليف بأمر لا بنهي، فهم يسارعون إلى امتثال أوامر الله ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] فلا يبقى عذاب في النار بعد انقضاء مدته إلا العذاب الممثل
المتخيل في حضرة الخيال لبقاء أحكام الأسماء فإنه ليس للاسم إلا ما تطلبه حقيقته من ظهور
حكمه وليس له تعيين حضرة ولا شخص، وإنما ذلك من حكم الاسم العالم والمريد، فحيث
ظهر حكم المنتقم من جسد أو جسم أو ما كان فقد استوفى حقه بظهور حكمه وتأثيره، فلا
تزال الأسماء الإلهية مؤثرة حاكمة أبد الآبدين في الدارين وما أهلهما منهما بمخرحين.

١٧٦
في المنازل/ الباب الثاني والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الحراسة الإلهية ...
ولما كانت الرؤية لأهل الجنان جعل الحجاب في مقابلته لأهل النار، وحجابهم مدة
عذابهم حتى لا تزيدهم الرؤية عذاباً كما زادتهم السورة القرآنية هنا رجساً إلى رجسهم ومرضاً
إلى مرضهم، فإذا انقضت المدة بقي الحجاب دونهم مسدلاً لينعموا، فإنه لو تجلى لهم
هنالك مع ما تقدم لهم من الإساءة واستحقاق العقوبة أورثهم ذلك التجلي الإحسانيّ حياء من
الله مما جرى منهم والحياء عذاب وقد انقضت مدته وهم لا يعلمون لذة الشهود والرؤية فلهم
نعيم بالحجاب والغرض النعيم وقد حصل ولكن بمن؟ فأين النعيم برؤية الله من النعيم
بالحجاب فهم عن ربهم يومئذ محجوبون، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ويهدي من
يشاء إلى صراط مستقيم.
الباب الثاني والثلاثون وثلاثمائة
في معرفة منزل الحراسة الإلهية لأهل المقامات
المحمدية وهو من الحضرة الموسوية
[الخفيف]
فَهْوَ طَوْرٌ وجمعُه أطْوَارُ
كُلُّ مِن مَالَ لاستدارة كَوْنٍ
فهو سِرٌّ في كوننا مستعارُ
وهو عطفُ الإلهِ ليس سواه
يحكمُ العقلُ فيه والاضْطِرَارُ
بَدْءُ أعياننا به لوجوب
فلهذا عَقْلُ اللبيب يَحَارُ
لو تَنَاهَى الوجود ما كان كَوْراً
اعلم أيدك الله أن الله تعالى يقول في حق موسى عليه السلام معرفاً إيانا ﴿ وَنَدَيْنَهُ مِن
جَانِبِ اُلُورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] فجعل النداء من الطور لانحنائه لأنه خرج في طلب النار لأهله
لما كان فيه من الحنوّ عليهم الذي أورثه الانحناء على من خلق من الانحناء وهي أهله لأنها
خلقت بالأصالة من الضلع والضلع له الانحناء، وكان الانحناء في الأضلاع لاستقامة النشأة
وحفظ ما انحنت عليه من الأحشاء لتعم بانحنائها جميع ما تحتوي عليه فتتساوى أجزاؤها في
الحفظ لها، بخلاف ما لو كانت على غير استدارة لكانت فيها زوايا فارغة بعيدة من الحفظ
الذي خلقت له، ووقع التجلي لموسى في عين صورة حاجته فرأى ناراً، لأنها مطلوبه
فقصدها فناداه ربه منها وهو لا علم له بذلك لاستفراغه فيما خرج له وهو قولنا في قصيدة لنا
في جزء الزينبيات : [البسيط]
كنَار موسى يراها عَيْنَ حاجته
وهو الإلهُ ولكن ليس يَدْرِيهِ
واعلم أن الله ما خلق الذي خلق من الموجودات خلقاً خطياً من غير أن يكون فيه ميل
إلى الاستدارة أو مستديراً في عالم الأجسام والمعاني، وقال تعالى: ﴿فِي السَّمَوَتِ﴾ وهو ما
علا ﴿وَمَا فِ الْأَرْضِّ﴾ وهو ما سفل إذ لا أسفل منها أنه ﴿ وَلَا يَتُدُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]
فوصف نفسه بأنه لكل شيء حفيظ، والحفظ حنوّ من الحافظ على المحفوظ فيكون في شكل
كل صورة الأجسام انحناء، وفي المعاني والأرواح حنوّ.

١٧٧
في المنازل/ الباب الثاني والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الحراسة الإلهية ...
فلنذكر سبب ميل الأجسام إلى الاستدارة؛ وذلك أن أوّل شكل قبله الجسم الاستدارة
وهو المسمى فلكاً أي مستديراً، وعن حركة ذلك الفلك ظهر عالم الأجسام علواً وسفلاً، فمنه
ما ظهر بصورة ذات الأصل وهو كل من كملت فيه الاستدارة والتقى طرفا الدائرة، ومن نقص
عن هذه الصورة لا بد أن يوجد فيه ميل إلى الاستدارة يظهر ذلك حساً في الأجسام حتى في
أوراق الأشجار والأحجار والجبال والأغصان، فما في عالم الأجسام خط غير مائل إلا
بالفرض والتوهم لا بالوقوع، وإنما ظهر الجسم بصورة الاستدارة أعني الجسم الكل الظاهر
بالشكل لأن الله أراد أن يملأ به الخلاء، فلو لم يكن مستدير الشكل لبقي في الخلاء ما ليس
فيه ملأ والخلاء استدارة متوهمة لا في جسم، وإنما وقع الأمر هكذا لصدور الأشياء عن الله
ورجوعها فمنه بدأ وإليه يعود، فلا بدّ أن يكون هذا الأمر في عالم الشكل صورة دائرة لأنه لا
يعود إليه على الطريق الذي خرج عليه، وإنما امتداده ينتهي إلى مبدئه، ولا يكون ذلك في
الشكل الخطي لأنه لو كان لم يعد إليه أبداً وهو عائد إليه، فلا بدّ من الاستدارة فيه معنى
وحساً. ومن خلقه العالم على الصورة أن خلقه مستدير الشكل فانظر في حكمة الله .
ولما كان المرجع إليه ليظهر الحنوّ الذي صورته انحناء لذلك عمت رحمته جميع
الموجودات ووسعت كل شيء كما وسع هو كل شيء رحمة وعلماً ولم يجر للغضب ذكر في
هذه السعة الإلهية والرحمانية، فلا بدّ من مآل العالم إلى الرحمة لأنه لا بد للعالم من الرجوع
إلى الله فإنه القائل ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] فإذا انتهت رجعته إليه عاد الأمر إلى
البدء والمبدا والمبدي والمبدأ رحمة وسعت كل شيء والمبدي وسع كل شيء رحمة وعلماً،
فغرف الأمر في عوده في الرحمة فيأمن من تسرمد العذاب على خلق الله أين أنت من هذا
الشهود لولا سبق الرحمة الشاملة العامّة الامتنانية لتسرمد العذاب على من ينفي رحمة الله من
هذه السعة التي ذكر الله فيها، ولكن سبق الرحمة جعله أن يبدو له من الله من الرحمة به مع
هذا الاعتقاد ما لم يكن يحتسبه، فما آخذه الله بجهله لأنه صاحب شبهة في فهمه، فعين
بصيرته مطموس وعقله في قيد الجهالة محبوس، وما في الحيوان من جري في مسكنه وعمارة
بيته وإقامة صورته على شكل العالم مثل النحل فسدست صور بيوتها حتى لا يبقى خلاء كما
سد الشكل الكروي الخلاء فلم يبق خلاء وعمرت بيتها بالعسل الذي هو ملذوذ نظير الرحمة
الإلهية التي عمت الوجود وغمرته، وما عمرته بذلك في حق غيرها وإنما عمرته في حق
نفسها؛ وكذا صدر العالم على هذه الصورة فما من شيء من العالم إلا وهو يسبح بحمده،
فلنفسه أوجده لأنه ما شغله إلا به، وقال فيمن جعل فيه استعداداً يمكن أن يسعى به لنفسه
ولغير الله فنبه أنه ما خلقهم إلا لعبادته فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:
٥٦] فكونهم ما فعل بعضهم ما خلق له لا يلزم منه بالقصد المذكور أنه خلق لما تصرّف فيه
ولذلك يسأل ويحاسب كما وقع فيما اختزنته النحلة لنفسها وأظهرته منها لقوام ذاتها فأخذه من
أخذه وتحكم فيه في غير ما أوجدته له ولما كان الأمر كما ذكرناه في النحل دون غيره لذلك
أخبرنا الله عنها أنه أوحى إليها دون غيرها من الحيوان ، وقال فيما يخرج من بطونها إنه شفاء
الفتوحات المكية ج٥ - م١٢

١٧٨
في المنازل/ الباب الثاني والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الحراسة الإلهية ...
للناس فأنزله منزلة الرحمة التي وسعت كل شيء وما ذكر له مضرّة وإن كان بعض الأمزجة
يضرّه استعماله ولكن ما تعرّض لذلك أي أن المقصود منه الشفاء بالوجود كما المقصود
بالغيث إيجاد الرزق الذي يكون عن نزوله بالقصد، وإن هدم الغيث بيت الشيخ الفقير
الضعيف فما كان رحمة في حقه من هذه الجهة الخاصة ولكن ما هي بالقصد العام الذي له
نزل المطر، وإنما كان ما كان من استعداد القابل للتهدم لضعف البنيان، كما كان الضرر الواقع
لآكل العسل من استعداد مزاجه لم يكن بالقصد العام.
واعلم أن حفظ الله للعالم إنما هو لإبقاء الثناء عليه بلسان المحدثات بالتنزيه عما هي
عليه من الافتقار فلم يكن الحفظ للاهتمام به ولا للعناية بل ليكون مجلاه وليظهر أحكام
أسمائه، وكذا خلق الإنسان على صورته فقال: ﴿وَأَن لَّْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]
فجعله لا يسعى إلا لنفسه، ولهذا قرن بسعيه الأجر حتى يسعى لنفسه، بخلاف من لا أجر له
من العالم الأعلى والأسفل، وليس بعد الرسل ومرتبتهم في العلم بالله مرتبة فهم المطرقون
والمنبهون، ومع هذا فما منهم من رسول إلا قيل له قل لأمّتك ﴿مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على
ما بلغتكم ﴿مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس: ٧٢] فإنه الذي استخدمه وأرسله فالأجر عليه،
فما سعوا ولا بلغوا إلا في حظوظ نفوسهم، لكن الفرق بين العلماء من أهل الله وبين العامّة
أنهم علموا ما الأجر ومن صاحبه ومن يطلبه منهم ممن لا يطلبه ولمن يرجع ذلك الحكم؟
فكل ساع في أمر فإنما يسعى لنفسه كان ذلك الساعي من كان لا يستثنى ساع من ساع بل الأمر
کله لله .
وتختلف الأجور باختلاف المقاصد فأعلاها حب المدح والثناء فإنها صفة إلهية ولأجلها
أوجد الله العالم ناطقاً بتسبيحه بحمده، ودون ذلك من الأجور طلب الزيادة من العلم
بالكوائن، ودون ذلك من الأجور ما تطلبه الطبيعة من القوى الروحانية لوجود الانفعال كثيراً
عنها، ودون ذلك ما تطلبه الطبيعة من القوى الحسية لمجرد الالتذاذ الذي للروح الحيواني به،
وليس وراء ذلك أجر يطلب، فما ذكرنا سعياً إلا وهو حظ للنفس الساعية، فإذا علمت حفظ
الله العالم علمت قوله تعالى: ﴿نَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤ ] فكثر فقال فإنك بأعيننا فكثر، فكل
حافظ في العالم أمراً ما فهو عين الحق، إذ الحفظ لا يكون إلا ممن لا يغالب على محفوظه
ولا يقاوى على حفظه، فكن حافظاً، لما أنت به تكن عين الحق في وجوده، فحفاظ العالم
لهم هذه المنزلة وهم لا يعلمون أنهم أعين الحق، وذلك ليعلم فضل أهل الشهود والوجود
على غيرهم، وإن وقع الاشتراك في الصفة، ولكن ليسٍ من علمٍ منزلته من حضرة الحق مثل
من لم يعلم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ فهذا إعلام
بأنهم علموا ثم طرأ النسيان على بعضهم، فمنهم من استمر عليه حكم النسيان ﴿نَسُواْ اللَّهَ
فَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ومنهم من ذكر فتذكر وهم ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ ولب العقل هو الذي يقع به
الغذاء للعقلاء فهم أهل الاستعمال لما ينبغي أن يستعمل، بخلاف أهل العقول فإنهم أهل قشر
زال عنه لبه فأخذه أولو الألباب فعقلوا وما استعملوا ما ينبغي أن يستعملوه، لأن العقل لا

١٧٩
في المنازل/ الباب الثاني والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الحراسة الإلهية ...
يستعمل إلا إذا كان قشراً على لب، فاستعمال العقل بما فيه من صفة القبول لما يرد من الله
مما لا يقبله العقل الذي لا لب له من حيث فكره، فلهذا أهل الله هم أهل الألباب لأن اللب
غذاء لهم فاستعملوا ما به قوامهم، وأهل العقل هم الذين يعقلون الأمر على ما هو عليه إن
اتفق وكان نظرهم في دليل، فإذا عقلوا ذلك كانوا أصحاب عقل، فإن استعملوه بحسب ما
يقتضي استعمال ذلك المعقول فهم أصحاب لب: [الطويل]
وفي اللُّبِّ لُبُّ الدُّهْنِ إِنْ كُنْتَ تعلمُ
وفي الدُّهن إمدادٌ لمن كان يَفْهَمُ
فمن رزق الفهم من المحدثات فقد رزق العلم، وما كل من رزق علماً كان صاحب
فهم، فالفهم درجة عليا في المحدثات، وبه ينفصل علم الحق من علم الخلق فإن الله له العلم
ولا يتصف بالفهم والمحدث يتصف بالفهم وبالعلم، وفي الفهم عن الله يقع التفاضل بين
العلماء بالله، والفهم متعلقه الإمداد الإلهيّ الصوري خاصة، فإن كان الإمداد في غير صورة
كان علماً ولم يكن هناك حكم للفهم لأنه لا متعلق له إلا في هذه الحضرة، فلهذا يسمى
مستفيداً لما استفاده من فهمه، إذ لا يصح لمستفيد استفادة من غير حالة الانتقال من محل
العالم المعلم إلى محل المتعلم، فما استفاد ما استفاد إلا من فهمه، فللمعلم إنشاء صور ما يريد
تعليمها للطالب المتعلم وللمستفيد الفهم عنه، فلولا قوّة الفهم ما استفاد، فكما لا تستوي
الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور ولا الأحياء ولا الأموات كذلك ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى﴾
وهو الذي لا يفهم فيعلم ﴿ وَاَلْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] الذي يفهم فيعلم، كما لا تستوي الحسنة ولا
السيئة، فلا يستوي الحق والخلق فإنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ فأعلم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: ١١] فأبهم فحير العقول والفهوم بين الإعلام والإبهام، غير أن الرحمة لما عمت عاملهم
الحق بما أداهم إليه اجتهادهم أصابوا في ذلك أم أخطؤوا طريق القصد بالوضع، إذا لا خطأ من
هذا الوجه في العالم إلا على ما ذكرناه من إضافة شيء إلى غير ما أضيف إليه في نفس الأمر،
كمن يطلب الشيء من غير سببه الذي وضع له، فله أجر الطلب لا أجر الحصول لأنه لم يحصل
فهو طالب في الماء جذوة نار، فكان في الإبهام عين المكر الإلهيّ، فالعالم يلحق الفروع
بأصولها على بصيرة وكشف والمبهم عليه يلحق الفروع بالأصول فإن وافقت أصولها فبحكم
المصادفة وهو يتخيل أنها أصل لذلك الفرع، فإذا صادف سمي خيالاً صحيحاً وإن لم يصادف
سمي خيالاً فاسداً، فلولا الإبهام ما احتيج إلى الفهم فهي قوّة لا تتصرّف إلا في المبهمات
الممكنات وغوامض الأمور، ويحتاج صاحب الفهم إلى معرفة المواطن، فإذا كان الميزان بيده
الموضوع الإلهيّ عرف مكر الله وميزه، ومع هذا فلا يأمنه في المستقبل لأنه من أهل النشأة التي
تقبل الغفلات والنسيان وعدم استحضار العلم بالشيء في كل وقت، ولا فائدة في إلحاق الفروع
بأصولها إلا أن يكون للفروع حكم الأصول، وأصل وجود العالم وجود الحق، فللعالم حكم
وجود الحق وهو الوجوب من حيث ما هو وجوب.
ثم كون الوجوب ينقسم إلى وجوب بالذات وإلى وجوب بالغير هذا أمر آخر، وكذلك
أصل وجود العلم بالله العلم بالنفس، فللعلم بالله حكم العلم بالنفس الذي هو أصله، والعلم

١٨٠
في المنازل/ الباب الثاني والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل الحراسة الإلهية ...
بالنفس بحر لا ساحل له عند العلماء بالنفس فلا يتناهى العلم بها هذا حكم علم النفس .
فالعلم بالله الذي هو فرع هذا الأصل يلحق به في الحكم فلا يتناهى العلم بالله، ففي كل حال
يقول: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فيزيده الله علماً بنفسه ليزيد علماً بربه هذا يعطيه الكشف
الإلهيّ وذهب بعض أصحاب الأفكار إلى أن العلم بالله أصل في العلم بالنفس، ولا يصح
ذلك أبداً في علم الخلق بالله وإنما ذلك في علم الحق خاصة وهو تقدم وأصل بالمرتبة لا
بالوجود، فإنه بالوجود عين علمه بنفسه عين علمه بالعالم، وإن كان بالرتبة أصلاً فما هو
بالوجود كما تقول بالنظر العقلي في العلة والمعلول وإن تساوقا في الوجود ولا يكون إلا
كذلك، فمعلوم أن رتبة العلة تتقدم على رتبة المعلول لها عقلاً لا وجوداً، وكذلك المتضايفان
من حيث ما هما متضايفان وهو أتم فيما نريد، فإن كل واحد من المتضايفين علة ومعلول لمن
قامت به الإضافة، فكل واحد علة لمن هو له معلول، ومعلول لمن هو له علة، فعلة البنوّة
أوجبت للأبوّة أن تكون معلولة لها، وعلة الأبوة أوجبت للبنوّة أن تكون معلولة لها ومن حيث
أعيانهما لا علة ولا معلول .
واعلم أنه مما يتعلق بهذا الباب كون العالم عيالاً لله تعالى وبعضه اتخذه أهلاً فقال عليه
السلام في الخبر الوارد عنه: ((إنَّ الخَلْقَ عِيالُ الله)) وأخبر في آخر: ((إنَّ أَهْلَ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ الله
وَخَاصَّتُهُ)) والأهلية منزلة خصوص واختصاص من العموم، وجعل الرحم التي منها ظهر أولو
الأرحام فينا شجنة من الرحمن، كما أن الولد شجنة من أبويه وجعل له سبحانه نسباً بينه وبين
عباده وهو التقوى، فيضع أنساب العالم يوم القيامة ويرفع نسبه فيعم لأنه ما ثم إلا من يتقيه،
ومن اجترأ عليه فمن كونه أجرأه عليه بما ذكر من حكم نعته بالعفو والتجاوز والصفح
والمغفرة وعموم الرحمة فأشهدهم هذه النعوت وليس لها أثر يظهر حكمه عموماً لكل ناظر إلا
في العصاة ولا سيما العفو، فكل عاص ما اجترأ على الله إلا به وهو من حيث نفسه متق لله
فإن النسب ما للأحوال فيه أثر إذا هو صح، وما اعتبر الله إلا النسب الدينيّ وبه يقع التوارث
بين الناس، فإذا اجتمع في الشخص النسب الدينيّ والطينيّ حينئذ له أن يحجب ما يحجبه من
النسب الدينيّ والطينيّ، فإذا لم يكن له نسب طينيّ وله نسب ديني رجع على دينه لم يحجبوا
بالنسب الطينيّ وراثته عن النسب الديني فورثه المسلمون، أو يكون كافراً فيرثه الكفار، وإن
كان ذو نسب طيني وليس له نسب ديني فيرثه المسلمون فما إلا خرج عن دينه تعالى، فإن
نسب التقوى يعم كل نحلة وملة إن عقلت، فمن حيث إن العالم عيال الله رزقهم ومن حيث
إن فيهم من هو أهل له اعتنى بهم فأشفق عليهم، ومن حيث إنهم مخلوقون على الصورة على
وجه الكمال استنابهم، ومن حيث إن بعضهم على بعض الصورة مرفق بهم، ومن حيث
النسب المذكور نظر إليهم الاسم الرحمن بالوصل وانتظام الشمل، فمن كل وجه له نظر إليهم
بالإحسان ولهذا تسمى بالبرّ الرحيم، والبرّ معناه المحسان. وهذا القدر كاف في الكلام في
هذا المنزل، فلنذكر ما يتضمن من العلوم:
فمنها علم أفضل الأشكال، ومنها علم الكتب ومراتبها ومعرفة المبين منها من المنير من