النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ في المنازل/ الباب الخامس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل القرآن من الحضرة المحمدية ٢٥٨] وقوله: ﴿إِذَا لََّبْنَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعُرِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] وقوله: ﴿لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقوله: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ،﴾ [البقرة: ٢٣] وكل ما جاء في معرض الدلالة فهو من كونه نوراً لأن النور هو المنفر الظلم وبه سمي نوراً إذْ كان النور النفور. وصل: وأما كونه ضياء فلما فيه من الآيات الكاشفة للأمور والحقائق مثل قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأٍْ﴾ [الرحمن: ٢٩] و﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَنِ﴾ [الرحمن: ٣١] وقوله: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقوله: ﴿أَنْتُونِ بِأَسْمَآءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١] وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾ [ص: ٧٥] وقوله: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اَللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وقوله: ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندٍ اُللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] وقوله: ﴿فَأَهَمَهَا لُوَرَهَا وَتَقْوَنُهَا﴾ [الشمس: ٨] وما أشبه ذلك مما يدل على مجرى الحقائق، ومثل قوله: ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. وصل: وأما كونه شفاء فكفاتحة الكتاب وآيات الأدعية كلها . وصل: وأما كونه رحمة فلما فيه مما أوجبه على نفسه من الوعد لعباده بالخير والبشرى مثل قوله: ﴿لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وقوله: ﴿كَنَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] وقوله: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وكل آية رجاء. وصل: وأما كونه هدى فكل آية محكمة وكل نص ورد في القرآن مما لا يدخله الاحتمال ولا يفهم منه إلا الظاهر بأوّل وهلة مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ آلْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وقوله: ﴿وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وأمثال هذه الآيات مما لا تحصى كثرة. وصل: وأما كونه ذكراً فلما فيه من آيات الاعتبارات وقصص الأمم في إهلاكهم بكفرهم كقصة قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الرس. وصل: وأما كونه عربياً فلما فيه من حسن النظم وبيان المحكم من المشابه وتكرار القصص بتغيير ألفاظ من زيادة ونقصان مع توفية المعنى المطلوب في التعريف والإعلام مع إيجاز اللفظ مثل قوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَا﴾ [الزخرف: ٥٨] وقوله: ﴿يَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكٍ وَيَنْسَمَاءُ أَقْلِ وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ اَلَِّمِينَ﴾ [هود: ٤٤] وقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَىٌ أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَِّّ إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] كل ذلك في آية واحدة تحتوي على بشارتين وأمرين بعلم نافع وتبيين ببشرى من الله. وصل: وأما كونه مبيناً فبما أبان فيه من صفات أهل السعادة وأهل الشقاء ونعوت أهل الفلاح من غيرهم كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ اٌلْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى آخر الآيات، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ ١٤٢ في المنازل/ الباب السادس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل التحاور والمنازعة اُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] وآيات الأحكام وكل آية أبان بها عن أمر ليعرف فلهذا سماه بهذه الأسماء كلها وجعله قرآناً أي ظاهراً جامعاً لهذه المعاني كلها التي لا توجد إلا فيه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. كمل السفر الحادي والعشرون بكمال هذا الباب. [السفر الثاني والعشرون] الباب السادس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل التحاور والمنازعة وهو من الحضرة المحمدية الموسوية [الخفيف] دون أسماء ذَاتِه الحُسْنَى يَنْزِلُ اللّهُ أينما كُنَّا ولهذا أزاله عنَّا وَهْوُ نُورٌ والنورُ مظهرُه وَهُيَ أذْنَى الدُّنُوّ لا أدْنَى فذواتُ الكيان مظلمةٌ جملة الأمر نِعمَ ما حُزْنَا ثم حُزْنَاهُ صورةً شرفاً بالذي قد أراده منا سَمِعَ الله صوْتَ سائله ولهذا عنا فما زُلْنَا فلهذا نَكُونُهُ أبداً في هُيُولى وجوده أمْنَا فإذا شاء أن يولّدنا يُطْرِبُ الشَّرْبَ كلما غَنَّى فاسْتَحلْنا عنَّا وما حُلْنَا بَلْبَلَ البالُ فِي ذُرَى فَنَّنٍ فظهرنا به لنا فأبى اعلم أيدك الله أن هذا المنزل خاصة دون غيره من المنازل ما فيه علم يظهر منه في الكون أو يدل عليه في العين أو في الاسم أو في الحكم إلا ولحكم الله من حيث هذا الاسم الذي هو الجامع لمراتب الألوهية فيه أي في ذلك العلم نظر من وجه ووجهين وثلاثة وأربعة وأكثر ولا تجد ذلك في غيره من المنازل، فسألت كم علم فيه؟ فرفع لي المنزل بكماله فرأيت فيه ثلاثة وعشرين علماً منصوباً، ونظرت إلى الألوهية في تلك الأعلام كلها فوجدت نظرها إليها من أربعين وجهاً، وقيل لي: ما جمعها إلا رسول الله وَلّ، ومن هذا المنزل كانت سيادته على جميع العالم، فمن ورثه فيه من أمّته حصل له من السيادة بقدره في هذه الجمعية، ومن هذا المنزل تعطى الحكمة لمن أخلص لله أربعين صباحاً، فهو يشهد الله في جميع أحواله كما كان رسول الله 8* يذكر الله على كل أحيانه، ويتضمن هذا المنزل من المسائل معرفة ازدواج المقدمات للإنتاج وعلم منازعة المرسل إليه للرسول وسي* مع إيمانه به وبما جاء به من عند الله، فيرجع خصماً في هذا المنزل، ويتولى الله الحكم بين الرسول والمرسل إليه مع علمه بأن الرسول لا ينطق عن الهوى، وأنه يبلغ عن الله ما أرسله به، ومع هذا كله يدعى عليه في نفس ما جاء به، فيرتفع إلى الله ليحكم بينهما وهو من أصعب العلوم في التصوّر لوجود الإيمان والتصديق به من الخصم. وفيه علم من ترك خلفه ما شرع له أن يكون أمامه، وفيه علم الانتساب أعني انتساب ١٤٣ في المنازل / الباب السادس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل التحاور والمنازعة الفروع إلى أصولها ومن ألحق فرعاً بغير أصله ما حكم الله فيه من طريق الكشف، وفيه علم ظهور الباطل بصورة الحق والباطل عدم لا وجود له والصورة موجودة فهي حق فأين عين الباطل الذي ظهر والصورة إنما هي للحق، وما الستر الذي بين العقل والحق حتى يستره الباطل بصورة الحق، وعلم الفرق بين الخاطر الأوّل والخاطر الثاني وأنه غير مؤاخذ بالخاطر الأوّل مؤاخذ بالخاطر الثاني والثاني عين صورة الأوّل فلماذا لم يصدق في الثاني في بعض الأمور كما يصدق في الأوّل؟ فهل ذلك لمرتبة الثاني؟ فإن الثاني مما زاد في مراتب العدد أصله عدم والأوّل وجود وبالأوّل ظهر من الأعداد ما ظهر مما هو ظهر لها، وفيه علم إلحاق من استرقه الحجاب من الأمثال بالحريّة لمن قلب الحقائق في نظره فألحق الأمور بغير مراتبها والفروع بغير أصولها، وفيه علم السبب الإلهيّ الذي لأجله كان هذا، وفيه إضافة علم الأذواق إلى الله تعالى وهو شعور بالعلم بها من غير ذوق فأي نسبة إلهية أعطت مثل هذا الحكم في العلم الإلهيّ مثل قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] وهو يعلم فهذا هو علم الذوق، وفيه علم مقدار إقامة الصفة التي لا تقبل المثل بالعبد لإزالة رفع هذا الواقع من هذا الشخص الذي أنزل الخلف منزلة الأمام في غير موضعه فخلط بين الحقائق وتخيل هذا أن قول النبي وَّ: ((إنّي أَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي)) أنه برؤيته صار أماماً فإنما جعل له حكم النظر كما هو للأمام، والأمام أمام والخلف خلف، فإن عجز عن اللبث تحت قدر حكم هذه الصفة العديمة المثل فلم يكشف غلطه ولا رأى الحق لعجزه عن القيام بهذه المدة التي تفنى فيها نفسه حصل في علم آخر في هذا المنزل مجاور لهذا يطلبه بحياة أنفس معدودين موفين له بالصفة التي كان يفني نفسه فيها، فظهر شرف نفسه على غيره حيث قام جماعة من أمثاله مقام نفسه مع الاشتراك في الصورة والمقام والحال، وقد بين الله الفرقان بينهما وجعل حق النفس على نفسها أعظم من حقوق أمثالها عليه بلغت ما بلغت، فأدخل قاتل أنفس الغير في المشيئة من غير قطع بالمؤاخذة، فهو بين العفو والمؤاخذة مع تعلق حقوقهم به، وجعل قاتل نفسه في النار بأن حرّم عليه الجنة لعظم حق نفسه على نفسه، وقد ورد: ((إنَّ حَقّ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنْ حَقُ الغَيْرِ)) فجعل كذلك حق النفس . وفيه علم السبب الذي لأجله رتب هذه الحقوق هكذا وجعل لها هذه الحدود الإلهية، وفيه علم صفة عذاب من يستر الحق عن أهله إذا توجه عليه كشفه لهم بالإيجاب الإلهي وفيه علم من عدل عن الحق بعد إقامة البينة عليه المقطوع بها ما الذي عدل به عن الحق وما حكمه في هذا العدول عند الله، وفيه علم عذاب أهل الحجب هل عذابهم بحجابهم أو بأمر آخر، وفيه علم الجمع للتعريف بالأعمال المنسية عندهم وغير المنسية ومن يتولى ذلك من الأسماء الإلهية، وفيه علم تعلق علم الله الذي لا تدركه الأكوان بما في العالم بطريق المشاهدة والمجالسة ثم تأخير التعريف بما كان من الأكوان من الأعمال إلى زمان مخصوص معين عند الله، وفيه علم النجوى الأخراوية والدنياوية، وفيه علم آداب المناجاة بين المتناجين وبماذا يبدأ من يناجي ربه أو أحداً من أهل الله، وفيه علم اتساع مجالس الذاكرين الله لكون الله جليسهم من الاسم الواسع، وفيه علم مراتب الإيمان من العلم ١٤٤ في المنازل/ الباب السادس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل التحاور والمنازعة وأي الدرجات أرفع، وفيه علم المفلسين وما الذي أفلسهم مع ما عندهم من الموجود، وفيه علم رجوع الله على العبد متى رجع هل يختلف أو لا يختلف؟ ولماذا يرجع ذلك الاختلاف إن كان مختلفاً هل للراجع أو لحال المرجوع إليه؟ وفيه علم ما ينتجه التولي عن الذكر من الغضب الإلهيّ، وفيه علم ما يغني وما لا يغني وفيه تفرق الأحزاب من أيّ حقيقة تفرقوا من الحقائق الإلهية، وفيه علم الوجوب الإلهيّ بماذا تعلق، وفيه علم من ترك أحبّاءه لماذا تركهم وما حليتهم وصفتهم؟ وفيه علم البقاء والفوز والنجاة، وكل علم من هذه العلوم الإلهية من الاسم الله لا من غيره من الأسماء، ولا تجد ذلك إلا في هذا المنزل خاصة فإنه منزل مخصوص بحكم الله دون سائر الأسماء مع مشاركة بعض الأسماء فيه، فهذا بعض ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم عيّناها لك لترتفع الهمة منك إلى نيلها فتح مكاشفة من الله. ثم نرجع إلى الكلام على بعض ما يحوي عليه هذا المنزل فنقول: إن الله قال في كتابه إنه وضع الميزان ليظهر به إقامة العدل في العالم بصورة ظاهرة محسوسة ليرتفع النزاع بين المتنازعين لوجود الكفتين المماثلة للخصمين ولسان الميزان هو الحاكم، فإلى أية جهة مال حكم لتلك الجهة بالحق، وإن هو بقي في قبته من غير ميل إلى جهة إحدى الكفتين علم أن المتنازعين لكل واحد منهما حق فيما ينازع فيه فيقع له الإنصاف لما شهد له به حاكم لسان الميزان فارتفع الخصام والمنازعة والحاكم لا يكون خصماً أبداً، فإن نوزع فما ينازعه إلا من عزله من الحكم أو من جهل أنه حاكم، ولهذا قال رسول الله وَّر: ((عِنْدَ نَبِيٍّ لا يَنبَغِي تَنَازُعٌ)» أي لا يكون نزاع مع حضوره أو تمكن الوصول إلى حضوره، فإذا فقد ظهر النزاع وادعى كل واحد من الخصماء أن الحق بيده، فلو أن الله يفتح عين بصائر الخصماء لمشاهدة الحق ويعلمون أنه بالمرصاد وهو الحاكم وبيده الميزان يرفع ويخفض لم يصح نزاع في العالم، فدل وقوعه أن الكل في حجاب عن الحاكم صاحب الوزن والميزان، فإذا رأيت من ينازع في العالم فتعلم أنه في حجاب عن الله، فإن نازع أحدهما ولم ينازع الآخر بل سكت عنه فتعلم أن الساكت عنه إما صاحب شهود أو صاحب خلق، فإن كان النزاع في تعدي حد إلهيّ فالمنازع في ذلك صاحب أدب إلهيّ أو متصوّر بصورة صاحب أدب إلهيّ وهو المرائي لكنه خير بالجملة، فصاحب الأدب الإلهيّ ما هو منازع وإنما هو ترجمان منازع، والمترجم عنهم هم الأسماء الإلهية التي منها نشأ النزاع في العالم، ومن أجلها وضع الميزان الشرعي في الدنيا والميزان الأصلي في الآخرة، فإن المعز والمذل خصم، والضارّ والنافع خصم، والمحيي والمميت خصم، والمعطي والمانع خصم، وكل اسم له مقابل من الأسماء في الحكم والميزان الموضوع بين هذه الأسماء الاسم الحكم والميزان العدل في القضاء، فينظر الحكم استعداد المحل فيحكم له بحسب استعداده فيجعله في حزب أحد الاسمين المتقابلين المتنازعين، فإذا علمت وضع الموازين على اختلاف صورها في المعنى والحس كنت أنت عين الحاكم بها وصحت لك النيابة عن الله في كون الميزان بيدك تخفض وترفع، غير أن الفارق بينك وبين الله في الوزن أن الله يرفع بالمشيئة ويخفض بالمشيئة، وأنت لا أثر لمشيئتك ١٤٥ في المنازل/ الباب السادس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل التحاور والمنازعة في الوزن وإنما تزن لمن ترى الحق بيده، فأنت صاحب علامة تعرف صاحب الحق فتزن له والحق صاحب مشيئة. وهنا سرّ يخفى عن بعض العارفين وهو أن المشيئة تعين بالميزان إذا رفعت أو خفضت أن استعداد المحل أعطى ذلك، كما أن وجود الحق في نفس الأمر أعطى لصاحب العلامة أن يزن له لعلمه بأن الحق له، كما علم الحق تعالى أن استعداد هذا المحل أعطاه الوزن له ولا أثر للمشيئة في الاستعداد بما هو استعداد، وإنما أثرها في تعيين هذا المحل الخاص لهذا الاستعداد الخاص، إذ يجوز أن يكون لغيره لا يجوز أن تزول حقيقة الاستعداد ولا أن تنقلب مثل ما نقول في علم الطبيعة أن الحرارة لا تنقلب برودة لكن الحار ينقلب بارداً من جهة كونه محلاً وعيناً لا من جهة كونه حاراً ولا بارداً، فالاستعداد الذي هو كذا لا ينقلب للاستعداد الذي هو كذا، وإنما المحل القابل لهذا الاستعداد المعين قابل لغيره من الاستعدادت، فالمشيئة خصصته بهذا الاستعداد دون غيره ما خصصت الاستعداد، فإني رأيت جماعة من أصحابنا غلطوا في هذه المسألة ورأوا أن المشيئة لا أثر لها في هذا المحل لما يعطيه استعداد ذلك المحل، إذ لا أثر لها في الاستعداد ؛ والأمر على ما بيناه إن عقلت. فمن مسائل هذا الباب: أن ميزان الطبيعة نازع الميزان الإلهي الروحانيّ لما علمت أن ميزانها ما هو بجعل جاعل وذهلت أن ظهور ميزانها في شيء معين إنما هو بجعل جاعل وهو الميزان الإلهيّ فلما نازعت الطبيعة بميزانها الميزان الإلهيّ الروحاني ونازعها الميزان الروحاني الإلهي وهو الأقوى وله الحكم، وما وقع الخصام إلا من الطبيعة لأنها ما رضيت بذلك الميزان ولا بالوزن، فارتفعت إلى الله تطلب منه أن يحكم بينها وبين الميزان الروحاني، ويحكم بينها وبين الروح المتوجه عليها بالنكاح الروحاني النوري لظهور الأجسام الطبيعية والأرواح الجزئية الإنسانية وغير الإنسانية، إذ كان كل جسم في العالم مقيداً بصورة روح إلهي يلازم تلك الصورة به تكون مسبحة لله، فمن الأرواح ما تكون مدبرة لتلك الصورة لكون الصورة تقبل تدبير الأرواح وهي كل صورة تتصف بالحياة الظاهرة والموت، فإن لم تتصف بالحياة الظاهرة والموت فروحها روح تسبيح لا روح تدبير، فإذا ظهرت صورة طبيعية تقبل التدبير ظهرت لها نفس جزئية مدبرة لها كانت الصورة بمنزلة الأنثى والروح المدبر لها بمنزلة الذكر، فكانت الصورة له أهلاً وكان الروح لتلك الصورة بعلاً، وهذا الأرواح الجزئية متفاضلة بالعلم بالأشياء، فمنهم من له علم بأشياء كثيرة، ومنهم من لا يعلم إلا القليل، ولا أعلم بالله من أرواح الصور التي لا حظ لها في التدبير لكون الصورة لا تقبل ذلك وهي أرواح الجماد ودونهم في رتبة العلم بالله أرواح النبات ودونهم في العلم بالله أرواح الحيوان، وكل واحد من هؤلاء الأصناف مفطور على العلم بالله والمعرفة به، ولهذا ما لهم هم إلا التسبيح بحمده تعالى ودون هؤلاء في العلم بالله أرواح الإنس. وأمّا الملائكة فهم والجمادات مفطورون على العلم بالله لا عقول لهم ولا شهوة، والحيوان مفطور على العلم بالله وعلى الشهوة، والإنس والجن مفطورون على الشهوة والمعارف من حيث صورهم لا من حيث أرواحهم، وجعل الله لهم العقل ليردوا به الشهوة إلى الميزان الشرعي ويدفع عنهم به منازعة الشهوة في غير المحل الفتوحات المكية ج٥ - م١٠ ١٤٦ في المنازل/ الباب السادس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل التحاور والمنازعة المشروع لها لم يوجد الله لهم العقل لاقتناء العلوم، والذي أعطاهم الله لاقتناء العلوم إنما هي القوّة المفكرة، فلذلك لم تفطر أرواحهم على المعارف كما فطرت أرواح الملائكة وما عدا الثقلين . ولما تفاضلت مراتب الإنس في العلم بالأشياء أراد بعض الأرواح أن يلحق حكم الصورة التي هو مدبر لها بحكم الطبيعة التي وجدت عنها تلك الصورة وتنزلها منزلتها في الحكم وهي لا تنزل منزلتها أبداً فقال له المعلم: هذا الذي رمته محال فإن الصورة لا تفعل فعل الطبيعة فإنها منفعلة عنها، وأين رتبة الفاعل من المنفعل؟ ألا ترى النفس الكلية التي هي أهل للعقل الأوّل؟ ولما زوج الله بينهما لظهور العالم كان أوّل مولود ظهر عن النفس الكلية الطبيعية، فلم تقو الطبيعة أن تفعل فعل النفس الكلية في الأشياء لأن الجزء ما له حكم الكل والكل له حكم الجزء لأنه بما يحمله من الأجزاء كان كلاً، فلما عجز هذا الروح الجاهل عن إلحاق الصورة بالطبيعة التي هي أم له قال: لعل ذلك لعجزي وقصوري عن إدراك العلم في ذلك، فيعود في طلب ذلك من الله إلى الله، فطلب من الله أن ينفعل عن الصورة ما ينفعل عن الطبيعة، فوجد القوابل التي تؤثر فيها الصورة غير قابلة لما تقبله الصور التي لها قبول أثر الطبيعة، والحق سبحانه لا يعطي الأشياء كما تقدم إلا بحسب استعداد المعطي إياه إذ لا يقبل ما لا يعطيه استعداده، فلما تبين لهذا الروح خطؤه من صوابه وعلم أنه نفخ في غير ضرم طلب الوقوف مع صورته بحسب ما يعطيه استعدادها فقبل الوصول إلى إبراز ما يلقى منه إلى الصور لإظهار عين ما من أعيان الممكنات المعنوية والحسية أو الخيالية ظهر له في فتوح المكاشفة بالحق لا في فتوح الحلاوة ولا في فتوح العبارة ثلاث مراتب: مرتبة الحرية وقد تقدم بابها وهي التي تخرجه عن رق الأكوان لأنه كان قد استرقه هذا الطلب الذي كان عن جهله بالأمور وكان الله أعلم بذلك أنه لا يقع ولا علم له بما في علم الله ولا بما هو الأمر عليه، فإن اتصف بهذا المقام وظهر بهذه الحال مكنه الله من مراده ووهبه قوّة الإيجاد، وإن عجز عن الاتصاف بهذا المقام فهو بحالة أعجز، فإن الحال موهبة إلهية والمقام مكتسب، فعدل عند ذلك إلى المرتبة الثانية وهي على الترتيب في الحكم والشهود فقام له الحق في التجلي الصمداني فإن قدر على النظر إليه فيه وثبت لتجليه ولم يك جبلياً فيصير دكاً ولا موسوياً فيصعق كان له ما طلب من الله من الانفعال عن صورته ما يعطيه استعدادها إذا أمكنه الله من الحكم فيها، فإن كان موسوياً أو جبلياً لم يثبت لذلك التجلي المفني من يطلب باستعداده الفناء، والمهلك من يطلب باستعداده الهلاك، قامت له مرتبة إمساك الحياة على العالم القابل للموت فوجده في رتب على عدد درجات التجلي الصمداني فإنه موت أو إمساك حياة، فإن اعتنى الله به وأعطاه القوّة على ذلك تصرف في صورته كيف شاء، وإن لم يعط القوّة على ذلك وعجز، فإن كان عجزه عن شهود إلهي أعطاه التصرف في صورته، وإن كان عجزه من خلف حجاب نفسه منع من التصرف إذ ليست له قوّة إلهية يتصرف بها . فهذا قد ذكرنا من ذوق رجال هذا المنزل في هذا المنزل ما بيناه ويطول الشرح لما ١٤٧ .في المنازل/ الباب السابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل المُدُ والنصيف ... يحمله كل منزل، وهذا منزل ليس في المنازل له شبيه ولا مقاوم وهو من أقوى المنازل منه يقع الإخلاص للنطق بالحكمة بعد الأربعين لمن أخلص من عباد الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب السابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل المُدِّ والنصيف من الحضرة المحمدية [الكامل] : أثْنَى عليها اللّهُ في تَنْزِيلِهِ الابْتِدَاعُ شريعةٌ مَزْعِيَّةٌ فمُشِّرِعُ المَسْئُونِ مِنْ تَأْوِيِلِهِ هذا بغير حقيقةٍ قَدْ سَنَّها هذا هو المعروفُ مِنْ تَفْصِيلِهِ أَوْلَى بأن تُرْعَى ويُعْرَفَ قَدْرُها اعلم أيدك الله أن من علوم هذا المنزل علم المفاضلة، والمفاضلة تكون على ضروب: مفاضلة بالعلم، ومفاضلة بالعمل، والمفاضلة بالعلم قد تقع بفضل المعلومات، وقد تكون بطريق الوصول إلى المعلوم، فواحد يأخذ علمه عن الله، وآخر يأخذ علمه عن كون من الأكوان، والذي يأخذ علمه عن الله يتفاضل، فمنهم من يأخذ عن سبب كالمتقي بتقواه، ومنهم من يأخذ عن الله لا عند سبب، ومن الأسباب الدعاء في الزيادة من العلم والمفاضلة في المعلوم، فعلم يتعلق بالأفعال، وآخر بالأسماء، وآخر بالذات، فبين العلماء من الفصل ما بين متعلقات هذه العلوم والكل علم إلهي، وكذلك المفاضلة بالأعمال قد تكون بأعيانها وبالأزمان وبالمكان وبالحال فتقدر في كل شيء بحسب ما تعطيه حقيقة ما وقع فيه التفاضل، فثم من يكون التقدير فيه بالمكيال والميزان إذا كان إنفاقاً أو وقع التشبيه فيه بالإنفاق كالعقل لما قسمه الله بين الناس بمكيال فجعل لواحد قفيزاً ولآخر قفيزين وقد يكون التقدير فيه بالمراتب والدرجات، والذي يحصر لك باب المفاضلة إنما هو العدد وبماذا يقع ما هو فيقال: بحسب ما يريده الواضع أو المخبر به ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ [المجادلة: ١١] والنفقة بعد الهجرة لا يبلغ أجرها النفقة قبل الهجرة في أهل مكة، ولا في كل موضع يكون العبد مخاطباً فيه بالهجرة منه إلى غيره فيعمل فيه خيراً وهو فيه مستوطن، ثم يعمل خيراً بعد هجرته، فهذا الخير يتفاضل بقدر المشقة . واعلم أن هذا المنزل يتضمن علوماً شتى أومأنا إلى تسميتها في آخره لتعرف فتطلب، وهذا المنزل من منازل التنزيه الذي ذكرناه في أوّل هذا الكتاب عند ذكرنا منزل المنازل وهو تنزيه نصف العالم، ونصف محل وجود أعيان العالم من مقام العزة الحاكمة على الكل بالقهر والعجز عن بلوغ الغاية فيما قصدوه من الثناء على الله مثل قول رسول الله وَالر: ((لا أُخصِي ثَنَاءٌ عَلَيْكَ)) ما قال ذلك حتى عجز عن بلوغ الغاية التي في نفسه طلبها، فلم تف الجوارح بذلك ولا ما عندنا من الأسماء الإلهية، فإنه ما يثنى عليه عز وجل إلا بأسمائه الحسنى ولا يعلم منها إلا ما أظهر، ولا يثنى عليه إلا بالكلام بتلك الأسماء وهو الذكر، ولا يكون إلا منه ١٤٨ في المنازل/ الباب السابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل المُدِّ والتصيف ... لا بالوضع منا، فإنه لا يجوز عندنا أن يسمى إلا بما سمى به نفسه، فلا يثنى عليه إلا بما أثنى على نفسه إلا القاضي أبو بكر بن الطيب فإنه ذهب إلى جواز تسميته بكل اسم لا يوهم صفة الحدوث، فالعالم كله تحت قهره وفي قبضته، يحيي بشهوده وتجليه إذا شاء أو لمن شاء، ويميته باحتجابه وستره إذا شاء أو في حق من شاء، ولكن ما لم يتجل لشخص تجلياً يعلم أنه هو غير مقيد، فإذا تجلى في مثل هذا فلا حجاب بعد هذا التجلي فله الحياة الذاتية بشهوده، فلا يموت أبداً موت الحجاب والستر، فإن لم يتجل له وهو متجل أبداً ولكن لا يعرف فالمحجوب بجهله به ميت، فإن حياة العلم يقابلها موت الجهل وبالنور يقع حصوله كما بالظلمة يكون الجهل في حكمه، قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] فقد وصفه بالموت ثم بالحياة لمن أحياه، ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمِ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢] به يشهده فليس مثله كمن مثله في الظلمات وإن كان حياً وهو الحي يعلم الغيب في الغيب الذي يحكم عليه به الاسم الباطن، فإن لم يكن حياً يعلم فتلك الظلمة المحضة والعدم الخالص، ولله سبحانه الاقتدار على كل ما ذكرناه. أخبرني الوارد والشاهد يشهد له بصدقه مني بعد أن جعلني في ذلك على بينة من ربي بشهودي إياه لما ألقاه من الوجود في قلبي أن اختصاص البسملة في أوّل كل سورة تتويج الرحمة الإلهية في منشور تلك السورة أنها تنال كل مذكور فيها فإنها علامة الله على كل سورة أنها منه كعلامة السلطان على مناشيره فقلت للوارد: فسورة التوبة عندكم، فقال: هي والأنفال سورة واحدة قسمها الحق على فصلين، فإن فصلها وحكم بالفصل فقد سماها سورة التوبة أي سورة الرجعة الإلهية بالرحمة على من غضب عليه من العباد فما هو غضب أبد لكنه غضب أمد والله هو التوّاب، فما قرن بالتواب إلا الرحيم ليؤول المغضوب عليه إلى الرحمة أو الحكيم لضرب المدة في الغضب وحكمها فيه إلى أجل فيرجع عليه بعد انقضاء المدة بالرحمة؛ فانظر إلى الاسم الذي نعت به التواب تجد حكمه كما ذكرناه، والقرآن جامع الذكر من رضي عنه وغضب عليه وتتويج منازله بالرحمن الرحيم والحكم للتتويج، فإن به يقع القبول وبه يعلم أنه من عند الله، هذا إخبار الوارد لنا، ونحن نشهد ونسمع ونعقل لله الحمد والمنة على ذلك، ووالله ما قلت ولا حكمت إلا عن نفث في روع من روح إلهيّ قدسيّ علمه الباطن حين احتجب عن الظاهر للفرق بين الولاية والرسالة والولاية لها الأوّلية، ثم تنصحب وتثبت ولا تزول، ومن درجاتها النبوة والرسالة فينالها بعض الناس ويصلون إليها وبعض الناس لا يصل إليها، وأمّا اليوم فلا يصل إلى درجة النبوّة نبوّة التشريع أحد لأن بابها مغلق والولاية لا ترتفع دنيا ولا آخرة، فللولاية حكم الأوّل والآخر والظاهر والباطن بنبوّة عامة وخاصة وبغير نبوّة، ومن أسمائه الوليّ، وليس من أسمائه نبيّ ولا رسول، فلهذا انقطعت النبوّة والرسالة لأنه لا مستند لها في الأسماء الإلهية ولم تنقطع الولاية فإن الاسم الولي یحفظها . ثم إن الله تعالى قدر الأشياء علماً ثم أوجدها حكماً وجعلها طرفين وواسطة جامعة ١٤٩ في المنازل/ الباب السابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل المُدِّ والنصيف ... للطرفين لها وجه إلى كل طرف في تلك الواسطة البرزخية إنشاء الإنسان الكامل، فجمع بين التقدير وهو العام وبين الإيجاد وهو خاص مثل قوله: ﴿فَتَنْفُغُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ﴾ [المائدة: ١١٠] فهو أحسن الخالقين تقديراً وإيجاداً، وهذه مسألة غير مجمع عليها من أهل النظر فإنه من لا يرى الفعل إلا الله، ثم يفرق بين الحق والخلق بأن يجعل للخلق وجوداً في عينه وللحق وجوداً في عينه لم يقل ﴿أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] إلا تقديراً لا إيجاداً ومن أهل الله من يرى ذلك ولكن لا يرى أن في الوجود إلا الله وأحكام أعيان الممكنات في عين وجوده، وهذا هو النظر التام الذي لا ينال بالفكر ولكن ينال بالشهود وهو قول النبيّ وَّرَ: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فمن عرف نفسه أنه لم تزل عينه في إمكانها عرف ربه بأنه الموجود في الوجود، ومن عرف أن التغييرات الظاهرة في الوجود هي أحكام استعدادات الممكنات عرف ربّه بأنه عين مظهرها، والناس بل العلماء على مراتب في ذلك، فلما أوجد العالم طرفين وواسطة جعل الطرف الواحد كالنقطة من الدائرة، وجعل الطرف الآخر كالمحيط للدائرة، وإنشاء العالم بين هذين الطرفين في مراتب ودوائر، فسمى المحيط عرشاً وسمى النقطة أرضاً وما بينهما دوائر أركان وأفلاك جعلها محلاً لأشخاص أنواع أجناس ما خلق من العالم وتجلى سبحانه تجلياً عاماً إحاطياً وتجلى تجلياً خاصاً شخصياً، فالتجلي العام تجلِ رحماني وهو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى﴾ [طه: ٥] والتجلي الخاص هو ما لكل شخص شخص من العلم بالله، وبهذا التجلي يكون الدخول والخروج والنزول والصعود والحركة والسكون والاجتماع والافتراق والتجاوز ومن يكون بحيث محله، وميز العالم بعضه عن بعض بالمكان والمكانة والصورة والعرض، فما ميزه إلا به فهو عين ما تميز وعين ما تميز به فهو مع كل موجود حيث كان بالصورة الظاهرة المنسوبة لذلك الموجود يعلم ذلك كله العلماء بالله من طريق الشهود والوجود، فمما ميز الغيب من الشهادة فجعل الشهادة عين تجليه وجعل الغيب عين الحجاب عليه فهو شهادة للحجاب لا للمحجوب، فمن كان حجابه عين صورته والحجاب يشهد ما وراءه فالصورة من الكون تشهده، والمحجوب بصورته عن وجود الحق محجوب، فهو من حيث صورته عارف بربه مسبح بحمده، ومن حيث ما هو غير صورة أو من خلف الصورة محجوب إما بالصورة أو بشهود نفسه، فإن رزقه الله شهود نفسه فقد عرفها فيعرف ربه بلا شك فيكون من أهل الصدور الذين أعماهم الله بشهوده عن شهودهم كما قال: ﴿وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ وهي أعيان البصائر ﴿الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] أي في الرجوع بعد الورود فهو ثناء، فإنه لا يصدر إلا بما شاهد في الورود للقوّة الإلهية التي أعطاه الله إياها، فمن جمع بين العلمين وظهر بالصورتين فهو من أهل العلم بالغيب والشهادة وهو بكل شيء عليم. وصل: ومن هذا المنزل حكم الاسم الإلهيّ الوارث وهو حكم عجيب لأنه ينفذ في السموات وفي الأرض، ونفوذه في ذلك دليل على خراب السموات والأرض وهو قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فكما كان في أول الخلق أن الأرض خلقت قبل السماء كما قدمناه في ترتيب وجود خلق العالم، كذلك لما وقع التبديل ابتدأ ١٥٠ في المنازل/ الباب السابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل المُدُ والنصيف ... بالأرض قبل السموات، فوقف الخلق على الجسر دون الظلمة وبدل الأرض غير الأرض لا في الصفة، فلو كان في الصفة ما ذكر العين، ولا يكون وارث إلا من مالك متقدم يكون ذلك الموروث في ملكه فيموت عنه فيأخذه الوارث بحكم الورث، وقد أخبر الله أن له ميراث السموات والأرض، فلا يرثها إلا الاسم الوارث لا يكون غير هذا، ولو لم يكن لها مالك إلا المتصرف فيها وهي الأسماء الإلهية التي لها التصرف، فإذا انقضت مدتها بالحكم فيها ما دامت على هذه الصورة والنظم الخاص وكانت المدبرة لها، فلما زال تدبيرها وانقضى حكمها الخاص لانقضاء أمد مدة القبول لذلك سمي هذا الزوال موتاً وصارت هذه الأعيان ورثاً فتولاها الاسم الوارث، فأزال حكم ما كانت عليه فبدل الأرض غير الأرض والسموات حتى لا تعرف الأرض ولا السماء موجداً لها إلا هذا الاسم، ولو بقي عين الأرض والسماء لتقسمت وذكرت من كانت ملكاً له من الأسماء قبل هذا فربما حنت إليه والأسماء الإلهية لها غيرة، لأن المسمى بها وصف نفسه بالغيرة فتعلق حكمها بالأسماء لتعلقها بالمسمى، والغيرة مأخوذة من شهود الأغيار، وكل اسم إلهيّ يريد الحكم له وانفراد المحكوم عليه إليه لا يلتفت إلى غيره، فبدل الأرض والسماء في العين، فلم تعرف هذه الأرض ولا السماء إلا هذا الاسم الوارث خاصة، فزالت الشركة في العبادة وظهر التوحيد، وحكم المال الموروث ما هو مثل حكم المالك الأصلي، فإن حكم الوارث حكم الواهب، وحكم المالك الأصلي الموروث عنه حكم الكاسب، فتختلف الأذواق فيختلف الحكم فيختلف التصريف، فالكاسب حاله ينزل بقدر ما يشاء لأنه في موطن تكليف وانتظار سؤال وحساب ومؤاخذة، فهو حفيظ لهذه المراتب التي لا بد منها، وحكم الوارث يعطى بغير حساب وينزل بلا مقدار، لأن الآخرة لا ينتهي أمدها، فتكون الأشياء فيها تجري إلى أجل مسمى، فينزل بقدر ما يشاء لأجل ذلك الأجل والدنيا لأمور فيها تجري إلى أجل مسمى وينقضي أمدها فينزل فيها مالكها بقدر معلوم مساوٍ لمدة الأجل، فلو أعطى بغير حساب لزاد على الأمد أو نقص فتبطل الحكمة، فحكم الوارث حكم الوهاب، وحكم المالك الموروث عنه حكم المقدر المقيت، ألا تسمع إلى قوله في خلق هذه الأرض الأولى: ﴿وَقَّدَّرَ فِيهَآ أَقْوَتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] فجعلها ذات مقدار فلن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وإذا استكملت رزقها ذهب حكم الرازق منها من كونه رازقاً في هذه المدة الخاصة، وبقي الرزاق ينظر إلى حكم الوارث ما يقول له، فيقول الوارث له : ارزق بغير قدر ولا انتهاء مدة، ألا ترى أن الله قال للقلم: اكتب في اللوح علمي في خلقي إلى يوم القيامة؟ فضرب له الأمد لانقضاء مدة الدنيا وتناهيها، ولا يصح أن يكتب علمه في خلقه في الآخرة لأنه لا ينتهي أمدها، وما لا ينتهي لا يحويه الوجود والكتابة وجود فلا يصح أن يحصرها لانفصاله فإنه انتهاء ما لا ينتهي وهذا خلف، فيرجع حكم الأسماء التي كانت تحكم على الأشياء في الدنيا تحكم فيها في الآخرة بحسب ما يرسم لها الاسم الوارث، فمن حاز معرفة الأسماء الإلهية فقد حاز المعرفة بالله على أكمل والوجوه. وهذا المنزل يتضمن علوماً جمة: منها علم تنزيه العالم العلوي بما هو محصور في أين ١٥١ في المنازل/ الباب السابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل المُدْ والنصيف ... وتنزيه أين العالم السفلي ومحله لا تنزيهه، وعلم الترتيب والمنازل والمراتب التي لا يمكن أن يوصل إليها ذوقاً ولا حالاً، وعلم أصناف الحياة وضروب الموت المعنويّ والحسيّ ومن يقبل ذلك ممن لا يقبله، وعلم الأضداد هل يجمعها عين فتكون الأضداد عيناً واحدة أو هي الأحكام لعين واحدة تطلبها النسب، وعلم حكم الزمان في الإيجاد الإلهي هل حكمه في ذلك لذاته أعني لذات الزمان أو هو بتولية يمكن عزله عنها؟ ومن هنا يعلم الاسم الإلهي الدهر، وعلم الأموات التي توجب المهلة وعدم المهلة فيحكم على الحق في الأشياء بحسب الأداة فيقدم إن اقتضت الأداة التقديم ويؤخر إن اقتضت الأداة التأخير، وعلم الملك بطريق الإحاطة، وعلم النكاح الذي يكون عنه التوالد من النكاح الذي لمجرد الشهوة من غير توالد، وعلم مشاهدة الحق إيانا بماذا يشهدنا هل بذاته أو بصفة تقوم به؟ وعلم ما يظهر من الغيب للشهادة وما لا يظهر، وعلم رجوع الشهادة إلى الغيب بعدما كان شهادة بحيث أن لا يبقى في الخيال مثال منه فيمن من شأنه أن يتخيل، وعلم النور المنزل في ظلمة الطبيعة هل يبقى على صفائه أو يؤثر فيه ظلام الطبيعة فيكون كالسدفة، وعلم الإيمان بالمجموع هل يقبل الإيمان الزيادة والنقص أو لا يقبل؟ وعلم المفاضلة على اختلافها وكثرتها، وعلم الربا المحمود المشروط في المعاملة وما معنى قول النبيّ وَّ: ((لَمْ يَكُنِ الله لِيَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيَأْخُذهُ مِنْكُمْ)) فاعلم أنه لا يأخذه منا ويعطينا إياه ويجوز اشتراطه في معاملة الحق دون الخلق في زمان مخصوص، وعلم من ينسب إليه المشي من غير أن يكون موصوفاً بأن له المشي، وعلم نطق من ليس من شأنه في رتبة الحس أنه يتكلم، وعلم ردّ الأعمال على العاملين، وعلم البرزخ الذي بين الرحمة والغضب الإلهي فلا يكون لواحد حكم يستقل به في الموجود ما حكم ذلك البرزخ وهل له عين موجودة في نفس الأمر أو هو نسبة لها وجهان في الحكم؟ وعلم ما الذي قعد بالثقلين عن النهوض إلى ما فيه سعادتهم بعد إبانة الله طريق السعادة على ألسنة المخبرين عن الله، وعلم الموطن الذي يقوم البدل فيها في الحكم مقام المبدل منه من الموطن الذي لا يقبل ذلك مع كونه يقبل التبديل لذاته، وعلم المدد ولماذا يرجع عددها المحكوم عليها به هل لعين المدة فيقبل العدد كالأشخاص في النوع الواحد أو هل تختلف المدد لذواتها؟ وعلم ما يحصل من الأثر فيمن هو تحت حكم المدة من قصرها وطولها، وعلم اختلاف الأحكام على الأعيان هل تختلف لاختلاف استعداد الأعيان باختلاف الأوقات؟ أو هل تختلف باختلاف الأسماء الحاكمة؟ وعلم مراتب العبيد من الأحرار وما لكل واحد من الصنفين من الله، وعلم الفرق بين الصديقية والشهادة ومن أي مقام نال السرّ أبو بكر الذي فضل به غيره؟ وعلم مراتب النار ولماذا تنوعت الأسماء عليها وما لكل اسم من الأصناف الذين يدخلونها، وعلم الفرقان بين النشأتين والحياتين، وعلم السبب الذي ثَبَّطَ قوماً وأسرع آخرين والفرق بين السرعة والسبق، وعلم الموطن الذي يقوم به الواحد مقام الكثير، وعلم القضاء السابق على الحكم الواقع بالسورة، وعلم اتصاف الحق باليسر دون العسر وما هو الأصعب عنده من الأهون إذا كان هو الفاعل للأمرين؟ وعلم مقام إزالة العبد من حكم الصفتين المتقابلتين فلا وصف له ١٥٢ في المنازل/ الباب الثامن والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب المركبات ... كأبي يزيد، وعلم ما يؤذي شهوده إلى أن لا يحب الشيء نفسه الذي من شأنه أن يتصف بالحب، وعلم المنع الإلهيّ لما يرجع، وعلم المنافع والمضار المحسوسة والمعنوية، وعلم الرسالة والرسل، وعلم الاختراع والتدبير، وعلم من له من كل شيء زوجان، وعلم العناية الإلهية هل حكمها في الفرع مثل حكمها في الأصل أم لا؟ فهذا حصر ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم وفي كل علم علوم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثامن والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب المركبات عند السبك إلى البسائط وهو من الحضرة المحمدية هذا المنزل يعصم الدخول فيه من الموت ما دمت فيه وهو منزل عجيب: [البسيط] في جنّة الخُلْدِ من نُغْمَى وإحْسَانٍ إِنَّ المُقَرَّبَ ذو رَوْحِ ورَيْحانِ يُسَبِحُ اللَّهَ من علم وإيمانِ مُنْعَّمٌ بعذاب النَّارِ تُبْصِرُهُ مُنَزَّه الحكم عن نَقْص ورجْحَانٍ بنشأةٍ ما لها حَدٌّ فتبلغه من هذا المنزل تكون الوقائع للفقراء وهي المبشرات والرؤيا الصادقة ما هي بأضغاث أحلام، وهي جزء من أجزاء النبوة، ومن هذا المنزل يحصل للمكاشف كشف الميزان الذي بيد الحق الذي يخفض به ويرفع . اعلم أن التحليل إذا ورد على المركبات أذهب عين الصورة ولم يذهب عين الجوهر، وجعله الله مثالاً للعارفين بالله فيما يظهر من تركيب أعيان الممكنات بعين الحق، فيظهر في عين الحق ما يظهر من الصور، فإذا رفعت التناسب بين الحق والخلق ذهبت أعيان تلك الصور وبقيت أعيان الممكنات وعين الحق من حيث ما هو موصوف بالغنى عن العالمين، فلم تذهب الأعيان لذهاب الصور الظاهرة للحس. واعلم أن الصور الظاهرة من الحق على ثلاث مراتب، فإن للحق في العالم ثلاثة أوجه: إذ وصف نفسه بأن له يدين قبض بهما على العالم، وأظهر النبي ◌َّ ذلك في الكتابين اللذين خرج بهما على أصحابه في الواحد أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، وفي الآخر أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، ولم يخرج لأهل الله وخاصته كتاباً ثالثاً فإن كتابهم القرآن، قال رسول الله وَ له: ((أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ الله وَخَاصَّتْهُ)) ومنزله ما بين اليدين فلهم القلب والصدر الذي هو محله وحضرته، وذلك هو مقام أهل القرية الذين هم خصوص في السعداء أورثهم ذلك المسابقة إلى الخيرات على طريق الاقتصاد من إعطاء كل ذي حق حقه، فانقسم العالم لانقسام الوجوه على ثلاثة أقسام، لكل يد قسم صنف خاص ولما بينهما صنف خاص، ولأصناف الأيدي مرتبة العظمة والهيبة، فأما اليد الواحدة فالصنف المنسوب إليها عظيم الشأن في نفسه حظمة ذاتية له، والصنف الآخر عظيم المرتبة ليست عظمته ذاتية فيعظم لرتبته لا لنفسه، كأصحاب المناصب في الدنيا إذ لم يكونوا أهل فضل في نفوسهم فيعظمون لمنصبهم، فإذا عزلوا زال عنهم ذلك التعظيم الذي ١٥٣ في المنازل/ الباب الثامن والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب المركبات .. . كان في قلوب الناس لهم، فهذا الفرق بين الطائفتين، فصنف من أهل الله يظهرون في العالم بالله، وصنف آخر يظهرون في العالم لله، والصنف الذي بين اليدين يظهر بالمجموع وزيادة، فأما الزيادة فظهورهم بالذات التي جمعت اليدين وهم أصحاب الهرولة الإلهية في أحوالهم التي سارعوا بها في موطن التكليف، وأصحاب اليدين أصحاب الذراع والباع الإلهيّ لما ظهروا في موطن التكليف عند تعين الخطاب بالشبر والذراع فوقعت المفاضلة ليقع التمييز في المرتبة فيقول صنف ما بين اليدين: [الرمل] أنا مَنْ أهْوَى ومَنْ أهْوَى أنا في مشاهدة دائمة لا تنقطع مراتبها وإن اختلفت أذواقها، فإن الله له عرش لا يتجلى في هذه الصورة الدائمة إلا لأصحاب هذا العرش، وهم أهل العرش وهم أهل الوجه، ينظر بعضهم إلى بعض في هذا التجلي، فيكسو بعضهم بعضاً من الأنوار التي هم عليها مع كونهم في حال التجلي والنظر، وما ثم موطن يجمع بين تجلي الحق ورؤية الخلق في غير حضرة الخيال والمثال إلا موطن أصحاب الوجه أعطاهم ذلك قوّة المحل الذي أحلهم فيه الحق وهو محل المقامة، وهو الذي ظهر لرسول الله وَ ◌ّر في بعض إسراءاته فعبر عنه في حال تدليه إليه برفرف الدر والياقوت فانتقل في إسرائه من بُرَاقٍ إلى رفرف، فمن حصل في هذا المقام دامت مشاهدته ولم تغيبه عن نفسه ولا عن ملكه ويرى الكثرة في الواحد والتفرقة في الجمع، وتقوم لهذا الصنف من الوجه صور حاملة لعلوم محمولة مما بينهم وبينها علاقة ومناسبة عملية ومما لا علاقة بينهم وبينها، بل هي زيادة من فضل الله لهم يرزقونها من عين المنة، لا ينالون هذه العلوم إلا من تلك الصور المنبعثة من الوجه، فلا يحجبهم الوجه عن رؤية الصور وما تحمله، ولا تحجبهم الصور وما تحمله ولا ذوق تلك العلوم عن الوجه، وهذه الرتبة أعلى رتبة للسعداء . ثم يفيضون على أصحاب الأيدي مما حصل لهم من تلك العلوم التي نالوها من تلك الصور، فلا يأخذوها أصحاب الأيدي إلا بوساطة أصحاب الوجه، كما أن أصحاب الوجه ما نالوها إلا من تلك الصور لم ينالوها من الوجه، وسبب ذلك أن تلك العلوم مختلفة الأذواق والوجه ما فيه اختلاف، فلا بد أن يظهر تميز تلك المراتب بوجود هذه الصور ليعلم تنوع المشارب، فما كان عن علاقة التنوع فلتنوع أحوالهم بالشبر والذراع والسعي، فتنوّع المشروب بالذراع بالباع والهرولة، وما تنوّع من المشارب مما لا علاقة بينها وبينهم، فليعلم أن ذلك من الاستعدادات التي هي عليها نشأتهم الذي هو غير الاستعداد العملي الذي كنى عنه بالمقدار من شبر وذراع، فالهبات الإلهية إنما اختلفت لهذا، ولا يذهب شيء من هذا كله بعقولهم ولا ينقصهم من مراتب حظوظ حقائقهم شيئاً، فينعمون بكل جارحة وكل حقيقة هم عليها في زمان واحد، لا يحجبهم نعيم شيء عن نعيمهم بشيء آخر، ومن علم هذا علم صورة النشأة الآخرة وأنها على غير مثال كما كانت نشأة الدنيا على غير مثال، وليس في هذا المقام لهذا الصنف أعجب من كونه إذا تجلت لهم صور الوجه يفنون العلوم في المشروبات ١٥٤ في المنازل/ الباب الثامن والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب المركبات ... وهم على حقائق يطلب كل شيء جاؤوا به أن يختاروا به منها مع كونها لهم ولا بد لهم من نيلها، وأعرّفك بسبب ذلك أنهم لا يقع لهم الاختيار إلا في العلوم التي بينهم وبينها علاقة من تلك المشارب لا في علوم الوهب وذلك لأنهم في حال سلوكهم وإنشائهم للأعمال اختاروا بعض الأعمال على بعض فقدموها لما اقتضاه الزمان أو المكان أو الحال، فإذا ظهر في هذا التجلي نتائج تلك الأعمال وقع الاختيار منهم في تقدم بعضها على بعض للتناول على صورة ما جرى في حال أعمالهم؛ ألا ترى حكمة قوله في الآخرة: ((إن لأهل السعادة ما تشتهي نفوسهم)) ولم يقل ما تريد نفوسهم، والشهوة إرادة، لكن لما لم يكن كل مراد يشتهى لم يكن كل إرادة شهوة، فإن الإرادة تتعلق بما يلتذ به وبما لا يلتذ به، ولا تتعلق الشهوة إلا بالملذوذ خاصة، فأخذوا الأعمال بالإرادة والقصد، وأخذوا النتائج بالشهوة، فمن رزق الشهوة في حال العمل فالتذ بالعمل التذاذه بنتيجته فقد عجل له نعيمه، ومن رزق الإرادة في حال العمل من غير شهوة فهو صاحب مجاهدة نال النتيجة بشهوة وهي مرتبة دون الأولى. ثم إن لهذا الصنف من الحق في هذه الحال صورة القهر والظفر بما من شأنه أن يمتنع، فلا يمتنع لما يعلمه مما هو عليه من صفة الاقتدار على إنزاله أنتج له ذلك الأخذ بالشدائد وترك الرخص فهذا بعض أحوال أهل الوجه . وأما الصنفان الآخران فللواحد منهم التكوين وللآخر التسليم، فأما أهل التكوين من هذين الصنفين فتميزهم في أحوالهم ومكانهم من العالم العلويّ إذا فارقوا هياكلهم بالموت وفتحت لهم أبواب السماء وعرج بأرواحهم إلى حيث أسكنوا عند السدرة المنتهى لا يبرحون بها إلى يوم النشور لأنهم في حال أعمالهم بلغوا المنتهى في بذل وسعهم فيما كلفوا من الأعمال وما توانوا، بل بذلوا المجهود الذي لم يبق لهم مساعاً كل على قدر طاقته، فلا فرق بين من يتصدق بمائة ألف دينار إذا لم يكن له غيرها وبين من يتصدق بفلس إذا لم يكن له غيره فاجتمع الاثنان في بذل الوسع، ومن هناك جُوزُوا وجمعهم مكان واحد وهو سدرة المنتهى التي غشاها من نور الله ما غشى فلا يستطيع أحد أن ينعتها، وقد تبين مثل هذا في قول الشارع: (سَبَقَ دِرْهَمّ ألفاً)) لأن صاحب الدرهم لم يكن له سواه فبذله لله ورجع إلى الله لأنه لم يكن له مستند يرجع إليه سواه، وصاحب الألف أعطى بعض ما عنده وترك ما يرجع إليه فلم يرجع إلى الله فسبقه صاحب الدرهم إلى الله وهذا معقول، فلو بذل صاحب الألف جميع ما عنده مثل صاحب الدرهم لساواه في المقام، فما اعتبر الشارع قدرة العطاء، وإنما اعتبر ما يرجع إليه المعطي بعد العطاء فهو لما رجع إليه، فالراجعون إلى الله هم المفلسون من كل ما سوى الله، وإن كان صاحب الجدة ممن يرى الحق في كل صورة فما يدرك رتبة من يراه في لا شيء فإنه يراه في ارتفاع النسب والإطلاق وعدم التقييد، ولا شك أن الحق إذا تقيد للمتجلى له في صورة فإن الصورة تقيد الرائي وهو تعالى عند كل راء في صورة لا يدركها الآخر، فلا يدرك مطلق الوجود إلا المفلس الذي ذهبت الصور عن شهوده كما قال في الظمآن ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] فنفى شيئية المقصود ووجد الله عنده يعني عند لا شيء فإنه ١٥٥ في المنازل/ الباب الثامن والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب المركبات ... ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وهو ﴿غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فلا يدركه إلا من أفلسه الله من العالمين، والمفلس من العالمين في غاية الغنى عن العالمين لما تقطعت به الأسباب رده الحق إليه، فعلم لمن رجع وبماذا رجع، فرجع بالإفلاس لمن له الغنى عنه فعرف الحق حقاً فاتبعه، فحق عينه عدم وشهود، وحق ربه وجود وشهود، قال رَهو صاحب الكشف الأتم: ((إنَّ أصحاب الجدّ مَخبُوسُون)) والمحبوس مقيد والمفلس ما له جد يقيده ولا يحبسه، فهو مطلق عن هذا التقييد الذي لأصحاب الجد، فهو أقرب إلى الصورة بالإطلاق من أصحاب الجد لتقيدهم، فأصحاب الجد في رتبة من يرى الحق في الأشياء فيقيده بها ضرورة، لأن المقام يحكم عليه والمفلس محمديّ لا مقام له، فإنه قيل له: ليس لك من الأمر شيء فأفلسه، وليس الجد إلا لمن له الأمر، فكل من له الأمر فهو صاحب جد لأن الأمر للتكوين، فما أراده كان فليس بمفلس، ومن خرج عن حقيقته فقد زل عن طريقه فما للخلق وللتكوين إن قال أو أمر بحق فالتكوين للحق لا له كما قال فيمن له التكوين ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ﴾ [المائدة: ١١٠] وفي آية أخرى: ﴿فَيَكُنُ طَيْرًا بِذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] فأعطاه وجرده فالبقاء على الأصل أولى وهو قوله لأكرم الناس عليه وأتمهم في الشهود وأعلاهم في الوجود ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ اُلْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فأفلسه ﴿يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَأَرْجِعُواْ﴾ [الأحزاب: ١٣] فإن الله ينشئكم ﴿فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] ﴿وَلَقَدْ عَلْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ أنها كانت فيما لا يعلم ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] فأهل الله لا يبرحون في موطن الإفلاس فهم في كل نفس على بينة لا على لبس من علم جديد لم يكن عنده فإنه ينشئه دائماً فيما لا يعلم فليس بصاحب نظر وتدبير ولا روية، إذ لا يكون النظر إلا في مواد وجودية وهي الحدود التي حبستهم عن العلم بالله ﴿هُمْ فِ لَبِّسِ مِنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [قَ: ١٥] وهم فيه ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ [يوسف: ١٥] فإذا دخلوا الجنة يوم القيامة فلا ينزلون منها إلا فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإذا لم يخطر على القلب وله مقام التقليب في الوجوه فما ظنك بالعقل الذي لا تقليب عنده؟ جعلنا الله من هؤلاء المفلسين وحال بيننا وبين مقام أهل الجد المحبوسين. ثم إن أصحاب التكوين الذين لهم القوة الإلهية في إيجاد الأعيان إذا شاهدوا نضد العالم وترتيبه وأنه ما بقي فيه خلاء يعمره تكوينهم علموا عند ذلك أن الله قد حال بينهم وبين إيجاد المعدوم وليس التكوين الحقيقيّ إلا ذلك، فما حصل بأيديهم من التكوين إلا تغير الأحوال وهو الموجود في العامة، فيكون قائماً فيقعد أو قاعداً فيقوم أو ساكناً فيتحرك أو متحرّكاً فيسكن ليس في قدرته غير ذلك، فإن التكوين الذي هو إيجاد المعدوم ما بقي له مكان في العالم يظهر فيه، فزالت الأمكنة بما عمرته من صور العالم وأعيانه من حيث جوهره، وما زالت المحال التي يظهر فيها تغير الأحوال، فليس لأصحاب التكوين إلا مراتب العوام، إلا أن الفرق بينهم وبين العوام أن العامة لها التكوين في معتاد، ولهؤلاء التكوين في غير معتاد ولكن هو معتاد لهم، فهو بمنزلة العامة في عاداتهم، وصاحب الوجود والشهود لا يبرح في ليس لك من الأمر شيء، فإذا عاينوا أهل التكوين ما ذكرناه من عمارة الأمكنة ونضد العالم ١٥٦ في المنازل/ الباب الثامن والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب المركبات ... وأنه ما يقبل الزيادة ولا النقصان وأنه قد خلق في أكمل صورة وما بقي لهم تصريف إلا في المحال وإيجاد الهيئات كالتجلي الإلهي في الصور انكسرت قلوبهم وعلموا عجزهم وأنهم قاصرون مقيدون في التكوين، فيطلبون الراحة من تعب التكوين، فيأتيهم الخطاب الإلهي في أسرارهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الِظِلّ﴾ [الفرقان: ٤٥] لوجود الراحة فاستراحوا عند هذا الخطاب في ظله الممدود، وظل الشيء يخرج على صورة الشيء، فجعل الله راحتهم بالعالم لا به، والمفلس ما له راحة إلا به، فإنه قد أفلسه من العالم فليس له راحة في الظل فلا حكم للعالم عليه ولا مزية فهو لله بالله، فإذا أراد الله راحة هذا المفلس قبض الظل إليه قبضاً يسيراً فانكشف عن موضع استراحة هذا المفلس لأنه إذا قبض الظل إليه عمر النور المكان المقبوض منه هذا الظل وهو موضع راحة هذا المفلس، فإنه لحاجته كالمقرور يطلب الشمس لوجود الراحة له في النور، فإذا استراح أهل التكوين في علم قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] استراح المفلس من هذه الآية إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ [الفرقان: ٤٥] في بدء أمره وفي نهايته إلى قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْتَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٦] فما رأى في البداية والنهاية إلا ربه، فهو الأوّل في شهوده والآخر في انتهاء وجوده، وبقي أهل التكوين في علم مد الظل لا في كيفيته، والمفلسون ما نظروا في الظل إلا من حيث خاطبهم الحق وهو قوله: ﴿كَيْفَ مَذَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] فوقفوا مع الكيفية وهي إلهية، فما وقفوا إلا مع الله لا مع الظل لأن الكيفية شهود الممد له لا شهود الممدود، فجعلهم الحق لهذه المنزلة يفيضون على أهل التكوين من علوم الحياة ما تحيا به قلوبهم، فإذا رأوا الإمداد يأتيهم نظروا من أيّ جهة أتاهم ذلك فرأوه من جهة هؤلاء الكمل من رجال الله فعرفوا أن الله رجالاً فوقهم لهم القربة الإلهية بما سبق لهم عند الله، فكانوا لهذه السابقة من السابقين المسارعين إلى الخيرات على طريق الاقتصاد، وأعطوا كل ذي حق حقه، كما أعطى الله كل شيء خلقه، فلهؤلاء العرش ولأهل التكوين الفرش فلهم الاستواء، ولأهل التكوين الاتكاء ولهم النزول، ولأهل التكوين الارتفاع والصعود ولهم حقائق أسماء التنزيه، ولأهل التكوين حقائق أسماء التشبيه إذ بها يغيرون الأحوال في المحال، فهذا بعض ما هم عليه أهل يد التكوين وأصحاب الوجه الذين لهم ما بين اليدين. وأما أهل التسليم فهم في جهد ومشقة في نار مجاهدة ورياضة لا يعرفون برد اليقين ولا حرارة الاشتياق إلى التعيين، لأن الشوق لا يتعلق إلا بمعروف ولا يكون إلا لأصحاب الحروف الذين يعبدون الله على حرف لمعناه، فإن أصابه خير اطمأن به أي بالحرف لأجل الخير الذي أصابه منه وهو خير مقيد معين عنده الذي لأجله لزم هذا الحرف دون غيره إذا الحروف كثيرة، فهو كمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به فهو على شفا لا على شفاء، ولكن مع هذا فرحمة الله شاملة ونعمته سابغة، ولكل موجود في العالم وجهان : باطن فيه الرحمة وظاهر من قبله العذاب، كالسور بين الجنة والنار، والعبد حاله بحسب الوجه الذي ينظر إليه من كل موجود لأن الحق وصف نفسه بالغضب والرضا، والعالم على صورته، ١٥٧ في المنازل/ الباب الثامن والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب المركبات ... فلا بد مما ذكرناه، أن يكون العالم عليه، فلا بد من القبضتين، ولا بد من اليدين، ولا بد من الدارين، ولا بد من البرزخ بين كل اثنين ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] لأنه مخلوق عن صفتين: إرادة وقول وهما اللذان يشهدهما كل مخلوق من الحق، فإن العالم نتيجة والنتيجة لا تكون إلا عن مقدّمتين، وهذا هو التناسل الإلهي، ولهذا أوجده على الصورة كوجود الابن على صورة الأب في كل جنس من المخلوقات، فالعالم من حيث أجزائه وتفاصيله كالأعضاء للاسم الظاهر ومن حيث معانيه وتفاصيل مراتبه كالقوى الروحانية الباطنة التي لا تعلم إلا بآثارها للاسم الباطن، فقامت نشأة العالم على الظاهر والباطن ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]. فهذا قد بينا في هذا المنزل ما تقتضيه الثلاثة الأوجه الإلهية والمراتب الثلاثة التي ظهر فيها التفاضل بين العالم، فلنذكر ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم: فأوّل ذلك علم المبشرات، وعلم الميزان الإلهي الذي بيده للخفض والرفع الوارد حديثه في الخبر النبوي الذي أشهده الحق، وفيه علم الحركات الطبيعية خاصة، وفيه علم تحليل المركبات، وفيه علم ما يبدو للمكاشف إذا شاهد الهباء الذي تسميه الحكماء الهيولى من صور العالم قبل ظهور أعيانها في الجسم الكل، وفيه علم الفردية الأولى التي وقع فيها الإنتاج والتناسل الإلهيّ والروحانيّ والطبيعيّ والعنصري وهو علم عزيز، وفيه علم الاقتدار الإلهيّ وفيمن ينفذ وفيمن لا ينفذ ولماذا لا ينفذ في بعض الممكنات وما المانع لذلك؟ هل أحاله الجمع بين الضدّين والأصل جامع بين الضدين بل هو عين الضدين، وفيه علم التحسين والتقبيح، وفيه علم النشأتين، وفيه علم الحياة السارية في جميع الموجودات حتى نطقت مسبحة الله بحمده، وفيه علم المواد الطبيعية والمواد العنصرية، وفيه علم المبدأ والمعاد وفيه علم الأصل الذي ترجع إليه هذه المواد، وفيه علم الاسطفسات، وفيه علم مراتب العلوم، وفيه علم الكلمات الإلهية من حيث ما هي مؤلفة، وفيه علم الكتاب المسطور في الرق المنشور، وفيه علم تنزيه الصحف ومنزلتها من الكتب وما السفرة التي تحمله؟ وفيه علم الفروق بالحدود في أي الأعيان يظهر وما في الوجود إلا واحد فبماذا يتميز؟ وعن أيّ شيء يتميز؟ وما هو ثم؟ وفيه علم التغذي بالعدم، وفيه علم الفرق بين نسبة الحق في القرب في الأحياء وبين نسبة قربه في الأموات، وفيه علم الرجعة، وفيه علم الثواب في كل صنف صنف أعني في تعيين ثوابهم والفرق بين أصحاب النور وأصحاب الأجور وكيف يكون العبد أجيراً لمن هو عبد له من غير أن يكون مكاتباً ولا مدبراً؟ وفيه علم تنزيه العظمة الإلهية أن تقوم بالأكوان، وفيه علم السبب الذي لو علمه من علمه لم يمت ما دام ذلك العلم مشهوداً له، فهذه أمهات العلوم التي يحوي عليها هذا المنزل وفيها تفاصيل لا تتناهى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . ١٥٨ في المنازل/ الباب التاسع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل علم الآلاء والفراغ إلى البلاء الباب التاسع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل علم الآلاء والفراغ إلى البلاء وهو من الحضرة المحمدية [البسيط] رَبُّ العباد وللرّحمُنِ قد وُجِدَتْ إنَّ العَوَالِمَ بِالرَّحْمُنِ أوْجَدَها في مُحْكَمِ الذّكر والأَرْسَالُ قد شَهِدَتْ وبالذي قُلْتُهُ الآياتُ قد نَطَقَتْ ولا وَرَبِّ العُلا نُغْماه ما جُحِدتْ لولا التّألمُ لم يُنْكِزْهُ من أحَدٍ قال النبي رَّمَ: ((إنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) والعالم مخلوق بالإنسان على صورته، فلو فقد منه الإنسان ما كان العالم على الصورة، ولو فقد العالم وبقي الإنسان كان على الصورة. وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧] وهو عزلها عن تدبير هذا الهيكل الطبيعيّ الذي كانت تدبره في الدنيا في حال إقامتها فيها، وأما قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] فلم يقل كل من فيها فان لأنه إذا كان فيها انحفظ بها، وإذا كان عليها تجرد عنها، فهذا يدلك على أن التجلي الإلهي يعم جميع من عليها، لأن الفناء لا يكون إلا عن تجلُ إلهي في غير صورة كونية، لأن التجلي في صور المثل إذا عرف أنه عين الصورة اتصف المتجلى له بالخشوع لا بالفناء، سئل رسول الله وَ ل عن الكسوف فقال وَلّ: ((مَا تَجَلَّى الله لِشَيْءٍ إلاّ خَشَعَ لَهُ)) فلهذا قلنا بالخشوع لا بالفناء للمناسبة التي بين الحس والخيال، ولهذا يسمى الخيال بالحس المشترك، وإذا لم يعرف لم يورث خشوعاً يعرف به أنه هو، ولكن لا بد أن يورث خشوعاً في المتجلى له، ولكن لا يعرف المتجلى له أنه هو ولا سيما أهل الأفكار، وهذا من علم الظهور والخفاء، فظهر بلا شك أنه هو، وخفي بالتقييد في ظهوره فلم يعلم أنه هو، فإذا كان العارف الكامل المعرفة بالله في هذا النوع الإنساني يعلم أن عين الحق هو المنعوت بالوجود وأن أحكام أعيان العالم هي الظاهرة في هذا العين أو هو الظاهر بها عرف ما رأى، فإن اقتضى الموطن الإقرار أقر به عندما يدعي أنه هو، وإن اقتضى الموطن الإنكار سكت العارف فلم ينطق بإنكار ولا إقرار لعلمه بما أراده الحق في ذلك الموطن. ولما كان التجلي الإلهي يغني من هو على الصورة عرفنا أن العين لا تذهب بل هو تجريد وخلع لا عزل عن تدبير ملك إلا إذا كان الضمير في عليها يعود على الأرض فهو عزل عن تدبير الهياكل التي جعل الله إليها تدبيرها، وهذا الظهور والخفاء للاسم الرب لا لغيره، وإليه يرجع حكمه، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام، فيظهر في هذا الحكم - أعني الظهور والخفاء - في موطنين ليتخذه صاحب الملك وكيلاً فيما هو له مالك فيكون له التصريف فيه والعبد مستريح في جميع أحواله من يقظة ونوم، والقسم الآخر من هذا الحكم أن يكون له في أربعة مواطن في طول العالم وعرضه لوجود الإنعام عليه كما قال: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاِنَةٌ﴾ [لقمان: ٢٠] فله هذان الحكمان في طول العالم ومثله في عرضه، وطول العالم عالم الأرواح، وعرضه عالم ١٥٩ في المنازل/ الباب التاسع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل علم الآلاء والفراغ إلى البلاء صور الأجسام، وإنما قلنا صور الأجسام ولم نقل الأجسام بسبب الأجسام المتخيلة، وإن كانت أجساماً حقيقية في حضرتها فليست أجساماً عند كل أحد لما يسرع إليها من التغيير، ولأنها راجعة إلى عين الناظر لا إليها، والأجسام الحقيقية هي أجسام لأنفسها لا لعين الناظر، فسواء كان الناظر موجوداً أو غير موجود هي أجسام في نفسها، والأخر أجسام لا في أنفسها كما قال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦] وهي أجسام في عينها لا حكم لها في السعي، فظهرت في عين موسى بصورة الجسم الذي له سعي، والأمر في نفسه ليس كذلك . والقسم الثالث من هذا الحكم من الظهور والخفاء يظهر في سبعمائة موطن وعشرين موطناً وهو منتهى ما يقبل عالم الدنيا من الاقتدار الإلهي لا أن الاقتدار يقصر أو يعجز فهذا حكم القابل وكذا وقع الوجود، ويجوز في النظر الفكري خلافه معرى عن علمه بما سبق في علم الله، فما ثم إمكان إلا بالنظر المجرّد إلى الأكوان معراة عن علم الله فيها فلا تعرف إلا بالوقوع، فانحصرت مواطن الظهور والخفاء بين تجل إلهيّ واستتار في سبعمائة موطن وستة وعشرين موطناً بأحكام مختلفة، وبين كل موطنين من ظهور وخفاء يقع تجل برزخيّ في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ليحفظ هذا البرزخ وجود الطرفين، فلا يرى كل طرف منها حكم الطرف الآخر والبرزخ له الحكم في الطرفين فيسخف الكثيف ويكثف السخيف، وله في كل موطن حكم لا يظهر به في الموطن الآخر، وهو ما يجري عليه أحكام عالم هذه الدار إلى أن يرث الله الوارث الأرض ومن عليها، ومن حقيقة هذه المواطن ظهر العالم في الدنيا بصورة الظهور وهو ما أدركه الحس، وبصورة الاستتار وهو ما لا يدركه الحس من المعاني، وما استتر عن الأبصار من الملائكة والجن، قال تعالى: ﴿فَلَّ ◌ُقْسِمُ بِمَا نُصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] وهو ما ظهر لنا ﴿وَمَا لَا نُصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] وهو ما خفي عنا، فالعالم بين الأبد والأزل برزخ به انفصل الأبد من الأزل لولاه ما ظهر لهما حكم ولكان الأمر واحداً لا يتميز، كالحال بين الماضي والمستقبل، لولا الحال ما تميز العدم الماضي عن العدم المستقبل، وهذا حكم البرزخ لا يبرح دائماً في العالم وهو الرابط بين المقدّمتين لولاه ما ظهر علم صحيح. ثم إن الله سبحانه ولى الاسم الرحمن المملكة كلها وجعل الاسم الرب السادن الأول العام وأعطاه إقليد التكوين والتصريف والنزول والمعراج، فهو يتلقى الركبان وينزل بهم على الرحمن، والرحمن على عرشه الأبهى يعلم مجموع كلمه في أيّ عين يظهر من العالم، وهو الذي أشرنا إليه بقولنا: [الرمل] اسمه الرحمن لما عَمِلُوا علم القرآن كيف ينزلُ وهو العاملُ وهو العَمَلُ بالذي يعطيهم حكمته وعليهم بعَلَيْهِ عَوَّلُوا فرجال الله قُدماً سَبَقُوا فبه منهم إليه وَصَلُوا فهم المطلوبُ لا غيرهم ١٦٠ في المنازل/ الباب التاسع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل علم الآلاء والفراغ إلى البلاء فقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ﴾ [الرحمن: ١، ٢] نصب القرآن ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنِسَنَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤] فينزل عليه القرآن ليترجم منه بما علمه الحق من البيان الذي لم يقبله إلا هذا الإنسان، فكان للقرآن علم التمييز، فعلم أين محله الذي ينزل عليه من العالم فنزل على قلب محمد و # نزل به الروح الأمين، ثم لا يزال ينزل على قلوب أمّته إلى يوم القيامة، فنزوله في القلوب جديد لا يبلى فهو الوحي الدائم، فللرسول صلوات الله عليه وسلامه الأوّلية في ذلك والتبليغ إلى الأسماع من البشر والابتداء من البشر، فصار القرآن برزخاً بين الحق والإنسان، وظهر في قلبه على صورة لم يظهر بها في لسانه، فإن الله جعل لكل موطن حكماً لا يكون لغيره، وظهر في القلب أحديّ العين فجسده الخيال وقسمه فأخذه اللسان فصيره ذا حرف وصوت وقيد به سمع الآذان وأبان أنه مترجم عن الله لا عن الرحمن لما فيه من الرحمة والقهر والسلطان فقال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فتلاه رسول الله وَّ بلسانه أصواتاً وحروفاً سمعها الأعرابيّ بسمع أذنه في حال ترجمته، فالكلام لله بلا شك والترجمة للمتكلم به كان من كان، فلا يزال كلام الله من حين نزوله يتلى حروفاً وأصواتاً إلى أن يرفع من الصدور ويمحى من المصاحف، فلا يبقى مترجم يقبل نزول القرآن عليه، فلا يبقى الإنسان المخلوق على الصورة، فإذا بقيت صورة جسم الإنسان مثل أجسام الحيوان وزالت الصورة الإلهية بالتجريد نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلى يوم النشور وهو الظهور الذي لا ضدّ له فيقابله الخفاء، فمن معافى ومبتلى بحسب ما يحكم فيه من الأسماء إلى الأجل المسمى، فتعم الرحمة التي وسعت كل شيء من الرحمن الذي استوى على العرش، فتعم النعم العالم وتظهر أحكام الأسماء بالإضافات والمناسبات لا بالتقابل، فيكون الأمر مثل قولهم: ((حسنات الأبرار سيئات المقرّبين))، ونعيم الأدنى لو أعطي الأعلى بعد ذوقه النعيم الأعلى لتعذب بفقده لا بوجود النعيم الأدنى لعدم الرضا به، فهو عذاب مناسبة وإضافة لبقاء حكم الأسماء الإلهية دائماً، أرأيت صاحب منزلة علياء كسلطان أخرجه سلطان آخر من ملكه وولاه ملكاً دون ملكه يأمر فيه وینھی، ولكن إذا أضفته إلى ما كان فيه أوّلاً وجدته ذا بلاء مع وجود المكانة من حيث ما هي ولاية وتحكم بأمر ونهي، ولكن يعلم أن هذه المنزلة بالنظر إلى الأولى عذاب في حق من يحضر الأولى في خاطره، فهذا القدر يبقى في الآخرة من حكم الأسماء إذ يستحيل رفعها من الوجود إذ كان لها البقاء الإلهيّ ببقاء المسمى . ثم اعلم أن الظهور الذي نحن بصدده ينقسم الظاهر فيه إلى قسمين: قسم له ظهوره خاصة وليس له أمر يعتمد عليه ظهوره من جانب الحق، وقسم آخر يكون له من جانب الحق أمر يعتمد عليه وليس ذلك إلا للإنسان الكامل خاصة، فإن له الظهور والاعتماد لكون الصورة الإلهية تحفظه حيث كان، وغير الإنسان الكامل له الظهور من إنسان وحيوان ونبات وأفلاك وأملاك وغير ذلك، فهذا كله نعم أظهرها الحق لينعم بها الإنسان الكامل، فلها الظهور وما لها الاعتماد لأنها مقصودة لغير أعيانها، والإنسان الكامل مقصود لعينه لأنه ظاهر الصورة الإلهية