النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ في المنازل/ الباب الثالث والتسعون ومائتان في معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة .. المنزل تجلّي الحجاب بين كشفين، وتجلّي الكشف بين حجابين، وما في المنازل منزل يتضمن هذا الضرب من التجلّي إلاَّ هذا المنزل، فإن التجلّ المنفرد في المظهر من غير بينية يعطي ما لا يعطيه في البينية، والتجلي المفرد الذاتي في غير المظهر يعطي ما لا يعطيه في البينية، وهذا التجلّي الواقع في البينية يعطي الحصر بين أمرين، وكل محصور محدود بمن حصره، وهذا أعجب المعارف في هذا الطريق أن يكون التجلّي الذاتي الذي له الإطلاق محصوراً، فهو كما يقال عن القاعد في حال قعوده إنّه قائم، فظاهر الأمر أنه لا يتصوّر، فسبحان من تنزّه عن الأضداد وقبلتها أوصافه، قال وَّر: ((تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ بِالظَّهِيرَةِ)) فإن كان أراد النهار بهذا اللفظ فقد عمّ التجليات الذاتية، وإن اختلفت في حكم التجلي كاختلاف صفة تنزيهه باسمه الغنيّ عن الفقر وصفة تنزيهه بالأحدية عن الشريك بقوله : ﴿وَلَوْ يَكُنْ لَّهُ شَرِيكُ فِى الْمُلْكِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١١] كذلك التجليات الذاتية البصرية مثل هذه التجليات الذاتية العقلية، وإن كان أراد بالظهيرة وقتاً معيناً في النهار وهو الأظهر في المعنى المحقق واللفظ، وعليه أولى أن يحمل هذا القول، فإن النهار كله تجلّ ذاتي لأن الشمس فيه ظاهرة بذاتها فإن النهار جلاها للأبصار، وإن كان النهار معلولاً عنها فظهرت بذاتها من أوّل شروقها إلى حال غروبها، ولها تجل وحكم في كل دقيقة يعرفها من يعرفها ويجهلها من يجهلها، والذي يعرف الكل من ذلك ما امتدّ زمانه، فيفرّقون ما بين حكمها في طلوعها وشروقها، وحكمها في إشراقها، وحكمها في ضحاها، وحكمها في زوالها وهو أوّل غشيها، وحكمها في عصرها، وحكمها في قبض ضوئها وقلة سلطانه عمّا كان عليه فيما يقابله من أوّل النهار وصدره، وحكمها عند سقوطها ولكل تجلّ وإن كان ذاتياً حكم ليس للآخر، فما عدا الطرفين فهو تجلّ ذاتي بين تجليين ذاتيين إلاَّ الطرفين فهو تجلّ ذاتي عقيب تجلّ حجابي، والطرف الآخر تجلّ ذاتي يعقبه تجلّ حجابي، فهو تجلّ ذاتي بين تجلّ ذاتي وحجابي، وقد رمينا بك على الطريق فافهم من حالات تغير الأحكام الشمسية في هذه الآنات ووقوع التشبيه منها في آن معين وهو الظهيرة وحالة الصحو وعدم السحاب بينها وبين الرائي، وخذ أنت في الآنات الباقية آثار التجلي الذاتي. فاعلم أن النور المنبسط على الأرض الذي هو من شعاع الشمس الساري في الهواء ليس له حقيقة وجودية إلاَّ بنور البصر المدرك لذلك، فإذا اجتمعت العينان عين الشمس وعين البصر استنارت المبصرات وقيل: قد انبسط الشمس عليها، ولذلك يزول ذلك الإشراق بوجود السحاب الحائل، لأن العين فارقت هذه العين الأخرى بوجود السحاب وهي مسألة في غاية الغموض لأني أقول: لو أن الشمس في جوّ السماء وما في العالم عين تبصر من حيوان ما كان لها شعاع منبسط في الأرض أصلاً، فإن نور كل مخلوق مقصور على ذاته لا يستنير به غيره، فوجود أبصارنا ووجود الشمس معاً أظهر النور المنبسط، ألا ترى الألوان تنقلب في الجسم الواحد المتلوّن بالخضرة مثلاً أو الحمرة إذا اختلفت منك كيفيات النظر إليه من الاستقامات والانحرافات كيف يعطيك ألواناً مختلفة محسوسة تدركها ببصرك لا وجود لها في ٤٤٢ في المنازل/ الباب الثالث والتسعون ومائتان في معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة .. الجسم المنظور إليه في الشمس ولا تقدر تنكر ذلك، ولا سيما إذا كان الجسم المنظور إليه في الشمس فقد أدركت ما لا وجود له حقيقة بل نسبة، كذلك النور المنبسط على الأرض، وكتقلب الحرباء في لون ما تكون عليه من الأجسام على التدريج شيئاً بعد شيء ما هي مثل المرآة تقبل الصورة بسرعة ولا هي جسم صقيل، وإدراك تقلبها في الألوان محسوس، مع علمك بأن تلك الألوان لا وجود لها في ذلك الجسم الذي أنت ناظر إليه ولا في أعيانها في علمك، كذلك العالم مدرك لله في حال عدمه فهو معدوم العين مدرك لله يراه فيوجده لنفوذ الاقتدار الإلهيّ فيه، ففيض الوجود العيني إنما وقع على تلك المرئيات لله في حال عدمها، فمن نظر إلى وجود تعلّق رؤية العالم في حال عدمه وأنها رؤية حقيقية لا شك فيها وهو المسمّى بالعالم، ولا يتصف الحق بأنه لم يكن يراه ثم رآه بل لم يزل يراه، فمن قال بالقدم فمن هنا قال، ومن نظر إلى وجود العالم في عينه لنفسه ولم يكن له هذه الحالة في حال رؤية الحق إياه قال بحدوثه، ومن هنا تعلم أن علة رؤية الرائي الأشياء ليس هو لكونها موجودة كما ذهب إليه من ذهب من الأشاعرة، وإنما وجه الحق في ذلك إنما هو استعداد المرئي لأن يرى سواء كان موجوداً أو معدوماً، فإن الرؤية تتعلق به . وأما غير الأشاعرة من المعتزلة فإنها اشترطت في الرؤية البصرية أموراً زائدة على هذا تابعة للوجود ولهذا صرفت الرؤية إلى العلم خاصة، فأما تجلّي الذات بين تجليين حجابيين فلا بدّ أن يظهر في ذلك التجلي الذاتي من صور الحجابين أمر للرائي، فيكون ذلك التجلي له كالمرآة يقابل بها صورتين فيرى الحجابين بنور ذلك التجلي الذاتي في مرآة الذات، كما تشهد الفقر في حال تنزيهك الحق عنه سبحانه الغنيّ الحميد، وإن لم يكن الأمر كذلك فكيف تنزّهه عمّا ليس بمشهود لك عقلاً؟ فهكذا صورة الحجاب في الذات عند التجلي، وأوضح من هذا فلا يمكن، فإذا أدرك العارف صورة هذين الحجابين أو صورة الحجاب والتجلي الذاتي الذي هذا التجلي الذاتي الآخر بينهما أو أدرك التجليين الذاتيين في مجلى الحجاب الواقع بينهما فليكن ذكره وعمله بحسب ما تعطيه تلك الصورتان في ذلك المجلى، والعلة في أنه لا يدرك أبداً في التجلي أيّ تجلُ كان إلاَّ صورتين لا بدّ منهما لكون الواحد يستحيل أن يشهد في أحديته . ولما كان الإنسان لا تصحّ له الأحدية وهو في الرتبة الثانية من الوجود فله الشفعية لهذا لا يشاهد في التجلي إلاّ الصورتين الذي هو المجلى بينهما، فلا يرى الرائي من الحق أبداً حيث رآه إلا نفسه، فهذا التجلي يعرفك بنفسك وبنفسه، فإن كان التجلي بين حجابين كانت الصورتان عملاً، إن كان في الدنيا فيكون عمل تكليف مشروع، وإن كان في الآخرة فيكون عمل نعيم في منكوح أو ملبوس أو مأكول أو مشروب أو تفرّج بحديث أو كل ذلك أو ما أشبه ذلك بحسب الحجاب، ولهذا إذا رجع الناس من التجلي في الدار الآخرة يرجعون بتلك الصورة ويرون ملكهم بتلك الصورة وبها يقع النعيم ويظهر أن النعيم متعلقه الأشياء وليس كذلك، وإنما متعلق النعيم وجود الأشياء أو إدراكها على تلك الصور الحجابية التي أدركها في ٤٤٣ في المنازل/ الباب الثالث والتسعون ومائتان في معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة . . المجلى الذاتي، وإن كان التجلي تجلياً حجابياً بين تجليين ذاتيين كتجلي القمر بين الضحى والظهيرة وتجلي الليل بين نهارين كانت الصورتان في ذلك المجلى الحجابي علماً لا عملاً ولكن من علوم التنزيه، فتتحلى به النفس وتنعم به النعيم المعنوي وتلك جنتها المناسبة لها فافهم . وإن كان التجلي الذاتي بين تجلّ حجابي وذاتي كانت الصورتان صورة علم لا صورة عمل، فالتجلي الذاتي في الذاتي صورة علم تنزيه لا غير، وصورة التجلي الحجابي فيه صورة علم تشبيه وهو تخلّق العبد بالأسماء الإلهية وظهوره في ملكه بالصفات الربانية، وفي هذا المقام يكون المخلوق خالقاً ويظهر بأحكام جميع الأسماء الإلهية، وهذه مرتبة الخلافة والنيابة عن الحق في الملك، وبه يكون التحكم له في الموجودات بالفعل بالهمة والمباشرة والقول. فأما الهمة فإنه يريد الشيء فيتمثل المراد بين يديه على ما أراده من غير زيادة ولا نقصان. وأما القول فإنه يقول لما أراده ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] ذلك المراد، أو يباشره بنفسه إن كان عملاً، كمباشرة عيسى الطين في خلق الطائر وتصويره طائراً وهو قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَّدَىّ﴾ [سورة ص: الآية ٧٥] فللإنسان في كل حضرة إلهية نصيب لمن عقل وعرف، وإن كان التجّي الحجابي بين تجلّ حجابي وذاتي فالتجلّي الحجابي في الحجابي علم ارتباطه بالحق من حيث ما هو دليل عليه وكونه سبباً عنه وأنه على صورته ونسبة الشبه به. وأما صورة التجلّي الذاتي فهو علم تجلي الحق في صفات المخلوق من الفرح والتعجب والتبشبش واليد والقدم والعين والناجذ واليدين والقبضة واليمين والقسم للمخلوق بالمخلوقين وبنفسه واتصافه بحجب النور والظلم وبحصر سبحاته المحرقة خلف تلك الحجب النورية والظلمية، وقد حصرت لك مقام التجليات في أربع وليس ثم غيرها أصلاً . ولما أعطت الحقيقة في التجليات الإلهية أنها لا تكون إلاَّ في هذه الأربع في العالم كانت الموجودات كلها على التربيع في أصلها الذي ترجع إليه، فكل موجود لا بدّ أن يكون في علمه علم تنزيه أو علم تشبيه، وفي عمله إما في عمل صناعي أو عمل فكري روحاني، ولا تخلو من هذه الأربعة الأقسام، وكذا الطبيعة أعطت بذاتها لحكم هذه التجليات، فإن الموجودات إنما خرجت على صورة هذه التجليات، فكانت الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة وهي في كل جسم بكمالها، غير أنه قد تكون في الجسم على التساوي في القوّة وهو سبب بقاء ذلك الجسم، وقد لا تكون في الجسم على السواء في القوّة، فتكون العلل لذلك الجسم مستصحبة وحالات الأمراض تنقلب عليه بحسب غلبة بعضها على بعض، فإن أفرطت كان الموت وإفراطها منها، فإن السبب الموجب لإفراطها إنما وقع منها بمأكول يأكله الإنسان أو الحيوان، فما يكون الغالب في ذلك المأكول أو المباشر يزيد في كمية ما يناسبه من الجسم إن كان حاراً قوي الحرارة، وإن كان بارداً قوي البرودة، وكذلك ما بقي. ثم إنه لما ألّف بين هذه الأربعة لم يظهر إلاَّ أربعاً ولا قبلت إلاَّ أربعة وجوه، فإن حقائق تلك التجليات الأربعة أعطت أن لا تأتلف من هذه الأربع إلاَّ وزنها في العدد، ولهذا كانت ٤٤٤ في المنازل/ الباب الثالث والتسعون ومائتان في معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة .. منها المنافرة من جميع الوجوه والمناسبة كما ذكرناه في الإلهيات في أوّل هذا الباب، وتلك الحقيقة الإلهية حكمت على العالم أن يكون بتلك المثابة إذ كان المعلوم على صورة العلم وعلمه ذاته فافهم، فالمنافرة كالحرارة والبرودة وكذلك الرطوبة واليبوسة، فلذلك لا تجتمع الحرارة والبرودة ولا الرطوبة واليبوسة في حكم أبداً، وأوجد الله العناصر أربعة عن تأليف هذه الطبائع، فكان النار عن الحرارة واليبوسة، ثم لم يجعل ما يليه ما ينافره من جميع الوجوه بل جعل إليه ما يناسبه من وجه وإن فارقه من وجه، فكان الهواء له جاراً بما يناسبه من الحرارة، وإن نافره بالرطوبة فإن للوساطة أثراً وحكماً لجمعها بين الطرفين فقويت على المنافرة لهما، فالهواء حارّ رطب فيما هو حارّ يستحيل إلى النار بالمناسب وغلب الوساطة وبما هو رطب يستحيل إلى الماء بالمناسب، ثم جاور الهواء من الطرف الأسفل الماء، فقبل الهواء جوار النار للحرارة، وقبل جوار الماء للرطوبة وإن نافره بالبردوة كما نافره الهواء بالحرارة، وكذلك جاور بين التراب وبين الماء للبرودة الجامعة لمجاورتهما، فما ظهر عنها إلاَّ أربعة لذلك الأصل. وكذلك الجسم الحيواني المولد جعل أثر النار فيه الصفراء، وأثر الهواء الدم، وأثر الماء البلغم، وأثر التراب السوداء، فركب الجسم على أربع طبائع، وكذلك القوى الأربعة الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة. وكذلك قرن السعادة والشقاء بالأربعة: باليمين والشمال والخلف والأمام، لأن الفوقية لا يمشي الجسم فيها بطبعه، والتحتية لا يمشي فيها الروح بطبعه، والإنسان والحيوان مركب منهما، فما جعلت سعادته وشقاوته إلاَّ فيما يقبله طبعه في روحه وجسمه وهي الجهات الأربع، وبها خوطب، ومنها دخل عليه إبليس فقال: ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلِفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَائِلِهِمْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧] ولم يقل من فوقهم ولا من تحتهم لما ذكرناه، فإبليس ما جاءه إلاّ من الجهات التي تؤثر في سعادته إن سمع منه وقبل ما يدعوه إليه، وفي شقاوته إن لم يسمع منه ولم يقبل ما دعاه إليه، فسبحان العليم الحكيم مرتب الأشياء مراتبها . وهكذا فعل العالم الجسمانيّ العلوي فجعل البروج التي جعل الأحكام عنها في العالم على أربع: نارية وترابية وهوائية ومائية. وكذلك جعل أمّهات المطالب أربعة: هل وما ولمَ وكيف. وكذلك أمّهات الأسماء المؤثرة في العالم وهو: العالم والمريد والقادر والقائل. فعلمه بكونه يكون في وقت كذا على حالة كذا دون ذلك لا يمكن، فهذا العلم علّق الإرادة بتعين ذلك الحال، فالقائل علّق القدرة بإيجاد تلك العين فعلم فأراد وقال فقدر فظهرت الأعيان عن هذه الأربعة، فالحرارة للعلم واليبوسة للإرادة، والبرودة للقول، والرطوبة للقدرة. فللحرارة التسخين، ولليبوسة التجفيف، وللرطوبة التليين، وللبرودة التبريد. قال تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٩] فذكر المنفعلين دون الفاعلين لدلالتهما على من كانا منفعلين عنهما وهما الحرارة انفعل عنها اليبوسة وكذلك البرودة انفعل عنها الرطوبة، فانظر ما أعطته هذه التجليات بحصرها فيما ذكرناه. وكذلك العالم سعيد مطلق، وشقي مطلق، وشقي ينتقل إلى سعادة، وسعيد ينتقل إلى ٤٤٥ في المنازل/ الباب الثالث والتسعون ومائتان في معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة .. شقاوة، فانحصرت الحالات في أربع، ومنه: الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وما ثم خامس، وهذه نعوت نسبته مع العالم. ومراتب العدد أربعة لا خامس لها وهي: الآحاد والعشرات والمئات والآلاف، ثم يقع التركيب وتركيبها كتركيب الطبائع لوجود الأركان سواء. واعلم يا أخي أنه ليلة تقييدي لبقية هذا المنزل من بركاته رأيت رسول الله وَير وقد استلقى على ظهره وهو يقول: ينبغي للعبد أن يرى عظمة الله في كل شيء حتى في المسح على الخفين ولباس القفازين، وكنت أرى في رجليه بَّ نعلين أسودين جديدين وفي يديه قفازين وكأنه يشير إليّ مسروراً بما وضعته في هذا المنزل من العلم بما يستحقه جلال الله ثم يقول: ما دام البدر طالعاً فالنفوس في البساتين نائمة وفي جواسقها آمنة، فإذا كان الظلام ولم يطلع البدر خيف من اللصوص، فينبغي أن يدخل الإنسان المدينة حذراً من اللصوص، فكنت أفهم عنه من هذا الكلام أنه يريد أن النفوس إذا كان شهود الحق غالباً عليها محققة به وفیه عند من يدخل بساتين معرفة الله والكلام في جلاله على ضروبه وكثرة فنونه، فشبه الحق بالبدر، وشبه ما تحويه البساتين من ضروب الفواكه بما تحوي عليه الحضرة الإلهية من معارف الأسماء الإلهيّة وصفات الجلال والتعظيم، وفهمت منه في المنام من قوله إذا غاب البدر وذلك شهود الحق في الأشياء والحضور معه والنية الخالصة فيه كان ظلام الجهل والغفلة عن الله والخطأ وخيف من اللصوص يريد الشبه المضلة الطارئة لأصحاب النظر الفكري وأصحاب الكشف الصوري، فذكر ذلك خوفاً على النفوس إذا اشتدت في الكلام على ما يستحقه جناب الحق فليدخل المدينة يريد فليتحصن من ذلك بالشرع الظاهر وليلزم الجماعة وهم أهل البلد فإن يد الله مع الجماعة. ثم رأيته وَلا يتقلق قلقاً عظيماً بجميع أعضائه لعظيم ما هو فيه من السرور بما يتضمنه هذا المنزل من المعرفة وكانتا في الليل والبدر طالع حتى كان منه في النهار أرى البدر يضيء في كبد السماء وقائل يقول: لم ير رسول الله وَّ في قلق عظيم لما يرد عليه من الله ويشهده، واستيقظت فقيدت الرؤيا في هذا المنزل واستبشرت بما رأيته لله الحمد على ذلك. ويتضمن هذا المنزل علوماً جمّة، وما من منزل إلاَّ ويحتمل ما يحوي عليه من المعارف مجلدات كثيرة، فقلت لأصحابي في هذه الليلة: إنما أجعل من المنزل بعض ما يحوي عليه من المعارف مسألة من مسائله، فسألني بعض أصحابي قال: إذا كان الأمر على هذا فنبهنا على عدد ما يحويه من المسائل بذكر رؤوس أصولها خاصة لنعرفها من غير تفصيل مخافة التطويل، فقلت: إن شاء الله ربما أفعل ذلك فيما بقي علينا من هذه المنازل في هذا الكتاب، فكانت عليّ هذه الليلة ليلة مباركة. فاعلم أن هذا المنزل يتضمن علم التجلي في النجوم على كثرتها في كل نجم منها في آن واحد برؤية واحدة وعلم تداخل التجليات وعلم تجلي التابع والمتبوع، وهل يحصل للتابع ذوق من تجلي المتبوع أم لا؟ فإن المتبوع إنما جاء يدعو إلى الله ما جاء يدعو إلى نفسه فقال: ﴿تَعَالَوْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْمٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٦٤] وقال: ﴿أَدْعُوّأْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٨] فجعل للتابع نصيباً في الدعاء إلى في المنازل/ الباب الثالث والتسعون ومائتان في معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة .. الله، فكل علم يستقل به الإنسان من كونه عاقلاً لا يحتاج فيه إلى غيره من رسول ولا دال عليه كالعلم بتوحيد الله وما يجب له، وكذلك ما يحصل له من الفيض الإلهيّ في الكشف في خلواته وطهارة نفسه بمكارم الأخلاق، فمثل هذا يكون له من التجلي مثل ما للمتبوع لأنه ليس بتابع إنما هو ذو بصيرة، إما لدليل عقل سار أو لكشف محقق هو فيه مثل المتبوع، وكل إنسان ما له هذا المقام وكان الذي عنده من العلم بالله أخذه إيماناً من المتبوع ومشى عليه، ويكون ذلك العلم ممّا لا يمكن أن يحصل إلاَّ على طريقة الرسول وَ ل18 وهو علم التقرّب إلى الله من كونه قربة لا من كونه علماً. وكذلك الأعمال البدنية والقلبية على طريق القربة لا تعلم إلاَّ من المتبوع، فإذا كان التجلي في هذا المقام لصاحب هذا العلم فلا يلحق فيه التابع المتبوع أبداً، فهو للمتبوع تجلّ شمسي وهو للتابع تجلّ قمري ونجومي فاعلم ذلك. وممّا يتضمنه هذا المنزل تجلي الحق لأهل الشقاء في غير الاسم الرب مع أن الله ما جعل الحجاب إلاَّ في يومئذ مخصوصاً، وفي اسم الرب المضاف إليهم لا في إطلاق الاسم فهم في الحجاب في زمان مختص من اسم مضاف خاص بهم، فلا يمنع تجليه في هذا الاسم الخاص لهم في غير ذلك الزمان وفي اسم الرب المطلق وفي غيره من الأسماء قال تعالى: ﴿كَّ إِنَهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَيْدٍ﴾ فأضافه إليهم يومئذ ﴿لََّحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين: الآية ١٥] فجعله زماناً معيناً فافهم. ويتضمن هذا المنزل أنه ليس كل تجلّ يقع به النعيم، وأن النعيم بالتجلي إنما يقع للمحبين المشتاقين الذين وفوا بشروط المحبة، ويتضمن هذا المنزل بطون عالم الشهادة في الغيب فيرجع ما كان شهادة غيباً وما كان غيباً شهادة، وهكذا ذهب إليه بعض العارفين في نشأة الآخرة أن الأجسام تكون مبطونة في الأرواح، وأن الأرواح تكون لها ظروفاً ظاهرة بعكس ما هي في الدنيا، فيكون الظاهر في الدار الآخرة، والحكم للروح لا للجسم، ولهذا يتحوّلون في أية صورة شاؤوا لغلبة الروحية عليهم وغيبية الجسم فيها، كما هم اليوم عندنا الملائكة وعالم الأرواح يظهرون في أية صورة شاؤوا، ومن منازل أصحاب الكشف الذين أنكروا حشر الأجسام فإنهم أبصروا في كشفهم الأمر الواقع في الدار الآخرة ورأوا أروحاً تتحول في الصور كما يريدون، وغيب عنهم ما تحوي عليه تلك الأرواح من الجسمية كما غاب عنهم في هذه الدار في البشر الروحانية المبطونة في الأجسام فكانت الأجسام قبوراً لها، وفي الآخرة بالعكس الأرواح قبور الأجسام فلهذا أنكروا ذلك، والكشف التام الذي فزنا به وأصحابنا هنا وفي الآخرة أنا كشفنا الأرواح هنا وغلب الأجسام الطبيعية عليها في الصورة الظاهرة، فلا يرى من الأرواح في ظاهر الأجسام إلاَّ آثارها، ولولا الموت والنوم ما عرف غير المكاشف أن ثم أمراً زائداً على ما يشاهده في الظاهر، ومع وجود الموت والسكون وظهور الجسم عرياً عمّا كان له من الآثار ذهبت طائفة إلى هذا المذهب وهم الحشيشية، فما رأت أن ثم خلف هذه الصورة الظاهرة شيئاً أصلاً، فكيف بهؤلاء لو لم يكن موت في العالم. ويتضمن هذا المنزل معرفة العالم العلوي وترتيب صورته في تركيبه وأنه على خلاف ما يذكره أصحاب علم الهيئة وإن كان ما قالوه يعطيه الدليل، ويجوز أن يكون الله يرتبه على ذلك في المنازل / الباب الرابع والتسعون ومائتان في معرفة المنزل المحمدي المكي من الحضرة الموسوية ٤٤٧ ولكن ما فعل، مع أنه يعطي هذا الترتيب ما يعطيه ما ذهب إليه أصحاب علم الهيئة، ويتضمن علم ما أودع الله في العالم السفلي في ترتيبه من الأمور، ويتضمن معرفة المكلفين ومن أين كلفت وما يحرّكهم، ويتضمن علم القربات، ويتضمن علم سبب قصم الجبابرة المتكبرين على الله، ويتضمن إلحاق الحيوان بالإنسان في العلم بالله، ويتضمن علم العواقب ومآل كل عالم، فقد ذكرت رؤوس مسائله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الرابع والتسعون ومائتان في معرفة المنزل المحمدي المكي من الحضرة الموسوية [نظم: الخفيف] وكذا قيل قَلْبَ كلِّ وليّ حرَّم الله قَلْبَ كل نبيِّ في علوم وفي مقام عَلِيٍّ ورثوه وورَّثُوه بينهم فاطْلُبِ العَلمَ في حُروفَ الرَّويُّ فإذا ما نسَبْتَ للشّرع علماً في شريفٍ مُحَقَّقِ ودنيٍّ وبحارٍ لها مَعَارفُ نورٍ وفقيرٍ مُمَرْدكٍ وغَنيٍّ ونبيِّ مطهّرٍ ورسولٍ وعذابٍ مُقَسَّم في رُكِيِّ ونعيم مرتَّبٍ في علوّ اعلم أن هذا المنزل يتضمن علم مرتبة العالم عند الله بجملته، وهل العدم له مرتبة عند الله يتعين تعظيمه من أجلها أم لا؟ وهل من خلق من أهل الشقاء المغضوب عليه له مرتبة تعظيم عند الله أم لا؟ وهل التعظيم الإلهيّ له أثر في المعظم بحيث أن يسعد به أم لا؟ وما سبب تعظيم الله العالم؟ وهل لمن عظم العالم من الخلق صفة يعرف بها أم لا؟ وما الأسماء الإلهية التي تضاف إلى المخلوقين في مذهب من يقول: ما أقسم الله قط إلاَّ بنفسه لكن أضمره تارة وأظهره في موطن آخر ليعلم أنه مضمر فيما لم يذكر، وجميع ما يتعلق بهذا الفن يتضمنه هذا المنزل، إن ذكرناها على التفصيل طال الكلام، وممّا يتضمن هذا المنزل علم خلق الإنسان من العالم، وهل الحيوان مشارك له في هذا الخلق أم هو خصيص به، ولم خصّ بهذا الضرب من الخلق؟ وإن كان يشاركه الحيوان فيه فلم عين الإنسان بالذكر وحده؟ ولماذا ذكرت لفظة الإنسان في القرآن حيثما ذكرت ونيط بذكرها إما الذم وإما الضعف والنقص؟ وإن ذكر بمدح أعقبه الذم منوطاً به فالذم كقوله: ﴿إِنَّ اُلْإِنِسَنَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ [سورة العصر: الآية ٢] ﴿إِنَّ الَّا فِسَانَ لِرَبِهِ، لَكَنُودٌ﴾ [سورة العاديات: الآية ٦] والضعف والنقص مثل قوله: ﴿خَلَقْنَا اُلْإِنِسَنَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٢] وقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنِسَنَ فِى كَبَدٍ﴾ [سورة البلد: الآية ٤] والذمَ العاقب للمدح كقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ فِّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [سورة التين: الآية ٤] هذا مدح ﴿ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾ [سورة التين: الآية ٥] هذا ذمّ. ويتضمن علم مآل أصحاب الدعاوى التي تعطيها رعونة الأنفس، ويتضمن تقرير النعم الحسية والمعنوية، ويتضمن التخلق بالأسماء، ويتضمن علم القوّة التي أعطيها الإنسان وأن لها أثراً، وفي ذلك ردّ على الأشاعرة وتقوية ٤٤٨ في المنازل / الباب الرابع والتسعون ومائتان في معرفة المنزل المحمدي المكي من الحضرة الموسوية للمعتزلة في إضافة الأفعال إلى المكلفين، ويتضمن علم ما يقع فيه التعاون، ويتضمن علم مآل من عرف الدليل وتركه لهوى نفسه، فهذا جميع رؤوس ما يتضمنه هذا المنزل من المسائل، وهي تتشعب إلى ما لا يحصى كثرة إلاَّ عن مشقة كبيرة. فأما مرتبة العالم عند الله بجملته فاعلم أن الله تعالى ما خلق العالم لحاجة كانت له إليه، وإنما خلقه دليلاً على معرفته ليكمل بذلك ما نقص من مرتبة الوجود ومرتبة المعرفة، فلم يرجع إليه سبحانه من خلقه وصف كمال لم يكن عليه بل له الكمال على الإطلاق، ولا أيضاً كان العالم في خلقه مطلوباً لنفسه لأنه ما طرأ عليه من خلقه صفة كمال بل له النقص الكامل على الإطلاق، سواء خلق أو لم يخلق، بل كان المقصود ما ذكرناه مرتبة الوجود، ومرتبة المعرفة أن تكمل بوجود العالم وما خلق الله فيه من العلم بالله لما أعطاه التقسيم العقلي، فإن وصف العالم بالتعظيم فمن حيث نصب دليلاً على معرفة الله وأن به كملت مرتبة الوجود ومرتبة المعرفة، والدليل يشرف بشرف مدلوله. ولما كان العلم والوجود أمرين يوصف بهما الحق تعالى كان لهما الشرف التامّ، فشرف العالم لدلالته على ما هو شريف، فإن قال القائل: كان يقع هذا بجوهر فرد يخلقه في العالم إن كان المقصود الدلالة. قلنا: صدقت وذلك أردنا إلاَّ أن الله تعالى نسباً ووجوهاً وحقائق لا نهاية لها، وإن رجعت إلى عين واحدة فإن النسب لا تتصف بالوجود فيدخلها التناهي، فلو كان كما أشرت إليه لكان الكمال للوجود والمعرفة بما يدل عليه ذلك المخلوق الواحد فلا يعرف من الحق إلاَّ ما تعطيه تلك النسبة الخاصة، وقد قلنا إنّ النسب لا تتناهى فخلق الممكنات لا تتناهى فالخلق على الدوام دنيا وآخرة، فالمعرفة تحدث على الدوام دنيا وآخرة ولذا أمر بطلب الزيادة من العلم، أتراه أمره بطلب الزيادة من العلم بالأكوان؟ لا والله ما أمر إلاَّ بالزيادة من العلم بالله بالنظر فيما يحدثه من الكون فيعطيه ذلك الكون عن أية نسبة إلهية ظهر، ولهذا نبّه وَّ القلوب بقوله في دعائه: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلّ اسْمَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ غَيْبِكَ» والأسماء نسب إلهيَّة، والغيب لا نهاية له، فلا بدّ من الخلق على الدوام، والعالم من المخلوقين لا بدّ أن يكون علمه متناهياً في كل حال أو زمان، وأن يكون قابلاً في كل نفس لعلم ليس عنده محدث متعلق بالله أو بمخلوق يدل على الله ذلك العلم فافهم. فإن قال القائل: فالأجناس محصورة بما دلّ عليه العقل في تقسيمه وكل ما يخلق ممّا لا يتناهى داخل في هذا التقسيم العقلي إذ هو تقسيم دخل فيه وجود الحق. قلنا: التقسيم صحيح في العقل وما تعطيه قوّته، كما أنه لو قسم البصر المبصرات لقسمها بما تعطيه قوّته وكذلك السمع وجميع كل قوّة تعطي بحسبها، ولكن ما يدل ذلك على حصر المخلوقات فإنها قسمت على قدر ما تعطي قوّتها، وما من قوّة تعطي أمراً وتحصر القسمة فيه إلاَّ ويخرج عن قسمتها ما لا تعطيه قوّتها، فقوّة السمع تقسم المسموعات ومتعلقها الكلام والأصوات لا غير، فقد خرج عنها المبصرات كلها والمطعومات والمشمومات والملموسات وغيرها . وكذلك أيضاً العقل لما أعطى بقوّته ما أعطى لم يدل ذلك على أنه ما ثم أمور إلهية لا تعطى ٤٤٩ في المنازل / الباب الرابع والتسعون ومائتان في معرفة المنزل المحمدي المكي من الحضرة الموسوية العلم بتفاصيلها وحقائقها قوّة العقل، وإن دخلت في تقسيمه من وجه فقد خرجت عنه من وجوه، وجائز أن يخلق الله في عبده قوّة أخرى تعطي ما لا تعطيه قوّة العقل فيرد المحال واجباً والواجب محالاً والجائز كذلك، فمن جهل ما تقتضيه الحضرة الإلهيّة من السعة بعدم التكرار في الخلق والتجليات لم يقل مثل هذا القول ولا اعترض بمثل هذا الاعتراض، فإن قال: لا بدّ أن يكون ما خلق تحت حكم العقل وداخلاً في تقسيمه إما تحت قسمة النفي أو الإثبات. قلنا: صدقت ما تمنع أن يكون ما يعلم ممّا كان لا يعلم إما في قسم النفي أو الإثبات، ولكن ما يدخل تحت ذلك النفي أو الإثبات هل يعطي ما يعطي النفي من العلم؟ أو يعطي ما يعطي الإثبات من العلم؟ أو يعطي أمراً آخر؟ فإن النفي قد أعطى من العلم بالله ما أعطى من حيث ما هو نفي لا من حيث ما هو تحت دلالته من المنفيات التي لا نهاية لها، وأن الإثبات قد أعطى من العلم بالله ما أعطى من حيث ما هو إثبات لا من حيث ما تحت دلالته من المثبتين، فإذاً الإيجاد مستمرّ، والعلم فينا يحدث بحدوث الإيجاد. والمعلوم الذي تعلق به العلم من ذلك الدليل الخاص ليس هو المعلوم الآخر فهو معلوم الله لا للعالم، فكملت مرتبة ذلك العلم بوجوده في هذا العالم الكوني، وكملت مرتبة الوجود الخاص بهذا الموجود بظهور عينه، والذي يعطيه كل موجود من العلم الذوقي لا يعطيه الآخر، ولقد يجد الإنسان من نفسه تفرقة ذوقية في أكله تفاحة واحدة في كل عضة يعض منها إلى أن يفرغ من أكلها ذوقاً لا يجده إلاَّ في تلك العضة خاصة والتفاحة واحدة، ويجد فرقاناً حسياً في كل أكلة منها وإن لم يقدر يترجم عنها، ومن تحقق ما ذكرناه يعلم أن الأمر خارج عن طور كل قوّة موجودة كانت تلك القوّة عقلاً أو غيره، فسبحان من تعلق علمه بما لا يتناهى من المعلومات لا إله إلاَّ هو العزيز الحكيم. قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ ◌ِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآءً﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] وقد بيّن لك في هذه الآية أن العقل وغيره ما أعطاه الله من العلم إلاَّ ما شاء ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [سورة ظُه: الآية ١١٠] ولذا قال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ [سورة ظُه: الآية ١١١] عقيب قوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ أي إذا عرفوا أنهم لا يحيطون به علماً خضعوا وذلّوا وطلبوا الزيادة من العلم فيما لا علم لهم به منه، والوجوه هنا أعيان الذوات وحقائق الموجودات إذ وجه كل شيء ذاته، وكل ما خلق الله من العالم فإنما خلقه الله على كماله في نفسه فذلك الكمال وجهه، قال تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾ فقد أكمله ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة ◌ُه: الآية ٥٠] فأعطى الهدى أيضاً الذي هو البيان هنا خلقه، فأبان الأمر لعبيده على أكمل وجوهه عقلاً وشرعاً، ما أبهم ولا رمز ولا لغز: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ﴾ [سورة يس: الآية ٦٩] ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤] ولولا البيان ما فصل بين المتشابه والمحكم ليعلم أن المتشابه لا يعلمه إلاَّ الله والمحكم يتعلق به علمنا، فلو لم ينزل المتشابه لنعلم أنه متشابه لكوننا نرى فيه وجهاً يشبه أن يكون وصفاً للمخلوق ويشبه أن يكون وصفاً للخالق فلا يعلم معنى ذلك المتشابه إلاَّ الله، فلو لم ينزل المتشابه لم يعلم أن ثم في علم الله ما يكون متشابهاً وهذا غاية البيان حيث أبان لنا أن الفتوحات المكية ج٤ - م٢٩ ٤٥٠ في المنازل/ الباب الرابع والتسعون ومائتان في معرفة المنزل المحمدي المكي من الحضرة الموسوية ثم ما يعلم وثم ما لا يعلمه إلاَّ الله، وقد يمكن أن يعلمه الله من يشاء من خلقه بأي وجه شاء أن يعلمه. وممّا يتضمن هذا المنزل العلم بالأقسام الإلهيّة التي وردت في الشرائع المتقدمة والمتأخرة لما أقسم وإذا أقسم بمن أقسم هل بنفسه أو بمخلوقاته أو بهذا وقتاً وبهذا وقتاً آخر مثل قوله: ﴿تَللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ [سورة النحل: الآية ٦٣] فأقسم بالله وكقوله: ﴿فَوَرَيِّكَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩٢] ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٢٣] وكقوله: ﴿وَالذَّرِيَتِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ١] ﴿وَأُلْمُرْسَلَتِ﴾ [سورة المرسلات: الآية ١] ﴿ وَالقَّنَّفَّتِ﴾ [سورة الصافات: الآية ١] ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [سورة النجم: الآية ١] ﴿وَالشَّمْسِ﴾ [سورة الشمس: الآية ١] وغير ذلك من المخلوقين الذين أقامهم في الظاهر مقام أسمائه، فإن كان أضمر فما أضمر من الأسماء، وعلى كل حال فلها شرف عظيم بإضافتها إليه، سواء أظهر الاسم أو لم يظهر. والقسم العام: ﴿فَلَا أُقْيِمُ بِمَا نُصِرُونَ وَمَا لَ بُّصِرُونَ﴾ [سورة الحاقة: الآية ٣٨ -٣٩] فدخل في هذا القسم من الموجودات جميع الأشياء، ودخل فيه العدم والمعدومات وهو قوله: ﴿وَمَا لَا بُصِرُونَ﴾ وما تبصرونه في الحال والمستقبل، والمستقبل معدوم، فللأشياء نسبة إلى الشرف والتعظيم وكذلك العدم، فأما شرف العدم المطلق فإنه يدل على الوجود المطلق فعظم من حيث الدلالة وهو ممّا يجري على ألسنة الناس وقد نظم ذلك فقيل: وبضدها تتميز الأشياء، فالعدم ميّز الوجود والوجود ميّز العدم. وأما شرف العدم المقيد فإنه على صفة تقبل الوجود والوجود في نفسه شريف ولهذا هو من أوصاف الحق، فقد شرف على العدم المطلق بوجه قبوله للوجود، فله دلالتان على الحق: دلالة في حال عدمه، ودلالة في حال وجوده، وشرف العدم المطلق على المقيد بوجه وهو أنه من تعظيمه لله، وقوّة دلالته أنه ما قبل الوجود وبقي على أصله في عينه غيرة على الجناب الإلهيّ أن يشركه في صفة الوجود، فينطلق عليه من الاسم ما ينطلق على الله. ولما كان نفس الأمر على هذا شرع الحق للموجودات التسبيح وهو التنزيه، وهو أن يوصف بأنه لا يتعلق به صفات المحدثين، والتنزيه وصف عدمي فشرف سبحانه لعدم المطلق بأن وصف به نفسه فقال: ﴿سُبْحَنَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠] تشريفاً للعدم لهذا القصد المحقق منه في تعظيم الله فإنه أعرف بما يستحقه الله من المعدوم المقيد فإنه له صفة الأزل في عدمه، كما للحق صفة الأزل في وجوده، وهو وصف الحق بنفي الأولية، وهي وصف العدم بنفي الوجود عنه لذاته، فلم يعرف الله ممّا سوى الله أعظم معرفة من العدم المطلق. ولما كان للعدم هذا الشرف وكان الدعوى والمشاركة للموجودات لهذا قيل لنا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَوْ تَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم: الآية ٩] أي ولم تك موجوداً، فكن معي في حال وجودك من عدم الاعتراض في الحكم والتسليم لمجاري الأقدار كما كنت في حال عدمك، فجعل شرف الإنسان رجوعه في وجوده إلى حال عدمه، فلولا شرف العدم بما ذكرناه ما نبّه الحق الموجود المخلوق على الرجوع إلى تلك الحالة في الحكم لا في العين، ولا يقدر على هذا الوصف من الرجوع إلى العدم بالحكم مع الوجود العيني إلاَّ من عرف من أين جاء وما في المنازل / الباب الرابع والتسعون ومائتان في معرفة المنزل المحمدي المكي من الحضرة الموسوية ٤٥١ يراد منه وما خلق له، فقد تبين لك من شرف العدم المطلق ما فيه كفاية. وهذه مسألة أغفلها الناس ولم يعقلوها عن الله حين ذكرها. ولما تبين أن الشرف للموجودات والمعدومات إنما كان من حيث الدلالة وجب تعظيمها فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِمْ شَعَتِرَ الَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَىَ الْقُلُوبِ﴾ والشعائر هي الأعلام فهي الدلالات، فمن عظمها فهو تقي في جميع تقلباته، فإن القلوب من التقليب، وما قال سبحانه إن ذلك من تقوى النفوس ولا من تقوى الأرواح ولكن قال: ﴿مِن تَقْوَ اُلْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٢] لأن الإنسان يتقلب في الحالات مع الأنفاس وهو إيجاد المعدومات معٍ الأنفاس. ومن يتَّقِ الله في كل تقلب يتقلب فيه فهو غاية ما طلب الله من الإنسان ولا يناله إلاّ الأقوياء الكمل من الخلق لأن الشعور بهذا التقلب عزيز ولهذا قال: ﴿شَعَبِرَ اللَّهِ﴾ أي هي تشعر بما تدل عليه، وما تكون شعائر إلاَّ في حق من يشعر بها، ومن لا يشعر بها وهم أكثر الخلق فلا يعظمها، فإذن لا يعظمها إلاَّ من قصد الله في جميع توجهاته وتصرّفاته كلها، ولهذا ما ذكرها الله إلاَّ في الحج الذي هو تكرار القصد. ولما كان القصد لا يخلو عنه إنسان كان ذكر الشعائر في آية الحج وذكر المناسك وهي متعددة أي في كل قصد، فكان سبب القسم بالأشياء طلب التعظيم من الخلق للأشياء حتى لا يهملوا شيئاً من الأشياء الدالة على الله، سواء كان ذلك الدليل سعيداً أو شقياً وعدماً أو وجوداً أي ذلك كان، وإن كان القصد الإلهيّ بالقسم نفسه لا الأشياء بل المقصود الأمران معاً وهو الصحيح، فاعلم أنه ليس المراد بهذا القصد الآخر إلاَّ التعظيم لنا والتعريف، فذكر الأشياء وأضمر الأسماء الإلهيّة لتدل الأشياء على ما يريده من الأسماء الإلهيّة فما تخرج عن الدلالة وشرفها فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَنهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٥] أي وباني السماء ﴿وَاَلْأَرْضِ وَمَا لَهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٦] أي وباسط الأرض ﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى﴾ [سورة النجم: الآية ١] أي ومسقط النجم، فاختلفت الأشياء، فاختلفت النسب، فاختلفت الأسماء، وتعينت المختصة بهذا الكون المذكور فعلم من الله ما ينبغي أن يطلق عليه من الأسماء في المعنى فيما أضمره وفي اللفظ فيما أطلق، إذ لو أراد إطلاق ما أضمره عليه لأظهره كما أظهره في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٢٣] فجاء بالاسم الرب بالنسبة الخاصة المتعلقة بالسماء خاصة، واسم الأرض مضمر لأنه للرب نسبة خاصة في الأرض ليست في السماء ولذلك لم يتماثلا، بل السماء مغايرة للأرض لاختلاف النسب، فنسبة الرب لخلق السماء مغايرة للنسبة الربانية لخلق الأرض، ولولا وجود الواو في قوله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ الذي يعطي التشريك لقلنا باختلاف الاسم الرب لاختلاف النسبة، ولكن الواو منعت والقرآن نزل باللسان العربي والواو في اللسان في هذا الباب إذا ذكر الأوّل ولم يذكر في المعطوف عليه حكم آخر دلّت على التشريك، فإذا قلت: قام زيد وعمرو فلا يريد القائل إذا وقف على هذا من غير قاطع عرضي مثل انقطاع النفس بسعلة تطرأ عليه أو شغل يشغله عن تمام تلفظه في مراده فهو للتشريك ولا بدّ فيما ذكر، فالقاطع منعه أن يقول: وعمر وخارج، أو يقول: وعمر وأبوه قاعد، فهذه الواو واو الإبتداء والحال لا واو العطف، فإذا قال: قام ٤٥٢ في المنازل/ الباب الرابع والتسعون ومائتان في معرفة المنزل المحمدي المكي من الحضرة الموسوية زيد وخرج عمرو فهذه واو العطف أعني عطف جملة على جملة لا واو التشريك، فلهذا جعلنا الواو في قوله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ للتشريك في الاسم الإلهيّ المذكور الذي هو المعطوف عليه، وكان الإضمار في النسبة التي يقع فيها التغاير فافهم فإنه من دقيق المعرفة بالله . واعلم أنه لما رأى بعض العارفين تعظيم هذه الأمور مشروعاً ألحق كل ما سوى الله بالسعادة التي هي في حق أصحاب الأغراض من المخلوقين وصولهم إلى أغراضهم التي تخلق لهم في الحال، فلم يبق صاحب هذا النظر أحداً في العذاب الذي هو الألم فإنه مكروه لذاته، وإن عمروا النار فإن لهم فيها نعيماً ذوقياً لا يعرفه غيرهم، فإنه لكل واحدة من الدارين ملؤها، فأخبر الله أنه يملؤها ويخلد فيها مؤبداً، ولكن ما ثم نص بتسرمد العذاب الذي هو الألم لا الحركات السببية في وجود الألم في العادة بالمزاج الخاص المحس للألم، فقد نرى الضرب القطع والحرق في الوجود ظاهراً ولكن لا يلزم عن تلك الأفعال ألم ولا بد، وقد شاهدنا هذا من نفوسنا في هذا الطريق وهذا من شرف الطريق، وفيه يقول أصحابنا: ليس العجب من ورد في بستان فإنه المعتاد، وإنما العجب من ورد في وسط النار لأنه غير معتاد، يريد أنه ليس العجب ممّن يجد اللذة في المعتاد وإنما العجب ممّن يجد اللذة في غير السبب المعتاد وهو كان مطلوب أبي يزيد في قوله: سوى ملذوذ وجدي بالعذاب، ولهذا سمّي عذاباً لأنه يعذب في حال ما عند قوم ما لمزاج يطلبه . وإذا كان الحق يأمر بتعظيم كل ما سواه ممّا هو مضاف إليه وما ثم إلاَّ ما هو مضاف إليه إمّا نصاً أو عقلاً فبعيد أن يتسرمد عليه العذاب الذي هو الألم، وقد كان الله ولا شيء معه ولم يرجع إليه وصف لم يكن عليه ممّا أوجده وخلقه فكذلك هو ويكون، وإنما قلنا هذا من أجل من يقول بنفي اسم من الأسماء الإلهية لا أثر له. قلنا: وإن لم يكن له أثر فليس كماله بوجود الأثر عنه فإن العين واحدة فافهم ذلك، وهذه مسألة من أشكل المسائل في هذا الطريق والله يقول: إن رحمته سبقت غضبه، يريد أن حكمه برحمة عباده سبق غضبه عليهم، ولا يظهر السبق في نفس الشأو فإنه قد يكون الفرس واسع النفس بطيء الحركة، والآخر ضيق النفس سريع الحركة والشأو طويل فلا يزال الواسع النفس، وإن أبطأ في الحضر، يدخل على الضيق النفس حتى يزيد عليه ويتركه خلفه فلا يحكم بالسبق إلاَّ في آخر الشأو، فمن حاز قصب السبق فهو السابق، ولهذا يطوّل في المسابقة بين الخيل في المسافة، وهو مشروع في معرض التنبيه على هذا المقام، وآخر المسافة هو الذي ينتهي إليه الحكم بالسبق، والرحمة سبقت غضب الله على خلقه، فهي تحوز العالم في الدارين بكرم الله وما ذلك على الله بعزيز، وإن كانوا في النار فلهم فيها نعيم، فإنهم ليسوا منها بمخرجين، ويصدق قوله تعالى: ((سَبَقَتْ رَحمَتِي غَضَبِي) ويصدق قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة هود: الآية ١١٩] ويصدق قوله: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] وقد أظهرت أمراً في هذه المسألة لم يكن باختياري، ولكن حق القول الإلهيّ بإظهاره فكنت فيه كالمجبور في اختياره، والله ينفع به من يشاء لا إله إلاَّ هو، وهذا القدر كافٍ من علم هذا المنزل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ٤٥٣ في المنازل / الباب الخامس والتسعون ومائتان في معرفة منزل الأعداد المشرفة من الحضرة المحمدية الباب الخامس والتسعون ومائتان في معرفة منزل الأعداد المشرفة من الحضرة المحمدية [نظم: الطويل] تفجَّرَت الأنهارُ من ذات أحجارٍ فعُشْرّ من العلم الذي هو ظاهرٌ تُطالبني نفسي بمَثْنَى وجودها فحصَّنْتُ نفسي في مدينة سيِّدٍ فلم يُرَ حصنْ مثله في ارتفاعه مَكَانَتُها ما بين ذلِّ وعزَّةٍ إلى أن يكون النَّفْخُ في صُور حِسْهِ ويبقى دَوَامُ الأمر فيه مُخَلَّداً فأشْهَدُه عِلْماً وعَيْناً وحالةً مُنَوَّعةٌ تلك المظاهرُ عندنا وغاصَتْ بأرضي في خَزَائنِ أسراري وما قد كتَمْتُ منه تسعةُ أعشارِ ويطلبني وٍثري المصابُ بأوتارٍ بناها من الماءِ المركَّب والنَّارِ تحصَّنْتُ فيه خلفَ سبعة أسوارٍ يُعاملني فيها على حَدِّ مِقْداري إلى صُور تَخْييلٍ ببَرْزِخْ أَغْيَاري إلى أن يكون البَغْثّ من قَبْر أفكاري بِمَشْهَدِ أنوارٍ ومَشْهدِ أَسْرارِ برؤية أفكارٍ ورؤية أبصارٍ فهرست ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم: وذلك علم اللوائح وهي مقدمات الذوق، وهي منزلة عجيبة لا تقبل الغفلة والنسيان، وفيه علم دخول التأنيث في العدد وهو مذكر، وفيه علم المانية من أين ضلت وما وجه الحق الذي عندها حتى قادها إلى هذا الاعتقاد، وهل لها عذر مقبول في ذلك يوم القيامة أم لا؟ وفيه علم الدخول وهو طلب الأوتار ولماذا تطلب ولمن يرجع فضلها؟ وهل المغصوب على نفسه بالقتل هل يرضى بذلك أم لا؟ ولأية حكمة جعل ذلك للولي؟ وهل إذا عفا الوليّ عن الدم هل يسقط حق المقتول يوم القيامة أم مثل الحوالة في الدين إذا قبلها صاحب الحق لم يبقَ له رجوع على الأوّل إن أعسر المرجوع إليه عنه بعد رضا صاحب الدين بالحوالة، وفيه علم قرار الغيب حتى لا يشهد ولماذا يقرّ؟ وفيه علم الغيب الذي يجب أن يشهد وطلبه لذلك من الله. وفيه علم العقل ومرتبة صاحبه. وفيه علم الاعتبار. وفيه علم الانتقال في الأحوال والمقامات. وفيه علم الكيفيات والكميات. وفيه علم التعالي ولماذا يؤدّي وأنه مخصوص بأهل البلادة دون الأذكياء. وفيه علم الصلاح والفساد. وفيه علم ما يترتب على الأعمال سواء وقع التكليف أو لم يقع. وفيه من أين أخذ علم أهل النجوم الحاكمون بها الواقفون على ما أودع الله فيها من الأحكام من العلوم الإلهيّة وشرفه على سائر العلوم وذكر الحيوان الذي إذا أكل أعلاه أعطى بالخاصية لمن أكله علم النجوم، وإذا أكل وسطه أعطى علم النبات، وإذا أكل عجزه وهو ما يلي ذنبه أعطى علم المياه المغيبة في الأرض فيعرف إذا أتى أرضاً لا ماء فيها على كم ذراع يكون الماء فيها، وهذا الحيوان حية ليست بالكبيرة ولا بالصغيرة، لا يوجد إلاّ بأحواز شلب من غرب الأندلس، وكان قد وقع بها عندنا عبد الله بن عبدون كاتب أمير المسلمين فقطع رأسها وذنبها بسكين ذي ٤٥٤ في المنازل / الباب الخامس والتسعون ومائتان في معرفة منزل الأعداد المشرفة من الحضرة المحمدية شعبتين في ضربة واحدة وقسمها ثلاث قطع وكانوا ثلاثة إخوة فأكل عبد الله أعلاها فكان في علم القضاء بالنجوم آية من غير مطالعة كتاب أو توقيف إمام. وأكل أخوهُ عبد المجيد الوسط منها فكان آية في علم النبات وخواصه وتركيباته من غير مطالعة كتاب ولا توقيف أخبرني ولده المنجنيقي بذلك بقونية. وأكل الأخ الثالث القطعة الأخيرة التي تلي الذنب منها فكان آية في استخراج المياه من جوف الأرض، فسبحان من أودع أسراره في خلقه. وفيه علم الفرق في خرق العوائد بين الكرامة والاستدراج. وفيه علم السبب الذي أوجب أن يحب العالم الحيواني الإنساني غير الله وسبب الحب أمران: النسبة والإحسان، والنسبة إلى الله أقرب فإنه مخلوق على الصورة، والإحسان من الله فهو المنعم عليه بإيجاد عينه ثم بكل ما هو فيه فكيف يحب غيره ويفنى فيه؟ وفيه علم الآخرة وما يتعلق بها من حين وقوف الناس على الجسر دون الظلمة إلى أن يدخلوا منازلهم من الشقاء والسعادة، فهذا جميع ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم قد نبهتك عليها لترتفع الهمة إلى طلبها، فلنذكر منها مسألة أو أكثر على قدر ما يتسع الكلام مع الاختصار دون الإطالة والإكثار فأقول والله يقول الحق وهو يهدي السبيل : اعلم أن الله لما خلق الأرواح الملكية المهيمة وهم الذين لا علم لهم بغير الله لا يعلمون أن الله خلق شيئاً سواهم وهم الكروبيون المقرّبون المعتكفون المفردون المأخوذون عن أنفسهم بما أشهدهم الحق من جلاله اختصّ منهم المسمّى بالعقل الأوّل والأفراد منا على مقامهم، فجلال الله في قلوب الأفراد على مثل ذلك فلا يشهدون سوى الحق وهم خارجون عن حكم القطب الذي هو الإمام وهو واحد منهم ولكنه يكون مادته من العقل الأوّل الذي هو أوّل موجود من عالم التدوين والتسطير وهو الموجود الإبداعي، ثم بعد ذلك من غير بعدية زمان انبعث عن هذا العقل موجود انبعاثي وهو النفس وهو اللوح المحفوظ المكتوب فيه كل كائن في هذه الدار إلى يوم القيامة وذلك علم الله في خلقه، وهو دون القلم الذي هو العقل في النورية والمرتبة الضيائية، فهو كالزمرّدة الخضراء لانبعاث الجوهر الهبائي الذي في قوّة هذه النفس، فانبعث عن النفس الجوهر الهبائي وهو جوهر مظلم لا نور فيه، وجعل الله مرتبة الطبيعة بين النفس والهباء مرتبة معقولة لا موجودة، ثم بما أعطى الله من وضع الأسباب والحكم ورتب في العالم من وجود الأنوار والظلم لما يقتضيه الظاهر والباطن، كما جعل الابتداء في الأشياء والانتهاء في مقاديرها بأجل معلوم وذلك إلى غير نهاية، فما ثم إلاّ ابتداءات وانتهاءات دائمة من اسمية الأوّل والآخر، فعن تينك الحقيقتين كان الابتداء والانتهاء دائماً فالكون جديد دائماً، فالبقاء السرمدي في التكوين، فأعطى لهذه النفس لما ذكرناه قوّة عملية عن تلك القوّة أوجد الله سبحانه بضرب من التجلي الجسم الكل صورة في الجوهر الهبائي، وما من موجود خلقه الله عند سبب إلاَّ بتجلّ إلهيّ خاص لذلك الموجود لا يعرفه السبب، فيتكون هذا الموجود عن ذلك التجلي الإلهيّ والتوجه الرباني عند توجّه السبب لا عن السبب، ولولا ذلك لم يكن ذلك الموجود وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ فلم ٤٥٥ في المنازل / الباب الخامس والتسعون ومائتان في معرفة منزل الأعداد المشرفة من الحضرة المحمدية يكن للسبب غير النفخ ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٤٩] فالطائر إنما كان لتوجه أمر الله عليه بالكون وهو قوله تعالى: ﴿كُنْ﴾ بالأمر الذي يليق بجلاله، فلما أوجد هذا الجسم الأوّل لزمه الشكل إذ كانت الأشكال من لوازم الأجسام، فأوّل شكل ظهر في الجسم الشكل المستدير وهو أفضل الأشكال وهو للأشكال بمنزلة الألف للحروف يعمّ جميع الأشكال، كما أن حرف الألف يعمّ جميع الحروف بمروره هواء من الصدر على مخارجه إلى أن يجوز الشفتين فهو يظهر ذوات الحروف في المخارج، فإذا وقف في الصدر ظهر حرف الهاء والهمزة في أعيانهما عن حرف الألف، فإذا انتقل من الصدر إلى الحلق ووقف في مراتب معينة في الحلق أظهر في ذلك الوقوف وجود الحاء المهملة ثم العين المهملة ثم الخاء المعجمة ثم الغين المعجمة ثم القاف المعقودة ثم الكاف، وأمّا القاف التي هي غير معقودة فهي حرف بين حرفين بين الكاف والقاف المعقودة ما هي كاف خالصة ولا قاف خالصة ولهذا ينكرها أهل اللسان، فأما شيوخنا في القراءة فإنهم لا يعقدون القاف ويزعمون أنهم هكذا أخذوها عن شيوخهم وشيوخهم عن شيوخهم في الأداء إلى أن وصلوا إلى العرب أهل ذلك اللسان وهم الصحابة إلى النبيّ ◌َّي﴿ كل ذلك أداء، وأما العرب الذين لقيناهم ممّن بقي على لسانه ما تغيّر كبني فهم فإني رأيتهم يعقدون القاف وهكذا جميع العرب، فما أدري من أين دخل على أصحابنا ببلاد المغرب ترك عقدها في القرآن، وهكذا حديث سائر الحروف إلى آخرها وهو الواو وليس وراء الواو مرتبة لحرف أصلاً، وليس للأشكال في الأجسام حدّ ينتهى إليه يوقف عنده لأنه تابع للعدد والعدد في نفسه غير متناه فكذلك الأشكال . فأوّل شكل ظهر بعد الاستدارة المثلث، ومن المثلث المتساوي الأضلاع والزوايا تمشي الأشكال في المجسمات إلى غير نهاية، وأفضل الأشكال وأحكمها المسدس، وكلما اتسع الجسم وعظم قبل الكثير من الأشكال، ثم أمسك الله الصورة الجسمية في الهباء بما أعطته الطبيعة من مرتبتها التي جعلناها بين النفس والهباء، ولو لم يكن هنالك مرتبتها لما ظهر الجسم في هذا الجوهر ولا كان له فيه ثبوت، فكانت الطبيعة للنفس كالآلة للصانع التي يفتح بها الصور الصناعية في المواد، فظهر الجسم الكل في هذا الجوهر عن النفس بآلة الحرارة، وظهرت الحياة فيه بمصاحبة الحرارة الرطوبة، وثبتت صورته في الهباء بالبرودة واليبوسة وجعله أعني هذا الجسم الكري على هيئة السرير وخلق له حملة أربعة بالفعل ما دامت الدنيا وأربعة أخر بالقوّة يجمع بين هؤلاء الأربعة والأربعة الآخر يوم القيامة فيكون المجموع ثمانية وسماه العرش وجعله معدن الرحمة فاستوى عليه باسمه الرحمن، وجعله محيطاً بجميع ما يحوي عليه من الملك متحيزاً يقبل الاتصال والانفصال وعمر الأينية الظرفية المكانية، وكان مرتبة ما فوقه بينه وبين العماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء وهو للاسم الرب، والله هو الاسم الجامع المهيمن على جميع الأسماء الإلهية فصفته المهيمنية وتوحدت الكلمة في العرش فهي أوّل الموجودات التي قبلها عالم الأجسام. ثم أوجد جسماً آخر في جوهر هذا الهباء، فإن جوهر هذا الهباء هو الذي عمر الخلاء، ٤٥٦ في المنازل / الباب الخامس والتسعون ومائتان في معرفة منزل الأعداد المشرفة من الحضرة المحمدية فكل ما ظهر من الصور المتحيزة الجسمية والجسمانية فهذا الجوهر هو القابل لها، وإنما قلنا هذا لئلا يتخيل أن الكرسي صورة في العرش وليس كذلك وإنما هو صورة أخرى في الهباء قبلها كما قبل صورة العرش على حد واحد ولكن بنسب مختلفة، فسمّى هذا الموجود الآخر كرسياً ودلى إليه القدمين من العرش فانفلقت الرحمة انفلاق الحب فتنوعت الرحمة في الصفة إلى إطلاق وتقييد فظهرت الرحمة المقيدة وهي القدم الواحدة، وتميزت الرحمة المطلقة بظهور هذه القدم الأخرى، فظهر في هذه القدم انقسام الكلمة الواحدة العرشية التي لم يظهر لها انقسام في العرش إلى خبر وحكم، وانقسم الحكم إلى أمر ونهي، وانقسم الأمر إلى وجوب وندب وإباحة، وانقسم النهي إلى حظر وكراهة، وانقسم الخبر إلى هذه الأقسام وزيادة من استفهام وتقرير ودعاء وإنكار وقصص وتعليم، فتنوعت الألسن وظهرت الملاحن في الكرسي، فظهر تفصيل النغمات التي كانت مجملة في العرش، فهو أوّل طرب ظهر في عالم الأجسام من السماع، ومن هنالك سرى في عالم الأفلاك والسموات والأركان والمولدات. ثم أوجد الحق أيضاً جسماً آخر مستديراً دون الكرسي في الرتبة وجعله مستديراً فلكياً غير مكوكب قدر فيه سبحانه اثني عشر تقديراً مقادير معينة سمى كل مقدار منها باسم لم يسم به الآخر وهي المعروفة بالبروج وأظهر منها سلطان الطبيعة فجعل منها ثلاثة من اجتماع الحرارة واليبوسة وجعل أحكامها مختلفة وإن كانت على طبيعة واحدة، ولكن المكان المعين من هذا الفلك لما اختلف اختلفت أحكامها من ذلك الوجه، وبما هي على طبيعة واحدة من الحر واليبس اتفقت أحكامها فتعمل بالاتفاق من وجه وبالاختلاف من وجه، ولهذا ظهر عنها الكون والفساد والتغيير والاستحالات، ولست أعني بالفساد الشرور المعتادة عندنا هنا وإنما أعني بالفساد زوال نظم مخصوص يقال فيه فسد ذلك النظام أي زال كما تأكل التفاحة أو تشقها بالسكين إلى أقسام فقد فسد نظامها فذهبت تلك الصورة بظهور صورة أخرى فيها، وعن هذا الفلك يتكوّن جميع ما في الجنة، وعنه يكون الشهوة لأهلها وهو عرش التكوين. ثم إنّ الله تعالى أوجد في جوف هذا الفلك الأطلس الذي هو محل لهذه الطبائع التي هي آلة النفس العملية فلكاً آخر في جوهر الهباء كما ذكرنا وبالتجلي الإلهيّ كما ذكرنا، إذ لا يكون التكوين إلاَّ له سبحانه، وهذا الفلك هو فلك الكواكب الثابتة والمنازل التي يقدر بها تقسيم البروج المقدرة في الأطلس، إذ كان الأطلس متشابه الأجزاء وهي ثمانية وعشرون منزلة وهي: النطح، والبطين، والثريا، والدبران، والهنعة، والهقعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعوّا، والسماك، والغفر، والزبانَى، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرع المقدم، والفرع المؤخر، والرشا، فهذه ثمان وعشرون منزلة معروفة مسماة يحكم لها بطبائع البروج وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، ٤٥٧ في المنازل / الباب الخامس والتسعون ومائتان في معرفة منزل الأعداد المشرفة من الحضرة المحمدية والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. ولهذا الفلك المكوكب أعني فلك المنازل قطع في الفلك الأطلس فلك البروج، وجعل لكل تقدير في فلك البروج منزلتين وثلث من المنازل المذكورة ولمنازله وجميع كواكبه سباحة في أفلاك لها بطيئة لا يحسّ بها البصر إلاَّ بعد آلاف من السنين، كما ذكر عن أهرام مصر أنها بنيت والنسر في الأسد وهو اليوم في الجدي ونحن في سنة أربع وثلاثين وستمائة، ثم أوجد على سطح هذا الفلك المكوكب الجنة بما فيها بطالع الأسد وهو برج ثابت فلهذا كان لها الدوام، فإن أصحاب هذا الفن قد سمّوا هذه البروج بالأسماء التي ذكرناها ونعتوها بأمور على حسب ما أطلعهم الله عليه من آثارها العجيبة في حركاتها، فعرفوا منها الثابت والمنقلب وذا الجسدين وغير ذلك، وإلى الفلك الأطلس ينتهي علم أهل الأرصاد، وعلى الحقيقة إنما ينتهي إلى المكوكب، فإن حركات الكواكب والكواكب تعين أفلاكها ولولا ذلك ما عرف عددها، وأما الفلك الأطلس فما استدلوا عليه من حيث أدركوه حسّاً كما أدركوا أفلاك الكواكب، وإنما علموا أن هذه الأفلاك لا تقطع إلاَّ في أمر وجودي فلكي مثلها فأثبتوه عقلاً لا حساً وسمّوه أطلساً لكونه لا كوكب فيه يعينه للحسّ، ويبطل عليهم هذا الدليل بحركة أقصى الأفلاك فإن حركتها موجودة ولا تقطع في شيء عندهم أصلاً، فما يدريك يا صاحب الرصد لعل هذا الفلك المكوكب يقطع في لا شيء، والحكماء لم يمنعوا أن يكون فوق الفلك الأطلس أفلاك أخر، إلاَّ أن الراصد لم يبلغ إليها لأنه ما ثم ما يدل عليها بل هي في حكم الجواز عندهم لكن قالوا إن كان هنالك فلك فلا بدّ أن يكون له نفس وعقل ومع ذلك لا بدّ من الانتهاء، ومن هذا الفلك وقع الخلاف بيننا وبين الحكماء من الفلاسفة في ترتيب التكوين، وما نازعونا فيما فوق الأطلس الذي هو الكرسي والعرش وقالوا بالجواز فيه. فترتيب الأمر عندنا بعد الفلك المكوكب ولم يكن مكوكباً عند خلقه، وإنما ظهرت الكواكب بعد هذا فيه وفي غيره من السموات فيها كانت حركة ما ذكرناه من هذه الأفلاك الموجودة الأربعة التي كملت فيها الطبيعة وظهر سلطانها حسّاً بعدما كان معقولاً، فإن المعاني هي أصل الأشياء فهي في أنفسها معان معقولة غيبية، ثم تظهر في حضرة الحسّ محسوسة، وفي حضرة الخيال متخيلة وهي هي إلاّ أنها تنقلب في كل حضرة بحسبها كالحرباء تقبل الألوان التي تكون عليها، فأوّل ما أوجد الأرض وهي نهاية الخلاء وهو أقصى الكثائف والظلم وهو نازل إلى الآن دائماً، والخلاء لا نهاية له فإنه امتداد متوهم لا في جسم، فالعالم كله بأسره نازل أبداً في طلب المركز، وهذا الطلب طلب معرفة ومركزه هو الذي يستقرّ عليه أمره فلا يكون له بعد ذلك طلب وهذا غير كائن، فنزوله للطلب دائم مستمرّ وهو المعبر عنه بطلب الحق فالحق هو مطلوبه، وأثر فيه هذا الطلب التجلي الذي حصل له تعشق به فهو يطلبه بحركة عشقية، وهكذا سائر المتحركات إنما حركتها المحبة والعشق لا يصحّ إلاَّ هذا، ومن لا يعشق ذلك التجلي وهو المنعوت بالجمال والجمال معشوق لذاته، ولولا ما تجلى سبحانه في ٤٥٨ في المنازل / الباب الخامس والتسعون ومائتان في معرفة منزل الأعداد المشرفة من الحضرة المحمدية صورة الجمال لما ظهر العالم، فكان خروج العالم إلى الوجود بذلك العشق، أصل حركته عشقية واستمر الحال. فحركة العالم دائمة لا نهاية لها، ولو كان ثم أمر ينتهي إليه يسمّى المركز يكون إليه النهاية لسكن العالم بعضه على بعض بالضرورة وبطلت الحركة فبطل الإمداد، فأدى ذلك إلى فناء العالم وذهاب عينه، والأمر على خلاف هذا، وإنما الناس وأكثر الخلق لا يشعرون بحركة العالم ولأنه بكلّه متحرك، فيبقى الترتيب المشهود من البعد والقرب على حاله، فلهذا الشهود يتخيلون سكون الأرض حول المركز. ثم أوجد ركن الماء وهو كان الموجود الأوّل من الأركان، وإنما ذكرنا الأرض مقدمة من أجل السفل والماء كان أوّل العناصر. فما كثف منه كان أرضاً وما سخف منه كان هواء، ثم ما سخف منه كان ناراً وهو كرة الأثير، فأصل العناصر عندنا الماء، ووافقنا على ذلك بعض الناس من النظار في هذا الفن، لكن مستندنا الكشف فيما ندّعيه من هذا وغيره من العلوم، وقد تكون تلك العلوم ممّا تدرك بالنظر الفكري، فمن أصاب في نظره وافق أهل الكشف، ومن أخطأ في نظره خالف أهل الكشف، والحكماء في هذه المسألة على ستة مذاهب: خمسة منها خطأ والواحد منها صواب وهو الذي وافق الكشف والتعريف الإلهي لأهل خطابه من ملك ونبي وولي، وكان وجود هذه العناصر ببرج السرطان، وما من برج إلاّ وقد جعل له الله مدة في الولاية معلومة مع المشاركة لغيره في مدته، فلجميعها مدة معلومة عندنا نسميها أعني الجملة عمر العالم، فإذا انتهت المدد عاد الأمر ابتداء على حاله من الدوام، فلا عدم يلحقه أبداً من حيث جوهره، ولا يبقى صورة أبداً زمانين، فالخلق لا يزال والأعيان قابلة للخلع عنها وعليها، فالعالم في كل نفس من حيث الصورة في خلق جديد لا تكرار فيه، فلو شاهدته لرأيت أمراً عظيماً يهولك منظره ويورثك خوفاً على جوهر ذاتك، ولولا ما يؤيد الله أهل الكشف بالعلم لتاهوا خوفاً، فلما حصلت العناصر وهي الأركان الأربعة محلاً مهيئاً أنوثياً لقبول التناسل والولادة وظهرت الاحتراقات من عنصر النار في رطوبات الهواء والماء صعد منها دخان يطلب الأعظم الذي هو الفلك الأعلى الأقصى، فوجد فلك الكواكب يمنعه من الرقي إلى الفلك الأعلى فعاد ذلك الدخان يتموّج بعضه في بعض، فتراكم فريق ففتق الله رتقه بسبع سموات، ثم إنّه تتطايرت الشرر من كرة الأثير في ذلك الدخان فقبلت من السموات من الفلك المكوكب أماكن فيها رطوبات طبيعية فتعلقت بها تلك الشرر فانقدت تلك الأماكن لما فيها من الرطوبات فحدثت الكواكب فأضاء الجوّ كما يضيء البيت بالسراج، ألا ترى القادح للزناد يعلق الشرر الحراق بما فيه من الرطوبة فيتقد فيكون منه المصباح ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [سورة نوح: الآية ١٦] يضيء به العالم وتبصر به الأشياء التي كان يسترها الظلام، فحدث الليل والنهار بحدوث كوكب الشمس والأرض، فالليل ظلمة الأرض الحجابية عن انبساط نور الشمس، والكواكب عندنا كلها مستنيرة لا تستمد من الشمس كما يراه بعضهم، والقمر على أصله لا نور له البتة قد محا الله نوره، وذلك النور في المنازل / الباب الخامس والتسعون ومائتان في معرفة منزل الأعداد المشرفة من الحضرة المحمدية ٤٥٩ الذي ينسب إليه هو ما يتعلق به البصر من الشمس في مرآة القمر على حسب مواجهة الأبصار منه، فالقمر مجلى الشمس وليس فيه من نور الشمس لا قليل ولا كثير. ثم إن الله رتب في كل فلك وسماء عالماً من جنس طبيعة ذلك الفلك سماهم ملائكة على مقامات فطرهم الله عليها من التسبيح والتهليل وكل ثناء على الله تعالى، وجعل منهم ملائكة مسخرين لمصالح ما يخلقه في عالم العناصر من المولدات وهي ثلاثة عوالم طبيعية، ويسري في كل عالم مولد من هذه الثلاثة من النفس الكلية صاحبة الآلات أرواح هي نفوس هذه المولدات بها تعلم خالقها ومنشئها، وبها سرت الحياة فيها كلها، وبها خاطبها الحق وكلفها وهو رسول الحق إليها وداع كل شخص منه إلى ربه، فما بطنت حياته سمّي جماداً ونباتاً وانفصل هذان المولدان وتميز بالنمو والغذاء، فقيل في النامي منه نبات وفي غير النامي جماد، وما ظهرت حياته وحسّه سمّي حيواناً والكل قد عمته الحياة فنطق بالثناء على خالقه من حيث لا نسمع، وعلمهم الله الأمور بالفطرة من حيث لا نعلم، فلم يبق رطب ولا يابس ولا حار ولا بارد ولا جماد ولا نبات ولا حيوان إلاَّ وهو مسبح لله تعالى بلسان خاص بذلك الجنس. وخلق الجان من لهب النار والإنسان ممّا قيل لنا، ونفخ الأرواح في الكل وقدّر الأقوات التي هي الأغذية لهذه المولدات من الإنس والجنّ والحيوان البحري والبرّي والهوائي ﴿وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٢] بما أودع الله في حركات هذه الكواكب واقتراناتها وهبوطها وصعودها في بيوت نحوسها وسعودها، وعن حركاتها وحركات ما فوقها من الأفلاك حدثت المولدات، وعن حركات الأفلاك الأربعة حدثت الأركان، وهذا خلاف ما ذهب إليه غير أهل الكشف من المتكلمين في هذا الشأن، فأودع الله في خزائن هذه الكواكب التي في الأفلاك علوم ما يكون من الآثار في العالم العنصري من التقليب والتغيير فهي أسرار إلهية قد جعل الله لها أهلاً يعرفون ذلك ولكن لا على العلم بل على التقريب والأمر في نفسه صحيح، غير أن الناظر من أهل هذا الشأن قد لا يستوفي النظر حقه لأمر فإنه من غفلة أو غلط في عدد ومقدار لم يشعر بذلك فيحكم فيخطىء فوقع الخطأ من نظره لا من نفس الأمر، وقد يوافق النظر العلم فيقع ما يقوله، ولكن ما هو على بصيرة فيه من حيث تعيين مسألة بعينها . وهذا العلم لا تفي الأعمار بإدراكه فيعلم أصله من النبوات، فكان أوّل من شرع في تعليم الناس هذا العلم إدريس عليه السلام عن الله فأعلمه ما أوحى في كل سماء وما جعل في حركة كل كوكب، وبيّن له اقترانات الكواكب ومقادير الاقترانات وما يحدث عنها من الأمور المختلفة بحسب الأقاليم وأمزجة القوابل ومساقط نطفه في أشخاص الحيوان، فيكون القران واحداً، ويكون أثره في العالم العنصري مختلفاً بحسب الإقليم وما يعطيه طبيعته، فشروطه كثيرة يعلمها أهل ذلك الشأن، فلما أعطتهم الأنبياء الموازين وعلمتهم المقادير علموا ما يحدث الله من الأمور والشؤون في الزمان البعيد، وعن الزمان البعيد الذي لو وكلهم الله فيه إلى نفوسهم بالحكم المعتاد حتى يتكرّر ذلك عليهم تكراراً يوجب القطع عادة، ورب أمر لا يظهر تكراره الذي يوجب القطع الظني به إلاَّ بعد آلاف من السنين، فهذا كان سبب التعريف ٤٦٠ في المنازل/ الباب السادس والتسعون ومائتان في معرفة منزل انتقال صفات أهل السعادة ... الإلهيّ على ألسنة الأنبياء عليهم السلام، فأعلمت الناس بما أوحى الله إليها ما أمن الله عليها هذه الكواكب المسخرة من الحوادث، ولو عرف الجهال المنكرون هذا العلم قوله تعالى: ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتٌ بِأَمْرِوْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ١٢] لما قالوا شيئاً ممّا قالوه فما علموا تسخيرها وأنها كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَخِذَ بَعْضُم بَعْضًا سُخْرِنًا﴾ [سورة الزخرف: الآية ٣٢] كما سخّر الرياح والبحار والفلك هكذا سخّر الكواكب وهل في هذه المسخرات من الكواكب والأفلاك والرياح والبحار والدواب وكل مسخر عالم بما هو له مسخر أم لا؟ هذا لا يعرفه إلاَّ أهل طريقنا خاصة. حكى القشيري أن رجلاً رأى شخصاً راكباً على حمار وهو يضرب رأس الحمار فنهاه عن ذلك فقال له الحمار: دعه فإنه على رأسه يضرب، فمن عرف الجزاء كيف لا يعرف ما سخر له؟ وقد رأينا من مثل هذا كثيراً من الجمادات والحيوانات وقد طال الكلام وهذا القدر كافٍ في معرفة ترتيب العالم الذي هو أحد أقسام ما يحتوي عليه هذا المنزل من العلوم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس والتسعون ومائتان في معرفة منزل انتقال صفات أهل السعادة إلى أهل الشقاء في الدار الآخرة من الحضرة الموسوية [نظم: الوافر] لها في قلب نَازِلِهَا خُشُوعُ غَشِيْتُ منازلاً لمَقَامِ صِدْقٍ إذا ما ابتزَّ خِلْعَتَها الضَّجيعُ ونارُ الاضْطِلامِ لها وَقُودٌ ولا يَفْنَى لها عَطَشْ وجوعُ وأَغْذِيةُ العلوم تَزيد حِزْصاً ويُخييه الخريفُ أو الربيعُ يُجَلِيها لرفْعَتها الرَّفيعُ عسَى وقتاً يكون له رجوعُ ولو طَعِمَ الوجودَ لمات جوعاً بخلْقٍ ثم صلْبٍ في سطوحٍ فعلُمْ من تشاءُ بغير قَهْرٍ يريد في البيت الخامس قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنَظُرُونَ إِلَى الْإِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرَضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [سورة الغاشية: الآية ١٧ _ ٢٠] يريد الاعتبار في ذلك. اعلم وفقنا الله وإياك أن درجات الجنة على عدد دركات النار، فما من درج إلاَّ ويقابله درك من النار، وذلك أن الأمر والنهي لا يخلو الإنسان إما أن يعمل بالأمر أو لا يعمل، فإن عمل به كانت له درجة في الجنة معينة لذلك العمل خاصة وفي موازنة هذه الدرجة المخصوصة لهذا العمل الخاص إذا تركه الإنسان درك في النار لو سقطت حصاة من تلك الدرجة في الجنة لوقعت على خط استواء في ذلك الدرك من النار، فإذا سقط الإنسان من العمل بما أمر فلم يعمل كان ذلك الترك لذلك العمل عين سقوطه إلى ذلك الدرك قال تعالى: ﴿فَطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ [سورة الصافات: الآية ٥٥] فالاطلاع على الشيء من أعلى إلى أسفل، والسواء حد الموازنة على الاعتدال، فما رآه إلاَّ في ذلك الدرك