النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ في المنازل/ الباب السابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل التجلي الصمداني وأسراره .. مرتبطة بمنزلة ذلك العلم المستور فيعلمه عند ذلك، ومما يتعلق بهذا الباب إنزال الهو منزلة الشاهد مع بقاء الهو في عينه منزهاً، ولا يكون الهو ينزل أبداً إلا في صور مدركة بالحس إما في الحس وإما في الخيال، ويسمى بالهو في حال ظهور الصورة ليعلم أن الهو روح تلك الصورة ومدلولها، فيعلم أن تلك الصورة لا يعلم معناها إلا الله كما قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ [سورة الأنعام: ٥٩] ومن كان عند الهو كان بحيث الهو والهو غيب، والذي يكون عنده غيب، وإذا كان غيباً عند غيب فلا تعلمه الشهادة وإنما يعلمه الغيب، فلا يعلم ما في الغيب إلا من هو غيب، فمن حيث الصور ينسب إلى الغيب الظرفية، فإذا ارتفعت الصور زال الغيب لأن الحجاب قد ارتفع فلا يتصف بالغيب ولا بالشهادة لأن الشهادة لا تنفك عن الصور، وقد قلنا لا صورة فقد قلنا لاشهادة، والصورة تجعل ذلك الأمر غيباً وقد قلنا بزوال الصورة، فقد رفعنا حكم الغيب عن ذلك الأمر فلا غيب ولا شهادة. وفي هذ المنزل من العجائب والأسرار مالو أظهرناه لتوقفت عقول أكثر علماء هذه الطريقة السليمة عن قبول مثلها، ومن هذا المنزل يتلقى ملك الموت آجال الناس. واختلف أهل الكشف في آجال الحيوان وفي آجال كل ما سوى الإنسان هل هذا المنزل منزل علمها أم لا؟ وهل لما عدا الحيوان آجال أم لا؟ فاعلم أن الله تعالى جعل لكل صورة في العالم أجلاً تنتهي إليه في الدنيا والآخرة إلا الأعيان القابلة للصور فإنه لا أجل لها بل لها منذ خلقها الله الدوام والبقاء، قال تعالى: ﴿كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَمَّىَّ﴾ [سورة الرعد: ٢] وقال: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلَّ وَأَجَلٌ مُسَمِّى عِندَهُ﴾ [سورة الأنعام: ٢] فجاء بكل وهي تقتضي الإحاطة والعموم، وقد قلنا إن الأعيان القابلة للصور لا أجل لها فبماذا خرجت من حكم كل؟ قلنا ما خرجت وإنما الأجل الذي للعين إنما هو ارتباطها بصورة من الصور التي تقبلها، فهي تنتهي في القبول لها إلى أجل مسمى وهو انقضاء زمان تلك الصورة فإذا وصل الأجل المعلوم عند الله في هذا الارتباط انعدمت الصورة وقبل العين صورة أخرى، فقد جرت الأعيان إلى أجل مسمى في قبول صورة مّا، كما جرت الصورة إلى أجل مسمى في ثبوتها لتلك العين الذي كان محل ظهورها فقد عم الكل الأجل المسمى، فقد قدر الله لكل شيء أجلاً في أمر ما ينتهي إليه، ثم ينتقل إلى حالة أخرى يجري فيها أيضاً إلى أجل مسمى، فإن الله خلاق على الدوام مع الأنفاس، فمن الأشياء ما يكون مدة بقائه زمان وجوده وينتهي إلى أجله في الزمان الثاني من زمان وجوده وهي أقصر مدة في العالم، وفعل الله ذلك ليصح الافتقار مع الأنفاس من الأعيان إلى الله تعالى، فلو بقيت زمانين فصاعداً لاتصفت بالغنى عن الله في تلك المدة، وهذه مسألة لا يقول بها أحد إلا أهل الكشف المحقق منا والأشاعرة من المتكلمين، وموضع الإجماع من الكل في هذه المسألة التي لا يقدرون على إنكارها الحركة إلا طائفتين من يجعل الحركة نسبة لا وجود لها وهو الباقلاني من المتكلمين، وأصحاب الكمون والظهور القائلون به، وإن قال القائلون بالكمون والظهور بذلك فإنهم تحت حيطة كل بهذا المذهب، فإنه جرى في كمونه إلى أجل مسمى وهو زمان ظهوره، فقد انقضت مدة كمونه وجرى في ظهوره إلى الفتوحات المكية ج٤ - م٢٦ ٤٠٢ في المنازل/ الباب السابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل التجلي الصمداني وأسراره .. أجل مسمى وهو زمان كمونه، فقد انقضت مدة ظهوره ولا يلزم من جريانهم إلى الأجل أن المراد عدمهم بل يجوز أن يكون له العدم، ويجوز أن يكون الانتقال مع بقاء العين الموصوفة بالجري، ويجوز أن يكون منه أجل يعدمه، ومنه ما يكون له أجل بانتقاله یعدمه وهو الذي نذهب إليه ونقوله به. واعلم أن الله في هذا المنزل أرواحاً من الملائكة بأيديهم من الخيرات والنعيم الدائم ما لا يدري مقداره إلاّ الله تعالى، قد وكلهم الله على ذلك وجعلهم حفظة عليه وخزاناً لأصحابه من الأناسي يؤذون ذلك إليه في الوقت الذي قد قرّر لهم الحق ذلك وعينه لهم بالحال التي ينتقل ذلك العبد السعيد إليها، وكذلك له ملائكة خزنة بالنقيض أيضاً معدة الإنسان آخر يؤذّون ذلك إليه في الوقت الذي قرره الحق لهم بالحال التي ينتقل إليها ذلك العبد الشقي كل ذلك بتقدير العزيز العليم. واعلم أنه ما من كلمة يتكلم بها العبد إلا ويخلق الله من تلك الكلمة ملكاً فإن كانت خيراً ملك رحمة، وإن كانت شرّاً كان ملك نقمة، فإن تاب إلى الله وتلفظ بتوبته خلق الله من تلك اللفظة ملك رحمة وخلع من المعنى الذي دل عليه ذلك اللفظ بالتوبة الذي قام بقلب التائب على ذلك الملك الذي كان خلقه من كلمة الشر خلعة رحمة، وواخى بينه وبين الملك الذي خلقه من كلمة التوبة وهو قوله تُبتُ إلى الله، فإن كانت التوبة عامّة خلع على كل ملك نقمة كان مخلوقاً لذلك العبد من كلمات شرّه خلع رحمة وجعل مصاحباً للملك المخلوق من لفظة توبته فإنه إذا قال العبد: تبت إليك من كل شيء لا يرضيك، كان من هذا اللفظ من الخير جمعية كل شيء من الشرّ فخلق من هذا اللفظ ملائكة كثيرة بعدد كلمات الشرّ التي كانت منه، فإن الإنسان أعطى لفظاً يدل على الإفراد، وأعطى لفظاً يدل على الاثنين، وأعطى لفظاً يدل على الكثرة، فلفظة كل تدل على الكثرة، فعلم أن قوله: تبت إلى الله من كل شيء أنه تبت إلى الله من كذا، تبت إلى الله من كذا، تبت إلى الله من كذا، كما تقول زيدون تريد بذلك زيد وزيد وزيد، هذا أقله إلى ما لا يتناهى كثرة، وكذلك لفظة زيود في جمع التكسير، فلهذا خلق الله من كلمة الجمع ملائكة بعدد ما تعمه تلك الكلمة. وإنما قلنا بأن الملائكة المخلوقة من كلمة الشّ يخلع عليها خلع الخير وترجع ملائكة رحمة في حق هذا التائب ويصاحب بينها وبين الملائكة المخلوقة من لفظ التوبة عن ذلك الشرّ فإن الكشف أعطى ذلك وصدقه الوحي المنزل بقول الله تعالى في هذا الصنف: ﴿يَُدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [سورة الفرقان: ٧٠] فجعل التبديل في عين السيئة وهو ما ذكرناه. ولقد أخبرني عبد الكريم بن وحشي المصري وكان من الرجال بمكة رحمه الله سنة تسع وتسعين وخمسمائة قال لي: ركبت البحر من جدة نطلب الديار المصرية فلما مخرنا جئنا ليلة ونحن نجري في وسط البحر وقد نام أهل المركب فإذا شخص من الجماعة قد قام يريد قضاء الحاجة فزلقت رجله ووقع في البحر وأخذته الأمواج فسكت الرائس وما تكلم، وكانت الريح طيبة فما شعر رائس المركب إلاَّ والرجل يجيء على وجه الماء حتى دخل المركب وصحبته في المنازل/ الباب الثامن والثمانون ومائتان في معرفة منزل التلاوة الأولى من الحضرة الموسوية ٤٠٣ طائر كبير فلما وصل إلى المركب طار الطائر ونزل بجامور الصاري على رأس القرية ثم رآه قد مدّ منقاره إلى أذن ذلك الرجل كأنه يكلمه ثم طار، فلم يقل له الرائس شيئاً حتى إذا كان في وقت آخر من النهار أخذه الرائس وأكرمه وسأله الدعاء فقال له الرجل: ما أنا من القوم الذين يسأل منهم الدعاء، فقال له الربان: رأيتك البارحة وما جرى منك، فقال: يا أخي ليس الأمر كما ظننت ولكني لما وقعت في البحر وأخذتني الأمواج تيقنت بالهلاك وعلمت أن الاستغاثة بكم لا تفيد فقلت: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [سورة يس: الآية ٣٨] مستسلماً لقضاء الله، فما شعرت إلاّ وطائر قد قبض عليّ وأقامني من بين الأمواج وحملني على موج البحر إلى أن أدخلني المركب كما رأيت، فتعجبت من صنع الله وبقيت أتطلع إلى الطائر وأقول: يا ليت شعري من يكون هذا الطائر الذي جعله الله سبب نجاتي وحياتي؟ فمدّ الطائر منقاره من أعلى الصاري إلى أذني وقال لي: أنا كلمتك ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وبه سميت، فكان اسم ذلك الطائر ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فهذا ممّا أشرنا إليه من خلق الله الملائكة من الكلمات، وتلك الكلمات تكون أسماءهم وبها يتميزون وبها يدعون كانت ما كانت، ويختص بهذا المنزل علوم كثيرة وتجليات يطول الكلام فيها ويكفي هذا القدر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثامن والثمانون ومائتان في معرفة منزل التلاوة الأولى من الحضرة الموسوية [نظم: البسيط] من اسمُه الربُّ ربُّ الروح والصُّوَرِ كُنْ للإله كَبِسْم الله للبَشَرِ له فلا فَرْقَ بين العقل والحَجَرِ فالخَلْقُ والأمرُ والتَّكوينُ أجْمَعُه فلا يُميِّزُ بين العين والمَدَرِ كالزاهدِ المُتَعالي في غِنَاه به والعارفُ المتعالي في نزاهَتِهِ إذ الرُّجوعُ إلى التحقيق شِيْمَةٌ من له التميُّزُ بين العين والبَصَرِ يرى المنازلَ في الأعلام والسُّوَرِ أوّل ما أمر الله به عبده الجمع وهو الأدب وهو مشتق من المأدبة وهو الاجتماع على الطعام، كذلك الأدب عبارة عن جماع الخير كله، قال وَلّ: ((إِنَّ اللَّهَ أَذَّبَنِي)) أي جمع فيّ جميع الخيرات لأنه قال: ((فَحَسَّنَ أَدَبِي)) أي جعلني محلاً لكل حسن، فقيل للإنسان: اجمع الخيرات فإن الله جعل في الدنيا عبده عاملاً جابياً يجبي له سبحانه جميع ما رسم له، فهو في الدنيا يجمع ذلك فما خلقه الله إلاَّ للجمع، فإن جمع ما أمر بجمعه وجباه كان سعيداً ووهبه الحق جميع ما جباه وأنعم عليه فكانت أجرته عين ما جمعه مع الثناء الإلهيّ الحسن عليه بالأمانة والعدل وعدم الظلم والخيانة، وإن كان عبد سوء خان في أمانته فأعطاها غير أهلها وجمع ما لم يؤثر بجمعه ممّا نهى عنه أن يدخل فيه نفسه وترك جمع ما أمر بجمعه، فلما انقلب إلى سيده وحصل في ديوان المحاسبة وقعد أهل الديوان يحاسبونه ورأى شدّة الهول في ٤٠٤ في المنازل/ الباب الثامن والثمانون ومائتان في معرفة منزل التلاوة الأولى من الحضرة الموسوية حسابه وحساب غيره ورأى الأمناء الذين جبوا على حدّ ما رسم لهم قد سعدوا وأمنوا كثر عليه الغم والحزن، فمنهم من عفى عنه وخلى سبيله لشفاعة شافع، ومنهم من لم يكن له شفيع فعذب وعصر، فمن عرف ما خلق له وعمل عليه استراح راحة الأبد مع أنه في نفسه في زمان جبايته على حذر وخطر، وإن كان هذا فأحسن ما جمعه الإنسان في حياته العلم بالله والتخلّق بأسمائه والوقوف عند ما تقتضيه عبوديته، وأن يوفي ما تستحقه مرتبة سيده من امتثال أوامره، ومنزل هذا الأمر من الأسماء الإلهيّة الاسم الرب وقد نعت الله سبحانه هذا الاسم بالعظمة والكرم والعلوّ في مواضع من كتابه العزيز، وذكر ما جعل تحت حكمه بيده من الأمور وجعل الباء في هذا المنزل سلطاناً عظيماً حيث جعلها واسطة بين الله وعبده، فإن الله تعالى قال لعبده: ﴿سَِّجِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: الآية ١] فأمره بتنزيهه فقال له العبد مقالة حال بما نسبحه فقال: ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٧٤] أي لا تنزهه إلاَّ بأسمائه لا بشيء من أكوانه، وأسماؤه لا تعرف إلاّ منه عندنا، وإن كانت هذه المسألة مسألة خلاف بين علماء الرسوم، فإذا لم تعرف أسماؤه إلاَّ منه ولا ينزّه إلاَّ بها فكأن العبد ناب مناب الحق في الثناء عليه بما أثنى هو على نفسه لا بما أحدثه العبد من نظره، وأي شرف أعظم من شرف من ناب مناب الحق في الثناء عليه والمعرفة به فكان الحق استخلف عبده عليه في هذه الرتبة، فلو أن المثني على الله بأسمائه يعرف قدر هذه المنزلة التي أنزله الله فيها لفني عن وجوده فرحاً بما هو عليه، ثم لا يخلو العبد في هذا الثناء إما أن يثني على الله بأسماء التنزيه أو بأسماء الأفعال، فالمتقدم عندنا من جهة الكشف أن تبتدىء بأسماء التنزيه، وبالنظر العقلي بأسماء الأفعال فلا بدّ من مشاهدة المفعولات، فأوّل مفعول أشاهده الأقرب إليّ وهو نفسي فأثني عليه بأسماء فعله بي وفي، وكلما رمت أن أنتقل من نفسي إلى غيري اطلعت على حادث آخر أحدثه في نفسي بطلب يطلب مني الثناء عليه به فلا أزال كذلك أبد الآبد دنيا وآخرة ولا يكون إلاّ هكذا، فأنظر ما يبقى عليّ من منازل الثناء على الله من مشاهدة ما سواي من المخلوقين، وهذا المشهد يطلب لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ولهذا التتميم قال الصديق: العجز عن درك الإدراك إدراك. وبعد الفراغ مني ومن المخلوقين حينئذ أشرع في الثناء عليه بأسماء التنزيه والفراغ من نفسي محال، فالوصول إلى مشاهدة الأكوان بالفراغ من الأكوان محال، فالوصول إلى أسماء التنزيه محال، فإذا رأيت أحداً من العامة أو ممّن يدعي المعرفة بالله يثني على الله بأسماء التنزيه على طريق المشاهدة أو بأسماء الأفعال من حيث ما هي متعلقة بغيره، فاعلم أنه ما عرف نفسه ولا شاهدها ولا أحسّ بآثار الحق فيه، ومن عميَ عن نفسه التي هي أقرب إليه فهو على الحقيقة عن غيره أعمى وأضل سبيلاً. قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَى﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٢] يعني في الدنيا وسمّاها دنيا لأنها أقرب إلينا من الآخرة، قال تعالى: ﴿ إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ يريد القريبة ﴿وَهُم بِلْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ [سورة الأنفال: الآية ٤٢] يعني البعيدة ﴿فَهُوَ فِىِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٢] ثم لتعلم أنك من جملة أسمائه بل من في المنازل / الباب الثامن والثمانون ومائتان في معرفة منزل التلاوة الأولى من الحضرة الموسوية ٤٠٥ أكملها اسماً، حتى أن بعض الشيوخ وهو أبو يزيد البسطامي سأله بعض الناس عن اسم الله الأعظم فقال: أروني الأصغر حتى أريكم الأعظم، أسماء الله كلها عظيمة فاصدق وخذ أي اسم إلهيّ شئت. ولقيت الشيخ أبا أحمد بن سيد بون بمرسية وسأله إنسان عن اسم الله الأعظم فرماه بحصاة يشير إليه أنك اسم الله الأعظم وذلك أن الأسماء وضعت للدلالة فقد يمكن فيها الاشتراك وأنت أدل دليل على الله وأكبره فلك أن تسبحه بك. فإن قلت: وهكذا في جميع الأكوان. قلنا: نعم إلاَّ أنك أكمل دليل عليه وأعظمه من جميع الأكوان لكونه سبحانه خلقك على صورته وجمع لك بين يديه ولم يقل ذلك عن غيرك من الموجودات. فإن قلت: فقد وصف نفسه بالعظمة. قلنا: وقد وصفك بالعظمة وندبك إلى تعظيمة فقال: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٢] وأنت أعظم الشعائر فيتضمن قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٧٤] أن تنزهه بوجودك وبالنظر في ذاتك فتطلع على ما أخفاه فيك من قرة أعين فأنت اسمه العظيم، ومن كونك على صورته ثبتت العلاقة بينك وبينه فقال: ﴿ُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥٤] والمحبة علاقة بين المحب والمحبوب، ولم يجعلها إلاَّ في المؤمنين من عباده، ولا خفاء أن الشكل يألف شكله وهو الإنسان الكامل الذي لا يماثل في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] ولك حرف لأم ألف من الصورة فإنه يلتبس على الناظر أي الفخذين هو اللام وأيهما هو الألف للمشابهة في لا تداخل كل واحد منهما على صاحبه، ولهذا كان لام الألف من جملة الحروف وإن كان مركباً من ذاتين موجودتين في العلم غير مفترقتين في الشكل، ولهذا وقع الإشكال في أفعالنا هل هي لنا أو لله؟ فلا يتخلص في ذلك دليل يعول عليه، فالألف لها الأحدية في المرتبة والأول من العدد، واللام لها المرتبة الثالثة من أوّل مراتب العقد، والثلاثة هي أوّل الأفراد فقد ظهر التناسب بين الأحد والفرد من حيث الوترية، فهو أوّل في الأحدية والإنسان الكامل أوّل في الفردية فاعلم ذلك، ولهذا جاء في نشأة الإنسان أنه علقة من العلاقة والعلقية في ثالث مرتبة من أطوار خلقته فهي في الفردية المناسبة له من جهة اللام في مراتب العدد، قال تعالى : ﴿خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٢] وهذه أوّل مرتبة ﴿ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٣] هذي ثانية ﴿ذُرَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٤] وهي المرتبة الفردية ولها الجمع، والإنسان محل الجمع لصورة الحضرة الإلهية ولصورة العالم الكبير، ولهذا كان الإنسان وجوده بين الحق والعالم الكبير، وانفصل جميع المولدات ما سوى الإنسان عن وجود الإنسان بأن جميع المولدات ما عداه موجودون عن العالم فهو عن أم بغير أب كوجود عيسى ابن مريم صلوات الله عليه. وإنما نبهناك على هذا لئلا تقول إن جميع المولدات وجدوا بين الله والعالم، وما كان الأمر كذلك وإلا فلا فائدة لقوله: خلق آدم على صورته، ولو كانت الصورة ما يتوهمه بعض أصحابنا بل شيوخنا من كونه ذاتاً وسبع صفات فإن ذلك ليس بصحيح، فإن الحيوان معلوم أن ٤٠٦ في المنازل/ الباب الثامن والثمانون ومائتان في معرفة منزل التلاوة الأولى من الحضرة الموسوية له ذاتاً وأنه حي، عالم، مريد، قادر، متكلم، سميع، بصير، فكان يبطل اختصاص الإنسان بالصورة وإنما جاءت على جهة التشريف له، فلم يبق إلاَّ أن تكون الصورة غير ما ذكروه. فإن منعت العلم عن الحيوان كابرت الحسّ فإن الحيوان مفطور على العلم وأنه يوحى إليه كما قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ﴾ [سورة النحل: الآية ٦٨] فإن نازعت في الكلام قلنا لك: كلامه من جنس ما يليق بمزاجه. وأمّا المكاشف فلا يحتاج معه إلى هذا فإنه يرى ما نرى ويعلم ما نعلم. فإن قلت: فكلامنا هو الحقيقة. قلنا: فالكلام الذي تثبته لنفسك إن أردت به الأصوات والحروف المركبة فكلام الله عندك على خلاف هذا ليس بصوت ولا حرف إن كنت أشعرياً، وإن كنت معتزلياً فالكلام لمن خلقه، وإن كان الكلام عندك عبارة عن كلام النفس فذلك موجود في الحيوان، فصوت السنور إذا طلب ما يأكل خلاف صوته إذا طلب ما ينكح فقد أعرب بصوته عمّا حدثته به نفسه. فإن قلت: إن ذلك الذي في النفس إرادة وليس بكلام. قلنا: وكذلك الإنسان الذي في نفسه إرادة وليس بكلام. فإن قلت: ما استدل به أبو إسحاق الإسفرايني الأستاذ من حديث النفس بما مضى وما مضى لا يكون مراداً إذن فليست إرادة أعني ذلك الذي في النفس. قلنا: ذلك هو العلم بما قد مضى والتبس عليك ولا دليل لهم على كلام النفس أوضح من هذا وهو مدخول كما رأيت، فخرج من هذا أن قوله بَّر على صورته لا يريد ما ذكره أصحابنا من الذات والصفات وكل الجماعة على ذلك فابحث على هذا الكنز حتى يفتح الله عليك به كما فتح به على من شاء من خلقه في قوله: ﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ [سورة غافر: الآية ١٥]. وممّا يختص به هذا المنزل من العلوم أيضاً أن الله لما خلق العقل الأوّل أعطاه من العلم ما حصل له به الشرف على من هو دونه، ومع هذا ما قال فيه أنه مخلوق على الصورة مع أنه مفعول إبداعي كما هي النفس مفعول انبعاثي، فلما خلق الله الإنسان الكامل أعطاه مرتبة العقل الأوّل وعلمه ما لم يعلمه العقل من الحقيقة الصورية التي هي الوجه الخاص له من جانب الحق، وبهذا زاد على جميع المخلوقات، وبها كان المقصود من العالم، فلم تظهر صورة موجود إلاَّ بالإنسان والعقل الأوّل على عظمه جزء من الصورة، وكل موجود ممّا عدا الإنسان إنما هو في البعضية، ولهذا ما طغى أحد من الخلائق ما طغى الإنسان وعلا في وجوده فادّعى الربوبية، وأكبر العصاة إبليس وهو الذي يقول: ﴿ إِّ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٤٨] عندما يكفر الإنسان إذا وسوس في صدره بالكفر وما ادّعى قط الربوبية، وإنما تكبر على آدم لا على الله، فلولا كمال الصورة في الإنسان ما ادّعى الربوبية، فطوبى لمن كان على صورة تقتضي له هذه المنزلة من العلوّ ولم تؤثر فيه ولا أخرجته من عبوديته، فتلك العصمة التي حبانا الله بالحظ الوافر منها في وقتنا هذا، فالله يبقيها علينا فيما بقي من عمرنا إلى أن نقبض عليها أنا وجميع إخواننا ومحبينا بمنه لا رب غيره. ومن هذا المنزل تعرف عقوبة من لم يعرف قدره وجاز حدّه واحتجب بالصورة عمّا أراد الحق منه في خلقه بما أخبر به في شريعته فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ أَلْجِنَّ وَاَلْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] ثم لتعلم أن علم في المنازل / الباب الثامن والثمانون ومائتان في معرفة منزل التلاوة الأولى من الحضرة الموسوية ٤٠٧ القربة في هذا المنزل من وقف عليه وشاهده كان على بينة من ربه فيما يتقرب إليه به وهو ما نبهناك عليه . وممّا يتضمنه هذا المنزل خاصة علم الجمع بين التقدير والإيجاد، ولا تجد ذلك في منزل من المنازل مفصلاً لا واسطة بينهما، إذ كان التقدير يتقدّم الإيجاد في نفس الأمر في عالم الزمان ولهذا قيل: وبعض الناس يخلق ثم لا يفري. فاعلم أنه لم يكن في الأزل شيء يقدّر به ما يكون في الأبد إلاَّ الهو، فأراد الهو أن يرى نفسه رؤية كمالية تكون لها ويزول في حقه حكم الهو، فنظر في الأعيان الثابتة فلم ير عيناً يعطي النظر إليها هذه الرتبة الإنانة إلاَّ عين الإنسان الكامل فقدرها عليه وقابلها به فوافقت إلاَّ حقيقة واحدة نقصت عنه وهي وجودها لنفسها فأوجدها لنفسها فتطابقت الصورتان من جميع الوجوه، وقد كان قدر تلك العين على كل ما أوجده قبل وجود الإنسان من عقل ونفس وهباء وجسم وفلك وعنصر ومولد، فلم يعط شيء منها رتبة كمالية إلاَّ الوجود الإنساني، وسمّاه إنساناً لأنه أنس الرتبة الكمالية فوقع بما رآه الإنس له فسمّاه إنساناً مثل عمران فالألف والنون فيه زائدتان في اللسان العربي. فإن قلت: فلماذا ينصرف وعمران لا ينصرف؟ قلنا: في عمران علتان وهما اللتان منعتاه من الصرف وهما الزيادة والتعريف أعني تعريف العلمية، والإنسان ليس كذلك فإن فيه علة واحدة وهي الزيادة، وما لفظ الإنسان للإنسان اسم علم وإنما تعريفه إذا سمّي بآدم فلما سمّي بآدم لم ينصرف للتعريف والوزن وإنما سمّي باسم معلول بعلة تمنعه من الصرف الذي هو التصرّف في جميع المراتب ليعلم في صورته الإلهية أنه مقهور ممنوع عبد ذليل مفتقر، إذ كانت الصورة الإلهية تعطيه التصرّف في جميع المراتب ولهذا سمّي بإنسان فرفع وخفض ونصب، وما ثم في الأسماء مرتبة أخرى فهو إنسان من حيث الصورة، ومنها يتصرّف في المراتب كلها ومنع الصرف من حيث هو في قبضة موجده ملك يبقيه ما شاء ويعدمه إن شاء، فبالصورة نال الخلافة والتصريف واسم الإنسانية، فمن إنسانيته ثبت أنه غير يؤنس به، ومن الخلافة ثبت أنه عبد فقير ما له قوّة من استخلفه، بل الخلافة خلعت عليه يزيلها متى شاء ويجعلها على غيره كما قد وقع، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَيْفَ فِ الْأَرْضِّ﴾ [سورة فاطر: الآية ٣٩] وهي محل الخفض إذ الخفض لا يليق بالجناب العالي، فلهذا أقام له نائباً فيه ليعلم أنه عبد. فلو استخلف الإنسان في السماء مع وجوده على الصورة لم يشاهد عبوديته في رفعته للصورة والمكان والمكانة فربما طغى ولو طغى ما وقع الأنس به، ولهذا من زاحم قصم. قال الله: ((الكِبْرِيَاءُ رِدَائي وَالعَظَمَةُ إِزَاري مَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَصَمْتُهُ)) فالعبد صغير في كبرياء الحق فإن هذا الكبرياء الإلهيّ ألبسه الصغار وهو حقير في عظمة الحق فإن هذه العظمة الإلهية ألبسته الحقارة، فالصغار رداء العبد والحقارة إزاره، فمن نازعه من الأناسي واحدة منهما أي طلب مشاركته فيهما عصم لا قصم ورحم ما حرم ولهذا خلق. فتأمل أيها الإنسان لم سماك إنساناً؟ وتأمل لم سماك خليفة؟ وتأمل لم سمّاك آدم في أوّل صورة ظهرت؟ ولا تتعد ما تعطيه حقيقة هذه الأسماء ولا تغب عنك فتكون من المفلحين، ولهذا ختم الاستخلاف الكامل باسم ٤٠٨ في المنازل/ الباب الثامن والثمانون ومائتان في معرفة منزل التلاوة الأولى من الحضرة الموسوية منصرف وهو محمد ◌ّله ليجبر به ما منع آدم من التصريف، فإنه ما منع إلاَّ لعلة قامت به وهو أوّل في هذا النوع، فعصم باسم غير منصرف ليعلم أنه تحت الحجر مقهور لا ينصرف ولا يتصرف إلاَّ فيما حدّ له، ثم بعد ذلك أعطى التصريف جماعة من الخلفاء كنوح، وشيث، وشعیب، وصالح، ومحمد، وهود، ولوط، وغيرهم، لأنه أمن بالأوّل وقوع ما كان يحذر، ثم إنه تخلل هؤلاء الخلفاء أسماء لا تنصرف كإدريس، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وسليمان، وداود، تنبيهاً للإنسان إذا سلك طريق الله ثم عاد بعد قطع الأسباب والاعتماد على الله إلى القول بالأسباب والوقوف عندها لكون الحق وضعها وربط الأمور بها، وحاله الاعتماد على الله والطبع من عادته الألفة ويسرق صاحبه إلى الركون لمألوفه كما قلنا لأنه إنسان يأنس بمألوفه، فربما يتخلله اعتماد على السبب فيضعف اعتماده على الله تعالى فيتفقد نفسه بقطع الأسباب وقتاً بعد وقت، كما فعل الله بأسماء الخلائف وقتاً دعاهم باسم يقتضي لهم التصريف، ووقتاً دعاهم باسم يمنعهم التصريف تعليماً لهم لئلا يقعوا في محظور محذور، قال تعالى: ﴿عَّمَ اُلْإِنْسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [سورة العلق: الآية ٥] فلهذا كانت هذه الأسماء التي تمنع الصرف في بعض الخلفاء. وأما الذين أعطوا التصريف فهم على قسمين: منهم من أعطي التصريف ظاهراً ومعنى وهو التصريف الكامل فلهم الاسم الكامل مثل محمد، وصالح، وشعيب، وكل اسم منصرف ظاهر لواحد من هؤلاء الخلفاء، والقسم الآخر أعطي التصريف معنى لا ظاهراً فليست له علة تمنعه من الصرف في المعنى وكان آخره حرف علة منعه ذلك الحرف من التصرف في الظاهر فكان مقصوراً، وسمّي ذلك الاسم مقصوراً كموسى، وعيسى، ويحيى، فقصروا على المعنى دون الظاهر وسميت هذه بالمقصورة أي قصرت عن درجة التصرّف في الظاهر وحبست عنه ومنه ﴿حُرٌ مَقْصُورَتُ فِى الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] وإنما قصر من قصر منهم صيانة لا سجناً فصانوا مثل هؤلاء كما صين من لم ينصرف من الأسماء عناية، ثم إن الله تعالى لما أراد أن لا يحجبهم عنهم طبا في حقهم لما يعلم ما تقتضيه هذه النشأة من العلل إذ كان الكمال لا يطاق حكمه إلاّ بالعناية الإلهيّة، فكان من العناية الإلهية بهم أن أجرى عليهم الأسماء النواقص ليعلموا أنهم في مرتبة النقص وهو كمالهم عن الكمال الإلهيّ فقال: ﴿ وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِمْ﴾ [سورة الزمر: الآية ٣٣] يعني محمداً بَّرَ فكنى عنه بالذي جاء بالصدق والذي من الأسماء النواقص. ولما علم أن العبد المقرب يتألم بظهور نقصه ويخاف من إلحاقه بالعدم ورجوعه إلى أصله آنسه سبحانه من باب اللطف والكرم فسمى سبحانه نفسه بالأسماء النواقص فقال: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ [سورة غافر: الآية ٦٧] وقال: ﴿وَاللَّهُ أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سورة النحل: الآية ٦٥] وليس في القرآن الله تعالى أكثر من الأسماء النواقص فكان ذلك تأميناً للخلفاء فإنهم قاطعون بأن الحق ليس له مرتبة النقص ولا يقبلها، ومع ذلك قد جرت عليه الأسماء النواقص، فلو أثرت الأسماء لذاتها في المسمّى لأثرت في الله وهي غير مؤثرة فيه إذاً فنرجو أنها لا تؤثر فينا تأثير العدم، ولكن كمالنا في أن تؤثر فينا تأثير وقوفنا مع عجزنا وفقرنا، وهذا ٤٠٩ في المنازل / الباب التاسع والثمانون ومائتان في معرفة منزل العلم الأميّ الذي ما تقدمه علم الباب الذي فتحناه علينا في هذا المنزل باب واسع لا يتسع الوقت لإيراد بعض ما يعطيه فليكف هذا القدر منه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى السفر التاسع عشر من الفتوح المكي والحمد لله رب العالمين. الباب التاسع والثمانون ومائتان في معرفة منزل العلم الأميّ الذي ما تقدمه علم من الحضرة الموسوية [نظم: البسيط] العلمُ بالله تَزْيينٌ وتَخْلِيَةٌ والعلمُ بالفكر إجمالٌ ومَغْلَطَةٌ والعلمُ بالفكر تَشْبيهٌ وَتَضْليلُ والعلمُ بالله تحقيقٌ وتَفْصيلُ والعلمُ بالله تَخويلٌ وَتَبْدِيلُ والعلمُ بالفكر أعلامٌ مجَرَّدةٌ فلا تَغُرَّنك أقوالٌ مزخْرَفَةٌ فالفيلسوفُ يرى نَفْيَ الإلهِ بما والأشعريُّ يَرى عيناً مُكَثَّرةً فإن مَذْلولَها جَهْلٌ وَتَعْليلُ تُعطيه عِلَّتُه وذاك تَعطيلُ وذاك علمٌ ولكنْ فيه تَمْثِيلُ الأمية عندنا لا تنافي حفظ القرآن ولا حفظ الأخبار النبوية، ولكن الأمية عندنا من لم يتصرف بنظره الفكري وحكمه العقلي في استخراج ما تحوي عليه من المعاني والأسرار، وما تعطيه من الأدلة العقلية في العلم بالإلهيات، وما تعطيه للمجتهدين من الأدلة الفقهية والقياسات والتعليلات في الأحكام الشرعية، فإذا سلم القلب من علم النظر الفكري شرعاً وعقلاً كان أمياً وكان قابلاً للفتح الإلهيّ على أكمل ما يكون بسرعة دون بطء، ويرزق من العلم اللدني في كل شيء ما لا يعرف قدر ذلك إلاَّ نبي أو من ذاقه من الأولياء، وبه تكمل درجة الإيمان ونشأته، ويقف بهذا العلم على إصابة الأفكار وغلطاتها، وبأي نسبة ينسب إليها الصحة والسقم وكل ذلك من الله، ويعلم مع حكمه بالباطل أنه لا باطل في الوجود، إذ كان كل ما دخل في الوجود من عين وحكم لله تعالى لا لغيرِه، فلا عبث ولا باطل في عين ولا حكم، إذ لا فعل إلاّ الله، ولا فاعل إلاَّ الله، ولا حكم إلاَّ لله، ولا حاكم إلاَّ الله، فمن تقدّمه العلم بما ذكرناه فبعيد أن يحصل له من العلم اللدني الإلهيّ ما يحصل للأميّ منا الذي ما تقدّمه ما ذكرناه، فإن الموازين العقلية وظواهر الموازين الاجتهادية في الفقهاء ترد كثيراً ممّا ذكرناه، إذ كان الأمر جلّه ومعظمه فوق طور العقل وميزانه لا يعمل هنالك وفوق ميزان المجتهدين من الفقهاء لا فوق الفقه فإن ذلك عين الفقه الصحيح والعلم الصريح. وفي قصة موسى والخضر دليل قوي على ما ذكرناه، فكيف حال الفقيه؟ وأين الأينية وما شاكلها التي نسبها الشارع والكشف إلى الإله من الموازين النظرية والبراهين العقلية على زعم العقل وحكم المجتهد، فالرحمة التي يعطيها الله عبده أن يحول بينه وبين العلم النظري والحكم الاجتهادي من جهة نفسه حتى يكون الله يحابيه بذلك في الفتح الإلهيّ والعلم الذي يعطيه من لدنه قال تعالى في حق عبده خضر: ﴿عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا﴾ فأضافه إلى نون الجمع ٤١٠ في المنازل/ الباب التاسع والثمانون ومائتان في معرفة منزل العلم الأميّ الذي ما تقدمه علم ﴿وَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا﴾ بنون الجمع ﴿وَعَلَّمْنَهُ﴾ بنون الجمع ﴿مِن لَّدُنَّا﴾ بنون الجمع ﴿عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] أي جمع له في هذا الفتح العلم الظاهر والباطن، وعلم السرّ والعلانية، وعلم الحكم والحكمة، وعلم العقل والوضع، وعلم الأدلة والشبه، ومن أعطي العلم العامّ وأمر بالتصرّف فيه كالأنبياء ومن شاء الله من الأولياء أنكر عليه، ولم ينكر هذا الشخص على أحد ما يأتي به من العلوم وإن حكم بخلافه ولكن يعرف موطنه وأين يحكم به فيعطي البصر حقّه في حكمه وسائر الحواس، ويعطي العقل حكمه وسائر القوى المعنوية، ويعطي النسب الإلهيّة والفتح الإلهيّ حكمهم، فبهذا يزيد العالم الإلهيّ على غيره وهو البصيرة التي نزل القرآن بها في قوله تعالى: ﴿أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أُثَبَعَنِى﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٨] وهو تتميم قوله تعالى: ﴿بَعَثَ فِى الْأُمَّيِّئِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [سورة الجمعة: الآية ٢] فهو النبي الأميّ الذي يدعو على بصيرة مع أميته، والأميون هم الذين يدعون معه إلى الله على بصيرة فهم التابعون له في الحكم إذ كان رأس الجماعة، والمجتهد وصاحب الفكر لا يكون أبداً على بصيرة فيما يحكم به. فأما المجتهد فقد يحكم اليوم في نازلة شرعية بحكم فإذا كان في غد لاح له أمر آخر أبان له خطأ ما حكم به بالأمس في النازلة فرجع عنه وحكم اليوم بما ظهر له ويمضي الشارع حكمه في الأوّل والآخر، ويحرم عليه الخروج عمّا أعطاه الدليل في اجتهاده في ذلك الوقت، فلو كان على بصيرة لما حكم بالخطأ في النظر الأوّل بخلاف حكم النبي فإن ذلك صحيح أعني الحكم الأوّل، ثم رفع الله ذلك الحكم بنقيضه وسمى ذلك نسخاً، وأين النسخ من الخطأ؟ فالنسخ يكون مع البصيرة، والخطأ لا يكون مع البصيرة، وكذلك صاحب العقل وهو واقع من جماعة من العقلاء إذا نظروا واستوفوا في نظرهم الدليل وعثروا على وجه الدليل أعطاهم ذلك العلم بالمدلول ثم تراهم في زمان آخر، ويقوم لهم خصم من طائفة أخرى كمعتزلي وأشعري أو برهمي أو فيلسوف بأمر آخر يناقض دليله الذي كان يقطع به ويقدح فيه فينظر فيه فيرى أن ذلك الأوّل كان خطأ، وأنه ما استوفى أركان دليله وأنه أخلّ بالميزان في ذلك ولم يشعر، وأين هذا من البصيرة؟ ولماذا لا يقع له هذا في ضرورات العقل؟ فالبصيرة في الحكم لأهل هذا الشأن مثل الضروريات للعقول، فمثل هذا العلم ينبغي للإنسان أن يفرح به . حكي عن أبي حامد الغزالي المترجم عن أهل هذه الطريقة بعض ما كانوا يتحققون به قال: لما أردت أن أنخرط في سلكهم وآخذ مآخذهم وأغرف من البحر الذي اغترفوا منه خلوت بنفسي واعتزلت عن نظري وفكري وشغلت نفسي بالذكر فانقدح لي من العلم ما لم يكن عندي ففرحت بذلك وقلت: إنه قد حصل لي ما حصل للقوم، فتأملت فيه فإذا فيه قوّة فقهية ممّا كنت عليه قبل ذلك فعلمت أنه بَعْدُ ما خلص لي فعدت إلى خلوتي واستعملت ما استعمله القوم فوجدت مثل الذي وجدت أولاً وأوضح وأسنى فسررت، فتأملت فإذا فيه قوّة فقهية ممّا كنت عليه وما خلص لي عاودت ذلك مراراً والحال الحال، فتميزت عن سائر النظار ٤١١ في المنازل/ الباب التاسع والثمانون ومائتان في معرفة منزل العلم الأميّ الذي ما تقدمه علم أصحاب الأفكار بهذا القدر ولم ألحق بدرجة القوم في ذلك وعلمت أن الكتابة على المحو ليست كالكتابة على غير المحو، ألا ترى الأشجار منها ما يتقدم ثمره زهره وهو كمرتبة علماء النظر إذا دخلوا طريق الله كالفقيه والمتكلم، ومنه ما لا يتقدم ثمره زهره وهو الأميّ الذي لم يتقدم علمه اللدني علم ظاهر فكري فيأتيه ذلك بأسهل الوجوه، وسبب ذلك أنه لما كان لا فاعل إلاَّ الله وجاء هذا الفقيه والمتكلم إلى الحضرة الإلهية بميزانهما ليزِنوا على الله وما عرفوا أن الله تعالى ما أعطاهم تلك الموازين إلاَّ ليزِنوا بها لله لا على الله فحرموا الأدب، ومن حرم الأدب عوقب بالجهل بالعلم اللدني الفتحي فلم يكن على بصيرة من أمره، فإن كان وافر العقل علم من أين أصيب، فمنهم من دخل وترك ميزانه على الباب حتى إذا خرج أخذه ليزن به لله، وهذا أحسن حالاً ممّن دخل به على الله ولكن قلبه متعلق بما تركه إذ كان في نفسه الرجوع إليه فحرم من الحق المطلوب بقدر ما تعلق به خاطره فيما تركه للالتفات الذي له إليه، وأحسن من هذا حالاً من كسر ميزانه، فإن كان خشباً أحرقه وإن كان ممّا يذوب أذابه أو برده حتى يزول كونه ميزاناً، وإن بقي عين جوهره فلا يبالي، وهذا عزيز جدّاً ما سمعنا أن أحداً فعله، فإن فرضنا وليس بمحال أن الله قوّى بعض عباده حتى فعل مثل هذا كما ذكر أبو حامد الغزالي عن نفسه أنه بقي أربعين يوماً حائراً وهذا خطر ليس حال الأميّ على هذا فإن الأميّ يدخل إلى الله مؤمناً، وهذه الحال التي ذكرها أبو حامد ليست حال القوم وإنما هي حالة من لم يكن على شريعة فأراد أن يعرف ما ثم فسأل فدل على طريق القوم فدخل ليعرف الحق بتعريف الله، فهذا أيضاً طاهر المحل، وأبو حامد كان محله مشغولاً بالحيرة فلم يقوّ قوّة هذا في قبول ما يرد به الفتح الإلهيّ، فإذا اتفق على التقدير أن يفتح على مثل هذا الشخص الذي هو بهذه المثابة أبصر فيما يفتح له به تلك الموازين التي أذهبها فيعجب من ذلك، فلما خرج خرج بها فوزن بها لله لا عليه كما فعلته الأنبياء عليهم السلام، فهو لا يردّ شيئاً ولا يضع شيئاً في غير ميزانه، وارتفع الغلط والشك وعرف معنى قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَّمِ اَلْقِيَامَةِ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٤٧] فجعلها موازين كثيرة ليزن بكل ميزان ما وضع له. ولما وزن المتكلم بميزان عقله ما هو خارج عن العقل لكونه وراء طوره وهو النسب الإلهيّة لم يقبله ميزانه ورمى به وكفر به وتخيل أنه ما ثم حق إلاَّ ما دخل في ميزانه، والمجتهد الفقيه وزن حكم الشرع بميزان نظره كالشافعيّ المذهب مثلاً أراد أن يزن بميزانه تحليل النبيذ الذي قبله ميزان أبي حنيفة فرمى به ميزان الشافعيّ فحرمه وقال: أخطأ أبو حنيفة، ولم يكن ينبغي للشافعيّ المذهب مثلاً أن يقول مثل هذا دون تقييد، وقد علم أن الشرع قد تعبد كل مجتهد بما أدّاه إليه اجتهاده وحرّم عليه العدول عن دليله فما وفى الصنعة حقها، وأخطأ الميزان العام الذي يشمل حكم الشريعة على الإطلاق وهو الذي استند إليه علماء الشريعة بلا خلاف في أصول الأدلة وفي فروع الأحكام، فأما في الأصول فالمثبتون القياس دليلاً أدّاهم إلى ذلك اجتهادهم المشروع لهم، وقد علم المخالف لهم من الظاهرية أن كل مجتهد متعبد بما أعطاه اجتهاده ولكن يقول فيهم إنهم أخطأوا في إثباتهم القياس دليلاً، وليس للظاهرية ٤١٢ في المنازل/ الباب التاسع والثمانون ومائتان في معرفة منزل العلم الأميّ الذي ما تقدمه علم تخطئة ما قرره الشرع حكماً فيثبت القياس دليلاً شرعاً ويثبت نفي القياس أن يكون دليلاً شرعاً . وأما في الفروع فكعلي رضي الله عنه الذي يرى نكاح الربيبة إذا لم تكن في الحجر وإن دخل بأمها لعدم وجود الشرطين معاً وأنه بوجودهما تحرم الربيبة يعني بالمجموع والمخالف لا يرى ذلك، فالميزان العام يمضي حكم كل واحد منهما، ولكن العامل بالميزان العام قليل لعدم الإنصاف، فقد بيّنا في هذا الفصل سبب الحرمان الذي حكم على الفقهاء العقلاء النظار فلم يلجوا باب هذا العلم الشريف الإحاطي الذي يسلم لكل طائفة ما هي عليه، سواء قادهم ذلك إلى السعادة أو إلى الشقاء، ولا يسلم له أحد طريقه سوى من ذاق ما ذاقوه وآمن به كما قال أبو يزيد: إذا رأيتم من يؤمن بكلام أهل هذه الطريقة ويسلم لهم ما يتحققون به فقولوا له يدعو لكم فإنه مجاب الدعوة، وكيف لا يكون مجاب الدعوة والمسلم في بحبوحة الحضرة ولكن لا يعرف أنه فيها لجهله بها، فالله يجعلنا ممّن جعل له نوراً من النور الذي يهدي به من يشاء من عباده، حتى يهدي به إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض من الموازين والصراطات، ألا إلى الله تصير الأمور وترجع، قال تعالى في معرض الامتنان منه على رسوله وَله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ وهو قوله يلقي الروح من أمره ﴿مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] وهو عروّ المحل عن كل ما يشغله عن قبول ما أوحى به إليه ﴿وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا﴾ يعني هذا المنزل ﴿نَّهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِناً﴾ فجاء بمن وهي نكرة في الدلالة مختصة عنده ببعض عباده من نبي أو وليّ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ﴾ بذلك النور الذي هديتك به، فإن كان هذا العبد نبياً فهو شرع، وإن كان ولياً فهو تأييد الشرع النبي وحكمه أمر مشروع مجهول عند بعض المؤمنين به ﴿إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] في حق النبيّ طريق السعادة والعلم، وفي حق الوليّ طريق العلم لما جهل من الأمر المشروع فيما يتضمنه من الحكمة، قال تعالى: ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ اُلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ لا يقال فيه قليل، ثم قال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلََّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٩] واللب نور في العقل كالدهن في اللوز والزيتون، والتذكّر لا يكون إلاَّ عن علم منسي. فتنبّه لما حرّرناه في هذه الآيات تسعد إن شاء الله تعالى. وبعد أن أبنت لك عن مرتبة هذا العلم من هذا المنزل فلنبين أصل هذا العلم وماذّة بقائه وحجاب مادّته وبماذا يوصل إلى ذلك بتأييد الله وتوفيقه فاعلم أن أصل هذا العلم الإلهيّ هو المقام الذي ينتهي إليه العارفون وهو أن لا مقام كما وقعت به الإشارة بقوله تعالى: ﴿بَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا هُقَامَ لَكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ١٣] وهذا المقام لا يتقيد بصفة أصلاً، وقد نبّه عليه أبو يزيد البسطامي رحمه الله لما قيل له: كيف أصبحت؟ فقال: لا صباح لي ولا مساء، إنما الصباح والمساء لمن تقيد بالصفة وأنا لا صفة لي، فالصباح للشروق والمساء للغروب، والشروق للظهور، وعالم الملك والشهادة والغروب للستر وعالم الغيب والملكوت، فالعارف في هذا المقام كالزيتونة المباركة التي لا هي شرقية ولا غربية، فلا يحكم على هذا المقام ٤١٣ في المنازل/ الباب التاسع والثمانون ومائتان في معرفة منزل العلم الأميّ الذي ما تقدمه علم وصف ولا يتقيد به وهو حظه من: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠] فالمقام الذي بهذه المثابة هو أصل هذا العلم، وبين هذا الأصل وهذا العلم مراتب، فالأصل هو الثبات على التنزيه عن قبول الوصف والميل إلى حال دون حال، ثم ينتج هذا الثبات صورة يتصف بها العارف لها ظاهر ولها باطن، فالباطن منها لا يصل إليه إلاّ بعد المجاهدة البدنية والرياضة النفسية، فإذا وصل إلى سرّ هذا الباطن وهو علم خاص هو لهذا العلم المطلوب كالدهن للسراج والعلم كالسراج، فلا يظهر لهذا العلم ثمرة إلاَّ في العلماء به، كما لا يظهر للدهن حكم إلاّ في السراج القائم بالفتيلة، وهنا يقع له اكتساب الأوصاف التي نزهنا الأصل عنها في ذلك المقام، وفي هذا المقام نصفه بها من أجلنا لا من أجله، فهذا الوصف للآثار لا له كان الله ولا شيء معه. وسيأتي الكلام على هذا الأصل في الباب الخمسين وثلاثمائة من هذا الكتاب. وممّا يتضمنه هذا المنزل علم خلق الأجسام الطبيعية وأن أصلها من النور، ولذلك إذا عرف الإنسان كيف يصفي جميع الأجسام الكثيفة الظلمانية أبرزها شفافة للنورية التي هي أصلها مثل الزجاج إذا خلص من كدروة رمله يعود شفافاً، وجلي الأحجار من هذا الباب ومعادن البلور والمهى، وإنما كان ذلك لأن أصل الموجودات كلها الله من اسمه ﴿ نُورُ السَّمَوَتِ﴾ وهي ما علا ﴿ وَالْأَرْضِّ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] وهي ما سفل، فتأمل في إضافته النور إلى السموات والأرض، ولولا النورية التي في الأجسام الكثيفة ما صحّ للمكاشف أن يكشف ما خلف الجدران وما تحت الأرض وما فوق السموات، ولولا اللطافة التي هي أصلها ما صحّ اختراق بعض الأولياء الجدران ولا كان قيام الميت في قبره والتراب عليه أو التابوت مسمراً عليه مجعولاً عليه التراب لا يمنعه شيء من ذلك عن قعوده، وإن كان الله قد أخذ بأبصارنا عنه ويكشفه المكاشف منا، وقد ورد في ذلك أخبار كثيرة وحكايات عن الصالحين، ولهذا ما ترى جسماً قط خلقه الله وبقي على أصل خلقته مستقيماً قط ما يكون أبداً إلاّ مائلاً للاستدارة لا من جماد ولا من نبات ولا من حيوان ولا سماء ولا أرض ولا جبل ولا ورق ولا حجر، وسبب ذلك ميله إلى أصله وهو النور، فأوّل موجود العقل وهو القلم وهو نور إلهيّ إبداعي وأوجد عنه النفس وهو اللوح المحفوظ، وهي دون العقل في النورية للواسطة التي بينها وبين الله، وما زالت الأشياء تكثف حتى انتهت إلى الأركان والمولدات، وبما كان لكل موجود وجه خاص إلى موجده به كان سريان النور فيه وبما كان له وجه إلى سببه به كان فيه من الظلمة والكثافة ما فيه فتأمل إن كنت عاقلاً، فلهذا كان الأمر كلما نزل أظلم وأكثف، فأين منزلة العقل من منزلة الأرض كم بينهما من الوسائط؟ ثم لتعلم أن جسم الإنسان آخر مولد فهو آخر الأولاد مركب من حما مسنون صلصال وهو كما رأيت مائل إلى الاستدارة، وإن كانت له الحركة المستقيمة دون البهائم والنبات، وفيه من الأنوار المعنوية والحسيّة والزجاجية ما فيه ممّا لا تجده في غيره من المولدات بما أعطاه الله من القوى الروحانية فما قبلها إلاَّ بالنورية التي فيه، فهي المناسبة لقبول هذه ٤١٤ في المنازل/ الباب التاسع والثمانون ومائتان في معرفة منزل العلم الأميّ الذي ما تقدمه علم الإدراكات، ولهذا قال تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَِّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٧] فاعلم أن النور مبطون في الظلمة فلولا النور ما كانت الظلمة، ولم يقل نسلخ منه النور إذ لو أخذ منه النور لانعدم وجود الظلام إن كان أخذ عدم، وإن كان أخذ انتقال تبعه حيث ينتقل إذ هو عين ذاته، النهار من بعض الأنوار المتولدة عن شروق الشمس، فلولا أن للظلمة نوراً ذاتياً لها ما صحّ أن تكون ظرفاً للنهار، ولا صحّ أن تدرك وهي مدركة، ولا يدرك الشيء إن لم يكن فيه نور يدرك به من ذاته وهو عين وجوده واستعداده بقبول إدراك الأبصار بما فيها من الأنوار له واختصّ الإدراك بالعين عادة، وإنما الإدراك في نفسه إنما هو لكل شيء، فكل شيء يدرك بنفسه وبكل شيء. ألا ترى الرسول 8* كيف كان يدرك من خلف ظهره كما كان يدرك من أمامه ولم يحجبه كثافة عظم الرأس وعروقه وعظامه وعصبه ومخه، غير أن الله أعطى الظلمة والكثافة الأمانة، فهي تستر ما تحوي عليه ولهذا لا تظهر ما فيها، فإذا ظهر فيكون خرق عادة لقوّة إلهيّة أعطاها الله بعض الأشخاص، وإذا أمر من أودع الأمانة من أودعها أن يظهرها لمن شاءه المودع وهو الحق تعالى فله أن يؤديها إليه، فلا أمين مثل الأجسام المظلمة على ما تنطوي عليه من الأنوار، وقد نبّه الله على أمانتهم بذكر بعضهم في قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [سورة التين: الآية ٣] فسمّاه أميناً وهو أرض ذو جدران وأسوار وتراب وطين ولبن، فوصفه بالأمانة وأقسم به كما أقسم بغيره تعظيماً لمخلوقات الله وتعليماً لنا أن نعظم خالقها ونعظمها بتعظيم الله إياها لا من جهة القسم بها، فإنه لا يجوز لنا أن نقسم بها، ومن أقسم بغير الله كان مخالفاً أمر الله، وهي مسألة فيها خلاف بين علماء الرسوم مشهور أعني القسم بغير الله، فكلما اعوجت الأجسام كانت أقرب إلى الأصل الذي هو الاستدارة، فإن أوّل شكل قبل الجسم الأوّل الاستدارة فكان فلكاً، ولما كان ما تحته عنه كان مثله وما بعد عنه كان قريباً منه، ولو لم تكن الطبيعة نوراً في أصلها لما وجدت بين النفس الكلية وبين الهيولى الكل، والهيولى الذي هو الهباء أوّل ما ظهر الظلام بوجودها فهو جوهر مظلم فيه ظهرت الأجسام الشفافة وغيرها، فكل ظلام في العالم من جوهر الهباء الذي هو الهيولى، وبما هي في أصلها من النور وقبلت جميع الصور النورية للمناسبة فانتفت ظلمتها بنور صورها فإن الصورة أظهرتها، فنسبت إلى الطبع الظلمة في اصطلاح العقلاء، وعندنا ليست الظلمة عبارة عن شيء سوى الغيب، إذ الغيب لا يدرك بالحسّ ولا يدرك به، والظلمة تدرك ولا يدرك بها، فلولا أن الظلمة نور ما صحّ أن ندرك، ولو كانت غيباً ما صحّ أن تشهد، فالغيب لا يعلمه إلاَّ هو، وهذه كلها مفاتيح الغيب، ولكن لا يعلم كونها مفاتح إلاَّ الله، يقول تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٩] وإن كانت موجودة بيننا لكن لا نعلم أنها مفاتح للغيب، وإذا علمنا بالأخبار أنها مفاتح لا نعلم الغيب حتى نفتحه بها، فهذا بمنزلة من وجد مفتاح بيت، ولا يعرف البيت الذي يفتحه به عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً . ثم لتعلم بعدما عرّفتك بسريان النور في الأشياء أن الخلق بين شقي وسعيد، فبسريان ٤١٥ في المنازل/ الباب التاسع والثمانون ومائتان في معرفة منزل العلم الأميّ الذي ما تقدمه علم النور في جميع الموجودات كثيفها ولطيفها المظلمة وغير المظلمة أقرّت الموجودات كلها بوجود الصانع لها بلا شك ولا ريب، وبماله الغيب المطلق لا تعلم ذاته من طريق الثبوت، لكن تنزه عما يليق بالمحدثات، كما أن الغيب يعلم أن ثم غيباً ولكن لا يعلم ما فيه ولا ما هو، فإذا وردت الأخبار الإلهية على ألسنة الروحانيين ونقلتها إلى الرسل ونقلتها الرسل عليهم السلام إلينا فمن آمن بها وترك فكره خلف ظهره وقبلها بصفة القبول التي في عقله وصدق المخبر فيما أتاه به، فإن اقتضى عملاً زائداً على التصديق به عمله فذلك المعبر عنه بالسعيد وهو ممّا ﴿أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] وله الجزاء بما وعده به من الخير في دار القرار والنعيم الدائم الذي لا يجري إلى أجل مسمّى، فينقطع بحلول أجله من حيث الجملة حكماً إلهياً لا يتبدل ولا ينخرم ولا ينتسخ، ومن لم يؤمن بها وجعل فكره الفاسد أمامه واقتدى به ورد الأخبار النبوية إما بتكذيب الأصل وإما بالتأويل الفاسد، فإن كذب المخبر بما أتاه به ولم يعمل بمقتضى ما قيل له إن اقتضى ذلك عملاً زائداً على التصديق به فذلك المعبر عنه بالشقي وهو من جهة ما فيه من الظلمة، كما آمن السعيد من جهة ما فيه من النور، وله الجزاء بما أوعده إن كذب من الشرّ في دار البور وعدم القرار لوجود العذاب الدائم الذي لا يجري إلى أجل مسمّى، وإن كان له أجل في نفس الأمر من حيث الجملة حكماً إلهياً عدلاً كما كان في السعيد فضلاً لا يتبدل ولا ينخرم ولا ينتسخ، وفي هذا خلاف بين أهل الكشف، وهي مسألة عظيمة بين علماء الرسوم من المؤمنين وبين أهل الكشف، وكذلك أيضاً بين أهل الكشف فيها الخلاف هل يتسرمد العذاب عليهم إلى ما لا نهاية له أو يكون لهم نعيم بدار الشقاء فينتهي العذاب فيهم إلى أجل مسمّى؟ واتفقوا في عدم الخروج منها وأنهم بها ماكثون إلى ما لا نهاية له، فإن لكل واحدة من الدارين ملؤها، وتتنوّع عليهم أسباب الآلام ظاهراً لا بدّ من ذلك، وهم يجدون في ذلك لذة في أنفسهم بالخلاف المتقدم باطناً بعدما يأخذ الألم منهم جزاء العقوبة . حدثني عبد الله الموروري في جماعة غيره عن أبي مدين إمام الجماعة أنه قال: يدخل أهل الدارين فيهما السعداء بفضل الله وأهل النار بعدل الله وينزلون فيهما بالأعمال ويخلدون فيهما بالنيات، وهذا كشف صحيح وكلام حر عليه حشمة، فيأخذ جزاء العقوبة الألم موازياً لمدة المعمر في الشرك في الدنيا، فإذا فرغ الأمد جعل لهم نعيم في النار بحيث إنّهم لو دخلوا الجنة تألموا لعدم موافقة المزاج الذي ركبهم الله فيه، فهم يتلذذون بما هم فيه من نار وزمهرير وما فيها من لدغ الحيات والعقارب، كما يلتذ أهل الجنة بالظلال والنور ولثم الحور الحسان لأن مزاجهم يقضي بذلك، ألا ترى الجعل في الدنيا هو على مزاج يتضرّر بريح الورد ويلتذ بالنتن كذلك من خلق على مزاجه، وقد وقع في الدنيا أمزجة على هذا شاهدناها، فما ثم مزاج في العالم إلاَّ وله لذة بالمناسب وعدم لذة بالمنافر، ألا ترى المحرور يتألم بريح المسك؟ فاللذات تابعة للملايم والآلام لعدم الملايم، فهذا الأمر محقق في نفسه لا ينكره عاقل، وإنما الشأن هل أهل النار على هذا المزاج بهذه المثابة بعد فراغ المدة أم لا؟ أو هم على مزاج يقتضي لهم الإحساس بالآلام للأشياء المؤلمة، والنقل الصحيح الصريح النص ٤١٦ في المنازل/ الباب التسعون ومائتان في معرفة منزل تقرير النعم من الحضرة الموسوية الذي لا إشكال فيه إذا وجد مفيداً للعلم يحكم به بلا شك فالله على كل شيء قدير، وإن كنت لا أجهل الأمر في ذلك ولكن لا يلزم الإفصاح عنه، فإن الإفصاح عنه لا يرفع الخلاف من العالم، وبعض أهل الكشف قال: إنهم يخرجون إلى الجنة حتى لا يبقى فيها أحد من الناس البتة وتبقى أبوابها تصفق وينبت فيها الجرجير ويخلق الله لها أهلاً يملؤها بهم من مزاجها كما يخلق السمك في الماء، وعالم الهواء في الهواء، وعالم في بطن الأرض لا حياة لهم إلاَّ فيها كالخلد، فإذا حصل على ظهر الأرض مات فالغم الذي لنا في ذلك الغم حياتهم، فالسمك إذا خرج إلى الهواء مات وكان في الهواء غمّه فينطفي فيه نور حياته، والإنسان والحيوان البريّ إذا غرق في الماء هلك وكان في الماء غمه ينطفي به نور حياته، وثم حيوان بري بحري يعيش هنا ويعيش هنا كالتماسح وإنسان الماء وكلبه وبعض الطيور وهذا كله بالطبع والمزاج الذي ركبه الله عليه، وقد ذكرنا في هذا المنزل ما فيه كفاية واستوفينا أصوله بعون الله وإلهامه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب التسعون ومائتان في معرفة منزل تقرير النعم من الحضرة الموسوية [نظم: البسيط] في شَرْحِ ما هو في الثَّحقيق مَشْروحُ بالقول نَشْرحُ ذاتَ القول فاعتبروا إن الأسامي للمعنى مفاتيح لا يحصل الشَّوْقُ للمُلقَى إليه إذا فاكشفْ معارفَ أهل الله في حُجُبٍ وانطُقْ بما تَغْتَذي به النفوسُ ولا فالروح يكتم ما يُلْقّى إليه كما إن النفوسَ بما تهواه ناطقةٌ وفي العبارات تَعْديلٌ وتَجْرِيحُ ما لم يكُنْ منك للإلقاء تَلْويخُ لا يحكمنَّكَ تَبْیینٌ وتَصْرِيحُ تنطُقْ بما يَغْتذي بعلمه الرُّوحُ تُبدي النفوس الذي تجري به الريحُ والروحُ إن زلَّ بالتصريحِ مَجْروحٌ اعلم أيّدك الله وإيانا أنّ المنعم إذا أبطل نعمته بالمنّ والأذى لا يكون مشكوراً عند الله على ذلك، وإن شكره المنعم عليه لمعرفته بذله وفقره إليه، فمن مكارم الأخلاق أن لا يمن المنعم بما أنعم به على المنعم عليه ولا سيما مع شكره على ذلك، فإذا احتاج المنعم عليه الأمر وأظهر الذلة والافتقار إلى المنعم في طلب ذلك الأمر الذي مسّت الحاجة فيه إليه وذلك الأمر عند المنعم عليه في النعمة التي أنعم بها المنعم عليه فللمنعم عند ذلك أن يعرّفه بما أنعم به عليه ويقرّره على ذلك، وأن الذي طلب منه موجود في نفس نعمته فلماذا يفتقر في غير موضع الافتقار؟ حينئذ يجوز للمنعم أن يذكر للمنعم عليه نعمته عليه، کرجل وهب رجلاً ألف دينار إنعاماً عليه ثم رآه يفتقر إلى ثوب يلبسه ومركب يركبه وأهل يأنس إليه وقد نسي أو جهل أن إرادة المنعم فيما أنعم به عليه أن ينال جميع ما سأله من تلك النعمة، فللمنعم عند ذلك أن يعرّفه بأن جميع ما تسألني فيه تصل إليه بما وهبتك إياه من المال فلماذا تستعجل ٤١٧ في المنازل / الباب التسعون ومائتان في معرفة منزل تقرير النعم من الحضرة الموسوية الذلة؟ ففي مثل هذا الموطن يجب التقرير بالنعم على وجه التعليم والتنبيه لا على المنّ والأذى، إلاّ أن من مكارم الأخلاق إذا قرّره على ما أنعم به عليه أن لا يخيب سؤاله، إما بعطاء في الوقت وإما بوعد فيبسطه بعد انقباضه لما حصل عنده من الخجل تخلقاً إلهياً. فاعلم أن هذا المنزل يتضمن تقرير النعم على ما ذكرت لك، ويتضمن علم التشريح الذي تعرفه الأطباء من أهل الحكمة، والتشريح الإلهيّ التي تتضمنه الصورة التي اختصّ بها هذا الشخص الإنساني من كونه مخلوقاً على صورة العالم وعلى صورة الحق، فعلم تشريحه من جانب العالم علمك بما فيه من حقائق الأكوان كلها علوها وسفلها، طيبها وخبيثها، نورها وظلمتها على التفصيل، وقد تكلم في هذا العلم أبو حامد وغيره وبينه، فهذا هو علم التشريح في طريقنا . وأما علم التشريح الثاني فهو أن تعلم ما في هذه الصورة الإنسانية من الأسماء الإلهية والنسب الربانية، ويعلم هذا من يعرف التخلق بالأسماء وما ينتجه التخلّق بها من المعارف الإلهيّة، وهذا أيضاً قد تكلم فيه رجال الله في شرح أسماء الله كأبي حامد الغزالي، وأبي الحكم عبد السلام بن برجان الإشبيلي، وأبي بكر بن عبد الله المغافري، وأبي القاسم القشيري، ويتضمن هذا المنزل التكليف ورفعه من حيث ما فيه من المشقة لا من حيث ترك العمل. فاعلم أن الله تعالى أمر عباده بالإيمان به وبما أنزل عليهم على أيدي رسله، وجعل مع الإيمان إلزاماً من المعاني أمرهم الله تعالى أن يحملوها كلها في بواطنهم حملاً معنوياً وجعل محلها القلوب وعين أموراً عملية أنزلها على ظواهرهم، وحملها جوارحهم ممّا فيه كلفة حسية من عمل الأيدي والأرجل وممّا لا يعمل إلاَّ بالأبدان كالصلاة والجهاد، وممّا لا كلفة فيه حسية كغض البصر عن المحرمات والنظر في الآيات ليؤدي ذلك النظر إلى الاعتبار وتنزيه السمع عن سماع الغيبة والإصغاء إلى الحديث الحسن، فمثل هذا لا كلفة فيه حسية وإنما كلفته نفسية، فإن فيها ترك الغرض وهو ممّا يشق على النفس، وإذا أقيمت هذه الحضرة التي في هذا المنزل ممثلة في صور حسية يقام له توابيت على يمينه وتوابيت على يساره، فالتوابيت التي على يمينه مملوءة دراً وياقوتاً وأحجاراً نفيسة وحللاً ومسكاً وطيباً، ومنها توابيت كبار وصغار، وقيل له لا بدّ لك من حمل هذا إلى موضع معين إلى دار حسنة وروضة مورقة، وقيل له: إذا أوصلت هذه الأحمال إلى هذه الروضة كان أجرك عليها وعلى ما آلمك من ثقلها ما تحوي عليه هذه التوابيت كلها، ولك هذه الدار التي وصلتها بجميع ما تحوي عليه من الملك وهي خمسة أنواع من التوابيت: منها توابيت الأمر الواجب، وتوابيت الأمر المندوب، وتوابيت الأمر المبيح من حيث الإيمان به، وتوابيت النهي الواجب، وتوابيت النهي المكروه، ومن هذه التوابيت ما يختص بك، ومنها توابيت تتعلق بغيرك وكلفت أنت حملها، فكل خطاب شرعي يختص بذاتك لا تتعدّى بالعمل فيه إلى غيرك فهو المختص بك، وكل خطاب شرعي يختص بذاتك وتتعدّى في العمل به إلى غيرك فذلك الذي يتعلق بغيرك، وكلفت أنت حمله كالسعي على العيال وتعليم الجاهل وإرشاد الضال والنصيحة لله ولرسوله الفتوحات المكية ج٤ - م٢٧ ٤١٨ في المنازل/ الباب التسعون ومائتان في معرفة منزل تقرير النعم من الحضرة الموسوية ولأئمة المسلمين وعامتهم، فهذه توابيت أصحاب اليمين، فكما حملت ما هو لك ولغيرك في الدنيا كان لك أجرك وأجر غيرك في الآخرة، ولا ينقص الغير من أجره شيئاً إن كان مؤمناً، وإن لم يكن مؤمناً مثل التكليف الذي يتعلق بك في معاملة أهل الذمّة فلك أجرهم لو كانوا مؤمنين ولا أجر لهم، ولهذا قيد النبي ◌َّ هذا الأمر بالعمل فقال: ((مَنْ سَنَّ سُنةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِها إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)) فالمؤمن لا ينقصه من أجره الأخروي شيء، والذميّ يعطى أجره في الدنيا إما بمنفعة معجلة أو دفع مضرة معجلة يكون ذلك لهذا العامل في الآخرة محققاً، وقد يجمع له بين الدنيا والآخرة، فيرى العامل ما تحمل تلك التوابيت من الأشياء النفيسة ومآلها، وقد حصل له البشرى بأنها له ملك إذا حملها بحيث يفنى في حبها والتعشّق بها فيهون عليه حملها ويخف لحمل الهمة إياها فلا يجد فيها مشقة، وهو حال تلذّذه بالأذى وبما يحسن لأهل الذمّة، وآخر ينظر إلى ثقلها وهو المؤمن الذي لا كشف عنده إلاَّ مجرّد تصديق الخبر فيجدها ثقيلة المحمل، فمنهم من يحملها بمشقة وكلفة لغلبة التصديق بما فيها والحرص الشديد والطمع في أخذها وملكها لكون الآمر يحملها قال له: هي لك في أجر حملك . ومنهم من ثقلت عليه فأخرج منها جملة طرحها في الأرض ليخف عنه الثقل الذي يجده، فلما خف حمله ببعض ما طرح منها حمل ما بقي وكلما طرحه من ذلك عاد ذلك المطروح حديداً ورصاصاً ونحاساً وزيد في التوابيت التي على شماله والتوابيت التي أقيمت له على شماله كلها مملوءة حديداً ونحاساً وقطراناً وآنكاً وشبه ذلك ممّا يثقل وتكره رائحته وقيل له: هذه التوابيت تحملها على ظهرك على ترتيب ما قرّرناه في توابيت اليمين وتوصلها إلى دار ذات لهب وزمهرير ما تحوي عليه هذه التوابيت ملكك، وهذا قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَاِهِمٌ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ١٣] وقوله ◌َّ: ((مَنْ سَنَّ سُنَةً سَيْئَةً فَلَهُ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِها إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)) وإن لم يحضر للمكاشف في هذا المنزل صوراً نزلت على قلبه معاني مجردة عن الموادّ وعرف تفاصيلها وألحق كل شيء منها بمقامه ومحله، ولم يجد لذلك كلفة ولا مشقة لأنه لا غرض له مع إرادة سيده منه فهو في عالم الانفساح والانشراح، وإن ضعفت أجسامهم عن حمل بعض ما كلفوه فقد أمر أن لا يحملِ إلاّ وسع نفسه، والنفس هنا عبارة عن إكمال الحسّ لأن النفس المعنوية لا كلفة عليها إلاّ إذا كانت صاحبة غرض فكلفت بما لا غرض لها فيه، فلهذا لم يعذر الإنسان من حيث نفسه ويعذر من حيث حسّه الخروج ذلك عن طاقته في المعهود، ويتعلق بهذا المنزل طرف من العلم بنشء الملائكة وأنهم من عالم الطبيعة مخلوقون مثل الأناسي غير أنهم ألطف، كما أن الجن ألطف من الإنسان مع كونهم من نار من مارجها والنار من عالم الطبيعة، ومع هذا فهم روحانيون يتشكلون ويتمثلون، فلو كانت الطبيعة لا تقبل ذلك لما قبله عالم الجن، وكيف ينكر ذلك ومعلوم قطعاً أن الإنسان من عالم الطبيعة الكثيفة وفيه منها خزانة الخيال في مقدم دماغه يتخيل بها ما شاء من المحالات فكيف من الممكنات؟ فكذلك الملائكة عليهم السلام من عالم الطبيعة وهم ٤١٩ في المنازل/ الباب التسعون ومائتان في معرفة منزل تقرير النعم من الحضرة الموسوية عمار الأفلاك والسموات وقد عرفك الله أنه استوى إلى السماء وهي دخان فسوّاهنّ سبع سموات وجعل أهلها منها وهو قوله: ﴿وَأَوْحَى فِىِ كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٢] ولا خلاف أن الدخان من الطبيعة وإن كانت الملائكة أجساماً نورية، كما أن الجن أجسام نارية، ولو لم يكن النور طبيعياً لما وصف بالإحراق كما توصف النار بالتجفيف والذهاب بالرطوبات، وهذا كله من صفات الطبيعة . ثم إن الله قد أخبر عن الملأ الأعلى أنهم يختصمون والخصام من الطبيعة لأنها مجموع أضداد والمنازعة والمخالفة هي عين الخصام ولا يكون إلاَّ بين الضدين، ومن هذا الباب قولهم: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] هذا من طبيعتهم وغيرتهم على الجناب الإلهيّ، فلو وقفوا مع روحانيتهم لم يقولوا مثل هذا حين قال لهم الله : ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] بل كان جوابهم من حيث ما فيهم من السرّ الإلهيّ أن يقولوا: ذلك إليك سبحانك تفعل ما تريد ونحن العبيد تحت أمرك بالطاعة لمن أمرتنا بطاعته. فبالذي وقع من الإنسان من الفساد وغيره ممّا يقتضيه عالم الطبع به بعينه وقع الاعتراض من الملائكة فرأوه في غيرهم ولم يروه في نفوسهم، وذلك لما قرّرناه من أن التعشق بالغرض يحول بين صاحبه وبين فعل ما ينبغي له أن يفعله، ولهذا قال لهم الله تعالى : ﴿ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] ثم أراهم الله شرفه عليهم بما خصّه به من علم الأسماء الإلهية التي خلق المشار إليهم بها وجهلتها الملائكة فكأنه يقول سبحانه: أجعل علمي حيث شئت من خلقي أكرمه بذلك، فمن هنا تعلم ما ذكرناه، وسيأتي العلم بهذا الأمر محققاً مستوفى في منزله الخاص به، فإن علوم هذه المنازل على قسمين: منها علوم مختصة بالمنزل لا توجد في غيره، ومنها علوم يكون منها في كل منزل طرف. واعلم أن القلب وإن كان محل السعة الإلهيّة فإن الصدر محل السعة القلبية، إذ كان إنما سمّي صدراً لصدوره ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج: الآية ٤٦] فإن القلب في حال الورود يضيق لما يقتضيه من الجلال والهيبة وما يعطيه القرب الإلهيّ والتجلي، وإذا صدر اتسع وانفسح لأنه كون وهو صادر إلى الكون فينفسخ للمناسبة وتتسع أشعة نوره بانبساطها على الأكوان ويبتهج بكونه خصّ بهذا التعريف الإلهيّ على أبناء جنسه، ولهذا إذا عرض له عارض يقبضه في غير محل القبض ينبهه الحق يذكره ما أنعم الله به عليه ليتذكر النعمة الإلهيّة عليه فيحول بينه وبين ما كان عليه من الضيق، فهو في الظاهر من إلهيّ وفي المعنى رحمة بهذا القلب، فمن هنا يقرّر الحق عبده على ما متن به عليه. فإن قلت: فإن الله قد ذكر أنه يمنّ على عباده. قلنا: إنما جاء هذا لما امتنوا على رسول الله وَله بإسلامهم فقال الله له: قل لهم يا محمد: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيمَنِ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٧] أي إذا دخلتم في حضرة المنّ فالمنّ لله لا لكم، فهو من علم التطابق لم يقصد به المنّ، فما كان اللّه ليقول في المنّ ما قال ويكون منه كما قال رَالَّ: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَنْهَاكُمْ عنِ الرِّبَا وَيَأْخُذَهُ مِنْكُمْ)) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَدُلَّكُمْ عَلى مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ مِنَ العَفْوِ وَالصَّفْحِ وَيَفْعَلَ مَعَكُمْ خِلاَفَهُ فإذا وقع منكم من سفساف الأخلاق ما ٤٢٠ في المنازل/ الباب التسعون ومائتان في معرفة منزل تقرير النعم من الحضرة الموسوية وقع ردّ الحق سبحانه أعمالكم عليكم لا أنه عاملكم بها من نفسه وإنما أعمالكم لم تتعدَّكم، فللَّه المنة التي هي النعمة والامتنان الذي هو إعطاء المنة لا المن سبحانه وتعالى. وإذا أراد الله تعالى رفعة عبده عند خلقه ذكر لعباده منزلته عنده إما بالتعريف وإما بأن يظهر على يده وفي حاله ما لا يمكن أن يكون إلاَّ للمقرّب من عباده، فتنطلق له الألسنة وتنطق بعلوّ مرتبته عند سيده مثل فتحه وَلّر باب الشفاعة يوم القيامة الذي اختصّ به على سائر الرسل والأنبياء فيعلو مناره في ذلك الموطن على كل أحد وهنالك تطلب الرياسة والعلوّ، وأما في الدنيا فلا يبالي العارف كيف أصبح ولا أمسى عند الناس لأنهم في محل الحجاب وهو في موطن التكليف، فكل إنسان مشغول بنفسه مطلوب بأداء ما كلف به من العمل . وممّا يتضمن هذا المنزل علم التنكير وهو التجلي العامّ وعلم التعريف وهو التجلي الخاص وهو مندرج في العامّ كالاسم الرب إذا تجلى فيه الحق لعباده فإنه تجلّ عامّ وإذا تجلّى في مثل قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩٢] فهو تجلّ خاص وإن كانت التجليات من الربوبية ولكن بينهما تباين، فإن الحال التي لك مع الملك في مجلس العامّة ليس هو الحال التي لك معه إذا انفردت به، فلهذا مقام وعلم خاص، ولهذا مقام وعلم خاص، والتجلي العامَ أكثر علماً وأنفع، والتجلي الخاص أعظم قربة . واعلم أن أصل الأمور كلها المعرفة عندنا والنكرة عرض طارىء، فإذا عرض وقع الإبهام والإشكال فالعارف من عرفه في حال التنكير فهو نكرة في العموم وعند هذا هو معرفة في النكرة إذا قال القائل: كلمت اليوم رجلاً، فرجل هنا نكرة وهو عند من كلّمه معرفة بالتعيين في حال الحكم عليه بالنكرة، فالذي يشاهد العارف من الحق في حال النكرة، والإنكار من العالم هو عين المعرفة عنده لكونه أبقاه على الإطلاق الذي يستحقه في حال تقيده به العقائد فيجهله العامّة في التنكير وهو مقام عظيم الفائدة للعارفين. واعلم أن العارف في هذا المنزل لا يتمكن له أن يسأل الحق في أمر إلاَّ من الوجه الأخص لا من الوجه الأعم، ولا يصحّ له سؤال الحق في أمر هو فيه لأنه شغل عمّا يستحقه ذلك الأمر من الأدب، فإذا وفاه حقّه حسّاً كان ممّا يتعلق بالعبادات البدنية، أو معنى كان ممّا يتعلق بالعبادات القلبية، وأراد الحق أن ينقله من تلك العبادة لم يعرف العارف مراد الحق فيه لأيّ مرتبة ينقله هل ينقله إلى واجب آخر أو مندوب أو مباح أو مكروه أو محظور فيبقى واقفاً بين المقام الذي فرغ منه وبين الأمر الذي إليه في علم الله ينتقل، فعند ذلك يأتيه رسول من الله مظهر في سرّه يقول له : إن الله قد أمرك أن تتضرّع إليه وترغبه وتسأله في هذا الأمر الذي ينقلك إليه إن كانت بقيت لك حياة فليكن من الواجبات وهو المراد، فإن لم يكن فمن المندوبات، فإن لم تسبق العناية بالإجابة فمن المباحات، فإن لم يكن ورأيت لوائح تبرق إليك من خلف حجاب الخذلان وتعلم أنك تنتقل إلى محظور أو مكروه فاسأل من الله الحضور معه في ذلك الأمر الذي تنتقل إليه، واسأله أن يجعل فيك من الكراهة لذلك الأمر ولا يحول بينك وبين معرفتك بأنه شيء يسوءك فعله، وأن العلم الإلهيّ لا يتبدّل فيك بوقوعه منك، حتى أنه إذا وقع منك وأنت على