النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
في المنازل/ الباب الرابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل المجاراة الشريفة
ومن زاد على مرتبة هذا الذاكر الذي سمع نطق قلبه بسمعه أسمعه الله نطق جسده كله بل نطق
جميع الجمادات والنباتات والحيوانات، فأما الحيوانات فقد يسمع نطقها ويفهم ما تقول بغير
طريق الذكر بل بخاصية لحم حيوان أو مرقة لحمه يطلع آكله أو شارب مرقته على غيوب ما
يحدث الله في العالم من الحوادث الجزئية والعامة ويسمع ويفهم ما تنطق به جميع
الحيوانات، وقد رأيت من رأى من أكل من لحم هذا الحيوان وشرب من مرقته فكانت له هذه
الحالة فكان من رآها منه يتعجب، ويكون هذا الحيوان في البرية التي بين مكة والعراق لكن
خارجاً عن طريق الركب بأيام في غيضة عظيمة، وشكل هذا الحيوان شكل امرأة تتكلم
باللسان العربي يخرج إليها عرب تلك البرية وهم قبيلة معروفة في كل سنة يوماً معلوماً يأتون
إلى تلك الغيضة بأيديهم الرماح فيقفون على أفواه سكك تلك الغيضة وتدخل طائفة منهم في
الغيضة يتفرقون فيها بالصياح ويلحّون في الطلب على هذا الحيوان لينفروه فيخرج هذا الحيوان
عند ذلك هارباً شارداً إما على بعض تلك الأفواه فإن تمكن منه الواقف على تلك السكة طعنه
بالرمح فقتله، وإن فاته وتوغل في البرية رجعوا إلى مثل ذلك اليوم من السنة المستقبلة هكذا في
كل عام، فإذا ظفروا به قطعوه وقسموا لحمه على الحي كله وطبخ كل واحد منهم قطعته وأكلها
وشرب مرقتها وأطعم منها من شاء من أهله وبيته، وإن كان عندهم غريب ممّن قد انقطعٍ من
الركب وتاه وحصل عندهم وصادف ذلك اليوم منعوه من أكل لحمها أو شرب مرقتها إلاَّ أن
يتناوله بسرقة من غير علم منهم، فإن علموا به استفرغوه جبراً بالقيء المفرط فينقص فعل ذلك
اللحم منه ولا يذهب بالكلية ويبقى عليه بقية من علم الغيوب، فسبحان من أخفى علم ما أودعه
في مخلوقاته عن بعض مخلوقاته، لا إله إلا هو العليم الحكيم.
وكل ما ذكره من ذكره في معنى هذا الناطق وحقيقته فصحيح، فإنه قد يكون هذا الناطق
عين قلبه، وقد يكون ملكاً يخلق من ذكره، وقد يكون روحاً يستلزمه، وقد يكون ما أومأنا إليه
والفرقان بين ما أومأنا إليه وبين ما قاله غيرنا في تعيينه أنه يحادثه ويخاطبه بما شاء من
التعريفات الإلهية والكونية أي بما يتعلق بمعرفة الله وبما يتعلق بالمخلوقين إذا استمر على
ذكره ودام على طاعة ربه، وهو الذي قال لصاحب المواقف ما حكاه عنه في مواقفه من القول
إن لم يكن هو رحمه الله قد نبّه على مراتب علوم فقال لي وقلت له، فإن بعض العارفين قد
يفعل هذا إذا لم يروا قائلاً في الوجود غير الله حالاً ولفظاً وكله علم محقق، غير أنه إذا كان
تعبيراً عن مراتب علوم فيتوهم السامع منه إذا قال صاحب هذا المقام قال لي وقلت له إن
الحق يكلمه فإن سأله السامع عرفه بالأمر فإنهم أهل صدق إذا كان السائل مؤمناً بما يقوله أهل
طريق الله، فإن كان متردّداً في إيمانه بذلك فإنه يسكت عنه في ذلك إن كان ممّن لا تلزمه
طاعته شرعاً، فإن كان ممّن تلزمه طاعته شرعاً وليست عنده أهلية لذلك قال له إنما هي
عبارات أحوال ونطق حال لا نطق مقال، كما تقول الأرض للوتد: لم تشقني؟ فيقول لها
الوتد: سل من يدقني، يعني الدقاق الذي يدق به الوتد، وهذا لسان حال معلوم يضرب مثلاً
معروفاً بين الناس.

٣٨٢
في المنازل/ الباب الرابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل المجاراة الشريفة
ثم لتعلم بعد أن بيّنت لك هذا أن المسارع إلى الخيرات السابق لها إن كان يريد
المشاهد الإلهيّة والعلوم الربانية فليكثر سهر الليل وليكثر فيه الجمعية دائماً، فإن لاحت له
أنوار متفرّقة يتخللها ظلمة ما بين كل نور ونور ولا يكون لتلك الأنوار بقاء تكون سريعة
الذهاب فتلك أوّل علامات القبول والفتح، فلا يزال تظهر له تلك الأنوار الشريفة بالمجاهدات
والمسارعة فيها وإليها إلى أن يطلع له نور أعظم، فإنه يكشف به الموانع التي تمنع الناس من
نيل هذه العلوم، ويكشف أسراراً في مقاماتها ليس فيه منها شيء ولا هو موصوف بها،
فيكشف له عن أعماله التي كان عليها من أذكاره ورياضاته ومجاهداته قد أنشأها الله خلقاً
روحانياً، فتسابق إلى أخذ تلك الأسرار كما يسبق هو بها فيأخذها وتكسو عاملها بها جزاء
وفاقاً له حيث كان سبباً لوجود أعيان ذلك الخلق الذين هم عين أفعاله البدنية من نطق
وحركة، وكان الحضور أرواح تلك الصور العملية، فيتصف العامل عند ذلك بالعلم بتلك
العلوم والأسرار هكذا يشاهدها إذا أشهدها، وقد يجد تلك العلوم من خلف حجاب الغيب
ولا يطلع على الأمر كيف كان وهو كما ذكرنا، قال القائل: [الكامل]
كانتْ إغارةُ خَيْلهِ تَشْميئًا
جيشٌ إذا عَطَس الصباحُ على العِدَى
ويشاهد مواقفات بين صور تلك العلوم وبين صور هذه الأعمال من أجل انتظار الإذن
الإلهيّ في ذلك، فإن كان العامل ممّن قد أراد الله أن يفتح له في الدنيا في حصول هذه
الأسرار ورد الإذن الإلهيّ بذلك ففتح على هذا العامل في باطنه بعلوم شتى فيقال: فلان قد
فتح عليه وإن كان الله يريد أن يخبىء له ذلك إلى الدار الآخرة لمصلحة يراها له في منع ذلك
لم تمكن صور الأعمال من خلع تلك العلوم على العامل لكن تلبسها الأعمال إلى أن ينقلب
العامل إلى الدار الآخرة فيجدها مخبوءة له في أعماله فيلبسها خلعاً إلهية فيقال في هذا العامل
في الدنيا إنه ما فتح له مع كثرة عمله، ويتعجب المتعجبون من ذلك لأنهم يتخيلون أن الفتح
أمر لازم، وكذلك هو أمر لازم تطلبه الأعمال وتناله، ولكن متى يكون ذلك صفة للعامل هل
في الدنيا أو في الآخرة؟ ذلك إلى الله، فإذا رأيت عامل صدق أو عرفت ذلك من نفسك ولم
تر يفتح لك في باطنك مثل ما فتح لمن تراه على صورتك من العمل فلا تتهم فإنه مدّخر لك
واطرح عن نفسك التهمة في ذلك، فلا تتهم ولا تجعل نفسك من أهل التهم وقل كما قلت
في ذلك: [مجزوء الرجز]
ولا أنا ممَّنْ أَتَّهَمْ
ما أنا من أَهْلِ التّهَمْ
أقولُ من بعد نَعَمْ
وإنني إن قلتُ لا
فإنني بَحرّ خِضَمّ
ولا أقولُ عَكْسَ ذا
بيتِ السَّمَاحِ والكَرَمْ
وإنني ابنُ حاتم
مَنْصوبةٌ مثلَ العَلَمْ
فكم لنا مآثر
في عَرَب وفي عَجَمْ
ليُهْتَدَى بضَوْئها
مَعْلومةٌ مشهورةٌ
مَذْكورةٌ بكل فَمْ

٣٨٣
في المنازل/ الباب الرابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل المجاراة الشريفة
محبوبةٌ مشكورةٌ ساريةٌ وكم وكُمْ
وما أحسن قول القائل في مثل ما قلت: [الطويل]
لَمُخْلِفُ إيعادي ومُنْجِزُ مَوْعدي
وإني إذا أَوْعَدتُه أو وَعَدْتُه
وهذا من الكرم الإلهي أنه جعل مانعاً في مقابلة الوعيد وإنفاذه وهو العفو والتجاوز،
ولم يجعل للوعد بالخير مانعاً من اسم إلهي، وإذا كانت حالة العبد من الكرم بهذه المثابة
فالجناب الإلهي أحق بهذه الصفة، وإنما نبهت على أنني ابن حاتم من أجل الكرم الذي جبلت
عليه ولي فيه الأصل المؤثل مثل ما قيل: إن الجياد على أعراقها تجري. والأعراق هي
الأصول جمع عرق وهو الأصل في لسان العرب.
واعلم أن العارفين يعاملون المواطن بحسب ما تقتضيه وغير العارفين ليس كذلك،
فالعارف إن أظهر للناس ما منحه به ربه من المعارف والأسرار لا يظهر ذلك إلاَّ من أجل ربه
لا على طريق الفخر على أبناء جنسه فحاشاه من ذلك كما قال ◌َّ حين أمر أن يعرّف الناس
بمنزلته: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ)) هذا الذي قيل له قل ثم قال من نفسه: ((وَلاَ فَخْرَ)) يقول: إني ما
قصدت بهذا الكلام الفخر ولكن عرفتكم بالمقام الإلهي عن الإذن. وأما إذا كان تعريف
العارف منزلته للناس عن غير أمر إلهي ولا إذن رباني فإنه هوى نفس بتأويل ظهر له وهي زلة
وقعت منه ينبغي له أن يتعوذ بالله من شرها، فإن الموطن الدنياوي لا يقتضي الفتح ولا
التعريف بالمقام إلاَّ للأنبياء خاصة إذا أرسلوا، وأما الأولياء فحصرتهم العبودية المحضة فهم
في ستر مقامهم وحالهم لربهم لا لأنفسهم أي من أجل ربهم، وأنهم حاضرون في ذلك مع
ربهم، وإن كان العارف من حيث إنسانيته ونفسه محباً في الثناء عليه بمنزلته من سيده ليظهر
بذلك الشفوف على أبناء جنسه وهو معذور، فأي فخر أعظم من الفخر بالله؟ ولكن العبد
الخالص له الدين الخالص والدين الخالص هو ما يجازيه به ربه من ثنائه عليه بلسان الحق
وكلامه لا بلسان المخلوقين، فهو يحب الثناء من الله ليعلم بإعلام الله إياه أنه ما أخلّ بشيء
ممّا يقتضيه مقام العبودية أو يستحقه مقام الربوبية ليكون من نفسه على بصيرة، فقد أحب ما
تقتضيه إنسانيته ونفسه من حب الثناء، ولكن من الله لا من المخلوق ولا من نفسه على نفسه
عند المخلوقين فإنه على غير بصيرة فيه ولا إذن من ربه في ذلك، كما أنه يحب المال لما
يستلزمه من الغنى عن الافتقار إلى المخلوقين، فمن كان غناه بربه فهو ماله إذ المال ليس
محبوباً لنفسه ولا لاتخاره من غير توهم رفع الحاجة بوجوده فاعلم ذلك، فجميع النفوس
محبة للمال في الظاهر وهو الغنى في المعنى، فبأي شيء وقع الغنى في نفس العبد فهو المال
المحبوب عنده بل لكل نفس، وفي ذلك قلت: [مخلع البسيط]
من عَالَم الأرض والسماءِ
بالمال يَتْقاد كلُّ صَغْبٍ
لم يعرفوا لذَّةَ العَطاءِ
فحَبْسُه عالم حجابٌ
ومنها أعني من هذه القصيدة: [مخلع البسيط]
لا تَحْسَبِ المالَ ما تراه
من عَسْجَدٍ مُشْرقٍ لرائي

٣٨٤
في المنازل/ الباب الرابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل المجاراة الشريفة
به غنياً عن السَّوَاءِ
بل هو ما كنتَ يا بُنَيَّ
فكُنْ بربِ العُلَى غنياً
وعَامِلِ الحقَّ بالوفاءِ
ومن هذا المنزل تعلم يا بني ما أكنته القلوب من الأمور وما يجري فيها من الخواطر وما
تحدث به نفوسها على طريق الإحصاء لها فيما مضى، حتى أن المتحقق بهذا المنزل يعرف
من الشخص جميع ما تضمنه قلبه وما تعلقت به إرادته من حين ولادته وحركته لطلب الثدي
إلى حين جلوسه بين يديه ممّا لا يعرفه ذلك الشخص من نفسه لصغره، ولما طرأ عليه من
النسيان وعدم الالتفات لكل ما يطرأ في قلبه وما تحدثه به نفسه لقدم الزمان فيعرفه صاحب
هذا المنزل منه معرفة صحيحة لا يشك ولا يرتاب فيها لا من نفسه ولا من كل من هو بين
يديه أو حاضر في خاطره وهو حال يطرأ على العبد.
وهذا المنزل قد سمعنا من أحوال أبي السعود بن الشبل أنه كان له، حدثنا صاحبنا أبو
البدر رحمه الله أن الشيخ عبد القادر ذكر بين يدي أبي السعود وأطنب في ذكره والثناء عليه
وكان القائل قصد به تعريف الشيخ أبي السعود والحاضرين بمنزلة عبد القادر وأفرط فقال له
الشيخ أبو السعود: كم تقول أنت تحب أن تعرفنا بمنزلة عبد القادر كالمنتهر له والله إني
لأعرف حال عبد القادر كيف كان مع أهله وكيف هو الآن في قبره؟ وهذا لا يعلم إلاَّ من هذا
المنزل، ولكن لا يحصل له هذا التحصيل الكامل إلاَّ في الرجوع من الحق إلى رؤية
المخلوقين بعين الله وتأييده لا بعينه وقوّته. ومن هذا المنزل أيضاً يعلم كم حشر يحشر فيه
الإنسان .
فاعلم أن الروح الإنساني أوجده الله حين أوجده مدبراً لصورة طبيعية حسية له سواء كان
في الدنيا أو في البرزخ أو في الدار الآخرة أو حيث كان، فأول صورة لبستها الصورة التي أخذ
عليه فيها الميثاق بالإقرار بربوبية الحق عليه، ثم إنَّه حشر من تلك الصورة إلى هذه الصورة
الجسمية الدنياوية وحبس بها في رابع شهر من تكوين صورة جسده في بطن أمّه إلى ساعة
موته، فإذا مات حشر إلى صورة أخرى من حيث موته إلى وقت سؤاله، فإذا جاء وقت سؤاله
حشر من تلك الصورة إلى جسده الموصوف بالموت فيحيا به ويؤخذ بأسماع الناس
وأبصارهم عن حياته بذلك الروح إلاَّ من خصّه الله تعالى بالكشف على ذلك من نبي أو ولي
من الثقلين، وأما سائر الحيوان فإنهم يشاهدون حياته وما هو فيه عيناً، ثم يحشر بعد السؤال
إلى صورة أخرى في البرزخ يمسك فيها بل تلك الصورة هي عين البرزخ والنوم والموت في
ذلك على السواء إلى نفخة البعث فيبعث من تلك الصورة ويحشر إلى الصورة التي كان فارقها
في الدنيا إن كان بقي عليه سؤال، فإن لم يكن من أهل ذلك الصنف حشر إلى الصورة التي
يدخل بها الجنة، والمسؤول يوم القيامة إذا فرغ عن سؤاله حشر في الصورة التي يدخل بها
الجنة أو النار وأهل النار كلهم مسؤولون، فإذا دخلوا الجنة واستقروا فيها ثم دعوا إلى الرؤية
وبادروا حشروا في صورة لا تصلح إلاّ للرؤية، فإذا عادوا حشروا في صورة تصلح للجنة،
وفي كل صورة ينسى صورته التي كان عليها ويرجع حكمه إلى حكم الصورة التي انتقل إليها

٣٨٥
في المنازل/ الباب الخامس والثمانون ومائتان في معرفة منزل مناجاة الجماد
وحشر فيها، فإذا دخل سوق الجنة ورأى ما فيه من الصور فأية صورة رآها واستحسنها حشر
فيها، فلا يزال في الجنة دائماً يحشر من صورة إلى صورة إلى ما لا نهاية له ليعلم بذلك
الاتساع الإلهيّ، فكما لا يتكرّر عليه صور التجلي كذلك يحتاج هذا المتجلي له أن يقابل كل
صورة تتجلى له بصورة أخرى تنار إليه في تجليه، فلا يزال يحشر في الصورة دائماً يأخذها من
سوق الجنة ولا يقبل من تلك الصور التي في السوق، ولا يستحسن منها إلاَّ ما يناسب صورة
التجلي الذي يكون له في المستقبل، لأن تلك الصورة هي كالاستعداد الخاص لذلك التجلي،
فاعلم هذا فإنه من لباب المعرفة الإلهية، ولو تفطنت لعرفت أنك الآن كذلك تحشر في كل
نفس في صورة الحال التي أنت عليها، ولكن يحجبك عن ذلك رؤيتك المعهودة، وإن كنت
تحسّ بانتقالك في أحوالك التي عليها تتصرف في ظاهرك وباطنك، ولكن لا تعلم أنها صور
لروحك تدخل فيها في كل آن وتحشر فيها ويبصرها العارفون صوراً صحيحة ثابتة ظاهرة
العين، وهذا المنزل منزل الخبرة والمهيمن عليه الاسم الرب، وهذه الصور إنما تطلبها الخبرة
لإقامة الحجة عليها في موطن التكليف، فالعارف يقدم قيامته في موطن التكليف التي يؤول
إليها جميع الناس فيزن على نفسه أعماله ويحاسب نفسه هنا قبل الانتقال، وقد حرّض الشرع
على ذلك فقال: ((حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا)) ولنا فيه مشهد عظيم عايناه وانتفعنا بهذه
المحاسبة فيه فلم تعد علينا في الموطن الذي يحاسب الناس فيه، وما أخذت هذا المقام إلاَّ
من شيخنا أبي عبد الله بن المجاهد وأبي عبد الله بن قسوم بإشبيلية فإنه كان حالهما، وزدت
على ابن قسوم في ذلك بمحاسبة نفسي بالخواطر، وكان الشيخ لا يحاسب نفسه إلاَّ على
الأفعال والأقوال لا غير، وهذا القدر كاف في التعريف بما يتضمنه هذا المنزل، والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل. قيل لي: قل في آخر كل منزل: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلاَّ
أنت أستغفرك وأتوب إليك.
الباب الخامس والثمانون ومائتان
في معرفة منزل مناجاة الجماد ومن حصل فيه
حصل من الحضرة المحمدية والموسوية نصفها
[نظم : الوافر]
بما فيها من العلم الغريب
تُناجيني العناصرُ مُفْصِحاتٍ
على نفسي وعقلي من قَرِيبٍ
فأعلمُ عند ذاك شُفُوفَ جسمي
بما تُعطي على عِلْمِ القُلوبِ
فيا قومي علومُ الكَشْف تَعْلو
بمَيْدان المَشَاهد وَالغُيوبِ
فإنَّ العقلَ ليس له مجالٌ
وكم للعين من نَظّر مُصيبٍ
فكم للفكر من خَطَأ وعَجْزٍ
دليلٌ واضحٌ عند اللَّبيبِ
ولولا العينُ لم يظهَرْ لعقلٍ
أما قولنا: وكم للعين من نظر مصيب فإنما جئنا به صنعة شعرية لما قلنا قبل في صدر
الفتوحات المكية ج٤ - م٢٥

٣٨٦
في المنازل/ الباب الخامس والثمانون ومائتان في معرفة منزل مناجاة الجماد
البيت، وإنما المذهب الصحيح أن العين لا تخطىء أبداً لا هي ولا جميع الحواس، فإن
إدراك الحواس الأشياء إدراك ذاتيّ، ولا تؤثر العلل الظاهرة العارضة في الذاتيات، وإدراك
العقل على قسمين: إدراك ذاتي هو فيه كالحواس لا يخطىء، وإدراك غير ذاتي وهو ما يدركه
بالآلة التي هي الفكر وبالآلة التي هي الحسّ، فالخيال يقلد الحسّ فيما يعطيه، والفكر ينظر
في الخيال فيجد الأمور مفردات فيحب أن ينشىء منها صورة يحفظها العقل فينسب بعض
المفردات إلى بعض فقد يخطىء في النسبة الأمر على ما هو عليه وقد يصيب، فيحكم العقل
على ذلك الحد فيخطيء ويصيب فالعقل مقلد ولهذا اتصف بالخطأ. ولما رأت الصوفية خطأ
النظار عدلوا إلى الطريقة التي لا لبس فيها ليأخذوا الأشياء عن عين اليقين ليتصفوا بالعلم
اليقيني، فإن الجاهل قد يتصف بالعلم فيما جهله ولا يتصف باليقين، ولهذا جاز أن يضاف
العلم إلى اليقين، وليس من إضافة الشيء إلى نفسه لا لفظاً ولا معنى. فأما اللفظ فإن لفظة
اليقين ما هي لفظة العلم فجازت الإضافة، ومن طريق المعنى أن اليقين عبارة عن استقرار
العلم في النفس والاستقرار ما هو عين المستقر بل الاستقرار صفة للمستقر وهي حقيقة معنوية
لا نفسية فليست عين نفس العلم فجازت الإضافة، وإنما قلنا إن الجاهل قد يتصف بالعلم فيما
هو جاهل به فهو قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ
الْعِلْمَّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَهْتَدَى﴾ [سورة النجم: الآية ٢٩] فذكر ((أعلم))
في الصنفين، إنما شرحنا بهذا الكلام ما قلناه في شعرنا فهو يتضمن شرح ما في هذا المنزل
فلهذا أوردناه، فلنرجع إلى ما يعطيه هذا المنزل فنقول والله المؤيّد:
اعلم أن من هذا المنزل تسبيح الحصى في كف النبيّ بَّر، ومن هذا المنزل أكله كتف
الشاة، ومن هذا المنزل حبّه جبل أحد، ومن هذا المنزل سلم عليه الحجر، ومنه يشهد
للمؤذن مدى صوته من رطب ويابس، ومنه هرب الحجر بثوب موسى عليه السلام حتى
أبصرت بنو إسرائيل عورته بريئة ممّا نسبوا إليه فقال: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾
[سورة الأحزاب: الآية ٦٩] ومنه قالت السموات والأرض لما تعلق بهما الأمر الإلهيّ: ﴿أَنَّنَا
طَآَبِعِينَ﴾ [سورة فصلت: الآية ١١]. ولما كان طلب حمل الأمانة عرضاً لا أمراً لهذا أبت القبول
لعلمها أنها تقع في الخطر فلا تدري ما يؤول إليه أمرها في ذلك، وحكم هذا المنزل في
الشرع واسع، فلنذكر بتأييد الله بعض ما يتضمنه هذا المنزل إن شاء الله تعالى.
فأول علم يتضمنه هذا المنزل علم الحركات المعقولة والمحسوسة، فاعلم أن الحركات
وهي المعاني التي تكون عنها الانتقالات، واختلف أصحابنا فيها هل هي ذوات موجودة في
عينها أم هي نسب؟ وهي عندنا نسب، وهذه النسب تعطي من الأحكام بحسب ما تنسب إليه،
فلها نسبة في المتحيزات تخالف نسبتها في غير المتحيزات، ونسبة في الأجسام تخالف نسبتها
في الجواهر، وما من موجود إلاّ ولها فيه نسبة خاصة وإن كانت نسبة، قال رسول الله وَله:
(يَنْزِلُ رَبِّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي الثُّلُثِ البَاقِي مِنَ الليلِ)) وهو موصوف سبحانه بأنه على عرشه
مستو بالمعنى الذي أراده وهو سبحانه معكم أينما كنتم كما يليق به ﴿وَنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبّلِ

٣٨٧
في المنازل/ الباب الخامس والثمانون ومائتان في معرفة منزل مناجاة الجماد
الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] إلينا، وهو تعالى في العماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، فهذا كله
يدلك على ما يراد بالانتقالات، فقد يكون ظهور حكم صفة على صفة، وقد يكون الانتقال من
حال إلى حال، وقد يكون من حيّز إلى حيّز، وقد يكون من مكان إلى مكان، وقد يكون من
منزلة إلى منزلة، فقد أعلمتك أن الانتقال سار في جميع الموجودات على ما تستحقه ذواتها
فتختلف كيفيات النسب وكله راجع إلى حكم الحركة، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ
أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١] وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩].
ثم لتعلم بعد أن قرّرنا هذا أن الحركة في المتحركات على قسمين: طبيعية وهي كالنموّ
في الناميات وعرضية، والعرضية اختيارية وغير اختيارية، فالاختيارية لا توجد إلاّ في
الحيوان، وغير الاختيارية تكون في الحيوان وغيره، وقسرية وهي التي تقع من غير المتحرك
سواء اقتضاها طبعه أو لم يقتضها طبعه، فالجماد والنبات الحركة القسرية فيه لا يقتضيها
طبعه، وغير الجماد تكون فيه على خلاف ما يقتضيه اختياره، وقد يكون المحرك من جنس
المحرك وقد لا يكون، وقد تكون الحركة قسرية عن حركة قسرية، وقد تكون لا عن حركة
قسرية، فالأولى كتحريك الرياح الأغصان، والثانية كرمي الإنسان الحجر علواً في الهواء،
ويدق الكلام في هذه المسألة ويخفى فإنها مسألة عظيمة القدر وما هي من العقول ببال، ولها
تعلق بباب التولد مثل حركة الخاتم لحركة الأصبع وحركة الكم لحركة اليد، وللحركة سلطان
عظيم حكمها مشهود في الأجسام ولوازمها ومعقول في المعاني وما لا يعرف حدّه فلها
السريان الأتم في الموجودات، وأوّل حكم لها في كل ما سوى الله خروج الأعيان وانتقالها
من حالة العدم إلى حالة الوجود، ولا يصحّ استقرار من موجود أصلاً، فإن الاستقرار سكون
والسكون عدم الحركة فافهم.
وبعد أن تقرّر هذا فإن الحركة التي في هذا المنزل التبس على الناس أمرها، فما عرفوا
هل هي طبيعية أو قسرية؟ أو طبيعية قسرية؟ أو طبيعية لا قسرية؟ أو قسرية لا طبيعية؟ وإنما
تصوّر الخلاف ممّن لم يشهد هذا المنزل ولا دخل فيه وهي عندنا حركة طبيعية اختيارية
لإظهار أسرار عن أمر إلهيّ. واختلفوا في السبب الموجب لهذه الحركة هل السبب سبب
الحياة أو سببها عالم الأنفاس أو لا سبب لها إلاَّ الأمر الإلهيّ؟ فاعلم أن الأمر في ذلك وجود
الأمر الإلهيّ في عالم الأنفاس فتوجه على هذا الكون فحرّكه فقبل الحركة بطبعه كتوجه الهواء
على الأشجار ليحركها بهبوبه، فالمشاهد يرى حركة الأغصان لهبوب الرياح، والعلم يرى أن
لولا ما أخلت الأغصان أحيازها لم تجد الرياح حيث تهب فلها الحكم فيها بوجه وليس لها
الحكم فيها بوجه، وكان المقصود من تحريك الهواء الأشجار إزالة الأبخرة الفاسدة عنها لئلاً
تودع فيها ما يوجب العلل والأمراض في العالم إذا تغذت به تلك الأشجار فيأكلها الحيوان أو
تفسد هي في نفسها بتغذيها بذلك، فكان هبوب الرياح لمصالح العالم حيث يطرد الوخم عنه
ويصفي الجوّ فتكون الحياة طيبة، فالريح سبب مقصود غير مؤثر في مسببه، وإنما الأثر في
ذلك لناصب الأسباب وجاعلها حجاباً عنه ليتبين الفضل بين الخلائق في المعرفة بالله ويتميز

٣٨٨
في المنازل/ الباب الخامس والثمانون ومائتان في معرفة منزل مناجاة الجماد
من أشرك ممّن وحّد، فالمشرك جاهل على الإطلاق، فإن الشركة في مثل هذا الأمر لا تصحّ
بوجه من الوجوه، فإن إيجاد الفعل لا يكون بالشركة ولهذا لم تلتحق المعتزلة بالمشركين
فإنهم وحّدوا أفعال العباد للعباد فما جعلوهم شركاء وإنما أضافوا الفعل إليهم عقلاً وصدقهم
الشرع في ذلك، والأشاعرة وحّدوا فعل الممكنات كلها من غير تقسيم لله عقلاً وساعدهم
الشرع على ذلك لكن ببعض محتملات وجوه ذلك الخطاب فكانت حجج المعتزلة فيه أقوى
في الظاهر، وما ذهبت إليه الأشاعرة في ذلك أقوى عند أهل الكشف من أهل الله وكلا
الطائفتين صاحب توحيد، والمشرك إنما جهلناه لكون الموجود لا يتصف إلاَّ بإيجاد واحد،
والقدرة ليس لها في الأعيان إلاَّ الإيجاد، فلا يكون الموجود موجوداً بوجودين، فلا يصحّ أن
يكون الوجود عن تعلّق قدرتين، فإن كل واحدة منهما إنما تعطي الوجود للموجود، فإذا
أعطته الواحدة منهما وجوده فما للأخرى فيه من أثر فبطل إذا حققت الشركة في الفعل ولهذا
هو غير مؤثر في العقائد، فالمشرك الخاسر المشروع مقته هو من أضاف ما يستحقه الإله إلى
غير الله فعبده على أنه إله فكأنه جعله شريكاً في المرتبة كإشتراك السلطانين في معنى السلطنة
وإن كان هذا لا يحكم في ملك هذا ولكن كل واحد منهما سلطان حقيقة.
وبعد أن عرفت ما يتعلق من العلم بالحركة على قدر ما أعطاه الوقت من التعريف بذلك
فلنبين من هذا المنزل لم وجدت هذه الحركة الخاصة؟ فاعلم أنها وجدت لإظهار ما خفي في
الغيب من الأخبار التي يثقل كونها على الخلق كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾
[سورة المزمل: الآية ٥] وقال في شأن الساعة: ﴿ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرَضِّ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٧]
وذلك أن الغيب إذا ثقل عليه الأمر وضاق عنه ولم يتسع له استراح على عالم الشهادة، فتنفس
الغيب تنفس الحامل المثقل، فأبرز في عالم الشهادة ما كان ثقل عليه حمله، وهو في المعنى
كما يثقل على الإنسان كتم سرّه وحمل همّه إذا لم يجد من يستريح عليه من إخوانه، فإذا وجد
أخاً يبث إليه من همّه الذي هو فيه وثقل عليه ما يجد في بثّه له راحة بما أخذه منه صاحبه
فكأنه قاسمه فيه فخف عليه، فإن كان ما وقع له به الهم تحت قدرة من يبثّه إليه من إخوانه
فقضى حاجته أزال ذلك الثقل عنه بالكلية، فمثل هذا هو الثقل الذي يكون في الغيب فيستريح
على الشهادة، وسبب ذلك كونه ليس له إنما هو أمانة عنده للشهادة، وإذا كان المطلوب من
ذلك الأمر الشهادة فإنما هو عند الغيب أمانة، فيكون الغيب مكلفاً بحفظها وأدائها في وقتها
إلى الشهادة فبالضرورة يثقل عليه، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنِّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا﴾ يعني لنفسه ﴿جَهُولًا﴾
[سورة الأحزاب: الآية ٧٢] يعني بقدرها فهي ثقيلة في المعنى وإن كانت خفيفة في التحمّل،
فكانت السموات والأرض والجبال في هذه المسألة أعلم من الإنسان ولم تكن في الحقيقة
أعلم وإنما الإنسان لما كان مخلوقاً على الصورة الإلهية وكان مجموع العالم اغتر بنفسه وبما
أعطاه الله من القوّة بما ذكرناه فهان عليه حملها، ثم إنه رأى الحق قد أهله للخلافة من غير
عرض عليه مقامها فتحقق أن الأهلية فيه موجودة ولم تقو السموات على الانفراد ولا الأرض

٣٨٩
في المنازل/ الباب الخامس والثمانون ومائتان في معرفة منزل مناجاة الجماد
على الانفراد ولا الجبال على الانفراد قوّة جمعية الإنسان، فلهذا أبين أن يحملنها وأشفقن
منها، وما علم الإنسان ما يطرأ عليه من العوارض في حملها فسمّي بذلك العارض خائناً، فإنه
مجبول على الطمع والكسل وما قبلها إلاَّ من كونه عجولاً، فلو فسح الحق له في الزمان حتى
يفكر في نفسه وينظر في ذاته وفي عوارضه لَبان له قدر ما عرض عليه، فكان يأبى ذلك كما
أبته السماء وغيرها ممّن عرضت عليه .
ولقد روينا فيما رويناه عن الحسن البصري أن رجلاً قدم من سفر فقصد دار الحسن فلما
خرج إليه الحسن قال له: إني قدمت من مدينة كذا وحملني فلان صديقك السلام عليك فهو
يسلم عليك، فقال له الحسن: متى قدمت؟ قال: الساعة، قال: هل مشيت إلى بيتك قبل أن
تأتيني؟ قال: لا هذا دخولي على حالتي إليك لأؤدي أمانتك، قال: يا هذا أما إنك لو مشيت
إلى بيتك قبل أن تأتيني ومتّ متّ خائناً، فالعاقل من لا يعد ولا يحمل أمانة، وحكم الأمانة
إنما هي لمن توصل إليه لا لمن يحملك إياها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَىَ
أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: الآية ٥٨] ولا شك ولا خفاء أنه في طبع كل شيء القلق ممّا يثقل عليه حتى
يخرجه عنه لكونه ليس له ما ثقل عليه وإنما هو أمر زائد، فإذا كان ذلك الأمر له زال ذلك الثقل
وفرح به حيث صار ملكه وظهرت له سيادته عليه، ألا ترى أن الإنسان إذا أودعت عنده مالاً
كيف يجد ثقله عليه ويتكلف حفظه وصيانته؟ فإذا قال له رب المال: قد وهبته لك وأخرجته عن
ملكي وخرجت عنه كيف يرجع حمل ذلك المال عنده خفيفاً ويسرّ به سروراً عظيماً ويعظم قدر
ذلك الواهب في نفسه، كذلك العبد أوصاف الحق عنده أمانة لا يزال العارف بكونها أمانة عنده
تثقل عليه بمراقبته كيف يتصرّف بها وأين يصرفها؟ ويخاف أن يتصرف فيها تصرف الملاك، فإذا
ثقل عليه ذلك ردّها إلى صاحبها وبقي ملتذاً خفيفاً بعبوديته التي هي ملك له بل هي حقيقته، إذ
الزائد عليه قد زال عنه وحصل له الثناء الإلهيّ بأداء أمانته سالمة، فقد أفلح من لم يتعد قدره،
كما يقال في المثل: ما هلك امرؤ عرف قدره، ومن هذا المنزل يعلم متعلق الاستفهام حيث
كان، وذلك أن الاستفهام لا يكون إلاَّ مع عدم العلم في نفس الأمر، أو مع إظهار عدم العلم
لتقرير المستفهم من استفهمه على ما استفهمه مع علم المستفهم بذلك فيقول المستفهم: أيّ
شيء عندك؟ وما لك ضربت فلاناً؟ فعلة الاستفهام عن الأمور عدم العلم.
والباعث على الاستفهام يختلف باختلاف المستفهم، فإن كان عالماً بما استفهم عنه
فالمقصود به إعلام الغير حيث ظنّوا وقالوا خلاف ما هو الأمر عليه مثل قوله تعالى لعيسى
عليه السلام: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اُلمّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٦]
بحضور من نسب إليه ذلك من العابدين له من النصارى، فتبرأ عيسى بحضورهم من هذه
النسبة فيقول: ﴿سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٦] فكان
المقصود توبيخ من عبده من أمته وجعله إلهاً، فقد وقع في الصورة صورة الاستفهام وهو في
الحقيقة توبيخ. ومثل هذا في صناعة العربية إذا أعربوه في الاصطلاح يعربونه همزة تقرير
وإنكار لا استفهام وإن قالوا فيه همزة استفهام والمراد به الإنكار، فلهم في إعراب مثل هذا

٣٩٠
في المنازل/ الباب الخامس والثمانون ومائتان في معرفة منزل مناجاة الجماد
طريقتان، فينبغي للعبد أن لا يظهر بصفة تؤدّيه إلى أن يستفهم عنه فيها ربه لما تعطيه رائحة
الاستفهام في المستفهم من نفي العلم، وذلك الجناب مقدس منزه عن هذا، فاحذر من هذا
المقام ولا تعصم من مثل هذا إلاّ بأن تكون عبوديتك حاكمة عليك ظاهرة فيك على كل حال،
فإن استفهمك الحق عن شيء فيكون ذلك ابتداء منه لا سبب لك فيه وهو سبحانه لا يحكم
عليه شيء فإنه إن شاء استفهم وإن شاء لم يستفهم، مع نسبة العلم إليه تعالى فيما يستفهم عنه
لا بدّ من ذلك .
وللاستفهام أدوات مثل ما وأي والهمزة فيخصّ هذا المنزل من الأدوات بما خاصة دون
من وغيرها من الأدوات ليس لغيرها من أدوات الاستفهام فى هذا المنزل دخول، وما وقفت
إلى الآن على سبب اختصاص هذا المنزل بها دون غيرها وهي في الحكم فيمن تدخل عليه
حكم من، والهمزة فإنها تدخل على الأسماء والأفعال والحروف ما ثم إلاَّ هذه الثلاث مراتب
فعمّت فكان لهذا المنزل عموم الاستفهام، ولا يصحّ أن يظهر في هذا المنزل على هذه الحالة
إلاَّ أداة ما لان معانيه تطلبها وقد يستفهم بالإشارة، ومن هذا المنزل إفشاء الأسرار وخفي
الغيوب لطلب المواطن لها، فيعلم الإنسان من هذا المنزل المواطن التي ينبغي أن يبدي فيها
ممّا عنده من الغيوب ويعرف أن موطن الدنيا لا يقتضي ذلك ولهذا لم يظهر من ذلك على
الملامية شيء، وأعني بالغيوب هنا كل غيب لا يطلبه الموطن. وأما الغيوب التي يطلبها كل
موطن فلا بدّ أن يخرج غيب كل موطن في موطنه إلى الشهادة وهذا حال الملامية إلاَّ أن يقترن
بإبراز ذلك أمر إلهيّ ولا يقترن به أمر قط إلاَّ أن يطلبه حال ما من الأحوال، وأما من غير حال
تطلبه فلا، ولهذا جهل الناس مقادير أهل الله تعالى عند الله وبهذا سمّوا أمناء، فإذا اقتضى
الموطن إبراز غيبه فالعارف أول من يبادر إلى ذلك ويسارع فيه، وإن لم يفعل كان غاشاً خائناً
لا يصلح لشيء، فإن سبق بإظهاره غيره تعين عليه ذلك الوقت إخفاؤه وأن لا يطلع أحد من
الخلق على ما عنده فيه إذ قد ناب غيره فيه منابه، فلم يبق لهذا العارف في إظهار ذلك منه إلاّ
حظ نفس لا غير، وهذا ليس من شأن خصائص الحق وأهله، فإن جاءه وحي من الله بذلك
مع أنه قد ظهر على يد غيره فليبادر لأمر الله وليظهره ويكون فيه كالمؤيد للأوّل.
واعلم أنه ما من جنس من أجناس المخلوقين إلاَّ وقد أرسل إليه من ملك وجن وإنسان
وحيوان ونبات وجماد، فذكر من الحيوان النحل ومن الجماد السماء والأرض وإن كان الكل
عندنا أحياء، ولكن نجري على المعهود المتعارف في الحسّ الغالب وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّن
شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] وقال: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [سورة فاطر:
الآية ٢٤] وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩] وقال: ﴿لَّوْ كَانَ فِى
اٌلْأَرْضِ مَتِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٩٥]
وقال: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٤] أي بلحنهم، والوحي
على ضروب شتى ويتضمنه هذا المنزل، فمنه ما يكون متلقّى بالخيال كالمبشرات في عالم
الخيال وهو الوحي في النوم، فالمتلقى خيال، والنازل كذلك، والوحي كذلك، ومنه ما

٣٩١
في المنازل/ الباب السادس والثمانون ومائتان في معرفة منزل من قيل له كن فأبى ...
يكون خيالاً في حسّ على ذي حسّ، ومنه ما يكون معنى يجده الموحى إليه في نفسه من غير
تعلّق حسّ ولا خيال بمن نزل به، وقد يكون كتابةً، ويقع كثيراً للأولياء وبه كان يوحى لأبي
عبد الله قضيب البان ولأبي زكريا البجائي بالمعرة بدير النقرة ولبقي بن مخلد تلميذ أحمد بن
حنبل صاحب المسند ولكن كان أضعف الجماعة في ذلك، فكان لا يجده إلاَّ بعد القيام من
النوم مكتوباً في ورقة، وممّا يتضمن هذا المنزل خلق الأعراض صوراً ذوات قائمة متحيزة في
رأي العين. فاعلم أن الإنسان إذا جاء الله به إليه جمعه عليه جمعية لا تفرقة فيها حتى يهبه الله
تعالى في ذلك ما يريد أن يهبه مما سبق في علمه، فإذا خرج عن ذلك المشهد وعن تلك
الحالة خرج بما حصل له، وكان قد حصل له أمراً كلياً مجملاً غير مفصل، فيبدو له عند
الخروج مفصل الأعيان لكل جزء منه صورة تخصّه فيخرج عن حال جمعيته إلى حال تفرقته
فتبادر صور الأعمال إليه دفعة واحدة، وتتعلق كل صورة منها بمن كان أصلاً في وجودها،
فإما له وإما عليه، فتتعلق بعينه صور نظره وبأذنه صور تعلق سمعه، وكذلك سائر حواسه في
ظاهره، ويتعلق بباطنه صور أعمال باطنه من أعمال فكره وخياله وسائر قواه الباطنة فيه، فإن
كانت الصور العملية توجب فرحاً فرح بذلك وبضده، وإن كانت صور الأعمال توجب حزناً
وغماً كان الإنسان بحسب ما توجبه الصورة، فإن كان من صورة ما يوجب هذا أو يوجب هذا
كان فرح الجزء الذي له صورة العمل المفرح فرحاً من حيثيته لا من حيث النفس المكلفة،
فيتنعم ذلك الجزء الإنساني بقدر ذلك، ويحزن الجزء الآخر بصورة عمله أيضاً، والنفس في
هذه الحالة تفرح بحكم التبعية لفرح هذا وتحزن بحكم التبعية لحزن هذا في حال واحدة
بإقبالين مختلفين، كما كانت تسمع في حال النظر، في حال البطش، في حال السعي، في
حال اللمس، في حال الشم، في حال الطعم، ولا يشغلها واحد عن الباقي مع أحدية
المدرك، كذلك ينعم من طريق ويحزن من طريق فهو الفرح المحزون وهو الرابح المغبون إلى
أن يدخل الجنة، وهذا من أعجب المشاهد، وقليل واجده في هذه الدار من أهل الطريق لعدم
كشفهم وتحققهم وقلة علمهم بذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب السادس والثمانون ومائتان
في معرفة منزل من قيل له كن فأبى فلم يكن من الحضرة المحمدية
[نظم: البسيط]
لعِلْمها أنها بالنور تُفْنيني
شمسُ الفَنَاء بدَتْ في كافٍ تكويني
بأن في ذلك الإيماء تَعْنيني
وقد أشارت ولم أعلَمْ إشارَتَها
خفيَّةَ العين بين الكاف والنُّونِ
فكنتُ واواً لعين العلم ظاهرةً
قد كان أجْمَلَها الرحمنُ في النونِ
فصَّلتُ في اللوح أسراراً متوَّجةً
من هذا المنزل قيدت جزءاً سميته الفناء في المشاهدة، فلنذكر الآن ما يتضمنه هذا
المنزل على ما يحوي عليه من الأصول فإن البسط فيه يطول. فاعلم أن مظهر هذا المنزل

٣٩٢
في المنازل/ الباب السادس والثمانون ومائتان في معرفة منزل من قيل له كن فأبى ...
اسمه النور ولكن الأنوار على قسمين: نور ما له شعاع ونور شعشعاني. فالنور الشعشعاني إن
وقع فيه التجلي ذهب بالأبصار وهو الذي أشار إليه رسول الله وَ# حين قيل له: يا رسول الله
هل رأيت ربك؟ فقال {وَلَهُ: (نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)) يقول نور كيف أراه يريد النور الشعشعاني، فإن
تلك الأشعة تذهب بالأبصار وتمنع من إدراك من تنشق منه تلك الأشعة، وهو أيضاً الذي أشار
إليه وَّ بقوله: ((إِنَّ اللَّهِ سَبْعِينَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ لَوْ كَشَفَها لأَخْرَقَتْ سُبُحَاتُ وجْهِهِ مَا
أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)) والسبحات هنا هي أنوار حقيقته فإن وجه الشيء حقيقته. وأمّا النور
الذي لا شعاع له فهو النور الذي يكون فيه التجلي ولا شعاع له ولا يتعدّى ضوؤه نفسه،
ويدركه المبصر في غاية الجلاء والوضوح بلا شك وتبقى الحضرة التي يكون فيها هذا الذي
كشفت له في غاية من الوضوح لا يغيب عنه منها شيء في غاية الصفاء، وفي هذا التجلي
يقول النبيّ وَّرَ: ((تَرَوْنَ رَبَّكُم كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَة البَذْرِ)) فمن بعض ما يريد بهذا التشبيه الذي
وقع بالرؤية إدراك ذات القمر لضعف أشعة القمر أن يمنع البصر من إدراك ذاته، والصحيح في
ذلك أنه يريد به إذا كسف ليلة بدره فإنه عند ذلك يدرك البصر ذات القمر التي لا تقبل الزيادة
ولا النقصان فهو إدراك محقق لذات القمر. ثم قال في نفس الحديث: ((أَوْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ
بالظَّهِيرَةِ لَيْسَ دُونَها سَحَابٌ)) وفى ذلك الوقت يكون نورها أقوى فتظهر الأشياء كلها بها فيدرك
البصر كل ما وقع عليه من الأشياء إدراكه حين كشفت له هذه الشمس، وإذا أراد أن يحقق
النظر إلى ذات الشمس في هذه الحالة لا يقدر، فأوقع التشبيه أن هذا التجلي ليس يمنع أن
يرى الناس بعضهم بعضاً أي لا يفنى، فلهذا أوقع التشبيه برؤية القمر ليلة البدر وبرؤية الشمس
وما اقتصر على واحد منهما، وأكد البقاء في هذا المشهد بقوله: ((لا تُضَارّونَ وَلاَ تُضَامُونَ)) من
الضيم والضم الذي هو المزاحمة ومن الضير والإضرار، ولما دخلت هذا المنزل وقع لي فيه
التجلي في النور الذي لا شعاع له فرأيته علماً ورأيت نفسي به ورأيت جميع الأشياء بنفسي
وبما تحمله الأشياء في ذواتها من الأنوار التي تعطيها حقائقهم لا من نور زائد على ذلك،
فرأيت مشهداً عظيماً حسياً لا عقلياً وصورة حقية لا معنى ظهر في هذا التجلي اتساع الصغير
لدخول الكبير فيه مع بقاء الصغير على صغره والكبير على كبره، كالجمل يلج في سم الخياط
يشاهد ذلك حساً لا خيالاً وقد وسعه ولا تدري كيف ولا تنكر ما تراه، فسبحان من تعالى عن
إدراك ما تُكيِّفُه العقول وفضل إدراكِ البصر عليها ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل
عمران: الآية ٦] فأظهر عجز العقول بهذا التجلي الذي أظهر به قوّة الأبصار وفضلها على
العقول، وأظهر في تجليه في النور الشعشعاني عجز الأبصار وقوّة العقول وفضلها على
الأبصار ليتصف الكل بالعجز وينفرد الحق بالكمال الذاتي، فمن عاين هذا المنزل يرى من
العجائب والآيات ما لا يمكن أن يحويه غيره، وأول هذا المنزل عند دخولك فيه ترى نفسك
مظهراً للحق، فإذا رأيته تتحقق من نفسك أنه ليس هو وهو آخر هذا المنزل، فيتضمن أوله هو
مشاهدة، ويخاطبك في هذا التجلي بأنه ليس هو فإنه من التجليات التي لا تفنى عين المشاهدة
فتجمع بين الرؤية والخطاب، وآخر هذا المنزل يتضمن الهو وهو في الغيب من غير رؤية وهو

٣٩٣
في المنازل/ الباب السادس والثمانون ومائتان في معرفة منزل من قيل له كن فأبى ...
متعلق نظر العقل، فأول هذا المنزل بصري وآخره عقلي وما بينهما، وهذا منزل يتضمن أيضاً
ما نذكره .
فاعلم أن الأسرار التي يمنحها الحق عبده من أهل هذه الطريقة على قسمين: منها
أسرار تعطيك بذاتها إن تظهرها في الأكوان من غير حرج في ذلك عليك ولا تحتاج في
إظهارها للغير إلى إذن إلهيّ، وأسرار لا تعطيك بذاتها هذا الحكم وهي على قسمين: قسم
منها تحتاج في إظهاره إلى إذن إلهيّ فإن أظهرته عن غير إذن قوبلت ووقع الحرج والجناح
عليك في إظهاره، وقد وقع لي مثل هذا ولكن بحمد الله قوبلت بالعتاب لا بالعقاب رحمة من
الله بي وعناية، وأسرار أخر لا يعطيها الحق لأحد بواسطة، فلو طلبت الإذن فيها إذا أطلعك
الحق عليها أن توصلها ما أذن لك فإنها أذواق لا تعرفها من غيرك بمجرد العبارة عنها، فإنها
ممّا ينفرد الحق بإيصالها من الحق إلى العبد كما يفعل بالأحوال، فلو رام أحد أن يعبر عن
الشوق الذي يجده إلى من اشتاق إليه ما أطاق ذلك ولا وصل إلى فهم الآخر منه شيء إلاَّ أن
يقوم الشوق به مثل ما قام بصاحبه فيعرف عند ذلك حقيقة مسمّى هذا اللفظ وكذلك ما في
معناه، وكلذة الجماع التي حرمها العنين لا يتمكن لمن قامت به أن يوصلها بالتعريف إلى
العنين، وكذلك كل علم يتعلق بالحواس لا يمكن للعقل أن يصل إلى معرفته بنفسه ولا
بالعبارة عنه إلاَّ أن يحسّ به الآخر، فالذي يختص بهذا المنزل معرفة الأسرار التي يتوقف
إظهارها ممّن قامت به وأعطيته على الإذن الإلهيّ ومعرفة الأسرار الإلهية المستورة خلف
حجاب الصور التي لا تظهر إلاّ لمن كان على بينة من ربه في ذلك، فإذا شهدت البينة
لها عند العبد قبلها فلا يحتاج إلى شاهد مثل ما يحتاج في غيرها، فإذا حصل العبد في
هذا المقام ووهبه الحق من هذه الأسرار وهب تجلّ واطلع على أمور غامضة من العلم
بالله سترها في نفسه وكتمها عن غيره وفاء بحق الأمانة وحفظها، ومعرفة بقدرها
ومنزلتها، ويطلع على هذه الأسرار معنا من ينسب بعض الأفعال إلى غير الله من المعتزلة
والفلاسفة وأهل الشرك الذين عبدوا غير الله مع عبادة الله، فقد ينفردون في أوقات مع الله
دون الشريك، وذلك في أوقات الضرورات المهلكة التي يقطعون فيها أن آلهتهم لا تغني
عنهم شيئاً فيلجؤون إلى الله في رفعها، فمن تلك الحقيقة المستورة فيهم في حال لا
يكون فيه تحت اضطرار حسيّ من ذلك الوجه ينالون هذه الأسرار وإن كانوا أشقياء، فإن
نيلهم إياها ممّا يزيد في شقاوتهم حيث عرفوا من بيده الاقتدار وعدلوا عنه وعملوا لغيره
ممّا نصبوه بأيديهم وأيدي من هو من جنسهم إلهاً وظهر لهم عجزه وتمادوا على غيّهم
كما قال تعالى: ﴿فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥].
واعلم أن بينة الله في عباده على قسمين: القسم الواحد هو البينة الحقيقية وهو قوله
تعالى: ﴿أَفَنْ كَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّيِّهِ﴾ [سورة محمد: الآية ١٤] يعني في نفسه. وأما من تقام له البينة
في غيره فقد يمكن أن يقبلها ويمكن أن لا يقبلها، والذي يقبلها إن قبلها تقليداً لم تكن في
حقه آية بينة ولا تنفعه، وإنما يكون التقليد فيما يجيء به الرسول من الأحكام لا من البينات

٣٩٤
في المنازل / الباب السادس والثمانون ومائتان في معرفة منزل من قيل له كن فأبى ...
والشواهد على صدقه، وإن لم يقبلها تقليداً فما قبلها إلاَّ أن يكون هو على بينة من ربه في أن
تلك آية بينة على صدق دعوى من ظهرت على يديه فيما ادعاه، فعلمت من هذا أن الشيء لا
ينفعك إلاَّ إذا كان فيك، ولا يضرك إلاَّ إذا كان فيك، ولهذا نقول في كثير من كلامنا: إن
حقيقة العذاب هي وجود الألم فيك لا أسبابه، سواء وقعت الأسباب فيك أو في غيرك، فلا
نقول في الأشياء إلاَّ أن تقوم لك منك، وأقلّها أن يقوم بك التصديق بما يتحقق به أهل طريق
الله بأنه حق وإن لم تذقه ولا تخالفهم فتكون على بينة من ربك ولا بدّ في كونهم صادقین،
وبتلك البينة التي أنت عليها توافقهم في ذلك فأنت منهم في مشرب من مشاربهم، فإنهم أيضاً
ممّن يوافق بعضهم بعضاً فيما يتحققون به في الوقت، وإن كان لا يدرك هذا ذوقاً ما أدركه
صاحبه فيقرّ له به ويسلمه له ولا ينكره لارتفاع التهمة، ومجالسة هؤلاء الأقوام لغير المؤمن
بهم خطر عظيم وخسران مبين كما قال بعض السادة، وأظنه رويماً من قعد معهم وخالفهم في
شيء ممّا يتحققون به في سرائرهم نزع الله نور الإيمان من قلبه، فلا يزال الإنسان على الحالة
التي هو عليها حتى يقوم له الشاهد بالخروج عنها، فمن كان في حالة الكتم كتم، ومن كان
في حالة الإظهار أظهر وأفشى ﴿قُلّ كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكَِتِهِ، فَرَبُكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [سورة
الإسراء: الآية ٨٤] من هؤلاء الفرق، فالله يجعلنا وإياكم ممّن هو على بينة من ربه .
فإن تلاه شاهد فحسن ومزيد طمأنينة وتقوية للنفس فيما هي بسبيله، وإن لم يكن ذلك
ففي كونه على بينة من ربه كفاية، فإن الشاهد إن لم يكن فيه المشهود له على بينة أنه صادق
فيما يشهد له به وإلاّ فلا يقبله في باطنه، كالشاهد مع صاحب الدعوى إذا كان في دعواه محقاً
فهو على بينة في نفسه من ربه أنه صادق ولكن الحاكم يطالبه بالشاهد، فإذا شهد الشاهد له
علم المشهود له أنه صادق في شهادته ببينته التي هو عليها أنه على حق في دعواه، وإن كان
المدعي ليس بصادق في دعواه فهو على بينة من نفسه ومن ربه أنه غير صادق فيما ادّعاه، فإذا
طلبه الحاكم بالشاهد فأتى بشاهد زور فشهد له أنه صادق في دعواه فالمدعى على بينة من
نفسه ومن ربه أن ذلك الشاهد الذي شهد له زور وشهد بالباطل ولا يقبله في نفسه وإن قبله
الحاكم، فأوّل ما يتجرح شاهد الزور عند من شهد له بما يعلم المشهود له أن الأمر على
خلاف ما شهد له به، فلهذا قلنا: إن الشاهد لا نلتزمه إذا كنا لا نقبله ولا نتحقق صدقه ولا
كذبه إلاَّ حتى يكون في ذلك على بينة من الله فاعلم ذلك. واعلم بعد أن تقرّر هذا أن الأمر
الذي كنى عنه الحق بأنه بينة لك من عنده هو سفير من الله إلى قلبك من خفي غيوبه مختص
بك من حضرة الخطاب الإلهيّ، والتعريف من الله أنه من عنده فخذ به وانظر ما يقبله فاقبله
وما يدل عليه فاعتمد عليه وما ينفيه فانفه كما يفعل صاحب الفكر في دليله، غير أن صاحب
الفكر قد يتخذ دليلاً ما ليس بدليل في نفس الأمر، وقد يتخذ دليلاً ما هو دليل في نفس
الأمر، ولكن بالنظر إلى قوّة العقل فقد أعطى ما في قوّته، فلا يكون أبداً من حيث هو عقل
إلاَّ أن ذلك دليل وهو دليل، وصاحب البينة من ربه على نور من الله وصراط مستقيم لا يعلم
الأشياء بها إلاَّ على ما تكون عليه الأشياء، لا يقبل الشبه إلاَّ شبهاً ذوقاً من صورته لا يتمكن له

٣٩٥
في المنازل/ الباب السادس والثمانون ومائتان في معرفة منزل من قيل له كن فأبى
أن يلبس فيها عليه بخلاف أصحاب الأفكار، والذي يعطيه هذا السفير منه ما يعطيه ما هو
مختص به، ومنه ما يعطيه ما هو مطلوب له ولغيره، ومنه ما هو مطلوب لغيره ولا يعطيه ما
ليس له ولا لغيره، وممّا يعطيه ما هو له مقيم وما ليس له بمقيم، فالمقيم كالمقامات وغير
المقيم كالأحوال. ثم إن أصحاب هذا المقام يتفرقون فيه ويتنوّعون على نوعين: منهم من
يعصم من تأثير هواه، ومنهم من لا يعصم من تأثير هواه فيه، مع أن كل واحد من الطائفتين
على علم محقق، فبينتهم التي هم عليها أنه معصوم وأن هواه ليس له عليه سبيل وأنه غير
معصوم وأن هواه قد أثر فيه لما سبق في علم الله فيه، وهل ينفعه هذا العلم عند الله في سعادته
أم لا؟ فعندنا أنه نافع وعند غيرنا أنه غير نافع، وإنما وقع الخلاف في مثل هذه المسألة بوجود
الكشف عند الواجد وعدم الكشف عند المخالف مع الاستناد إلى أمر معارض إمّا عقلي وإمّا
سمعي. ثم إن الله تعالى أمر عباده بالإقامة على ما خلقهم له من الذلة والافتقار إليه ببواطنهم
عامّة وبظواهرهم على طريقة مخصوصة بينها لهم الشارع وهي جميع الأفعال المقربة إلى الله،
سواء اقترنت بها في الصورة الظاهرة عزة أو ذلة وربوبية أو عبودية بخلاف الباطن فإن الباطن
يجري على الأمر المحقق الذي هو في نفسه عليه، والظاهر يجري على ما تقتضيه المصلحة
في الوقت بك أو بغيرك، فإن ظهر ربوبية وعزة في ظاهر العبد العارف كما ذكرناه لمصلحته
فإن الميل في الباطن إلى الذلة والعبودية موجود عنده وهو المعتمد عليه وذلك عارض ولا
سيما في موطن التكليف، ومن هذا المنزل ينشىء العبد الأعمال صوراً قائمة يكون فيها خلاقاً
بالفعل ولكن مما يقع له به السعادة عند الله، فلا يزال ينشىء تلك الصورة حتى يراها قائمة بين
يديه حساً ينظر إليها ويفرح بها، وجميع ما يظهر من تلك الصورة مما تقتضيه السعادة فإنما هو
لمنشىء هذه الصورة وهو هذا العبد فهي له كرأس المال وما يكون عنها كالأرباح والأرباح
إنما تعود منفعتها على رب المال لا على نفس المال.
ومن هذا المنزل أيضاً يظهر الجود الذاتي الذي لا يمكن دفعه لا اختيار للعبد فيه فيعطي
من نفسه لربه ما سأله فيه أن يعطيه مما لو لم يسأله فيه لأعطاه إياه، وهذا من كرم الله حيث
علم أنه لا بدّ أن يعطيه ذلك لأنه أمر تقتضيه ذاتك، فسألك في ذلك أن يجازيك على امتثال
أمره في ذلك، كما سألك فيما يمكن أن تعطيه وفيما يمكن أن تأباه، فأجرى هذا مجرى هذا
جوداً منه وليقوم جزاء ما أعطيته عن أمره مما هو عطاء ذاتي في مقابلة منعته وخالفت فيه أمره
مما ليس هو عطاء ذاتياً بل إمكانياً وهي جميع الأعمال المشروعة، فلهذا أمرك بما لا يمكنك
الانفكاك عنه، كما لا يمكن للسراج أن يمنع ضوءه، ولكن يتصوّر أن يقال له: اعط الأبصار
ضوءك ليدركوا به الأشياء فتجازى من حيث ذلك، وذلك أن تعلم أن حضرة ﴿كن﴾ تتضمن
روحاً وجسماً وقد يرتبطان وقد لا يرتبطان، فإذا ارتبطا كان هذا الجسم حياً على هذه الصورة
من الكاف والواو والنون، وإذا كان حياً انفعل عنه ما يتوجه عليه لارتباط الروح به وهو الإذن
الإلهي كالنفخ من عيسى عليه السلام في الطائر مقارناً للإذن الإلهيّ الذي هو النفخ الإلهيّ،
فاندرج النفخ الإذني الإلهي الذي به حيي الطائر وارتبط روحه في النفخ الجسماني القائم

٣٩٦
في المنازل/ الباب السادس والثمانون ومائتان في معرفة منزل من قيل له كن فأبى ...
بعيسى، فإذا وجد جسم ﴿كن﴾ من غير ارتباط الروح به لم يكن عنه شيء أصلاً، إذ الميت لا
يضاف إليه فعل أصلاً ولا يقوم لعقل فيه شبهه، بخلاف الحي والصورة الجسمية فيهما
واحدة، وإذا انفرد روح ﴿كن﴾ دون جسميته انفعلت عنه الأشياء، ومن جملة الأشياء جسمية
﴿كن﴾ الذي هو في عالم الحروف، فإذا عملت ما أوضحناه لك في هذا الكلام وقفت على
أمر عظيم من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: ٤٠]
ذلك الأمر ولا بدّ، ويقول الحق سبحانه لعباده في كلامه العزيز: أقيموا الصلاة ﴿أَصْبِرُواْ
وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٢٠٠]وجاهدوا ولا يقع شيء من ذلك لأنه قال لهم:
اخلقوا وليس من شأنهم أن يخلقوا فتعلق بهم جسم ﴿كن﴾ لا روحها فكانت ميتة يحرم عليهم
استعمالها فإذا تعلق الإذن الإلهيّ الذي هو ﴿كن﴾ الحية بإيجاد عين الجهاد أو الرباط أو
الصلاة أو أي شيء كان من أفعال العباد تكون في حين التوجه علينا، وليس من شأن الأفعال
أن تقوم بنفسها، فكانت الصلاة تظهر في غير مصل، والصيام في غير صائم، والجهاد في غير
مجاهد، وهو لا يصح، فلا بدّ من ظهرورها في المجاهد والمصلي وغير ذلك، فإذا ظهرت
فيه نسب الله الفعل إليه وجازاه عليه منة منه وفضلاً لأنه ما ظهر عين الصلاة إلا في المصلى،
فلو لم ينسب الفعل إليه لكان قدحاً في الخطاب والتكليف ومباهتة للحس وكان لا يوثق
بالحس في شيء، فحسم الله هذا الأمر بما نسب من هذه الأفعال لمن أظهرها فيه وأضافها إليه
وأمرهم بها وليس خلقها لهم وإنما ذلك إلى الله تعالى، فانظر ما أعجب هذا الأمر مع ما
يتضمنه من التناقض المحقق والإيمان بالطريقتين المتناقضتين فيه واجب، والاطلاع عليه من
باب الكشف مع وجود الإيمان تأييد عظيم وقوّة لمن أعطي ذلك، فإن في هذا الموطن زل
كثير من أهل الكشف وهو قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [سورة الجاثية: ٢٣] والعلم كان لا ينبغي أن
يصاحبه الضلال ولا يستلزمه وهنا قد وجد فيه ذلك فلا يخلو إما أن ضل بعلم أو لا بعلم
والأمر فيه إشكال .
ثم إن هذا المنزل يتضمن الجزاء على الأعمال يعني جزاء من ذكرناه في هذا المنزل من
الكاتمين لأسرار الحق الذين أمنهم الله عليها مما لا يظهرونها إلا عن إذن إلهيّ، ومن ذكرناه
من الطوائف معهم فجزاؤهم الجلال والعظمة والهيبة، وفي الدنيا الخوف والقبض والوحشة،
وفي الأحوال الاصطلام، وفي المحبة الغليل والاشتياق والشوق والكمد والخشية والتحقق
بذلك في كل موطن بحسب ذلك الموطن من الدوام وعدم الدوام إلا أنه في ظهور كونه لا
يتخلله غفلة ولا فترة أصلاً، فإذا زال المقام زال الحال لزواله، هذا جزاء من حفظ الأمانة ولم
يظهرها إلا بأمر الله، وجزاء من أظهرها بإذن الله الإقامة في جوار الله من اسمه الرب لا غيره
من الأسماء، ومعرفة العلوم التي تتعلق بمن هو تحت حيطته ودون منزلته لا بمن هو فوقه،
وأن هذه الحالة لهم دائمة والمقام لهم دائم في الدنيا والآخرة ولهم الجمال والأنس، ومن
الأحوال الرضا، ومن المحبة الوصلة والتعانق والالتذاذ بلثم المحبوب وضمه. ومن خصائص
هذا المنزل أن صاحبه لا يبذل المجهود من نفسه في أعماله بل أعماله دون قوّته وطاقته ويقبل

٣٩٧
في المنازل/ الباب السابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل التجلي الصمداني وأسراره ..
الله منه ذلك فإنه ممن اتقى الله حق تقاته ما هو ممن اتقى الله استطاعته، وصاحب هذا المقام
لا يتصوّر منه أن يطلب من الحق ما لم يعطه مما هو جائز أن يحصل له ويمنعه من ذلك الحياء
من الله حيث لم يبذل المجهود من نفسه فيما كلفه من الأعمال على جهة الندب، فهو قانع بما
أعطاه ربه ولا يجد حسرة فوت لما فاته مع علمه بما فاته، لأن حاله الالتذاذ في ذلك الوقت
بما هو فيه من النعيم، وقد بينا أصول هذا المنزل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السابع والثمانون ومائتان
في معرفة منزل التجلي الصمداني وأسراره من الحضرة المحمدية
[نظم: البسيط]
غِيداً معطّرةً من عالم الأمْرِ
شَخْصُ الزمان له نفْسٌ تدبِّرهُ
جاءت به رُسْلُه في مُحْكَم الذِّكْرِ
جيمٌ وعينٌ وفاءً من منازلها
للظُّهْرِ والعَضْرِ ذاك الفَخْرِ والفَجْرِ
لها صلاتان من عِلْم الغُيوبِ وما
من أراد أن يقف على ما تضمنه هذا المنزل في التجلي الصمداني الذي هو خاص
به من المعارف والحقائق والأسرار الضيائية وغيرها فليطالعه في باب القلب من كتاب
مواقع النجوم لنا في علم هذا الطريق، فلنذكر في هذا المنزل ما سوى ذلك مخافة
التطويل فاعلم أن لهذا المنزل الإنابة وممن تحقق بها أبو يزيد البسطامي وهي الجمعية
الذاتية، ولا تكون للعارف من الله إلا عن شهود محقق من خلف حجاب مظهر بشري.
واعلم أن القوم قد اصطلحوا على ألفاظ لمعان قرروها في نفوسهم يخاطبون بها بعضهم
بعضاً، كما فعلت كل طائفة فيما تنتحله من العلوم كالنحويين وأصحاب العدد
والمهندسين والأطباء والمتكليمن والفقهاء وغيرهم، فما اصطلحت عليه هذه الطائفة
الهوية والأنية والأنانية لأغراض في نفوسهم، فهذا المنزل من ذلك منزل الأنانة، فالأنية
هي عبارة عن الحقيقة من حيث الأحدية، والأنانية التي هنا عبارة عن الحقيقة الأحدية
التي هي عين الجمع، فهذا منزل من منازل الغيوب لا ظهور له في الشهادة، لكن المنازل
التي في الغيب على ضربين: منازل يكون عنها آثار في الشهادة يستدل بتلك الآثار عليها
وإن كانت غيباً سواء ورد بذلك التعريف الإلهيّ أو لم يرد من حيث الخطاب، ومنازل لا
يكون عنها في الشهادة أثر فلا تعرف إلا من طريق التعريف الإلهيّ ولا تتحقق تحقق
منازل الآثار، وهذه الأنانية من المنازل التي لها آثار في عالم الشهادة والملكوت وآثارها
مختلفة وتتقيد باختلاف آثارها، وإن كانت في نفسها مطلقة فتارة تتقيد باسم ضمير مثلها
في الرتبة فتحتاج إلى تقييد آخر مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [سورة النساء: ١٦٣]
فإنا والنون من أوحينا على مرتبة واحدة من حيث أحدية حقيقة الجمعية والتقييد لأنا
الوحي والتقييد للنون من أوحينا ما يذكره بعده من قرآن أوروح أو غير ذلك، وتارة لا
يتقيد باسم ضمير مثل قولهم: أنا بني فلان، وكما قيل: [الرجز]

٣٩٨
في المنازل/ الباب السابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل التجلي الصمداني وأسراره ..
الموتُ أحلَى عندنا من العَسَلْ
نحن بني ضَبَّةَ إذ جدَّ الوَهَلْ
وما وقفت على مثل هذا في القرآن فكنا نستشهد به وإنما استشهدت بهذا وإن لم يكن
قرآنا فإنه من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم، والذي تقيدت به في هذا المنزل الإنزال
والإلهيّ لا التنزيل على العارفين من عباده، إما بما أجراه في خلقه أو بما يجريه في خلقه،
وإنزاله على قسمين: قسم يكون الإنزال على جهة التعريف بمكانة ما يجريه في خلقه أو ما
أجراه ومرتبته فيكون تنزله على قلب العبد من الغيب في الغيب من عين واحد إلى عين واحد
لا يقبل التفصيل والقسم الآخر يكون تنزله على قلب العبد وهو مشغول في تدبير هيكله
وطبيعته لا تأخذه عن ذلك، وذلك الإنزال من عين جمع إلى عين جمع ليفصل ما نزل عليه
لخلقه مما أجراه الله أو يحويه. حكي لنا عن جماعة منهم أبو البدر عن شيخنا عبد القادر
رحمه الله أنه قال: إن السنة تأتيني إذا دخلت فتخبرني بما يكون فيها وما يحدث، وكذلك
الشهر والجمعة واليوم، وكذلك كان الشيخ أبو يعزى أبو النور ببلاد المغرب كان إذا دخل
رمضان جاء يعلمه بما قبل فيه من العمل وممن قبل ويقبل، وإنما قيدته هنا في حق شيخنا أبي
يعزى رمضان لأن صاحبنا أبا زيد الرقراقي الأصول أخبرني بشهادة هذا في شهر رمضان إذ
كان هذا المخبر عنده في ذلك الوقت فرأى رمضان قد جاءه مخبراً بما ذكرناه فلا تعرف منازل
الأكوان عند الله من طريق التعريف الإلهيّ والعناية بهذا المقرب إلا بتعريف الله عباده في
أسرارهم بما يلقيه فيها من نفث روح في روع، مثل ما كانت الملائكة تنزل على الأنبياء عليهم
السلام بذلك.
واعلم أن المراتب التي يكون الخلق عليها متفاضلة في كل جنس، فالرسل يفضل
بعضهم بعضاً، والأنبياء يفضل بعضهم بعضاً، والمحققون يفضل بعضهم بعضاً، والعارفون
يفضل بعضهم بعضاً، وهكذا إلى أصحاب الصنائع العلمية، فهذا المنزل يفضل غيره في
التجليات الإلهية المشبه رؤيتها برؤية القمر والشمس بألفي تجل وثمان تجليات منطوية
مندرجة في الألفين المذكورين، غير أن هذه الثمانية لها خصوص وصف يظهر في تجلي
المقامات الذي هو مائة وستة وستون تجلياً، فعند ذلك يظهر سلطان هذه الثمانية من التجليات
ويعطي من المعارف ما شاء الله أن يعطي. وأمّا الألفان فهي تجليات سريعة الزوال مكثها قليل
ولا تعطي علماً عاماً. وأما المائة والستة والستون فتعطي من العلوم العامة السارية في
الموجودات وبقائها وما يكون عنها وبسببها علماً عاماً مجرّداً خالصاً ثابتاً لا يتزلزل ولا يشتبه،
وإن کان حکمه ينتقل منه وفیه ولا يخرج عنه.
واختلف أصحابنا هل ثم تجل في هذه التجليات يتصف بالنقص من حيث الصورة التي
يتجلى فيها إذا كانت صورة طبيعية والطبائع رباعية فيكون التجلي الناقص في الصورة الطبيعية
في وقت في العنصر الناري فيكون غير كامل في نفسه ولكن يعطى بحسب ما يعطيه عنصره لا
يزيد عليه فإذا كان في تجل آخر انضاف إلى تلك الصورة العنصر الثاني إلى أن يكمل العناصر
في أربع تجليات، فيقع التجلي في العنصر الرابع بكمال الصورة الطبيعية على صورة مكملة

٣٩٩
في المنازل/ الباب السابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل التجلي الصمداني وأسراره ..
فيلحق بإخوانه من التجليات والأمر عندنا ليس كذلك، ولا يصح أن يكون هناك تجل ينقص
أو يزيد، وإنما هذا الشخص القائل بهذا اظهرت له حالته في عين التجلي فتخيل أن النقص في
التجلي وكان النقص فيه، ثم اتفق أنه لما تجلى له التجلي الثاني رأى تلك الصورة التي كان
عليها في نفسه قد زاد فيها مالم يكن والنقص والزيادة فيه فحكم على التجلي بذلك .
واعلم أن الأرواح النورية المسخرة لا المدبرة تنزل على قلوب العارفين كما قلناه
بالأوامر والشؤون الإلهية والخيرات بحسب ما يريده الحق بهذا العبد فترقيه بما نزلت به إليه
ترقية، وتخليصاً إلى الحجاب الأقرب من الحجب البعيدة إلى أن يتولاه الله بارتفاع الوسائط،
غير أن هذا القلب إذا فارقته التنزلات الروحية التي يشترك فيها أهل هذه الطريقة والحكماء
العاملون على تصفية النفوس وتخليصها من كدر الطبع، وقبل أن يتولى الحق أمره بارتفاع
الوسائط يمكث معرّى عن الأمرين مثل الوقفة بين المقامين، ومثل النومة العامّة بين الحس
والخيال وهو مقام الحيرة لهذا القلب، فإن كان يأنس إليه ويأخذ عنه قد فقده، والذي يأتي
إليه مارآه بعد فيبقى حائراً، ولقد أخبرني صاحبي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأنصاري
القرطبي وفقه الله عن شيخنا أبي زكريا الحسني ببجاية قال: أخبرني غير واحد من أصحابه
وممن حضرموته أن الشيخ خرج إلى الناس وكان في المسجد الجامع معتكفاً في شهر رمضان
وقد غير لباسه الذي كان عليه وقد ظهر فيه التغير فقال لهم: ادعوا إليّ فإني قد فقدت الذي
كان عندي، ولم يكن بعد قد حصل له شيء مما يأتي وحار في أمره فطلب من الناس الدعاء
له فإنه لم يكن من أهل الأذواق الإلهية لغلبة الفقه عليه ما تخلص له الأمر ثم عاد إلى خلوته
فأبطأ عليهم خروجه فدخلوا عليه فإذا هو مسجى قد فارق الدنيا، فاشار إليهم بتغيير لباسه أن
الذي كان يلبسه قد جرد عنه والحيرة والافتقار إلى دعاء الإخوان دلت على أنه ما كان الحق
تولى أمره الذي أومأنا إليه، ففرحت له بذلك لعل الله يكون قد تولاه قبل موته بلحظة فقبضه
إليه وهو عنده، وحال العارف في هذه الحيرة والوقفة التضرّع والابتهال إلى الله بالافتقار
والخشوع المستعمل في أن يتجلى له حكم توليه إياه بارتفاع الوسائط من الوجه الخاص الذي
بين كل موجود وبين ربه الذي لا يعرفه كل عارف.
ومن هذا المنزل يعرف ما ينزل الحق من المعارف على قلوب عباده بإنزال الأرواح
إليها، قال تعالى: ﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة غافر: ١٥] ﴿أَنَّهُ لَآَ إِلَّهَ
إِلَّّ أَنَا﴾ [سورة النحل: ٢] ولم يقل هو فكان الروح هو الملقى من عند الله إلى قلوب عباده،
ويكون أمر الله هو الذي ألقاه، ويكون ذلك الروح صورة قوله: ﴿لَآَ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾
فارتفعت الوساطية في هذا المنزل إذا كان عين الوحي المنزل هو عين الروح وكان الملقي هو
الله لا غيره، فهذا الروح ليس عين الملك وإنما هو عين المألكة فافهم، فمثل هذا الروح لا
تعرفه الملائكة لأنه ليس من جنسها، فإنه روح غير محمول ليس نورانياً والملك روح في
نور، وهذا الذوق لنا ولسائر الأنبياء. وأمّا الملائكة فقد يكونون ممن اختص بهم الرسل وهو
قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُّ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [سورة الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] فهو رسول الرسول.

٤٠٠
في المنازل/ الباب السابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل التجلي الصمداني وأسراره ..
وأمّا تنزل الأرواح الملكية على قلوب العباد فإنهم لا ينزلون إلا بأمر الله الرب، وليس
معنى ذلك أن الله يأمرهم من حضرة الخطاب بالإنزال وإنما يلقي إليهم ما لا يليق بمقامهم في
صورة من ينزولون عليه بذلك، فيعرفون أن الله قد أراد منهم الإنزال والنزول بما وجدوه في
نفوسهم من الوحي الذي لا يليق بهم، وأن ذلك الوحي من خصائص البشر، ويشاهدون
صورة المنزل عليه في الصور التي عندهم تسبيحها، يا من أظهر الجميل وستر القبيح المستور
التي تسدل وترفع فيرفعون من تلك الصور من هو صاحبها في الأرض فيينزلون عليه ويلقون
إليه ما ألقى إليهم فيعبر عن ذلك الملقي بالشرع والوحي، فإن كان منسوباً إلى الله بحكم
الصفة سمي قرآناً وفرقاناً وتوراة وزبوراً وإنجيلاً وصحفاً، وإن كان منسوباً إلى الله بحكم
الفعل لا بحكم الصفة سمي حديثاً وخبراً ورأياً وسنة، وقد ينزلون أيضاً بالأمر الإلهي من
حضرة الخطاب، وكلا الوجهين من التنزيل يتضمنه قول جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم
لما قال له الحق أن يقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم عن ربه ولهذا جعله من القرآن وهو حكاية
الله عن جبريل وجبريل هو الذي نزل به وما أخرجه نزوله به، والحكاية عنه عن أن يكون قرآناً
فكان جبريل يحكي عن الله تعالى ما حكى الله تعالى عن جبريل أن لو قال لمحمد وَ ل و ذلك
لقاله له على هذا الحد في عالم الشهادة وهو قوله: ﴿وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكٌ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينًا
وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبِّكَ نَسِيًّا﴾ [سورة مريم: ٦٤] فيما شاهده من قول جبريل لمحمد
عليهما السلام وهم أعيان ثابتة في حال عدمهم وخطاباتهم أعيان ثابتة في حال عدمهم له،
فهو الإشارة إليه بقوله: ﴿وَمَا نَثَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبٌِّّ لَهُ مَا بَيْنَ أَيَدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا
كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ فكانت الحكاية أمراً محققاً عن وجود لله محقق لا يتصف بالحدوث، ثم
حدث الوجود لتلك الأعيان فأخبرت بما كان منها قبل كونها مما شاهده الحق ولا تشهده لعدم
وجودها في عينها. روي عن الزهري أنه حدّث عن شخص من الثقات حديثاً أو حدث عنه
فقال المحدّث عنه: لا أعلم هذا الحديث ولا أنا منه على يقين ولكن أنت عندي ثقة، فرواه
عنه عن نفسه وقال: حدثني فلان عني وقال: إني قلت له حدثني فلان واتصل الإسناد فتنبه
لهذه المسألة في طريق الرواية .
ومما يتضمن هذا المنزل فضل العلم المستور على العلم المشهور، والعلم المستور هو
على ضربين: ضرب منه لم يضمن من الشهادة صور كلمات، وضرب ضمن صور كلمات،
فمثل العلم المضمن صور كلمات وهو مستور عن أن يتعلق به معرفة عارف على القطع إلا
بأخبار إلهي فهو علم ما تشابه من القرآن الذي لا يعلم تأويله إلا الله فهذا من العلوم المستورة،
ولكن لا يعرف من صور الكلمات في أي وجه هو مستور فيه. والعلم الثاني المستور هو
الذي لم يكن له صورة يحتجب بها من صورة الكلمات، وفضل مثل هذا العلم ومنزلته
مجهولة يعلمها الله ومن أعلمه الله وقد يصادف الإنسان العمل بما يقتضيه ذلك العلم وهو لا
يعرف ذلك حتى ينتقل إلى الدار الآخرة فيجد ثمرة عمله مرتبطة بمنزلة ذلك العلم المستور
فيعلمه عند ذلك، ومما يتعلق بهذا الباب إنزال الهو منزلة الشاهد مع بقاء الهو في ثمرة عمله