النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ في المنازل/ الباب الثمانون ومائتان في معرفة منزل ما لي وأسراره من المقام الموسوي السامع زيداً آخر غير هذا، والمتكلم إنما أراد الحاضر، فإذا ترك التلفظ باسمه وأشار إليه بيده أو بعينه فقال كلم هذا مشيراً إليه كان أفصح وأبعد من الإبهام والنكر، والحرف إنما هو لفظ مجمل يحتمل التوجيه فيه إلى أمور مثل ما رمز الشاعر في التعريف بالنار من غير أن يسميها فقال: [الوافر] وتأكلُ في المساء وفي الصباحِ وطائرة تـطير بلا جناح وهزّ في الحُسام لدَى الكفاحِ وتمشي في الغُصون لها صِياحَّ وتغلب للصَّوَارم والرِّماحِ تفرُّ الأسْدُ منه في الفَيَافي وتجلس بين أفخاذ العَذَارى وتَكْشِفُ ما خَفِي تَخْتَ الوشاحِ فترجع حيَّةً عند الجِراحِ إذا ماتَتْ تَجَارَحَ والداها يريد بالوالدين الزناد، فهذا هو الرمز في النار، وقال الآخر في العين فأحسن : [الوافَر] وطائرةٍ تطير بلا جَنّاح إذا ما مسَّها الحجر استكَنَّثَ تفوقُ الطائرين وما تَطيرُ وتُتْكِرُ أن يلامسَها الحريرُ يريد بالحجر الإثمد. واعلم أنه من أقام في نفسه معبوداً يعبده على الظنّ لا على القطع خانه ذلك الظنّ وما أغنى عنه من الله شيئاً، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [سورة النجم: الآية ٢٨] وقال في عبادتهم: ﴿إِن يَتَّعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ [سورة النجم: الآية ٢٣] فما نسب إليهم قط أنهم عبدوا غير الله إلاَّ على طريق الظنّ لا على جهة العلم، فإن ذلك في نفس الأمر ليس بعلم، فمن هنا تعلم أن العلم سبب النجاة، وإن شقي في الطريق فالمآل إلى النجاة، فما أشرف مرتبة العلم، ولهذا لم يأمر الله نبيه و لو أن يطلب من الله تعالى الزيادة من شىء إلاّ من العلم فقال له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طُه: الآية ١١٤] فمن فهم ما أشرنا إليه علم أهل السعادة من أهل الشقاء ولم تؤثر فيه الأمور العرضية التي توجب الشقاء في الطريق، فلو علم المشرك ما يستحقه الحق من نعوت الجلال لعلم أنه لا يستحق أن يُشرك به، ولو علم المشرك أن الذي جعله شريكاً لا يستحق أن يوصف بالشركة لله في ألوهته لما أشرك فما أخذ إلاَّ بالجهل من الطرفين، قال تعالى: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٥] وقال: ﴿إِّ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [سورة هود: الآية ٤٦] فلو اقتصر المشرك على الشركة في الفعل لا في الألوهة لكان في الأمر سعة، فإن إضافة الأفعال إلى المخلوقين فيه إشكال ويعذر صاحبه فيمن هو ذو فعل، فإذا أضافوا الأفعال إلى من يعلمون أنه ليس بفاعل فبالجهل أخذوا وبه وقع التوبيخ فقيل لهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٥] وقال في حق ذي فعل: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [سورة ◌ُه: الآية ٧٩] فنسب الإضلال لفرعون وما نسبه إلى قومه فإنه عندهم ذو فعل وفي نفس الأمر كذلك وقوله: ﴿وما هدى﴾ أي ما بين لهم طريق الحق فإنه موضع لبس لكونه ذا أفعال، فلو كان المعبود جماداً ما وقع اللبس. فإن قيل: فإن اتخذوا إلهاً من له فعل بالخاصية من جماد ونبات أيعذرون؟ قلنا: لا يعذرون فإن خاصيته لا تكون سارية في كل شيء حتى تضاف إليه الأفعال كما تضاف إلى ٣٦٢ في المنازل/ الباب الثمانون ومائتان في معرفة منزل ما لي وأسراره من المقام الموسوي الله، وبهذا القدر من الجهل أخذوا عبدة المخلوقين ذوي الأفعال كفرعون وغيره، فإن القدرة التي له لا تزيد على قدرة العابد إياه فهي قاصرة عن سريانها في جميع الأفعال، فإن القدرة الحادثة لا تخلق المتحيزات من أعيان الجواهر والأجسام فعبدوا من لم يخلق أعيانهم ولهذا وبّخهم بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ١٧]. فإن قيل: فإن أقدر أحد على جهة خرق العادة على خلق جوهر فعبده أحد لذلك هل يعذر أم لا؟ قلنا: لا بعذر فإنه يشهد أنه يقبل الحوادث ولا يخلو عنها، وما لا يخلو عن الحوادث يستحيل أن يتقدمها على الجملة، وإذا لم يتقدّم الحوادث على الجملة كان حادثاً مثلها، ومن شأن الإله أن يكون أقدم من كل ما يحدث على الجملة، فلا بدّ أن يكون الحادث متأخراً عنه بأيّ نسبة كان من نسب التأخّر، فلما فاته هذا القدر من العلم وكان جاهلاً به لم يعذر وأخذ بذلك وأصله إنما كان الجهل بذلك، فمن استند إلى معبود موضوع فإنما استند إليه بظنّه لا بعلمه فلذلك أخذ به فشقي إلاَّ أن يعطي المجهود من نفسه في نفي الشريك، فلم يعط فكره ولا نظره ولا اجتهاده نفيه جملة واحدة ولم یبعث إليه رسول ولم تصل إليه دعوته، فإن جماعة من أهل النظر قالوا بعذر من هذه حالته وهو مأجور في نفس الأمر مع أنه مخطىء وليس بصاحب ظنّ بل هو قاطع لا عالم، والقطع على الشيء لا يلزم أن يكون عن علم، وربما يستروح من قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١١٧] إن الله يعذره. ولا شك أن المجتهد الذي أخطأ في اجتهاده في الأصول يقطع أنه على برهان فيما أدّاه إليه نظره، وإن كان ليس ببرهان في نفس الأمر فقد يعذره الله تعالى لقطعه بذلك عن اجتهاده، كما قطع الصاحب أنه رأى دحية وكان المرئيّ جبريل فهذا قاطع على غير علم فاجتهد فأخطأ فإنه غير ذاكر لما نقصه من التقسيم، فإنه لو قال: إن لم يكن روحاً تجسد وإلاَّ فهو دحية بلا شك، فتدبر ما قرّرناه في مثل هذا فإن النبيّ وَّه يقول في المجتهد إذا اجتهد فأصاب: ((فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)) ولم يفصل بين الاجتهاد في الأصول والفروع، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّ مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٥] ويلحق بهذا الباب طوائف ممّن أوجب أكثر العلماء عليهم العذاب وحكموا عليهم بالشقاء من غير دليل واضح يفيد العلم، فأنزلوهم منازل الأشقياء بالظنّ والقطع على غير علم في نفس الأمر، فالإله لا يكون بالحسبان، فثبت بما ذكرناه أنه من ظنّ لم ينج من عذاب في الإله. فإن قيل: يقول الله: أنا عند ظنّ عبدي بي. قلنا له: هو مذهبنا، فإنه قال بي فقد أثبته، وما قال أنا عند ظنّ العبد بمن جعله إلهاً، فمتعلق الظنّ كان عنده بالله فيما يظنه من سعادة أو شقاء، فإنه عالم بالله صاحب ظنّ في مؤاخذته على الذنب أو العفو عنه. وبعد أن تقرّر هذا فلتعلم أن الجنة جنتان: جنة حسيّة وجنة معنوية، فالمحسوسة تتنعم بها الأرواح الحيوانية والنفوس الناطقة، والجنة المعنوية تتنعم بها النفوس الناطقة لا غير وهي جنة العلوم والمعارف ما ثم غيرهما. والنار ناران: نار محسوسة ونار معنوية، فالنار ٣٦٣ في المنازل / الباب الثمانون ومائتان في معرفة منزل ما لي وأسراره من المقام الموسوي المحسوسة تتعذب بها النفوس الحيوانية والنفوس الناطقة. والنار المعنوية تتعذب بها النفوس الناطقة لا غير والفرق بين النعيمين والعذابين أن العذاب الحسيّ والنعيم الحسيّ يكون بالمباشرة للذي يكون عن مباشرته الألم القائم بالروح الحيوانيّ، والعذاب المعنويّ لا يكون بمباشرة للنفوس الناطقة وإنما هو بما حصل لها من العلم بما فاتها من العمل والعلم المؤدّي إلى سعادة الروح الحيوانيّ الذي يتضمن سعادة النفس الناطقة. وأما نار الفكر الذي يتعلق ألمه بالحسّ وبالنفس فهي نار معنوية، فإن حصل العلم عنها أعقبها نعيم جنة معنوية، وإن لم يحصل العلم عنها لم يزل صاحبها معذباً ما دام مفكراً ولا نعيم له معنويّ، وإذا زال الفكر عنه بأي وجه زال من غير حصول علم فذلك النعيم الذي تجده النفس إنما هو الراحة من فقد نار التفكّر المسلّط على قلبه فهي راحة حسيّة لا معنوية فاعلم ذلك. واعلم أن هذا المنزل يتضمن علم عقل ما ليس بحيوان في الإدراك الحسيّ العادي عن الله تعالى ما يأمره به مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٧٢] وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآ أَنَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [سورة فصلت: الآية ١١] فجمعهما جمع من يعقل، وأثبت لها ما أثبت للحي العالم السميع القادر، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [سورة البلد: الآية ٢٠] فأخبر أنها مسلطة ولا يقبل التسليط إلاَّ من يعقل وأنها محرقة بالطبع فإنه لو لم تحرق بالطبع ما قبلت الإرسال على الكفار، إذ لو كان الحرق فيها بغير الطبع لما تصورت منها المخالفة لأن المخالف إنما هو الاحتراق، فهو أمر آخر يفتقر وجوده إلى إيجاد موجده، والحق ما خاطب إلاَّ النار، والإحراق عرض والعرض يفتقر إلى وجود في غير عين النار، فإنه إن وجد في النار فإنه لا ينتقل إلى الجسم المسلّط عليه النار لأن العرض لا ينتقل إذ لو انتقل لخلا عن المحل وقام بنفسه والعرض لا يقوم بنفسه فمن المحال تحريق الجسم المحرق بالنار، فيكون خطاب النار بالإحراق عبثاً، وقد وقع الخطاب على النار بالتسليط، فعلى من وقع فبطل أن يكون الحق يتكلم بالعبث، فكيف يخرج هذا الخطاب وعلى من يقع إذا لم يكن الإحراق للنار بالطبع؟ وهكذا كل جماد ونبات وحيوان خوطب لا بدّ أن يكون حياً عاقلاً قابلاً لما يخاطب به من شأنه أن يعقل ما قيل له افعل قبولاً ذاتياً تابعاً لوجود عينه، فهذا قد نبهتك على هذا النوع من الإدراك الذي يتضمنه هذا المنزل . واعلم أن جميع ما يحويه هذا المنزل من العلوم لا يوصل إليها إلاَّ بالتعريف الإلهيّ بوساطة روحانية الأنبياء لهذا المكاشف، وتلك الأرواح لا يعلمها من الله إلاّ بوسائط لغموضها ودقتها، فمن جملة ما يحويه علم كسر المكسور إلى ما لا نهاية له، ومعلوم من طريق العقل أن المكسور محصور فهو متناه لنفسه فكيف يقبل الكسر إلى ما لا يتناهى؟ وهذه مسألة تشبه بمسألة انقسام الجسم إلى ما لا نهاية له عقلاً لا حساً عند الحكماء لإبطال إثبات الجوهر الفرد الذي تنتهي إليه قسمة الجسم في مذهب المتكلمين، فمن هذا المنزل تعرف الحق عند من هو من هاتين الطائفتين وتطلع من هذا المنزل على علم قيام العذاب وحمله في ٣٦٤ في المنازل/ الباب الثمانون ومائتان في معرفة منزل ما لي وأسراره من المقام الموسوي غير أجسام المعذبين وعذاب المعذبين به مع كونه غير قائم بهم وهو من أشكل المسائل كيف يوجب المعنى حكمه لغير من قام به، فتشبه أيضاً هذه المسألة مسألة من يقول: إن الله إذا أراد أن يمضي أمراً خلق إرادة لا في محل ثم أراد بها إمضاء ذلك الأمر فقد أوجب المعنى حكمه لمن لم يقم به عند مثبتي الصفات أعياناً لها أحكام وهم المتكلمون. والفرق بين هذه المسألة وبين مسألتنا أن العذاب محمول في أجسام وحكمه في أجسام أخر غير الأجسام القائم بها العذاب، والعذاب المحمول في هذه الأجسام لا تتعذب به وهو قائم بها وهي متصفة به من كونها محلاً له لا من كونها معذبة به، والوجه الجامع بين المسألتين وجود الحكم المضاف إلى المعنى في غير المحل الذي قام به ذلك المعنى، وهل العلم مثل الإرادة في هذا الباب وغيره من الصفات أم لا؟ فيقوم العلم بزيد ولا يعلم به زيد ويعلم به عمر وهذا محال عقلاً، ولكن هذا المنزل يحكم بوقوع ذلك، فإن أردت تأنيس النفس لقبول ما أعطاه هذا المنزل في هذه المسألة فانظر ما أنت مجمع عليه مع أصحابك أن الحق سبحانه يتعالى عن الحلول في الأجسام، فإن الإنسان إنما يبصر ببصره القائم بجارحة عينه في وجهه، ويسمع بسمعه القائم بجارحة أذنه، ويتكلم بالكلام الموجود في تحريك لسانه وتسكينه وشفتيه ومخارج حروفه من صدره إلى شفتيه. ثم إن هذا الشخص يعمل بطاعة الله تعالى الزائدة على فرائضه من نوافل الخيرات، فينتج له هذا العمل نفي سمعه وبصره وكلامه وجميع معانيه من بطش وسعي التي كانت توجب له أحكامها، فكان ينطلق عليه من أحكامها سميع بصير متكلم إلى غير ذلك، فصار يسمع بالله بعدما كان يسمع بسمعه، ويبصر بالله بعدما كان يبصر ببصره، مع العلم بأن الله يتقدّس أن تكون الأشياء محلاً له أو يكون هو محلاً لها، فقد سمع العبد بما لم يقم به، وأبصر بما لم يقم به، وتكلم بما لم يقم به، فكان الحق سمعه وبصره ويده، فهكذا وجود العذاب في المحال التي لم تقم بها الصفة التي يكون حكمها العذاب، كما قد ثبت أن الصفة تعطي خلاف حكمها في المحل وأنت القائل به ولا فرق بين المسألتين، وقد أنشد في ذلك صاحب محاسن المجالس: [المجتث] سليم طَرْفِ سَقيم فهَلْ سمعتُمْ بصَبٌ ١. مُعَذَّبٍ بنعيم منعَم بعذابِ وأنشد أبو يزيد الأكبر طيفور بن عيسى البسطامي يخاطب ربه عزّ وجلّ: [الوافر] أريدكَ لا أريدكَ للثّوَابٍ ولكني أريدكَ للعقاب وكلُّ مآربي قد نلتُ منها سوى مَلْذوذٍ وَجْدي بالعَذَاب فطلب اللذة في العذاب، وهذا عكس الحقائق في العقل، ولكن أهل الكشف والذوق وجدوا أموراً أحالها العقل وإن كنا نعرف نحن ما قاله القائلان في شعرهما، ومن هذا الباب قال الله للنار: ﴿كُونِي بَرَّدًا وَسَلَمًا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٦٩] والنار لا تكون برداً في العقل إذ لو كانت برداً لبطلت الحقائق أن تكون حقائق، فقد جاء الذوق في تجليه بخلاف ما يعطيه العقل وإن كنا نحن نعرف ما قاله الحق في ذلك ولمن خاطب به، ولكن جئنا بذلك تأنيساً للمريد في المنازل/ الباب الأحد والثمانون ومائتان في معرفة منزل الضم وإقامة الواحد مقام الجماعة .. ٣٦٥ ليتحقق أن الله على كل شيء قدير وأن قدرته مطلقة على إيجاد المحال لو شاء وجوده كما ذكره في كتابه عن نفسه ما هو محال في العقل بما يعطيه دليله فقال: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَنَهُمْ هُوَ اَللَّهُ الْوَاحِدُ اَلْقَهَارُ﴾ [سورة الزمر: الآية ٤] فألحقه بدرجة الإمكان بالنسبة إلى المشيئة الإلهية، والعقل قد دلّ على أن ذلك محال لا من كونه لم يرده، فكانت هذه الآية أوّلها جرح جرح به العقل في صحة دليله ليبطله، ثم داوى ذلك الجرح في آخر الآية بقوله: ﴿سُبْحَنَّهُ﴾ أي هو المنزّه أن يكون لأحديته ثان، غير أن في قوله: ﴿اَلْقَهَارُ﴾ أسراراً من اعتبرها لمن يكون قهاراً، وجميع الأفعال إنما هي أحكام أسمائه في الكون فلا فعل لأحد إلاَّ لله، فالأفعال كلها من الاسم القادر والقاهر فما يقهر بالاسم القاهر إلاَّ موجد ذلك الفعل في الكون وهو أثر القاهر فما قهر إلاَّ نفسه وهو أثر الاسم القادر فما قهر إلاَّ الاسم القادر وهو المشارك له في وجود العين، فما قهر القاهر القادر إلاَّ بالاسم القادر، فالقادر نفسه قهر بالاسم القاهر إلاَّ أن يكون القهر بالمنع لا بالإيجاد فيكون عند ذلك القهر مضافاً إلى الاسم المريد، ولكن ما يمنع إلاَّ بالاسم القاهر للعين التي تهيأت لقبول الوجود، فقهرتها المشيئة وأخّرتها عن الوجود لأنّ لها الترجيح، فقد حصلت لك بما أوردته من الأنس في قبول هذه المسألة ما فيه كفاية فيما تعطيه طريقة القوم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الأحد والثمانون ومائتان في معرفة منزل الضم وإقامة الواحد مقام الجماعة من الحضرة المحمدية [نظم : الوافر ] لنَظُمِ الشَّمْلِ فيها بالحبيبِ صلاةُ العصر ليس لها نَظيرٌ محَصَّلَةٌ على أمرٍ عجيبٍ هي الوسْطَى لأمرٍ فيه دَوْرٌ ولا طرفين في عِلْمَ اللَّبيبِ وما للدور من وَسَطِ تراه فخُصَّ العبدُ بالعلم الغريبِ فكيف الأمرُ فيه فَدَتْكَ نفسي قال رب هذا المنزل: إن الصلاة الوسطى أجرها مقرون إذا لم تصل في جماعة بأجر من وتر أهله وماله، وقد قال العدل عيسى عليه السلام: قلب كل إنسان حيث ماله فاجعلوا أموالكم في السماء تكن قلوبكم في السماء، أي تصدقوا، وإلى هنا انتهت معرفة هذا العدل. وقال الصادق المؤتى جوامع الكلم رسول الله محمد بَّ: ((الصَّدَقَةُ تَقَعُ بِيَدِ الرّحْمُنِ فَيُرْبِيهَا فَيَكُونُ قَلْبُ العَبْدِ حَيْثُ مَالُهُ)) وإن حيثيته يد الرحمن وأين يد الرحمن من السماء؟ فقد أجمع العدلان على أن المال له من القلب مكانة علية، وأما الأهل من زوج وولد فلا خفاء على ذي لب أنهم منوطون بالفؤاد، فأما الزوجة فقد جعل الله بينها وبين بعلها المودّة والرحمة والسكون إليها، والسكون صفة مطلوبة للأكابر وهي الطمأنينة، قال إبراهيم: ﴿بَلَى وَلَكِن لِيَظْمَينَ قَلِى﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٠] أي يسكن إلى الوجه الذي يحيي به الموتى ويتعين لي إذ ٣٦٦ في المنازل/ الباب الأحد والثمانون ومائتان في معرفة منزل الضم وإقامة الواحد مقام الجماعة .. الوجوه لذلك كثيرة، فسكن إليه سكوناً لا يشوبه تحيّر ولا تشويش يعني في معرفة الكيفية، فانظر بماذا قرن النبي 8ّ# من فاتته صلاة العصر. وسبب ذلك أن أوائل أوقات الصلوات الأربع محدودة إلاَّ العصر فإنها غير محدودة وإن قاربت الحدّ من غير تحقيق فقربت من التنزيه عن تقييد الحدود، إذ كان المغرب محدوداً بغروب الشمس وهو محقق محسوس، والعشاء محدود أوله بمغيب الشفق وهو محقق محسوس أيّ شفق كان على الخلاف المعلوم فیه، والفجر محدود أوله بالبياض المعترض في الأفق المستطير لا المستطيل وهو محقق محسوس، والظهر محدود بزوال الشمس وفيء الظل وهو محقق محسوس، ولم يأت مثل هذه الحدود في العصر فتنزّهت عن الحدود المحققة فجعل النبيّ وَّر وقتها أن تكون الشمس مرتفعة بيضاء نقية، والحدّ الوارد في ذلك ما يكون في الظهور مثل سائر حدود أوقات الصلوات، فعظم قدرها النبيّ ◌َّ للمناسبة في نفي تحقيق الحدود، وكذلك حب المال والأهل لا يضبطه حدّ، يقول القائل في الولد: [السريع] أكبادُنا تمشي على الأرضِ وإنما أولادُنا بينَنَا فأنزل الولد منزلة النفس، وكما لا يفنى الإنسان في حبّه نفسه للقرب المفرط الذي ما يكون مثله قرب إليه البتة، كذلك لا يفنى الإنسان في حب ولده ولا ماله ولا أهله لأنه منوط بقلبه بمنزلة نفسه للقرب المفرط يخفى ذلك فيه، فإن اتفق أن يطلق امرأته وقد کان حبه إياها كامناً فيه لا يظهر لإفراط القرب أخذه الشوق إليها وهام فيها وحنّ إليها لبعدها عن ذلك القرب المفرط لتعلق الشوق والوجد بها، ولهذا يفنى العاشق في معشوقه الأجنبيّ لأنه ليس له ذلك القرب الظاهر الذي يحول بينه وبين الاشتياق إليه، ولقرب الحق من قلوب العارفين بالعلم المحقق الذوقيّ الذي وجدوه، لهذا صحّوا ولم يهيموا فيه هيمان المحبين الله من كونه تجلّى لهم في جمال مطلق وتجليه للعلماء به في كمال مطلق، وأين الكمال من الجمال؟ فإن الأسماء في حق الكامل تتمانع فيؤدي ذلك التمانع إلى عدم تأثيرها فيمن هذه صفته، فيبقى منزّهاً عن التأثير مع الذات المطلقة التي لا تقيدها الأسماء ولا النعوت، فيكون الكامل في غاية الصحو كالرسل وهم أكمل الطوائف لأن الكامل في غاية القرب يظهر به في كمال عبوديته مشاهداً كمال ذات موجده، وإذا تحققت ما قلناه علمت أين ذوقك من ذوق الرجال الكمل الذين اصطفاهم الله فيه واختارهم منه ونزّههم عنه، فهم وهو كهو وهم فسماه الكامل منهم العصر لأنه ضمّ شيء إلى شيء لاستخراج مطلوب، فضمت ذات عبد مطلق في عبوديته لا يشوبها ربوبية بوجه من الوجوه إلى ذات حق مطلق لا يشوبها عبودية أصلاً بوجه من الوجوه من اسم إلهيّ بطلب الكون، فلما تقابلت الذاتان بمثل هذه المقابلة كان المعتصر عين الكمال للحق والعبد وهو كان المطلوب الذي له وجد العصر، فإن فهمت ما أشرنا إليه فقد سعدت وألقيتك على مدرجة الكمال فارق فيها، ولهذا المعنى الإشارة في نظمنا في أوّل الباب: [الوافر] لضمِّ الشَّمْلِ فيها بالحبیبِ صلاةُ العصر ليس لها نظيرٌ وبعد أن أبنت لك مرتبة الكمال فلنبين لك من هذا المنزل قيام الواحد مقام الجماعة في المنازل/ الباب الأحد والثمانون ومائتان في معرفة منزل الضم وإقامة الواحد مقام الجماعة .. ٣٦٧ وهو عين الإنسان الكامل فإنه أكمل من عين مجموع العالم، إذ كان نسخة من العالم حرفاً بحرف ويزيد أنه على حقيقة لا تقبل التضاؤل حين قبلها أرفع الأرواح الملكية إسرافيل، فإنه يتضاءل في كل يوم سبعين مرة حتى يكون كالوضع أو كما قال، والتضاؤل لا يكون إلاَّ عن رفعة سبقت ولا رفعة للعبد الكليّ في عبوديته فإنه مسلوب الأوصاف، فلو أنتج لذلك الروح المتضائل حال هذا العبد الكلي في عبوديته لما تكرّر عليه التضاؤل فافهم ما أشرت به إليك، وقد نبهتك بهذا الخبر أن هذا الملك من أعلم الخلق بالله وتكرار تضاؤله لتكرار التجلي، والحق لا يتجلى في صورة مرتين، فيرى في كل تجلّ ما يؤديه إلى ذلك التضاؤل، هذا هو العلم الصحيح الذي تعطيه معرفة الله، ثم لتعلم أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم للصورة التي خصّه بها وهي التي أعطته هذه المنزلة فكان أحسن تقويم في حقّه لا عن مفاضلة أفعل من كذا بل هو مثل قوله: الله أكبر، لا عن مفاضلة بل الحسن المطلق للعبد الكامل كالكبرياء المطلق الذي للحق فهو أحسن تقويم لا من كذا كما هو الحق أكبر لا من كذا لا إله إلا هو ولا عبد إلاَّ المصمت في عبودته، فإن حاد العبد عن هذه المرتبة بوصف ما ربانيّ، وإن كان محموداً من صفة رحمانية وأمثالها فقد زال عن المرتبة التي خلق لها وحرم من الكمال والمعرفة بالله على قدر ما اتصف به من صفات الحق فليقلل أو يكثر. واعلم أن للإنسان حالتين: حالة عقلية نفسية مجرّدة عن المادة، وحالة عقلية نفسية مدبرة للمادّة، فإذا كان في حال تجريده عن نفسه وإن كان متلبساً بها حسّاً فهو على حالته في أحسن تقويم، وإذا كان في حال لباسه المادّة في نفسه كما هو في حسّه فهو على حالته في خسر لا ربح في تجارته فيه ﴿فَمَا رَبِحَت ◌َرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦] وهو قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَنَ لَكَفُورٌ﴾ [سورة الحج: الآية ٦٦] ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٣٤] ﴿إِنَّ الْإِنِسَنَ لِرَبِهِ، لَكَنُودٌ﴾ [سورة العاديات: الآية ٦] ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [سورة العصر: الآية ٢] ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٧٢] فإذا قال الإنسان الكامل الله نطق بنطقه جميع العالم من كل ما سوى الله ونطقت بنطقه أسماء الله كلها المخزونة في علم غيبه والمستأثرة التي يخصّ الله تعالى بمعرفتها بعض عباده والمعلومة بأعيانها في جميع عباده فقامت تسبيحته مقام تسبيح ما ذكرته فأجره غير ممنون، وسنومىء إلى تحقيق هذا في المنزل التاسع والثمانين ومائتين . وبعد أن نبهتك على معرفة قيام التوحيد بالواحد القائم مقام الجماعة في الخير والشر فإنه قال تعالى في هذا المقام في الخير والشر: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٢] ومنزلتنا في هذا البيان لأصحابنا من أهل هذا الشأن ومنزلة القابلين لما بيّناه وغير القابلين ما أردف الله به هذه الآية من تعريف الأحوال فقال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيْنَتِ ثُفَ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٢] فلنبين إيمان العصاة المعبر عنه بالتوبة وما يلزمه، وذلك أن الإيمان الأصلي هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها وهو ٣٦٨ في المنازل/ الباب الأحد والثمانون ومائتان في معرفة منزل الضم وإقامة الواحد مقام الجماعة .. شهادتهم له سبحانه بالوحدانية في الأخذ الميثاقي، فكل مولود يولد على ذلك الميثاق، ولكن لما حصل في حصر الطبيعة بهذا الجسم محل النسيان جهل الحالة التي كان عليها مع ربه ونسيها فافتقر إلى النظر في الأدلة على وحدانية خالقه إذا بلغ إلى الحالة التي يعطيها النظر، وإن لم يبلغ هذا الحدّ فإنّ حكمه حكم والديه، فإن كانا مؤمنين أخذ بتوحيد الله تعالى منهم تقليداً، وإن كانا على أي دين كان ألحق بهما، فمن كان إيمانه تقليداً جزماً كان أعصم وأوثق في إيمانه ممّن أخذه عن الأدلة لما يتطرق إليها إن كان حاذقاً فطناً قويّ الفهم من الحيرة والدخل في أدلته وإيراد الشبه عليها، فلا يثبت له قدم ولا ساق يعتمد عليها فيخاف عليه، فإذا تقدّم إيمانه بتوحيد الله شرك ورثه عن أبويه أو عن نظره أو عن الأمة التي هو فيها فذلك الإيمان هو عين إيمانه الميثاقي لا غيره، وإنما حال بينه وبين العبد حجاب الشرك كالسحابة الحائلة بين البصر والشمس فإذا انجلت ظهر الشمس للبصر، كذلك ظهور الإيمان للعبد عند ارتفاع الشرك إذا كان المشرك مقراً بوجود الحق. فإن قلت: فما حكم المعطل هل يكون إيمانه يوجد في الوقت أم حاله حال المشرك؟ قلنا: المعطل أقرب إلى الإيمان من المشرك، فإنه لا بدّ لكل إنسان أن يجد نفسه مستنداً في وجوده إلى أمر ما لا يدري ما هو فيقال له: ذلك هو الله، فإن حدث له بعد ذلك هل هو واحد أو أكثر من واحد كان في محل النظر في ذلك أو يقلد من يعتقد فيه من الموحدين فما ثم إيمان محدث بل هو مكتوب في قلب كل مؤمن، فإن زال في حق المريد الشقاء فإنما تزول وحدانية المعبود لا وجوده، وبالتوحيد تتعلق السعادة وبنفيه يتعلق الشقاء المؤبد، ولهذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ في الأخذ الميثاقي آمنوا لقول الرسول إليكم من عندنا، فلولا أن الإيمان كان عندهم ما وصفوا به . وأما نسبة الأعمال إلى هذا المنزل فهو على ما نقرره وذلك أن النبي وَلّ قال: ((بُعِثْتُ لأُثُمَّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ)) ومكارم الأخلاق أعمال وأحوال إضافية، لأن الناس الذين هم محل مكارم الأخلاق على حالتين: حر وعبد، كما أن الأخلاق محمودة وهي التي تسمّى مكارم الأخلاق، ومذمومة وهي التي تسمّى سفساف الأخلاق، والذين تصرف معهم مكارم الأخلاق وسفسافها اثنان وواحد، فالواحد هو الله والإثنان نفسك إذا جعلتها منك بمنزلة الأجنبي وغيرك وهو كل ما سوى الله، وكل ما سوى الله على قسمين وأنت داخل فيهم عنصري وغير عنصري، فالعنصري تصريف الخلق معه حسيّ، وغير العنصري تصريف الخلق معه معنوي، فالأعمال المعبر عنها بالأخلاق على قسمين: صالح وهو مكارمها وغير صالح وهو سفسافها، قال تعالى في القسم الواحد: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٩] وقال في الآخر عمل غير صالح ﴿فَلَ تَشَْلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَّمٌ إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾ [سورة هود: الآية ٤٦] فعلمه الأدب، وإن من الأدب أن تسأل عن علم ما لا يعلم فإذا علم فإن كان من أهل الشفاعة والسؤال فيه سأل فيه وإن لم يكن لم يسأل فيه ولكن غلبت عليه رحمة الأبوة، وهي شفقة طبيعية عنصرية فصرفها في غير موطنها فأعلمه الله أن ذلك من صفات الجاهلين، والجهل لا في المنازل/ الباب الأحد والثمانون ومائتان في معرفة منزل الضم وإقامة الواحد مقام الجماعة .. ٣٦٩ يكون معه خير، كما أن العلم لا يكون معه شرّ، فقول النبيّ وَلَّ: ((بُعِثْتُ لأْتُمْمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ)) يريد أنه يعلم ما هي وكيف تصرف وأين تصرف؟ فلتعلم أن المخاطبين بها كما ذكرنا لك حرّ وعبد، فللعبد منها شرب وللحرّ منها شرب، فإذا أضفت الخلق إلى الله تعالى فكل ما سوى الله عبد الله، قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلََّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [سورة مريم: الآية ٩٣]. وإذا أضفت الخلق بعضه إلى بعض فهو بين حرّ وعبد، فأمّا حظ العبد من الأخلاق فاعلم أن السيد على الإطلاق قد أوجب وحرم فأمر ونهى وقد أباح فخير وقد رجح فندب وكره، وما ثم قسم سادس، فكل عمل يتعلق به الوجوب من أمر من السيد الذي هو الله بعمل أو ندب إلى عمل فإن العمل به من مكارم الأخلاق مع الله ومع نفسك إن كان واجباً، وإن كان مندوباً إليه فهو من مكارم الأخلاق مع نفسك، فإن تضمن منفعة الغير ذلك العمل كان أيضاً من مكارم الأخلاق مع غيرك، وترك هذا العمل إذا كان على هذا الحكم من سفساف الأخلاق، وكل عمل يتعلق به التحريم أو الكراهة فالتقسيم فيه كالتقسيم في الواجب والمندوب إليه على ذلك الحدّ، فترك ذلك العمل لاتصافه بالتحريم أو الكراهة من مكارم الأخلاق، وعمله من سفساف الأخلاق، وترك العمل فيه عمل روحانيّ لا جسمانيّ لأنه ترك لا وجود له في العين. وأمّا العمل الذي تعلق به التخيير وهو المباح فعمله من مكارم الأخلاق مع نفسك دنيا لا آخرة، فإن اقترن مع العمل كونك عملته لكونه مباحاً مشروعاً كان من مكارم الأخلاق مع الله ومع نفسك دنيا وآخرة، وكذلك حكمه في ترك المباح على هذا التقسيم سواء، فجميع الأقسام تتعلق بالعبد، وقسم المباح يتعلق بالحرّ، وقسم المكروه والمندوب إليه يتعلق بالحر، وفيه من روائح العبودية شمة لا حقيقة، فهذا قد حصر لك هذا المنزل منازل الشقاء والسعادة وأبانها لك معينة أي عينت لك من أين تعلمها وهو معرفة الشرع الذي أنت عليه . فإن كان الإنسان ممّن لم تبلغه الدعوة فمكارم الأخلاق في حقّه ما قرّرها العقل من وجود الغرض والكمال، وملائمة المزاج كشكر المنعم الذي هو من مكارم الأخلاق عقلاً وشرعاً، وكفر النعمة من سفساف الأخلاق عقلاً وشرعاً وما كلف الله نفساً إلاَّ وسعها سواء بلغتها الدعوة أو لم تبلغها، فإن للشرع في عملها حكماً في نفس الأمر ويعفى عنه فيما أتته من سفساف الأخلاق حيث لم تبلغها الدعوة، والعفو عن ذلك من مكارم الأخلاق الإلهية، فالحق أولى بصفات الكرم من العبد بل هي له حقيقة وفي العبد بعناية التوفيق. وممّا يتعلق بهذا المنزل من المكارم التعاون على شكر المنعم والتعاون على تلقي البلاء من المبلي بأن لا يستند في ارتفاع البلاء عنه إلاَّ لمن أنزله به وهو الله تعالى، فإن أنزله بالغير فهو من سفساف الأخلاق، وإن أنزله بالله كان من مكارم الأخلاق، والعبد في الحالتين طالب رفع البلاء عنه، والبلاء عبارة عن وجوده وإحساسه بالألم لا غير، وفي هذا المقام يغلط كثير من أهل الطريق، فيحبسون نفوسهم عن الشكوى إلى الله فيما نزل بهم، والشبهة في ذلك لهم أنهم يقولون: لا نعترض عليه فيما يجريه علينا فإنه يؤثر في حال الرضا عنه فيقال لهم: قد الفتوحات المكية ج٤ - م٢٤ ٣٧٠ في المنازل/ الباب الثاني والثمانون ومائتان في معرفة منزل تزاور الموتى وأسراره من الحضرة الموسوية حصل مقام الرضا بمجرّد إحساسه وعدم طلب رفعه وذلك حدّ الرضا لا استصحابه، فإن النفس كارهة لوجود الألم، ولذا عبرنا عن البلاء بالألم لا بسببه، وينبغى للعبد أن يسأل الله تعالى أن يرفع عنه ما نزل به لما يؤدّي به إليه من كراهة فعل الله به، ولا بدّ من كراهته طبعاً لأن الألم يوجب حكمه لنفسه، والفعل في إنزاله إنما هو الله فيتضمن كراهة الألم كراهته طبعاً لأن الألم يوجب حكمه وجوده، ووجود الألم لم يكن لنفسه وإنما أوجده الله في هذا العبد فتتعلق الكراهة حالاً وضمناً بالجناب العزيز، فلهذا وقع من الأكابر ﴿رَبَّهُ: أَنِ مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٨٣] والتعليم بالسؤال في أن لا يقع منه في المستقبل ما لم يقع في الحال بقوله: قالوا ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] ويتعلق به من سوء الأدب مقاومة القهر الإلهيّ، ومقاومة العبد السيد في أمر ما في سفساف الأخلاق، إذ ليس ذلك من صفات العبودة، فيستعين العبد إذا كان ضعيفاً بأخيه المؤمن في ذلك، ويجب على الآخر معونته بالتعليم والتعزية، فإن المؤمن كثير بأخيه، وإذا انفرد الإنسان بهمه عظم عليه، وإذا وجد من يلقيه إليه ليقاسمه فيه ويستريح عليه ويخف عنه فأعانه الآخر يحسن الإصغاء إليه فيما يلقي إليه من همه، وجوابه إياه بما يسره في ذلك ومشاركته بإظهار التألّم لما ناله، فذلك الصديق الصادق المعين كما قيل: [الوافر] ويَرْمي بالعَدَاوةِ مَنْ رماني صديقي من يُقَاسمني هُمومي وقال الآخر: [الوافر] رقابُ الخَلْقِ خَفَّ على الرِّقابِ إذا الحَمْلُ الثَّقيلُ تقسَّمَتْهُ فهذا قد بيّنا لك بعض ما يحويه هذا المنزل بالإجمال لا بالتفصيل مخافة التطويل، فما تركنا منه شيئاً ولا أعلمناك منه بشيء، وهكذا فعلنا في كل منزل إن شاء الله تعالى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثاني والثمانون ومائتان في معرفة منزل تزاور الموتى وأسراره من الحضرة الموسوية [نظم: الطويل] فذلك موتٌ والجُسُومُ قُبورُ إذا جهلَتْ أرواحُنا عِلْمَ ذاتها وكان لها من أجل ذاك نُشُورُ وإن علمَتْ فالحَشْرُ فيها محقّقٌ وكلُ كلام دون ذلك زُورُ فما العلمُ إلاَّ بين نورٍ وظُلمةٍ اعلم أن الموت عبارة عن مفارقة الروح الجسد الذي كانت به حياته الحسية وهو طارىء عليهما بعدما كانا موصوفين بالاجتماع الذي هو علة الحياة، فكذلك موت النفس بعدم العلم. فإن قلت: إن العلم بالله طارىء الذي هو حياة النفوس والجهل ثابت لها قبل وجود العلم فكيف يوصف الجاهل بالموت وما تقدمه علم؟ قلنا: إن العلم بالله سبق إلى نفس كل إنسان في الأخذ الميثاقي حين أشهدهم على أنفسهم، فلما عمرت الأنفس الأجسام الطبيعية في المنازل / الباب الثاني والثمانون ومائتان في معرفة منزل تزاور الموتى وأسراره من الحضرة الموسوية ٣٧١ في الدنيا فارقها العلم بتوحيد الله فبقيت النفوس ميتة بالجهل بتوحيد الله، ثم بعد ذلك أحيا الله بعض النفوس بالعلم بتوحيد الله، وأحياها كلها بالعلم بوجود الله، إذ كان من ضرورة العقل العلم بوجود الله فلهذا سميناه ميتاً، قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيّتًا﴾ يعني بما كان الله قد قبض منه روح العلم بالله ﴿فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِي النَّاسِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٢٢] فردّ إليه علمه فحيى به كما ترد الأرواح إلى أجسامها في الدار الآخرة يوم البعث، وقوله: ﴿كَمَن مَثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٢٢] يريد مقابلة النور الذي يمشي به في الناس وما هو عين الحياة، فالحياة الإقرار بالوجود أي بوجود الله، والنور المجعول العلم بتوحيد الله، والظلمات الجهل بتوحيد الله، والموت الجهل بوجود الله، ولهذا لم يذكر الله في الآية عنا في الأخذ الميثاقي إلاَّ الإقرار بوجود الله لا بتوحيده ما تعرض للتوحيد فيها فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٢] فأقروا له بالربوبية أي أنه سيدهم، وقد يكون العبد مملوكاً لاثنين بحكم الشركة، فأي سيد قال له ألست بربك فلا بدّ أن يقول العبد بلى ويصدق فلهذا قلنا: إن الإقرار إنما كان بوجود الله رباً له أي مالكاً وسيداً، ولهذا أردف الله في الآية حين قال: ﴿فَأَحْيَيْنَهُ﴾ فلم يكتف حتى قال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ﴾ يريد العلم بتوحيد الله لا غيره فإنه العلم الذي يقع به الشرف له والسعادة، وما عدا هذا لا يقوم مقامه في هذه المنزلة فتأمل ما قلناه، فقد علمت أن ورود الموت على النفوس إنما كان عن حياة سابقة، إذ الموت لا يرد إلاَّ على حيّ، والتفرق لا يكون إلاَّ عن اجتماع. وبعد أن علمت هذا فاعلم أنه من خصائص هذا المنزل أن علم الواحد بالكثرة يوجب له الجهل بنفسه لأن الكثرة مشهودة له، وذلك أن الروح لا يعقل نفسه إلاَّ مع هذا الجسم محل الكم والكثرة، ولم يشهد نفسه قط وحده مع كونه في نفسه غير منقسم، ولا يعرف إنسانيته إلاَّ بوجود الجسم معه، ولهذا إذا سئل عن حدّه وحقيقته يقول: جسم متغذُ حساس ناطق، هذا هو حقيقة الإنسان وحدّه الذاتي النفسي، فيأخذ أبداً في حدّه إذا سئل عنه من كونه إنساناً هذه الكثرة، فلا يعقل أحديته في ذاته وإنما يعقل أحدية الجنس لا الأحدية الحقيقية، والذي يحصل له بالإكتساب أنه واحد في عينه علم دليل فكري لا علم ذوق شهودي كشفي، وكذلك العلم بالله إنما متعلقه العلم بتوحيد الألوهة لمسمّى الله لا توحيد الذات، فإن الذات لا يصحّ أن تعلم أصلاً، فالعلم بتوحيد الله علم دليل فكري لا علم شهود كشفي، فالعلم بالتوحيد لا يكون ذوقاً أبداً ولا تعلق له إلاَّ بالمراتب، وأين التوحيد في الذات مع ما قد ورد من الصفات المعنوية واختلاف الناس فيها واختلاف أعيانها بالحدّ والحقيقة وأن هذه ليست عين هذه، هذا في العقل وفي الشرع. ثم انفرد التعريف الإلهيّ باليد والعين والقدم والأصابع وغير ذلك وهذه كلها تنافي توحيد الذات ولا تنافي توحيد الألوهة، ولهذا ورد التنازع في قوله عليه السلام: ((إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا)) لأن أحدية المرتبة لا تقبل الثاني ولا تحمل الشركة، لأن المطلوب الصلاح لا الفساد والإيجاد لا الإعدام، وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَا ءَالِهَةُ إِلَّا اللَهُ لَفَسَدَنَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٢] فوحد الإله وما قال لو كانت ذات الإله تنقسم لفسدتا ما تعرّض ٣٧٢ في المنازل / الباب الثاني والثمانون ومائتان في معرفة منزل تزاور الموتى وأسراره من الحضرة الموسوية لشيء من ذلك وأن الإله عند المتكلمين مجموع ذوات، فإن الصفات أعيان زائدة موجودة قائمة بذات الحق وبالمجموع يكون إلهاً فأين التوحيد الذي يزعمونه؟ وكذلك العقلاء من الفلاسفة الإله عندهم مجموع نسب فأين الوحدانية عندهم؟ فإنهم يصفونه بالعلم والحياة واللذة والابتهاج بكماله، فالوحدة أمر يسمع واسم على غير مسمّى حقيقي إذا أنصفت فلا إله إلاَّ الله الواحد في ألوهيته القهار للمنازعين له في ألوهيته من عباده والمزاحمين له في أفعاله، وما عدا هذين الصنفين فلهم الله الواحد الغفار. وبعد أن علمت هذا فلا تحجبك هذه الكثرة عن توحيد الله تعالى، ولكن بينت لك متعلق توحيدك وما تعرضنا إلى الذات في عينها لأن الفكر فيها ممنوع شرعاً، قال رسول الله بََّ: ((لاَ تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ)) وقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٢٨] يعني أن تتفكروا فيها فتحكموا عليها بأمر أنها كذا وكذا، وما حجر الكلام في الألوهة ولا تدرك بفكر، ومشاهدتها من حيث نفسها ممنوعة عند أهل الله، وإنما لها مظاهر تظهر فيها بتلك المظاهر تتعلق رؤية العباد، وقد وردت بها الشرائع وما بأيدينا من العلم به إلاَّ صفات تنزيه أو صفات أفعال، ومن زعم أن عنده علماً بصفة نفسية ثبوتية فباطل زعمه فإنها كانت تحده ولا حدّ لذاته، فهذا باب مغلق دون الكون لا يصحّ أن يفتح انفرد به الحق سبحانه، وإذا كان الحق على ما أخبر الرسول ◌َ﴿ عن علمه بما علمه الله فقال: ((اللَّهُمَّ إِني أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْم سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْم غَيْبِك)) فعنده أسماء لا يعلمها إلاَّ هو هي راجعة إليه وقد منع باستيئثاره أنه لا يعلمها أحداً من خلقه، وأسماؤه ليست أعلاماً ولا جوامد، وإنما أسماؤه على طريق المحمدة والمدح والثناء، ولهذا كانت حسنى لما يفهم من معانيها بخلاف الأسماء الأعلام التي لا تدل إلاَّ على الأعيان المسمّاة بها خاصة لا على جهة المدح ولا جهة الذم، وأعظمها عندنا الاسم الله الذي لا تقع فيه المشاركة، فأين التوحيد مع هذا التعريف الذي يزعمه هذا الزاعم أنه قد حصل على علم التوحيد النفسي؟ وإذا لم يشهد له شرع ولا عقل ولا كشف وما ثم غير هؤلاء وهم عدول فكيف بك بما خرج عن هؤلاء؟ فالزم ما كلفته من زيارة الموتى وهو اللحوق بهم والإنخراط في سلكهم وهو العجز عن إدراك الأمر على ما هو عليه، وإنما نحن متصرّفون في أفعال المقاربة وهي كاد وأخواتها فيقال: كاد العروس يكون أميراً وما هو أمير في نفس الأمر، وكاد زيد يحج أي قارب الحج، وقال تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدّ بَرَهَا﴾ [سورة النور: الآية ٤٠] فوصفه بأنه ما رآها ولا قارب رؤيتها فإنه نفى القرب بدخول لم على يكاد وهو حرف نفي وجزم يدخل على الأفعال المضارعة للأسماء فينفيها، ويتعلق بهذا المنزل علم الزجر والردع لمن قال من الناس أنه قد علم ذات الحق أنه لا ينكشف له جهله بما زعم أنه عالم به إلاَّ في الدار الآخرة، فيعلم هناك أن الأمر على خلاف ما كان يعتقده من علمه وأنه لا يعلم دنيا ولا آخرة، قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٤٧] فعمّ فبدا لكل طائفة تعتقد أمراً ما ممّا الأمر ليس عليه نفي ذلك المعتقد، وما تعرض في الآية بما انتفى ذلك هل بالعجز أو بمعرفة في المنازل/ الباب الثاني والثمانون ومائتان في معرفة منزل تزاور الموتى وأسراره من الحضرة الموسوية ٣٧٣ النقيض؟ وكلا الأمرين كائن في الدار الآخرة كمن يقول بإنفاذ الوعيد لمن مات عاصياً على غير توبة فيغفر الله له يوم القيامة، فقد بدا له من الله ما لم يكن يعلمه من التجاوز وزال علمه بالمؤاخذة، فكل طائفة يبدو لها من الله بحسب مسألتها، فلو كان العلم في نفس الأمر علم يقين لما تبدّل، وإنما هو حسبان وظن قد احتجب عن صاحبه بصورة علم فهو يقول أنه يعلم، والحق يقول له تظن وتحسب، وأين مقام من مقام؟ فما كل أمر يعلم ولا كل أمر يجهل، فأعلم العلماء من علم ما يعلم أنه يعلم وما لا يعلم أنه لا يعلم . قال ◌َ: ((لاَ أُخْصِي ثَنَاءٌ عَلَيْكَ)) فقد علم أنه ثم أمر لا يحاط به. وقال الصديق: ((العجز عن درك الإدراك إدراك)) أي أنه أدرك أن ثم أمراً يعجز عن إدراكه فهذا علم لا علم. فيعلم الإنسان يوم القيامة عجز فكره عن إدراك ما حسب أنه أدركه غير أنه معذب بفكره بنار اصطلامه، فإن حجة الشرع عليه قائمة إذ قد أبان له وأعرب عمّا ينبغي له أن يفكر فيه كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَّكَّرُوْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّنْ جِنَّةٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٤] أي أنه يوصل إلى معرفة الرسول بالدليل، وبهذه الآية يستدل على أنه لا بدّ من أن ينصب الله تعالى على يد هذا الرسول دليلاً يصدّقه في دعواه، ولو لم يكن كذلك ما صدق قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَّكَّرُواْ﴾ ولا تكون الفكرة إلاَّ في دليل على صدقه أنه رسول من عند الله، والدليل هو المنظور فيه الموصل إلى المدلول، فلولا ما نصب الأدلة ما شرع للعقلاء التفكّر ولا طالبهم، وكذلك في معرفتهم به سبحانه فقال لما ذكر أموراً: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٤٢] فإذا تعدّى بالفكر حدّه وفكّر فيما لا ينبغي له أن يفكر فيه عذب يوم القيامة بنار فكره. ثم إن الإنسان يشغله الفكر فيما لم يشرع له التفكر فيه عن شكر المنعم على النعم التي أنعم الله عليه بها فيكون صاحب عذابين: عذاب الفكر فيما لا ينبغي، وعذاب عدم الشكر على ما أنعم به عليه، ولا نعمة أعظم من نعمة العلم، وإن كانت نعم الله لا تحصى من حيث أسبابها الموجبة لها، وإنما النعيم على الحقيقة وجود اللذة في نفس المنعم عليه بها عند أسباب كثيرة لا تحصى محصورة في أمرين: في وجود ما تكون به اللذة، وفي عدم ما يكون بعدمه اللذة وهي أمور نسبية، كوجود لذة خائف من عدوّ يتوقعه فيهلك ذلك العدوّ فيجد هذا من اللذة عند هلاكه ما لا يقدر قدرها، وذلك لوجود الأمن ممّا كان يحذره، فالأسباب لا تحصى كثرة واللذة واحدة وهي النعمة المحققة، كما أن الألم هو العذاب المحقق وأسبابه لا تحصى فسمّي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاوراً له أو كان منه بسبب. واعلم أن الزيارة مأخوذة من الزور وهو الميل، فمن زار قوماً فقد مال إليهم بنفسه، فإن زارهم بمعناه فقد مال إليهم بقلبه، وشهادة الزور الميل إلى الباطل عن الحق، فزيارة الموتى الميل إليهم تعشقاً لصفة الموت أن تحل به، فإن الميت لا حكم له في نفسه وإنما هو في حكم من يتصرّف فيه، ولا يتصوّر من الميت منع ولا إباية ولا حمد ولا ذم ولا اعتراض بل هو مسلم تسليم حال ذاتي، كذلك ينبغي لزائره أن يكون حاله مع الله حال الميت مع من يتصرّف فيه، وإذا بلغ إلى هذا المقام على الحد المشروع فيه لا على الإطلاق حينئذ يبلغ مبلغ ٣٧٤ في المنازل / الباب الثالث والثمانون ومائتان في معرفة منزل القواصم وأسرارها من الحضرة المحمدية الرجال، ولا يكون موصوفاً بهذه الصفة على الإطلاق إلاَّ في معناه لا في حسّه الظاهر والباطن، بل ينبغي له أن يكون حياً في أفعاله الظاهرة والباطنة في الأمور التي تعلق بها النهي الإلهيّ ويكون ميتاً بالتسليم لموارد القضاء عليه في كل ذلك لا للمقضى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثالث والثمانون ومائتان في معرفة منزل القواصم وأسرارها من الحضرة المحمدية [نظم: الطويل] تذكَّز من الآيات آيَ القَوَاصمِ إذا كنتَ مَشْغُوفاً بحبُ المَعَاصِم وأفْلَحَ من تُخييه آيُ العَواصمِ فإنَّ لها عن ذاك زَجْراً وعضْمَةً ولكنها جاءت على يَدِ قاسمِ وهذي أمورٌ لم أنَلها بفكرةٍ بِقَصْمَةِ قَهَّارٍ وعِضْمَةٍ عاصِمٍ ويُعْطي إلهُ الخَلْقِ عدلاً ومِنَّةٌ فكم بين شَخْصٍ بالملائك مُلْحَقٍ وبين شُخَيْصٍ مُلحقٍ بالبهائم اعلم أنه لما وصلت إلى هذا المنزل في وقت معراجي الذي عرج بي ليريني من آياته سبحانه ما شاء ومعي الملك قرعت بابه فسمعت من خلف الباب قائلاً يقول: من ذا الذي يقرع باب هذا المنزل المجهول الذي لا يعرف إلاَّ بتعريف الله؟ فقال الملك: عبداً لحضرة عبدك محمد بن نور، ففتح فدخلت فيه فعرفني الحق جميع ما فيه ولكن بعد سنين من شهودي إياه فكان ذلك شهوداً صورياً من غير تعريف، ثم بعد ذلك وقع التعريف به، ولما عرفني بأنه منزل مجهول قصم ظهري، ولما وقع التعريف به رأيته كله قواصم إلاَّ أن يعصم الله ممّا رأيت فخفت فسكن الله روعي بما جلى لي، فرأيت في هذا المنزل تحوّل الصور الحسيّة في الصور الجسمية كما يتشكل الروحانيون في الصور، فتخيلت أن تلك الصور الأول ذهبت فحققت النظر فيها فلم أدركها حتى أعطيت القوّة عليها، فتحولت فأدركت المطلوب فإذا هو على نوعين في التحوّل: النوع الواحد أن تعطي قوّة تؤثر بها في عين الرائي ما شئته من الصور التي تحب أن تظهر له فيها فلا يراك إلاَّ عليها وأنت في نفسك عن صورتك ما تغيرت لا في جوهرك ولا في صورتك، إلاّ أنه لا بدّ أن تحضر تلك الصورة التي تريد أن تظهر للرائي فيها في خيالك، فيدركها بصر الرائي في خيالك كما تخيلتها، ويحجبه ذلك النظر في الوقت عن إدراك صورتك المعهودة. هذا طريق، وطريقة أخرى يتضمنها هذا المنزل وذلك أن الصورة التي أنت عليها عرض في جوهرك فيزيل الله ذلك العرض ويلبسك ما أردت أن تظهر به من صور الأعراض من حية أو أسد أو شخص آخر إنساني وجوهرك باقٍ وروحك المدبر جوهرك على ما هو عليه من العقل وجميع القوى، فالصورة صورة حيوان أو نبات أو جماد، والعقل عقل إنسان وهو متمكن من النطق والكلام، فإن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم بأي لسان شاء الحق أن ينطقه به، فحكمه حكم عين الصورة في المعهود. في المنازل / الباب الثالث والثمانون ومائتان في معرفة منزل القواصم وأسرارها من الحضرة المحمدية ٣٧٥ ومن هذا الباب يعرف نطق الجمادات والنبات والحيوان وهي على صورها وتسمعها كنطق الإنسان، كما أن الروح إذا تجسد في صورة البشر تكلم بكلام البشر لحكم الصورة عليه، وليس في قوّة الروحاني أن يتكلم بكلام غير الصورة التي يظهر فيها بخلاف الإنسان وهو في غير صورة الإنسان، وهذا منزل الممسوخ من هذه الحضرة تمسخ الصورة الحسيّة في الدنيا والآخرة، ومن هذا المنزل تمسخ البواطن فترى الصورة أناسي، وفي الباطن غير تلك الصورة من ملك أو شيطان بصورة حيوان مناسب لما هو باطنه عليه من كلب أو خنزير أو قرد أو أسد، وكل ذلك يخالف ما تطلبه إنسانيته إما عال وإما دون، ومسخ البواطن قد كثر في هذا الزمان كما ظهر المسخ في الصور الظاهرة في بني إسرائيل حين جعلهم الله قردة وخنازير، ولا بدّ في آخر الزمان أن يظهر المسخ في هذه الأمة ولكن في اليهود منها لا في المسلمين، فإن الإيمان يحفظهم فما يمسخ من هذه الأمة إلاَّ يهودي أو منافق يظهر الإسلام ويخفي اليهودية، وإنما ألحقنا اليهود بهذه الأمة لأن أمة النبي ليست قبيلته، وإنما أمته جميع من بعث إليهم ومحمد ◌َّ بعث إلى الناس عامة، فجميع الناس أمته من جميع الملل، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، ومنهم من أسلم. وأما دخول الجن في دينه وَّ فكان دخولهم في دينه مثل ما كان دخول من لم يبعث إليه نبي في وقته في دين نبي وقته، ثم إن ذلك النبي الذي ما بعث إليه إذا لم يكن ذلك الداخل ممّن بعث إليه نبي آخر تجري أحكامه على من بعث إليه بما بعث به، فإن لكل نبي شرعة ومنهاجاً، فهكذا كان إيمان الجن برسول الله وَ الر. وأما ما ذكرناه من مسخ البواطن فقول النبي ◌َّلَهَ يخبر عن ربه في صفة قوم من أمته: ((أَنَّهُمْ إِخْوَانُ العَلاَئِيَةِ أَعْدَاءُ السّرِيرَةِ أَلْسِنَتُهُمْ أَخْلَى مِنَ العَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذْتَابِ يَلْبَسونَ لِلنَّاسِ جُلُّودَ الضَّأْنِ مِنَ اللّينِ)) فهذا هو مسخ البواطن أن يكون قلبه قلب ذئب وصورته صورة إنسان، فالله العاصم من هذه القواصم . وطريقة أخرى في التحوّل في الصورة وهي أن تبقى صورة هذا الشخص على ما كانت عليه ويلبس نفسه صورة روحاني يجد ذلك الروحاني في أي صورة شاء هذا الشخص أن يظهر للرائي فيها ويغيب هذا الشخص في تلك الصورة وهي عليه كالهواء الحافّ به فتقع عين الرائي على تلك الصورة الأسدية أو الكلبية أو القردية أو ما كانت كل ذلك بتقدير العزيز العليم. وطريقة أخرى وهي أن يشكل الهواء الحافّ به على أي صورة شاء ويكون الشخص باطن تلك الصورة فيقع الإدراك على تلك الصورة الهوائية المشكلة في الصورة التي أراد أن يظهر فيها، ولكن إن وقع من تلك الصورة نطق فلا يقع إلاّ بلسانه المعروف عند الرائي فيسمع النغمة فيعرفها ويرى الصورة فينكرها، لا يتمكن لمن هذه حالته أن يزول عن نغمته، وهذه قوّة الجن لمن يعرفهم فإنهم يظهرون فيما شاؤوه من الصور، والنغمة منهم نغمة جن لا يقدرون على أكثر من ذلك، ومن لا معرفة له بهذا القدر فلا معرفة له بالجن، إلاَّ أن ثم أقواماً تلعب الجن بعقولهم فتخيل لهم في عيونهم صوراً مثل ما يخيل الساحر الحبال في صورة حيات ساعية فيحسبون أنهم يرون الجن وليسوا بجن، وتكلمهم تلك الصور فيما يخيل إليهم ٣٧٦ في المنازل / الباب الثالث والثمانون ومائتان في معرفة منزل القواصم وأسرارها من الحضرة المحمدية وليست الصور بمتكلمة، بخلاف تجسد الجن في أنفسهم، فمن عرف من العارفين نغمات كل طائفة عرف ما رأى ولم يطرأ عليه تلبيس فيما رآه، وقد رأينا جماعة بالأندلس ممّن يرون الجن من غير تشكل وفي تشكلهم منهم فاطمة بنت ابن المثنى من أهل قرطبة وكانت عارفة بهم من غير تلبيس، ورأيت طائفة بمدينة فاس ممّن كانت الجن تخيل لهم صوراً في أعينهم وتخاطبهم بما شاؤوا لتفتنهم وليسوا بجن ولا بشكل جن، منهم أبو العباس الزقاق بمدينة فاس وكان قد لبس عليه الأمر في ذلك فكان يخيل إليه أن الأرواح الجنية تخاطبه ويقطع بذلك وسبب ذلك الجهل بنغمتهم، فكان إذا قعد عندي وحضر مجلسي يبهت ثم يصف ما يرى فأعلم أنه يخيل له، فكان يصل في ذلك إلى حدّ الملاعبة والمصاحبة والمحادثة، وربما يقع بينه وبين ذلك الذي شاهده مخاصمة في أمور ومناكرة فتضره الجن من طريق آخر، وهو يتخيل أن تلك الصور منها صدر الضرر وغلب عليه ذلك رحمه الله، وكان أبو العباس الدهان وجميع أصحابنا يشاهدون ذلك منه، فمن عرف النغمات لم تلتبس عليه صورة أصلاً، وقليل من يعرف ذلك ويغترون بصدق ما يظهر من تلك الصور في أوقات، فهذا قد بيّنا لك مراتب التحوّل في الصور من هذا المنزل. وفيه من هذا الظهور في الصور عجائب جمة تبهر العقول، وأعظمها تغير المزاج إلى مزاج آخر مع بقاء الجوهر لا بدّ منه لحامل لهذه الصورة فإن لم يبق الجوهر فما تحول قط، ولكن هذا جوهر آخر في صورته ما تبدّل ولا هو ذلك، كما أن زيداً لیس عمراً. ومن هذا المنزل أيضاً وزن أبي بكر الصديق بالأمة فرجح هذا منزل حضرة الوزن بين المخلوقين من كل ما سوى الله، ومن عرف ما في هذا المنزل وشاهد حكمه ورفعت له موازين الخلق على ما وضعهم الله عليه من الحال والمقام عرف فضل الملائكة بعضهم على بعض، وفضل الناس بعضهم على بعض، وفضل الجن بعضهم على بعض، وفضل الحيوان بعضه على بعض، وفضل النبات بعضه على بعض، وفضل الجماد بعضه على بعض، والمفاضلة بين الملائكة والبشر، وبين الجن والبشر، وبين الجماد والنبات والبشر، ويعرف مفاضلة كل جنس مع غير جنسه، ومن هنا يعرف فضل الحجر الأسود مع كونه جماداً وهو يمين الله، فانظر هذه الرتبة وهو جماد، وانظر في فرعون وأبي جهل وهو إنسان. ومن هذا المنزل إذا وقفت على هذه المفاضلات رأيت الجنة فيمن تسري من هؤلاء الأجناس وأنواع الأجناس وأنواع الأنواع إلى آخر درجة وهي أشخاص النوع الأخير، ويشاهد أيضاً سريان النار في الأجناس بين حر وزمهرير، وفي أنواع الأجناس، وأنواع الأنواع، حتى تنتهي إلى أشخاص النوع الأخير، فتحكم على كل من تشاهده بما تشاهده، فإنك إنما تشاهده بمآله لا بوقته، وهنا يقع تلبيس من حضرة خيالية في مقابلة هذه الحضرة، فيشاهد ما يعطيه شاهد الوقت فيحكم عليه بالمآل وهو تلبيس شيطاني من الصفة التي ذكرناها آنفاً من كون الجن والشياطين تخيل للناس صوراً عنهم وعن غيرهم وليس بحقيقة، وهذه المسألة التبس الأمر فيها على أبي حامد الغزالي وغيره. في المنازل / الباب الثالث والثمانون ومائتان في معرفة منزل القواصم وأسرارها من الحضرة المحمدية ٣٧٧ وممّن التبس عليه الأمر في ذلك من الشيوخ الذين أدركناهم أبو أحمد بن سيد بون بوادي أشت فكان يقول هو وأمثاله: إن الإنسان إنما يطرأ عليه التلبيس ما دام في عالم العناصر فإذا ارتقى عنها وفتحت له أبواب السماء عصم من التلبيس، فإنه في عالم الحفظ والعصمة من المردة والشياطين، فكل ما يراه هنالك حق فلنبين لك الحق في ذلك ما هو، وذلك أن الذي ذهبت إليه هذه الطائفة القائلون بما حكيناه عنهم من رفع التلبيس فيما يرونه لكونهم في محال لا تدخلها الشياطين فهي محال مقدسة مطهرة كما وصفها الله وذلك صحيح أن الأمر كما زعموه، ولكن إذا كان المعراج فيها جسماً وروحاً كمعراج رسول الله وَ طير، وأما من عرج به بخاطره وروحانيته بغير انفصال موت بل بفناء أو قوّة نظر يعطى إياها وجسده في بيته وهو غائب عنه بفناء أو حاضر معه لقوّة هو عليها فلا بدّ من التلبيس إن لم يكن لهذا الشخص علامة إلهية بينه وبين الله يكون فيها على بينة من ربه فيما يراه ويشاهده ويخاطب به، فإن كان له علامة يكون بها على بينة من ربه وإلاَّ فالتلبيس يحصل له، وعدم القطع بالعلم في ذلك إن كان منصفاً، وقد يكون الذي شاهده حقاً ويكون معصوماً محفوظاً في نفس الأمر ولكن لا علم له بذلك، فإذا كان على بينة من ربه حينئذ يأمن التلبيس كما أمنته الأنبياء عليهم السلام فيما يلقى إليهم من الوحي في بيوتهم، وذلك أن الشيطان لا يزال مراقباً لحال هذا المريد المكاشف سواء كان من أهل العلامات أو لم يكن فإن له حرصاً على الإغواء والتلبيس، ولعلمه بأن الله قد يخذل عبده بعد عصمته ممّا يلقى إليه فيقول عسى ويعيش بالترجي والتوقع، وإن عصم باطن الإنسان منه ورأى أنوار الملائكة قد حفت بهذا العبد انتقل إلى حسّه فيظهر له في صورة الحسّ أموراً عسى يأخذه بها عما هو بسبيله مع الله في باطنه، وهذا فعله مع كل معصوم محفوظ بأنوار الملائكة حساً في باطنه، وأما إن كان معصوماً في نفس الأمر وليس على باطنه حفظة من الملائكة فإن الشيطان يأتي إلى قلبه، وهذا الشخص بكونه معصوماً في نفس الأمر بالبينة التي هو عليها من ربه لا يقبل منه ما يلقى إليه، هذا إن لم يكن متبحراً في العلم ويكون صاحب مقام مقصور عليه. وأما إن كان صاحب تمكين وتبحر في العلم الإلهيّ أخذ ذلك منه فإنه رسول من الله إليه. فإن كان محموداً فقلب عينه في مجرد الأخذ حيث أخذه عن الله ولم يلتفت إلى الواسطة لعلمه بمحلها عند الله من الطرد والبعد فينقلب خاسئاً حيث أراد أمراً فلم يتم له بل كان فيه زيادة سعادة لهذا الشخص، ولكن من حرصه على الإغواء يعود إليه المرة بعد المرة، وإن كان الذي أتاه به مذموماً قلب عينه فصار محموداً في حقه بأن يصرفه على المصرف المرضي فينقلب خاسئاً حيث أراد أمراً فلم يتم له بل كان فيه سعادة لهذا الشخص، فإن كان حال هذا الشخص الأخذ من الأرض أقام له الشيطان أرضاً ليأخذ منها، فإما أن يردّه خاسئاً ويفرق بين الأرضين، وإما أن يكون متبحراً فيشكر الله حيث أعطاه أيضاً أرضاً متخيلة كما أعطاه أرضاً محسوسة وينظر سر الله فيها ويأخذ منها ما أودع الله فيها من الأسرار التي لم تخطر ببال إبليس، ويردها الله لهذا الشخص زيادة في ملكه وإن كان حاله السماء فإن الشيطان ٣٧٨ في المنازل / الباب الثالث والثمانون ومائتان في معرفة منزل القواصم وأسرارها من الحضرة المحمدية يقيم له سماء مثل السماء التي يأخذ منها ويدرج له من السموم القاتلة ما يقدر عليه فيعامله العارف بما ذكرناه في معاملته له بالأرض، وإن لم يكن في هذا المقام لبس عليه وتجرع تلك السموم القاتلة ولحق بالأخسرين أعمالاً، وإن كان حاله في سدرة المنتهى أو في ملك من الملائكة جلى له صورة سدرة مثلها أو صورة مثل صورة ذلك الملك وتسمّى له باسمه، ثم ألقى إليه ما عرف أنه يلقي إليه من ذلك المقام الذي هو فيه ليلبس عليه، فإن كان من أهل التلبيس فقد ظفر به عدوه، وإن كان معصوماً حفظ منه فيطرده ويرمي ما جاء به أو يأخذه من الله دونه ويشكر الله على ما أولاه وما زاده، ثم يرتقي هذا الشخص إلى حال هو أعلى فإن كان حاله العرش أو العماء أو الأسماء الإلهية ألقى إليه الشيطان بحسب حاله ميزاناً بميزان، فإن كان من أهل التلبيس كان كما ذكرناه، وإن لم يكن انقسم أمره إلى ما ذكرناه، فقد أعلمتك أن الشيطان لا يجلي للشخص إلاَّ على ما هي عليه حالته في صورة ذلك على السواء وعلى ما استقرّ في ذهنه ممّا قررته الشريعة، ألا ترى ابن صياد لما أظهر له إبليسه العرش إذ كان حاله وأبصر ذلك العرش على البحر لأنه رأى الله تعالى يقول: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ [سورة هود: الآية ٧] فجلى له العرش على البحر وهو قاعد عليه يأخذ عنه ابن صياد ويتخيل أنه يأخذ عن الله، فإن الله قد قال على ما أخبره به رسول الله وَّر في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى اَلْمَآءِ﴾ فقال له رسول الله وَ ◌ّ «ماذا ترى؟)) قال: أرى العرش، قال: ((أين؟)) قال: على البحر، فقال له رسول الله وَّرَ: ((ذُلِكَ عَرْشُ إِبْلِيسَ)) وخبّا له رسول الله وَّه سورة الدخان من القرآن فقال له رسول الله وَّر: ((ما خبأتُ لك؟)) فقال: الدخ والدخ هي لغة في الدخان، فقال له رسول الله وَشير: ((اخسأ فلن تَعْدُوَ قَدْرك))، يعني إنك ممّن لبس عليه الأمر فإنه وَلَّ ما خبأ له إلاَّ سورة الدخان وهي تحوي على الدخان وعلى غيره فما خبّأ له الدخان فأتاه باسمٍ السورة لا بما خبّأ له، وما قال سورة الدخان، وإنما قال: الدخ ولم يأت في هذه السورة إلاّ الدخان لا الدخ وإن كان هو بعينه، فلم يفرق ابن صياد بين سورة الدخان وبين الدخان فجهل فلهذا قال له رسول الله وَّ: ((اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)) حيث جاءه من هذه السورة بما يناسب إبليس الذي عرّفه بذلك وهو أن الشيطان مخلوق من النار، فما رأى من تلك الخبيئة إلاَّ ما يناسبه وما عرف أنها سورة الدخان فألقى إلى ابن الصياد في روعه هذا القدر وذلك أن النبي ◌َّ تلفظ باسم السورة عندما عينها في نفسه فسرقها الشيطان واختطفها من لفظه، ولو أضمرها رسول الله به في نفسه ما عرفها إبليس فإنه ليس له على قلبه ◌َّة إطلاع ولا استشراف بخلاف قلب الوليّ، ولهذا أن النبي معصوم من الوسوسة في حال نزول الوحي وفي غيرها لا فرق، ألا ترى الشيطان لما علم أن رسول الله وَلّ بهذه المثابة والعناية من الله في عصمة قلبه من استشراف إبليس عليه جاءه في الصلاة في قبلته بشعلة نار مخيلة فرمى بها في وجهه وغرضه أن يحول بينه وبين الصلاة لما يرى له فيها من الخير فإنه يحسده بالطبع فتأخر النبيّ وَّ إلى خلف ولم يقطع صلاته وأخبر بذلك أصحابه. وأما الوليّ فقد يلقي إليه في قلبه وقد يسمع منه ما يحدث به نفسه فيطمع أن يلبس عليه حاله كما ذكرناه، فمن كان على بينة من في المنازل / الباب الثالث والثمانون ومائتان في معرفة منزل القواصم وأسرارها من الحضرة المحمدية ٣٧٩ ربه فقد سعد وارتفع الإشكال، ولا بدّ للبيئة التي يكون عليها أن تكون بينة له، وإن لم تكن بينة فلا يقدر أن يحكم بها، فإنه قد تكون علامة لا بينة، فيتخيل أن العلامة هي البينة وليس كذلك، فإن العلامة إذا لم تكن بينة وهو التحقق بها وبها يقطع النبيون والأولياء فيما يرد عليهم من الله . ولقد أخبرني أبو البدر التماشكي البغدادي وهو من الفقراء الصادقين من أنظفهم ثوباً وأحسنهم عبارة قال لي: جمع بيني وبين الشيخ رغيب الرحبي مجلس وكان من العارفين غير أنه لم يبلغ فيما نقل إلينا مبلغ العارفين المكملين في شغلهم أنه قال له عن رجل الوقت أنه رأى خلعة قد خرجت له من الحضرة وقد أعطى علامة في ذلك الرجل وإلى الآن فما رآه لأنه لم ير تلك العلامة، فقال له أبو البدر رضي الله عن جميعهم: يا شيخ ألم تر بعد ذلك رجالاً كثيرة؟ فقال له: نعم، قال: وكانوا من الأكابر؟ قال: نعم ولكن ما رأيت تلك العلامة في واحد منهم، فقال له أبو البدر: وما يدريك أن واحداً من أولئك الرجال الذين رأيتهم كان هو المقصود بتلك الخلعة وتغرب عليك حتى لا تعرفه؟ فقال له رغيب: قد يكون ذلك فهذا صاحب علامة ولكن ما هو على بينة في علامته، فإن العلامة إنما هي في الباطن لا تزول عنه وهو الذي يكون بها على بينة من ربه في نفسه، فإذا جعلت له العلامة في غيره كان ذلك الغير حاكماً لها إن شاء ظهر له فيها وإن شاء لم يظهر، فلذلك قال رغيب ما قال في العلامة، ولم يبين من كان محل العلامة هل هو أو ذلك الرجل؟ فلما أقرّ بوقوع ما قال له أبو البدر في الدخول عليه في علامته علمنا قطعاً إذا صدقنا رغيباً في دعواه أن العلامة كانت في غيره فإنه ما هو على بينة من ربه فعلامته فيه ما يكون في غيره، فلذلك قد يمكن أن يصحّ ما قال أبو البدر أن يكون الرجل قد دخل عليه فيمن رأى من الرجال وتغرّب عليه، فاعتراض أبي البدر على هذا العارف اعتراض صحيح محرّر في الطريق، وإقرار رغيب في ذلك إقرار صادق يدل على صدق دعواه إلاَّ أنه قد يكون هذا الشيخ ممّن ليس على بينة، وقد يكون من أهل البينة، إذ لم يقع في دعواه لفظ البينة وعدل إلى العلامة التي يدخلها الاشتراك. وأما الشيخ أبو السعود ابن الشبل شيخ أبي البدر المذكور فالموصوف من أحواله أنه كان على بينة من ربه إلاّ أنه كان أعقل أهل زمانه، ولولا ما حكى عنه أبو البدر المذكور أنه انتهر شخصاً في ذكر عبد القادر بغيظ لا بسكون وهدوّ وعرفه أنه يعرف عبد القادر كيف كان حاله في أهله وحاله في قبره لكان عبداً محضاً ولكن عاش بعد هذا، فقد يمكن أنه صار عبداً محضاً لأنه لم ينتهر هذا الشخص لكونه أتى أمراً محرماً في الشرع، وإنما وصف أحوال عبد القادر وعظم منزلته، فلو أنه وقع في محظور شرعي وانتهره وغضب عليه لم يخرجه ذلك عن أن يكون عبداً محضاً، فسبحان من أعطى أبا السعود ما أعطاه، فلقد كان واحد زمانه في شأنه، نعم لو كان هذا الذاكر تلميذاً له لتعين عليه انتهاره إياه لأن انتهاره من تربيته، فإن كان من تلامذته فذلك الانتهار لا يخرجه عن عبوديته، فإن كان ذلك الانتهار من أبي السعود عن أمر إلهيّ خوطب به في نفسه لمصلحة الوقت في حق من كان أو لغيرة من الله على مقام قد ٣٨٠ في المنازل/ الباب الرابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل المجاراة الشريفة أساء هذا المتكلم فيه الأدب، فانتهاره ذلك ممّا يحقق عبوديته لا يخرجه عنها، وهذا هو الظن بحال أبي السعود لا الذي ذكرناه أولاً، وإنما ذكرنا ذلك وهذا وما بينهما لنستوفي الكلام على المقام بما يقتضيه من الوجوه على كمالها، فلا بدّ أن يكون هذا الشيخ على واحد منها ولم يحكم عليه بواحد منها، فأفدنا الواقف على هذا الكتاب معرفة هذا المقام وأحواله، وإن الله ما أخبرني بحال من أحوال أبي السعود حتى نلحقه بمنزلته، والله أعلم أيّ ذلك كان، إلاَّ أني أقطع أن ميزانه بين الشيوخ كان راجحاً، نفعنا الله بمحبته وبمحبة أهل الله، وقد أوردنا من هذا المنزل بعض ما يحويه من القواصم فإنها كلها مخوفة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الرابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل المجاراة الشريفة وأسرارها من الحضرة المحمدية [نظم: الطويل] تحصَّلَ في ذاك الشَّجَاري من العلم تَجَارَتْ جيادُ الفكر في حَلْبَةِ الفَهْم بأسرارِ ذَوْقٍ لا تُنَالُ براحةٍ تعالَتْ عن الحال المكيَّف والكُمَّ فأسْفَرَ عن شمسي وأعْلَنَ عن كَتْمي أغارَ على جيش الظلامِ صَبَاحُها وأورى زنادُ الفكر ناراً تولَّدَتْ فقُمْتُ على ساق الثَّنَاء مُمَجِّداً فسبحانَ مَنْ أحيا الفؤادَ بنوره من الضَّرب بالروح المولَّدِ عن جسم فجاءتْ بشاراتُ المعارف بالخَتْمِّ وخصَّصَني بالأَخْذ عنه وبالفَهُمِ من هذا الباب قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيَّرَتِ وَهُمْ لَا سَبِقُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦١] والناطق الذي يقوم للذاكرين في قلوبهم وما هو بحكمهم من دوام الذكر الذي يكونون عليه من غير أن يتخلله فترة فيسمعون ناطقاً في قلوبهم يذكر الله فيهم وهم سكوت، أو في حديث من أحاديث النفوس وما يعرفون من ينطق فيهم فذلك الناطق هو القائل لموسى وَعليه : ﴿إِنَِّىّ أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا﴾ [سورة طه: الآية ١٤] ويسمّى هذا النطق نطق القلب وهو الناطق عندهم، وطائفة تقول: إنه ملك خلقه الله من ذكره الذي كان عليه وأسكنه فيه ينوب عن هذا العبد في ذكره في أوقات غفلاته المتخللة بالذكر، فإن استمرت غفلاته وترك الذكر فقد هذا الناطق، ومن الناس من يرى فيه أن الحق أسمعه نطق قلبه الذي في صدره الذي هو عليه دائماً خرق عادة كرامة لهذا الشخص من الله حيث أسمعه نطق قلبه ليزيد إيماناً بنطق جوارحه كما قال: ﴿لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا فَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [سورة الفتح: الآية ٤] بما جاء من نطق جوارحهم في آخر الزمان وفي الدار الآخرة، قال رسول الله وَله: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتّى يُكَلَّمَ الرَّجُلَ فَخَذُهُ بِمَا فَعَلَ أَهْلُهُ وَحَتّى يُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذِبَةُ سَوْطِهِ)) وقال الله تعالى: ﴿ وَتُكَلِمُنَا أَيَدِيْهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٦٥] وقال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسََّتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلاَ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ◌َظَنَفْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة فصلت: الآية ٢٢] وقال هؤلاء يوم القيامة: ﴿لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنًا قَالُواْ أَنْطَقَنَا اَللَّهُ الَّذِىّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة فصلت: الآية ٢١]