النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ في المنازل/ الباب السابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل التكذيب والبخل وأسراره من غير يد الحق، وسواء كانت الخلعة من رفيع الثياب أو دنيئها فذلك راجع إليك فإنه ما ينال منك إلاَّ ما أعطيته، وإن جمع ذلك التقوى فإنه لا يأخذ شيئاً سبحانه من غير المتقي، فلهذا وصف نفسه بأن التقوى تناله من العباد، وإنما وصف الحق سبحانه بأن التقوى تصيبه، واللحوم والدماء لا تصيبه لما كانت الإصابة بحكم الاتفاق لا بحكم القصد أضاف النيل إلى المخلوق لأنه يتعالى أن يعلم فيقصد من حيث يعلم، ولكن إنما يصاب بحكم الاتفاق مصادفة والحق منزّه أن يعلم الأشياء بحكم الإصابة فيكون علمه للأشياء اتفاقاً، فإذا ناله التقوى من المتقي وخدم بين يديه وجعل ذاته بين يديه مستسلماً لما يفعله فيه فيخلع سبحانه عند ذلك من العلم على المتقي، ومن شأن هذا العلم أن يحصل من الله تعالى للعبد بكل وجه من وجوه العطاء حتى يأخذ كل آخذ منه بنصيب، فمنهم من يأخذه من يد الكرم، ومنهم من يأخذه من يد الجود، ومنهم من يأخذه من يد السخاء، ومنهم من يأخذه من يد المنة والطول إلاَّ الإيثار فإنه ليس له يد في هذه الحضرة الإلهية إذ كان لا يعطى عن حاجة، لكن الأسماء الإلهية لما كانت تريد ظهور أعيانها في وجود الكون وأحكامها يتخيل أن إعطاءها من حاجة إلى الأخذ عنها فتتنسم من هذا رائحة الإيثار وليس بصحيح، وإنما وقع في ذلك طائفة قد أعمى الله بصيرتهم، ولذلك العارفون اتصفوا بأصناف العطاء في التخلق بالأسماء لا بالإيثار، فإنهم في ذلك أمناء لا يؤثرون، إذ لا يتصور الإيثار الحقيقي لا المجازي عندهم، والعارف لا يقول أعطيتكم وإنما يقول أعطيتك لأنه لا يشترك اثنان في عطاء قط فلهذا يفرد ولا يجمع، فالجمع في ذلك توسع في الخطاب والحقيقة ما ذكرناه، وللكلام في هذا المنزل مجال رحب لا يسعه الوقت، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. [السريع] مراتبُ العلم وأنواره منازلُ الحَوْض وأسرارهِ صَفَاؤه شِيْبَ بأكدارهِ وهو من العلم الذي لم يَزَلْ يُلْحِقُه القَعْرُ بأغبارهِ محلُّه الطبعُ الذي رَتْقُه الباب السابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل التكذيب والبخل وأسراره من المقام الموسوي [نظم: البسيط] العلمُ علمان علمُ الدين في الصُوَرِ وعلمُ حقٌّ بتحقيقٍ يؤيّده من كلِّ ناظرةٍ بالعين ناضرةٍ هذي منازلُ أنوارٍ سُبّاعيةٍ منها ليَظْهَر ما في الغَيْب من عَجَبِ إن الصفاتِ التي جاء الكتابُ بها وكيف يُذْركَ من لا شيءَ يُشْبههُ الظاهراتِ من الأرواح في البَشَرِ ما أودَعَ الله في الآيات والسُّوَرِ فاللامُ ناظرةٌ بالفاء في خَبَرٍ الخَمْسُ تَخْنُسُ دون الشمسِ والقَمَرِ فكلُّ منزلةٍ تسعى على قَدَرٍ تقدَّسَتْ على مَجَال العقل والفِكرِ من يأخذُ العلمَ عن حسٌ وعن نَظَرٍ ٣٤٢ في المنازل/ الباب السابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل التكذيب والبخل وأسراره والجهلُ بالله عينُ العلمِ فاعْتَبِرٍ فالعلمُ بالله عينُ الجهلِ فيه به تقول يا أيها المغلوبُ عَن حَصَرٍ وليس في الكون معلومٌ سواه فما إن الظهورَ إذا جاز الحدودَ خَفَا كذلك الأمرُ فانظُرْ فيه وافْتَكِرٍ اعلم أيّها الوليّ الحميم نوّر الله بصيرتك أن العلم بالجزاء عن نور الإيمان لا عن نور العقل، فإن ارتباط الجزاء بالأعمال في الدنيا والآخرة لا يعلم إلاَّ من طريق الإيمان والكشف، فأما تسميتنا إياه علماً أعني علم الإيمان وإن كان عين التصديق بخبر المخبر فمثل هذا لا يكون علماً لزواله لو رجع المخبر عنه تقديراً وحينئذ فله وجهان: الواحد أن المؤمن يجده ضرورة في نفسه لو رام الانفكاك عنه لم يقدر على ذلك فهو عنده من العلوم الضرورية عند كل عقل عنده الإيمان، والوجه الآخر أن الإيمان له نور يكشف به ما وقع الأخبار به، كما يكشف المدلول العقل بالنظر الصحيح في الدليل الشاذ بل أكمل، لأن العقل إن لم يستند في دليله وبرهانه إلى العلوم الضرورية في ذلك وإلاَّ فليس ببرهان عنده ولا هو علم. وعلم الإيمان علم ضروري وهو مستند العقل في الحق المطلوب، فالإنسان إذا سئل عن الجزاء من جهة علمه النظري لم يقل إنّه جزاء وإما اقتضت الحركة الفلكية وجود هذه الواقعة في عالم الكون والفساد بحسب القابل لها منه، واتفق أيضاً أنه كان قبل ذلك حركة أخرى اقتضت لهذا القابل من عالم الكون والفساد وجود أمر ما ظهر منه، فنوسب بين الواقعتين الأولى والثانية بأمر عرضيّ أو أمر وضعيّ مقرّر في نفوس العامة، فسمّوا الواقعة الآخرة جزاء للواقعة الأولى لمن قامت به ليس غير ذلك، فما يدرك تلك الرابطة إلاَّ أهل الكشف الإلهي وإن أدركها أهل النظر العقلي لأنه قد يدرك الرابطة من كونها فعلاً لا من كونها جزاء، ولا سبيل إلى رفع ذلك جملة واحدة، وأهل الكلام من علماء النظر يجوزون رفعها بنور عقولهم وصدقوا، فإن نور العقل لا يتعدى قوّته فيما يعطيه، ونور الإيمان فوق ذلك يعطي أيضاً بحسب قوّته، وما جعل الله فيه ممّا لا يدركه العقل معرّى عن الشرط، فإن العقل يقول: إن كان سبق العلم به فلا بدّ منه عقلاً، فأدخل الشرط، والإيمان ليس كذلك فإنه عن كشف محقق لا مرية فيه . ثم إن طائفة من العقلاء الذين ذكرناهم وهي التي أثبتت الفعل ولم تصدق أنه جزاء أنكروا ذلك دنيا وآخرة، فأما دنيا فلما ذكرناه، وأما آخرة فانقسموا في ذلك قسمين: فطائفة منهم أثبتوا الآخرة على وجه يخالف وجه الإيمان وهم الذين أنكروا الإعادة في الأجسام الطبيعية، وطائفة نفت الآخرة جملة واحدة فأحرى الجزاء، فأما الطائفة التي أثبتت الآخرة وأنكرت الجزاء فما أنكرت إلاّ الجزاء الحسيّ من نعيم الجنان وجعلت الجزاء الروحانيّ كون الأرواح لما فارقت تدبير أجسادها وتخلصت من أسر الطبيعة، وكانت في هذه المدة قد اكتسبت من الأخلاق الكريمة والعلوم الإلهية والروحانية هيئة حسنة ألحقتها بالرتبة الملكية، فلما انفصلت عن الطبيعة انفصالاً يسمّى الموت التحقت بالملائكة ودام لها ذلك مؤبداً، فكان ذلك الدوام لها في هذه الرتبة الملكية ثمرة جنتها ممّا حصلته في حال سجنها في تدبير جسمها الطبيعيّ فذلك المسمّى جزاء في الشرع وما ثم غيره، وأهل الإيمان بالله ٣٤٣ في المنازل/ الباب السابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل التكذيب والبخل وأسراره وما جاء من عنده وهم أصحابنا، وأهل الكشف منا أيضاً الذين عملوا بنور الإيمان قد جمعنا مع هؤلاء فيما ذكروه من الجزاء الروحانيّ للنفوس التعليمية، وانفردنا عنهم بالإعادة في الأجسام الطبيعية على مزاج مخصوص يقتضي لها البقاء في دار الكرامة، والجزاء الحسيّ من اللباس والزينة والأكل والشرب والنكاح ورفع الخبائث من منزل الجنان كالأمور المستقذرة طبعاً، والأرواح النتنة طبعاً وذلك في حال السعداء، وأما في حال الأشقياء فالإعادة أيضاً لهم في الأجساد الطبيعية، ولكن على مزاج يقارب مزاج الدنيا في الذهاب والزوال بالعلل المنضجة للجلود المذهبة لأعيانها وإيجاد غيرها مع بقاء العين المعذبة بذلك، فليست تشبه إعادة الأشقياء إعادة السعداء وإن اشتركا في الإعادة، فمرض الأشقياء في دار الشقاء زمانة مؤبدة إلى غير نهاية مدة أعمارهم التي لا انقضاء لها، كالزمانة التي كانت للزمنى في الدنيا مدة أعمارهم، وتعلم كل طائفة من هؤلاء أن بعض الذي هم فيه جزاء بما كانوا يعملون، وإنما قلنا بالبعض لأن الجنان ثلاث: جنة جزاء العمل، وجنة ميراث وهي التي كان يستحقها المشرك لو آمن، وجنة اختصاص غير هاتين، ولا أدري جنة الاختصاص هل تعمّ أم هي لخصائص من عباد الله، والذين ما عملوا خيراً قط مشروعاً فلهم جنة الميراث، ولا أدري هل لهم جنة اختصاص أم لا كما قلنا. وأما جنة الأعمال المشروعة من كونها مشروعة لا من كونها موجودة فليس لهم فيها نصيب، فإنهم قد يكون منهم من فيه مكارم الأخلاق ولكن لم يعمل بها من كونها مشروعة. فإذا تقرر ما ذكرناه فاعلم أن الطائفة التي لم يحصل لها الإيمان بعلم الجزاء يحرمون من العلوم الموهوبة قبول كل علم لا يقوم لهم فيه من نفوسهم ميزان من عمل عملوه، فإذا جاءهم الفتح في خلواتهم وسطعت عليهم الأنوار الإلهية بالعلوم المقدسة عن الشوب القادح ينظرون ما كانوا عليه من الأعمال وما كانوا عليه من الاستعداد التعملي، فيأخذون من تلك العلوم قدر ما أعطتهم موازينهم ويقولون: هذا من عند الله، وما لم يدخل لهم في موازينهم من هذه العلوم دفعوا بها، وهذا من أعجب الأمور الإلهية في حق هذه الطائفة أنها غير قائلة بعلم الجزاء، ولا تأخذ من العلوم إلاَّ ما أعطتها موازينهم من الأعمال والاستعدادات التعملية، وهذا نقيض ما بني عليه الأمر عند أهل الطريق، وهذا كشف خاص خصّ به أمثالنا لله الحمد على ذلك. وأما نحن ومن جرى مجرانا من أهل الطريق فلا نرمي بشيء ممّا يرد علينا من ذلك ولا ندفع به جملة واحدة سواء اقتضاه عملنا واستعدادنا التعمّلي أو لم يقتضه، فإن الاقتضاء غير لازم عندنا في كل شيء بل أوجد الله ما يريد في أي محل يريد، ولو نور الله بصائر هذه الطائفة التي ذكرناها لرأت واتعظت بحالها فإنها لا تصدق بالجزاء ولا تقبل من العلوم إلاَّ ما أعطاه ميزان الجزاء من نفوسهم وهم لا يشعرون وهو موضع حيرة، كما أنا لا نرمي أيضاً بشيء ممّا أعطانا الله على يد واسطة مذمومة كانت تلك الواسطة أو محمودة كما فعل سليمان ٣٤٤ في المنازل / الباب السابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل التكذيب والبخل وأسراره عليه السلام، أو بارتفاع الوسائط سواء كان ذلك منهياً عنه أو مأموراً به، فإن الله قد أعطانا من القوّة وعلم السياسة بحيث نعلم كيف نأخذ، وإذا أخذنا كيف نتصرف به وفيه وفي أي محل نتصرف به، وهذا مخصوص بأهل السماع من الحق دائماً وهو طريقنا وعليه عمل أكابرنا، ويحتاج إلى علم وافر وعقل حاضر ومشاهدة دائمة وعين لا تقبل النوم ولا تعرفه، وتتحقق بذلك تحقيقاً يسري معها حساً وفي حال نومها خيالاً وفي حال فنائها وغيبتها تحققاً، وهو مقام عزيز مخصوص بالأفراد منا، وعلم الأنبياء أكثره من هذه العلوم التي ليس لها مستند، ولهذا كانت النبوّة اختصاصاً من الله لا بعمل ولا بتعمّل، ونحن ورثنا هذا المقام من عين المنة، فحصلنا من العلوم التي لا مستند لها يطلبها ما عدا النبوّة كثيراً تعرفها أسرارنا دون نفوسنا فلذلك لا يظهر علينا منها شيء فإنه لا تعلّق لها بالكون. قال تعالى: ﴿أَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى وَوَجَدَلَكَ ضَالًا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَابِلًا فَأَغْفَ﴾ [سورة الضحى: الآية ٦ - ٨] فاختلف أصحابنا في هذه الأحوال الثلاثة وما يشبهها هل هي استعدادات لما حصل من الإيواء والهدى والغنى أم ليست استعداداً؟ ومنا من قال: لا يكون استعداد إلاَّ عن تعمّل فيه وهم الأكثرون، ومنهم من قال الاستعداد من أهل لتحصيل أمر ما سواء كان عن تعمّل أو غير تعمّل، فالخلاف لفظيّ وهو الخلاف الذي ينسب إلى أهل هذه الطريقة، وقد يكون الاستعداد معلوماً للشخص الذي هو صاحبه أنه استعداد وقد لا يكون، والتحقيق في ذلك ما نذكره، وذلك أن حقيقة الاستعداد ما هو الطلب أن يكون معداً لأمر ما عظيم من الله يحصل له فهذا يسمّى تعمّلاً لأنه استفعال مثل استخراج واستطلاق واسترسال، وأما كونه معدّاً لما حصل له فلا بدّ أن يكون في نفسه على ذلك لا بجعل جاعل وأخفاه العدم الممكن والعدم المحال، فلولا أن العدم الممكن هو معد في نفسه لقبول أثر المرجح ما كان له الترجيح إلى أحد الجانبين في وقت وترجيح الجانب الآخر في وقت آخر، والعدم المحال لولا ما هو في نفسه معد لعدم قبول ما يضادّ ما هو عليه في نفسه لقبله، وكذلك من ثبت له الوجوب الوجوديّ لذاته، فهذا تحقيق المسألة في الاستعداد، والفرق بينه وبين الإعداد والإعداد لا بدّ منه، وجوديّ وعدميّ ولا وجوديّ ولا عدميّ كالنسب، فهذا الفصل من هذا المنزل قد استوفيناه، وبقي من فصوله ما نذكره وذلك معرفة العلم الذي يطلبه الفقير بافتقاره ومسكنته ما هو وإذا حصل هل يقع له به الغنى أم لا؟ وهل إلى ذلك طريقة معلومة لقوم أم لا؟ وهل العالمون بها يتعين عليهم أن يحرضوا الناس على سلوكها أم لا؟. فاعلم أن الافتقار في كل ما سوى الله أمر ذاتي لا يمكن الانفكاك عنه ذوقاً وعلماً صحيحاً إلاَّ أنه تختلف مقاصده في تعيين ما يفتقر إليه هذا الفقير وما هو المعنى الذي يفتقر إليه فيه. فاعلم أن الفقر والمسكنة لما ثبت في العلم أنها صفة ذاتية كان متعلقها الذي افتقرت فيه طلبها استمرار كونها واستمرار النعيم لها على أكمل الوجوه بحيث أنه لا يتخلله النقيض، فأهل هذه الطريقة لم يروا ذلك حالاً وعقداً إلاَّ من الله تعالى، فافتقروا إليه في ذلك دون غيره ٣٤٥ في المنازل/ الباب السابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل التكذيب والبخل وأسراره سبحانه، ولا يصحّ الافتقار لهم إليه في وجودهم لأنهم موجودون، وإنما كان ذلك الافتقار منهم لوجودهم في حال عدمهم فلهذا أوجدهم، فمتعلق الإفتقار أبداً إنما هو العدم ليوجده لهم إذ بيده إيجاد ذلك، وأما غيرنا فرأوا ذلك من الله عقداً لا حالاً وهم المسلمون الأكثرون عالمهم وجاهلهم، ومن الناس من يرى ذلك أصلاً لا عقداً أو لا حالاً وهم القائلون بالعلل والمعلولات وهم أبعد الطوائف من الله، ومن الناس من لا يرى ذلك من الله لا أصلاً ولا عقداً ولا حالاً وهم المعطلة. وما من طائفة ممّا ذكرنا إلاَّ وتجد الافتقار من ذاتها، ومن المحال أن يقع الغنى من الله لأحد من هؤلاء الطوائف على الإطلاق أبداً، ولكن قد يقع لهم الغنی المقید دائماً لا ینفکون عنه . وأما فرض الطريق إليه فهو ذاتي أيضاً من حيث هو طريق، وإنما الذي يتعلق به الاكتساب سلوك خاص في هذا الطريق لمن يفتقر إليه، وإذا كان السلوك بهذه المثابة تعين التحريض عليه وتبیینه لمن جهله، فمن عدل عن تبيينه لمن يستحقه وهو عالم به فهو صاحب حرمان وخذلان، وقد نبّه عليه السلام على مرتبة من مراتب ذلك بقوله وَله: ((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْم فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ)) والسؤال قد يكون لفظاً وحالاً، والمسؤول عنه الذي تعلّقّ به الوعيد لا بدّ أن يكون واجباً عليه السؤال عنه، فلا بدّ أن يجب على العالم الجواب عنه وسؤالات الافتقار كلها بهذه المثابة، قال الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] ففي هذا الخطاب تسمية الله بكل اسم هو لمن يفتقر إليه فيما يفتقر إليه فيه وهو من باب الغيرة الإلهيّة حتى لا يفتقر إلى غيره والشرف فيه إلى العالم بذلك، وفي هذا الخطاب هجاء للناس حيث لم يعرفوا ذلك إلاّ بعد التعريف الإلهيّ في الخطاب الشرعي على ألسنة الرسل عليهم السلام، ومع هذا أنكر ذلك خلق كثير وخصّوه بأمور معينة يفتقر إليه فيها لا في كل الأمور من اللوازم التابعة للوجود التي تعرض مع الآنات للخلق، وكان ينبغي لنا لو كنا متحققين بفهم هذه الآية أن نبكي بدل الدموع دماً حيث جهلنا هذا الأمر من نفوسنا إلى أن وقع به التعريف الإلهيّ، فكيف حال من أنكره وتأوّله وخصّصه؟ فهذا قد بينا نبذة من الفصل الثاني المتعلق بهذا المنزل. وأما الفصل الثالث من فصول هذا المنزل فاعلم أن الله تعالى قد عرف عباده أن له حضرات معينة لأمور دعاهم إلى طلب دخولها وتحصيلها منه وجعلهم فقراء إليها، فمن الناس من قبلها ومن الناس من ردّها جهلاً بها، فمنها حضرة المشاهدة وهي على منازل مختلفة وإن عمتها حضرة واحدة، فمنهم من يشهده في الأشياء، ومنهم قبلها، ومنهم بعدها، ومنهم معها، ومنهم من يشهده عينها على اختلاف مقامات كثيرة فيها يعلمها أهل طريق الله أصحاب الذوق والشرب، ومنها حضرة المكالمة، ومنها حضرة الكلام، ومنها حضرة السماع، ومنها حضرة التعليم، ومنها حضرة التكوين وغير ذلك، فإنها كثيرة لا يتسع هذا التصنيف لذكرها، فحضرة المكالمة من خصائص هذا المنزل، فمن عدل عنها فقد حرم ما يتضمنه من المعارف ٣٤٦ في المنازل / الباب السابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل التكذيب والبخل وأسراره الإلهية والالتذاذ بالمحادثة الربانية، وكان ممّن قيل فيه: ﴿مَا يَأْثِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢] ﴿مِّنَ الرَّحْمَنِ﴾ على حسب التجلي ﴿يُحْدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٥] وهي طائفة معينة، وأخرى ﴿ أَسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢] فأهل طريقنا لم يشتغلوا عند ورود هذا الكلام بما يلهيهم عمّا يتضمنه من الفوائد، فإن اقتضى جواباً أجابوا ربهم، وإن اقتضى غير ذلك بادروا إلى فعل ما يقتضيه ذلك الخطاب، وهم يسارقون النظر في تلك الحالة إلى المتكلم لتقرّ أعينهم بذلك كما تنعمت نفوسهم من حيث السماع، غير أنهم لا يتحققون بالنظر في هذه الحال لمعرفتهم بأن مراد الحق فيهم الفهم عنه فيما يكلمهم به فيخافون من النظر مع شوقهم أن يفنيهم عن الذي طولبوا به من الفهم، فيكونون ممّن آثروا حظوظ نفوسهم على ما أراده الحق منهم، فهم في كلا الحالين عبيد فقراء، غير أن الأدب في كل حضرة من هذه الحضرات الوفاء بما تستحقه الحضرة التي يقام العبد فيها، ولمطلوبه حضرة أخرى هي غير هذه فلا يستعجل فيحرم ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآٍ حَِابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [سورة الشورى: الآية ٥١] ينوب عنه في الكلام وهو الترجمان، قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦] يريد على لسان الترجمان الذي هو رسول الله وَّر، فسمعت بعض الشيوخ يقول: ما دام في بشريته فالكلام له من وراء حجاب، ولكن إذا خرج عن بشريته ارتفع الحجاب، وهذا الشيخ هو عبد العزيز بن أبي بكر المهدوي المعروف بابن الكره سمعته منه بمنزله بتونس رحمه الله فأصاب فيه وأخطأ، فأما إصابته فإثباته وتقريره للكلام من وراء الحجاب وأنه لم يجمع بينه وبين المشاهدة، وأما خطؤه فقوله: ارتفع الحجاب ولم يقيد وإنما يقال: ارتفع حجاب بشريته، ولا شك أن خلف حجاب بشريته حجباً أخر، فقد يرتفع حجاب البشرية ويقع الكلام من الله لهذا العبد خلف حجاب آخر أعلاها من الحجب وأقربها إلى الله وأبعدها من المخلوق المظاهر الإلهية التي يقع فيها التجلي إذا كانت محدودة معتادة المشاهدة، كظهور الملك في صورة رجل فيكلمه على الاعتدال للعادة والحدّ وقد تجلّى له وقد سدّ الأفق فغشي عليه لعدم المعتاد وإن وجد الحدّ فكيف بمن لم ير حدّاً ولا اعتاد، فقد تكون المظاهر غير محدودة ولا معتادة، وقد تكون محدودة لا معتادة، وقد تكون محدودة معتادة وتختلف أحوال المشاهدين في كل حضرة منها، فمن عدل عن حضرة المكالمة فقد لحق بأهل الخسران وإن سعد ولكن بعد شقاء عظيم، وأن من الناس من أصحاب الدعاوي في هذه الطريقة الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ١٠] حين أفلح من زّاها فيزعمون أنهم يكلمون الله في خلقه ويسمعون منه في خلقه، وهو في نفسه مع نفسه ما عنده خبر من ربه لأنه لا يعرفه ولا يعرف كيف يسمع منه ولا ما يسمع منه. فأصحاب الدعاوى في هذه الطريقة كالمنافقين في المسلمين فإنهم شاركوهم في الصورة الظاهرة وبانوا بالبواطن فهم معهم لا معه ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٩] وهو والله من عنده، ولكن من غير الوجه الذي يزعمون، ولهذا شقوا بما قالوه وإن كانوا لا يعتقدونه، وسعد الآخر بقوله: إنه من عند الله ٣٤٧ في المنازل / الباب الثامن والسبعون ومائتان في معرفة منزل الألفة وأسراره ... واعتقاده ذلك على غير الوجه الذي يعطي الشقاء، فالقول واحد والحكم مختلف، فسبحان من أخفى علمه عن قوم وأطلع عليه آخرين ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٦] ولا يكون الأمر إلاَّ هكذا فإنه هكذا وقع ولا يقع إلاَّ ما علم أنه يقع كذا فإنه في نفس الأمر كذا لا يجوز خلافه، وهنا عقدة لا يحلها إلاّ الكشف الاختصاصيّ لا تحلها العبارة. وإذا فهمت هذا فاعلم أنه من آخر فصول هذا المنزل التعاون على البرّ والتقوى فإنه يكون عنه علم شريف يتعلق بمعرفة الأسباب الموضوعة في العالم، وإن رفعها عيناً لا يصح إذا كان السبب علة، فإن لم يكن علة فقد يصحّ رفع عينه مع بقاء لازمه لكن لا من حيث هو لازم له بل من حيث عين اللازم، فهو لما هو لازم له على الطريقة المختصة لا يرتفع وهو من حيث عينه وإن كان لازماً لغيره فيكون أثره لعينه فيوجد حكمه لعينه، ففي الأسباب التي ترفع ويوجد اللازم يفعل لعينه كالغذاء المعتاد على الطريقة المختصة به يلازمه الشبع بالأكل منه، وقد يكون الشبع من غير غذاء ولا أكل، ومثل السبب العليّ وجود اتصاف الذات بكونها شابعة لوجود الشبع، فلو رفعت الشبع ارتفع كونه شابعاً، فمن الأسباب ما يصحّ رفعها وما لا يصحّ، وتقرير الكل في مكانه وعلى حدّه على ما قرّره واضعه هو الأولى بالأكابر، وينفصلون عن العامة بالاعتماد، فلا اعتماد للأكابر في شيء من الأشياء إذا وصفوا بالاعتماد إلاَّ على الله، فمن منع وجود الأسباب فقد منع ما قرّر الحق وجوده فيلحق به الذمّ عند الطائفة العالية وهو نقص في المقام، كمال في الحال، محمود في السلوك، مذموم في الغاية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثامن والسبعون ومائتان في معرفة منزل الألفة وأسراره من المقام الموسوي والمحمدي [نظم : الرمل] غيرُ موجودٍ على صورتهِ منزلُ الأُلْفَة لا يدخلهُ نازلاً فيه على سُورتهِ فتراهُ عندما تُبْصرهُ جارياً فيه على سيرَتهِ حاكماً فيه بما يَعْلمُهُ فلهذا زاد في سَوْرتهِ فاصطفاه الحقُّ مرآةً له أن ذاك النَّهْيَ من غَيْرَتهِ فنهاه الله إعلاماً له عندما حجَّرَ ما كان له مُطلقاً نُزْه عن حَيْرَتهِ رتبةُ الأكل في عَوْرتهِ أكل المَنْهيَّ عنه فبَدَتْ زَلَّةٌ جاءته من جِيْرَتهِ فدرى حين رآها أنها لا يتألف اثنان إلاَّ لمناسبة بينهما، فمنزل الألفة هي النسبة الجامعة بين الحق والخلق، وهي الصورة التي خلق عليها الإنسان، ولذلك لم يدع أحد من خلق الله الألوهية إلاَّ الإنسان ومن سواه ادّعيت فيه وما ادّعاها، قال فرعون: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [سورة النازعات: الآية ٢٤] وما في ٣٤٨ في المنازل/ الباب الثامن والسبعون ومائتان في معرفة منزل الألفة وأسراره ... الخلق من يملك سوى الإنسان، وما سوى الإنسان من ملك وغيره لا يملك شيئاً يقول تعالى في إثبات الملك للإنسان: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٣] وما ثم موجود من يقرّ له بالعبودية إلاَّ الإنسان فيقال: هذا عبد فلان، ولهذا شرع الله له العتق ورغبه فيه وجعل له ولاء العبد المعتق إذا مات عن غير وارث، كما أن الورث الله من عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [سورة مريم: الآية ٤٠] وما ثم موجود يقبل التسمية بجميع الأسماء الإلهية إلاَّ الإنسان وقد ندب إلى التخلّق بها، ولهذا أعطى الخلافة والنيابة وعلّم الأسماء كلها، وكان آخر نشأة في العالم جامعة لحقائق العالم ممّا اختصّ الله بها ملكه كله وصورته، ومن نشأته أيضاً الطبيعية القائمة من الأربع الطبائع مع القوّة الناطقة التي اختصّ بها في طبيعته دون غيره ممّا خلق من الطبيعة كالصورة الإلهية القائمة على أربع الذي لا يعطي الدليل العقليّ غيرها وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة، فبهذه صحّ إيجاد العالم له وكان هو إلهاً بها، إذ لو جرّد عن هذه النسب لما كان إلهاً للعالم، وهو المثل المقرر في القرآن الذي لا يماثل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] أي ليس مثل مثله شيء، فأثبت المثلية له بالإنسان تنزيهاً له تعالى، أي إذا كان المثل المفروض لا يماثل فهو تعالى أبعد وأنزه أن يماثل. وفي السنّة خلق آدم على صورته ونفى بهذه الآية أن يماثل هذ المثل وجعل له غيباً وشهادة . ولما كان الإنسان بهذه المثابة كانت الألفة بينه وبين ربه فأحبه وأحبه، ولهذا ورد أن السماء والأرض يعني العلو والسفل ما وسعه ووسعه قلب العبد المؤمن التقيّ الورع، وهذا من صفة الإنسان لا من صفة الملك هذا وإن شورك الإنسان في كل ما ذكرناه إلاَّ أن الإنسان امتاز عن الكل بالمجموع وبالصورة فاعلم هذا فلا تصحّ العبودية المحضة التي لا يشوبها ربوبية أصلاً إلاَّ للإنسان الكامل وحده، ولا تصحّ ربوبية أصلاً لا تشوبها عبودة بوجه من الوجوه إلاَّ لله تعالى، فالإنسان على صورة الحق من التنزيه والتقديس عن الشوب في حقيقته فهو المألوه المطلق، والحق سبحانه هو الإله المطلق، وأعني بهذا كله الإنسان الكامل، وما ينفصل الإنسان الكامل عن غير الكامل إلاَّ برقيقة واحدة وهي أن لا يشوب عبوديته ربوبية أصلاً. ولما كان للإنسان الكامل هذا المنصب العالي كان العين المقصودة من العالم وحده، وظهر هذا الكمال في آدم عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١] فأكدها بالكل وهي لفظة تقتضي الإحاطة، فشهد له الحق بذلك كما ظهر هذا الكمال في محمد بَّ أيضاً بقوله: ((فَعَلِمْتُ عِلمَ الأوّلِين وَالآخِرِينَ)) فدخل علم آدم في علمه فإنه من الأوّلين، وما جاء بالآخرين إلاَّ لرفع الاحتمال الواقع عند السامع إذا لم يعرف ما أشرنا إليه من ذلك وهو ربَّ أنه قد أوتي جوامع الكلم بشهادته لنفسه. واختلف أصحابنا في أيّ المقامين أعلى من شهد له الحق أو من شهد لنفسه بالحق كيحيى وعيسى عليهما السلام، فأما مذهبنا في ذلك فإن الشاهد لنفسه الصادق في شهادته أتمّ وأعلى وأحق لأنه ما شهد لنفسه إلاَّ عن ذوق محقق بكماله، فيما شهد لنفسه به مرتفعة شهادته ٣٤٩ في المنازل/ الباب الثامن والسبعون ومائتان في معرفة منزل الألفة وأسراره ... تلك عن الاحتمال في الحال، فقد فضل على من شهد له برفع الاحتمال والذوق المحقق فهذا المقام أعلى، وليس من شأن المنصف الأديب العالم بطريق الله أن يتكلم في تفاضل الرجال وإن علم ذلك فيمنعه الأدب فلهذا قلنا الأديب وإنما يتكلم في تفاضل المقامات فيخرج عن العهدة في ذلك ويسلم له الحال عن المطالبة فيه، إذ كانت المقامات ليس لها طلب وكان الطلب للموصوفين بها، فالأديب حاله ما ذكرناه. وهذا الذي ذكرناه كله يشهده من حصل في هذا المنزل وله من الحروف ألفة اللام بالألف وهو أوّل حرف مركب من الحروف فوحده الشكل فلم يعرف الألف من اللام فألحق بالمفردات فكأنهما حرف واحد لما تعذر الانفصال ولم يتميز شكل اللام فيه من شكل الألف فلم يدركه البصر. فإن قيل: إن السمع يدركه بقوله لا، فليعلم أن اللام تحتمل الحركة والألف لا تحتمل الحركة فلم يتمكن النطق بالألف فينطق باللام مشبعة الحركة لظهور الألف ليعلم أنه أراد لام الألف لا لام غيره من الحروف حتى يرقمه الراقم على صورته الخاصة به، فلا تمتاز الألف من اللام لتمكن الألفة، كذلك الإنسان إذا كان الحق سمعه وبصره كما ورد في الخبر يرتبط بالحق ارتباط اللام بالألف ولهذا تقدّم في حروف شهادة التوحيد في لفظة لا إله إلاَّ الله فنفى بحرف الألفة ألوهة كل إله أثبته الجاهل المشرك لغير الله فنفى ذلك بحرف يتضمن العبد والرب فإنه يتضمن مدلول اللام والألف كما قال عليه السلام: ((آمَنْتُ بِهُذا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ)) فشركهما معه بنفسه في الإيمان ولم يكونا حاضرين أو كانا فناب عنهما، فلما شهد الحق لنفسه بالتوحيد شهد عنه وعن عبده بذلك فأتى بحرف لام ألف، ولهذا سمّي لام ألف، ولم يقل لام الألف بالتعريف فسمّى باسم الحرفين لئلا يتخيل السامع إذا جاء به معرفاً أنه أراد الإضافة وما أراد هذا الحرف المعين، فجرى مجرى رام هرمز وبعلبك ولم يجر مجرى عبد الله وعبد الرحمن، ولهذا اختلف في موضع الإعراب من بعلبك ورام هرمز وبلال أباد، ولم يختلف في موضع الإعراب من عبد الله وعبد الرحمن لأن المسمّى بذلك قصد به الإضافة ولا بدّ، فمن أجرى هذه الأسماء مجرى الاسم المضاف جعل محل الإعراب آخر الاسم الأوّل، ومن أجراه مجرى زيد جعل محل الإعراب آخر الاسم الثاني، كذلك وقع الاختلاف في حرف لام ألف إذا وقع في الخط في تعيين أيّ فخذ من هذا الحرف هو اللام وأي فخذ هو الألف، واختلفت مراعاة الناس في ذلك، فمن قاس الخط على اللفظ كان اللام عنده الذي يبتدىء به الكاتب سواء كان الفخذ المتقدم في الترتيب أو المتأخر، ومن لم يحمله على النطق به بقي على الخلاف وجعل له التخيير في ذلك، فيجعل أيّ شيء أراد اللام من الفخذين وأيّ شيء أراد الألف، إذ كان كل واحد منهما على صورة الآخر للالتفاف الذي أخرج اللام عن حقيقته كذلك الإنسان الكامل والحق في الصورة التي تنزلت منزلة الالتفاف، فإن نسبت الفعل إلى قدرة العبد كان لذلك وجه في الإخبار الإلهيّ، وإن نسبت الفعل إلى الله كان لذلك وجه في الإخبار الإلهيّ. وأما الأدلة العقلية فقد تعارضت عند العقلاء، وإن كانت غير متعارضة في نفس الأمر، ٣٥٠ في المنازل / الباب الثامن والسبعون ومائتان في معرفة منزل الألفة وأسراره ... ولكن عسر وتعذر على العقلاء تمييز الدليل من الشبهة، وكذلك في الإخبار الإلهيّ يتعذر، وكذلك في حقيقة العبد يتعذر لتعلق الأمر به، فلا يؤمر إلاّ من له قدرة على فعل ما يؤمر به وتمكن من ترك ما ينهى عنه فيعسر نفي الفعل عن المكلف الذي هو العبد لارتفاع حكمة الخطاب في ذلك، والإخبار الآخر والوجه الآخر العقلي يعطي أن الفعل المنسوب إلى العبد إنما هو الله فقد تعارضا خبراً وعقلاً، وهذا موضع الحيرة وسبب وقوع الخلاف في هذه المسألة بين العقلاء في نظرهم في أدلتهم وبين أهل الأخبار في أدلتهم، ولا يعرف ذلك إلاَّ أهل الكشف خاصة من أهل الله، وكون الإنسان على الصورة يطلب وجود الفعل له والتكليف يؤيده والحسّ يشهد له فهو أقوى في الدلالة، ولا يقدح فيه رجوع كل ذلك إلى الله بحكم الأصل فإنه لا ينافي هذا التقرير. ولهذا ضعفت حجة القائلين بالكسب لا من كونهم قالوا بالكسب فإن هؤلاء أيضاً يقولون به لأنه خبر شرعيّ وأمر عقليّ يعلمه الإنسان من نفسه، وإنما تضعف حجتهم في نفيهم الأثر عن القدرة الحادثة. وبعد أن علمت هذا الفصل من منزل الألفة فلنشرع فيما يرجع إلى تحقيقه في غير هذا النمط ممّا يتضمنه على جهة الإفصاح عنه. فاعلم أن هذا المنزل هو منزل سفر الأبدال السبعة المجتمعين المتألفين مع القبض الذي هم عليه بعضهم عن بعض، وإنكار بعضهم على بعض مع وجود الصفاء فيما بينهم، ولهم سفران في باب المعرفة: سفر منهم إلى الإله في مظاهره، وسفر آخر منهم أيضاً إلى الذات، فسفرهم إلى الإله من ربوبيتهم، وسفرهم إلى الذات من ذواتهم، فإذا أرادوا السفر إلى الذات قصدوا اليمن، وإذا أرادوا السفر إلى الإله قصدوا الشام وبلاد الشمال، وأي جهة قصدوا فإنّ استعدادهم على السواء في القدر الذي يحتاجون إليه، وإن تنوّع فإن الأغذية تتنوّع بتنوّع الجهات، فلا يؤخذ من الزاد إلى كل جهة إلاَّ ما يصلح مزاج المسافر إلى تلك الجهة لئلا يحول بينه وبين مقصده مرض للأهواء المختلفة في الجهات وأثرها في المزاج، فلا بدّ أن يختلف الاستعداد، على أن إقامتهم قليلة في السفرين ويعودون إلى مواطنهم، فإذا قصدوا اليمن لم يقيموا فيه سوى أربعة وعشرين يوماً يحصلون فيها مرادهم ويرجعون إلى سنة أخرى، وإذا قصدوا الشمال لم يقيموا فيه إلا ستة أيام يحصلون فيها مرادهم ويرجعون إلى سنة أخرى وسفرهم روحانيّ لا جسمانيّ. فأما العلوم التي يستفيدونها في سفرهم إلى اليمن فعلوم الاصطلام وعلم السبحات من وراء الحجب علم ذوق. وأما العلوم التي يستفيدونها في سفرهم إلى الشمال فعلوم زيادات اليقين بما يتجلى لهم، وعلم العبودية والقبض وما تنتجه الخلوات علم ذوق، وموطنهم الذي يستقرّون فيه مكة، فإن التنزّل في روحانيتها أتمّ التنزّل لأنها كما قال تعالى: ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٢] وقال: ﴿يُحْبَّ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سورة القصص: الآية ٥٧] فعمّ وقال فيه: ﴿رِزْقًا مِّن لَّدُنَا﴾ [سورة القصص: الآية ٥٧] فما أضافه إلى غيره فهي علوم وهب تحيا بها أرواحهم ولم يقل ذلك في غير مكة، ولا تحصل هذه العلوم التي أشرنا إليها إلاَّ لمن كان حاله الذلة والافتقار، ومقامه الجلال والقبض والهيبة والخوف، فإذا كانت أوصاف العبد ما ذكرناه منحه ٣٥١ في المنازل/ الباب الثامن والسبعون ومائتان في معرفة منزل الألفة وأسراره ... الله العزّة والغنى في حاله والجمال والبسط والأنس به، والرجاء في غيره لا في نفسه، فإنه في حق نفسه من ربه في أمان لأنه قد بشر كما قال: ﴿لَهُمُ اٌلْبُشْرَى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة يونس: الآية ٦٤] وبشارة الحق حق لا يدخلها نسخ فيؤمن بوجودها المكر ولكن إذا كان نصاً، وفي هذا المنزل ذوق عجيب لا يكون في غيره، وهو أنه إذا كنت في حال من الأحوال فإن الحق يهبك في تلك الحال علماً من ذلك الحال لا تخرج عنه مثل الذي ينتقل من العلم بالشيء إلى معاينة ذلك الشيء فلم يحصل له إلاَّ مزيد وضوح في عين واحدة، كذلك هذا المنزل وهو منزل منه يعلم الجمع بين الضدين وهو وجود الضد في عين ضده، وهذا العلم أقوى علم تعلم به الوحدانية لأنه يشاهد حالاً لا يمكن أن يجهله إنّ عين الضد هو بنفسه عين ضده، فيدرك الأحدية في الكثرة لا على طريقة أصحاب العدد فإن تلك طريقة متوهمة، وهذا علم مشهود محقق. وممّن تبرز في هذا المنزل المبارك أبو سعيد الخراز من المتقدمين، وكنت أسمع ذلك عنه حتى دخلته بنفسي وحصل لي ما حصل فعرفت أنه الحق وأن الناس في إنكارهم ذلك على حق فإنهم ينكرونه عقلاً، وليس في قوّة العقل من حيث نظره أكثر من هذا، ومن أعطى ما في وسعه من حيث ما تقتضيه تلك الجهة فقد وفى الأمر حقه، وهذا الذي استقر عليه قدمنا وثبت، فلا ننكر على مدع ما يدعيه إلاَّ الإنكار الذي أمرنا به فننكره شرعاً، وهذا الإنكار حقيقة أيضاً لا نشهد إلاَّ هيئة يجب الإنكار بها وفيها كما أنكرنا ذلك عقلاً، فللشرع قوّة لا يتعدّى بها ما تعطيه حقيقتها كما فعلنا في العقل، وللذوق قوّة نعاملها به أيضاً كما عاملنا سائر ما نسب إليه القوى بحسب قوّته فنحن مع الوقت، فننكر مع العقل ما ينكره العقل لأنّ وقتنا العقل، ولا ننكره كشفاً ولا شرعاً وننكر مع الشرع ما ينكره الشرع لأن وقتنا الشرع، ولا ننكره كشفاً ولا عقلاً. وأما الكشف فلا ينكر شيئاً بل يقرر كل شيء في رتبته، فمن كان وقته الكشف أنكر عليه ولم ينكر هو على أحد، ومن كان وقته العقل أنكر وأنكر عليه، ومن كان وقته الشرع أنكر وأنکر علیه فاعلم ذلك. واعلم أن لهذا المنزل حالاً لا يكون لغيره وهو أنه يعطي تحصيل هوية الأسماء الإلهية وهذا خلاف ما تعطيه حقيقة الهو، فإن الهو من حقيقته أنه لا يتحصل ولا يشاهد أبداً إلاَّ في هذا المشهد والمنزل، فإن عين الظاهر فيه هو بنفسه عين الباطن، غير أن هوية الحق لا تدخل في هذا المنزل، وإنما قلنا ذلك في هوية الأسماء الإلهية من كون هويتها لا من أنانيتها. واعلم أن هذا المنزل إذا دخلته تجتمع فيه مع جماعة من الرسل صلوات الله عليهم فتستفيد من ذوقهم الخاص بهم علوماً لم تكن عندك فتكون لك كشفاً كما كانت لهم ذوقاً، فيحصل لك منهم علم الأدلة والعلامات، فلا يخفى عليك شيء في الأرض ولا في السماء إذا تجلى لك إلاَّ تميزه وتعرفه حين يجهله غيرك ممّن لم يحصل في هذا المنزل وهو علم كشف لأنك تشهده بالعلامة لا تراه من نفسك لأنه ليس بذوق لك، ويحصل لك منهم علم القدم وهو علم عزيز به يكون ثباتك على ما يحصل لك من الأسرار والعلوم بعد انفصالك عن الحضرات التي يحصل لك فيها ما يحصل من العلم والأسرار، فكثير من الناس من نسي ما شاهده، فإذا ٣٥٢ في المنازل / الباب الثامن والسبعون ومائتان في معرفة منزل الألفة وأسراره ... حصل له هذا العلم من هذا النبي يثبت فيه ثبات الأنبياء، ويحصل لك منهم أيضاً علم الشرائع في العالم ومن أين مأخذها وكيف أخذت؟ ولماذا اختلفت في بعض الأحكام؟ وفي ماذا اتفقت واجتمعت؟ حتى أن صاحب هذا الكشف لو لم يكن مؤيداً في كشفه لادّعى النبوّة، ولكن الله أيّد أولياءه وعصمهم عن الغلط في دعوى ما ليس لهم لخروجهم عن حظوظ نفوسهم عند الخلق، لكنهم لا يخرجون عن حظوظها عند الحق، ولا يصح أن يطلب الحق للحق وإنما يطلب للحظ، فإن فائدة الطلب التحصيل للمطلوب والحق لا يحصل لأحد فلا يصحّ أن يكون مطلوباً لعالم فلم يبق إلاَّ الحظ، ومن هذا العلم يداوى العشاق إذا أفرطت فيهم المحبة، من هذه الحضرة يستخرج لهم دواء الراحة ممّا هم فيه من العذاب الذي يعطيه العشق من القلق والكمد والانزعاج، ويحصل من مشاهدة هؤلاء الأنبياء أيضاً علم ما يحتاج إليه نواب الحق في عباده من الرحمة والقهر والشدة واللين، وما يعاملون به الخلق، وما يعاملون به أنفسهم إذا كانوا نوّاباً فيستفيد هذا كله وإن لم يحصل له درجة النيابة في العامّة، ولكنه نائب الله في عالمه الخاص به الذي هو نفسه وأهله وولده إن كان ذا أهل وولد، ويحصل له منهم السرّ الذي به يحيى الجاهل من موت جهله وما يحيي الله به الموتى فإنه راجع إلى منزل الألفة لأن الحياة للشيء إنما تكون لتألفها به ونظرها إليه من اسمه الحيّ الذي ليس عن تأليف، ويحصل أيضاً علم الخلق التام في قوله ((مخلقة)) ولا يحصل له في هذا المنزل علم غير المخلقة، وإنما يحصل ذلك لمن حصل من منزل آخر. وفي هذا المنزل يعلم من هؤلاء الأنبياء العلم التصورّي وهو العلم بالمفردات التي لم تتركب، ومن هذا المنزل تلبس المعاني الصور فيصور المسائل العالم في نفسه ثم يبرزها إلى المتعلمين في أحسن صورة وهي المخلقة، فإن أخطأ فمن غير هذا المنزل، ومن هذا المنزل يعلم سبب العشق الحاصل في العاشق ما هو وما الرابطة بين العاشق والمعشوق حتى التفّ به على الاختصاص دون غيره، ولماذا يراه في عينه أجمل ممّن هو أجمل منه في علمه؟ ولماذا يكون تحت سلطان المعشوق وإن كان عبده؟ ولماذا ينتقل الحكم على السيد للعبد إذا كان معشوقاً له فيكون تحت أمره ونهيه لا يقدر في نفسه أن يتصور مخالفته فيما يأمره به عبده، وكيف انتقلت السيادة إليه وانتقلت العبودية إلى الآخر السيد ظاهرة الحكم بالتصرّف فيه؟ ولماذا يتخيل أنه يراه أعظم عنده من نفسه وأن سعادته في عبوديته وذلّته بين يديه مع أنه يحب الرياسة بالطبع؟ ولماذا أثر في طبعه؟ وتتبين له قوّة الأرواح على الطبع وأن العشق روحانيّ فردّه إلى ما تقتضيه حقيقة الروح، فإن الروح لا رياسة عنده في نفسه ولا يقبل الوصف بها، ويعلم هل ينقسم العشق إلى طبع وروح أو هو من خصائص الروح؟ أو هو من خصائص الطبع لوجوده من الحيوان والنبات؟ ويعلم لماذا كان العشق من الإنسان لجارية أو غلام بحيث أن يفنى فيه ويكون بهذه المثابة التي ذكرناها، ولا يستفرغ هذا الاستفراغ في حب من ليس بإنسان من ذهب وفضة وعقار وعروض وغير ذلك وهو علم شريف، ولماذا يستفرغ مثل هذا الاستفراغ في محبة الحق وحده دون ما ذكرناه ويعلم هل محبته للحق جزئية أم كلية؟ ومعنى في المنازل/ الباب التاسع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الاعتبار وأسراره من المقام المحمدي ٣٥٣ ذلك أنه هل أحبه بكله من حيث طبعه وروحه أو من حيث روحه فقط؟ لأن الحب الطبيعيّ لا يليق أن يتعلق من المحب بذلك الجناب، وهل لذلك الجناب مظهر يمكن أن يتعلق به الحب الطبيعيّ أم لا؟ كل ذلك من خصائص علم هذا المنزل، وممّا يستفيد من علوم هذا المنزل علم الزمان ولماذا يرجع؟ هل لأمر وجوديّ أو لأمر عدميّ؟ وهل الليل والنهار زمان أو دليل على أن ثم زماناً، وهل حدث الليل والنهار في زمان، ومن هذا المنزل يعلم ترتيب الهياكل الموضوعة لاستنزال الأرواح وصورها وأشكالها وبنائها وما ينقش عليها وما ينفعل عنها وكم مدتها بعد معرفته هل لها مدة أم لا؟ ويعلم علم الحروف والنجوم من حيث خصائصها وطبائعها وتأثيراتها التي فطرها الله عليها وفيمن تؤثر وبماذا تحتجب عن تأثيرها؟ وإذا قيدت بماذا يطلق من قيدته عن تقييدها، وإذا أطلق بماذا يقيد من إطلاقه، ويعلم من هذا المنزل ما أردناه بقولنا: [البسيط] فالناسُ ما بين مَثْروٍ ومَأُلوفٍ الحقُّ ما بين مجهولٍ ومَعْروفٍ فالحالُ ما بين مَقْبولٍ ومَصْروفٍ والشَّأْنُ ما بين وصَّافٍ ومَوْصوفٍ فهذا بعض ما يحويه هذا المنزل وهو كثير، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب التاسع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الاعتبار وأسراره من المقام المحمدي [نظم: الطويل] لدينا وعند الغَيْر ذلك جَائِزُ تَجَلِيه في الأفعال ليس بمُمْكنٍ وكيف يرى في الفَعْلِ والعبدُ عاجِزُ ويحتجُّ في ذاك الجوازِ بفعْلِهِ ومن قائلِ الحقُّ في المَنْعِ ناجِزُ فمن قائلٍ الحقُّ في الكون ظاهرٌ ولا يَنْجَلي إلاَّ لمن هو فَائِزُ وتَحقيقُ هذا الأمر عَجْزٌ وخَيْرةٌ اعلم أن التجلي الذاتي ممنوع بلا خلاف بين أهل الحقائق في غير مظهر، والتجلي في المظاهر وهو التجلي في صور المعتقدات كائن بلا خلاف، والتجلي في المعقولات كائن بلا خلاف وهما تجلي الاعتبارات، لأنّ هذه المظاهر سواء كانت صور المعقولات أو صور المعتقدات فإنها جسور يعبر عليها بالعلم، أي يعلم أن وراء هذه الصور أمراً لا يصحّ أن يشهد ولا أن يعلم، وليس وراء ذلك المعلوم الذي لا يشهد ولا يعلم حقيقة ما يعلم أصلاً. وأما التجلي في الأفعال أعني نسبة ظهور الكائنات والمظاهر عن الذات التي تتكوّن عنها الكائنات وتظهر عنها المظاهر وهو قوله تعالى: ﴿مَّ أَشْهَدَتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الكهف: الآية ٥١] فالحق سبحانه قرّر في اعتقادات قوم وقوع ذلك، وقرر في اعتقادات قوم منع وقوع ذلك، وهو سبحانه قد ذكرنا أنه يتجلى في صور المعتقدات، فمن عرف أن أفعال نفسه وغيره مخلوقة لله مع أنه يشاهدها عن قدرته ويعلم أنها عن القدرة الإلهية مع أنه لا يشهد تعلّق قدرته أو قدرة غيره بمقدوره حالة إيجاده وإبرازه من العدم إلى الوجود يمنع أن يتجلى الحق في الأفعال إلاَّ على حد ما وقع هنا فمنع وقوع هذا التجلي، ومن عرف أن أفعال نفسه مخلوقة له الفتوحات المكية ج٤ - م٢٣ ٣٥٤ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الاعتبار وأسراره من المقام المحمدي لا للقدرة القديمة مع أنه أيضاً لا يعرفها مشاهدة إلاَّ حال وجودها، ولا يرى صاحب هذا الاعتقاد إذا أنصف تعلّق قدرته بإيجادها وإنما يشهد تعلّق الجارحة بالحركة القائمة قال بوقوع هذا التجلي، ففيه خلاف بين أهل هذا الشأن لا يرتفع دنيا ولا آخرة، غير أن الدنيا تقتضي بحالها أن يتنازعوا في هذا الأمر وغيره، وفي الجنة لا نزاع في ذلك لأن كل واحد قد قرّره الحق على اعتقاده وأبقى عليه، وهمّه في تلك الدار أنه متجلّ له في أفعاله، وأبقى على الآخر علمه أنه لا يتجلّى في أفعاله مع حصول تجلّي من أبقى عليه وهمّه لمن أبقى علمه عليه بالمنع، فصاحب المنع يشاهد من الحق ما يشاهده من يقول بوقوع التجلي في الأفعال فيعرف ما يشهد في ذلك التجلي، كما يعرف هنا من يعقل معقولاته الصادرة عنه، وذلك الآخر لا يعلم من الله هذا الذي يعلمه من يقول بالمنع، فحصل من هذا أن الأمر مشكل، فهو سبحانه المثبت لذلك والنافي له فيما خاطبنا به هنا في كتبه وعلى ألسنة رسله وقرّره في أفكار النظار لتأخذه العقول على حدّ ما قرّره في الأفكار من المنع لذلك أو وقوعه، وهذا الحجاب لا يرتفع أبداً، والتكليف محقق من حيث إن الأفعال مكتسبة بلا خلاف بين الطائفتين، وإنما الخلاف في الإيجاد عن أي القدرتين كان قال تعالى: ﴿وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٤٥] وهو أقوى حجة للقائلين بالوقوع، وهو أقوى حجة للقائلين بالمنع ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَذَّ الظِّلَّ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٤٥] فقرن الرؤية بإلى وجعل المرئيّ الكيف، فيقول صاحب المنع: لما لم نشهد هنا ذات الحق وهو يكيف مدّ الظل ولا رأيناه وإنما رأينا مدّ الظلال عن الأشخاص الكثيفة التي تحجب الأنوار أن تنبسط على الأماكن التي تمتد فيها ظلال هذه الأشخاص، علمنا أن الرؤية في هذا الخطاب إنما متعلقها العلم بالكيف المشهود الذي ذكرناه، وأن ذلك من الله سبحانه لا من غيره، أي إنّه لو أراد أن تكون الأشخاص الكثيفة منصوبة والأنوار في جهة منها بمنع تلك الأشخاص انبساط النور على تلك الأماكن فيسمّى منعها ظلالاً أو يقبض تلك الظلال عن الانبساط على تلك الأماكن ولا يخلق فيها نوراً آخر ولا ينبسط ذلك النور المحجوب على تلك الأماكن لما قصرت إرادته عن ذلك كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٤٦] وهو رجوع الظل إلى الشخص الممتد منه ببروز النور حتى يشهد ذلك المكان، فجعل المقبوض إنما كان قبضه إلى الله لا إلى الجدار، وفي الشاهد وما تراه العين أن سبب انقباض الظل وتشميره إلى جهة الشخص الكثيف إنما هو بروز النور، فما في المسائل الإلهية ما تقع فيها الحيرة أكثر ولا أعظم من مسألة الأفعال، ولا سيما في تعلق الحمد والذمّ بأفعال المخلوقين، فيخرجها ذلك التعلّق أن تكون أفعال المخلوقين لغير المخلوقين حال ظهورها عنهم، وأفعال الله كلها حسنة في مذهب المخالف الذي ينفي الفعل عن المخلوق ويثبت الذم للفعل بلا خلاف ولا شك عنده في تعلّق الذم بذلك الفعل من الله وسببه الكسب لما وقع مخالفاً لحمد الله فيه مأموراً كان يفعله فلم يفعله أو منهياً عن فعله ففعله، وهذا فيه ما فيه، وفي مثل هذه المسائل قلت: [المديد] ليت شعري ثم من لا يَحَاز خَيْرةٌ من حَيْرةٍ صَدَرتْ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الاعتبار وأسراره من المقام المحمدي ٣٥٥ وهو إن قال أنا لا يُعَازْ أنا إن قلتُ أنا قال لا والذي أفعَلُه باضطراز أنا مَجْبُورٌ ولا فعلَ لي ليس في أفْعَالهِ بالخَيَاز والذي أُسْنِدُ فِعْلي له ثبتَتْ ليس لها مِنْ قَراز فأنا وهو على نُقْطَةٍ فقد أوقفناك بما ذكرناه في هذا الباب على ما يزيدك حيرة فيه، وبعد أن ذكرنا ما ذكرنا فاعلم أن هذا المنزل هو على الحقيقة منزل حيرة ومقام غيرة، ومن علوم هذا المنزل وهو داخل في باب الحيرة اتصاف العدم بالكينونة وهي تقتضيه، واتصاف الحق بجعل الموجودات في العدم وخلق العدم بحيث أن يقال: فعل الفاعل لا شيء ولا شيء لا يكون فعلاً، وقد نسبه الحق إليه فقال ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي يلحقكم بالعدم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ١٩] فانظر كيف أضاف الإلحاق بالعدم إلى المشيئة ولم يضفه إلى القدرة التي يقع الخلق والجعل بها، والكتب الإلهية من هذا مشحونة ويحتوي عليها هذا المنزل، والصحيح في ذلك أن الموجودات إذا كانت كما قد ذكر لها أعيان ثابتة حال اتصافها بالعدم الذي هو للممكن لا للمحال، فكما أبرزها للوجود وألبسها حاله وعرّاها عن حال العدم فيسمّى بذلك موجداً وتسمّى هذه العين موجودة، لا يبعد أن يردّها إلى ما منه أخرجها وهي حالة العدم، فيتصف الحق بأنه معدم لها، وتتصف هي بأنها معدومة، ولا يتعرّض إلى العلم بأية صفة حصل ذلك، فإن سئلنا ألحقنا حصول الأمرين والحالتين بالمشيئة ويسلم ذلك الخصمان، وإذا سئلنا عن إلحاق تلك العين بالوجود نسبنا ذلك إلى القدرة والمشيئة ويسلم الخصمان لنا ذلك، فإذا فهمت ما أردناه فألحق الكل بالمشيئة وهو الأولى والأوجه حتى تسلم من النزاع في صنف الخبر من ذلك حتى لا يتصوّر نزاع فيه من جميع الطوائف، ومن هذا الباب: ذهب الله بنورهم، أي أزاله عن أبصارهم، ولكن لا يلزم من ذهابه عن أبصارهم إلحاقه بالعدم لولا أن المفهوم منه أن الله أعدم النور من أبصارهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. ومن علوم هذا المنزل بعث الحق تعالى الجماعة لأمر يقوم به الواحد منهم أعني من تلك الجماعة، ومن علوم هذا المنزل وجود العلم عن النظرة والضربة والرمية، وكيف تقوم هذه الأمور مقام كلام العالم للمتعلم وذوقنا من هذا الفن ذوق النظرة. فاعلم أنه كما يتضمن النظر بنور الشمس جميع المرئيات على كثرتها وبعدها في غير زمان مطوّل بل عين زمان اللمحة زمان بسط النور على المبصرات عين زمان إدراك البصر لها عين زمان تعلّق العلم بما أدركه البصر من غير ترتيب زمانيّ ولا امتداد، وإن كان الترتيب معقولاً مثل ترتيب العلة والمعلول مع تساوقهما في الوجود، كذلك اللحظة أو الضربة أو الرمية تتضمن العلوم التي أودع الله فيها، فإذا وقعت من الضارب أو الرامي أو اللاحظ أدرك من العلم جميع ما في قوّة تلك الضربة مثل ما أعطت اللحظة بنور الشمس جميع ما في قوّة تلك اللحظة من المبصرات، وليس القصور من الضربة وغيرها فإنها تتضمن ما لا نهاية له من العلوم كما تشرق الشمس على أكثر ممّا يدركه البصر، وإنما القصور في قلب المدرك مثل القصور في المبصر عن إدراك - ٣٥٠ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الاعتبار وأسراره من المقام المحمدي جميع ما أشرقت عليه الشمس، وهذا كله في آن واحد إن كان المدرك ممّن يتقيد بالزمان كالأرواح التي لا تتصف بالتحيز، فتدرك ما تدركه في غير زمان ممّا يدرك في زمان وفيٍ غير زمان، ولهذه الإشارة بقوله بَلّ: ((إنَّ الحَقَّ ضَرَبَهُ بِيَدِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ أَوْ فِي ظَهْرِهِ فَوَجَدَ بَرْدَ الأَنَامِلِ بَيْن ثَذْيَيْهِ أَوْ فِي صَدْرِهِ فَعَلِمَ عِلْمَ الأوّلِينَ وَالآخِرِينَ)) فسبحان معلم من شاء بما شاء كيف شاء لا إله إلاَّ هو العليم القدير. وكذلك من هذا الباب لما رمى التراب في وجوه الأعداء يوم حنين فأصابت عيون القوم فانهزموا، فانظر ما تضمنته تلك الرمية وما تضمنته تلك الضربة . وأما النظرة فما رويتها عن أحد ولا سمعتها عن أحد لكني رأيتها من نفسي، نظرت نظرة فعلمت ما تضمنته من العلوم، وأعطيت نظرة فنظرت بها فعلمت بها من نظرت إليه من جميع ما تضمنته تلك النظرة من العلوم، وهذا هو علم الأذواق، ومن هنا يعلم قول من قال: يسمع بما به يبصر بما به يتكلم هذا مضى. وأما فائدة ما يقوم به الواحد بما نبعث به الجماعة فللإنعام الإلهيّ بتلك الجماعة وعناية الحق بهم حيث جعلٍ لهم نصيباً في ذلك الخير لا لقصور القدرة عن إبلاغ الواحد ذلك الأمر دون الجماعة إلاّ أن تكون حقائق النسب، فإن ذلك ترتيب حقيقي لا وضعي، كتقدّم الحيّ على العالم، ودخول المريد تحت إحاطة العالم، ودخول القادر تحت إحاطة المريد، فلا يقوم المريد بما يختص به القادر، ولا يقوم العالم بما يختص به المريد، ولا يقوم الحيّ بما يختص به العالم، ولا يقوم العالم بما يختص به الحيّ، ولا يقوم المريد بما يختص به العالم، ولا يقوم القادر بما يختص به المريد، وعين العالم هو عين الحيّ عين المريد عين القادر، وعين الحياة هي عين العلم عين الإرادة عين القدرة، وعين الحياة هي عين الحيّ عين العالم عين المريد عين القادر، وكذلك ما بقي فالنسب مختلفة والعين واحدة، والمعلوم صفة وحال وموصوف، فالجمع في عين الوحدة مندرج حكماً لا عيناً، فإنه ما ثم أعيان موجودة لهذا المجموع، وإنما هي عين واحدة لها نسب مختلفة تبلغ ما بلغت، فهذا هو السريان الوجودي في الموجودات، فهذا من قيام الواحد بما تقوم به الجماعة بين موجود ومعقول، فهذا المنزل يتضمن ما ذكرناه. ومن علوم هذا المنزل معرفة استحالات العناصر والمولدات بعضها إلى بعض بنسبة رابطة بين المستحيل والمستحال إليه، فإن ارتفعت تلك النسبة الرابطة لم يستحل شيء إلى شيء فإنه مناف له من جميع الوجوه، ولهذا كانت النسبة بين الرب والمربوب موجودة وبها كان رباً له ولم يكن بين المربوب وذات الرب نسبة، فلهذا لم يكن عن الذات شيء كما تقول أصحاب العلل والمعلولات، فلا تتوجه الذات على إيجاد الأشياء من كونها ذاتاً، وإنما تتوجه على الأشياء من نسبة القدرة إليها وعدم المانع وذلك مسمّى الألوهة، كذلك الطبائع رتبها الله ترتيباً عجيباً لأجل الاستحالات، فجعل عنصر النار يليه الهواء، وعنصر الهواء يليه الماء، وعنصر الماء يليه التراب، فبين الماء والنار منافرة طبيعية من جميع الوجوه، وبين الهواء والتراب منافرة من جميع الوجوه طبيعية، فجعل بينهما الوسائط لكونها ذات وجهين لكل واحد ممّا يلي الطرفين مناسبة خاصة، فإذا أراد الحق أن يحيل الماء ناراً وهو منافر طبعاً أحاله في المنازل/ الباب التاسع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الاعتبار وأسراره من المقام المحمدي ٣٥٧ أوّلاً هواء ثم أحال ذلك الهواء ناراً، فما أحال الماء ناراً حتى نقله إلى الهواء من أجل التناسب، وكذلك جميع الاستحالات كلها في عالم الطبيعة. وأما في الإلهيات فقد أشرنا إليه في هذه المسألة وفي هذا الكتاب في وصف ذات المخلوق بصفة ذات الخالق، ووصف ذات الخالق بصفة ذات المخلوق، ثم تجرّد ذات الخالق عمّا تقتضيه ذات المخلوق، وتجرّد ذات المخلوق عمّا تقتضيه ذات الخالق، فلولا النسبة الموجودة بين الرب والمربوب ما دلّ عليه ولا قبل الاتصاف بصفته لا هذا ولا هذا، وبتلك النسبة كان الحق مكلفاً عباده وآمراً وناهياً، وبها بعينها كان الخلق مكلفاً مأموراً منهياً، فحقق ما نبهناك عليه إن كنت ذا قلب وألقيت السمع وأنت شهيد لما ذكرناه، فإن لم تكن كذلك فاتك خير كثير وعلم نافع جليل القدر لكنه عظيم الخطر إلاَّ أن يعصم الله. ومكر إلهيّ خفيّ في هذا المنزل صدر عن الاسم القاهر والقادر موجود من عالم الغيب في عالم الحسّ بيده حسام القهر صلتاً يطلب به موجوداً تعلّق باسم رحمانيّ مثل طلب موسى فرعون وطلب نمروذ وفراعنة الأنبياء للأنبياء عليهم السلام، كل ذلك صفات تقوم للعارف في ظاهره وباطنه يكاشفها من نفسه، فإذا صال رجال الاسم القاهر التجأ العارف إلى الاسم الباطن فشفع له عند القاهر فتبادر جماعة من الأسماء الإلهية من أجل الاسم الباطن تعظيماً له لقربه من الهو، وقاموا معه بالاسم القائم على الاسم الظاهر لبعد منزلته من الهوَ، فأقام لهم الاسم من عالم الغيب جماعة في عالم البرزخ فإنه أشد قوّة في التأثير من عالم الحسّ، فإنه يؤثر في عالم الحسّ ما يؤثره الحسّ، والحسّ لا يقدر يؤثر في الخيال، ألا ترى النائم يرى في الخيال أنه ينكح فينزل منه الماء في عالم الحس، ويرى ما يفزعه فيتأثر لذلك جسم النائم بحركة أو صوت يصدر منه أو كلام مفهوم أو عرق لقوّة سلطانه عليه، ويظهر الخيال في صورة الحسّ ما ليس في نفسه بمحسوس ويلحقه بالحسّ، وليس في قوّة الحسّ أن يرد المحسوس بعينه متخيلاً، فيحصل لهذا العارف علوم من عين تلك الجماعة البرزخية يطلع بها على معرفة تلك الشبهة القادحة في سعادته لو ثبتت ومات عليها، ولا بدّ في هذا المنزل من هذه الشبهة وهذه الأدلة . فصل: واعلم أنه ما من منزل من المنازل ولا منازلة من المنازلات ولا مقام من المقامات ولا حال من الحالات إلاَّ وبينهما برزخ يوقف العبد فيه يسمّى الموقف، وهو الذي تكلم منه صاحب المواقف محمد بن عبد الجبار النفري رحمه الله في كتابه المسمّى بالمواقف الذي يقول فيه: أوقفني الحق في موقف كذا، فذلك الاسم الذي يضيفه إليه هو المنزل الذي ينتقل إليه أو المقام أو الحال أو المنازلة إلا قوله: أوقفنى فى موقف وراء المواقف، فذلك الموقف مسمّى بغير اسم ما ينتقل إليه، وهو الموقف الذي لا يكون بعده ما يناسب الأوّل، وهو عندما يريد الحق أن ينقله من المقام إلى الحال، ومن الحال إلى المقام، ومن المقام إلى المنزل، ومن المنزل إلى المنازلات، أو من المنازلات إلى المقام، وفائدة هذه المواقف أن العبد إذا أراد الحق أن ينقله من شيء إلى شيء يوقفه ما بين ما ينتقل عنه وبين ما ينتقل إليه، ٣٥٨ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الاعتبار وأسراره من المقام المحمدي فيعطيه آداب ما ينتقل إليه ويعلمه كيف يتأذّب بما يستحقه ذلك الأمر الذي يستقبله، فإن للحق آداباً لكل منزل ومقام وحال ومنازلة إن لم يلزم الآداب الإلهية العبد فيها وإلا طرد، وهو أن يجري فيها على ما يريده الحق من الظهور بتجليه في ذلك الأمر أو الحضرة من الإنكار أو التعريف، فيعامل الحق بآداب ما تستحقه، وقد ورد الخبر الصحيح في ذلك في تجليه سبحانه في موطن التلبيس وهو تجليه في غير صور الاعتقادات في حضرة الاعتقادات، فلا يبقى أحد يقبله ولا يقربه بل يقولون إذا قال لهم أنا ربكم: نعوذ بالله منك فالعارف في ذلك المقام يعرفه، غير أنه قد علم منه بما أعلمه أنه لا يريد أن يعرفه في تلك الحضرة من كان هنا مقيد المعرفة بصورة خاصة يعبده فيها، فمن أدب العارف أن يوافقهم في الإنكار، ولكن لا يتلفظ بما تلفظوا به من الاستعاذة منه فإنه يعرفه، فإذا قال لهم الحق في تلك الحضرة عند تلك النظرة: هل كان بينكم وبينه علامة تعرفونه بها؟ فيقولون نعم، فيتحوّل لهم سبحانه في تلك العلامة مع اختلاف العلامات، فإذا رأوها وهي الصورة التي كانوا يعبدونه فيها حينئذٍ اعترفوا به، ووافقهم العارف بذلك في اعترافهم أدباً منه مع الله وحقيقة وأقرّ له بما أقرّت الجماعة، فهذه فائدة علم المواقف وما ثم منزل ولا مقام كما قلنا إلاَّ وبينهما موقف إلاَّ منزلان أو حضرتان أو مقامان أو حالان أو منازلتان كيف شئت قل ليس بينهما موقف، وسبب ذلك أنه أمر واحد، غير أنه يتغير على السالك حاله فيه فيتخيل أنه قد انتقل إلى منزل آخر أو حضرة أخرى فيحار لكونه لم ير الحق أوقفه والتغيير عنده حاصل، فلا يدري هل ذلك التغيّر الذي ظهر فيه هل هو من انتقاله في المنزل أو انتقاله عنه، فإن كان هنالك عارف بالأمر عرفه، وإن لم يكن له أستاذ بقي التلبيس، فإنه من شأن هذا الأمر أن لا يوقفه الحق كما فعل معه فيما تقدّم وكما يفعل معه فيما يستقبل، فيخاف السالك من سوء الأدب في الحال الذي يظهر عليه هل يعامله بالأدب المتقدم أوله أدب آخر؟ وهذا لمن أوقفه الحق من السالكين، فإذا لم يوقفه الحق في موقف من هذه المواقف ولم يعطه الفصل بين ما ينتقل إليه وعنه كان عنده الانتقالات في نفس المنزل الذي هو فيه، فإنه ما ثم عند صاحب هذا الذوق إلاَّ أمر واحد فيه تكون الانتقالات وهو كان حال المنذري صاحب المقامات، وعليها بني كتابه المعروف بالمقامات وأوصلها إلى مائة مقام في مقام واحد وهو المحبة، فمثل هذا لا يقف ولا يتحير ولكن يفوته علم جليل من العلم بالله وصفاته المختصة بما ينتقل إليه، فلا يعرف المناسبات من جانب الحق إلى هذا المنزل فيكون علمه علم إجمال قد تضمنه الأمر الأوّل عند دخوله إلى هذه الحضرات، ويكون علم صاحب المواقف علم تفصيل، ولكن يعفى عنه ما يفوته من الآداب إذا لم تقع منه وتجهل فيه ولا يؤثر في حاله بل يعطي الأمور على ما ينبغي، ولكن لا يتنزل منزلة الواقف ولا يعرف ما فاته فيعرفه الواقف وهو لا يعرف الواقف، فلهذا المنزل الذي نحن فيه موقف يجهل لا بل يحار فيه صاحب المواقف، لأن المناسبة بين ما يعطيه الموقف الخاص به وبين هذا المنزل بعيدة ممّا بني المنزل عليه، وكذلك الذي يأتي بعده، غير أن النازل فيه وإن كان حائراً فإنه يحصل له من الموقف في تلك الوقفة إذا ارتفعت المناسبة ٣٥٩ في المنازل/ الباب الثمانون ومائتان في معرفة منزل ما لي وأسراره من المقام الموسوي بين المنزل والوقفة أن المناسبة ترجع بين الوقفة والنازل فيعرف ما تستحقه الحضرة من الآداب مع ارتفاع المناسبة فيشكر الله على ذلك، فصاحب المواقف متعوب لكنه عالم كبير، والذي لا موقف له مستريح في سلوكه غير متعوب فيه، وربما إذا اجتمعا ورأى من لا موقف له حال من له المواقف ينكر عليه ما يراه فيه من المشقة، ويتخيل أنه دونه في المرتبة، فيأخذ عليه في ذلك ويعتبه فيها ويقول له: الطريق أهون من هذا الذي أنت عليه، ويتشيخ عليه وذلك لجهله بالمواقف، وأما صاحب المواقف فلا يجهله ولا ينكر عليه ما عامله به من سوء الأدب ويحمله فيه ولا يعرّفه بحاله ولا بما فاته من الطريق، فإنه قد علم أن الله ما أراده بذلك ولا أهله فيقبل كلامه وغايته أن يقول له: يا أخي سلم إليّ حالي كما سلمت إليك حالك، ويتركه، وهذا الذي نبهتك عليه من أنفع ما يكون في هذا الطريق لما فيه من الحيرة والتلبيس فافهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثمانون ومائتان في معرفة منزل ما لي وأسراره من المقام الموسوي [نظم: الخفيف] قلتُ مالي فقال مالكَ عَبْدي قلتُ لما أضفته لي ملكاً قلت مالي فقال مالكَ عِنْدي لِمَ خصَّصْتَه بقولكَ عِنْدي كان ما تحتَ مِلْكِ عندِكَ عندي قال لما علمتُ أنك عندي صحَّ ما قلتَ إن عندَكَ عندي قلتُ إن كان عَيْنُ أنَّك أني فلنَقُلْ نحن إن عندكَ عندي وكما قلتَ إن عندَكَ عندي وهو أولى فإن ذاتيَ ظَرْفٌ وتعالَيْتَ أنت فالعِنْدُ عندي هذا منزل عال ليس بينه وبين موقفه مناسبة فترجع المناسبة إلى الواقف كما كان في المنزل الذي قبله من هذا المنزل، قال يعقوب عليه السلام لبنيه: ﴿وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ شَىِّءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [سورة يوسف: الآية ٦٧] ومن هذا المنزل قال محمد نَّه وقد نزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٢١٤] فوقف على الصفا وجاء الناس يهرعون إليه فقال لأكرم الناس عليه: ((يَا فَاطِمَةُ بِنْتِ مُحَمَّدِ انْظُرِي لِنَفْسِكِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)) وقال مثل هذه المقالة لجميع الأقربين وكان عمّه أبو لهب حاضراً فنفخ في يده وقال: ما حصل بأيدينا ممّا قاله شيء، وصدق أبو لهب فإنه ما نفعه الله بإنذاره ولا أدخل قلبه منه شيئاً لما أراد به من الشقاء فأنزل الله فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أَغْنَ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [سورة المسد: الآية ١، ٢] فإنه كان معتمداً على ماله، فمن اعتمد على غير الله في أموره خسر، والقائلون بالأسباب إذا اعتمدوا عليها وتركوا الاعتماد على الله لحقوا بالأخسرين أعمالاً، وإذا أثبتوا الأسباب واعتمدوا على الله ولم يتعدّوا فيها منزلتها التي أنزلها الله فيها فأولئك الأكابر من رجال الله الذين ﴿لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَ بَيْعٌّ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة النور: الآية ٣٧] وأثبت لهم الحق ٣٦٠ في المنازل/ الباب الثمانون ومائتان في معرفة منزل ما لي وأسراره من المقام الموسوي الرجولة في هذا الموطن، ومن شهد له الحق بأمر فهو على حق في دعواه إذا ادّعاه، ومن أثبت الأسباب بإثبات الحق وركن إليها ركون الطبع واضطرب عند فقدها في نفس الاعتماد على الله فذلك من متوسط الرجال، وإذا وقع الاضطراب في النفس فإن أحسّ بالفقد واضطرب المزاج فذلك من خصائص الرجال الأكابر، وإن لم يضطرب المزاج ولم يحسّ بالفقد فذلك حال الاعتماد على الله وهو مقام المتوسطين أصحاب الأحوال، ومن هذا المنزل قيل للنبيّ وَّ في فتح مكة لما وقف بين يديه رجل ممّن كان النبي وَل يريد قتله فلما قضى حاجته منه وانصرف قال النبيّ وَّرَ: ((لِمَ لَمْ تَقْتُلُوهِ حِينَ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيَّ؟ فَقَالَ لَهُ أَضْحَابُهُ: هَلَأَّ أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِطَرْفِكَ؟ فَقَالَ رََّ: مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ عَيْنٍ)) وهي حالة لا يسلم منها، وغاية أن يسلم منها من سلم في الشرّ، وأما في الخير فإنهم ربما اتخذوها في الخير طريقاً محموداً فيومىء الكبير في حق الحاضر إلى بعض من يمتثل أمره أن يجيء إليه بخلعة أو بمال يهبه لذلك الحاضر يكون ذلك إيماء بالعين لا تصريحاً باللفظ من غير شعور من يومىء في حقه بذلك الخير ولا يقع مثل هذا وإن كان خيراً من نبيّ، وسببه أن لا تعتاده النفس فربما تستعمله في الشرّ لاستصحابها إياه في الخير، إذ كانت النفس من طبعها أن تسترقها العادة، وإنما سميت خائنة عين لأن الإفصاح عمّا في النفس إنما هو لصفة الكلام ليس هو من صفة العين، وإن كان في قوّة العين الإفصاح بما في النفس بالإشارة، ولكن إنما لها النظر، والذي عندها من صفة الكلام إنما هو أمانة بيدها للكلام، فإذا تصرّفت في تلك الأمانة بالإيماء والإشارة لمن تومىء إليه في أمر ما فقد خانت الكلام فيما أمنها عليه من ذلك، فلهذا سميت خائنة الأعين، فوصفت بالخيانة والخيانة التصرّف في الأمانة، فإن الأمانة ليست بملك لك، وإنك مأمور بأدائها إلى أهلها، فإذا اقتضى المنزل الأمر بخير وشرّ في حق شخص وفي قوّة العين الإفصاح عن ذلك لمن يشير إليه به، فعلمت أن ذلك صفة للكلام فلم تفعل وردّت تلك الأمانة إلى اللسان فنطق فقد أدّت هذه العين الأمانة إلى أهلها ولم تخن فيها، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [سورة غافر: الآية ١٩] أي يعلم أنها خيانة وكيف هي خيانة ولم يقل يعلم ما أشارت به الأعين وما أومأت، فإن المشار إليه يعلم ذلك فلا يكون مدحاً، ولكن لا يعلم كل أحد أنها خيانة إلاَّ من أعلمه الله بذلك وقد أعلمنا بها فعلمناها، فهي في الخير خيانة محمودة، وفي الشرّ خيانة مذمومة، وما زالت عن كونها خيانة في الحالين. وبعد أن بيّنا لك هذا الأمر فتحفظ منها ما استطعت أن تفعلها مع الحضور فإنك لست بمعصوم فاستعمل الحضور عسى تفوز بهذا المقام. فإن قلت: قد أشارت من شهد لها بالكمال ومنعت من الكلام وهي مريم إلى عيسى أن يسألوه عن شأنه، قلنا بعد ذلك نالت الكمال لا في ذلك الوقت، ألا ترى زكريا قيل له: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [سورة آل عمران: الآية ٤١] والرمز ما يقع بالإشارة، فإن الإشارة صريحة في الأمر المطلوب بل هي أقوى في التعريف من التلفظ باسم المشار إليه في مواطن يحتاج المتكلم فيها إلى قرينة حال، حتى لو قال شخص لآخر: كلم زيداً بكذا وكذا وزيد حاضر احتمل أن يفهم عنه