النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
في المنازل/ الباب الثالث والسبعون ومائتان في معرفة منزل الهلاك للهوى والنفس
حركة، ولم أر للقفل الثاني مفتاحاً ففتحته بالاسم، ورأيت على القفل الثالث مفتاحاً واحداً
يحوي على حركة واحدة، وفتحت القفل الرابع بمفتاحين وجدتهما عليه يحويان على تسعمائة
حركة كل حركة لا تشبه الأخرى، وفتحت القفل الخامس بمفتاحين وجدتهما عليه يحويان
على خمسين حركة هندسية، وجئت القفل السادس فلم أر عليه مفتاحاً ففتحته بالاسم، وقد
يظهر لبعض المكاشفين الداخلين هذا المنزل هذا القفل السادس وعليه مفتاحان يحويان على
عشر حركات وعدم المفتاح أصحّ من وجوده لهذا القفل في حضرة الخطاب الفهواني، والذي
يرى له المفتاح فإنما يراه من اللوح المحفوظ، فلما فتحت هذه الخزانة رأيت صور العلوم
المخزونة فيها على عدد حركات المفاتيح سواء لا ينقص ولا يزيد وهي علوم الفناء عن الأمر
الذي يستند إليه من لا معرفة له بربه سبحانه وتعالى، فحصلت جميع ما فيها من العلوم من
علوم الفناء وكأنها تدل على حصر الأمور التي يستند إليها .
ثم خرجت من هذه الخزانة وجئت الخزانة الثانية فرأيت عليها ثلاثة أقفال على القفل
الأوّل مفتاح وعلى الثاني مفتاحان وعلى الثالث مفتاح، تحوي هذه المفاتيح على مائة وخمس
وعشرين حركة ففتحت الخزانة فإذا علوم من صور علوم لا تؤخذ إلاَّ عنه فهي ما آخذ عزيزة
المثال فحصلتها كلها في لحظة واحدة.
ثم جئت الخزانة الثالثة فإذا عليها أربعة أقفال على القفل الأوّل والثالث والرابع مفتاح
مفتاح تحوي هذه المفاتيح على إحدى وسبعين حركة والقفل الثاني لا مفتاح له، ففتحت تلك
الأقفال بالمفاتيح والاسم فإذا صور العلوم التي أضلّ بها السامريّ قومه وما هدى فحصلتها
لأتقي شرّها وأخذت بها مصرفاً مرضياً عند الله لا تبعة فيه.
ثم جئت الخزانة الرابعة وعليها ستة أقفال، على القفل الأوّل والثاني والرابع والخامس
مفتاح مفتاح والثالث لا مفتاح له والسادس عليه مفتاحان يحوي جميع المفاتيح على ثلثمائة
وتسع وستين حركة، ففتحت الأقفال بالاسم الإلهيّ والمفاتيح فرأيت صور العلوم التي تحويه
وهي العلوم التي تنال بالكسب لا بطريق الوهب وهي العلوم المدركة بالفكر، فحصلتها بطريق
العمل حتى لا تبرح مكتسبة .
ثم إني خرجت إلى البيت الثالث فدخلته فرأيت فيه ثلاث خزائن، فقصدت الخزانة
الأولى فإذا عليها خمسة أقفال على القفل الثاني ثلاثة مفاتيح والقفل الخامس لا مفتاح له،
وبقية الأقفال عليها مفتاح مفتاح، ففتحتها بالاسم والمفاتيح فرأيت فيها صور علوم الاصطلام
وهي من علوم الأحوال فحصلتها من طريقها، وخرجت عنها وقصدت الخزانة الثانية فرأيت
عليها أربعة أقفال، القفل الثاني والرابع لا مفتاح عليه والقفل الأوّل عليه مفتاحان يحويان على
خمسين حركة، والقفل الثالث عليه مفتاح يحوي على مائتي حركة، ففتحتها بالاسم والمفاتيح
فإذا هي تحوي على علوم الخوف والمجاهدة وأحوال الشوق والاشتياق وعلم السعير من
جهنم لا علم الزمهرير، وعلم ما يكون عنه نضج الجلود في جهنم إذ لا يكون عن النار ولا
عن الزمهرير بل عذاب متولد بينهما من مجاورة كل واحد منهما لصاحبه، فيتولد من
الفتوحات المكية ج٤ - م٢١

٣٢٢
في المنازل الباب الثالث وسيعون وماثنان في معرفة منزل الهلاك للهوى والنفس
امتزاجهما حالة ثالثة ليس هي عين واحد منهما تلك الحالة الحادثة هي العذاب الذي به ينضج
الجلود في جهنم، وعلم تبديلها من أيّ حضرة تبدّل وهو مشهد عظيم، فإن التبديل قد ورد
النص به في الجلود والسموات والأرض ونفاه عن الخلق فقال: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [سورة
الروم: الآية ٣٠] ونفاه عن القول الإلهيّ فقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ﴾ [سورة ق: الآية ٢٩] وقال: ﴿لَا
نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾ [سورة يونس: الآية ٦٤] كل هذا تتضمنه هذه الخزانة.
ثم جئت الخزانة الثالثة فرأيت عليها ستة أقفال فيها شبه بأقفال الخزانة التي خرجت منها
إلى هذه، فالقفل الثاني لا مفتاح له، والقفل الأوّل له مفتاحان، والقفل الثالث عليه ثلاثة
مفاتيح، والقفل الرابع والخامس لكل واحد منهما مفتاح، والقفل السادس عليه مفتاحان
تحوي هذه المفاتيح على ألف ومائة وسبع وثلاثين حركة، ففتحتها بالاسم والمفاتيح فإذا فيها
صور علوم الإرتقاءات والمعارج، ومعرفة اليوم الذي مقداره خمسين ألف سنة، ولكن إذا
كانت الإرتقاءات والمعارج من المريدين لا من المرادين فتكون عن شوق ومجاهدة ورياضة
ومكابدة .
ثم جئت إلى البيت الرابع فدخلته فإذا فيه ثلاث خزائن، الخزانة الأولى عليها سبعة
أقفال القفل الثاني منها لا مفتاح عليه والقفل الأوّل له مفتاح فيه ست حركات، والقفل الثالث
يحوي مفتاحه على أربعين حركة، وبقية الأقفال تحوي على ستمائة حركة وست حركات،
فجميع حركات مفاتيحها ستمائة وإثنان وخمسون حركة، ففتحتها فإذا فيها علم النكاح وكيف
يصحب الإنسان زوجته إذا كانت لا تعينه على طاعة ربه ويقف على قوله: ﴿وَلَ نَعَاوَنُواْ عَلَى
اُلْإِثْرِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٢] وهل يستعين الإنسان في عبادة ربه في وضوئه بغيره من
صبّ الماء عليه إذا توضأ فإن بعض العلماء كره ذلك، وقد رأى النفيس ابن وهبان السلمي في
واقعته كراهة ذلك من النبي ◌ّلّ وأخبرني به، فمن هذه الخزانة يعرف ذلك. ثم جئت الخزانة
الثانية فرأيت عليها خمسة أقفال، القفل الثاني منها مطبق والقفل الثالث لا مفتاح له والأوّل له
مفتاح وكذلك الثاني والخامس، وأما الرابع فله ثلاثة مفاتيح تحوي هذه المفاتيح على أربعمائة
وثمان وسبعين حركة ففتحتها فإذا هي تناسب التي قبلها وتزيد عليها بأمور ليست فيها، ثم
جئت الخزانة الثالثة فإذا عليها خمسة أقفال، القفل الأوّل لا مفتاح له، والثاني والثالث والرابع
ذو مفتاح مفتاح والخامس مفتاحان، تحوي هذه المفاتيح على ست وأربعين حركة ففتحتها
فإذا هي معرفة الحجارة التي توقد بها النار في الآخرة وكيف تكون الحجارة تقبل الوقود وهي
يابسة واليابس لا يقبل الوقود في علم الطبائع، وهل يجوز ما طبعه أمر ما أن يزال عنه طبعه
مع بقاء عينه وذاته، فإن في هذا العلم زلّ كثير وجهل ممّن أثبت ذلك ونفاه، وكلتا الطريقتين
غير محمودتين ولا صحيحتين، وكل واحد منهما أثبته من غير وجهه ونفاه من غير وجهه قال
تعالى: ﴿يَنَارُ كُنِ بَرَّدًا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٦٩] وشبه هذا .
ثم جئت البيت الخامس فرأيت فيه ثلاث خزائن، الخزانة الأولى عليها سبعة أقفال،
القفل الأوّل والثاني والثالث والرابع لكل واحد منها مفتاحان، والخامس والسادس لكل واحد

٣٢٣
في المنازل/ الباب الرابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الأجل المسمّى من العالم الموسوي
مفتاح، والسابع لا مفتاح له، تحوي هذه المفاتيح على مائة وثلاث عشرة حركة ففتحتها فإذا
فيها علوم الحسّ والمحسوس، والخيال والمتخيل، والفكر وما يفكر فيه، والحافظ
والمحفوظ، والعقل والمعقول، وجميع القوى التي تدرك بها العلوم ومعرفة الجماعات،
والأنوار، والاستشرافات، ومجاري الأرواح في طرق السموات، ومجاري الطبيعة في
الحيوانات والنبات والجماد، وما يختص به عالم الأنفاس من العلوم، ويقف على نفس
الرحمن الذي أتى من قبل اليمن إلى رسول الله وَّة. ثم جئت الخزانة الثانية فرأيت عليها
ثلاثة أقفال، على الأوّل والثالث مفتاح مفتاح وعلى الثاني مفتاحان تحوي هذه المفاتيح على
أربعين حركة ففتحتها فإذا فيها علم الأسباب العامة في الوجود والخاصة بأهل الله، وأسباب
النزول المضافة إلى الله التي يعتمد عليها ويوصل إلى الله من يعتمد عليها، وطرد من يتركها
من باب الله ومن سعادته، وهي علوم شريفة زهد فيها أكثر الناس فشقي، واستعملها بعض
الناس فسعد، وتحوي على علم الشرائع المنزلة لا علم الشريعة الحكمية. ثم جئت الخزانة
الثالثة فرأيت عليها خمسة أقفال، القفل الأوّل عليه مفتاح وكذلك بقية الأقفال، وتحوي أقفالها
على أربعمائة وأربع وثلاثين حركة ففتحتها فإذا فيها صور علوم الإلتفاف، إلتفاف الأرواح
بالأجساد، وإلتفاف أرواح المحبين والمحبوبين، وإلتفاف الساقين، وإلتفاف اللام بالألف
ومعنى قوله: ﴿وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [سورة القيامة: الآية ٢٩] وإلتفاف المتضايفين، وهذه كلها علوم
الارتباطات، رب ومربوب، وإله ومألوه، وقادر ومقدور، وعالم ومعلوم، فهذه الخزانة تتضمن
جميع العلوم. فهذا قد ذكرنا جميع ما يحويه هذا المنزل من خزائن العلوم، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن
شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَآئِنُهُ، وَمَا نُفَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢١] غير أني تركت عند
الدخول إلى هذا المنزل بيتاً واحداً في دهليز هذا المنزل لا يفتح لكل أحد وقد فتح لي ودخلته
وعرفت ما فيه وهو يتضمن ويخزن فيه جميع مفاتيح الخزائن كلها التي تتضمنها هذه المنازل التي
في هذا الكتاب، وهو يحوي على أمور جليلة، وللعارف به تحقق في إيجاد الكائنات عنه، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل، وقد نبهنا على بعض ما في هذا المنزل من العلوم.
الباب الرابع والسبعون ومائتان
في معرفة منزل الأجل المسمّى من العالم الموسوي
[نظم: الطويل]
مؤيَّدةٌ بالعزِّ والقَسْرِ والنَّصْرِ
أَتَتْكَ فُتوحُ الكون بالبَلَدِ القَفْرِ
من العالَمِ العُلْويِّ في كَنَفِ الغَفْرِ
وباللَّيْلة الغَزَّاء جاءت رَكَائبٌ
بتَنْزِيهِ إيمانٍ تَوَلَّد عن ذِكْرٍ
فراجِغ إذا راجَعْتَ رَبَّك وحدَه
بغير هواءٍ حَارَ في كونه فِكْري
يُراجِعْكَ من عرشٍ وإن شاء من عَمّى
قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَىَ أَجَلًا﴾ [سورة الأنعام: الآية ٢] وهو نهاية عمر كل حي يقبل الموت
وأجل مسمّى عنده، وهو ميقات حياة كل من كان قبل الموت في حياته الأولى وهو المعبر

٣٢٤ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الأجل المسمّى من العالم الموسوي
عنه بالبعث ولذلك قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَّرُونَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٢] يعني فيه، فإن الموت لا
يمترون فيه فإنه مشهود لهم في كل حيوان مع الأنفاس، وإنما وقعت المرية في البعث وهو
الأجل المسمّى المذكور، وإنما لم يجعل أجل الموت مسمّى لأن الله يقول: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٨] فاستثنى طائفة لا
يصعقون فلا يموتون، فإمّا أن يكونوا لكونهم على حقائق لا تقبل الموت فيكون استثناء
منقطعاً، وإمّا أن يكونوا على مزاج يقبل الموت لكن لم يسمعوا النفخ فلم يدركهم فلم
يصعقوا فیکون استثناء متصلاً.
فاعلم أيها السامع أن أهل الله إذا جذبهم الحق إليه سبحانه من مريد ومراد جعل في
قلوبهم داعية إلى طلب سعادتهم فبحثوا عليها وفحصوا عنها ووجدوا في قلوبهم رقة وخشوعاً
وطلباً للسلامة ممّا الناس عليه من التكالب والتحاسد والتدابر والتنافر، فإذا وفوا مكارم
الأخلاق أو قاربوا ذلك وجدوا في أنفسهم داعية إلى الخلوات والانفراد عن الناس، فمنهم
من أخذ في السياحة ولازم الجبال والفلوات، ومنهم من كانت سياحته في البلاد كل ما أنس
به أهل بلدة أو عرف فيها رحل عنها إلى غيرها، ومنهم من عزل في مسكنه بيتاً وانفرد به
واحتجب عن الناس، كل ذلك ليقع له التفرّد بالحق الذي دعاه إليه والأنس به لا ليعلم ولا
ليجد كوناً من الأكوان من خرق عادة في ظاهر الحسّ أو في سرّه، فلا يزال على كل ما ذكرناه
إلى أن ينقدح له في نفسه لبعضهم، أو في خياله لبعضهم، أو من خارج لبعضهم من جانب
الحق ما يحول بينه وبين نفسه ويستوحش من ذلك الوارد عليه ويطلب الأنس بالمخلوق في
تلك الساعة، فإذا سكت حكم الوارد عنه وعاد إلى حسّه اشتاق إليه اشتياقاً شديداً، واستفرغ
في محبة ذلك الوارد استفراغاً عظيماً، ووجد حلاوته عند فقده، وسرت اللذة في حسّه
وروحه، ويأتيه في ذلك الوارد خطاب وتعريف بحاله أو بما يدعي إليه، كإبراهيم بن أدهم
حين نودي من قربوس سرجه: ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت. وآخر قيل له: إن كنت
تطلبني فقد فقدتني في أوّل قدم. وآخر قيل له: أنت عبدي. فإن كان صاحب هذا الانقطاع
من أصحاب الجبال والقفار جعل له الأنس في الحيوان، وإن كان سائحاً في البلدان جعل له
الأنس في الحركة ما بين المدينتين، وإن كان ممّن لزم بيته جعل له الأنس في الروحانيات
وكل هذا ابتلاء، إلاَّ أن يجعل الله له الأنس في الأرواح النورية الملكية، فهذا یرجی فلاحه بل
يتحقق وهي بشرى من الله سارعت إليه عناية منه به، وما عدا هذا فهو على خطر عظيم
فليعمل في قطعه .
ثم إنه منهم من يظلم عليه الجوّ عند الوارد فيجد لذلك غماً وضيق صدر وعصراً في
قلبه فليصبر فإنه يعقبه اتساع وانشراح، ثم لا تزال الأرواح تلزمه في عالم خياله في أكثر
حالاته وتظهر له في الحسّ في أوقات فلا يرمى بذلك ولا يزهد فيه ويتعمل في إزالة التعلّق به
ويقف مع الفائدة التي يأتيه بها فذلك المطلوب، فإن سمع خطاباً من وراء حجاب نفسه ﴿أَوْ
أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق: الآية ٣٧] ويع ما يسمع، فإن اقتضى الكلام جواباً على قدر

٣٢٥
في المنازل/ الباب الرابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الأجل المسمّى من العالم الموسوي
فهمك فلتجب بقدر فهمك، فإن رزقت العلم بذلك فهي العناية الكبرى، وإن لم يقتض جواباً
فلتحصل ما قيل لك في خزانة حفظك فإن له موطناً يحتاج إليه فيه ولا بدّ، فيكون عندك
بحكم الاستعداد لذلك الوقت، فإن الله سبحانه يقول: أعددت، فإذا كان الحق مع نفوذ قدرته
في الآن قد أعدّ أموراً لأوقات ظهور أحكامها فالمخلوق أولى بهذا وقال: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا
عِندَنَا خَزَآِنُهُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢١] و ((إنْ)) هنا بمعنى ما فعمّ بها وبشيء وجعله مخزوناً في
خزائن غيبه عنا ولهذا قلنا: إن الكون صادر من وجود وهو ما تحويه هذه الخزائن إلى وجود
وهو ظهورها من هذه الخزائن لا نفسها بالنور الذي تكشف به نفسها، فإنها في ظلمة الخزائن
محجوبة عن رؤية ذاتها فهي في حال عدمها وقال: ﴿وَمَا نُقَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [سورة الحجر:
الآية ٢١] فما يتميز عنده إلاَّ ما هو موجود له، ولا يجري القدر إلاَّ في عين مميزة عن غيرها،
وليس هذا صفة المعدوم من كل وجه، فدل ذلك كله على وجود الأعيان لله تعالى في حال
اتصافها بالعدم لذاتها، وهذا هو الوجود الأصلي الإضافيّ والعدم الإضافيّ، فثبتت الأحوال
للعالم ولكل ما سوى الله، وأن الوجود ليس عين الموجود إلاَّ في حق الحق سبحانه حتى لا
يكون معلولاً لوجوده، فإنه لو كان معلولاً لوجوده لكان حالاً له: تعالى الله عن ذلك ﴿عُوًا
كَبِيرًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤] فإذا خلص الإنسان بعد خروجه من ظلمة طبعه وهواه إلى نور
عقله وهداه أربعين صباحاً ظهر عنه مثل ما ظهر له، وأخذ عنه مثل ما أخذ، وتلك أوّل درجة
الدينار الثالث وأوّل قيراط منه، ولا يزال فيه حتى يجب عليه أن يطلب على من يأخذ عنه،
فإذا وجب عليه ذلك وجوباً شرعياً كفروض الأعيان كلها كان ذلك أوّل قيراط من الدينار
الرابع وسمّي رجلاً عند ذلك، وإن لم يحصل له هذا الوجوب فليس برجل، فكمال الرجولية
فيما ذكرناه وسواء كان ذكراً أو أنثى وأمّا الكمال الذاتيّ وهو غير كمال الرجولية فهو أن لا
يتخلل عبوديته في نفسه ربانية بوجه من الوجوه، فيكون وجوداً في عين عدم وثبوتاً في عين
نفي ولذلك أوجده الحق، فكمال الرجولية عارض وكمال العبودة ذاتيّ، فبين المقامين ما بين
الکمالین .
وأما درجات منازل هذين الكمالين فمعلومة عندنا حيث هي، فدرجة الكمال الذاتيّ في
نفس الحق، ودرجات الكمال العرضيّ في الجنان، فلهؤلاء النور ولهؤلاء الأجور، قال
تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٧] يعني من كمالهم العرضي وما يستحق الأجر من
كل أمر عرضيّ، ولهم نورهم من كمالهم الذاتي ﴿ اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [سورة النور: الآية
٣٥] وتقول الرسل قاطبة وهم الكمل بلا خلاف ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة يونس: الآية ٧٢]
فإن ذلك المقام يعطي الأجر ولا بدّ، فيقع التفاضل في الكمال العرضي ولا يقع في الكمال
الذاتي. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] وقال: ﴿هُمْ
دَرَجَثُ عِندَ اللهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٦٣] ولم يقل لهم درجات عند الله، فجعلهم أعيان
الدرجات لأنهم عين الكمال الذاتيّ، وبالكمال العرضيّ لهم الدرجات الجنائية، فاعلم ذلك
جعلنا الله ممّن جمع بين الكمالين، فإن حرمنا الجمع فالله يجعلنا من أهل الكمال الذاتي بمنّه

٣٢٦ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الأجل المسمّى من العالم الموسوي
وكرمه، وأنا أرجو من الله أني قد حصلته تحصيلاً لا يحال بي دونه بحسن ظني بربي فما أعلاه
من مشهد .
فإذا حصل للعبد هذا الكمال العرضي ورأى الإجابة الكونية لندائه من غير طلب دليل
ولا برهان علم قطعاً أن الحق قد تجلّى لقلوب عباده، وأنه سبحانه قد رفع الوساطة في أمره
بينه وبين قلوب عباده، فإن أمره سبحانه برفع الوسائط لا يتصوّر أن يعصى لأنه بكن إذ كن لا
تقال إلاَّ لمن هو موصوف بلم يكن، وما هو موصوف بلم يكن ما يتصوّر منه إباية، وإذا كان
الأمر الإلهيّ بالوساطة فلا يكون بكن فإنها من خصائص الأمر العدمي الذي لا يكون بواسطة،
وإنما يكون الأمر بما يدل على الفعل، فيؤمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فيقال له: أقم الصلاة
وآت الزكاة، فاشتق له من اسم الفعل اسم الأمر، فيطيعه من شاء منهم ويعصيه من شاء منهم،
فإذا أطاعوه كما قد ذكرنا بهذا التجلي الإلهيّ لقلوب عباده الذي لا يحتاج فيه المأمور إلى
دليل ولا برهان لوجود الإجابة من نفسه ضرورة لأن الضرورة إنما تصوّرت هنا لكون الإنسان
لا يقدر على دفع ما تكون في نفسه، فإنّ ﴿كُنْ﴾ إنما تعلقت بما تكون في نفس الإنسان،
فكان الحكم لما تكون فيمن تكون، فآمن ولا بدّ، أو صلّى ولا بدّ، أو صام ولا بدّ، على
حسب ما تعطيه حقيقة الأمر الذي تعلق به ﴿كُن﴾ وقد يرد أمر الواسطة ولا يرد الأمر الإلهيّ،
فلا يجد المخاطب آلة يفعل بها فيظهر كأنه عاص وإنما هو عاجز فاقد في الحقيقة لأنه ما
تكوّن فيه ما أمر به أن يتكوّن عنه ﴿ وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥].
واعلم أن الفتوح الإلهيّ الذي يتعلق بالكون مثل النصر على الأعداء والقهر لهم
والرحمة بالأولياء والعطف عليهم إنما هو من نتائج الرجولة لا من غيرها، فإذا حصل هذا
المقام وأكمل نشأته ناداه الحق في سرّه من كماله سبحانه لكمال العبد الذاتي، فنزّه ذات
موجده عن الكمال العرضي وهو الكمال الإلهي، فإن الكمال الإلهي بالفعل فهو في نفوذ
الاقتدار في المقدورات، ونفوذ الإرادة في المرادات، وظهور أحكام الأسماء الإلهية والكمال
الذاتي للذات الغنى المطلق عن هذا كله، فيكون العبد في هذا المقام لا يشهد ذات موجده من
كونها موصوفة بالألوهة، وإنما مشهده غناها عمّا تستحقه الألوهة من الآثار الكونية فيفتقر إليها
افتقاراً ذاتياً، فهو في عبادته تلك صاحب عبادة ذاتية من غير اقتران أمر بها لأن الأمر إنما
متعلقه الأمور العارضة لا الذاتية، فلا يقال للعبد كن عبداً فإنه عبد لذاته، وإنما يقال له :
اعمل كذا أيها العبد، وعمله أمر عرضي، والعمل متعلق الأمر من العبد، وقد يعمل وقد لا
يعمل، وهذا المنزل يعطي جميع ما ذكرناه، ويكون تنزيهه لذات موجده بما يستحقه من الثناء
الذي يليق بالكمال الذاتيّ، ثم أنه بما فيه من الكمال العرضي الذي هو كمال الرجولة قد
يصدر عنه الثناء بما يستحقه الإله عارضاً بعارض ولكن لا بطريق التنزيه، فإن طريق التنزيه إنما
هو للذات كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] للكمال الذاتيّ ﴿وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] للكمال الإلهيّ لطلب المسموع والمبصر، وكل طالب
يستدعي مطلوباً، والمستدعى فاقد لما استدعاه من أحوال هذا العبد ﴿وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [سورة

في المنازل/ الباب الرابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الأجل المسمّى من العالم الموسوي ٣٢٧
التغابن: الآية ٦] فلسان الأدب أن يقال: طلبك لك لا له، وفي هذا ينبغي أن يقال ما قيل:
[الهزج]
بديعُ في مَعَانيهِ
كتابٌ فيه ما فيهِ
رأيتَ الدُّرَّ يَخويهِ
إذا عايَنْتَ ما فيه
وهو هذا المنزل، وهذا الكلام الذي سردناه، والكتاب الذي سطرناه ففيه ما فيه لسان
الحقيقة يدل على أن الأمر فوق ما ذكر وسطر وليس في قوّة الترجمة عنه، والعبارة أكثر ممّا
ظهر والله أكبر من ذلك، ثم ستر هذا اللسان الحقيقي بقوله: بديع في معانيه، فكأنه يقول في
قوله ((ما فيه)) على طريق التعجب به والفرح ولهذا نبه على ذلك بما ذكره في البيت الثاني، ثم
إن الثناء على الله في هذا المنزل خاصة إنما هو بما تستحقه الربوبية لما خصصتك به من
الفضل على أبناء جنسك لا بما تستحقه بما فضلت به على غيرك وما أنعمت به على سواك،
فإن هذا المنزل لا يتضمن مثل هذا الثناء، فيستعين العبد في هذا المنزل على تنزيه الحق بثناء
الربوبية على نفسها من جهة ما خصصتك به. ثم إنّ العبد بعد استفراغ طاقته في الثناء على ربه
بربه من جهة نعمته عليه لاح له علم إلهيّ في فلاة نفسه عن يمين طريقه، فعرف أنه قد زلّ عن
طريق ينبغي أن يسلك أيضاً عليها، وهنا مسألة دقيقة وهي تختص بهذا المنزل، وذلك أنه لما
قيد ثناءه على ربه بما خصّه به ربه هل ذلك نقص في المعرفة أو في معرفته أو ليس في الوسع
إلاَّ ما وقع؟ وإذا لم يكن في الوسع فقد أتى بكمال ما في الوسع، وذلك أنه إذا أثنى على ربه
بما كان منه سبحانه لغير هذا العبد المثنى فلا يخلو إما أن يثني عليه بما تحققه علماً في نفسه
ولا يكون إلاَّ كذلك فقد صار هو منعوتاً بذلك العلم، وإن لم تقم به تلك الأوصاف التي وقع
بها الثناء على الغير فوصفه بالعلم بذلك ثناء منه على ربه بما خصّه به من العلم بذلك وهو
صفة إلهية، فإن الحق سبحانه يثني على عبده بما ليس هو الحق عليه ولا هي صفته، فالثناء
على الله من ذلك وصفه سبحانه بالعلم بذلك والخلق له فيثني على العبد بالطاعة، وليست من
صفات الحق كذلك هذا العبد إذا أثنى على ربه بما أعطى لغيره، فثناؤه على ربه بما أعطاه في
نفسه هو ما حصل له من ربه من العلم بذلك، فإذن فما أثنى على ربه إلاَّ بما خصّه به سواء
أثنى على ربه بما أعطاه سبحانه لغيره أو لم يذكر الغير ولا تعرض له، فتحقق هذه المسألة
فإنها من الحقائق والحقائق لا تقبل التبديل، وهذا المنزل من حصل فيه يعطيه ما ذكرناه، فإذا
لاح له ذلك العلم الذي ذكرناه ستره نظره إليه عمّا هو عليه، وعرف أن ذلك العلم يدل على
أمر غيبي ينبغي له أن يبقيه في غيبه ولا يظهره، ويرجع من حال الخطاب بالمواجهة والحضور
إلى الخطاب بالغيبة فإنه أنزه، لأن الحقائق تعطي أنك ما حضرت إلاَّ معك، فإن الأمر إذا
أعطى للحاضر في حضوره مع من حضر أنه لا يتمكن أن يحضر معه إلاَّ على حدّ ما تعطيه
مرتبتك فمعك حضرت لا معه، فإنه ما تجلّى لك منه إلاَّ قدر ما تعطيه مرتبتك، فافهم ذلك
تنتفع به. ولا يغب هذا عنك في رجوعك إليه ممّا رجعت عنه لئلا تتخيل إنك رجعت إلى
أعلى منك فإنك ما رجعت منك إلا إليك، والحق سبحانه لا يرجع إليك إلاّ بك لا به، لأنه

٣٢٨ في المنازل/ الباب الرابع والسبعون ومائتان في معرفة منزل الأجل المسمّى من العالم الموسوي
ليس في الوسع أن يطيقه مخلوق، ولهذا تتنوّع رجعاته وتختلف تجلياته وتكثر مظاهره ولا
تتكرر، وهو في نفسه منزه عن التكثر والتغير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١]
فيما ينسب إلى ذاته .
قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٧١] ليتوبوا فرجوع العباد إليه
نتيجة رجوعه إليهم بإعطاء ما رجعوا به إليه، فإذا رجعوا إليه ضاعف لهم الرجوع الإلهي الذي
ينتجه رجوعهم إليه الذي هو في نفسه ينتجه رجوعه الأوّل إليهم، فالرجوع الإلهيّ الأوّل
رجوع عناية وتفضل، والرجوع الثاني الذي أنتجه رجوعهم إليه سبحانه في قوله: ((مَنْ تَقَرَّبَ
إِليَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذراعاً)» فمقدار الشبر من الذراع في الرجوع رجوع استحقاق يستحقه
رجوعهم إليه، والشبر الثاني الذي به كمال الذراع من الرجوع رجوع منه لترجيح الوزن
والوصف بالفضل والترغيب والتحضيض على معاملة الكريم، فالرجوع الإلهيّ الثاني يتضمن
أمرين: رجوع الاستحقاق منه بمنزلة الجسد، ورجوع المنة منه بمنزلة الروح للجسد الذي به
حياته، فإنه وإن كان الاستحقاق بما أوجبه الحق على نفسه فإن الحقيقة تعطي أن لا يستحق
العبد شيئاً على سيده، فمن منته سبحانه على عبده أن أوجب له على نفسه ليأنس العبد بما
أوجبه الحق عليه من طاعته ليسارع بأداء ما وجب عليه، فإذا حصل العبد في هذا المقام فليس
وراءه مرمى لرام، ويعلم أن الله قد أراد أن ينقله من عالم شهادته إلى عالم غيبه، ليكون له
غيبة شهادة في موطن آخر غير هذا الموطن له حكم آخر وهو الموطن الذي تكون فيه المظاهر
الإلهية وهو أوسع المواطن، فلهذا عبر عن هذا المنزل بالأجل المسمّى لأنه أجل البعث إليه
من عالم الشهادة المقيد بالصورة التي لا تقبل التحوّل في الصور لكن تقبل التغيير، وهو زوال
عينها بغيرها لذلك الغيب الذي كانت به فيدبر الروح الغيبي صورة ذلك الغير، فلهذا قلنا :
يقبل التغيير ولا يقبل التحويل فإن الحقائق لا تتبدّل، فانتقاله إلى موطن التحوّل في الصور
يسمّى أجلاً مسمّى أي معلوم النهاية، وكان من المقام الموسوي دون غيره لأنه لم يرد في
الخبر أنه عليه السلام رأى في إسرائه من جمع بين صورتين سوى موسى عليه السلام فرآه في
السماء وكان بينهما ما كان وهو في قبره يصلي والنبيّ يراه وَّر عليهما في الحالتين معاً، ولا
يقال في مثل هذا الكشف أن الآن لا يتسع لأمرين متعارضين في الشخص الواحد فصحيح ما
يقول، ولكن أين الآن هنا؟ إنما ذلك لمن تقيد بالزمان وتعين بالمكان، فإذا كان الموجود لا
يتقيد بالزمان ولا بالمكان فلا يستحيل هذا الوصف عليه، وإذا فهمت ما أشرنا إليه لم يعارض
ما ذهبنا إليه وذكرناه كون الإسراء وقع بالليل وهو الزمان، وكون موسى عليه السلام في القبر
والسماء وهما المكان، فإنك أنت تسلم من مذهبك أن الجسم لا يكون في مكانين وأنت
تؤمن بهذا الحديث، فإن كنت مؤمناً فقلد، وإن كنت عالماً فلا تعترض فإن العلم يمنعك،
وليس لك الاختبار فإنه لا يختبر إلاَّ الله، ولا تتأوّل أن الذي في الأرض غير الذي في السماء،
فإن النبي عليه السلام ما قال: رأيت روح موسى ولا جسد موسى، وإنما قال: رأيت موسى
في السماء، ومعلوم أنه مدفون في الأرض، وكذلك سائر من رآه من الأنبياء عليهم السلام،

في المنازل/ الباب الخامس والسبعون ومائتان في معرفة منزل التبري من الأوثان من المقام الموسويّ ٣٢٩
فالمسمّى موسى إن لم يكن عينه، فالإخبار عنه كذب أنه موسى هذا وأنت القائل: رأيتك
البارحة في النوم وأنت تقول كذا وكذا، والمرئيّ معلوم أنه كان في منزله على حالة غير الحال
التي رآه عليها أو عليها ولكن في موطن آخر، ولا تقول له رأيت غيرك ثم تنكر علينا مثل
هذا، وإنما تختلف الحضرات والمواطن، وتختلف الأحوال والعين واحدة.
فهذا قد ذكرنا بعض ما يحوي عليه هذا المنزل وسكتنا عن بيوته وخزائنه، فما من منزل
إلاَّ وله بيوت وخزائن وأقفال ومفاتيح، ولكن يطول ذكرها في كل منزل، وربما إذا بيّناها
يدعيها الكاذب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وفي هذا المنزل علم إتيان المعاني في
الصور وعلم الفتوح وله باب قد تقدّم، وعلم الوافدين على الحق، وعلم التنزيه، وعلم الستر
والتجلي، وعلم الرجوع الإلهيّ على من يرجع هل يرجع على عباده أو على أسمائه؟
الباب الخامس والسبعون ومائتان
في معرفة منزل التبري من الأوثان من المقام
الموسويّ وهو من منازل الأمر السبعة
[نظم: السريع]
منازلٌ ما لها انْتِهَـاءُ
منازلُ الأمر بالنّدَا
فكَوْنُكم ما له انْقِضَاءُ
يا أيُّ يا أيُّ لا تفارِقْ
لوَجْهه بِيْنَنَا رَآءُ
وأيُّ أيِّ يكونُ منه
يَضيق عن حَمْلها الفَضَاءُ
عَسَاكِرٌ للحروف جاءت
أيَّدَها الأمرُ والقَضَاءُ
أرمَاحُهَا كلُّها نجومٌ
قد مَخَرَتْ رِيحُها رُخَاءُ
سَفَائنٌ بحرُها عميقٌ
فَلْتَلْتزِمْ يا أُخَيَّ علماً
ولتَتْرُكِ الغَيْرَ في عماهُ
ضاقَ له الأرضُ والسماءُ
بمَشْهدٍ ما هو العَمَاءُ
اعلم أن الذلّة والافتقار لا تكون من الكون إلاَّالله تعالى، فكل من تذلّل وافتقر إلى غير
الله تعالى واعتمد عليه وسكن في كل أمره إليه فهو عابد وثن، وذلك المفتقر إليه يسمّى وثناً
ويسميه المفتقر إلهاً، وألطف الأوثان الهواء وأكثفها الحجارة وما بينهما، ولهذا قال المشركون
لما دعوا إلى توحيد الإله في ألوهته: ﴿أَجَعَلَ الَْلِهَةَ إِلَهَا وَاحِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ﴾ [سورة ص: الآية
٥] فالناس يحملون قوله: ﴿ إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ﴾ أنه من قول الكفار حيث دعاهم إلى توحيد إله
وهم يعتقدون كثرتها، وهو عندنا من قول الحق أو قول الرسول. وأما قول الكفار فانتهى في
قوله: ﴿إِنَهَا وَجِدًا﴾ والتعجب أنه يأوّل العقل يعلم الإنسان أن الإله لا يكون بجعل جاعل فإنه
إله لنفسه، ولهذا وقع التوبيخ بقوله تعالى: ﴿أَعْبُدُونَ مَا نَنْحِتُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٥] والإله
في ضرورة العقل لا يتأثر، وقد كان هذا خشبة يلعب بها أو حجراً يستجمر به ثم أخذه وجعله
إلهاً يذل ويفتقر إليه ويدعوه خوفاً وطمعاً، فمن مثل هذا يقع التعجّب مع وجود العقل

٣٣٠ في المنازل/ الباب الخامس والسبعون ومائتان في معرفة منزل التبري من الأوثان من المقام الموسويّ
عندهم، فوقع التعجّب من ذلك ليعلم من حجب العقول عن إدراك ما هو لها بديهي
وضروري ذلك لتعلموا أن الأمور بيد الله وأن الحكم فيها لله وأن العقول لا تعقل بنفسها وإنما
تعقل ما تعقله بما يلقي إليها ربها وخالقها ولهذا تتفاوت درجاتها، فمن عقل مجعول عليه
قفل، ومن عقل محبوس في كن، ومن عقل طلع على مرآته صدأ، فلو كانت العقول تعقل
لنفسها لما أنكرت توحيد موجدها في قوم وعلمته من قوم، والحدّ والحقيقة فيهما على السواء
فلهذا جعلنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ﴾ ليس من قول الكفار.
فاعلم يا أخي أن هذا المنزل هو منزل من منازل الستر والكتمان، وتقرير الألوهة في كل
من عبد من دون الله لأنه ما عبد الحجر لعينه وإنما عبد من حيث نسبة الألوهة إليه، ولهذا
ذكرنا أنه من منازل الكتمان والستر، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء:
الآية ٢٣] ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٨٧] فما ذكروا قط إلاَّ الألوهية
وما ذكروا الأشخاص، ولكن لم يقبل الله منهم العذر بل قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن
دُوُنِ اٌللَّهِ﴾ أي الذي انفرد بهذا الاسم ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٩٨] وهو قوله: ﴿وَقُودُهَا
النَّاسُ وَلِجَارَّةُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤] وهو كل من دعاكم إلى عبادة نفسه أو عبدتموه وكان في
وسعه أن ينهاكم عن ذلك فما نهاكم فمثل هؤلاء يكونون من حصب جهنم، فالموحد يعبد الله
من طريقين: من طريق الذات من كونها تستحق وصف الألوهة، ومن طريق الألوهة، فالسعيد
الجامع بينهما لأن العابد مركب من حرف ومعنى، فالحرف للحرف والمعنى للمعنى، فلذلك
لم نعبد الذات معراة عن وصفها بالألوهية، ولم تعبد الألوهية من غير نسبتها إلى موصوف
بها، فلم تقم العبادة إلاَّ على ما تقتضيه حقيقة العبد وهو التركيب لا على ما تقتضيه حقيقة
الحق وهو الأحدية، ولهذا يكون القائل في عبادته وفاء لحق الله غير مصيب إذا أراد الذات
فإن حقيقتها الأحدية، وقد يمكن أن يصح قول من قال: إنما أعبده وفاء لحق الربوبية لا
لحقيقتها إذ كل حق لها حقيقة، فالحق من ذلك به تتعلق العبادة من العابد، والحقيقة هي
الأحدية التي لا تتعلق ولا يتعلق بها، ولهذا كانت الألف في الوضع الإلهيّ بالخط العربي إذا
تقدمت في الكلمة لا تتصل ولا يتصل بها، وإذا تأخرت اتصل بها بعض الحروف ممّن لا علم
له بالأحدية المطلقة التي تستحقها هذه الذات إلاَّ خمسة أحرف لا غير من جميع الحروف
وهي: الدال والذال والراء والزاي والواو، وهي خمسة أحوال من اتصف بها عرف الأحدية،
وكانت عبادته ذاتية لم يقترن بها أمر وهي عبادة المعنى للمعنى، فإن الأمر عبادة الحرف
للحرف، فلا يخطر لعابد المعنى فرق بين الذات والألوهية ولا كثرة، بل يرى عيناً واحدة
تستحق ما هو عليه هذا العارف من حيث معناه لا من حيث حرفه، وهذا مقام الجلال والعظمة
وأحدية العبد التي أعطته معرفة الأحدية الذاتية والتنزيه والغنى، فهذه أحوال خمسة تدل عليها
الحروف الخمسة التي لا تتصل بها الألف الواقعة في أواخر الكلم مثل جبيرا وعزيزا وأحدا
وإذا وعلوا، فدلّت الألف في أوّل الكلمة من عدم الاتصال على قوله: ((كان الله ولا شيء
معه)) وهو على ما عليه كان مع وجود الأشياء من عدم الاتصال كما لم تتصل الألف بالكلمة،

في المنازل/ الباب الخامس والسبعون ومائتان في معرفة منزل التبري من الأوثان من المقام الموسوي ٣٣١
ودلّ عدم اتصال الحروف الخمسة بها في آخر الكلمة على حال معرفة مقام بعض العباد من
العلماء بالله دون غيرهم حيث رفعوا النسبة بينهم وبين الله تعالى، وأنهم مشاهدون لما ذكرناه
من الجلال والعظمة والأحدية والتنزيه والغنى، وما عدا هذه الطائفة جعلوا نسبة ورابطة بين
الإله والمألوه، وما فرقوا بين المرتبة والذات لما لم يعرفوا الله إلاَّ من نفوسهم بحكم الدلالة
الاستناد الممكن إلى المرجح فطلبوه وطلبهم، ولهم من الحروف كل حرف اتصل بالألف في
آخر الكلمة .
ولهؤلاء الأكابر أيضاً قسم وحظ وافر في منزل هذه الحروف التي اتصلت من حيث
حرفيتهم لا من حيث معناهم، وهؤلائك جهلوا هذا القدر الفارق بينهم لكنهم ستروا ذلك عن
العامّة وانفردوا به عن أشكالهم ﴿يَخْلَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٥] ولأجل
هذا قال الجنيد سيد هذه الطائفة: لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه
زنديق، فإن هذا المقام يضرّ بمن ليس من أهله كما يضرّ رياح الورد بالجعل، لأن الحال التي
هم عليها لا تقبل هذا المقام ولا يقبلها، فإذا رآهم الناس في العموم لم يعرفوهم لأنه ليس
على حرفهم أمر ظاهر يتميز به عن العامّة، وإذا رآهم الناس في الخصوص كالفقهاء وأصحاب
علم الكلام وحكماء الإسلام قالوا بتكفيرهم، وإذا رآهم الحكماء الذين لم يتقيدوا بالشرائع
المنزّلة مثل الفلاسفة قالوا: إن هؤلاء أهل هوس قد فسدت خزانة خيالهم وضعفت عقولهم،
فلا يعرفهم سواهم ومن اقتطعهم من خلقه إليه، قال تعالى في المعنى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩١] ولهؤلاء حظ وافر في هذه الآية حيث جهلهم العام والخاص
والمسلم وغير المسلم، فهم الضنائن المصانون بحجب الغيرة فلا يعرفهم إلاَّ الحق، وهل
يعرف بعضهم بعضاً؟ فيه توقف، وهم المطلوبون من العباد ألحقنا الله بهم وأرجو أن أكون
منهم .
وأمّا تبرّي المسلم ممّن استند إليه المشرك فليس تبرؤه إلاَّ من النسبة ومن المنسوب إليه
لا من المنسوب، فاجتمع المشرك والمسلم في المنسوب وافترقا في المنسوب إليه والنسبة،
ولهذا لم تضرب الجزية على المشرك، وفرق بينه وبين الكفار من أهل الكتب المنزلة، فإن
المشرك قادح في الحق وفي الكون بشركه فلم يكن له مستند يعصمه من القتل لأنه قدح في
التوحيد وفي الرسل، والكفار من أهل الكتاب لم يقدحوا في التوحيد ولا في الكون أعني
الرسل، لكن قدحوا في رسول معين لهوى أو شبهة قائمة بنفوسهم أدّاهم ما قام بهم إلى
جحود الحق ظلماً وعلوّاً مع اليقين به. وأمّا لشبهة قامت بهم لم يثبت صدق صاحب الدعوى
عندهم، فلهذا كان لهم في الجملة مستند صحيح عندهم لا في نفس الأمر يعصمهم من
القتل، فضربت عليهم الجزية وتركوا على دينهم ليقيموه أو يقيموا بعضه على قدر ما يوفقون
إليه، وهنا نكتة لمن فهم أن دينهم مشروع لهم بشرعنا حيث قرّرهم عليه، ولهذا كان
رسول الله وَّيّ إذا سمع أن الروم قد ظهرت على فارس يظهر السرور في وجهه مع كون الروم
كافرين به وَّة، ولكن الرسول لعلمه ◌َليل كان منصفاً لأنه علم أن مستند الروم لمن استند إليه

٣٣٢ في المنازل/ الباب الخامس والسبعون ومائتان في معرفة منزل التبري من الأوثان من المقام الموسويّ
أهل الحق لأنهم أهل كتاب مؤمنون به، لكنهم طرأت عليهم شبهة من تحريف أئمتهم ما أنزل
عليهم حالت بينهم وبين الإيمان والإقرار بنبوّة محمد ل# أو بعمومها، وكلامنا مع المنصف
منهم من علمائهم فعذرهم الشرع لهذا القدر الذي علمه منهم وراعى فيهم جناب الحق تعالى
حيث وحدوه، وما أشركوا به حين أشرك به فارس وعبدة الأوثان وقدحت في توحيد الإله وما
يستحقه من الأحدية، وهكذا حال العارفين من أهل هذا المقام.
وأما قول رسول الله (18 في أمره إيانا بمخالفة أهل الكتاب إنما هو في كونهم آمنوا
ببعضه وكفروا ببعضه وأرادوا أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً، فأمرنا بمخالفتهم في أمور من
الأحكام معينة وفيما ذكرناه، ولو أمرنا بمخالفتهم على الإطلاق لكنا مأمورين بخلاف ما أمرنا
به من الإيمان فلا تصحّ مخالفتهم على الإطلاق، فهذا المراد بقوله وَلَهُ: ((خَالِفُوا أَهْلَ
الكِتَابِ» واعلم أن كل مشرك كافر، فإن المشرك باتباع هواه فيمن أشرك واتخذه إلهاً وعدوله
عن أحدية الإله يسترها عن النظر في الأدلة والآيات المؤدية إلى توحيد الإله فسمّي كافراً
لذلك الستر ظاهراً وباطناً، وسمّي مشركاً لكونه نسب الألوهية إلى غير الله مع الله فجعل لها
نسبتين فأشرك، فهذا الفرق بين المشرك والكافر. وأما الكافر الذي ليس بمشرك فهو موحد
غير أنه كافر بالرسول وببعض كتابه، وكفره على وجهين: الوجه الواحد أن يكون كفره بما
جاء من عند الله مثل كفر المشرك في توحيد الله، والوجه الآخر أن يكون عالماً برسول الله
وبما جاء من عند الله أنه من عند الله ويستر ذلك عن العامة والمقلدة من أتباعه رغبة في
الرياسة، وهو الذي أراد عليه السلام بقوله في كتابه إلى قيصر : ((فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثمّ
الأَريسِيِينَ)) يعني الأتباع.
واعلم أن التأيّه والندا مؤذن بالبعد عن الحالة التي يدعوه إليها من يناديه من أجلها
فيقول: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ ءَامِنُواْ﴾ [سورة النساء: الآية ١٣٦] فلبعدهم ممّا أيه بهم أن يؤمنوا به
لذلك أيه بهم، فإن كانوا موصوفين في الحال بما دعاهم إليه فيتعلق البعد بالزمان المستقبل
في حقهم أي أثبتوا على حالكم الذي ارتضاه الدين لكم في المستقبل كما قال يعقوب لبنيه :
﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٢] في حال حياتهم، فأمرهم بالإسلام في
المستقبل أي بالثبوت عليه، والإستقبال بعيد عن زمان الحال، فيكون التأيّه أيضاً بما هو
موجود في الحال أن يكون باقياً في المستقبل، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ
بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة: الآية ١] وهم في حال الوفاء بعقد الأيمان فإنه نعتهم في تأيّهه بهم
بالأيمان، فكان البعد في العقود إذا قبلوها متى قبلوها .
واعلم أن النداء الإلهي يعم المؤمن والكافر والطائع والعاصي والأرواح والروحانيين،
ولا يكون النداء إلاّ من الأسماء الإلهية ينادي الاسم الإلهي من حكم عليه اسم إلهي غيره إذا
علم أنه قد انتهت مدة حكمه فيه فيأخذه هذا الاسم الذي ناداه كذلك دنيا وآخرة، فجميع من
سوى الله تعالى منادى يناديه اسم إلهيّ لحال كوني يطلبه به ليوصله إليه، فإن أجاب سمّي
مطيعاً وكان سعيداً، وإن لم يجب سمّي عاصياً وكان شقياً، فإن قال قائل: كيف يكون النداء

في المنازل/ الباب الخامس والسبعون ومائتان في معرفة منزل التبري من الأوثان من المقام الموسويّ ٣٣٣
من اسم إلهيّ ويقف الكون عن إجابته مع ضعفه وقبوله للاقتدار الإلهيّ؟ قلنا: لم تكن إبايته
عن إجابته من حيث نفسه وحقيقته لأنه مقهور دائماً، ولكن لما كان تحت قهر اسم إلهيّ لم
يتركه ذلك الاسم أن يجيب من ناداه، فالتنازع وقع بين الأسماء الإلهية وهم أكفاء، والحكم
لصاحب اليد وهو الاسم الذي هو في يده في وقت نداء الاسم الآخر فلهذا كان أقوى للحال.
فإن قلت: فلماذا يؤاخذ بالإباية؟ قلنا: لأنه ادعى الإباية لنفسه ولم يضفها إلى الاسم الإلهيّ
الذي هو تحت قهره. فإن قلت: فالأمر باق فإنه إنما أبى لقهر اسم إلهيّ كانت الإباية عنه في
هذا المدعوّ. قلنا: صدقت ولكنه جهل ذلك فأخذ بجهله فإن الجهل له من نفسه. فإن قلت :
فإن جهله من اسم إلهيّ حكم عليه. قلنا: الجهل أمر عدمي لا وجودي والأسماء الإلهيّة
تعطي الوجود ما تعطي العدم، فالعدم للمدعوّ من نفسه والجهل عدم العلم، فلم يدر
المعترض ما اعترض به، والأسماء الإلهيّة لا تعطي إلاَّ الوجود فلم يلزم ما ذكرته، وانقطع
الاعتراض من هذا القائل بما ذكرناه .
وإذا ثبت أن النداء يعمّ فالمنادى به أيضاً يعمّ، ولكن نداء الحق لا يكون إلا بما يكون
في إجابته السعادة للعبد، وأما النداء بما يكون فيه الشقاوة للعبد فذلك ليس نداء الحق والنداء
من صفة الكلام، فكل فعل يفعله العبد ينقسم إلى أمرين: إلى فعل فيه سعادة ذلك العبد وهو
الذي يقترن به نداء الحق تعالى، وفعل لا يقترن به سعادة العبد فليس عن نداء الحق لكنه عن
إرادة الحق وخلقه لا عن ندائه وأمر شرعه، ونفي السعادة فيه على قسمين: الواحد أن يكون
فعلاً لا يقترن به شقاوة ولا سعادة، أو يكون فعلاً تقترن به شقاوة، والفعل الذي تقترن به
الشقاوة على قسمين: قسم تقترن به على الأبد وهي شقاوة الشرك، وشقاوة لا تقترن به على
الأبد وهو كل فعل لا يكون شركاً ولا نداء للحق فيه البتة، فهذا المنزل هو منزل النداء لا
منزل الأفعال، وسيأتي إن شاء الله منازل الأفعال، ويشتبه على بعض العارفين هذا المنزل
وإخوانه بمنزل الأفعال لكونه يرى النداء بالأفعال وليس المنزل واحداً في ذلك بل النداء له
منزل والفعل له منزل .
واعلم أن النداء على مراتب لكل مرتبة أداة معينة، فالأدوات الهمزة ويا وأيا وهيا وأي
مسكنة الياء فأقربها الهمزة في الرتبة وأبعدها هيا، والنداء قد يصحبه التنبيه وقد لا يصحبه
التنبيه، فإذا كان النداء بأي فهو نكرة فلا بدّ من التنبيه لأن النداء إنما يطلب التعريف وهو
بنفس المنادى، فلا بدّ أن يصحب هاء التنبيه لأي في النداء لأن التنبيه تعريف، ثم يردف
التنبيه باسم المنادی لیعرف المنادی أنه منادی دون غيره، فإن كان اسمه ناقصاً کالذین فلا بدّ
له من صلة وهو الذي يصفه به ليتم به المقصود، ولا بدّ من رابط بين هذه الصلة والموصول
ليعلم أنه المراد بذلك النداء، وإن لم يردف باسم ناقص لم يحتج إلى ما ذكرناه فيقال: يا أيها
الناس وأمثال هذا، وأما إذا لم يقترن بالنداء أي فإن النداء يتصل باسم المنادى، وقد يكون
منادى منكوراً مطولاً مثل قوله تعالى: ﴿يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [سورة يس: الآية ٣٠] ومثل قوله: یا
عجباً. قال الشاعر: [الرجز]

٣٣٤ في المنازل / الباب الخامس والسبعون ومائتان في معرفة منزل التبري من الأوثان من المقام الموسويّ
هل تُذْهِبين القُرَّ بالرَّبيقَةْ
يا عَجَباً لهذه الفَلِيْقَهْ
وقد يكون منادى يعرف مثل: ﴿يَجِبَالُ أَوِِّى مَعَهُ﴾ [سورة سبأ: الآية ١٠] ولا يكون ما بعد
النداء أبداً إلاَّ منصوباً إما لفظاً وإما معنى، ولهذا عطف بالمنصوب على الموضع في قوله
تعالى: ﴿وَاُلْظَّيْرٌ﴾ [سورة سبأ: الآية ١٠] بالنصب عطفاً على موضع ﴿يَجِبَالُ﴾ وإن كان مرفوعاً
في اللفظ فقد يراعى اللفظ في أوقات ولهذا قرىء أيضاً والطير بالرفع، ولكل فصل من هذه
الفصول حقائق إلهية لولا التطويل لذكرناها فصلاً فصلاً، فتركناها لمن يقف على كلامنا من
العارفين كالتنبيه لهم على ما يتضمنه منزل النداء من المعاني الإلهية وأن الكون مرتبط بعضه
ببعض ارتباط المعاني بالكلمات، وربما جعلوا الواو من أدوات النداء ولكن خصّوها بنداء
خاص لحال خاص بخلاف سائر الأدوات، فخصّوها بالانتداب فينادون الميت: واجبلاه
واسنداه، وبه يعذب الميت الملك يطعنه في خاصرته أن هكذا كنت، ويقولون: وازيداه
واسلطاناه، ولا بدّ في هذا النداء من إدخال الهاء هاء السكت في آخره لأنه ليس من شرط هذا
النداء أن يقال بعده شيء فلهذا أدخل هاء السكت عليه فيكتفي به فيقول: واجبلاه واحزناه،
ولا يحتاج إلى أمر آخر. وإذا قلت: يا زيد وناديته بسائر حروف النداء من غير نداء الندبة فلا
بدّ أن تذكر السبب الذي ناديته من أجله فتقول: ﴿يَجِبَالُ أَوِى مَعَهُ﴾ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَوْفُواْ﴾ [سورة المائدة: الآية ١] ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ﴾ [سورة النساء: الآية ١] فلا تكون هاء السكت إلاَّ في
نداء الندبة خاصة، وأما النداء المرخم فإنهم يريدون به تسهيل الكلام ليخف على المنادي
ليصل إلى المقصود مسرعاً بما حذفه من الكلمة، فإن الترخيم التسهيل، ومنه رخيم الدلال في
وصف المعشوق المستحسن أي هو سهل، ومثل الترخيم في المرخم هو أن تحذف الآخر من
اسم المنادى فتقول إذا ناديت من اسمه حارث: يا حار هلم فحذفت آخر الكلمة طلباً
للتسهیل .
ولتعلم أن الأسماء وأسماء الأفعال على قسمين: معرب ومبني فما تغير آخره بدخول
العوامل سمّي معرباً، والإعراب التغيير يقال: أعربت معدة الرجل إذا تغيرت، وقد تغير هذا
الاسم من حال إلى حال، هذا بعض وجوه اشتقاقه من كونه سمّي معرباً. والمبني هو كل اسم
لفعل كان أو لغير فعل ثبت على صفة واحدة لفظه، ولم يؤثر فيه دخول العوامل التي تحدث
التغيير في المعرب عليه فسمّي مبنياً من البناء لثبوته وعدم قبوله للتغيير، وهذا له باب في
الصفة الثبوتية للإله من كونه ذاتاً، ومن ثبوت نسبة الألوهية إليه دائماً، والمعرب له باب في
المعارف الإلهية من قوله: ﴿كُلِّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأَنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾
[سورة الرحمن: الآية ٣١] فهذا الفرق بين المعرب والمبني، فإذا رخم الاسم فقد ينتقل إعرابه إلى
آخر ما يبقى من حروف الكلمة فتقول: يا حار هلم بعدما كانت الراء مكسورة نقل إليها حركة
الثاء ليعرف السامع أنه قد حذف من الاسم حرف، فإنه إنما يعرف المنادى اسمه إذا كان اسمه
حارثاً بالثاء، فإذا حذف الثاء ربما يقول ما هو أنا، فإذا نقل إلى الراء حركة الثاء علم أنه
المقصود، كذلك إذا نودي العبد باسم إلهيّ ربما يقع في نفسه أنه جدير بذلك الاسم فينقل

في المنازل/ الباب السادس والسبعون ومائتان في معرفة منزل الحوض وأسراره من المقام المحمدي ٣٣٥
وصف عبوديته إلى ذلك الاسم الإلهيّ الذي نودي به هذا العبد فيعرف أنه المقصود من كونه
عبداً لاستصحاب الصفة له هذا إذا نقل، وإذا لم ينقل حركة المحذوف من الاسم لما بقي
وترك على حاله كان القصد في ذلك قصداً آخر وهو ترك كل حق على حقيقته حتى لا يكون
لكون أثر في كون، ولا يظهر لكون خلعة على كون ليكون المنفرد بذلك هو الله تعالى، فإن
الضمة التي على الثاء من حارث هي لباسه، فإذا خلعها على الراء في الترخيم فقد خلع كون
على كون، فربما قصده المخلوع عليه بالعبودية له والثناء عليه، والخلع على الحقيقة إنما هو
للمتكلم المنادى لا لحرف الثاء، فالمنادى هو الذي خلع على الراء الرفع الذي كان لحرف
الثاء لما أزال عينه من الوجود كخلع القطبية والإمامة من الشخص الذي فقد عينه إلى الشخص
الذي قام في ذلك المقام، إذ كان الله هو الذي أقامه لا هذا الإمام الذي درج، فهذا قد بيّنا في
هذا المنزل بعض ما عندنا من أسرار ليقع التنبيه على ما فيه للطالب إن شاء الله تعالى، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والسبعون ومائتان
في معرفة منزل الحوض وأسراره من المقام المحمدي
[نظم: البسيط]
الحَوْضُ منزلُ وصفِ الماءِ بالكَدَرِ
فالماءُ في العین صافٍ ما به كَدَرٌ
وعلَّةُ الرَّنْقِ كَوْن الفكر يُنْتِجُه
إن الخيالَ إذا جاءته قَيَّدها
والفكرُ من صُوَرٍ وقتاً يخلّصها
فاطلبْهُ بالذكر لا بالفكر تَخْظَ به
وهي العلومُ التي تختَصُ بالبَشَرِ
والقَعْرُ يُظْهِرُ ما فيه من الكَدَرِ
فاطلبْ من العلم ما يسمو عن الفِكْرِ
بالفكر في عالَم الأجساد والصُوَرِ
لكنه غيرُ معصومٍ من الضَّرْرِ
منزَّهاً خالصاً من شَائب الغِيَرِ
اعلم أيّها الوليّ الحميم نور الله بصيرتك وحسّن سريرتك أن العلوم على قسمين:
موهوبة وهو قوله تعالى: ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٦] وهي نتيجة التقوى كما
قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] وقال: ﴿إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ
فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٩] وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ اٌلْقُرْءَانَ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١، ٢] ومكتسبة
وإليها الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٦] يشير إلى كدّهم
واجتهادهم وهم أهل الاقتصاد والضمير في أرجلهم يعود على الذين ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾
وهم الذين أقاموا كتاب الله ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٦] وهم المسارعون
في الخيرات ﴿وَهُمْ لَا سَِقُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦١] فمنهم من سبق بالخيرات، ومنهم من
أقام الكتاب من رقدته، فإن التأويل من العلماء أضجعه بعدما كان قائماً، فجاء من وفّقه الله
فأقامه من رقدته أي نزّهه عن تأويله والتعمّل فيه بفكره فقام بعبادة ربه وسأله أن يوقفه على
مراده من تلك الألفاظ التي حواها الكتاب والتعريف من المعاني المخلصة عن المواد فأعطاهم

٣٣٦ في المنازل/ الباب السادس والسبعون ومائتان في معرفة منزل الحوض وأسراره من المقام المحمدي
الله العلم غير مشوب قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ وَالزَّسِخُونَ فِىِ الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران:
الآية ٧] يعلمهم الحق ما يؤول إليه هذا اللفظ المنزّل المرقوم وما أودع فيه من المعاني من غير
فكر فيه، إذ كان الفكر في نفسه غير معصوم من الغلط في حق كل أحد ولهذا قال: ﴿وَالرَّسِخُونَ
فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧، ٨] يعني بالفكر فيما أنزلته ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾
إلى الأخذ منك علم ما أنزلته إلينا ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَابُ﴾ [سورة آل عمران: الآية
٨] فسأله من جهة الوهب لا من جهة الكسب، ولهذا جعلنا الضمير يعود على الذين أكلوا من
فوقهم .
يقول: ومن تحت أرجل هؤلاء أمم منهم أمة مقتصدة وهم أهل الكسب وهم الذين
يتأوّلون كتاب الله ولا يقيمونه بالعمل الذي نزل إليه ولا يتأذبون في أخذه وهم على قسمين
القليل منهم المقتصد في ذلك وهو الذي قارب الحق، وقد يصيب الحق فيما تأوّله بحكم
الموافقة لا بحكم القطع، فإنه ما يعلم مراد الله فيما أنزله على التعيين إلاَّ بطريق الوهب وهو
الإخبار الإلهيّ الذي يخاطب به الحق قلب العبد في سرّه بينه وبينه ومن لم يقتصد في ذلك
وتعمّق في التأويل بحيث أنه لم يترك مناسبة بين اللفظ المنزّل والمعنى، أو قرّر اللفظ على
طريق التشبيه ولم يردّ علم ذلك إلى الله فيه وهم الذين قال الله فيهم في الآية عينها: ﴿وَكَثِيرٌ
مِنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٦] وأيّ سوء أعظم من هذا؟ وهؤلاء هم القسم الثاني.
ولما شاهد الرسول هذا الأمر وقد بعث رحمة بما نزل به ورأى الكثير لم تصبه هذه الرحمة
وأن علة ذلك إنما كان تأويلهم بالوجهين من التشبيه أو البعد عن مدلول اللفظ بالكلية تحير في
التبليغ وتوقف حتى يرى هل يوجب ذلك عليه ربه أم لا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ
مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّيٌِّ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٦] وقيل له: ﴿إِنْ عَلَيَّكَ إِلَّا الْبَغُ﴾ [سورة الشورى:
الآية ٤٨] وقيل له: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٢] فيما يجري منهم من خير
وشرّ، وقيل له: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [سورة القصص: الآية ٥٦]
فعلم الرسول أن المراد منه التبليغ لا غير، فبلغ بَّه وما أخفى ممّا أمر بتبليغه شيئاً أصلاً فإنه
معصوم محفوظ قطعاً في التبليغ عن ربه ما أمر بتبليغه وما خصّ به فهو فيه على ما يقتضيه
نظره، فالتقدير في الآية على التفسير ومن تحت أرجلهم أمم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم
ساء ما يعملون. ولهذا قال لنبيه: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[سورة الأنعام: الآية ١١٦] وقال: ﴿مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة الكهف: الآية ٢٢].
فأشرف العلوم ما ناله العبد من طريق الوهب، وإن كان الوهب يستدعيه استعداد
الموهوب إليه بما اتصف به من الأعمال الزكية المشروعة، ولكنه لما لم يكن ذلك شرطاً في
حصول هذا العلم لذلك تعالى هذا العلم عن الكسب، فإن بعض الأنبياء تحصل لهم النبوّة من
غير أن يكونوا على عمل مشروع يستعدون به إلى قبولها، وبعضهم قد يكون على عمل
مشروع فيكون ذلك عين الاستعداد، فربما يتخيل من لا معرفة له أن ذلك الاستعداد لولاه ما
حصلت النبوّة فيتخيل أنها اكتساب والنبوّة في نفسها اختصاص إلهيّ يعطيه لمن شاء من عباده

في المنازل/ الباب السادس والسبعون ومائتان في معرفة منزل الحوض وأسراره من المقام المحمدي ٣٣٧
وما عنده خبر بشرع ولا غيره ولا يعرف من هو ولا بما هو الأمر عليه، فلو كان الاستعداد
ينتج هذا العلم لوجد ذلك في الأنبياء ولم يقع الأمر كذلك، فإن النبوّة غير مكتسبة بلا خلاف
بين أهل الكشف من أهل الله، وإن كان اختلف في ذلك أهل الفكر من العقلاء فذلك من
أقوى الدلالات عندنا على أن الفكر يصيب العاقل به ويخطىء، ولكن خطأه أكثر من إصابته
لأنّ له حدّاً يقف عنده، فمتى ما وقف عند حدّه أصاب ولا بدّ، ومتى جاوز حدّه إلى ما هو
لحكم قوّة أخرى يعطاها بعض العبيد قد يخطىء ويصيب، عصمنا الله وإياكم من غلطات
الأفكار، وجعلنا من الذاكرين المذكورين بفضله لا رب غيره، ولنا فيما ذكرناه آنفاً نظم كتبت
به إلى بعض الإخوان سنة إحدى وستمائة من مدينة الموصل في النبوّة أنها اختصاص من الله
تعالى ولذلك لا يشوب رائقها كدر: [الوافر]
ولا يحتاجُ صاحبُها لنيَّة
ألا إن الرسالةَ بَرْزخيَّة
تلقَّتْها بقوَّتها البُنَيَّة
إذا أعطَتْ بُنَيَّتَهُ قواها
كما دلّتْ عليه الأشْعَريَّة
وأن الاختصاصَ بها مَنُوطٌ
فدَعْ أحْكامَ كُتْبٍ فَلْسَفيَّهْ
وهذا الحقُّ ليس به خَفَاءٌ
في أبيات كثيرة، ولكن قصدنا إلى الأمر الذي يطلبه هذا الموضع منها، ولتعلم أن
سبب ظهور الأكدار إنما هو قرار الماء وسكونه لطلب الراحة من الحركة في غير موضعها
ومحلها، ولذلك كنينا عن هذه الحالة بالحوض لأنّ فيه قرار الماء وسكونه، وقد قلنا في باب
الغزل والنسيب أصف نزاهة المعشوق في نفسه: [الخفيف]
رَوَّحَتْ كلَّ من أَشَبَّ بها
نَقْلَةٌ عن مراتب البَشَرِ
بالذي في الحِياض من كَدَرٍ
غَيْرَةً أن يُشَابَ رائقُها
أريد أن المحب إذا تعشق من صفته هذه حكم عليه هذا المعشوق فنقله إليه وكساه من
ملابسه، فأخرجه عن الذي يقتضيه عالم الطبيعة من كدر الشبه إذا كان المعشوق علماً،
والشبهات والحرام إذا كان المعشوق عملاً، والشهوات الطبيعية إذا كان المعشوق روحاً
مجرداً عن المواد، وعن البشرية إذا كان المعشوق ملكاً، وعمّا سوى الله إذا كان المحبوب هو
الله، فالمحب الصادق من انتقل إلى صفة المحبوب لا من أنزل المحبوب إلى صفته، ألا ترى
الحق سبحانه لما أحبنا نزل إلينا في ألطافه الخفية بما يناسبنا ممّا يتعالى جدّه وكبرياؤه عن
ذلك، فنزل إلى التبشيش بنا إذا جئنا إلى بيته نقصد مناجاته، وإلى الفرح بتوبتنا ورجوعنا إليه
من إعراضنا عنه، والتعجّب من عدم صبوة الشاب من الشاب الذي هو في محل حكم
سلطانها، وإن كان ذلك بتوفيقه وإلى نيابته عنا في جوعنا وعطشنا ومرضنا، وإنزاله نفسه إلينا
منزلتنا لما جاع بعض عبيده قال للآخرين: جعتُ فلم تطعمني، ولما عطش آخر من عباده قال
سبحانه لعبد آخر: ظمئتُ فلم تسقني، ولما مرض آخر من عباده قال لآخر من عباده: مرضتُ
فلم تعدني، فإذا سأله هؤلاء العبيد عن هذا كله يقول لهم: أما إن فلاناً مرض فلو عدته
لوجدتني عنده، أما أنه جاع فلان فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، أما أنه عطش فلان فلو
الفتوحات المكية ج٤ - م٢٢

٣٣٨ في المنازل/ الباب السادس والسبعون ومائتان في معرفة منزل الحوض وأسراره من المقام المحمدي
سقيته لوجدت ذلك عندي، والخبر صحيح. فهذا من ثمرة المحبة حيث نزل إلينا، فلهذا
قلنا: إن الصدق في المحبة يجعل المحب يتصف بصفة المحبوب، وكذا العبد الصادق في
محبته ربه يتخلق بأسمائه فيتخلق بالغنى عن غير الله، وبالعزّ بالله تعالى، وبالعطاء بيد الله
تعالى، وبالحفظ بعين الله تعالى، وقد علم العلماء التخلق بأسماء الله ودوّنوا في ذلك
الدواوين، وسبب ذلك لما أحبوه اتصفوا بصفاته على حدّ ما يليق بهم.
ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله فنقول ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب:
الآية ٤] إن العلوم وأعني بها المعلومات إذا ظهرت بذواتها للعلم وأدركها العلم على ما هي
عليه في ذواتها فذلك العلم الصحيح والإدراك التام الذي لا شبهة فيه البتة، وسواء كان ذلك
المعلوم وجوداً أو عدماً أو نفياً أو إثباتاً أو كثيفاً أو لطيفاً أو رباً أو مربوباً أو حرفاً أو معنى أو
جسماً أو روحاً أو مركباً أو مفرداً، أو ما أنتجه التركيب، أو نسبة أو صفة أو موصوفاً، فمتى
ما خرج شيء ممّا ذكرناه عن أن يبرز للعلم بذاته وبرز له في غير صورته فبرز العدم له في
صورة الوجود وبالعكس، والنفي في صورة الإثبات وبالعكس، واللطيف في صورة الكثيف
وبالعكس، والرب بصفة المربوب والمربوب بصفة الرب، والمعاني في صور الأجسام كالعلم
في صورة اللبن، والثبات في الدين في صورة القيد، والإيمان في صورة العروة، والإسلام في
صورة العمد، والأعمال في صور الأشخاص من الجمال والقبح، فذلك هو الكدر الذي
يلحق العلم فيحتاج من ظهر له هذا إلى قوّة إلهيّة تعديه من هذه الصورة إلى المعنى الذي ظهر
في هذه الصورة فيتعب، وسبب ذلك حضرة الخيال والتمثّل والقوّة المفكرة، وأصل ذلك هذا
الجسم الطبيعي وهو المعبر عنه بالحوض في هذا المنزل، وقعر هذا الحوض هو خزانة
الخيال، وكدر ماء هذا الحوض المستقر في قعره هو ما يخرجه الخيال والتخيل عن صورته،
فيطرأ التلبيس على الناظر بما ظهر له، فما يدري أي معنى لبس هذه الصورة فيتحير ولا
يتخلص له ذلك أبداً من نظره إلاَّ بحكم الموافقة وهو على غير يقين محقق فيما أصاب من
ذلك إلاَّ بإخبار من الله، ولهذا لما قام أبو بكر الصديق في هذا المقام وسأل تعبير الرؤيا وأمره
النبي ◌َ بتعبيرها فلما فرغ سأل النبي ◌َ﴿ فيما عبره هل أصاب أو أخطأ؟ فقال له
رسول الله وَل: ((أَصَبْتَ بَعْضاً وَأَخْطَأْتَ بَعْضاً)) فما علم الصديق إصابته للحق في ذلك من
خطئه، فلهذا قلنا: إن المصيب في مثل هذا ليس على يقين فيما أصابه، فلهذا جنح العارفون
وامتنعوا أن يأخذوا العلم إلاَّ من الله بطريق الوهب الذي طريقه في الأولياء الذكر لا الفكر،
فإن أعطوا المعاني مجردة وبرزت لهم المعلومات بذواتها في صورها التي هي حقائقها فهو
المقصود، وإن أبرزها الحق لهم عند الذكر وهذا الطلب في غير صورها وحجب عنهم ذواتها
أعطوا من القوّة والنور النفوذ في تلك الصور إلى ما وراءها، وهو الذي أريدت له هذه الصور
وقيد بها، فمشهوده على كل حال المعاني التي هي المقصود وهي في عالم الألفاظ والعبارات
بمنزلة المنصوص، والمحكم الذي لا إشكال فيه ولا تأويل، والآخر بمنزلة الظواهر التي
تحمل المعاني المتعددة وما يعرف الناظر مقصد المتكلم بها منها .

في المنازل/ الباب السادس والسبعون ومائتان في معرفة منزل الحوض وأسراره من المقام المحمدي ٣٣٩
واعلم أن هذه العلوم إذا أعطاها الله العبد في غير صورها وأعلمه ما أراد بها فوقف على
عينها من تلك الصورة في تلك الصورة فهو المشبه بالحوض لأنه يدرك الماء ويدرك الكدر
الذي في قعر الحوض ويلبس الماء، ولا بدّ في ناظر العين لون ذلك الكدر حمرة كان أو
صفرة أو ما كان من الألوان، فتبصر الماء أحمر أو أصفر وغير ذلك من الألوان، ولهذا قال
الجنيد وقد سئل عن المعرفة والعارف فقال: لون الماء لون إنائه، ولما قبل الماء هذا اللون
صار في العين مركباً من متلوّن ولون، وهو في نفس الأمر شيء آخر فيعلم الماء ويعلم أن
ذلك لون الوعاء، كذلك التجليات في المظاهر الإلهية حيث كانت، فأما العارف فيدركها دائماً
والتجلي له دائم والفرقان عنده دائم فيعرف من تجلّى ولماذا تجلّى، ويختص الحق دون
العالم بكيف تجلّى، لا يعلمه غير الله لا ملك ولا نبي، فإن ذلك من خصائص الحق لأن
الذات مجهولة في الأصل، فعلم كيفية تجليها في المظاهر غير حاصل ولا مدرك لأحد من
خلق الله، هذا هو العلم الذي لا ينتج غيره فهو منقطع النسلِ لا عقب له، وما عدا هذا من
العلوم فقد يكون العلم بالنظر فيه ينتج علماً آخر ولا يكون إلاَّ هكذا وهو الأكثر بل هو الذي
بأيدي الناس، فإن المقدمات إن لم يحصل لك العلم بها وبما ينتج منها ممّا لا ينتج وبالسبب
الرابط بينهما، فبعد حصول هذا العلم ينتج لك العلم بما أعطاه هذا التركيب الخاص وهو
التناسل الذي يكون في العلوم بمنزلة التناسل الذي يكون في النبات والحيوان وهذا هو تناسل
المعاني، ولهذا قبلت المعاني الصور الجسدية لأن الأجسام محل التوالد.
فإن قلت: فالذي يكون من العلوم لا ينتج فكان ينبغي أن لا يقبل الصورة. قلنا: إنما
قبل الصورة من كونه نتيجة عن منتج ونتاج وهو في نفسه عقيم لا ينتج أصلاً، كالعقيم الذي
يكون في الحيوان مع كونه متولداً من غيره ولكن لا يولد له لأنه على صفة قامت به تقتضي له
ذلك، ولذلك جاء الحق في تنزيه نفسه عن الأمرين فقال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [سورة
الإخلاص: الآية ٣] وهذا تنزيه الذات فلا تتعلق ولا يتعلق بها، والنتاج إنما وقع وظهر في
المرتبة، فطلب الرب المربوب والقادر المقدور. فإن قلت: فإذا كان الأمر على ما ذكرت في
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ فكانتِ المظاهر تبطل وهي موجودة فما جوابك؟ قلنا: المظاهر
للمرتبة لا للذات، فلا يعبد إلاّ من كونه إلهاً ولا يتخلق بأسمائه وهي عين العبادة له إلاَّ من
كونه إلهاً، ولا يفهم من مظاهره في مظاهره إلاَّ كونه إلهاً فاعلم ذلك، ولو كانت المظاهر
تظهرها الذات من كونها ذاتاً علمت، ولو علمت أحيط بها، ولو أحيط بها حدت، ولو حدت
انحصرت، ولو انحصرت ملكت، وذات الحق تتعالى علوّاً كبيراً عن هذا كله، فعلمنا أنه ليس
بين الذات وبين هذه المظاهر نسبة يتعلق العلم بها من حيث نسبة المظهر إليها أصلاً، وإذا لم
يحصل مثل هذا العلم في نفوس العلماء بالله وتعالى عن ذلك فأبعد وأبعد أن تعلم نسبة الذات
إلى المظاهر فإن قلت: أن النسبة واحدة ولكن لها طرفان من حيث الذات طرف ومن حيث
المظهر طرف. قلنا: ليس الأمر كما تظن في أن النسبة واحدة بين المتضايفين، فإن نسبة الولد
إلى الوالد نسبة بنوّة والبنوّة انفعال، ونسبة الوالد إلى الولد نسبة أبوّة والأبوّة فاعلية، وأين أن

٣٤٠ في المنازل/ الباب السادس والسبعون ومائتان في معرفة منزل الحوض وأسراره من المقام المحمدي
يفعل من أن ينفعل هيهات فليست النسبة واحدة ولا لها طرفان أصلاً فإنها غير معقولة
الانقسام، أعني هذه النسبة الخاصة وهو الطرف الذي جعلته أنت للنسبة بخيالك، فذلك
الطرف هو النسبة التي تذكر إذ الطرفان للشيء الموصوف بهما يؤذنان بقسمته والمعنى لا
ينقسم فإنه غير مركب، والذي ينتجه هذا العلم المشبه بالحياض مناجاة الحق من جهة الصدر
وهو مناجاتك إياه في صدورك عنه حين أمرك بالخروج إلى عباده بالتبليغ إن كنت رسولاً،
وبالتثبيت إن كنت وارثاً، وهذه المناجاة لا تكون منه إليك إلاَّ فيك لا في غيرك، فمنك تعرفه
لا من غيرك لأنك الحجاب الأقرب والستر المسدل عليه، ومن كونك ستراً وحجاباً حددته،
فمعرفتك به في هذا الموطن عين عجزك عن معرفته، وإن شئت قلت عين الجهل به، ونريد
بالجهل عدم العلم .
وأما الغير فحجاب أبعد بالنظر إليك فإن الله ما وصف نفسه إلاَّ بالقرب إليك، وهكذا
قربه من غيرك إلى ذلك الغير كقربه إليك، فوصفه بالقرب إليك أبعد بالنظر إلى غيرك إذا أراد
العلم به منك، كما أنت إذا أردت العلم به من غيرك قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلٍ
اٌلْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] فأثبت قربه إلى الأشياء ونفى العلم بكيفية قربه من الأشياء بقوله
تعالى: ﴿وَتَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٨٥] فعمّ البصيرة والبصر إذ
كان إدراك البصر في الباطن يسمّى بصيرة والذات واحدة، واختلف عليها المواطن فسمّى في
إدراك المحسوس بصراً وفي إدراك المعاني بصيرة، فالمدرك واحد العين فيهما، ولما كان
على الحوض الذي يكون في الدار الآخرة كؤوس كثيرة على عدد الشاربين منه وأن الماء في
الإناء على صورة الإناء شكلاً ولوناً علمنا قطعاً أن العلم بالله سبحانه على قدر نظرك
واستعدادك وما أنت عليه في نفسك، فما اجتمع اثنان قط على علم واحد في الله من جميع
الجهات لأنه ما اجتمع في اثنين قط مزاج واحد ولا يصحّ لأنه لا بدّ في الاثنين ممّا يقع به
الامتياز لثبوت عين كل واحد، ولو لم يكن كذلك لم يصحّ أن يكونا اثنين، فما عرف أحد من
الحق سوى نفسه، فإذا عامل من تجلّى له بما عامله به وقد ثبت أن عمله يعود عليه لن ينال
الله من ذلك شيء، قال وَّ: ((إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ عَلَيْكُمْ فَيَكْسُوكُمُ الحَقُّ مِنْ أَعْمَالِكُمْ حُلَلاً
عَلَى قَدْرِ مَا حَصَّتْتُمُوهَا وَاعْتَنَيْتُمْ بِأَصُولِهَا)) فمن لابس حريرٍ أو من لابس مشاقة كتان وقطن وما
بينهما فلا تلم إلاَّ نفسك، ولا تلم الحائك فما حاك لك إلاَّ غزلك.
فإن قلت: كيف تقول: لن ينال الله من ذلك شيء وقد قال سبحانه: ﴿يَنَالُهُ النَّقْوَى
مِنكُمْ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٧] فلتعلم أن المراد بإثبات النَّيل هنا وعدم النَّيل في جانب الحق أن
الله سبحانه ما يناله شيء من أعمال الخلق ممّا كلفهم العمل فيه نيل افتقار إليه وتزيّن به
ليحصل له بذلك حالة لم يكن عليها ولكن يناله التقوى، وهو أن تتخذوه وقاية ممّا أمركم أن
تتقوه به على درجات التقوى ومنازله فقد قال: ﴿فَأَتَّقُواْ النَّارَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤] ﴿أَتَّقُواْ
اَللَّهَ﴾ [سورة الحديد: الآية ٢٨] ﴿قُوَأْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [سورة التحريم: الآية ٦] فمعنى يناله التقوى أنه
يتناولها منك ليلبسك إياها بيده تشريفاً لك حيث خلع عليك بغير واسطة إذ لبسها غير المتقي