النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
في الأحوال / الباب الموفي ستين ومائتين في معرفة القرب
الباب الموفي ستين ومائتين
في معرفة القرب وهو القيام بالطاعات وقد يطلقونه ويريدون به
قرب قاب قوسين وهما قوسا الدائرة إذا قطعت بخط أو أدنى
[نظم: البسيط]
قوسان ذلك قُرْبُ الحقِّ فاعتبروا
إذا قطعتَ بخطّ أكْرَةً فبدا
ما حُزْتَه لاحَ ما يَقْضي به النَّظَرُ
إلى الحقيقة أدنى منهما فإذا
خلافُ نِسْبَةِ ما يَسْري به البَصَرُ
إن المعارجَ للأرواح نسْبَتُها
قال تعالى: ﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] فوصف نفسه بالقرب من
عباده، والمطلوب بالقرب إنما هو أن يكون صفة العبد فيتصف بالقرب من الحق اتصاف
الحق بالقرب منه كما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] والرجال يطلبون أن
يكونوا مع الحق أبداً في أي صورة تجلى، وهو لا يزال متجلياً في صور عباده دائماً، فيكون
العبد معه حيث تجلّى دائماً، كما لا يخلو العبد عن أينية دائماً، والله معه أينما كان دائماً،
فأينية الحق صورة ما يتجلى فيها، فالعارفون لا يزالون في شهود القرب دائمين لأنهم لا
يزالون في شهادة الصور في نفوسهم وفي غير نفوسهم وليس إلاَّ تجلي الحق. وأما القرب
الذي هو القيام بالطاعات فذلك القرب من سعادة العبد بالفوز من شقاوته وسعادة العبد في نيل
جميع أغراضه كلها ولا يكون له ذلك إلاَّ في الجنة، وأما في الدنيا فإنه لا بدّ من ترك بعض
أغراضه القادحة في سعادته، فقرب العامة والقرب العام إنما هو القرب من السعادة فيطيع
ليسعد، وقرب العارفين ما ذكرناه، فهو يتضمن السعادة وزيادة، ولولا الأسماء الإلهيّة
وحكمها في الأكوان ما ظهر حكم القرب والبعد في العالم، فإن كل عبد في كل وقت لا بدّ
أن يكون صاحب قرب من اسم إلهيّ صاحب بعد من اسم آخر لا حكم له فيه في الوقت، فإن
كان حكم ذلك الاسم الحاكم في الوقت المتصف بالقرب منه يعطي للعبد فوزاً من الشقاء
وحيازة لسعادته فذلك هو القرب المطلوب عند القوم وهو كل ما يعطي العبد سعادة، وإن لم
يعط ذلك فليس بقرب عند القوم، وإن كان قرباً من وجه آخر لا من حيث ما وقع عليه
الاصطلاح أخبر رسول الله وَّر عن ربّه في هذا الباب أن الله يقول: ((مَا تَقَرَّبَ المُتَقَرِّبُونَ
بِأَحَبَّ إِليَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِمْ، وَلاَ يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فإذا أَخْبَيْتُهُ
كُنْتُ لَهَ سَمْعاً وَبَصَراً وَيَداً ومُؤَيِّداً)) وقال سبحانه في الخبر الصحيح: ((مَنْ تَقَرّبَ إِلَيّ شِبْراً
تَقَرَّبْتُ إِلَيهِ ذِراعاً وَمَنْ تَقَرَّبَ إِليَّ ذِراعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعاً، وَمَنْ أَتَانِي يَسْعَى أَتَيْتُهُ هَزْوَلَّةً)) وقال
تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦]
وقال في حق الميت: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٨٥] ومعناه
عندنا لا تميزون، يقول : تبصرون ولكن لا تعرفون ما تبصرون فكأنكم لا تبصرون.
اعلم أن القرب من الله على ثلاثة أنحاء: قرب بالنظر في معرفة الله جهد الاستطاعة أصاب

٢٨٢
في الأحوال / الباب الموفي ستين ومائتين في معرفة القرب
في ذلك أو أخطأ بعد بذل الوسع في الاجتهاد في ذلك فقد يعتقد المجتهد فيما ليس ببرهان أنه
برهان فيجازيه الله مجازاة أصحاب البراهين الصحيحة، وقد نبّه سبحانه على ما يفهم منه ما
ذكرناه وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ،﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١١٧] وقد رأى
بعض العلماء أن الاجتهاد يسوغ في الفروع والأصول، فإن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله
أجران. والنوع الآخر: قرب بالعلم. والنوع الثالث: قرب بالعمل وينقسم على قسمين: قرب
بأداء الواجبات، وقرب بالمندوبات في عمل الظاهر والباطن، فأما قرب العلم فأعلاه توحيد الله
في ألوهته فإنه لا إله إلاَّ هو، فإن كان عن شهود لا عن نظر وفكر فهو من أولي العلم الذين
ذكرهم الله في قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨]
لأن الشهادة إن لم تكن عن شهود وإلاَّ فلا، فإن الشهود لا يدخله الريب ولا الشكوك، وإن
وحَّده بالدليل الذي أعطاه النظر فما هو من هذه الطائفة المذكورة فإنه ما من صاحب فكر وإن
أنتج له علماً إلاَّ وقد يخطر له دخل في دليله وشبهة في برهانه يؤدّيه ذلك إلى التحيّر والنظر في
ردّ تلك الشبهة، فلذلك لا يقوى صاحب النظر في علم ما يعطيه لنظر قوة صاحب الشهود،
وهذا الصنف إذا قضى الله عليه بدخول النار لأسباب أوجبت له ذلك فهو الذي يخرجه الحق من
النار بعد شفاعة الشافعين، وأما قرب العمل فهو علم ظاهر وهو ما يتعلق بالجوارح، وعلم باطن
وهو ما يتعلق بالنفس، فأعمّ الأعمال الباطنة الإيمان بالله وما جاء من عنده لقول الرسول لا
للعلم بذلك، وعمل الإيمان يعمّ جميع الأفعال والتروك، فما من مؤمن يرتكب معصية ظاهرة أو
باطنة إلاَّ وله فيها قربة إلى الله من حيث إيمانه بها أنها معصية فلا يخلص أبداً لمؤمن عمل سيء
دون أن يخالطه عمل صالح قوله تعالى فيمن هذه صفته ﴿عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة التوبة: الآية
١٠٢] وما ذكر لهم قربة فما تاب هنا في هذه الآية عليهم ليتوبوا وإنما هو رجوع بالعفو والتجاوز،
وعسى من الله واجبة عند جميع العلماء، فالشرط المصحّح لقبول جميع الفرائض فرض الإيمان
ثم يتقرب العبد بأداء الفرائض، فمن حصل له هنا ثمرتها كان سمعاً للحق وبصراً فيريد الحق
بإرادته على غير علم منه أن مراده مراد الله وقوعه، فإن علم فليس هو صاحب هذا المقام هذا
ميزان أداء الفرائض وهو أحب ما يتقرب به إلى الله، وأما قرب النوافل فإنه أيضاً يحبه الله،
ومحبة الله أعطته أن يكون الحق سمعه وبصره، هذا ميزانها في قرب النوافل.
ولما كانت المحبة لها مراتب متميزة في المحب قيل محب وأحب، وقد وصف الله
نفسه بأحب في قوله بأحب إليّ من أداء ما افترضته عليه. وفي النوافل قال: أحببته من غير
مفاضلة، وافترض عليه الإيمان به وبما جاء من عنده فالمؤمن له مرتبة الحب والأحب.
وأما عمل الجوارح فإنه قرب أيضاً، ولا بدّ أن تجني الجارحة ثمرتها أي ثمرة عملها في
حق كل إنسان من غير تقييد، ولكن هم في ذلك على طبقات مختلفة في أي دار كانوا أو من
أي صنف كانوا، وسواء قصد القرب بذلك العمل أو لم يقصد فإن العمل يطلب ميزانه وقد
وقع من الجارحة فهو حق لها والنية حق للنفس، حتى إنه لو ذكر الله بيمين فاجرة يقتطع بها
حق امرئ لكان للجارحة أجر ذكر الله لما جرى على اللسان وعلى النفس وما نوته من ذلك،

٢٨٣
في الأحوال / الباب الموفي ستين ومائتين في معرفة القرب
والتنبيه على ما ذكرناه كون حكم ظاهر الشرع أسقط عنه بيمينه حق الطالب، فإذا كان أثرها في
الظاهر بهذه القوّة في الدنيا فما ظنك بما تجنيه تلك الجارحة الذاكرة ربها في الأخرى، فإن
الجارحة لا خبر لها بما نوته النفس من ذلك، فحظها النطق بذكر الله لا تدري أن ذلك الذكر
يعود منه وبال على النفس أم لا، ولا تدري هل هو مشروع أم غير مشروع؟ ولذلك إذا
شهدت الجوارح والجلود بما وقع منها من الأعمال على النفس المدبرة لها ما تشهد بوقوع
معصية ولا طاعة وإنما شهادتها بما عملته، والله يعلم حكمه في ذلك العمل، ولهذا إذا كان
يوم القيامة ﴿تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيِهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [سورة النور: الآية ٢٤] ولم
يشهدوا بكون ذلك العمل طاعة ولا معصية، فإن مرتبتهم لا تقتضي ذلك، فالإنسان من حيث
هيكله سعيد كله، ومن حيث نفسه إن كان مؤمناً فهو صاحب تخليط .
وأما قرب الله منه فعلى نوعين: النوع الواحد قرب رحمة وعطف وتجاوز ومغفرة
وإحسان. والنوع الآخر قرب لا يمكن كشفه لكن نومئ إليه فنقول: لا يخلو الحق مع كل عبد
عندما يتجلى له أن يظهر له في مادة أو في غير مادة، فإن تجلى له في مادة وهي الصورة تبع
القرب تلك المادة في مجلس الشهود وحضرة الرؤية، وإن تجلى له في غير مادة كان قرب
المنزلة والمرتبة كقرب الوزير والقاضي والوالي وصاحب الحسيّة من الملك فإنه قرب متفاضل،
وقد يدني مجلس الأدون ليسارره بأمر ينفذ في مرتبته ويكون الأعلى أبعد منه مجلساً في ذلك
المجلس، ولا يقتضي قربه في ذلك المجلس بأنه أعلى رتبة من الأعلى منه، فإن حكم المواد
يخالف حكم النفوس في الصورة، وإذا علمت هذا فقد قربت من العلم بقرب الحق والقرب بين
الاثنين على حد واحد، فمن قرب منك فقد اتصفت بأنك منه قريب، وفي نفس الأمر ليس للبعد
من الله سبيل، وإنما البعد أمر إضافي يظهر في أحكام الأسماء الإلهيّة، فزمان حكم الاسم
الإلهيّ في الشخص هو زمان اتصافه بالقرب من البعد وقرب العبد منه، والاسم الإلهيّ الذي ما
له حكم الوقت في الشخص هو منه بعيد، كيف يتصف بالبعد عنك أو تتصف بالبعد منه من أنت
في قبضته؟ ألم يفتح لآدم يده اليمنى تعالى وكلتا يديه يمين مباركة فبسطها فإذا فيها آدم وذريته؟
وهل يؤيد شقاء من هو في يمين الحق؟ لا والله، وكانت القبضة الأخرى جميع العالمٍ، فانظر في
اختيار آدم يمين الحق للتمييز مع كونه يعرف أن كلتي يدي ربه يمين مباركة وليس إلاّ ما ذكرناه،
ولولا ما كان التجلي لآدم فى صورة مادية ما اتصفت اليدان بالقبض والبسط، وقد نبهتك على
معرفة القرب حتى تشهده من نفسك مع الله إن كنت من أهل التجلي في هذه الدار، وإذا وقع
التجلي في المواد جاءت الحدود بغير شك، فجاء الشبر والذراع والباع والسعي والهرولة
بحسب ما يقتضيه الحال، فإن قرب المواد تابع للأحوال، فعلى قدر الحال يكون القرب في
المادة بين القريبين ليعلم بذلك القرب أن حاله أعطى ذلك فهو ترجمان عن الأحوال.
وأما القرب من الله بحياز الصورة فليس ذلك إلاَّ للخلفاء خاصة سواء كانوا رسلاً أو لم
يكونوا، فإن الرسالة ليست بنعت إلهيّ وإنما هي نسبة بين مرسل ومرسل إليه لينوب عنه فیما یرید
أن يبلغه إلى هذا الشخص المرسل إليه، فالرسول خليفة ونائب في التبليغ خاصة، وتتمة الخلافة

٢٨٤
في الأحوال / الباب الأحد والستون ومائتان في معرفة البعد
والنيابة إنما هي في الحكم بما تقتضيه حقائق الأسماء الإلهيّة من القهر والإرعاد والإبراق والأخذ
والرحمة والعفو والتجاوز والانتقام والحساب والمصادرة، وما ثم أصعب في الإلهيات من
المصادرة إذا لم تقع عن حساب أو تجاوز في الأخذ حد الاستحقاق وذلك في قوله: ﴿لَا يُسْئَلُ
عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٣] والأخذ والتجاوز بعد التقرير، والحساب والسؤال في قوله:
﴿وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٣] وقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٩] فقرب
بالصورة على نوعين في الخلافة: النوع الواحد خلافة عن تعريف إلهيّ بمنشور وخلافة لا عن
تعريف إلهيّ مع نفوذ الأحكام منه، ولا يسمّى مثل هذا القرب على طريق الأدب بلسان الأدباء
خلافة ولا هو خليفة وبالحقيقة هو خليفة وتلك خلافة فالخلفاء متفاضلون أيضاً فيها، والخلافة
بغير التعريف أتم في القرب المعنوي. فإن الخليفة بالتعريف والأمر الظاهر يبعد من المستخلف
في الصورة، فإن حكمه في العالم لم يكن عن أمر من غيره بل هو حاكم لنفسه، فمن حكم في
العالم بنفسه ونفذ حكمه فيه من غير أمر إلهيّ ولا استخلاف بتعريف ولا منشور فهو أقرب من
الصورة الإلهيّة ممّن عقدت له الخلافة عن أمر إلهيّ بتعريف ومنشور، لكنه أقرب إلى السعادة
المطلوبة له من ذلك الذي لم يقترن بخلافته أمر إلهيّ، والقرب إلى السعادة هو المطلوب عند
العلماء بالله، وهذا القدر كاف في معرفة القرب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الأحد والستون ومائتان
في معرفة البعد
اعلم أن البعد هو الإقامة على المخالفة، ويطلق أيضاً على البعد منك. [نظم: المجتث]
وَتْرّ وَشَفْعٌ وَتَوْ
البُعدُ منكَ دُنُوُ
يقول للقوم سَؤُوا
لما رأيتُ إماماً
لها العُلاَ والدُّنْوُّ
صُفُوفَكُم في صلاةٍ
له البَقَا والسُّمُوُ
علمتُ أنَّ وجودي
واعلم أن البعد يختلف باختلاف الأحوال فيدل على ما يراد به قرائن الأحوال، وأن
الأحوال وجميع ما ذكرناه فيما يكون قرباً إذا لم يكن صفة للعبد فعدمه عين البعد، هذا هو
الجامع لهذا الباب الذي أشار إليه القوم.
وأما حكم البعد عندنا فقد يكون على خلاف ما قرروه بعد مع تقريرنا ما قرروه بعداً أنه
بعد بلا شك، إلاَّ أنّا زدنا فيه أموراً أغفلتها الجماعة لا أنهم جهلوا ما نذكره، إلاَّ أنهم ما
ذكروه في معرفة البعد وأدخلوه في باب القرب، وذلك أن القرب اجتماع والبعد افتراق، وما
يقع به الاجتماع غير ما يقع به الافتراق فالبعد غير القرب، فإذا اجتمع أمران في شيء ما فذلك
غاية القرب، لأن عين كل واحد منهما عين الآخر فيما وقع فيه الاجتماع، فإذا تميز كل واحد
من العينين عن صاحبه بنعت لا يكون عليه الآخر فقد تميز عنه، وإذا تميز عنه فذلك البعد لأنه
ليس عينه من حيث ما هو عليه ممّا وقع له به الافتراق ويظهر ذلك في حدود الأشياء، وإذا

٢٨٥
في الأحوال / الباب الأحد والستون ومائتان في معرفة البعد
وقع البعد اختلف الحكم، وقد يكون البعد بنعت عرضي كالمكان والزمان والحد والمقدار
والأكوان والألوان في حق من تطلب ذاته هذه النعوت، فإذا عقل أمران لا اجتماع بين واحد
منهما مع الآخر وافترقا من جميع الوجوه كلها فذلك غاية البعد، فلا أبعد من العالم من الله
لأنه ما ثم من حيث ذاته شيء يجمع بينهما وهذا موجود في قوله تعالى: ﴿اللَّهَ غَيْىُّ عَنِ
اَلْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] وكان الله ولا شيء معه .
ثم تنزل في درجة البعد دون هذا فنقول: العبد لا يكون سيداً لمن هو عبد له فلا شيء
أبعد من العبد من سيده، فالعبودية ليست بحال قربة وإنما يقرب العبد من سيده بعلمه أنه عبد
له، وعلمه بأنه عبد له ما هو عين عبوديته، فعبوديته تقتضي البعد عن السيد وعلمه بها يقضي
بالقرب من السيد، قال الله لأبي يزيد البسطامي لما حار في القرب وما عرف بماذا يتقرب إليه
فقال له الحق في سرّه: يا أبا يزيد تقرّب إليّ بما ليس لي الذلّة والافتقار، فنفى سبحانه عن
نفسه هاتين الصفتين الذلة والافتقار وما نفاه عنه فإنه صفة بعد منه، فمن قامت به تلك الصفة
التي تقتضي البعد فهو بحيث هي وهي تقتضي البعد. وقال أبو يزيد لربه في وقت آخر: بمَ
أتقرب إليك؟ فقال له الحق: اترك نفسك وتعال، وإذا ترك نفسه فقد ترك حكم عبوديته لما
كانت العبودية عين البعد من السيادة، فالعبد بعيد من السيد، فطلب منه في الذلّة والإفتقار
القرب بالعبودية، وطلب منه في ترك النفس القرب بالتخلق بأخلاق الله وهو ما يكون به
الاجتماع، فالتجلي في غير مادة تجلي البعد وفي المواد تجلي القرب، وأما البعد من الأسماء
الإلهية فكل اسم لا يكون العبد تحت حكمه في الوقت.
واعلم أن الأسماء الإلهيّة إذا ظهر بها العبد عن الأمر الإلهيّ فهو في قرب النيابة عن الله
لا في قرب الحقيقة، وإذا ظهر ببعضها عن غير أمر إلهيّ فهو في عين البعد المستعاذ منه في
قوله وَّ: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) لأن حقيقة المخلوق لا تتمكن في حال شهوده لمخلوقيته أن
يكون خالقاً، والكبرياء والجبروت صفة للحق، فإذا قامت بالعبد فقد قام به الحق فاستعاذ منه
وما ثم أعظم منه يستعاذ به فاستعاذ به، فأين كبرياء الحق وجبروته من صفته بأنه يفرح بتوبة
عبده ويصف نفسه بجوع عبده وعطشه ومرضه؟ فبمثل هذا استعاذ، ومن مثل ذلك الآخر
استعاذ، والمنعوت بهما واحد العين وهو الله فاستعاذ به منه فقال: وأعوذ بك منك، وهذا
غاية ما يصل إليه تعظيم المحدث إذا عظم جناب الله. وأما بعد المخالفة فهو بعد العبد عن
سعادته وعن الأسماء الإلهيّة التي تقتضي الموافقة في القرب بالطاعات، وإن كان في المخالفة
قريباً من الأسماء الإلهيّة التي تطلب الأكوان من حيث التكليف فإنها محصورة في عفو
ومؤاخذة فهو قريب بالمؤاخذة منه، فالمخالفة تطلب الرحمة وتتعرّض للعقوبة وهو سبحانه
على مشيئته في ذلك، فلم يبق في بعد المخالفة إلاَّ البعد عن سعادته إما بنقصان حظ عن غيره
أو مؤاخذة بالجريمة، وأما البعد منك الذي ذكرته الطائفة فهو قوله لأبي يزيد: اترك نفسك
وتعال، ومن ترك نفسه بعد عنها، وقد بيّنا لك في هذا الباب معنى هذا القول، والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل.

٢٨٦
في الأحوال/ الباب الثاني والستون ومائتان في معرفة الشريعة
الباب الثاني والستون ومائتان
في معرفة الشريعة ؛ الشريعة: التزام العبودية بنسبة الفعل إليك
[نظم: البسيط]
عليه أهلُ مَقَامات العُلَى دَرَجُوا
إن الشريعةَ حَدٍّ ما له عِوَجُ
لحضرةٍ دخلوا فيها وما خَرجُوا
عَلَوْا معارجَ من عَقْل ومن هِمَم
عليهم في الذي جاؤوا به حَرَجُ
جاؤوا بأمرٍ عظيمِ القَّدْر منه وماً
الشريعة السنّة الظاهرة التي جاءت بها الرسل عن أمر الله، والسنن التي ابتدعت على
طريق القربة إلى الله كقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا﴾ [سورة الحديد: الآية ٢٧] وقول
الرسول ال#: ((من سن سنة حسنة)) فأجاز لنا ابتداع ما هو حسن وجعل فيه الأجر لمن ابتدعه
ولمن عمل به، وأخبر أن العابد لله بما يعطيه نظره إذا لم يكن على شرع من الله معين أنه
يحشر أمة وحده بغير إمام يتبعه فجعله خيراً وألحقه بالأخيار كما قال في إبراهيم: ﴿إِنَّ إِزَهِيمَ
كَانَ أُمَّةٌ قَائِتًا لِلَِّ﴾ [سورة النحل: الآية ١٢٠] وذلك قبل أن يوحى إليه. قال عليه السلام: ((بُعِثْتُ
لأْتُمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ)) فمن كان على مكارم الأخلاق فهو على شرع من ربه وإن لم يعلم
ذلك، وسمّاه النبي ◌ِّ خيراً في حديث حكيم بن حزام وأنه كان يتبرر في الجاهلية بأمور من
عتق وصدقة وصلة رحم وكرم وأمثال ذلك فقال له رسول الله ◌َّ لما سأله عن ذلك:
(أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَقْتَ مِنْ خَيْرِ)) فسمّاه خيراً وجازاه الله به، فالشريعة إن لم تفهم هكذا وإلاَّ
فما فهمت الشريعة. وأما تتمة مكارم الأخلاق فهي تعريتها ممّا نسب إليها من السفسفة، فإن
سفساف الأخلاق أمر عرضي، ومكارم الأخلاق أمر ذاتي، لأن السفساف ليس له مستند إلهيّ
فهو نسبة عرضية مبناها الأغراض النفسية، ومكارم الأخلاق لها مستند إلهيّ وهو الأخلاق
الإلهيّة، فتتمة النبي ◌َّة مكارم الأخلاق ظهر في تبيينه مصارفها، فعين لها مصارف تكون بها
مكارم أخلاق وتعري بذلك عن ملابس سفساف الأخلاق فما في الكون إلاَّ شريعة .
ثم اعلم أن الشريعة أتت بلسان ما تواطأت عليه الأمة التي شرع الله لها ما شرع، فمنه
ما كان عن طلب من الأمة، ومنه ما شرعه ابتداء من الأحكام ولهذا كان يقول المثلية :
((اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ)) فإن كثيراً من الشريعة نزل بسؤال من الأمة لو لم يسألوه ما نزل،
وأسباب الأحكام دنيا وآخرة معلومة عند العلماء بأسباب النزول والحكم، يقال: شرعت
الرمح قبله أي قصدته به مستقبلاً، والشريعة من جملة الحقائق فهي حقيقة لكن تسمّى
شريعة وهي حق كلها، والحاكم بها حاكم بحق مثاب عند الله لأنه حكم بما كلف أن يحكم
به وإن كان المحكوم له على باطل والمحكوم عليه على حق، فهل هو عند الله كما هو في
الحكم أو كما هو في نفس الأمر؟ فمنا من يرى أنه عند الله كما هو في الحكم، ومنا من
يرى أنه عند الله كما هو في نفس الأمر، وفي هذه المسألة نظر يحتاج إلى سبر أدلة، فإن
العقوبة قد أوقعها الله في رمي المحصنات وإن صدقوا إذا لم يأتوا بأربعة شهداء، وقال في

٢٨٧
في الأحوال / الباب الثالث والستون ومائتان في معرفة الحقيقة
قضية خاصة في ذلك كان الرامي كاذباً فيها فقال: ﴿لَوْلَا جَلَهُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءً﴾ [سورة النور:
الآية ١٣] كما قرّر في الحكم: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَبِّكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [سورة
النور: الآية ١٣] فقوله: ﴿فَأَوْلَبِّكَ﴾ هل يريد بهذه الإشارة هذه القضية الخاصة أو يريد عموم
الحكم في ذلك؟ فجلد الرامي إنما كان لرميه ولكونه ما جاء بأربعة شهداء، وقد يكون
الشهداء شهداء زور في نفس الأمر وتحصل العقوبة بشهادتهم في المرمى فيقتل، وله الأجر
التام في الأخرى مع ثبوت الحكم عليه في الدنيا وعلى شهود الزور والمفتري العقوبة في
الأخرى وإن حكم الحق في الدنيا بقوله: وشهادة شهود الزور فيه ولهذا قال
رسول الله وَّ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرْ وِنَّكُمْ لَتَخْتَصِمُونَ إِلِيَّ وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنَ
الآخَرِ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقٌ أَخِيهِ فَلاَ يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَّعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)) فقد قضى له بما هو
حق لأخيه وجعله له حقاً مع كونه معاقباً عليه في الآخرة كما يعاقب على الغيبة والنميمة مع
كونهما حقاً، فما كان حق في الشرع تقترون به السعادة، ولما كان الشريعة عبارة عن الحكم في
المشروع له والتحكم فيه بها كان المشروع له عبداً فالتزم عبوديته لكون الحكم لا يتركه يرفع
رأسه بنفسه، فما له من حركة ولا سكون إلاَّ وللشرع في ذلك حكم عليه بما يراه، فلذلك
جعلت الطائفة الشريعة التزام العبودية فإن العبد محكوم عليه أبداً. وأما قولهم بنسبة الفعل إليك
فإنك إن لم تفعل ما يريده السيد منك وإلاَّ فما وجب عليك الأخذ به، ولذلك رفع القلم عمّن لا
عقل له، ويكفي هذا القدر في علم الشريعة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث والستون ومائتان
في معرفة الحقيقة وهي سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه أنه
الفاعل بك فيك منك لا أنت ﴿مَا مِن دَآئَةٍ إلَّا هُوَ ءَاخِذٌُ بِنَاصِيَنِهَا﴾ [هود: ٥٦]
[نظم: البسيط]
والعقلُ بالفكر يَنْفي الواحدَ الأحَدَا
إن الحقيقةَ تُعْطي واحداً أبدا
والكونُ يطلبُ من آثاره العَدَدَا
فالذاتُ ليس لها ثانٍ فَيَشْفَعُها
لا أهلَ فيها ولا أباً ولا وَلَدَا
والكلُّ ليس سوى عينٍ محقّقَةٍ
اعلم أيّدنا الله وإياك بروح منه أن الحقيقة هي ما هو عليه الوجود بما فيه من الخلاف
والتماثل والتقابل إن لم تعرف الحقيقة هكذا وإلاّ فما عرفت، فعين الشريعة عين الحقيقة
والشريعة حق ولكل حق حقيقة، فحق الشريعة وجود عينها، وحقيقتها ما تنزل في الشهود
منزلة شهود عينها في باطن الأمر فتكون في الباطن كما هي في الظاهر من غير مزيد، حتى إذا
كشف الغطاء لم يختل الأمر على الناظر، قال بعض الصحابة لرسول الله وَ له: أنا مؤمن حقاً،
فادعى حق الإيمان وهو من نعوت الباطن فإنه تصديق والتصديق محله القلب فآثاره في
الجوارح إذا كان تصديق له أثر، فإن كانت تصديق ما له أثر فلا يلزم ظهوره على الجوارح كما
قال، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه، فنسب الصدق إلى الفرج وهو عضو ظاهر، فقال له

٢٨٨
في الأحوال / الباب الثالث والستون ومائتان في معرفة الحقيقة
رسول الله وَّر: فما حقيقة إيمانك؟ فقال: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وقد كان صدق
رسول الله وَّر في قوله: ((إِنَّ عَرْشَ رَبِّهِ يَبْرُزُ يَوْمَ القِيَامَةِ)) فجعله هذا السامع مشهود الوقوع في
خياله فقال: كأني أنظر إليه أي هو عندي بمنزلة من أشاهده ببصري، فلما أنزله منزلة الشهود
البصري والوجود الحسّي عرفنا أن الحقيقة تطلب الحق لا تخالفه، فما ثم حقيقة تخالف
شريعة لأن الشريعة من جملة الحقائق، والحقائق أمثال وأشباه، فالشرع ينفي ويثبت فيقول:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فنفى وأثبت معاً كما يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ
اَلْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وهذا هو قول الحقيقة بعينه فالشريعة هي الحقيقة، فالحقيقة
وإن أعطت أحدية الألوهة فإنها أعطت النسب فيها، فما أثبتت إلاَّ أحدية الكثرة النسبية لا
أحدية الواحد، فإن أحدية الواحد ظاهرة بنفسها، وأحدية الكثرة عزيزة المنال لا يدركها كل
ذي نظر، فالحقيقة التي هي أحدية الكثرة لا يعثر عليها كل أحد.
ولما رأوا أنهم عاملون بالشريعة خصوصاً وعموماً ورأوا أن الحقيقة لا يعلمها إلاَّ
الخصوص فرّقوا بين الشريعة والحقيقة، فجعلوا الشريعة لما ظهر من أحكام الحقيقة، وجعلوا
الحقيقة لما بطن من أحكامها لما كان الشارع الذي هو الحق قد تسمّى بالظاهر والباطن،
وهذان الاسمان له حقيقة، فالحقيقة ظهور صفة حق خلف حجاب صفة عبد، فإذا ارتفع
حجاب الجهل عن عين البصيرة رأى أن صفة العبد هي عين صفة الحق عندهم، وعندنا أن
صفة العبد هي عين الحق لا صفة الحق، فالظاهر خلق والباطن حق والباطن منشأ الظاهر،
فإن الجوارح تابعة منقادة لما تريد بها النفس، والنفس باطنة العين ظاهرة الحكم، والجارحة
ظاهرة الحكم لا باطن لها لأنه لا حكم لها، فينسب الاعوجاج والاستقامة للماشي بالممشى
به لا إلى من مشى به، والماشي بالخلق إنما هو الحق وذكر أنه على صراط مستقيم،
فالاعوجاج قد يكون استقامة في الحقيقة كإعوجاج القوس فاستقامته التي أريد لها اعوجاجه،
فما في العالم إلاَّ مستقيم لأن الآخذ بناصيته هو الماشي به وهو على صراط مستقيم، فكل
حركة وسكون في الوجود فهي إلهيّة لأنها بيد حق وصادرة عن حق موصوف بأنه على صراط
مستقيم بإخبار الصادق، فإن الرسل لا تقول على الله إلاَّ ما تعلمه منه فهم أعلم الخلق بالله،
وليس للكون معذرة أقوى من هذه، فمن رحمة الرسل بالخلق تنبيه الخلق على مثل هذا،
ولما حكاها الحق عنه يسمعنا مقالته علمنا أن ذلك من رحمته بنا حيث عرّفنا بمثل هذا، فكان
تعريفه إيانا بما قاله رسوله بشرى من الله لنا من قوله: ﴿لَهُمُ اُلْبُشْرَى فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة
يونس: الآية ٦٤] وكانت البشرى من كلمات الله ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾ [سورة يونس: الآية ٦٤]
ومن باب الحقيقة كونه عين الوجود وهو الموصوف بأن له صفات من كون الموجودات ذات
صفات، ثم أخبر أنه من حيث عينه عين صفات العبد وأعضائه فقال: كنت سمعه، فنسب
السمع إلى عين الموجود السامع وأضافه إليه وما ثم موجود إلاَّ هو فهو السامع والسمع،
وهكذا سائر القوى والإدراكات ليست إلاّ عينه، فالحقيقة عين الشريعة فافهم، والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل .

٢٨٩
في الأحوال/ الباب الرابع والستون ومائتان في معرفة الخواطر
الباب الرابع والستون ومائتان
في معرفة الخواطر والخواطر ما يرد على القلب
والضمير من الخطاب من غير إقامة وهو من الواردات التي لا تعمل لك فيها فإذا أقامت
فهي حديث نفس ما هي خواطر: [المتقارب]
إذا كان واردُنا خاطراً
يمرُّ بنا ثمَّ لا يَرْجعُ
وما فيه ردِّ ولا مَذْفَعُ
فما في الوجودِ سوى خاطرٍ
تُجَدَّد أعراضُنا فاسمعُوا
تُجَدَّدُ أعيانُنا كلما
وآخرُ في إِثْرِه يَتْبَعُ
فما ثَمَّ عينٌ سوى واحدٍ
اعلم أن الله سفراء إلى قلب عبده يسمّون الخواطر لا إقامة لهم في قلب العبد إلاَّ
زمان مرورهم عليه، فيؤذّون ما أرسلوا به إليه من غير إقامة، لأن الله خلقهم على صورة
رسالة ما أرسلوا به، فكل خاطر عينه عين رسالته، فعندما يقع عليه عين القلب فهمه، فأما
يعمل بمقتضى ما أتاه به أو لا يعمل، وجعل الله بينه وبين هذا القلب طرقاً خمسة عليها
تمشي هذه الخواطر إلى القلب، وهذه الطرق أحدثها الله لما أحدث الشرائع، فلولا الشرائع
ما أحدثها وجعلها كالهالة للقمر محيطة به، فسمّى الطريق الواحد وجوباً وفرضاً، وسمّي
الثاني ندباً، والثالث حظراً، والرابع كراهة، والخامس إباحة، وخلق الملك الموكل بالقلب
يحفظه عن أمر الله بذلك، وعين له من الطرق طريق الوجوب والندب، وجعل في مقابلته
شيطاناً أقعده إلى جانبه عن غير أمر الله المشروع حسداً منه لما رأى من اعتناء الله بهذه
النشأة الإنسانية دونه وشفوفه عليه، وعلم ما يفضي إليه من السعادة إذا قام بحق ما شرع له
من فعل وترك، وجعل مثل ذلك على طريق الحظر والكراهة سواء، وجعل على طريق
الإباحة شيطاناً لم يجعل هناك ملكاً في مقابلته، وجعل قوى النفس كلها وجبلتها مستفرغة
لذلك الطريق، وأمرها الله بحفظ ذاتها من ذلك الطريق من الشيطان، وجعل الله في هذه
النفس الإنسانية صفة القبول تقبل بها على كل من يقبل إليها، وقبل إحداث الشرائع من آدم
إلى زماننا إلى انقضاء الدنيا لم يكن ثم شيء ممّا ذكرناه من ملك حافظ وشيطان منازع
مناقض، بل كان الأمر كما يؤول إليه عند ارتفاع الشرائع من الله إلى عبده، ومن العبد إلى
الله من غير تحجير ولا حكم من هذه الأحكام، بل يتصرّف بحسب ما تعطيه إرادته
ومشيئته، ثم خلق الله لهذه النفس الإنسانية صفة المراقبة لمن يرد من هذه الطرق عليها،
وأوحى إليها إلهاماً أن بينه وبينها سفراء يأتون إليها من هذه الطرق ولا إقامة لهم عندها،
وقد أنشأنا ذواتهم من صورة رسالتهم حتى إذا رأيتهم علمت بالمشاهدة ما بعثهم الله به إليك
فتيقظ ولا تغفل عنهم فإنهم يمرّون بساحتك ولا يثبتون ويقول الحق قلت لهؤلاء السفرة:
إني أوجدت في هذا المرسل إليه صفتين: صفة سميتها الغفلة وصفة سميتها اليقظة
والانتباه، فإن وجدتموه متصفاً باليقظة فهو الغرض المقصود، وإن وجدتموه متصفاً بالغفلة
الفتوحات المكية ج٤ - م١٩

٢٩٠
في الأحوال / الباب الرابع والستون ومائتان في معرفة الخواطر
فأقرعوا عليه بابه فإنه يتيقظ فإن لم يتيقظ فإنكم لا تفوتونه، فإني جعلت له بصراً حديداً
يدرك به صورتكم فيعلم ما بعثتكم به، وإن لم يتيقظ لنقركم فاتركوه وتعالوا إلينا، وقد ملك
الله هذا الملك الموكل بالحفظ والقرين الملازم والنفس قوّة التصوّر والتشكل لما يرون،
فيشكلون أمثاله حتى كأنه هو وليس هو، وجعل هذه الأمثال في المرتبة الثانية فصاعداً في
المراتب لا قدم لهم في المرتبة الأولى، فالمرتبة الأولى لها الصدق ولا تخطئ، فلا تعمل
النفس بمقتضى ذلك الخاطر الأوّل فتخطئ ولا تكذب أبداً.
وأما التي على صورة الخواطر الأول فقد تصدق وتخطئ بحسب قوة التصوير وحفظ
أجزاء الصورة، وكذلك النظرة الأولى والحركة الأولى والسماع الأوّل، وكل أوّل فهو إلهيّ
صادق، فإذا أخطأ فليس بأوّل، وإنما ذلك حكم الصورة التي وجدت في المرتبة الثانية،
وأكثر مراقبة الأمور الأول لا يكون إلاَّ في أهل الزجر وقد رأيناه منهم وفي أهل الله خاصة،
فهو في أهل الله رتبة عاصمة وحافظة من الخطأ والكذب، وهو في الزاجر قوّة مراقبة وعلم
وشهود، واسم هذا الخاطر الأوّل عندهم الهاجس ونقر الخاطر والسبب الأوّل فما يمرّ من
هؤلاء السفرة الكرام البررة على هذه الطرق المعينة لهذا القلب يلقى من هو عليه من ملك
وشيطان ونفس فيأخذه من بادر إليه من هؤلاء بالتلقي، فإن أخذه الملك وهو ممّا يقتضي
وجود عمل سعادي أوحى إليه الملك في سرّه اعمل كذا وكذا، فيقول له الشيطان: لا تعمله
وأخره إلى وقت كذا طمعاً منه في أن لا يقع منه ما يؤدي إلى سعادته، وهو ما يجده الإنسان
من التردّد في فعل الخير وتركه، وفي فعل الشر وتركه، وكذلك إذا جاءه على طريق الإباحة،
فذلك التردّد في فعل المباح وتركه إنما هو بين النفس والشيطان لا بين الملك والشيطان، فإن
لمة الملك ولمة الشيطان المقابلة إنما تكون في الأربعة الطرق من الأحكام، وأما في المباح
فلمة الشيطان خاصة وما له منازع إلاَّ النفس، وإنما كان للنفس المباح دون غيره لأنها جبلت
على جلب المنافع ودفع المضار، والأمر أبداً يتقدّم النهي في لمة الملك والشيطان، فصاحب
الأمر في الشر هو الشيطان فله التقدم، وصاحب الأمر في الخير إنما هو الملك فله التقدم،
فلا يرد نهي إلاّ بعد أمر، ولا عكس في مثل هذا في هذه الحضرة، وأصله في الإنسان من آدم
عليه السلام، فإن الأمر تقدمه بسكنى الجنة والأكل منها حيث شاء، ثم نهاه عن قرب شجرة
مشار إليها أن تقربها، فوقع التحجير والنهي في قوله: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٥] لا
في الأكل، فما حجر عليه الأكل وإنما حجر عليه القرب منها الذي كان قد أطلقه في ﴿حَيْثُ
شِئْتُمَا﴾ فما أكلا منها حتى قربا منها فأخذا بالقرب لا بالأكل، وكان له بعد المؤاخذة الإلهيّة ما
أعطته خاصية تلك الشجرة لمن أكل من ثمرها من الخلد ﴿وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾ [سورة طه: الآية ١٢٠]
وكان ذريته فيه لما وقع منه ما وقع ثم أهبط للخلافة وحواء للنسل لأنها محل التكوين،
فخرجت الذرية بعد أن تاب الله عليه بكله وذريته فيه وأسعد الله الكل، فله النعيم في أي دار
كان منهم ما كان بعد عقوبة وآلام تقوم بهم دنيا وآخرة، فأما الدنيا فالكل لا بدّ من ألم أدناه
استهلال المولود حين ولادته صارخاً لما يجده عند المفارقة للرحم وسخانته فيضربه الهواء

٢٩١
في الأحوال/ الباب الرابع والستون ومائتان في معرفة الخواطر
عند خروجه من الرحم فيحسّ بالألم فيبكي، فإن مات فقد أخذ بحظه من البلاء، ثم يعيش
فلا بدّ له في الحياة الدنيا من الآلام فإن الحيوان مجبول على ذلك، فإذا نقل إلى البرزخ فلا بدّ
من ألم السؤال، فإذا بعث فلا بدّ له من ألم الخوف على نفسه أو على غيره، فإذا دخل الجنة
ارتفع ذلك عنه أعني حكم الآلام وصحبه النعيم دائماً، وإذا دخل النار صحبه الألم ما شاء
الله، فإذا نفذت مشيئته فيه بما كان من الآلام أعقبه فيها نعيماً بالعناية التي أدركته وهو في
صلب أبيه آدم لما تاب عليه ليأخذ حظه من الألم واللذة كما أخذ أبوه فله نصيب من توبة
أبيه، وبقيت أسماء الانتقام في حق من شاء الله من سوى هذا المسمّى إنساناً تحكم بحسب
حقائقها، فإن رحمته ما سبقت غضبه إلاَّ في هذه النشأة الإنسانية، وأما ما عداها فمن كون
رحمته ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] لا من السبق، فللإنسان دون غيره الرحمة
الواسعة والرحمة السابقة فتطلبه الرحمة من وجهين، وليس لغير الإنسان هذا الحكم من
الرحمة فهي أشد عناية بالإنسان منها بغيره.
ثم نرجع إلى ما كنا بصدده من معرفة الخواطر فنقول: وبعد أن أعلمتك بحقائقها
فتختلف آثارها في النفس باختلاف من يتعرض لها في طريقها، فإن لم يتعرض لها أحد ممّن
ذكرنا فذلك خاطر العلم لا يكون خاطر عمل ألبتة وهو الخاطر الرباني، وخواطر الأعمال
والتروك تكون ملكية وشيطانية ونفسية لا غير ذلك ﴿كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ
يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [سورة النساء: الآية ٧٨] فأحرى قديماً ﴿فَمَمَهَا فُورَهَا﴾ عملاً أو تركاً لمجيئه على يد
شيطان ﴿ وَتَقْوَنهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٨] عملاً أو تركاً لمجيئه على يد ملك، فمن راقب
خواطره من طرقها فقد أفلح فإنه يعلم من يأخذها، ومن يتعرض إليها من القاعدين لها كل
مرصد، ومن غفل عن طرقها وما شعر بها حتى وجدها في المحل كما تجدها العامة عمل
بمقتضاها وهو عمل الجاهل بالشيء، فإن كان خيراً فبحكم المصادفة، وإن كان شراً فكذلك،
لأن الخاطر الأوّل الذي أتاه بالعلم بمن يأتي بعده من الخواطر وعلى يد من يأتيه لم يشعر به
ولا علمه ولا شاهده ففاته حكمه، فلما فجئته هذه الخواطر العملية على حين غفلة وعدم تيقظ
ومراقبة لطرقها عمل بمقتضاها فكان خيره وشره مصادفة.
ورأيت ابن الحجازي المحتسب بمدينة فاس ولم يكن صاحب علم بالشريعة يوفقه الله
الإصابة الحكم وأعرف من صلاحه أنه ما فاتته تكبيرة الإحرام خلف الإمام في الصلوات كلها
بجامع القرويين إلى أن مات، فكانت أحكامه في حسبته تجري على السداد إلهاماً من الله فكان
يقول: إني لأعجب من أمري ما اشتغلت بعلم أحكام الشريعة وأوافق حكم الشرع في جميع
أحكامي، ولم يقدر أحد من علماء الشريعة يأخذ عليه في حكم لم يقل به مجتهد، هذا وحده
رأيته من عامة الناس معتنى به ولم يكن من أهل الطريق بل كان حريصاً على الدنيا مكباً عليها
كسائر عامّة الناس، لكن كان منوّر الباطن ولا يشعر بذلك، والخواطر كلها خطابات إلهية ما
هي تجليات، ولهذا ينشئها الله صوراً تحدث في العماء الذي هو النفس الإلهيّ، فمن شهدها
ولا يرزقه الله علماً بما ذكرناه يتخيل أن الخواطر تجلّ إلهيّ لما يرى من الصورة، وهذا هو

٢٩٢
في الأحوال / الباب الخامس والستون ومائتان في معرفة الوارد
السبب في تسميتها خواطر وأنها لا تثبت كما لا تثبت صورة الحرف في الوجود بعد نطق
اللسان به فما له سوى زمان النطق به ثم ينعدم ويبقى فى فهم السامع مثال صورته، فيتخيل أن
الخاطر باق كما تخيل ذو النون في قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٢] فقال: كأنه
الآن في أذني فما ذلك هو الكلام الذي سمع وإنما ذلك الباقي ممّا أخذ الفهم من صورة
الكلام فثبت في النفس، والقليل من أهل الله من يفرق بين الصورتين.
ولما كانت الخواطر من الخطاب الإلهيّ لذلك دعا من دعا من أهل الله الخلق إلى الله
على بصيرة، فإن الدعاء على بصيرة لا يكون إلاّ بالتعريف الإلهيّ، والتعريف الإلهيّ لا يكون
إلاَّ كلاماً لا غير ذلك ليرتفع الإشكال، ولو كان التكوين عن غير كلمة ﴿كُنْ﴾ لم يكن له ذلك
الإسراع في قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ بفاء التعقيب وهي جواب الأمر، لأن الذي يكون كان على
بصيرة لأنه خطاب، فلو كان غير خطاب لم يكن له هذا الحكم، ولكن أين النفوس المراقبة
العالمة المحسّة التي تعرف الأمر على ما هو عليه، وغاية الناظر في هذا الأمر أن يجعل ما هو
خطاب حق في النفس أن ذلك المعبر عنه بالعلم الضروري خلقه الله في محل هذا الشخص لا
غير، وصاحب الكشف الصحيح يدري أن الله ما خلق له العلم الضروري بالأمر إلاَّ بعد
إسماعه إياه كلامه، فيعلم عند ذلك ما أراد الحق بذلك الخطاب، فذلك العلم هو العلم
الضروري ولكن ما يشعر به إلاَّ أهل الشعور من أصحاب الأسرار الإلهيّة من أهل الله، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخامس والستون ومائتان
في معرفة الوارد
[نظم: المتقارب]
تَعَشُّقَ شَفْعِيَ بالواحدِ
تعشَّفْتُ بالصادر الواردِ
سراعاً لتَخْفَى على الرَّاصدِ
وأسماؤه كلُّها واردٌ
إلى كل قلبٍ لها قاصِدٍ
وتعطي بآثارها همَّةً
الوارد عند القوم وعندنا ما يرد على القلب من كل اسم إلهيّ، فالكلام عليه بما هو وارد
لا بما ورد، فقد يرد بصحو وبسكر وبقبض وببسط وبهيبة وبأنس وبأمور لا تحصى وكلها
واردات، غير أن القوم اصطلحوا على أن يسمّوا الوارد ما ذكرناه من الخواطر المحمودة،
فاعلم يا أخي أن الوارد بما هو وارد لا يتقيد بحدوث ولا قدم، فإن الله قد وصف نفسه مع
قدمه بالإتيان، والورود إتيان، والوارد قد تختلف أحواله في الإتيان، فقد يرد فجأة كالهجوم
والبواده، وقد يرد غير فجأة عن شعور من الوارد عليه بعلامات وقرائن أحوال تدل على ورود
أمر معين يطلبه استعداد المحل، وكل وارد إلهيّ لا يأتي إلاَّ بفائدة، وما ثم وارد إلهي كونياً
كان أو غير كوني، والفائدة التي تعمّ كل وارد ما يحصل عند الوارد عليه من العلم من ذلك
الورود ولا يشترط فيه ما يسرّه ولا ما يسوءه فإن ذلك ما هو حكم الوارد، وإنما حكم الوارد

٢٩٣
في الأحوال/ الباب السادس والستون ومائتان في معرفة الشاهد
ما حصل من العلم وما وراء ذلك، فمن حيث ما ورد به لا من حيث نفسه، فيأتي الله يوم
القيامة للفصل والقضاء بين الناس، فمن الناس من يقضى له بما فيه سعادته، ومن الناس من
يقضى له بما فيه شقاوته، والإتيان واحد والقضاء واحد، والمقضى به مختلف.
والوارد لا يخلو إما أن يكون متصفاً بالصدور في حال وروده فيكون وارداً من حيث من
ورد عليه صادراً من حيث من صدر عنه، فلا بدّ أن يكون هذا الوارد محدثاً من الله، وإن لم
يتصف بالصدور في حال وروده فإنه وارد قديم، والورود نسبة تحدث له عند العبد الوارد
عليه، فالواحد صادر وارد، والآخر وارد لا غير، وما ثم قديم يرد غير الأسماء الإلهية، فإن
وردت من حيث العين فلا تختلف في الورود، وإن وردت من حيث الحكم فتختلف باختلاف
الأحكام فإنها مختلفة الحقائق إلاَّ ما تكون عليه من دلالتها على العين فلا تختلف، وسواء كان
الوارد قديماً أو محدثاً، فإن الذي ورد به لا بدّ أن يكون محدثاً، وهو الذي يبقى عند الوارد
عليه، وينصرف الوارد ولا بدّ من انصرافه، وسبب ذلك بقاء الحرمة عليه فإنه لا بدّ من وارد
آخر يرد عليه، فلا بدّ من القبول عليه من هذا الشخص والإعراض عمّن يكون هناك، فيقع
عدم وفاء باحترام الوارد الأوّل، فلهذا يرحل بعد أداء ما ورد به، فإذا ورد الوارد الثاني وجده
مفرغاً له فاستقبله وما ثم خاطر يجذبه عنه بتعلقه به، فكل وارد يصدر عنه بحرمته وحشمته
فيثني عليه خيراً عند الله فيكون ذلك الثناء سعادته، والواردات على الحقيقة إذا كانت محدثة
فما هي سوى عين الأنفاس، والذي ترد به من الأمور والأحكام هي التي تعرفها أهل الطريق
بالواردات، فإن الأنفاس هي الحاملة لصور هذه الواردات، فليست الواردات المحدثة فإنها
بأنفسها بل هي صور الأنفاس، فتختلف صورها باختلاف أحكام الأسماء الإلهيّة فيها، فالوارد
لها كالتحيّز للعرض بحكم التبعية للجوهر فيه، فالجوهر هو المتحيز لا العرض، كذلك النفس
هو الوارد لا الصورة، والفائدة في الصورة كالرسالة في الرسول، فوارد بعلم ووارد بعمل،
ووارد جامع لهما، ووارد بحال، ووارد بعلم وحال، ووارد بعمل وحال، ووارد بعلم وعمل
وحال، وذلك كوارد الصحو والسكر وأمثاله وهو أقوى الواردات، وإذا كان الوارد غير
محدث فهو المعبر عنه بارتفاع الوسائط بين الله وبين عبده، فهو تجلّ من الوجه الخاص الذي
لكل مخلوق، فما ينقال ما يعطيه ولا ما يحصل له فيه، وقليل من أهل الله من يكون له ذلك
وليس في الواردات مثله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والستون ومائتان
في معرفة الشاهد وهو بقاء صورة المشاهد في نفس المشاهد
اسم فاعل، فصورة المشهود في القلب هي عين الشاهد وبه يقع النعيم للمشاهد:
[نظم: المتقارب]
تَحْصِيلُ شَاهِدِها في القُلوبُ
مُشَاهدةُ الحقِّ من علمنا
موفّقَةً خلف ستر الغُيوب
فيُذْركها بعيون الحِجَى

٢٩٤
في الأحوال/ الباب السادس والستون ومائتان في معرفة الشاهد
على شَمْسه في مَهَبُ الجَنوب
ويطلعه بَذْرُ [ما] تمَّ عُلاً
ولما كان الشاهد حصول صورة المشهود في النفس عند الشهود فيعطي خلاف ما تعطيه
الرؤية فإن الرؤية لا يتقدمها علم بالمرئي والشهود يتقدمه علم بالمشهود وهو المسمّى
بالعقائد، ولهذا يقع الإقرار والإنكار في الشهود، ولا يكون في الرؤية إلاَّ الإقرار ليس فيها
إنكار، وإنما سمّى شاهداً لأنه يشهد له ما رآه بصحة ما اعتقده، فكل مشاهدة رؤية وما كل
رؤية مشاهدة ولكن لا يعلمون، فما يرى الحق إلاّ الكمَّل من الرجال ويشهده كل أحد ولا
يكون عن الرؤية شاهد، وقال الله تعالى في إثبات الشاهد: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَبَتْلُوهُ
شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٧] وفي هذه الآية وجوه كلها مقصوده لله، فيكون العبد على
كشف من الله لما يريده به أو منه، وذلك لا يكون له إلاَّ بإخبار إلهيّ وإعلام بالشيء قبل
وقوعه وهو قول الصديق: ((مَا رَأَيْتُ شَيْئاً إِلَّ رَأَيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ)) ثم إنّ ذلك الأمر لا يكون له عين
إلاَّ من اسم إلهيّ يكون له إثر ذلك الاسم، فيقوم الاسم في قلب العبد ويحضر فيه فيشهده
العبد ثم يرى ظهور ذلك الأثر ووجوده في نفسه أو في الآفاق الذي تقدم له به الإعلام
الإلهي، فيسمّى ذلك الاسم شاهداً حيث شهده هذا العبد متعلق ذلك الأثر المعلوم عنده،
وهذا لا يكون إلاَّ للكمل من الرجال، فهم أصحاب شهود في كل أثر يشهدون لهم به بعد
العلم به الإلهيّ على طريق الخبر، وإنما قلنا في الوجوه أنها مقصودة لله فليس يتحكم على الله
ولكنه أمر محقق عن الله، وذلك أن الآية المتلفظ بها من كلام الله بأي وجه كان من قرآن أو
كتاب منزّل أو صحيفة أو خبر إلهيّ، فهي آية على ما تحمله تلك اللفظة من جميع الوجوه أي
علامة عليها مقصودة لمن أنزلها بتلك اللفظة الحاوية في ذلك اللسان على تلك الوجوه، فإن
منزلها عالم بتلك الوجوه كلها، وعالم بأن عباده متفاوتون في النظر فيها، وأنه ما كلفهم من
خطابه سوى ما فهموا عنه فيه، فكل من فهم من الآية وجهاً فذلك الوجه هو مقصود بهذه
الآية في حق هذا الواجد له، وليس يوجد هذا في غير كلام الله وإن احتمله اللفظ فإنه قد لا
يكون مقصوداً للمتكلم به، لعلمنا بقصور علمه عن الإحاطة بما في تلك اللفظة من الوجوه،
فإن كان من أهل الله الذين يقولون ما في الوجود متكلم إلاَّ الله وهم أهل السماع المطلق منه
فتكون تلك الوجوه كلها مقصودة لأن المتكلم الله والشخص المقول على لسانه تلك الكلمة
مترجم كما قال على لسان عبده في الصلاة: سمع الله لمن حمده، فالمتكلم هنا هو الله
والمترجم العبد، ولهذا كان كل مفسر فسّر القرآن ولم يخرج عمّا يحتمله اللفظ فهو مفسر،
ومن فسّره برأيه فقد كفر، كذا ورد في حديث الترمذي، ولا يكون برأيه إلاَّ حتى يكون ذلك
الوجه لا يعلمه أهل ذلك اللسان في تلك اللفظة ولا اصطلحوا على وضعها بإزائه، وهنا إشارة
نبوية في قوله: ((فَقَدْ كَفَرَ)) ولم يقل أخطأ فإن الكفر الستر، ومن لا يرى متكلماً إلاَّ الله من
أهل الله، وقد جعل هذا التفسير لهذه الآية مضافاً إلى رأيه فقد ستر الله عن بعض عباده في هذا
الوجه مع كونه حقاً لإضافته إلى رأي المفسر، لأن أهل اللسان ما اصطلحوا على وضع ذلك
اللفظ بإزاء ذلك الوجه ولا استعاروه له لا بدّ من هذا الشرط والمتكلم الله به وبالوجه،

٢٩٥
في الأحوال / الباب السابع والستون ومائتان في معرفة النفس
والإصابة حق إذا أضيفت إلى الحق، فلذلك قال عليه السلام: ((فَقَدْ كَفَرَ)) ولم يقل أخطأ ولله
أن يستر ما شاء، وإضافة الخطأ إليه محال فإنه لا يقبله لإحاطة علمه بكل معلوم، ويكفي هذا
القدر في معرفة الشاهد عند القوم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السابع والستون ومائتان
في معرفة النفس بسكون الفاء وهو عندهم ما كان
معلولاً من أوصاف العبد وهو المصطلح عليه في الغالب
[نظم: مخلع البسيط]
فكلُ سرِّ منها يَبينْ
النفسُ من عالم البَرَازِخْ
وكلُّ صَغْبِ بها يَهُونْ
مَقامُها في العلوم شامِخْ
يُمدُّه روحُه الأمينْ
وروحُها في العَماء راسخْ
وسرُّه في الوَرَى دفينْ
مَنْسُوخُها بالنكاح ناسخ
سُبْحانَه ما يَشَا يكونْ
سامي العُلَى مجدُها وباذِخْ
اعلم أنه لما كان الغالب في اصطلاح القوم بالنفس أنه المعلول من أوصاف العبد
اقتصرنا على الكلام فيه خاصة في هذا الباب فإنهم قد يطلقون النفس على اللطيفة الإنسانية،
وسنومئ في هذا الباب إن شاء الله إلى النفس ولكن بما هي علة لهذا المعلول. فاعلم أن لفظة
النفس في اصطلاح القوم على الوجهين من عالم البرازخ حتى النفس الكلية، لأن البرزخ لا
يكون برزخاً إلا حتى يكون ذا وجهين لمن هو برزخ بينهما ولا موجود إلاّ الله، وقد جعل
ظهور الأشياء عند الأسباب فلا يتمكن وجود المسبب إلاَّ بالسبب، فلكل موجود عند سبب
وجه إلى سببه ووجه إلى الله فهو برزخ بين السبب وبين الله، فأوّل البرازخ في الأعيان وجود
النفس الكلية فإنها وجدت عن العقل والموجد الله فلها وجه إلى سببها ولها وجه إلى الله فهي
أوّل برزخ ظهر، فإذا علمت هذا فالنفس التي هي لطيفة العبد المدبرة هذا الجسم لم يظهر لها
عين إلا عند تسوية هذا الجسد وتعديله، فحينئذ نفخ فيه الحق من روحه فظهرت النفس بين
النفخ الإلهيّ والجسد المسوّى، ولهذا كان المزاج يؤثر فيها وتفاضلت النفوس فإنه من حيث
النفخ الإلهيّ لا تفاضل وإنما التفاضل في القوابل، فلها وجه إلى الطبيعة ووجه إلى الروح
الإلهيّ فجعلناها من عالم البرازخ، وكذلك المعلول من أوصاف العبد من عالم البرازخ فإنه
من جهة النفس مذموم عند القوم وأكثر العلماء، ومن كونه مضافاً إلى الله من حيث هو فعله
محمود، فكان من عالم البرازخ بين الحمد والذم لا من حيث السبب، بل الذم فيه من حيث
السبب لاعينه، فكل وصف يكون لنفس العبد لا يكون الحق للنفس في ذلك الوصف مشهوداً
عند وجود عينه فهو معلول فلذلك قيل فيه أنه نفس أي ما شهد فيه سوى نفسه، وما رآه من
الحق كما يراه بعضهم فيكون الحق مشهوداً له فيه، وكذلك إذا ظهر عليه هذا الوصف لعلة
كونية لا تعلّق لها بالله في شهودها ولا خطر عندها نسبة ذلك إلى الله فهو معلول لتلك العلة

٢٩٦
في الأحوال / الباب الثامن والستون ومائتان في معرفة الروح
الكونية التي حركت هذا العبد لقيام هذا الوصف به، كمن يقوم مريد العرض من إعراض الدنيا
لا يحركه قولاً أو فعلاً إلاَّ ذلك الغرض، وحبّه لا يخطر له جانب الحق في ذلك بخاطر
فيقال: هذه حركة معلولة أي ليس لله فيها مدخل في شهودك كما قال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ
الذُّنْيَا﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٧] يعني فداء أسارى بدر، فأرسل الخطاب عامّاً في اعراض الدنيا
﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٧] فالعرض القريب هو السبب الظاهر الأوّل الذي لا
تعرف العامة مشهوداً سواه، والأمر الأخروي غيب عنها وعن أصحاب الغفلة لأنه مشهود بعين
الإيمان، وقد يغيب الإنسان في وقت عن معرفة كونه مؤمناً لشغله بشهود أمر آخر لغفلته، ولو
مات على تلك الحالة لمات مؤمناً بلا شك مع غفلته، فإن الغافل من إذا استحضر حضر
والجاهل ليس كذلك لا يحضر إذا استحضر فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثامن والستون ومائتان
في معرفة الروح وهو الملقي إلى القلب علم الغيب على وجه مخصوص
[نظم: البسيط]
والحكمُ يثبتُ بين النَّهي والأمْرِ
الروحُ روحان روحُ الياء والأمْرِ
أن الكوائنَ بين السرِّ والجَهْرِ
وما سواهُ فأخبارٌ منَبِئةً
عِنايةُ حالهِ مِن قَبْضةِ الأَسْرِ
وعالمُ البَرْزَخِ الأعلى يُخَلْصه
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] وقال: ﴿يُلْقِى
الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ [سورة غافر: الآية ١٥] وقال: ﴿نَزَّلَ بِهِ الزُُّعُ الْأَمِينُّ عَلَى قَلِكَ
لِتَُّونَ مِنَ اُلْمُنْذِرِينَ ﴾ [سورة الشعراء: الآية ١٩٣و١٩٤] فذكر الإنذار، وهكذا في قوله: ﴿يُلِّقِى الرُّوحَ مِنْ
أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِيُذِرَ﴾ وكذلك: ﴿يُِّلُ الْمَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ
عِبَادِهِةٍ أَنْ أَنْذِرُواْ﴾ [سورة النحل: الآية ٢] فما جاء إلاَّ بالإعلام، وفيه ضرب من الزجر حيث ساق
الإعلام بلفظة الإنزال فهو إعلام بزجر فإنه البشير النذير، والبشارة لا تكون إلاَّ عن إعلام،
فغلب في الإنزال الروحاني باب الزجر والخوف لما قام بالنفوس من الطمأنينة الموجبة إرسال
الرسل ليعلموهم أنهم عن الدنيا إلى الآخرة منقلبون وإلى الله من نفوسهم راجعون .
وأما قولنا روح الياء فأردنا قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩] بياء
الإضافة إلى نفسه ينبهه على مقام التشريف أي إنك شريف الأصل فلا تفعل إلاَّ بحسب أصلك
لا تفعل فعل الأراذل، وروح الأمر قوله: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحّ﴾ أي من أين ظهر فقيل له:
﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٥] فما كان سؤالاً عن الماهية كما زعم بعضهم
فإنهم ما قالوا ما الروح وإن كان السؤال بهذه الصيغة محتملاً، ولكن قوى الوجه الذي ذهبنا
إليه في السؤال ما جاء في الجواب من قوله: ﴿مِنْ أَمْرٍ رَبِ﴾ ولم يقل هو كذا فعلوم الغيب
تنزل بها الأرواح على قلوب العباد، فمن عرفهم تلقاهم بالأدب وأخذ منهم بالأدب، ومن لم
يعرفهم أخذ علم الغيب ولا يدري ممّن كالكهنة وأهل الزجر وأصحاب الخواطر، وأهل الإلهام

٢٩٧
في الأحوال / الباب الثامن والستون ومائتان في معرفة الروح
يجدون العلم بذلك في قلوبهم ولا يعرفون من جاءهم به، وأهل الله يشاهدون تنزل الأرواح
على قلوبهم ولا يرون الملك النازل إلاَّ أن يكون المنزل عليه نبياً أو رسولاً، فالوليّ يشهد
الملائكة ولكن لا يشهدها ملقية عليه، أو يشهدون الإلقاء ويعلمون أنه من الملك من غير
شهود، فلا يجمع بين رؤية الملك والإلقاء منه إليه إلاَّ نبيّ أو رسول، وبهذا يفترق عند القوم
ويتميز النبيّ من الوليّ أعني النبيّ صاحب الشرع المنزّل، وقد أغلق الله باب التنزّل بالأحكام
المشروعة، وما أغلق باب التنزّل بالعلم بها على قلوب أوليائه، وأبقى لهم التنزّل الروحاني
بالعلم بها ليكونوا على بصيرة في دعائهم إلى الله بها كما كان من اتبعوه وهو الرسول ولذلك
قال: ﴿أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِى﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٨] فهو أخذ لا يتطرق إليه
تهمة عندهم، ولهذا قال القشيريّ في الثناء على علم أهل الله: ما ظنّك بعلم علم العلماء
فيه تهمة لأن غيرهم من العلماء ما هم على بصيرة لا في الفروع ولا في الأصول، أما في
الفروع فللاحتمال في التأويل، وأما في الأصول فلما يتطرّق إلى الناظر صاحب الدليل إلى
دليله من الدخل عليه فيه والشبه من نفسه أو من نفس غيره فيتهم دليله لهذا الدخل وقد كان
يقطع به، وأهل البصائر من الله لا يتصفون بهذا في علمهم، وذلك العلم هو حق اليقين أي
حق استقراره في القلب أن لا يزلزله شيء عن مقرّه، وهذا القدر كاف في علم الروح
الملقى .
وأما كيفية الإلقاء فموقوفة على الذوق وهو الحال ولكن أعلمك أنه بالمناسبة لا بدّ أن
يكون قلب الملقى إليه مستعداً لما يلقى إليه، ولولاه ما كان القبول وليس الاستعداد في القبول
وإنما ذلك اختصاص إلهيّ، نعم قد تكون النفوس تمشي على الطريق الموصلة إلى الباب
الذي يكون منه إذا فتح هذا الإلقاء الخاص وغيره، فإذا وصلوا إلى هذا الباب وقفوا حتى يروا
بماذا يفتح في حقهم، فإذا فتح خرج الأمر واحد العين وقبله من خلف الباب بقدر استعدادهم
الذي لا تعمل لهم فيه، بل اختصّ الله كل واحد باستعداد، وهناك تتميز الطوائف والأتباع من
غير الأتباع والأنبياء من الرسل والرسل من الأتباع المسمّين في العرف أولياء، فيتخيل من لا
علم له أن سلوكهم إلى الباب سبب به وقعٍ الكسب لما حصل لهم عند الفتح ولو كان ذلك
التساوي الكل وما تساوى، فما كان ذلك إلاّ بالاستعداد الذي هو غير مكتسب، ومن هنا أخطأ
من قال باكتساب النبوّة من النظار، ولا يقول باكتسابها إلاَّ من يرى أنها ليست من الله، وإنما
هي فيض من العقل والأرواح العلوية على بعض النفوس المنعوتة بالصفاء والتخلص من
أسباب الطبيعة، فانتقش فيها صور ما في العالم لصفائها وصفاؤها مكتسب فما حصله صفاؤها
فهو مكتسب وهذا غلط بل الصفاء صحيح، ونقش صور ما في العالم صحيح في نفس من لها
هذه الصفة من الاطلاع، وكون هذا الشخص دون غيره من أهل الصفاء مثله رسولاً ونبياً
وصاحب تشريع دون غيره اختصاص إلهيّ ينقشه في نفسه ما في صور العالم، فإن اللوح
المحفوظ هو العام لما ذكرناه، ففيه منقوش صورة الرسول ورسالته، وصورة النبي ونبوته،
وصورة الوليّ وولايته، فإذا صفت النفس وانتقش فيها ما في اللوح لم يلزم أن يكون رسولاً

٢٩٨
في الأحوال / الباب التاسع والستون ومائتان في معرفة علم اليقين
بل انتقش فيها من يكون رسولاً وتميزت الأشياء عندها، وهذا خلاف ما توهموه ممّا يحصل
بصفاء النفوس، فانتقشت فيها المراتب وأصحابها علواً وسفلاً.
وأما حكم الاستعداد الذي يقبل الإلقاء بالمناسبة التي هي الحبل الإلهيّ الحاصل في
القلب الموجود بالاستعداد إذا اتصل بحضرة الحق نزل الإلقاء عليه وهو الطريق فيتنوّر القلب
بما حصل فيه من علم الغيب ولا سيما إذا كان من العلم بالله الذي لا تعلق له بالكون کالعلم
بأنه ﴿غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] وبتنزيهه عن الأوصاف وب﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] ومثال الاستعداد والتنزّل والحبل المتصل مثل الفتيلة إذا بقي
فيها النار خرج من ذلك النار شبه دخان يطلب الصعود بطبعه إلى فوق ويكون هناك سراج
موقد فيضع الفتيلة الخارج منها الدخان تحت السراج وعلى سمته بحيث يتصل ذلك الدخان
بسرعة فيتصل برأس الفتيلة فتتقد الفتيلة فتظهر صورة السراج المنير الذي منه نزل النور إليها،
وينظر هل انتقص من السراج شيء أو هل حلّ منه فيه شيء؟ فلا تجد مع وجود الصورة كأنه
هو، فمن علم سرّ هذا علم معنى قوله: ((إن الله خَلَقَ آدَم عَلى صُورَته))، وعلم أن الاستعداد
إذا كان على المقابلة وصحة المناسبة وتعلّقت الهمة الخاصة به أنه ينزل عليه بحسب ذلك
ويكون النور الحاصل في الفتيلة في العظم الجرمي والصغر بحسب كبر جرمها وصغره،
وتكون إضاءته بحسب صفائها وصفاء دهنها، وتكون إقامته فيها بحسب كثرة دهنها وقلته فإنه
الممد لبقائه، فإن فهمت ما قلناه في هذا التشبيه فقد علمت علماً لا يعلمه إلاَّ العلماء بالله،
وتحققت إلقاء الروح على القلب علم الغيب كيف يكون وأي قلب يقبل ذلك وما يكون عليه
من الصفات، وتعلم أن همة الأدنى تؤثر في الأعلى إذا تعلّقت به، كما وقع الجواب من الله
للعبد إذا دعاه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب التاسع والستون ومائتان
في معرفة علم اليقين وهو ما أعطاه الدليل الذي لا يقبل الدخل ولا الشبهة،
ومعرفة عين اليقين وهو ما أعطته المشاهدة والكشف ومعرفة حق اليقين
وهو ما حصل في القلب من العلم بما أريد له ذلك الشهود
[نظم : الكامل]
تبدو دلائلُه على الأكْوَانِ
علمُ اليَقين بعَيْنه وبحَقِّهِ
ما قام تَوْحيدٌ على بُرْهانٍ
لولا وجودُ العَيْنِ في مَلَكُوتِهِ
في عالَم الأرواحِ والأبْدَانِ
فانظرْ إلى حقِّ اليقينِ وَعَيْنِه
في كل ما يَبْدو من الأغْيَانِ
تَجِدِ الذي عنه تَكَوَّن سرُّه
اعلم أيّدنا الله وإياك بروح منه أنا قد علمنا علماً يقيناً لا تدخله شبهة أن في العالم بيتاً
يسمّى الكعبة ببلدة تسمّى مكة لا يتمكن لأحد الجهل بهذا ولا أن يدخله شبهة ولا يقدح في دليله
دخل، فاستقرّ العلم بذلك فأضيف إلى اليقين الذي هو الاستقرار أن لله بيتاً يسمّى الكعبة بقرية

٢٩٩
في الأحوال / الباب التاسع والستون ومائتان في معرفة علم اليقين
تسمّى مكة تحج الناس إليه في كل سنة ويطوفون به، ثم شوهد هذا البيت عند الوصول إليه
بالعين المحسوسة، فاستقر عند النفس بطريق العين كيفيته وهيئته وحاله، فكان ذلك عين اليقين
الذي كان قبل الشهود علم يقين، وحصل في النفس برؤيته ما لم يكن عندها قبل رؤيته ذوقاً، ثم
فتح الله عين بصيرته في كون ذلك البيت مضافاً إلى الله مطافاً به مقصوداً دون غيره من البيوت
المضافة إلى الله، فعلم علة ذلك وسببه بإعلام الله لا بنظره واجتهاده، فكان علمه بذلك حقاً يقيناً
مقرراً عنده لا يتزلزل، فما كل حق له قرار، ولا كل علم ولا كل عين فلذلك صحّت الإضافة،
فلو كان علم اليقين وعينه وحقه نفس اليقين ما صحّت الإضافة، لأن الشيء الواحد لا يضاف
إلى نفسه، لأنّ الإضافة لا تكون إلاَّ بين مضاف ومضاف إليه فتطلب الكثرة حتى يصحّ وجودها،
ومن لم يفرق بين اليقين والعلم ويقول إن العلم هو اليقين، وقد ورد في كتاب الله مضافاً، احتاج
إلى طلب وجه في ذلك تصحّ له به الإضافة ليؤمن بما جاء من عند الله فقال: قد يكون المعنى
واحداً، ويدل عليه لفظان مختلفان، فيضاف أحد اللفظين إلى الآخر فإنهما غيران بلا شك في
الصورة مع أحدية المعنى، ولفظة العلم ما هي لفظة اليقين، فأضيف العلم إلى اليقين لهذا
التغاير، فصحّت الإضافة في الألفاظ لا في المعنى، وإنما احتال من احتال هذه الحيلة لقصور
فهمه عمّا تدل عليه الألفاظ في الموضوعات من المعاني، فلو علم ذلك لعلم أن مدلول لفظة
العلم غير مدلول لفظة اليقين، وإذا تقرّر هذا فقد علمت معنى علم اليقين وعينه وحقّه.
ثم بعد هذا فاعلم أن اليقين في هذه المسألة هو المطلوب، ولهذا أضيفت هذه الثلاثة إليه
وكان مدارها عليه، فمن ثبت له القرار عند الله في الله بالله مع الله فلا بدّ له من علامة على ذلك
تضاف إلى اليقين لأنها مخصوصة به ولا تكون علامة إلاَّ عليه فذلك هو علم اليقين، ولا بدّ من
شهود تلك العلامة وتعلّقها باليقين واختصاصها به فذلك هو عين اليقين، ولا بدّ من وجوب
حكمة في هذه العين وفي هذا العلم فلا يتصرّف العلم إلاَّ فيما يجب له التصرّف فيه، ولا تنظر
العين إلا فيما يجب لها النظر إليه وفيه، فذلك هو حق اليقين الذي أوجبه على العلم والعين.
وأما اليقين فهو كل ما ثبت واستقرّ ولم يتزلزل من أي نوع كان من حق وخلق فله علم
وعين وحق أي وجوب حكمه إلاَّ الذات الإلهية، فيقينها ما له سوى حق اليقين وصورة حقها
أي الوجوب علينا منها السكوت عنها وترك الخوض فيها لأنها لا تعلم، فما ثم علم يضاف
إلى اليقين ولا يشهد فلا تضاف العين إلى اليقين، ولها الحكم على العالم كله بترك الخوض
فيها فلها الحق فأضيف إليها فلا يضاف إلى اليقين إلاَّ ما يقبله، فإن كان ممّا تدل عليه علامة
أضيف إليه العلم، وإن لم يكن فلا يضاف إليه، وإن كان ممّا يشهد أضيفت إليه العين، وإن
لم يكن فلا تضاف إليه، وإن كان ممّن له في نفس الأمر حكم واجب على أحد من المخلوقين
حتى على نفسه مثل قوله تعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٤]
أضيف إليه الحق فقيل حق اليقين لوجوبه، وإن لم يكن شيء ممّا ذكرناه فلا يضاف إلى شيء
ممّا تقدم، فقد أعطيتك أمراً كلياً في هذه المسألة في كل متيقن، فلك النظر في حقيقة ذلك
اليقين وهذا القدر كاف، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى السفر الثامن عشر.

الفصل الرابع
في المنازل
[السفر التاسع عشر]
الباب السبعون ومائتان
في معرفة منزل القطب والإمامين من المناجاة المحمدية
[نظم: مخلع البسيط]
مَنْزِلةٌ ما لها عَلامَةْ
مَنْزِلَةُ القُطْب والإمَامَةْ
عن صِفَةِ السَّيْر والإقامَةْ
يَمْلكها واحدٌ تَعَالى
في أَيْمَن الخدّ منه شَامَهُ
يعلوه في لونه اصفرارٌ
أيَّده الله بالسلامَةْ
خَفِيَّةٌ مالها نُتُوٌّ
في عالَم الأمر في القيامَةْ
تَوَّجه الله بالمعالي
اعلم أيّدك الله بروح منه أن ممّن تحقق بهذا المنزل من الأنبياء صلوات الله عليهم
أربعة: محمد وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم السلام. ومن الأولياء اثنان وهما: الحسن
والحسين سبطا رسول الله و 38، وإن كان لمن عدا هؤلاء المذكورين منه شرب معلوم على
قدر مرتبته من الإمامة. فاعلم أن الأقطاب والصالحين إذا سمّوا بأسماء معلومة لا يدعون هناك
إلاَّ بالعبودية إلى الاسم الذي يتولاهم قال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ لَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [سورة الجن: الآية
١٩] فسمّاه عبد الله وإن كان أبوه قد سمّاه محمد أو أحمد، فالقطب أبداً مختص بهذا الاسم
الجامع فهو عبد الله هناك، ثم إنهم يفضل بعضهم بعضاً مع اجتماعهم في هذا الاسم الذي
يطلبه المقام، فيختص بعضهم باسم ما غير هذا الاسم من باقي الأسماء الإلهية فيضاف إليه
وينادى في غير مقام القطبية كموسى صلَّى الله عليه وسلّم اسمه عبد الشكور، وداود عليه
السلام اسمه الخاص به عبد الملك، ومحمد رَّ اسمه عبد الجامع، وما من قطب إلاَّ وله اسم
يخصه زائد على الاسم العام الذي له الذي هو عبد الله، سواء كان القطب نبياً في زمان النبوّة
المقطوع بها أو وليّاً في زمان شريعة محمد ول®، وكذلك الإمامان لكل واحد منهما اسم يخصّه
ينادى به كل إمام في وقته هناك، فالإمام الأيسر عبد الملك، والإمام الأيمن عبد ربه، وهما
للقطب الوزيران، فكان أبو بكر رضي الله عنه عبد الملك، وكان عمر رضي الله عنه عبد ربه في
زمان رسول الله - إلى أن مات ◌َ﴾ فسمّي أبو بكر عبد الله، وسمّي عمر عبد الملك، وسمّي
الإمام الذي ورث مقام عمر عبد ربه ولا يزال الأمر على ذلك إلى يوم القيامة .
وكان الحسن والحسين رضي الله عنهما أمكن الناس في هذا المقام من غيرهما ممّن
٣٠٠٠