النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
في الأحوال/ الباب الثالث والثلاثون ومائتان في الرغبة
وقته فليس بصاحب ذنب والغريب يشهده تاركاً للصلاة، ومن أعجب حكم الاصطلام الجمع
بين الضدين فإن الخدر ينفي الحركة فهو مخدور الجوارح بل هو محرّك يدار به وهو صاحب
خدر هكذا يحسّه من نفسه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الثالث والثلاثون ومائتان
في الرغبة
[نظم: المجتث]
من أجل ما يَقْتَضيهِ
رَغِبْتُ عنه وفيه
في كلِّ ما يَرْتّضيهِ
مَقَامُ من هُوَ مثلي
للكلٌ إذْ يَنْتَضِيهِ
الله سَيْفُ حُسَامِ
الرغبة في اصطلاح القوم على ثلاثة أنحاء: رغبة محلها النفس متعلقها الثواب، ورغبة
محلها القلب متعلقها الحقيقة، ورغبة محلها السرّ متعلقها الحق. فأما الرغبة النفسية فلا تكون
إلاَّ في العامة وفي الكمل من رجال الله لعلمهم بأن الإنسان مجموع أمور أنشأه الله عليها
طبيعية وروحانية وإلهية، فعلم أن فيه من يطلب ثواب ما وعد الله به فرغب فيه له إثباتاً للحكم
الإلهيّ. وأما العامّة فلا علم لها بذلك، فيشترك الكامل والعامي في صورة الرغبة، ويتميز في
الباعث كل واحد عن صاحبه، كالخوف يوم الفزع الأكبر يشترك فيه الرسل عليهم السلام وهم
أعلى الطوائف، والعوام وهم المذنبون والعصاة، فالرسل عليهم السلام خوفاً على أممها لا
على أنفسها فإنهم الآمنون في ذلك الموطن، والعامة تخاف على نفوسها فيشتركان في الخوف
ويفترقان في السبب الموجب له، كان بعض الكمل قد برّد ماء في الكوز ليشربه فنام فرأى في
الواقعة المبشرة حوراء من أحسن ما يكون من الحور العين قد أقبلت فقال لها: لمن أنت؟
فقالت: لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان ثم تناولت الكوز وهو ينظر إليها فكسرته
فكانت له فلما استيقظ وجد الكوز مكسوراً فترك خزفه في موضعه لم يرفعه حتى عفى عليه
التراب تذكرة له، فعلم أن فيه من يطلب ربه وفيه من يطلب تلك الجارية ولذلك استفهمها
فأعطى كل ذي حق حقه فلم يكن ظلوماً لنفسه، فإن من المصطفين من عباد الله من يكون
ظالماً لنفسه أي من أجل نفسه يظلم نفسه بأنه لا يوفيها حقها لنزوله في العلم عن رتبة من يعلم
أن حقائقه التي هو عليها لا تتداخل ولا تتعدّى كل حقيقة مرتبتها ولا تقبل إلاَّ ما يليق بها، فلا
تقبل العين إلاّ السهر والنوم وما يختص بها، ولا تقبل من الثواب إلاّ المشاهدة والرؤية،
والأذن لا تقبل في الثواب إلاّ الخطاب إذ ليس الشهود للسمع، والكامل يسعى لقواه على قدر
ما تطلبه وهو إمام ناصح لرعيته ليس بغاش لها، فإن ظلمها فإنما يظلمها لها في زعمه وذلك
لجهله بما علم غيره من ذلك كسلمان الفارسي وأخيه في الله أبي الدرداء في حالهما فرجح
رسول الله * سلمان فإنه كان يعطي كل ذي حق حقّه فيصوم ويفطر ويقوم وينام، وكان أبو
الدرداء مع كونه مصطفى ظالماً لنفسه يصوم فلا يفطر، ويقوم فلا ينام.
الفتوحات المكية ج٤ - م١٦

٢٤٢
في الأحوال / الباب الرابع والثلاثون ومائتان في الرهبة
وأما الرغبة القلبية فى الحقيقة فإن الحقيقة في الوجود التلوين والمتمكن في التلوين هو
صاحب التمكين ما هو المقابل للتلوين لأن الحقيقة تعطي أن يكون الأمر هكذا لأن الله كل
يوم في شأن فهو في التلوين، فهذا القلب يرغب في شهود هذه الحقيقة، وجعل الله محلها
القلب ليقرب على الإنسان تحصيلها لما في القلب من التقليب ولم يجعلها في العقل لما في
العقل من التقييد، فربما يرى أنه يثبت على حالة واحدة لو كانت هذه الرغبة في العقل بخلاف
كونها في القلب فإنه يسرع إليه التقليب فإنه بين أصابع الرحمن فلا يبقى على حالة واحدة في
نفس الأمر، فيثبت على تقليبه في أحواله بحسب شهوده وما يقلبه الأصابع فيه.
وأما الرغبة السرية التي متعلقها الحق فنعني بالحق هنا ما يظهر للخلق في الأعمال
المشروعة، فيرغب السرّ في هذا الحق لما يندرج في ذلك، أو يظهر به من المعارف الإلهيّة
التي تتضمنها الأحكام المشروعة ولا تكشف إلاّ بالعمل بها، فإن الظاهر أقوى من الباطن
حكماً أي هو أعمّ، لأن الظاهر له مقام الخلق والحق والباطن له مقام الحق بلا خلق، إذ الحق
لا يبطن عن نفسه وهو ظاهر لنفسه، فمن علم ذلك رغب سرّه في الحق، فإن الله ربط العالم
به وأخبر عن نفسه أن له نسبتين: نسبة إلى العالم بالأسماء الإلهية المثبتة أعيان العالم ونسبة
غناه عنه، فمن نسبة غناه عنه يعلم نفسه ولا نعلمه فلم يبطن عن نفسه، ومن نسبة ارتباط
العالم به للدلالة عليه علم أيضاً نفسه وعلمناه، فعمّ الظاهر النسبتين فكان أقوى في الحكم من
الباطن، فرغب السرّ في الحق لعلمه بأنه مدرك نسبة الغنى لا يدركها إلاَّ هو فقطع يأسه وأراح
نفسه وطلب ما ينبغي له أن يطلب، فنفخ في ضرم ولم يكن لحماً على وضم، جعلنا الله ممّن
رأى الحق حقاً فاتبعه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع والثلاثون ومائتان
في الرهبة
[نظم: البسيط]
الرَّهبةُ الخَوْفُ من سَبْقٍ وتَقْلیبٍ
ومن وعيدٍ لصدْقِ المُخبرِ الصَّادقِ
فالراهبُ الخائفُ المُسَارِعُ السَّابقُ
دلَّ الدليلُ عليه من مُضَايَفَةٍ
سَيْرَ المُرِيبِ وسَيْرَ الوالهِ العاشقِ
يَسيرُ في ظلمةٍ عَمْيَاءَ غاسِقَةٍ
يخافُ في سَيْره من فَجْأةِ الطَّارقِ
يَسْرِي بِهِمَّتِهِ خوفاً فتُبْصره
الرهبة عند القوم تقال بإزاء ثلاثة أوجه: رهبة من تحقيق الوعيد، ورهبة من تقليب
العلم، ورهبة من تحقيق أمر السبق. فالأوّل: إذا جاء الوعيد بطريق الخبر والخبر لا يدخله
النسخ فهو ثابت. والثاني: تقليب العلم ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٩].
والثالث: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ [سورة قى: الآية ٢٩] وأما الرهبة المطلقة من غير تقييد بأمر ما معين
فهي كل خوف يكون بالعبد حذراً أن لا يقوم بحدود ما شرع له، سواء كان حكماً مشروعاً
إلهياً أو حكماً حكمياً كما قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا﴾ [سورة الحديد: الآية ٢٧] أي هم

٢٤٣
في الأحوال / الباب الرابع والثلاثون ومائتان في الرهبة
شرعوها لأنفسهم ما أوجبناها عليهم ابتداء، فاعتبرها الحق وآخذهم بعدم مراعاتها، فما كتبها
الله عليهم إلاّ ابتغاء رضوان الله، فأثنى على المراعين لها ليحسن القصد والنية في ذلك، وفي
الكلام تقديم وتأخير كأنه يقول: فما رعوها حق رعايتها إلاَّ ابتغاء رضوان الله يعني المراعين
لها، وفي شرعنا من هذه الرهبانية من سنّ سنة حسنة وهذا هو عين الابتداع، ولما جمع
عمر بن الخطاب الناس على أبيّ في قيام رمضان قال: نعمت البدعة هذه فسمّاها بدعة
ومشت السنّة على ذلك إلى يومنا هذا، فلما اقترن بالأعمال المشروعة وجوب القيام بحقها
كالنذر خاف المكلف فقامت الرهبة به فأدته إلى مراعاة الحدود فسمّي راهباً وسمّيت الشريعة
رهبانية، ومدح الله الرهبان في كتابه، فمن الناس من علّق رهبته بالوعيد فخاف من نفوده
كالمعتزلي القائل بإيفاد الوعيد فيمن مات عن غير توبة .
فاعلم أن هنا نكتة أنبهك عليها وذلك أنه من المحال أن يأتي مؤمن بمعصية توعد الله
عليها فيفزع منها إلاَّ ويجد في نفسه الندم على ما وقع منه، وقد قال بَّهُ: ((النَّدَمُ تَوْبَةٌ)) وقد قام
به الندم فهو تائب فسقط حكم الوعيد لحصول الندم، فإنه لا بدّ للمؤمن أن يكره المخالفة ولا
يرضى بها وهو في حال عمله إياها فهو من كونه كارهاً لها مؤمن بأنها معصية ذو عمل صالح،
وهو من كونه فاعلاً لها ذو عمل سيىء فغايته أن يكون من الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر
سيئاً فقال تعالى عقيب هذا القول: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَّهِمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٢] وعسى من
الله واجبة ورجوعه عليهم إنما هو بالمغفرة ويرزقهم الندم عليها، والندم توبة فإذا ندموا
حصلت توبة الله عليه فهو ذو عمل صالح من ثلاثة أوجه: الإيمان بكونها معصية، وكراهته
لوقوعها منه، والندم عليها وهو ذو عمل سيىء من وجه واحد وهو ارتكابه إياها، ومع هذا
الندم فإن الرهبة تحكم عليه سواء كان عالماً بما قلناه أو غير عالم، فإنه يخاف وقوع مكروه
آخر منه، ولو مات على تلك التوبة فإن الرهبة لا تفارقه وينتقل تعلقها من نفوذ الوعيد إلى
العتاب الإلهيّ والتقرير عند السؤال على ما وقع منه فلا يزال مستشعراً وهو نوع من أنواع
الوعيد فإن الله يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَهُ ﴾ [سورة الزلزلة: الآية ٧، ٨] فلا بدّ أن يوقف عليه، فهو يرهب من هذا التوبيخ برؤية ذلك
العمل القبيح الذي لا بدّ له من رؤيته ولم يتعرّض الحق في هذه الآية للمؤاخذة به فالرؤية لا
بدّ منها، فإن كان ممّن غفر له يرى عظيم ما جنى وعظيم نعمة الله عليه بالمغفرة هذا يعطيه
الخبر الإلهيّ الصدق الذي لا يدخله الكذب فإنه محال على الجناب الإلهيّ، فإن نظر العالم
إلى أن خطاب الحق لعباده إنما يكون بحسب ما تواطؤوا عليه، وهذا خطاب عربي لسائر
العرب بلسان ما اصطلحوا عليه من الأمور التي يتمدحون بها في عرفهم، ومن الأمور التي
يذمونها في عرفهم، فعند العرب من مكارم الأخلاق أن الكريم إذا وعد وفا، وإذا أوعد تجاوز
وعفا، وهي من مكارم أخلاقهم وممّا يمدحون بها الكريم، ونزل الوعيد عليهم بما هو في
عرفهم لم يتعرض في ذلك لما تعطيه الأدلة العقلية من عدم النسخ لبعض الأخبار ولاستحالة
الكذب بل المقصود إتيان مكارم الأخلاق، قال شاعرهم: [الطويل]

٢٤٤
في الأحوال / الباب الرابع والثلاثون ومائتان في الرهبة
لمُخْلِفُ إيعادي ومُنْجِزُ مَوْعِدي
وإنى إذا أوْعَدتُه أو وَعَدْتُهُ
مدح نفسه بالعفو والتجاوز عمن جنى عليه بما أوعد على ذلك من العقوبة بالعفو
والصفح، ومدح نفسه بإنجاز ما وعد به من الخير، يقال في اللسان: وعدته في الخير والشر،
ولا يقال: أوعدته بالهمز إلاَّ في الشر خاصة والله يقول: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ
قَوْمِهِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٤] أي بما تواطأوا عليه، والتجاوز والعفو عند العرب ممّا تواطأوا
على الثناء به على من ظهر منه، فالله أولى بهذه الصفة، فقد عرفنا الله إن وعيده ينفذه فيمن
شاء ويغفر لمن شاء، ومع هذه الوجوه فلا يتمكن زوال الرهبة من قلب العبد من نفوذ الوعيد
لأنه لا يدري هل هو ممن يؤاخذ أو ممّن يعفى عنه؟ وقد قدمنا ما يجده المخالف عقيب
المخالفة من الندم على ما وقع منه وهو عين التوبة، فالحمد لله الذي جعل الندم توبة ووصف
نفسه تعالى بأنه التّاب الرحيم، أي الذي يرجع على عباده في كل مخالفة بالرحمة له فيرزقه
الندم عليها فيتوب العبد بتوبة الله عليه لقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ ليتوبوا﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النََّابُ
الرَّحِيمُ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٨].
وأما الرهبة الثانية التي هي لتحقيق تقليب العلم فيخاف من عدم علمه بعلم الله فيه هل
هو ممّن يستبدل أم لا؟ قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ يَسْتَّبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَّكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾
[سورة محمد: الآية ٣٨] فقد أعطى السبب وهو التولّي، وقد أعطى العلامة وهو عدم التولي عن
الذكر لا عن الله فإن التولّي عن الله لا يصحّ، ولهذا قال لنبيه: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا﴾
[سورة النجم: الآية ٢٩] كيف يتولّى عمّن هو بالمرصاد والكل في قبضته وبعينه. ولما كان مشهده
تقليب العلم بتقليب المعلوم فإن العلم يتعلق به بحسب بما هو عليه، فتغير التعلّق لتغيّر
المتعلق لا لتغيّر العلم، فرهبته من تقليب العلم عين رهبته ممّا يقع منه، فإن العلم لا حكم له
في التقليب على الحقيقة، وإنما التقليب لموجد عين الفعل الذي يوقع الرهبة في القلب وهو
كونه قادراً، ويتعلق العلم بذلك الانقلاب والمنقلب إليه، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾
[سورة محمد: الآية ٣١] أي إذا ظهر منكم عند الابتلاء بالتكليف ما يكون منكم من مخالفة أو
طاعة يتعلق العلم مني عند ذلك به كان ما كان وحضرة تقليب العلم قوله: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ
وَيُثْبِثٌ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٩] فذكر المحو بعد الكتابة ويثبت ما شاء ممّا كتبه ﴿وَعِندَهُ أُمّ
اٌلْكِتَبِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٩] وهي السابقة التي لا تتبدّل ولا تمحى، فلما علم عزّ وجلّ ما
يمحو من ذلك بعد كتابته وما يثبت أضيف التقليب إلى العلم، والتحقيق ما ذكرناه من تغيير
التعلّق وعدم التقليب في العلم.
وأما قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] فما
أراد هنا تعلّق علمه تعالى بأنهم يختانون أنفسهم وإنما المستقبل هنا بمعنى الماضي، فإن
اللسان العربي يجيء فيه المستقبل ببنية الماضي إذا كان متحققاً كقوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَ
تَسْتَعِْلُوهُ﴾ [سورة النحل: الآية ١] وشبهه، وقد كان الحق كلفهم قبل هذا التعريف أن لا يباشر
الصائم امرأته ليلة صومه، فمنهم من تعدّى حدّ الله في ذلك، فلما علم الله ذلك عفا عمّن وقع

٢٤٥
في الأحوال/ الباب الرابع والثلاثون ومائتان في الرهبة
منه ذلك وأحلّ له الجماع ليلة صومه إلاَّ أن يكون معتكفاً في المسجد فما خفف عنهم حتى
وقع منهم ذلك ومن من شأنه مثل هذا الواقع فإنه لا يزال يتوقع منه مثله فأبيح له رحمة به،
حتى إذا وقع منه ذلك كان حلالاً له ومباحاً وتزول عنه صفة الخيانة فإن الدين أمانة عند
المكلف .
وأما الرهبة لتحقيق أمر السبق فلقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ اُلْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ [سورة ق: الآية ٢٩]
وقوله: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾ [سورة يونس: الآية ٦٤] وإن كان يسوغ في هذه الآية أن كلمات
الله عبارة عن الموجودات كما قال في عيسى إنه كلمته ألقاها إلى مريم، فنفى أن يكون
للموجودات تبديل بل التبديل لله ولا سيما وظاهر الآية يدل على هذا التأويل وهو قوله:
﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلّينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ الَّهِ ﴾ [سورة الروم: الآية
٣٠] أي ليس لهم في ذلك تبديل، وهذه بشرى من الله بأن الله ما فطرنا إلاَّ على الإقرار
بربوبيته، فما يتبدّل ذلك الإقرار بما ظهر من الشرك بعد ذلك في بعض الناس لأن الله نفى
عنهم أن يكون لهم تبديل في ذلك بل هم على فطرتهم، وإليها يعود المشرك يوم القيامة عند
تبري الشركاء منهم، وإذا لم يضف التبديل إليهم فهي بشرى في حقّهم بمآلهم إلى الرحمة،
وإن سكنوا النار فبحكم كونها داراً لا كونها دار عذاب وآلام، بل يجعلهم الله على مزاج
ينعمون به في النار، بحيث لو دخلوا الجنة بذلك المزاج تألموا لعدم موافقة مزاجهم لما هي
عليه الجنة من الاعتدال، فمن حقّت عليه كلمة الله بأمر فإنه يعمل في غير معمل ويطمع في
غير مطمع، قال رسول الله وَ# فيمن يعمل بعمل أهل الجنة حتى يقرب منها بعمله فيما يبدو
للناس فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخل النار وكذلك الآخر ثم قال: ((وَإِنَّمَا
الأَعْمَالُ بالخَوَاتِيم)) فذكر في هذا الحديث لمن هي السابقة وأن الخاتمة هي عين حكم
السابقة، ولهذا كانَ بعضهم يقول: أنتم تخافون من الخاتمة وأنا أخاف السابقة، وإنما سميت
سابقة من أجل تقديمها على الخاتمة، فهذا معنى موجود لم يظهر حكمه إلاَّ بعد زمان، فهو
من بعض ما يمكن أن يستند إليه القائل بالكمون والظهور، ولا سيما والشارع قد نبّه عليه في
الحديث بقوله في عمل أهل النار أعمال السعداء فقال فيما يبدو للناس وكذلك في عمل أهل
الجنة أعمال الأشقياء فيما يبدو للناس والذي عندهم وهم فيه في بواطنهم خلاف ما يبدو
للناس فعلم الله ذلك منهم، فهذا معنى ما ظهر له حكم في الظاهر مع وجوده عندهم
والمراؤون من هذا القبيل، غير أن هنا بشرى فيما يذهب إليه، وذلك أن العلماء قد علموا أن
الحكم للسابق فإن اللاحق متأخر عنه، ولهذا السابق يحوز قصب السبق وقصب السبق هنا آدم
وذريته، وقد تجارى غضب الله ورحمته في هذا الشأو فسبقت رحمته غضبه فجازتنا، ثم لحق
الغضب فوجدنا في قبضة الرحمة قد حازتنا بالسبق فلم ينفذ للغضب فينا حكم التأبيد بل تلبس
بنا للمشاهدة بعض تلبس لما جمعنا مجلس واحد أثر فينا بقدر الاستعداد منا لذلك، فلما
انفصلت الرحمة من الغضب من ذلك المجلس أخذتنا الرحمة بحيازتها إيانا وفارقنا غضب
الله، فحكمه فينا أعني بني آدم غير مؤبّد وفي غيرنا من المخلوقين ما أدري ما حكمه فيهم من

٢٤٦
في الأحوال / الباب الخامس والثلاثون ومائتان في التواجد وهو استدعاء الوحد
الشياطين والله أعلم، وصاحب هذا الذوق ما يرهب السابقة فإن رحمة الله لا يخاف منها إلا
في دار التكليف، فرهبة السبق إنما متعلقها سبق مخصوص لا سبق الرحمة، وذلك السبق
عرضيّ ليس بدائم إذا كان سبق شقاوة لأنه ليس له أصل يعضده فإن أصله غضب الله وهو لا
حق لا سابق، وأما سبق السعادة فما هو عرضي فيزول لأن له أصلاً يعضده ويقوّيه وهو رحمة
الله التي سبقت غضبه، ولهذا السبق الجزئي العرضيّ السعادي يبقى والشقاوي لا يبقى فاعلم
ذلك. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخامس والثلاثون ومائتان
في التواجد وهو استدعاء الوجد
[نظم: البسيط]
ولا مَقَامٌ له حُكُمْ وسُلطانُ
إن التَّوَاجُدَ لا حالٌ فِتَحْمَدُه
وما له في طريقِ القَومِ ميزانُ
يُزري بصاحبه في كل طائفةٍ
والنَّقْصُ ما فيه في التَّحقيقَ رُجْحَانُ
بل ذمَّهُ القومُ لما كان مَنْقَصَةٌ
فإنه كلَّه زورٌ وبُهْتَانُ
وكلُّ ما هو فيه من يقوم بهِ
اعلم أن التواجد استدعاء الوجد لأنه تعمّل في تحصيل الوجد، فإن ظهر على صاحبه
بصورة الوجد فهو كاذب مراء منافق لا حظ له في الطريق، ولهذا لم تسلمه الطائفة إلاَّ لمن
أعلم الجماعة التي يكون فيها أنه متواجد لا صاحب وجد، ولا يسلم له ذلك إلاَّ إذا اتفق أن
يعطى الحال بقرينته أن يوافق أهل الوجد في حركاتهم عن إشارة من شيخ يكون له حكم في
الجماعة أو حرمة عندهم، فإن خرج عن هذه الشروط فلا يجوز له أن يقوم متواجداً ولا أن
يظهر عليه من ذلك أثر، وكل وجد يكون عن تواجد فليس بوجد، فإن من حقيقة الوجد أن
يأتي على القلب بغتة يفجأه وهو الهجوم على الحقيقة، فالوجد كسب فهو له والتواجد
تكسب، واكتساب الوجد عن التواجد اكتساب لا كسب، وهذه بشرى من الله حيث جعل
المخالفة اكتساباً والطاعة كسباً فقال لها يعني للنفس ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] فأوجبه
لها، وقال في الاكتساب: ﴿وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] فما أوجب لها إلاَّ الأخذ
بما اكتسبته، فالاكتساب ما هو حق لها فتستحقه فتستحق الكسب ولا تستحق الاكتساب،
والحق لا يعامل إلاّ بالاستحقاق، فالعفو من الله يحكم على الأخذ بالجريمة، فالتواجد الذي
عند أهل الله إظهار صورة وجد من غير وجد على طريق الموافقة لأهل الوجد مع تعريفه لمن
حضر أنه ليس بصاحب وجد لا بدّ من هذا ومع هذا الصدق فتركه أولى لأن مراعاة حق الله
أولى من مراعاة الخلق، إذ مراعاة الخلق إن لم تكن عن مراعاة أمر الحق بها وإلاَّ فهي
مداهنة، والمداهنة نعت مذموم لا ينبغي لأهل الله أن تتصف بشيء لا يكون للحق فيه أمر
بوجوب إن كان فعلاً، أو يكون لذلك الفعل نعت إلهيّ في النعوت فتستند إليه فيه ولو كان
مذموماً في الخلق فإنه محمود في جانب الحق لظهور الحق به لأمر يقتضيه الحكم، فمستنده

٢٤٧
في الأحوال / الباب الخامس والثلاثون ومائتان في التواجد وهو استدعاء الوجد
الإلهيّ قول نوح لقومه: ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [سورة هود: الآية ٣٨] وقول الله: ﴿إِنَّا
نَسِيِنَكُمْ﴾ [سورة السجدة: الآية ١٤] ﴿كَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [سورة الجاثية: الآية ٣٤] فوصف نفسه
بالنسيان، ويظهر حكم مثل هذا المقصود من ألحق به هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون؟
فموضع الاستشهاد من هذا الموافقة في الصورة فانسحب الاسم عليه في الجناب الإلهيّ كما
انسحب عليه في الجناب الكونيّ، ولم يكن الغرض كون ذلك الأمر محموداً أو مذموماً وإنما
المراد ظهور الموافقة الإلهيّة، فلما رأى أهل الله ظهور الموافقة الإلهيّة سامحوا في التواجد
واشترطوا التعريف لما يعطيه مقام الصدق الذي عليه اعتماد القوم. فإن قلت: فهذه الموافقة
الإلهيّة والنبوية إنما وقعت في دارين ومجلسين مختلفين والتواجد في مجلس واحد. قلنا:
صدقت فيما ذكرته في عين ما استشهدنا به فنحن ما قصدنا إلاَّ الموافقة، فإن أردت حصول
الأمر من الجانبين في وقت واحد فذلك موجود في مكر الله بالماكرين من حيث لا يشعرون
فلا يكون ذلك إلاَّ في الدنيا، فإنهم في الآخرة يعرفون أن الله مكر بهم في الدنيا بما بسط لهم
فيها ممّا كان فيه هلاكهم، فهنا وقع المكر بهم حيث وقع المكر منهم بل في بعض الوقائع أو
أكثرها بل كلها أن عين مكرهم هو مكر الله بهم وهم لا يشعرون.
ولما دخل عمر بن الخطاب على رسول الله وَ# فوجده وأبا بكر يبكيان في قضية
أسارى بدر فقال لهما عمر بن الخطاب: اذكرا لي ما أبكاكما؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن
لم أجده تباكيت أي أوافقكما في إرسال الدموع، والتباكي كالتواجد إظهار صورة من غير
حقيقة فهي صورة بلا روح غير أن لها أصلاً معتبراً ترجع إليه وهو ما ذكرناه. فإن قلت :
فكيف تعطي الحقائق إظهار حكم معنى في الظاهر من غير وجود ذلك المعني فيمن ظهر
عليه حكمه؟ قلنا: هذا موجود في الإلهيات في قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اٌلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ
يَرَّضَهُ لَكُمْ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧] والرضى إرادة وقد نفى أن يكون مرضياً عنده فقد نفى أن
يكون مراداً له، فقد ظهر حكم معنى نفاه الحق عن نفسه، فكذلك حكم الوجد في التواجد
مع نفي الوجد عنه. ولمسألة الرضى معنى دقيق ذكرناه في كتاب المعرفة وهو جزء لطيف
فلينظر هناك، وإنما جئنا به هنا صورة لم نذهب به مذهب التحقيق الذي لنا في الأشياء
وإنما أخرجناه مخرج البرهان الجدليّ الموضوع لدفع حجة الخصم لا لإقامة البرهان على
الحق، فالوجد الظاهر في التواجد هو حكم وجد متخيل في نفس المتواجد، فهو حكم
محقق في حضرة خيالية، وقد بيّنا أن الخيال حضرة وجودية وأن المتخيلات موصوفة
بالوجود، فما ظهر المتواجد بصورة حكم الوجد إلاَّ لهذا الوجد المتخيل في نفسه فما ظهر
إلاَّ عن وجود فله وجه إلى الصدق، ولهذا يجب على المتواجد التعريف بتواجده ليعلم
السامع من أهل المجلس أن ذلك عن الوجد المتخيل لا عن الوجد القائم بالنفس في غير
حضرة الخيال له والخيال حكم صحيح في الحسّ كصاحب الصفراء إذا كان في موضع
يتخيل السقوط منه فيسقط فهذا سقوط عن تخيّل ظهر حكمه في الحسّ، وكذلك المتواجد
قد يحكم عليه الوجد المتخيل بحيث أن يفنيه عن الإحساس كما يفنى صاحب الوجد

٢٤٨
في الأحوال / الباب السادس والثلاثون ومائتان في الوجد
الصحيح، ولكن بينهما فرقان في النتيجة قد ذكرناه في شرح ما لا يعوّل عليه في الطريق،
فإن نتيجة الوجد الصحيح مجهولة، ونتيجة الوجد الخياليّ إذا حكم مقيدة معلومة يعلمها
صاحبها، إن كان من أهل هذا الشأن فإنه ما ينتج له إلاَّ ما يناسب خياله في الوجد وهو
معلوم، والوجد الصحيح مصادفة من حيث لا يشعر صاحبه فلا يدري بما يأتيه به، وقد
ذكرنا في التواجد ما فيه غنية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والثلاثون ومائتان
في الوجد
[نظم: الوافر]
فذاك الوَجْدُ ليس به خَفَاءُ
إذا أفناكَ عنكَ ورودُ أمرٍ
نعَمْ وله الثَّلذُّذُ والفَنَاءُ
له حكمٌ وليس عليه حكمٌ
فإنَّ مزاجَهُ عَسَلٌ وماءُ
وذا من أعْجَبِ الأشياءِ فيهِ
اعلم أن الوجد عند الطائفة عبارة عما يصادف القلب من الأحوال المفنية له عن شهوده
وشهود الحاضرين، وقد يكون الوجد عندهم عبارة عن ثمرة الحزن في القلب، قال الأستاذ:
وبالجملة فهو حسن، الوجد حال والأحوال مواهب لا مكاسب، ولهذا كان وجد المتواجد
إذا أورثه التواجد الوجد لانفعال نفسه لما يجتلبه مكتسباً والحال لا يكتسب عند القوم فلذلك
لا يعول على وجد المتواجد، فنظير الوجد في الأحوال عند القوم كمجيء الوحي إلى الأنبياء
يفجؤهم ابتداء، كما ورد في الحديث: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ لم يَزَلْ يَتَحَنَّثُ فِي غَارِ حِرَاءٍ حَتَّى فَجَأْهُ
الوَخيُ)) ولم يكن ذلك مقصوداً له، فكذلك أهل الوجد إنما هم في سماع من الحق في كل
ناطق في الوجود، وما في الكون إلاَّ ناطق، فهم متفرّغون للفهم عن الله في نطق الكون،
وسواء كان ذلك في نغم أو غير نغم، وبصوت أو غير صوت، فيفجؤهم أمر إلهيّ وهم بهذه
المثابة فيفنيهم عن شهودهم أنفسهم وعن شهودهم أنهم أهل وجد وعن شهود كل محسوس،
فإذا حصل لهم ذلك فذلك هو الوجد عند القوم، ولا بدّ لصاحبه من فائدة يأتي بها فإن جاء
بغير فائدة ولا مزيد علم فذلك نوم القلب من حيث لا يشعر، فإن الذي يأتيه في تلك الفجأة
إنما يأتيه من الله ليفيده علماً بما ليس عنده ممّا تشرف به نفسه وتكمل وتربى على غيرها من
النفوس فإنه لا يرد إلاَّ على نفس طاهرة زكية هذا حكمه في هذا الطريق.
وأمّا الوجد العام فهو ما ذكرناه في حدّه في أوّل الباب، فلا يشترط فيه طهارة ولا غيرها
إلاَّ في هذا الطريق، ولما كان يظهر في العموم مع عدم الطهارة لهذا لا يكون الوجد شاهد
صدق إلاَّ على نفسه أنه وجد خاصة لا أنه وجد في الله، ولهذا يلتبس على الأجانب فلا
يفرّقون بين أهل الله فيه وبين المتصوّرين بصورة أهل الله وإن كانوا ليسوا منهم فالحال الحال،
ولهذا أهل الله في السماع المقيد بالنغم من شرطهم أن يكونوا على قلب واحد وأن لا يكون
فيهم من ليس من جنسهم، فلا يحضرون إلاَّ مع الأمثال أو مع المؤمنين بأحوالهم المعتقدين

٢٤٩
في الأحوال / الباب السابع والثلاثون ومائتان في الوجود
فيهم، ومستنده الإلهيّ كون الحق نعت نفسه بأن قاتل نفسه بادره بنفسه وإن كان ما بادره إلاَّ به
ولكن هكذا ورد في النعوت الإلهية فنقرّه ولا بدّ، فإنه أراد الله بذلك المحل أمراً مّا فيما كلفه
به فجاء ذلك الأمر الإلهيّ الشرعيّ لمجيء زمانه ووقته، فصادف المحل على غير ما تعطيه
حقيقة ذلك الوارد بالوارد الذي فجأه الحاكم على المحل مع علمنا أنه ما نفذ فيه إلاَّ علم الله
فيه، ولكن تعمير المراتب أدى إلى اختلاف المذاهب فصار الحق هنا صاحب وجد وموجدة
على من قتل نفسه مبادراً كما جاء عنه في غضبه على من غضب عليه، ففني المقام الإلهيّ هنا
عن شهود نفسه بأنه غني عن العالمين، إذ المقامات تتجاور ولا تتداخل فكل مقام له حكم،
وقد بيّن الله لعباده في أخباره الصادقة في كتبه وعلى ألسنة رسله ما هو عليه بما ينسب إليه،
فمن الآداب أن تنسب إليه ما نسبه إلى نفسه، وإن ردته الأدلة العقلية فإن بالدليل العقلي أيضاً
قد علمنا أن بعض الكون لا يعرفه على حدّ ما يعرف نفسه فهو المجهول المعروف لا إله إلاَّ
هو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فإن قلت: فالمصادفة
تقضي بعدم العلم بما صادف فأين مستنده الإلهي؟ فنقول في قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتََّ نَعْلَمَ﴾
[سورة محمد: الآية ٣١] مع علمه بما يكون منهم فبتلك النسبة تجري هنا وقد وردت، والوجد
يفنى كما يفنى الفناء والغيبة ولا بدّ لصاحب هذه الأحوال ممّن يحضرون معه ويتصفون بالبقاء
معه والشهود له وإن لم يكونوا بهذه المثابة فما هو المطلوب بهذه الألفاظ، واختلفوا في
الوجد هل يملك أم لا يملك؟ فذكر القشيري عن بعضهم أنه كان يملك وجده، وكان إذا ورد
عليه وعنده من يحتشمه ويلزم الأدب معه أمسك وجده، فإذا خلا بنفسه أرسل وجده وجعل
ذلك كرامة له أنتجها احترام من يجب احترامه، وعندنا أن الوجد لا يملك وذلك الذي أرسله
ما هو عين ما ورد عليه مع حضور من احترمه، فإن المعدوم ماله عين يملكها المحدث، فلما
خلا ذلك الرجل ظهر حكم الوجد فيه في ذلك الوقت فتخيل أنه مالك لوجده كما يملك
القاعد قيامه أي بما هو مستعد للقيام لا أن القيام وجد فيه فلم يقم فاعلم ذلك، والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السابع والثلاثون ومائتان
في الوجود
[نظم: الوافر]
فإني بالوجودٍ فَنِيتُ عَنْهُ
وجودُ الحقِّ عينُ وجودٍ وَجْدي
ولا يُذْرَى لعَيْنِ الوَجْدِ كُنْهُ
وحُكْمُ الوَجْدِ أفئَى الكلَّ عني
بحالٍ أو بلا حالٍ فَمِنْهُ
ووجدانُ الوجود بكل وَجْهٍ
اعلم أن الوجود عند القوم وجدان الحق في الوجد، يقولون: إذا كنت صاحب وجد
ولم يكن في تلك الحال الحق مشهوداً لك وشهوده هو الذي يفنيك عن شهودك وعن شهودك
الحاضرين فلست بصاحب وجد، إذ لم تكن صاحب وجود للحق فيه. واعلم أن وجود الحق

٢٥٠
في الأحوال / الباب السابع والثلاثون ومائتان في الوجود
في الوجد ما هو معلوم، فإن الوجد مصادفة ولا يدري بما تقع المصادفة، وقد يجيء بأمر
آخر، فلما كان حكمه غير مرتبط بما يقع به السماع كان وجود الحق فيه على نعت مجهول،
فإذا رأيتم من يقرّر الوجد على حكم ما عيّنه السماع المقيد والمطلق فما عنده خبر بصورة
الوجد وإنما هو صاحب قياس في الطريق، وطريق الله لا تدرك بالقياس فإنه ﴿كَلَ يَوْمٍ هُوَ فِي
شَأَنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] وكل نفس في استعداد ﴿فَلَا تَضْرِيُوْ لِّهِ الْأَمْثَالَّ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٧٤] .
واعلم أنه إنما اختلف وجود الحق في الوجد عند الواجدين لحكم الأسماء الإلهية
ولحكم الاستعدادات الكونية، فكل نفس من الكون له استعداد لا يكون لغيره، وصاحب
النفس بفتح الفاء هو الموصوف بالوجد فيكون وجده بحسب استعداده، والأسماء الإلهيّة
ناظرة رقيبة وليس بيد الكون من الله إلاَّ نسب أسمائه ونسب عنايته، فوجود الحق في الوجد
بحسب الاسم الإلهيّ الذي ينظر إليه، والأسماء الإلهيّة راجعة إلى نفس الحق، وقد شهد
روح الله بشهادة تعمّ الكون في الله فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكْ﴾ [سورة
المائدة: الآية ١١٦] على الوجهين، الوجه الواحد: أن تكون النفس هنا نفس عيسى عينه أو تكون
نفس الحق، فإذا جهل العبد ما هي عليه نفسه من حكم الاستعداد الذي به يقبل الوجود الحق
الخاص فهو بما ينظر إليه من الأسماء الإلهية في المستأنف أجهل، فإذا ظهر لصاحب الوجد
وجود الحق عند ذلك الظهور يعلم ما تجلّى له من الأسماء فيخبر عند رجوعه عن وجود معين
وشهود محقق، وأما غير صاحب الوجد فحكمه بحسب الحال التي يقام فيها، والضابط لباب
العلم بالله أنه لا يعلم شيء من ذلك إلاَّ بإعلام الله في المستأنف. وأما في الحال والماضي
فإعلام الله به وقوعه مشهوداً لمن وقع به عن ذوق لا عن نقل إلاَّ أن يكون الناقل مقطوعاً
بصدقه، ويكون القول أيضاً في الباب نصاً جلياً لا يحتمل إن لم يكن بهذه المثابة وإلاَّ فلا
يعلم أصلاً، وإن وقع العلم به من شخص في وقت فبحكم المصادفة، ومثل هذا لا يسمّى
علماً عند أحد من أهل النظر، وإن كان الشاعر قد سمّاه علماً في قصة ابن عمر أو من كان من
الصحابة في حديث الفاتحة فقال: ليهنك العلم، مع كونه مصادفة. واعلم أن الذي يتقيد به
وجود الحق في صاحب الوجد إنما هو بحسب الوجد والوجد ليس بمعلوم وروده لمن ورد
عليه حتى ينزل به، فوجود الحق في كل صاحب وجد بحسب وجده.
ثم إن الوجد عند العارفين يخرج عن حكم الاصطلاح بل يرسلونه في العموم، فما
عندهم صاحب وجد صحيح كان فيمن كان إلاَّ وللحق في ذلك الوجد وجود يعرفه العارفون
بالله، فيأخذون عن کل صاحب وجد ما يأتي به في وجده من وجوده، وإن كان صاحب ذلك
الوجد لا يعرف أن ذلك وجود الحق فإن العارف يعرفه فيأخذ منه ما يأتي به صاحب كل وجد
من وجود، وأن الحق تجلّى في ذلك الوجد بصورة ما قيده به هذا المخبر عن وجود ما وجده
في وجده، وهذا ذوق عزيز هو حق في نفس الأمر معتبر مقطوع به عند أرباب هذا الشأن لا
عند كلهم، وقد أنبأ الحق عن نفسه في ذلك بتغير الصور والنعوت عليه لتغير أحوال العباد،

٢٥١
في الأحوال / الباب الثامن والثلاثون ومائتان في الوقت
ومعلوم أنه ما تغيرت أحوال الكون في الثقلين إلاَّ لتغيّر حكم الأسماء، وتغيرت الصور
والتجليات لتغير أحوال الكون، فالأمر منه بدأ وإليه يعود، فللعبد أثر بوجه ما قرّره الحق له
فلا يرفع عنه حكم ما قرّره الحق، ومن فعل ذلك فقد نازع الحق وهو القهار في مقابلة
المنازعين، فالعلماء بالله يقهرون بالله ولا يتجلى لهم الله في اسم قاهر ولا قهار في نفوسهم،
وإنما يرونه في هذا الاسم في صورة الأغيار فيعرفونه منهم لا من نفوسهم لأنهم محفوظون
من المنازعة بينهم وبين أشكالهم فكيف بينهم وبين الله؟ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثامن والثلاثون ومائتان
في الوقت
[نظم: البسيط ]
فلا تزالُ بِحُكْمِ الوقتِ مَشْهُودَا
الوقتُ ما أنتَ موصوفٌ به أبداً
فإن في الوقتِ مَّذْمُوماً ومَحْمودًا
فالله يجعل وقتي منه مَشْهَدَه
تقومُ شَرْعاً وإيماناً وتَوحيدًا
له الشؤونُ من الرحمن وهي بنا
اعلم أن القوم اصطلحوا على أن حقيقة الوقت ما أنت به وعليه في زمان الحال، وهو
أمر وجودي بين عدمين، وقيل: الوقت ما يصادفهم من تصريف الحق لهم دون ما يختارون
لأنفسهم، وقيل: الوقت ما يقتضيه الحق ويجريه عليك، وقيل: الوقت مبرد يسحقك ولا
يمحقك، وقيل: الوقت كل ما حكم عليك، ومدار الكل على أنه الحاكم، ومستند الوقت في
الإلهية وصفه نفسه تعالى أنه ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْذٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] فالوقت ما هو به في
الأصل إنما يظهر وجوده في الفرع الذي هو الكون فتظهر شؤون الحق في أعيان الممكنات،
فالوقت على الحقيقة ما أنت به، وما أنت به هو عين استعدادك، فلا يظهر فيك من شؤون
الحق التي هو عليها إلاَّ ما يطلبه استعدادك، فالشأن محكوم عليه بالأصالة، فإن حكم استعداد
الممكن بالإمكان أدّى إلى أن يكون شأن الحق فيه الإيجاد، ألا ترى أن المحال لا يقبله؟
فأصل الوقت من الكون لا من الحق وهو من التقدير، ولا حكم للتقدير إلاَّ في المخلوق،
فصاحب الوقت هو الكون فالحكم حكم الكون كما قررنا في ظهور الحق في أعيان الممكنات
بحسب ما تعطيه من الاستعداد فتنوعه بها وهو في نفسه الغني عن العالمين .
ولما كانت أذواق القوم في الوقت تختلف لذلك اختلفت عباراتهم عنه والوقت حقيقة
كل ما عبّروا به عنه وهكذا كل مقام وحال، ليس يقصدون في التعبير عنه الحذّ الذاتي وإنما
يذكرونه بنتائجه وما يكون عنه ممّا لا يكون إلاَّ فيمن ذلك المقام أو الحال نعته وصفته، فمن
أحكامه فيهم وفي غيرهم أن الله قد رتب لهم أموراً معتادة يتصرّفون فيها بحكم العادة ممّا لا
جناح عليهم فيها أو ممّا قد اقترن به خطاب من الحق بأنه قربة فيختارون لأنفسهم فعل ذلك
على جهة القربة إن كان من القرب أو على كونه مرفوع الحرج فيصادفهم من الحق أمر لم يكن

٢٥٢
في الأحوال / الباب الثامن والثلاثون ومائتان في الوقت
في خاطرهم ولا اختاروه لأنفسهم، فيعلمون أن الوقت أعطى ذلك الأمر وأن الله اختاره لهم
فإنه القائل: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ أي يقدر ويوجد ثم قال: ﴿وَيَخْتَارٌ﴾ [سورة القصص: الآية
٦٨] ونفى أن تكون لهم الخيرة فقال: ما كان لهم الخيرة، وعندنا أن ما هنا اسم وهو في
موضع نصب على أنه مفعول بقوله: ﴿وَيَخْتَارٌ﴾ الذي كان لهم الخيرة يعني فيه، فإذا علم
العبد ذلك سلم الحکم فیه لله واستسلم، وکان بحكم وقت ما يمضيه الله فیہ لا بحكم ما
يختاره لنفسه في المنشط والمكره، ويرى أن الكل له فيه خير فيعامله الله في كل ذلك بخير،
فإن كان وقته يعطي نعمة وكان عقده مع الله مثل هذا رزقه الشكر عليها والقيام بحق الله فيها
وأعين عليها، وإن كان بلاء رزق الصبر عليه والرضا به وجعل الله له مخرجاً من حيث لا
يحتسب، كرجل يريد أن يسبح الله مائة ألف تسبيحة فيحتاج إلى زمان طويل في ذلك مع ما
فيه من التعب والتفرّغ إليه من الحضور فيعثر على خبر صدق أن النبيّ وَّ جعل قول
الإنسان: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضاء نفسه، سبحان الله
مداد كلماته ثلاث مرات، والحمد لله مثل ذلك، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلاَّ الله مثل
ذلك، أفضل ممّا أراده هذا العبد، فقال هذا القول الذي جاءه بحكم المصادفة وإن لم يكن
عنده منه خبر وترك ما كان يريد أن يذكره وعلم أن الذي اختار الله له بهذا التعريف في هذا
الوقت أعظم ممّا اختاره لنفسه. وقد وقع هذا من رسول الله وَّ مع عجوز مرّ عليها
والحديث مشهور.
فإذا اقتضى الحق أمراً وكان له بك عناية أجراه عليك ورزقك القيام بحقه، فالعاقل من
أهل الله من يرى أن الخير كله الذي يكون للعبد هو فيما اقتضاه الحق فيما شرع لعباده وبعث
به رسوله ◌َّر، فمن استعمله الله في اقتضاء الحق المشروع فما بعد عناية الله به من عناية لمن
عقل عن الله. فالوقت المعلوم من جانب الحق هو عين ما خاطبك به الشرع في الحال، فكن
بحسب قول الشارع في كل حال تكن صاحب وقت وهو علامة على أنك من السعداء عند
الله، وهذا عزيز الوجود في أهل الله هو لآحاد منهم من أهل المراقبة لا يغفلون عن حكم الله
في الأشياء .
وهنا زلّت أقدام طائفة من أهل الحضور مع الله في كل شيء فهم لا يغفلون عن الله
طرفة عين ولكنهم يغفلون عن حكم الله في الأشياء أو في بعضها أو أكثرها، فمن لم يغفل عن
حكم الله في الأشياء فما غفل عن الله فقد جمعوا بين الحضور مع الله ومع حكمه فهم أكثر
علماً وأعظم سعادة، وهم أصحاب الوقت الذي يعطي السعادة. وبعض رجال الله علم أن الله
لا يعدم الأشياء القائمة بأنفسها بعد وجودها ولا يتصف بإعدام أحوالها ولا إعراضها بعد
وجودها، وإنما الأشياء تكون على أحوال فتزول تلك الأحوال عنها فيخلع الله عليها أحوالاً
غيرها أمثالاً كانت أو أضداداً مع جواز إعدام الأشياء بمسكه الإمداد بما به بقاء أعيانها، لكن
قضى القضية أن لا يكون الأمر إلاَّ هكذا ولذلك قال: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ يِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سورة
إبراهيم: الآية ١٩] ولكن ما فعل فإن الإرادة والمشيئة ما تحدث له إذ ليس محلاً للحوادث فمشيئته

٢٥٣
في الأحوال / الباب التاسع والثلاثون ومائتان في الهيبة
أحدية التعلق لكنه في الأشياء بين أن يجمعها أو يفرقها كلاّ أو بعضاً وهي الأكوان، فالوقت على
الحقيقة عند الكامل جمع وتفرقة دائماً، ومن الناس من يشهد التفرقة خاصة في الجمع ولا يشهد
جمع التفرقة فيتخيل أن ذلك عين الوقت، فإذا سئل عن الوقت يشبهه بالمبرد فيقول الوقت مبرد
يسحقك ولا يمحقك، يقول: يفرق جمعيتك ولا يذهب عينك، فمن عرف الوقت وأن الحكم
له فیه سكن تحت ما حكم به عليه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب التاسع والثلاثون ومائتان
في الهيبة
[نظم: البسيط]
لأن فيه جَلالَ المُلْكِ قد بَانَا
إن الجمالَ مَھُوبٌ حیثما کانا
لذاك نشهده روحاً ورَيْحَانَا
الحُسْنُ حلْيَتُه واللُّطفُ شيمَتُه
والعينُ تَشْهَدُه بالذَّوْقِ إنسانًا
فالقلبُ يشهده يَسْطُو بخالقِهِ
اعلم أن الهيبة حالة للقلب يعطيها أثر تجلّي جلال الجمال الإلهيّ لقلب العبد، فإذا
سمعت من يقول: إن الهيبة نعت ذاتيّ للحضرة الإلهيّة فما هو قول صحيح ولا نظر مصيب،
وإنما هي أثر ذاتي للحضرة إذا تجلّى جلال جمالها للقلب، وهي عظمة يجدها المتجلي له في
قلبه إذا أفرطت تذهب حاله ونعته ولا تزيل عينه، فلما تجلى ربه للجبل جعله ذلك التجلي دكاً
فما أعدمه ولكن أزال شموخه وعلوه، وكان نظر موسى في حال شموخه، وكان التجلّ له
من الجانب الذي لا يلي موسى، فلما صار دكاً ظهر لموسى ما صير الجبل دكاً ﴿وَخَرَ مُوسَى
صَعِقًا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٤٣] لأن موسى ذو روح له حكم في مسك الصورة على ما هي
عليه، وما عدا الحيوان فروحه عين حياته لا أمر آخر، فكان الصعق لموسى مثل الدك للجبل
لاختلاف الاستعداد، إذ ليس للجبل روح يمسك عليه صورته، فزال عن الجبل اسم الجبل
ولم يزل عن موسى بالصعق اسم موسى ولا اسم الإنسان، فأفاق موسى ولم يرجع الجبل
جبلاً بعد دكّه لأنه ليس له روح يقيمه، فإن حكم الأرواح في الأشياء ما هو مثل حكم الحياة
لها، فالحياة دائمة في كل شيء، والأرواح كالولاة وقتاً يتصفون بالعزل، ووقتاً يتصفون
بالولاية، ووقتاً بالغيبة عنها مع بقاء الولاية، فالولاية ما دام مدبراً لهذا الجسد الحيواني
والموت عزله والنوم غيبته عنه مع بقاء الولاية عليه، فإذا علمت أن الهيبة عظمة وأن العظمة
راجعة لحال المعظم بكسر الظاء اسم فاعل علمت أنها حالة القلب فهو نعت كياني، ومستنده
في الإلهية من العلوم التي لا تنقال ولا تذاع ولا يعرفه إلاّمن علم أن الوجود هو الحق وأنه
المنعوت بكل نعت، قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج:
الآية ٣٢] يعني تلك العظمة، ولما كانت العظمة تعطي الحياء والحياء نعت إلهيّ فإن الله يستحي
من ذي الشيبة يوم القيامة لعظيم حرمة الشيب عنده تعالى، فقد نعت نفسه بأن بعض الأشياء
تعظم عنده كما قال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور: الآية ١٥] فقد قامت به

٢٥٤
في الأحوال / الباب الأربعون ومائتان في الأنس
العظمة لذلك الذي هان على الجاهل بقدره من الافتراء على بيت رسول الله صل# والألفاظ لما
كانت محجورة من الشارع علينا فلا نطلقها إلاَّ حيث أمرنا بإطلاقها، فوقع الفرق بين الهيبة
والعظمة، فنطلق العظمة في ذلك ولا نطلق الهيبة ولا الخوف ولا القبض فاعلم ذلك، والله
سبحانه يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الأربعون ومائتان
في الأنس
[نظم: البسيط]
فَاحذَرْ فإنك مَمْكُورٌ ومَخْدوعُ
الأنسُ بالأنس لا بالصُور يجمعنا
فإن ودَّكَ مَفْروقٌ ومَجْمُوعُ
لا تَقْفُ ما لستَ تدريه وتَجْهَلُه
أنت الإمامُ ولكنْ فيكَ حكمَتُه
تُغطي بأنك مَخْلوقٌ ومَصْنُوعُ
أكوانَه وهو في الأسْمَاعِ مَسْمُوعُ
فكيف يأنَسُ من تُفْني شَوَاهِدُه
اعلم أيّدنا الله وإياك بروح منه أن الأنس عند القوم ما تقع به المباسطة من الحق للعبد،
وقد تكون هذه المباسطة على الحجاب وعلى الكشف، والأنس حال القلب من تجلّي الجمال
وهو عند أكثر القوم من تجلّي الجمال وهو غلط من جملة ما غلطوا فيه، لأن لهم أغاليط في
العبارة لعدم التمييز بين الحقائق، فما كل أهل الله رزقوا التمييز والفرقان مع الشهود الصحيح،
ولكن الشأن في معرفة ما هو هذا الذي وقع عليه الشهود، وقد رأينا جماعة ممّن شهد حقاً
ولكن ما عرف ما شهد وحمله على خلاف طريقه، فلا بدّ مع التجلّي من تعريف إلهيّ إما
بصفاء إلاَّ لها، وإما بما شاءه الحق من أنواع التعريف، وللأنس بالله علامة عند صاحبه فإنه
موضع يغلط فيه كثير من أهل الطريق، فيجدون أنساً في حال ما يكون عليه فيتخيل أن ذلك
أنس بالله، فإذا فقد ذلك الحال فقد الأنس بالله، فعندنا وعند الجماعة أن أنسه كان بذلك
الحال لا بالله، لأن الأنس بالله إذا وقع لم يزل موجوداً عنده في كل حال، ولذلك يقول
القوم: من أنس بالله في الخلوة وفقد ذلك الأنس في الملأ فأنسه كان بالخلوة لا بالله .
واعلم أنه لا يصحّ الأنس بالله عند المحققين، وإنما يكون الأنس باسم إلهيّ خاص
معين لا بالاسم الله، وهكذا جميع ما يكون من الله لعباده لا يصحّ أن يكون من حكم
الاسم الله لأنه الاسم الجامع لحقائق الأسماء الإلهية، فلا يقع أمر لشخص معين في الكون
إلاَّ من اسم معين، بل ولا يظهر في الكون كله أعني في كل ما سوى الله شيء يعمّه إلاَّ من
اسم خاص معين لا يصحّ أن يكون الاسم الله فإنه من أحكامه أيضاً الغنى عن العالمين،
كما أنه من أحكامه ظهور العالم وحبّه سبحانه لذلك الظهور، والغنى عن العالم لا يفرح
بالعالم والله يفرح بتوبة عبده، فالاسم الله تعلم مرتبته ولا يتمكن ظهور حكمه في العالم لما
فيه من التقابل، هذه مسألة عظيمة جليلة القدر صعبة التصوّر في الإلهيات، فإن الشيء إذا
اقتضى أمراً لذاته فمن المحال أن تتصف الذات بالغنى عن ذلك الأمر كما لا تتصف

٢٥٥
في الأحوال / الباب الأحد والأربعون ومائتان في معرفة الجلال
بالافتقار إليه، وقد ورد الغنى عن العالمين، فإن جعلناه غنياً عن الدلالة كأنه يقول: ما
أوجدت العالم ليدل علي ولا أظهرته علامة على وجودي، وإنما أظهرته ليظهر حكم حقائق
أسمائي وليست لي علامة على سوائي فإذا تجليت عرفت بنفس التجلي، والعالم علامة
على حقائق الأسماء لا علّي، وعلامة أيضاً على أني مستنده لا غير، فالعالم كله ذو أنس
بالله، ولكن بعضه لا يشعر أن الأنس الذي هو عليه هو بالله لأنه لا بدّ أن يجد أنساً بأمر ما
بطريق الدوام أو بطريق الانتقال بأنس يجده بأمر آخر، وليس لغير الله في الأكوان حكم
فأنسه لم يكن إلاَّ بالله وإن كان لا يعلم، والذي ينظر فيه أنه أنس به فذلك صورة من صور
تجليه، ولكن قد يعرف وقد ينكر فيستوحش العبد من عين ما أنس به وهو لا يشعر
لاختلاف الصور، فما فقد أحد الأنس بالله ولا استوحش أحد إلاَّ من الله، والأنس
مباسطة، والاستيحاش انقباض، وأنس العلماء بالله إنما هو أنسهم بنفوسهم لا بالله إذ قد
علموا أنهم ما يرون من الله سوى صورة ما هم عليه، ولا يقع أنس عندهم إلاَّ بما يرون
وغير العارفين لا يرون الأنس إلاَّ بالغير فتدركهم الوحشة عند انفرادهم بنفوسهم، وكذلك
الاستيحاش إنما يستوحشون من نفوسهم لأن الحق مجلاهم فهم بحسب ما يرونه فيهم بل
فيه من أحوالهم فيقع الحكم فيهم بالأنس أو بالوحشة، وحقيقة الأنس إنما تكون
بالمناسب، فمن يقول بالمناسبة يقول بالأنس بالله، ومن يقول بارتفاع المناسبة يقول: لا أنس
بالله ولا وحشة منه، وكل واحد بحسب ذوقه فإنه الحاكم عليه، ومن له الإشراف من أمثالنا
على المقامات والمراتب ميّز وعرف كل شخص من أين تكلم ومن نطقه، وأنه مصيب في
مرتبته غير مخطئ بل لا خطأ مطلقاً في العالم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الأحد والأربعون ومائتان
في معرفة الجلال
[نظم: البسيط]
وهو الذي بنُعُوتِ القَهْرِ أَشْهَدَهُ
إن الجلالَ على الضدَّيْنِ يَنْطلقُ
له النُّزولُ فكلُّ الخَلْقِ يَجْحَدُهُ
له العُلُوُّ ولا عُلْوٌ يُمائِلُه
وليس غيرَ الذي قد قلتُ أقصدُهُ
إني بكلِ الذي قد قُلْتُ أعرفُهُ
اعلم أن الجلال نعت إلهيّ يعطي في القلوب هيبة وتعظيماً وبه ظهر الاسم الجليل،
وحكم هذا الاسم من أعجب الأحكام، فإن له حكم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة
الشورى: الآية ١١] و ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠] وله حكم قوله على
لسان رسوله بَّه: ((مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُذْنِي وَجعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي وَظَمِثْتُ فَلَمْ تَسْقِنِي) فأنزل
نفسه منزلة من هذه صفته من الافتقار إلى العبيد، وكذلك نزوله في قوله: ((وَسِعَنِي قَلْبُ
عَبْدِي)) ومن هذا الباب فرحه بتوبة عبده وتعجبه من الشاب الذي لا صبوة له وتبشبشه
بالذي يأتي إلى المسجد للصلاة، هذا كله وأمثاله من نعوت التنزيه والتشبيه يعطيه حكم

٢٥٦
في الأحوال / الباب الثاني والأربعون ومائتان في الجمال
الجلال والاسم الإلهيّ الجليل، ولهذا قلنا أنه يدل على الضدّين كالجون ينطلق على
الأبيض والأسود، وكذلك القرء ينطلق على الحيض والطهر، ومن حضرة الجلال نزل
قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩١] فمن وصفه إنما وصف نفسه
ولا يعرف منه إلاَّ نفسه لأن ربّ العزّة لا يعينه وصف ولا يقيده نعت ولا يدل على حقيقته
اسم خاص، وإن لم يكن الحكم ما ذكرناه فما هو ربّ العزّة، فإن العزيز هو المنيع الحمى،
ومن يوصل إليه بوجه ما من وصف أو نعت أو علم أو معرفة فليس بمنيع الحمى، ولذلك عمّ
بقوله: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ولحضرة الجلال السبحات الوجهية المحرقة، ولهذا
لا يتجلى في جلاله أبداً، لكن يتجلى في جلال جماله لعباده فيه يقع التجلي فيشهدونه مظهر ما
ظهر من القهر الإلهيّ في العالم: [الكامل]
وهو الذي في كلِّ حالٍ يُوصَفُ
إن الجليلَ هو الذي لا يُغْرَفُ
في خَلْقهِ وهو الذي لا يُعْرَفُ
فهو الذي يبدو فيُظْهِرُ نفْسَه
والجلال لا يتعلق به إلاَّ العلماء بالله وما له أثر إلاَّ فيهم وليس للمحبين إليه سبيل، هذا
إذا كان بمعنى العلو والعزّة، وأنه إذا كان بالمعنى الذي هو ضدّ العزّة والعلو فإنّ المحبين
يتعلقون به كما يتعلق به العارفون وحضرته من العماء إلى قوله: ﴿وَفِ اَلْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة
الزخرف: الآية ٨٤] وأما قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] فذلك من أسمائه
المؤثرة فينا خاصة والحافظة لنا والرقيبة علينا. وأما الأسماء التي تختص بالعالم الخارج عن
الثقلين فأسماء أخر ما هي الأسماء التي معنا أينما كنا، وقد بيّنا في شرح الأسماء الحسنى
معنى الاسم الجليل على الوجهين مختصراً في جزء لنا في شرحها، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل.
الباب الثاني والأربعون ومائتان
في الجمال
[نظم: الطويل]
جميلٌ ولا يُهْوَى جَلِيٍّ ولا يُرَى
ولا تُدركُ الأبصارُ منه سوى الذي
فإن قلتَ محجوبٌ فلستَ بكاذبٍ
فما ثَمَّ محبوبٌ سواه وإنما
فهنَّ ستورٌ مُسْدلاتٌ وقد أتَى
كمجنونٍ ليلى والذي كان قَبْلَه
وتَشْهَدُه الألبابُ من حيثُ لا تَذْري
تُخَزْهه عنه عقولُ ذوي الأَمْرِ
وإن قلتَ مشهودٌ فذاك الذي أدري
سُلَيْمَى وليلى والزَّيَانِبُ للسَّتْرِ
بذلك نَظْمُ العاشقين مع النَّثْرِ
كبشْرٍ وهند ضَاقَ من ذِكْرهم صَدْري
اعلم أن الجمال الإلهيّ الذي تسمّى الله به جميلاً ووصف نفسه سبحانه بلسان رسوله
أنه يحب الجمال في جميع الأشياء وما ثم إلاَّ جمال، فإن الله ما خلق العالم إلاَّ على صورته
وهو جميل فالعالم كله جميل وهو سبحانه يحب الجمال، ومن أحب الجمال أحب الجميل،

٢٥٧
في الأحوال / الباب الثالث والأربعون ومائتان في الكمال
والمحب لا يعذب محبوبه إلاَّ على إيصال الراحة أو على التأديب لأمر وقع منه على طريق
الجهالة، كما يؤذّب الرجل ولده مع حبّه فيه، ومع هذا يضربه وينتهره لأمور تقع منه مع
استصحاب الحب له في نفسه، فمآلنا إن شاء الله إلى الراحة والنعيم حيث ما كنا، فإن اللطف
الإلهيّ هو الذي يدرج الراحة من حيث لا يعرف من لطف به، فالجمال له من العالم، وفيه
الرجاء والبسط واللطف والرحمة والحنان والرأفة والجود والإحسان والنقم التي في طيّها
نعم، فله التأديب فهو الطبيب الجميل، فهذا أثره في القلوب، وأثره في الصور ما يقع به
العشق والحب والهيمان والشوق ويورث الفناء عند المشاهدة، ومن هذه الحضرة تنتقل صورة
تجليه فيها إلى المشاهد فينصبغ بها انتقال فيض كظهور نور الشمس في الأماكن ويسمّى ذلك
النور شمساً وإن لم يكن مستديراً ولا في فلك، ثم يفيض الإنسان من تلك الصورة التي ظهر
فيها عن الفيض الإلهيّ على جميع ملكه في ردّه إلى قصره، فينصبغ ملكه كله بصورة جمال
لم يكن، فلا يفقد الإنسان في ملكه صورة ما شاهدها من ربه في رؤيته، فهو عند العلماء بالله
تجلّ دائم دنيا وآخرة لا ينقطع، وعند العامّة في الجنة خاصة لكونهم لا يعرفون الله معرفة
العارفين، وليس لتجلي الجلال في الجنة حكم أصلاً، وإنما محله الدنيا والبرزخ والقيامة،
وبه تبقى النار والشقاء في الأشقياء مدّة بقائهم فيه إلى أن يرتفع الشقاء وتغلب الرحمة، فلا
يبقى لتجلي الجلال في التعلق حكم، وتنفرد به الملائكة بطريق الهيبة والعظمة والخوف
والخشوع والخضوع والله أعلم.
الباب الثالث والأربعون ومائتان
في الكمال
[نظم: البسيط]
ليس الكمالُ الذي بالنَّقْصِ تَعْرِفُهُ
العلمُ يشْهَدُه والعينُ تُنْكِرُه
لو لم يكنْ لم تَكُنْ عينٌ ولا صفةٌ
ألا تَرَى التَّسْتُرِيَّ الحَبْرَ أثبته
إن الكمالَ الذي بالنَّقْصِ مَوْصُوفُ
لأنه عَدَمٌ والنَّقْصُ مَعْروفُ
ولا وجودٌ ولا حكمٌ وتَضْريفُ
وهو الصوابُ الذي ما فيه تَخريفُ
أراد بقول سهل إن لكذا سراً لو ظهر بطل، كذا أعلم أن الكمال الذي لا يقبل الزيادة لا
يكون إلاَّ لله من كونه غنياً عن العالمين. وأما الكمال الذي يقبل الزيادة فمثل قوله:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [سورة محمد: ٣١] كما أمر نبيه أن يقول: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: ١١٤]
فالكمال هو وقوف الإنسان على الصورة الرحمانية بطريق الإحاطة لذلك عند مقابلة النسخة
حرفاً حرفاً، فيؤثر ولا يتأثر، ولا يميل ولا يؤثر، عدل في فضل ولا فضل في عدل، بل
يرتفع الفضل والعدل، ويبقى الوجود والشهود وقبول القوابل بحسب استعدادها روحاً وجسماً،
فلا ينسب إليه من حيث هو حكم أصلاً، وجميع النسب تتصف به القوابل، وهو على الوجه
الواحد الذي يليق به، لا يقبل التغيّر ولا التأثّر، كما لا يقبل النور من حيث ذاته وعينه ألوان
الفتوحات المكية ج٤ - م١٧

٢٥٨
في الأحوال / الباب الرابع والأربعون ومائتان في الغيبة
الزجاج مع أنك تنظر إلى النور أحمر وأصفر وأخضر متنوّعاً بتنوّع ألوان الزجاج، فالنور مـ
انصبغ بالألوان ولكن هكذا تشهده العين، والعلم يقضي بأنه على صورته التي كان عليها ما تأثّر
في عينه بشيء من ذلك، ألا تنظر إليه في المساحة الهوائية التي بين موضع الزجاج وموضع النور
المنعكس المتلوّن هل ترى في النور في هذه المساحة لوناً من تلك الألوان مع كونه قد انبسط
على الزجاج؟ وحينئذ عمر المساحة الهوائية التي بين ما يظهر من الألوان وبين الزجاج وكقوس
قزح، فالكامل من لا يقبل الزائد ونحن في مزيد علم دنيا وآخرة فالنقص بنا منوط، فكما لنا
بوجود النقص فيه، فلنا كمال واحد وللحق كمالان: كمال مطلق وكمال يقول به حتى نعلم،
فنسختنا من كمال حتى نعلم لا من الكمال المطلق فافهم فإنه سرّ عجيب في العلم الإلهيّ
فنشهده تعالى من كونه إلهاً لا من كونه ذاتاً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع والأربعون ومائتان
في الغيبة
[نظم: البسيط]
في حَضْرةِ الغيبِ والغُيَّابُ ما حَضَرُوا
أغيبُ عنه ولي عينٌ تُشَاهِدُه
وَغَيْبِه فانظروا في الغَيْب وافْتَكِرُوا
ما في الوجودِ سواهُ في شَهَادته
فِغَيْبَةُ القلب حالٌ ليس تُعْتَبَرُ
فتلكَ غَيْبَةُ مَنْ هاتيكَ حَالتُه
سوى الوجودِ فلا عينٌ ولا أثَّرُ
عمَّنْ تغيب وما في الكون من أحدٍ
اعلم أن الغيبة عند القوم غيبة القلب عن علمٍ ما يجري من أحوال الخلق لشغل
القلب بما يرد عليه، وإذا كان هذا فلا تكون الغيبة إلاَّ عن تجلّ إلهيّ، ولا يصحّ أن تكون
الغيبة على ما حدّوه عن ورود مخلوق فإنه مشغول غائب عن أحوال الخلق وبهذا تميزت
الطائفة عن غيرها، فإن الغيبة موجودة الحكم في جميع الطوائف، فغيبة هذه الطائفة تكون
بحق عن خلق حتى تنسب إليه على جهة الشرف والمدح وأهل الله في الغيبة على طبقات،
وإن كانت كلها بحق فغيبة العارفين غيبة بحق عن حق، وغيبة من دونهم من أهل الله غيبة
بحق عن خلق، وغيبة الأكابر من العلماء بالله غيبة بخلق عن خلق، فإنهم قد علموا أن
الوجود ليس إلاَّ الله بصور أحكام الأعيان الثابتة الممكنات، ولا يغيبه إلاَّ صورة حكم عين
في وجود حق، فيغيب عن حكم صورة عين أخرى تعطى في وجود الحق ما لا تعطى
هذه، والأعيان وأحكامها خلق، فما غاب إلاَّ بخلق عن خلق في وجود حق، فالعامّة مصيبة
لبعض هذه المسألة، فإنها ينقصها منها في وجود حق، وغيبتها إنما هي بخلق عن خلق مثل
الكمل من رجال الله، وما في الأعيان عين يكون حكمها مشاهدة للكل فلا تتصف بالغيبة،
ولما لم تكن ثم عين لها وصف الإحاطة بالحضور مع الكل وأن ذلك من خصائص الإله
فلا بدّ من الغيبة في العالم والحضور، وقد أومأنا إلى ما فيه كفاية في هذا الباب، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٢٥٩
في الأحوال / الباب الخامس والأربعون ومائتان في الحضور
الباب الخامس والأربعون ومائتان
في الحضور
وهو الحضور مع الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه مع الغيبة هكذا هو عند القوم:
[المتقارب]
خُضُوري به فهو الحاضِرُ
حضوري مع الحقِّ في غَيْبتَي
وعند حُضُوري هو الظَّاهِرُ
هو الباطنُ الحقُّ في غَيْبَتي
وإن فاتَني فأنا الآخِرُ
فإنْ فُتُّهُ فأنا أوّلٌ
اعلم أنه لا تكون غيبة إلاَّ بحضور، فغيبتك من تحضر معه لقوّة سلطان المشاهدة، كما
أن سلطان البقاء يفنيك لأنه صاحب الوقت، والحكم والتفصيل في الحضور في أهله كما
ذكرناه في الغيبة سواء، فكل غائب حاضر وكل حاضر غائب لأنه لا يتصوّر الحضور مع
المجموع وإنما هو مع آحاد المجموع، لأن أحكام الأسماء والأعيان تختلف والحكم
للحاضر، فلو حضر بالمجموع لتقابلت وأدى إلى التمانع وفسد الأمر، فلا يصحّ الحضور مع
المجموع لا عند من يرى حضوره بحق ولا عند من يرى حضوره بخلق، فإن حكم الأعيان
مثل حكم الأسماء في التقابل والاختلاف وظهور السلطان، فتدبر ما ذكرناه تجد العلم إن شاء
الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والأربعون ومائتان
في السكر
[نظم: مجزوء الكامل]
شِ المحيطِ المُسْتَدِيز
السُّكْرُ أقعَدَني على العز
من كل ما يُغْني فَقيز
وأنا بقاع قَرْقَرِ
والسُّكْرُ من نَظَرِ المُديز
والسُّكْرُ مِن خَمْرِ الهَوَى
وهو العليمُ به الخبيز
قد قالَ قَبْلي شاعرٌ
ربُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدير
فإذا سَكِرْتُ فإنني
ربُّ الشُّوَيْهَةِ والبَعيز
وإذا صَحَوْتُ فإنني
قال تعالى: ﴿وَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ﴾ [سورة محمد: الآية ١٥] وهو علم الأحوال، ولهذا
يكون لمن قام به الطرب والالتذاذ، وأما حدّهم له بأنه غيبة بوارد قويّ فما هو غيبة إلاَّ عن كل
ما يناقض السرور والطرب والفرح وتجلّي الأمانيّ صوراً قائمة في عين صاحب هذا الحال،
ورجال الله تعالى في حال السكر على مراتب نذكرها إن شاء الله، فسكر طبيعيّ وهو ما تجده
النفوس من الطرب والالتذاذ والسرور والابتهاج بوارد الأمانيّ إذا قامت الأمانيّ له في خياله
صوراً قائمة لها حكم وتصرف يقول شاعرهم: [مجزوء الكامل]

٢٦٠
في الأحوال/ الباب السادس والأربعون ومائتان في السكر
فإذا سكرت فإنني
رب الخورنق والسَّديز
فإنه كان يرى ملكه لذينك غاية مطلوبه، فلما سكر قامت له صورة الخورنق والسَّدير
ملكاً له يتصرّف فيه في حضرة تخيله وخياله أعطاه إياه حال السكر فإن له أثراً قوياً في القوّة
المتخيلة، فالواقفون من أهل الله مع الخيال لهم هذا السكر الطبيعيّ، فإنهم لا يزالون يراقبون
ما تخيلوا تحصيله من الأمور المطلوبة لهم من الله حتى يتقوّى عندهم ذلك ويحكم عليهم،
مثل قوله عليه السلام: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) وقوله وَّر أيضاً: ((إِنَّ اللَّهَ فِي قِبْلَةِ المُصَلّي))
وقول الصاحب لرسول الله بَ# وقد سأله وَّ﴾ عن حقيقة إيمانه حين قال: أنا مؤمن حقاً،
فقال رضي الله عنه: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً يعني في يوم القيامة، فجاء بما تعطيه
حضرة الخيال، فإذا تقوّى مثل هذا التخيل أسكر النفس وقامت له صورة ما تخيل ينظر إليها
بعينه ويخبر عنها كرؤية صاحب الرؤيا سواء وتلقى إليه ويصغي إليها وهو لا يعلم أنه يخاطب
ويشاهد صورة خيالية بل يقطع أن ذلك شهود حسيّ، فإذا صحا من ذلك السكر ارتفع عنه
ذلك الأمر من حيث صورته مع بقاء تخيله عند بعض الناس ممّن يتذكر ذلك في الذهن كما
يرتفع عنه صورة ما رأى في النوم بالانتباه.
ومن أهل هذا المقام من يبقي الله له تلك الصورة المتخيلة في حال صحوه فيثبتها له
محسوسة بعدما كانت متخيلة، كالجنة التي خيلها إبليس في الخيال المنفصل لسليمان عليه
السلام ليفتنه بها ولا علم لسليمان عليه السلام بذلك فسجد شكراً لله تعالى حيث أتحفه بها
فأبقاها الله له جنة محسوسة يتنعم بها ورجع إبليس خاسراً لأنه أراد بذلك فتنته، وما علم أن
أهل الله إذا وقع لهم مثل هذا أنه يحدث ذلك عبادة لله عندهم، هذا والمخيل عدوّ فكيف
حالهم إذا كان خيالهم منهم وليسوا بأعداء نفوسهم فإنهم يسعون في خلاصها ونجاتها، فإذا
كان سكرهم الطبيعي أثمر لهم مثل هذا فما ظنك بما فوقه من مراتب الإسكار؟
وأما السكر العقلي فهو شبيه بالسكر الطبيعي في رد الأمور إلى ما تقتضيه حقيقته لا إلى
ما يقتضيه الأمر في نفسه، ويأتي الخبر الإلهي عن الله لصاحب هذا المقام بنعوت المحدثات
أنها نعت لله فيأبى قبولها على هذا الوجه لأنه في سكرة دليله وبرهانه، فيرد ذلك الخبر لما
يقتضيه نظره مع جهله بذات الحق، وهل تقبل هذا النعت أو لا تقبله؟ بل تخيل أنها لا تقبله
فيمد رجله هذا العقل لسكره في غير بساطه فوقع في الحق بسكره ويعذره الحق في ذلك، لأن
السكران غير مؤاخذ بما ينطق، فجرد عن الله ما نسبه الحق لنفسه، فإذا صحا هذا العاقل عن
سكره بالإيمان لم يرد الخبر الصدق والقول الحق وقال: إن الحق أعلم بنفسه وبما ينسبه إليه
من العقل، فإن العقل مخلوق والمخلوق لا يحكم على الخالق فإنه ما من مصنوع إلاَّ ويجهل
صانعه، فإن الشقة تجهل صانعها وهو الحائك، كذلك الأركان مع الأفلاك، وكذلك الأفلاك
مع النفس، والنفس مع العقل، وكذلك العقل مع الله، وغاية ما علم من علم منهم افتقاره إليه
واستناده في وجوده إلى صانعه ولا يحكم عليه بشيء، ولا سيما إن أخبر الصانع عن نفسه
بأمور فليس للمصنوع إلاَّ قبولها فإن ردّها فلسكر قام به، فخمره الذي يشرب إنما هو دليله