النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
في الأحوال / الباب الثامن ومائتان في حال الانزعاج
﴿يُدِّلُ اَللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٧٠] أي يردّ قبحها حسناً. فمن تنبيهات الحق
قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَكَ يُدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتْ﴾ فإذا علموا ذلك أسرعوا في الرجعة إلى
الله وسارعوا إليها، فهذا قد أبنت لك معنى حال العلة عند الطائفة وما تؤثر في الرجال.
الباب الثامن ومائتان
في حال الانزعاج
[نظم: الطويل]
تحرَّكَ تَخْرِيكَ انزعاج من الوَجْدِ
إذا انتبه القلبُ السليمُ من النَّوْمِ
فأوّلُ ما يَلْقَى الشَّحَقِّقُ بالزُّهْدِ
إلى طَلَبِ الأُنْسِ الذي قد أَقَامَةً
وشئَّانَ ما بين السيادة والعَبْدِ
فيُذْعَى بعبدٍ وهو سيْدُ وَقْتهِ
نزيهاً عن الفَصْل المُقوِّم والحَدْ
فيَفْنَى به عنه ليبقى بربِّه
وذلك بُزهانٌ على كَرَم الودُ
مع الحدّ للعهد الذي كان بينَهُمْ
اعلم أن الانزعاج عند الطائفة حال انتباه القلب من سنّة الغفلة والتحرّك للأنس والوجد،
فالانزعاج حكم العلة على هذا أي العلة أورثته هذا الانزعاج، وهو اندفاع النفس من حال
صحّ لها إلى أصلها الذي خرجت عنه لأنه من ذلك الأصل دعاها والأصل طاهر، فهو اندفاع
بشهوة شديدة وقوّة.
ولهذا الانزعاج أسباب مختلفة: فمنهم من تزعجه الرغبة. ومنهم من تزعجه الرهبة.
ومنهم من يزعجه التعظيم. فأما انزعاجه للأنس والوجد فقد يكون فهماً، وقد يكون لقاء،
وقد يكون إلقاء، وقد يكون تلقياً، فمن ذلك ما يكون عن خاطر إلهيّ، وعن خاطر ملكيّ،
وعن خاطر شيطانيّ، وعن خاطر نفسيّ، ولكن لا يكون لهذا الوليّ عن النفس والشيطان إلاّ
بفهم يرزقه الله فيه عناية من الله لا أن الشيطان له عليه سلطان بل الشيطان في خدمته وهو لا
يشعر، وساع بما يلقي إليه في سرّه في ارتقاء درجة هذا الوليّ من حيث لا يعلم الشيطان،
وهذا من مكر الله الخفي بإبليس لأنه يسعى في ترقّ درجات العارفين من حيث يتخيل أنه
ينزلهم عنها.
وإذا كان الأمر على هذا فلنقل أن حال العلة إذا تحقق في العبد أظهر في النفس انزعاجاً
ولا بدّ، وانزعاجه أوّلاً إنما هو ليفارق الحال التي كان عليها لما كشف الله عن بصيرته بالعلة
فرأى نفسه في محل البعد فانزعج لذلك رغبة في مفارقة ذلك الموطن من غير تعيين حضرة
من حضرات القرب، فإذا فارق ذلك الموطن بقدم واحدة وزال عن شهوده أخذ نفسه ساعة
واستراح وهو ما يجده المريد من اللذة وحلاوة التوبة التي تهوّن عليه ركوب الشدائد وتسهل
عليه صعوبة طريقه، يجد كل أحد هذا من نفسه في هذا الحال لا يقدر على إنكاره، فإذا فارق
موطن المخالفة بإنزعاجه واستراح حينئذ يتهدى على نفسه ويفتح عينيه ويعلم أنه قد تخلص
ممّا كان فيه فحينئذ يقوم له ما يؤثر عنده الإنزعاج إليه، فأوّل الإنزعاج أبداً في هذا الطريق إنما

١٨٢
في الأحوال / الباب الثامن ومائتان في حال الانزعاج
هو منه، وفي ثاني حال يظهر حكم الانزعاج إليه، فإن أقيم له في أوّل نظرة ما يستحقه جلال
الله من التعظيم أو كان هذا الرجل ممّن تقدّم له العلم بالله من حيث الأدلة النظرية فيكون
إنزعاجه تعظيماً لله لا رغبة فيما عنده بل ينزعج لأداء حق ما تعين عليه لله تعالى وما تعطيه
مرتبة العبد من سيده فما هو مشغول بما ينعم عليه ويرغبه فيه من لذات نفسه، بل يرى ما لله
عليه من الحقوق فيجهد نفسه في أداء ذلك وهو قوله: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [سورة آل عمران:
الآية ١٠٢] فيعلم أن أحداً لا يطيق ذلك، وأن قدر الله أجل وأعلى وأنزه أن يقدره أحد فيؤذيه
ذلك إلى النظر في نفسه، وما آتاه الله من القوّة في ذلك لما علم أن قدر الله ليس في وسع
المخلوق القيام به وسمع الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦]
وقال: ﴿إِلَّا مَآ ءَاتَنْهَا﴾ [سورة الطلاق: الآية ٧] وقال: ﴿مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: الآية ١٦] فانزعج
إلى القيام بحق الله على قدر الاستطاعة وما في وسعه.
ويتفاضل عباد الله في ذلك على نوعين: على قدر ما يكشف لهم من جلال الله، وعلى
قدر أمزجتهم. فإن الله قد جعل نفس الإنسان وعقله بحكم مزاج جسده، فإن نفس الإنسان لا
تدرك شيئاً إلاَّ بوساطة هذه القوى التي ركب الله في هذه النشأة فهي للنفس كالآلة، فإن كانت
الآلة مستقيمة على الوزن الصحيح ظهر حسن الصنعة بها إذا كانت النفس عالمة بالصنعة
وعلمهم على قدر ما يكشف لهم الحق من ذلك في سرائرهم، فمنهم من يكشف له فيما تطلبه
الذات، ومنهم من يكشف له فيما تطلبه الأسماء من حيث الدلالات النظرية، ومنهم من
يكشف له فيما تطلبه الأسماء من حيث ما جاءت به الشرائع من المقابل والمقارن، فمنهم من
يقام على رأس الستين ألفاً من المنازل الإلهية، ومنهم من يقام على رأس مائة ألف وعشرين
ألفاً من المنازل، ومنهم من يقام على رأس تسعين ألفاً منحصرة في ستة مقامات لا سابع لها
ولا يشارك عبد في شيء من هذه المنازل بل يكون فيها كل إنسان منفرداً وهو قول الطائفة: إن
الله لا يتجلى في صورة واحدة لشخصين قد علم كل أناس مشربهم، فهم وإن اجتمعوا في
العدد فما لهم اجتماع في الذوق لأنهم لم يجتمعوا في المزاج، ولو اجتمعوا في المزاج وهو
محال ما تميزوا ولكان العين واحدة، وثم موطن يعطي الظهور في صاحب المنزل الذي كان
على رأس الستين ألفاً خلاف هذا وهو في تلك الدرجة عينها فيكون له بدل الستين ألفاً عدد
آخر يكون مبلغه ثلاثة آلاف ألف، ويكون لصاحب التسعين ألفاً أربعة ألف ألف وخمسمائة
ألف، ويكون لصاحب المائة ألف وعشرين ألفاً ستة آلاف ألف وهذا لا يكون إلاَّ لأهل
الصعود الذين قال الله فيهم: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَِّبُ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٠] وكل من أسري به
سواء كان إسراء روحانياً أو بالجسم فإن له من المنازل هذا العدد الكثير وأما العدد الذي هو
أقل منه فذلك للمريدين الذين هم في مقام التربية لا غير. وأما حصرهم في ستة لا غير فمن
طريقين: الطريقة الواحدة نشأتهم القائمة على ست جهات يأتي الشيطان من الأربعة منها
وتبقى الاثنان لا سبيل للشيطان عليهما، ومن هناك يكون مآل الناس إلى عموم الرحمة
وشمولها لهاتين الجهتين .

١٨٣
"في الأحوال / الباب الثامن ومائتان في حال الانزعاج
وأما الستة المعنوية فالصفات الستة التي هي النسب الإلهية التي يتعلق الممكن بها
والنسبة السابعة ما هي متوجهة على الممكن وإنما ظهرت لصحة هذه الستة خاصة لا لأمر آخر
وهي نسبة كونه حياً، إذ بهذه النسبة ثبتت الستة. ولما كانت الحدود تحفظ الأشياء ولا سيما
الحدود الذاتية جعلت خمسة لما كانت الخمسة لها الحفظ فاتسعت الحدود فأعطيت الحدود
مقام الخمسة، ولتكون الأعيان تامّة كاملة النشأة ما فيها نقص، وهذا كله إذا لاح للعبد على
بعد انزعج إلى طلبه ليحصله إذ كان فيه تعظيم جناب الحق الذي هو مقصود هذا العبد، فهذا
حكم من أزعجه التعظيم.
وأما حكم من أزعجته الرغبة فيما عند الله فإن مشهده: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَ﴾ [سورة
القصص: الآية ٦٠] ومشهد صاحب التعظيم: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة طه: الآية ٧٣] فاعلم أن
انزعاج الرغبة بحسب ما تعشق به ورغب فيه وهو على نوعين: متخيل وغير متخيل،
والمتخيل على نوعين: النوع الواحد ما أدركه ببعض حواسه أو بجملتها أو أدركه من طريق
الخبر فحمله على المعهود من صفة الجنة وما فيها. وغير المتخيل هو ما رغبه فيه من حيث
الإجمال وهو ما تحوي عليه الجنة أو تتضمنه ممّا لا عين رأته ولا أذن سمعته ولا خطر على
قلب بشر، فقد سمع أن فيها هذا، فمثل هذا لا يمكن تخيله، فكلما تخيله فقد خطر على
قلب بشر فليس ذلك ومن طبع النفس أنها تحب أن تعلم ما لم تكن تعلم، فهي تحب المزيد
بالطبع إلاَّ أنه يختلف تعلقها بما تستزيد منه، فالذي تتعشق به منه تطلب المزيد لا من غيره،
فإن كان الراغب صاحب محبة لله فلا يخلو إما أن يكون عالماً بالله أو غير عالم بالله، من
المحال أن يكون غير عالم بالله لأنه محب والمحب يطلب بذاته محبوباً يتعلق به من قام به
حتى يسمّى محباً، فلا بدّ أن يكون عالماً به، غير أن العلماء به على مراتب: منهم مؤمنون
خاصة فعلموه من جهة الخبر والأخبار متقابلة فحار المحب فلم ينضبط له صورة في محبوبه.
ومنهم من رجح في الخبر ما أعطاه الخيال فأحب محدوداً متصوراً تعلق به فمثل هذا يزعجه
طلب الوجد والأنس والوصال والرؤية والحديث على الطريقة المعهودة في الأشكال
والأجناس وهو يتجلى فيها. ومنهم العلماء به من حيث التجلي بالعلامة فهم فيه بحسب
علامتهم. ومنهم العلماء به عن نظر فكريّ فلا يقيدوه ويؤمنوا بكل تجلّ يعطي التقييد
والتحديد فيفوتهم من الله خير كثير فمحبوبهم أقرب إليهم من حبل الوريد ولكن لا يعلمون أنه
هو، فمحبوبهم لا يزال ظاهراً لهم وهم لا يعرفونه.
وهذه الطائفة على نوعين: طائفة تقول: إنا نطمع أن نرى محبوبنا، وطائفة تقول :
محال رؤية محبوبنا لكن ليس بمحال علمنا به، إذ ليست الرؤية مطلوبة لذاتها وإنما هي طريق
إلى حصول علم عند الرائي بالمرئي فبأيّ وجه حصل فهو ذاك وقد علمناه، ومن علمنا به أن
رؤيته من حيث إدراك البصر محال فيئسوا من ذلك فهم في نعيم اليأس، والآخرون في نعيم
الطمع، فالطائفتان يجتمعان في الانزعاج للفهم عنه تعالى ممّا خاطبهم به في المسمّى قرآناً أو

١٨٤
في الأحوال / الباب الثامن ومائتان في حال الانزعاج
حديثاً نبوياً أو ممّا ظهر في العالم من آثار القدرة المؤدّية إلى عظمته وكبريائه ولطفه وحنانه،
كل آية وسورة وصورة بما تعطي، فيتفاضلون في الفهم فيطلبون المزيد من العلم وهم
الأكابر، ومنهم من يقول: قد رويت، فلا يطلب المزيد، ورأيت منهم جماعة وهم أجهل
الطوائف، ورأيت أئمة من الأشاعرة على هذه القدم يرون أنهم يعرفون الله كما يعلم نفسه
سبحانه من غير مزيد، فهؤلاء مستريحون بجهلهم قد يئسنا من فلاحهم، ويجتمعان أيضاً في
الانزعاج إلى اللقاء، فمنهم من ينزعج إلى لقائه، ومنهم من ينزعج إلى لقاء ما يريد منه،
ويجتمعان أيضاً في الانزعاج إلى الإلقاء وإلى التلقي، وينقسمون في ذلك على أقسام: فمنهم
المتلقي عموماً وهو الكبير من الرجال، ومنهم المتلقي من الملك ومن الله المعرض عمّا
يجيء به غير الخاطر الإلهيّ وغير الملك، ومنهم من يتلقى الخاطر النفسيّ مضافاً إلى هذين
الخاطرين، ومنهم من يرجح تلقي الخاطر الشيطانيّ على الملكيّ والنفسيّ لكونه مقابلاً لأنه
إلقاء عدو محض فيلقى خلاف الحق فيريد هذا المتلقي أن يقف على خلاف الحق من حيث
ما هو خلاف عند الشيطان ولهذا ألقاه، وهذا المتلقي حق كله لأنه نور كله بل هو عين النور
فيعرف أن إبليس جهل ما عنده من الحق حيث تخيل أنه ليس بحق، فأخذه هذا المتلقي حقاً
من صورة شيطانية، فلم يحصل ما أعطاه الشيطان في صورة ملك ولا في صورة نفس إنسانية،
وزال حكم الشيطان منه حين قبله هذا المتلقي، فإن الشيطان يظن أنه لو همّه أن الذي ألقي
إليه أمري وجود وهو عدم عند الشيطان وما علم مرتبة هذا المتلقي وأنه ما تلقّى منه إلاَّ أمراً
وجودياً، فإذا رآه قد تعشق به عند أخذه ولم ير له انحطاط مرتبة ولا أثر جهل تعجب ونظر من
أين أتى عليه في أمره وما الذي صيّر ذلك المعدوم موجوداً؟ فعلم أن الجهل إنما قام به لا
بالمتلقي، وأنه هو الذي ألقى إليه الأمر الوجوديّ على أنه موهوم الوجود لا محقق، فرأى أنه
قد سعى في مزيد علوّ رتبته بما أفاده من العلم وهو لا يريد ذلك بل قصد ما يليق به، فما علم
أنه لعنه الله محل للوجود وإنما تخيل أنه محل لإيهام الوجود لا لتحققه، فيكون هذا المتلقي
في هذا التلقي خلاقاً وهذا أكمل مراتب الأخذ في التلقي.
وأما انزعاج الرهبة فمثل الرغبة إما رهبة منه وهو قوله: وأعوذ بك منك، وإما رهبة
ممّا يكون منه من عذاب حسيّ أو عذاب حجاب وهو عذاب الجهل أو التزيّن، وليس في
الحجب أكثف ولا أقوى من حجاب التزيّن لأن من زيّن له جهله فمن المحال طلب
الحاصل في زعمه لأنه حاصل عنده وليس بحاصل في نفس الأمر، فمن أراد أن يعتصم من
التزيّن فليقف عند ظاهر الكتاب والسنّة لا يزيد على الظاهر شيئاً فإن التأويل قد يكون من
التزيّن، فما أعطاه الظاهر جرى عليه وما تشابه منه وكل علمه إلى الله وآمن به فهذا متبع
ليس للتزيّن عليه سبيل ولا يقوم عليه حجة عند الله، فإن كان من أهل البصائر فهو يدعو
إلى الله على بصيرة ويتكلم على بصيرة فقد برىء من التزين فهو صاحب علم صحيح،
وكان من أهل الزينة لا من أهل التزيّن، فالانزعاج إلى الله قد يكون رهبة من هذا أيضاً،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

١٨٥
في الأحوال / الباب التاسع ومائتان في المشاهدة
الباب التاسع ومائتان
في المشاهدة
[نظم: الوافر]
يصحُ لك المكانةُ والمَقَامُ
إذا أُشْهِذْتَ فاثْبُتْ يا غلامُ
ومَشْهَدُه قويٍّ لا يُرَامُ
فِتَشْهَدُه بعقلك في حجابٍ
وليس له الوَرَاءُ ولا الأمَامُ
وتَشْهَدُه به في كل شيءٍ
بمَقْصُودٍ لنا وهو الإمامُ
تَوْمُّ به وتَقْصُده وما هُوْ
وتسْكُّنُ عند رؤيته سُكوناً
يكون به التحقُّقُ والسَّلامُ
المشاهدة عند الطائفة رؤية الأشياء بدلائل التوحيد ورؤيته في الأشياء وحقيقتها اليقين
من غير شك، قالت بلقيس: ﴿كَأَنَُّ هُوْ﴾ [سورة النمل: الآية ٤٢] وهو كان لم يكن غيره، فطلبنا
عين السبب الموجب لجهلها به حتى قالت: كأنه هو، فعلمنا أن ذلك حصل لها من وقوفها
مع الحركة المعهودة في قطع المسافة البعيدة، وهذا القول الذي صدر منها يدل عندي أنها لم
تكن كما قيل متولدة بين الإنس والجان، إذ لو كانت كذلك لما بعد عليها مثل هذا من حيث
علمها بأبيها، وما تجده في نفسها من القوّة على ذلك حيث كان أبوها من الجان على ما قيل،
فهذا شهود حاصل وعين مشهودة وعلم ما حصل، لأن متعلق العلم المطلوب هنا إنما هو
نسبة هذا العرش المشهود إليها كما هو في نفس الأمر ولم تعلم ذلك، كما أن أصحاب
النبي ◌ّ لما رأت جبريل في صورة دحية ما قالت كأنه هو وإنما قالت هو دحية ولم يكن في
نفس الأمر دحية، وهذا على النقيض من قصة بلقيس، واشتركا في الشهود وعدم العلم
بالمشهود من حيث نسبته لا من حيث ما شوهد، والسبب في هذا الجهل أنهم ما علموا من
دحية إلاَّ الصورة الجسدية لا غير، فما علموا دحية على الحقيقة وإنما علموا صورة الجسم
التي انطلق عليها اسم دحية، وعلى الحقيقة ما انطلق الاسم إلاَّ على الجملة، فتخيلوا لما
شاهدوا الصورة أن الكل تابع لهذه الصورة وليس الأمر كذلك، فإن البصر يقصر عن إدراك
الفارق بين القوّتين في الشبه إذا حضر أحدهما دون الآخر، فلو حضرا معاً عنده لفرق بينهما
بالمكان، والمسألة في نفسها شديدة الغموض ولا سيما في العلم الإلهيّ، لأن النفس الناطقة
التي هي روح الإنسان المسماة زيداً لا يستحيل عليها أن تدبر صورتين جسميتين فصاعداً إلى
آلاف من الصور الجسمية، وكل صورة هي زيد عينها ليست غير زيد، ولو اختلفت الصور أو
تشابهت لكان المرئي المشهود عين زيد كما تقول في جسم زيد الواحد مع اختلاف أعضائه
في الصورة من رأس وجبين وحاجب وعين ووجنة وخدّ وأنف وفم وعنق ويد ورجل وغير
ذلك من جميع أعضائه أي شيء شاهدت منه تقول فيه: رأيت زيداً وتصدق. كذلك تلك
الصور إذا وقعت ويدبرها روح واحد إلاَّ أن الخلل وقع هنا عند الرؤية لعدم اتصال الصور
كاتصال الأعضاء في الجسم الواحد، فلو شاهد الاتصال الذي بين الصور لقال في كل صورة

١٨٦
في الأحوال / الباب التاسع ومائتان في المشاهدة
شهدها هذا زيد كما يفعل المكاشف إذا شاهد نفسه في كل طبقة من طباق الأفلاك لأن له في
كل فلك صورة تدبر تلك الصور روح واحدة وهي روح زيد مثلاً، وهذا شهود حق في خلق .
قالت الطائفة في المشاهدة: أنها تطلق بإزاء ثلاثة معان: منها مشاهدة الخلق في الحق
وهي رؤية الأشياء بدلائل التوحيد كما قدمناه. ومنها مشاهدة الحق في الخلق وهي رؤية الحق
في الأشياء. ومنها مشاهدة الحق بلا الخلق وهي حقيقة اليقين بلا شك.
فأما قولهم رؤية الأشياء بدلائل التوحيد فإنهم يريدون أحدية كل موجود ذلك عين
الدليل على أحدية الحق، فهذا دليل على أحديته لا على عينه. وأما إشارتهم إلى رؤية الحق
في الأشياء فهو الوجه الذي له سبحانه في كل شيء وهو قوله: ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ [سورة النحل: الآية
٤٠] فذلك التوجه هو الوجه الذي له في الأشياء، فنفى الأثر فيه عن السبب إن كان أوجده عند
سبب مخلوق. وأما قولهم حقيقة اليقين بلا شك ولا ارتياب إذا لم تكن المشاهدة في حضرة
التمثّل كالتجلي الإلهيّ في الدار الآخرة الذي ينكرونه فإذا تحوّل لهم في علامة يعرفونه بها
أقرّوا به وعرفوه وهو عين الأول المنكور وهو هذا الآخر المعروف فما أقرّوا إلاَّ بالعلامة لا
به، فما عرفوا إلاَّ محصوراً فما عرفوا الحق، ولهذا فرقنا بين الرؤية والمشاهدة، وقلنا في
المشاهدة أنها شهود الشاهد الذي في القلب من الحق وهو الذي قيّد بالعلامة، والرؤية ليست
كذلك ولهذا قال موسى: ﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ وما قال اشهدني فإنه مشهود له ما غاب
عنه، وكيف يغيب عن الأنبياء وليس يغيب عن الأولياء العارفين به فقال له: ﴿لَنْ تَرَِ﴾ [سورة
الأعراف: الآية ١٤٣] ولم يكن الجبل بأكرم على الله تعالى من موسى، وإنما أحاله على الجبل لما
قد ذكر سبحانه في قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة غافر: الآية ٥٧] والجبل من الأرض وموسى من الناس، فخلق الجبل
أكبر من خلق موسى من طريق المعنى أي نسبة الأرض والسماء إلى جانب الحق أكبر من خلق
الناس من حيث ما فيهم من سماء وأرض، فإنها في السماء والأرض معنى وصورة وهما في
الناس معنى لا صورة، والجامع بين المعنى والصورة أكبر في الدلالة ممّن انفرد بأحدهما ولهذا
قال: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة غافر: الآية ٥٧] فالحمد لله الذي جعلنا من القليل
الذي يعلم ذلك، فجمع الجبل بين الصورة والمعنى فهو أكبر من جبل موسى المعنوي إذ هو
نسخة من العالم كما هو كل إنسان، فإذا كان الجامع بين الأمرين وهو الأقوى والأحق باسم
الجبل صار دكاً عند التجلي، فكيف يكون موسى حيث جبليته التي هي فيه معنى لا صورة. ولما
كانت الرؤية لا تصحّ إلاَّ لمن يثبت لها إذا وقعت والجبل موصوف بالثبوت في نفسه وبالإثبات
لغيره إذ كان الجبل هو الذي يسكن ميد الأرض، ويقال: فلان جبل من الجبال إذا كان يثبت عند
الشدائد والأمور العظام فلهذا أحاله على الجبل الذي من صفاته الثبوت، فإن ثبت الجبل إذا
تجليت إليه فإنك ستراني من حيث ما فيك من ثبوت الجبل : [مخلع البسيط]
فإنها كلَّها مَحَاقُ
فرؤيةُ الله لا تُطَاقُ

١٨٧
في الأحوال / الباب العاشر ومائتان في المكاشفة
أطاقَهُ الأرضُ والطّبَاقُ
فلو أطاقَ الشُّهودَ خَلْقٌ
وإنما ذلك انْفِهَاقُ
فلم تكُنْ رؤيتي شُهُوداً
قيل لرسول الله ﴿ ﴿: أَرَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)) وذلك أن الكون ظلمة والنور
هو الحق المبين، والنور والظلمة لا يجتمعان كما لا يجتمع الليل والنهار، بل كل واحد منهما
يغطي صاحبه ويظهر نفسه، فمن رأى النهار لم ير الليل، ومن رأى الليل لم ير النهار، فالأمر
ظاهر وباطن، وهو الظاهر والباطن، فحق وخلق، فإن شهدت خلقاً لم ترحقاً، وإن شهدت
حقاً لم تر خلقاً، فلا تشهد خلقاً وحقاً أبداً، لكن يشهد هذا في هذا وهذا في هذا شهود علم
لأنه غشاء ومغشی .
الباب العاشر ومائتان
في المكاشفة
[نظم: المتقارب]
إذا الحقُّ أعطاك أسماءَهُ
بأن الأمانةَ محمولَةٌ
فإن أنتَ أُفْهِمْتَ مقْصُودَهُ
بأحكامها فمتى ما دَعَى
مِنَ أَجْلِ التَّصَرُّف فيها ولم
فإنك عَبْدٌ وأسماؤه
مقامَ الأمانة أو رُدَّها
بما زادك الحالُ في أمرها
فهذي مُكَاشَفَةٌ تُرْتَضَى
فخُذْهَا أمانَةَ مَنْ قد فَهِمْ
وحامِلُها جاهلٌ قد ظُلِمْ
فأنت المكاشَفُ فلتَلْتَزِمْ
بها فأجِبْ أمرَه واخْتَشِمْ
يكن ينبغي لك أن تَختَكِمْ
ربوبيَّةٌ عَرَضَتْ فاختَرِمْ
إلى ربِّها أوّلاً واعتَصِمْ
وحقّقْ إشارتَها والغْتَنِمْ
وصاحبُها سيدٌ قد عُصِمْ
اعلم أن المكاشفة عند القوم تطلق بإزاء الأمانة بالفهم، وتطلق بإزار تحقيق زيادة
الحال، وتطلق بإزاء تحقيق الإشارة. اعلم أن المكاشفة متعلقها المعاني، والمشاهدة متعلقها
الذوات، فالمشاهدة للمسمّى والمكاشفة لحكم الأسماء، والمكاشفة عندنا أتم من المشاهدة،
إلاَّ لو صحّت مشاهدة ذات الحق لكانت المشاهدة أتم وهي لا تصح، فلذلك قلنا: المكاشفة
أتم لأنها ألطف، فالمكاشفة تلطف الكثيف، والمشاهدة تكثف اللطيف، وبقولنا هذا تقول
طائفة كبيرة من أهل الله مثل أبي حامد وابن فورك والمنذري، وقالت طائفة بالنقيض، وإنما
قلنا إنها أتم لأنه ما من أمر تشهده إلاَّ وله حكم زائد على ما وقع عليه الشهود لا يدرك إلاَّ
بالكشف، فإن أقيم لك ذلك الأمر في الشهود من حيث ذاته صحب ذلك المشهود حكم ولا
بدّ لا يدرك إلاَّ بالكشف هكذا أبداً، فالمكاشفة إدراك معنوي فهي مختصة بالمعاني، ومثال
ذلك إذا شاهدت متحركاً يطلب بالكشف محركه لأنه يعلم أن له محركاً كشفاً ولهذا يتعلق
العلم بمعلومين، ويتعلق البصر الذي هو للمشاهدة بمعلوم واحد، فيدرك بالكشف ما لا يدرك

١٨٨
في الأحوال / الباب العاشر ومائتان في المكاشفة
بالشهود، ويفصل الكشف ما هو مجمل في الشهود، فالمكاشفة كما قلنا على ثلاثة معان:
مكاشفة بالعلم ومكاشفة بالحال ومكاشفة بالوجد.
فأما مكاشفة العلم فهي تحقيق الأمانة بالفهم وهو أن تعرف من المشهود لما تجلى لك
ما أراد بذلك التجلي لك لأنه ما تجلى لك إلاَّ ليفهمك ما ليس عندك. فالمشاهدة طريق إلى
العلم، والكشف غاية ذلك الطريق وهو حصول العلم في النفس، وكذلك إذا خاطبك فقد
أسمعك خطابه وهو شهود سمعي فإن المشاهدة أبداً للقوى الحسيّة لا غير والكشف للقوى
المعنوية فما أسمعك إلاَّ لتفهم عنه، وإذا أفهمك بأي نوع تجلّى لك من إدراك صور الحواس
فإنما ذلك الفهم أمانة منه عندك لتلك الأمانة أهل لا ينبغي لك أن تودعها إلاَّ لأهلها وإن لم
تفعل فأنت خائن. وقال عليه السلام: ((المَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ) أي لا تحدث بما وقع في المجالس
إلاَّ لمن أعطاك الله الفهم منها من ينبغي أن تتحدث معه بما وقع فيها فذلك أهلها، وإذا حدثك
إنسان ورأيته يلتفت فاعلم أن ذلك الحديث أمانة أودعها إياك، فحظ المشاهدة ما أبصرت وما
سمعت، وما طعمت وما شممت وما لمست، وحظ الكشف ما فهمت من ذلك كله وما
فهمت فهو أمانة، وإذا كان أمانة حكم عليك الأمر الإلهيّ بأدائها إلى أهلها أوردها وردها إن
تتناساها إذ ما قد علمت لا تقدر على جهله فتجعل نفسك كأنك ما أبصرت وما سمعت، وهذا
باب صعب جداً على العارفين يحتاج إلى أدب وحفظ ومراعاة حدّ فإنه ليس بينه وبين الكذب
إلا حجاب واحد، وكذلك الخيانة ليس بينه وبينها إلا حجاب واحد، ومراعاة الحدّ تحول
بينك وبين الخيانة والكذب، فأما علم هذا فهو إذا سألك من يكرم عليك عما تحملته أمانة من
شهود بصرك أو سمعك أو ما كان من قوى حواسك والسائل ليس من أهله، ومعنى ليس من
أهله أن الذي أعطاك هذه الأمانة علمت منه لمن أراد أن توصلها إليه، فإن أجبت السائل
لكرامته عليك فقد خنت وإن لم تجب وعدلت في الجواب إلى أمر آخر يقنع به السائل ولو
عرف ما سترت عنه عزّ عليه ذلك فقد كذبت كمسألة الخليل في الكذبات الثلاث أثرت عنده
في القيامة، فاستحيى من الله أن يكلمه في فتح باب الشفاعة مع القصد الجميل في ذلك
والصدق في دلالة اللفظ ولكن لم يكن ذلك مقصود المخاطب فسمّى كذباً فانظر ما أخطر هذا
الموضع، وإن قلت ما عندي خبر كذبت أشد من التعريض والحق أحق أن يتبع، وجواب
الصادقين عن ذلك الذين آثروا الحق على غيره أن يقولوا للسائل: إن الذي سألت عنه لنا
وجوه في الجواب عنه فلا أدري عن أي وجه سألت لتعلمه، فإن قال لك: فصل الوجوه قل
له أنت أبِنْ لي عن مقصودك، فإذا قال لك مقصوده من الجواب فإن كان ممّا يدخل في الأمانة
فقل له أنه أمانة أخذ علينا العهد في حفظها وحق الله أحق أن يراعى ولا تستحي في ذلك منه
وإن كرم عليك أو كان ذا سلطان ولا يكون السموأل اليهودي المحجوب أوفى منك وأنت
العارف المشاهد حتى ضرب به المثل في الوفاء، وإن ذكر هذا السائل وجه مطلوبه من حيث
لا تعلق له بالأمانة فأجبه ولا بدّ لينتفع ولا تعطه ما ليس في وسعه حمله فيعود وباله عليك،
فهذا معنى قولهم تحقيق الأمانة بالفهم.

١٨٩
في الأحوال ! الباب العاشر ومائتان في المكاشفة
وأما المكاشفة بالحال وهي تحقيق زيادة الحال فاعلم أن كل متصف بصفة في كل وقت
فإن تلك الصفة هي حاله في ذلك الوقت أي صفة كانت، ولهذا لا يأتي الحال إلاّ بعد تمام
الكلام أي لو لم تذكر لأفاد الكلام دونها، فإن كانت هي المقصودة بالإخبار عنها فما أفاد
الكلام بالنظر إلى قصد المخبر تقول: رأيت زيداً، فاستقل الكلام وتمّ، ثم بعد ذلك زدت
راكباً فتقول: رأيت زيداً راكباً، أي في حال ركوبه فإن كان مقصودك التعريف برؤيتك إياه
راكباً فما تمّ الكلام بهذا الاعتبار أي ما حصلت الفائدة التي اعتبرتها وقصدتها، ولكن حصلت
فائدة بالجملة وهي رؤية زيد أنك رأيته ولم تذكر على أي حالة، فهذا معنى تحقيق زيادة
الحال أن يتحقق أن الحال زائدة على ما تقع به الفائدة مطلقاً من غير نظر إلى قصد، وهذا
راجع إلى الأوّل الذي هو تحقيق الأمانة بالفهم، فلو لقيك أحد سألك: هل رأيت زيداً؟ فقلت
له: رأيته، ثم زدت حالاً لم يسألك عنها فقلت له مسافراً وكان في نفسه عند سؤاله هل رأيت
زيداً حتى يعلم أنه في البلد فيجتمع به، فلما قلت له مسافراً أعلمته بهذه الزيادة التي هي زيادة
الحال بسفره فأرحته من طلب الاجتماع به إذ لا يتمكن له ذلك مع كونه ليس في البلد فهذا
وأمثاله من زيادة الحال، وأما في طريق أهل الله فزيادة الحال هي أن تشهد ذاتاً مّا على حال مّا
فتطلع من ذلك الحال إلى ما يؤول إليه أمره لأجل ذلك الحال فسمّي مثل هذا زيادة الحال
ومكاشفة بالحال مثال ذلك أن تشاهد ذاتاً مّا على حال خاص من حركة أو سكون أو صفة
ملائمة طبع الناظر أو غير ملائمة فتعرف من ذلك الحال أمراً زائداً وهو أن ذلك الحال يؤدّي
في حق المدرك له ودّاً أو بغضاً أو كراهة أو ما كان، فهذه زيادة الحال التي أعطاك، وبهذا يقع
العلم بالمنزلة عند الله قال بعضهم: إني لأعرف متى يحبني ربي فقيل له: ومن أين لك معرفة
ذلك؟ فقال: هو عرفني به، فقيل له: أوَخيّ بعد رسول الله وََّ؟ قال قوله: ﴿فَأَتَِّعُونِ يُخْبِبْكُمُ
اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١] وأنا في هذه الساعة في حال اتباع لما شرع وهو صادق القول
فأعطاني الحال إن الله محب لي في هذه الساعة لكوني مجلى لما أحب وهو تعالى ناظر إلى
محبوبه ومحبوبه ما أنا عليه، فأضاف تعلّق المحبة التي تصيرني محبوباً بالاتباع.
وأما المكاشفة بالوجد وهي تحقيق الإشارة أعني إشارة المجلس لا الإشارة التي هي
نداء على رأس البعد لأنه لا يبلغ مداها الصوت وذلك أن مجالس الحق على نوعين: النوع
الواحد لا يتمكن فيه إلاّ الخلوة به تعالى فهذا لا تقع فيه الإشارة وذلك إذا جالسته من حيث
هو له على علمه به. والنوع الثاني ما تمكن فيه المشاركة في المجلس وهو إذا تجلّى للعبد في
صورة أمكن أن تحضر في تلك المجالسة جماعة قلّوا أو كثروا ولو كان واحداً زائداً على هذا
الجليس ففي مثل هذا المجلس تكون الإشارة فإن الجليس الآخر فما زاد لا يمكن أن يجتمعا
على قدم واحدة حتى لو اطلع كل واحد من الجلساء على حال الآخر مع الله ما احتمله وكفر
به وأنكره وقال هذا إبليس، فلا بدّ إذا وقع الإفهام من الله لكل جليس له في هذه الحضرة
والمجلس الصوري أن يكون بالإشارة لا بالتصريح، فيفهم كل إنسان من تلك الإشارة ما في
وسعه، فالكلمة عنده تعالى واحدة وبالنظر إلى الجلساء كلمات كثيرة فينصرف كل جليس

١٩٠
في الأحوال/ الباب الحادي عشر ومائتان في اللوائح
راضياً يزعم أنه أخصّ من الباقين، ولله رجال أعطاهم من الفهم والاتساع وحفظ الأمانة أن
يفهموا عن الله في مثل هذه المجالس جميع إشارات كل مشار إليه وهم الذين يعرفونه في
تجلي الإنكار والشاهدون إياه في كل اعتقاد، والحمد لله الذي جعلنا منهم أنه وليّ ذلك،
وهذا القدر كافٍ، انتهى السفر السابع عشر بانتهاء الباب العاشر ومائتين.
[السفر الثامن عشر]
الباب الحادي عشر ومائتان
في اللوائح
[نظم: البسيط]
من السُّمُوْ ومن حالٍ إلى حالٍ
لَوائحُ الحقِّ ما تبدو لأَسْرارٍ
من غيرِ جارحةٍ بالعِلْم والحَالِ
وقد تكون بما يبدو لنَاظِرِهِ
دليلَها أنها في الآل كالآلِ
من النُّعُوت التي يُعْطيكَ شاهِدُها
اعلم أن اللوائح عند القوم ما يلوح إلى الأسرار الظاهرة من السموّ من حال إلى حال،
وعندنا ما يلوح للبصر إذا لم يتقيد بالجارحة من الأنوار الذاتية والسبحات الوجهية من جهة
الإثبات لا من جهة السلب، وما يلوح من أنوار الأسماء الإلهية عند مشاهدة آثارها فيعلم
بأنوارها، أما السموّ من حال إلى حال هو أن لا يرجع إلى الحال الذي انتقل عنه في الحال
الذي هو فيه إذا انتقل عنه إلى ما هو فوقه، والمراد بذلك ما يأتي به الحال من الواردات
الإلهية والمعرفة بالله وهي المنازل ما هي الكرامات، فإن الأحوال قد تعود مراراً ولكن لا
يحمد صاحبها فيها إلاّ إذا زادته علماً بالله لم يكن عنده لا بدّ من ذلك وتلك الزيادة هي
اللائحة، فإن لم ترقه تلك الزيادة في الحال فليست بلائحة مع صحة الحال، والحال كونك
باقياً أو فانياً أو صاحياً أو سكران أو في جمع أو تفرقة أو في غيبة أو في حضور والأحوال
معروفة وهي الأبواب التي ذكرناها في هذا الفصل، وفيها أمر الله نبيه وَ ليل أن يقول: ﴿وَقُل
رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] يرقى به عنده منزلة لم تكن له، وهذه الأحوال لا يختص
بها البشر ولا موطن الدنيا بل هي دائمة أبداً في الدنيا والآخرة وهي لكل مخلوق، فاللوائح
كأنها مبادي الكشوف ولهذا قد تثبت وقد يسرع زوالها إلاّ أنه لا بدّ لها فيمن تلوح له من زيادة
علم يرقى به درجة عند الله تعالى هذا يشترط في اللوائح، وقلنا من شرط اللائحة أن يكون
الإدراك بالبصر لا بالبصيرة في الحال الذي لا يتقيد البصر بالجارحة المقيدة بالجهة
المخصوصة بل بحقيقة البصر المنسوب إلى النفس الناطقة، ثم يزاد إلى ذلك أمر آخر وهو أن
يكون الحق بصره فهو الشاهد له والبينة من ربه على أن بصره لم يتقيد بالجارحة .
وقد صحّ هذا المقام عن رسول الله (18 كما صحّ عنه لما سئل عن رؤية ربه بعينه
المقيدة ذات الطبقات فقيل له: هل رأيت ربك؟ أراد السائل رؤية البصر المقيدة بالجارحة
فقال: ((نُورٌ أَنَّى أرَاهُ)) أي نور هذا الإدراك يضعف عن ذلك النور الإلهيّ، وإن كان للبصر

١٩١
في الأحوال/ الباب الثاني عشر ومائتان في التلوين
المقيد إدراك في النور الإلهيّ على حدّ مخصوص، فإن النور الإلهيّ كما قبل التشبيه بالمصباح
الوارد في القرآن على الصفات المخصوصة المذكورة كذلك يقبل إدراك البصر إياه إذا حصل
تلك الشرائط كلها فتدبرها في نفسك ويخرج قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [سورة الأنعام: الآية
١٠٣] على وجهين: الوجه الواحد أنه نفى أن تدركه الأبصار على طريق التنبيه على الحقائق
وإنما يدركه المبصرون بالأبصار لا الأبصار. والوجه الثاني لا تدركه الأبصار المقيدة
بالجارحة كما قرّرنا فإذا لم تتقيد أدركته وهو عين النور الذي وقع فيه التشبيه بالمصباح وهو
النور الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فلا يقبل التشبيه لأنه لا صفة له،
وكل من له صفة فإنه يقبل التشبيه لأن الصفات تتنوّع في القابلين لها بحسب ما تعطيه حقيقة
الموصوف كالعلم يتصف به الحق والسمع والبصر والقدرة والإرادة والقول وغير ذلك من
الصفات ويتصف بها المخلوق، ومعلوم أن نسبتها إلى المخلوق لا تكون على حد نسبتها إلى
الخالق بل نسبتها إلى البشر تخالف نسبتها إلى الملك وكلاهما مخلوقان فاعلم ذلك .
فهذه اللوائح التي تلوح للبصر مشاهد ذاتية ثبوتية ما هي سلبية، فإن الوصف السلبيّ
ليس من إدراك البصر بل ذلك من إدراك العقول وما يدرك بالعقل لا يدخل في اللوائح، وأما
ما يلوح من أنوار الأسماء الإلهية عند مشاهدة آثارها فتعلم بأنوارها أي تظهرها أنوارها فالاسم
الإلهيّ روح لأثره وأثره صورته والبصر لا يقع من الاسم إلاّ على أثره الذي هو صورته كما
تقع على صورة زيد الجسمية، ويصحّ أن يقال: رأى زيداً من غير تأويل ويصدق مع كون زيد
له روح مدبرة غيب فيه لها صورة وهي جسديتها فأثر الأسماء الإلهية صور الأسماء، فمن
شاهد الآثار فقد صدق في أنه شاهد الأسماء فلوائحها أن تجمع بين نسبة ذلك الأثر المشهود
وبين الاسم الذي هو روح صورة ذلك الأثر كما ترى شخصاً ولكن لا تعرف أنه زيد المطلوب
عندك، ويراه آخر ممّن يعرفه فيعرف أنه رأى زيداً فهذا العارف هو صاحب اللوائح والآخر
ليس هو من أصحاب اللوائح لأنه ما لاح له ارتباط الاسم بهذه الصورة، والفرق بين
الشخصين المدركين معلوم، فما كل مَن رأى علم ما رأى، فهذه اللوائح الحالية لمن أراد
معرفتها على الاختصار والاقتصاد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني عشر ومائتان
في التلوين
[نظم: البسيط]
دليلُ صِدْقٍ على العالي من الحالي
إن التَّلوُّنَ من حالٍ إلى حالٍ
(ضد العاطل)
بالحالِ فيه كمثْلِ الحالِ في الحالِ
فمَنْ تحقَّقَ بالأنفاس يعرفُه
(الوقت)

١٩٢
في الأحوال / الباب الثاني عشر ومائتان في التلوين
فالفعلُ ماضٍ وآتٍ ثمَّ بينهما فعلٌ يسمَّى بفعل الآن والحالِ
(حال أهل النحو)
وهو الصحيح الذي قد قيل في الحالِ
فالحالُ زائلةٌ والحالُ دائمة
(حال أهل النظر)
اعلم أن التلوين عند أكثر الجماعة مقام ناقص وهو تلون العبد في أحواله وأنشدوا في
ذلك : [مجزوء الرمل]
كلّ يوم تتلَوَّنْ
غيرُ هذا بك أجمَلْ
إلى أن قال بعضهم: علامة الحقيقة رفع التلوين بظهور الاستقامة فلو لم يزد بظهور
الاستقامة لكان قد نبّه على علم غامض محقق، فلما زاد هذه اللفظة أفسد الأمر والتحق في
حدّه بالقائلين بنقصه، وقالت طائفة: بل التلوين هو علامة على صاحبه بأنه متحقق محقق
كامل إلهيّ وهو الذي ارتضيه وهو مذهبي وبه أقول وعلى قدر تمكنه في التلوين يكون كماله
وبهذا نجد التمكين فنقول: التمكين في التلوين هو التمكين، فمن لم يتمكن لم يتلون الأمر
عنده وآيته من كتاب الله كل يوم هو في شأن فنكر وقالت: هذه الطائفة في التلوين بزيادة لو
سكتت عنها لكان أولى إذ ليس للتقييد بها تلك الفائدة وهو قولها، لأن في التلوين إظهار قدرة
القادر فيكشف منه العبد الغيرية وهذه الزيادة إجمالية تدل على ما ذهبنا إليه والتلوين نعت
إلهي، وكل نعت إلهي كمال إذ لا يتصوّر في ذلك الجناب نقص أصلاً بوجه ولا نسبة وما
تكمل المقامات والأمر إلاَّ أن تكون من النعوت الإلهية فإن الكمال لله على الإطلاق وهو قوله
في استشهادنا: ﴿يَسْثَلُمُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَّوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] وليس
التلوين غير هذا فيدخل في مذهبنا مذهب الجماعة فإنه أعم وأكبر إحاطة ولا يدخل مذهبنا في
مذهبهم .
اعلم أنه من علم أن الاتساع الإلهي لا يقتضي أن يكون شيء في الوجود مكرراً علم أن
التلوين هو الصحيح في الكون فإنه دليل على السعة الإلهيّة، فمن لم يقف من نفسه ولا من
غيره على اختلاف آثار الحق فيه في كل نفس فلا معرفة له بالله وما هو من أهل هذا المقام
وهو من أهل الجهل بالله وبنفسه وبالعلم فليبك على نفسه فقد خسر حياته، وما أورثهم هذا
الجهل إلاَّ التشابه، فإن الفارق قد يخفى بحيث لا يشعر به، فلا أقل أن يعلم أن ثم ما لا يشعر
به فيكون عالماً بأنه متلون في نفسه ولا يعرف فيما تلون ولا ما ورد عليه، قال تعالى: ﴿وَأُنُواْ
بِهِ، مُتَشَبِهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥] أي يشبه بعضه بعضاً، فيتخيل أن الثاني عين الأوّل وليس
كذلك بل هو مثله، والفارق بين المثلين في أشياء يعسر إدراكه بالمشاهدة إلاَّ من شاهد الحق
أو تحقق بمشاهدة الحرباء فلا دليل من الحيوانات على نعت الحق بكل يوم هو في شأن أدل
من الحرباء، فما في العالم صفة ولا حال تبقى زمانين ولا صورة تظهر مرتين والعلم يصحب
الأوّل والآخر، فهو الأوّل والآخر والظاهر والباطن، فلون ووحد الهوية في الكثرة، فمن لم

١٩٣
في الأحوال / الباب الثالث عشر ومائتان في حال الغيرة
يقدر على تقرير الوحدة في الكثرة جعل هذه الصفات نسباً وإضافات لوجوه مختلفة وهذا
مذهب النظار. وأما الطائفة فأقرّت الهوية والوحدة وجعلت الوجه الذي هو منه أوّل هو عينه
منه آخر وظاهر وباطن، صرّح بذلك أبو سعيد الخرّاز، فرجال الله ما أثبتوا للحق إلاَّ ما هم
عليه ولا يثبت في الكون، وفي جميع المخلوقات إلاَّ ما هو الحق عليه، فارتبط الكل بالكل
وضرب الواحد في الواحد فلم يتضاعف بل هو عين ما ضرب، وكذلك ما يضرب في الواحد
أو يضرب الواحد فيه من واحد أو كثرة لا يتضاعف بل هو عين ما ضرب فهكذا الأمر،
فالتلوين ضرب الواحد في الكثرة فلا يظهر سوى عين تلك الكثرة المضروب فيها الواحد أو
المضروبة في الواحد والحق واحد بلا شك وضرب الشيء في الشيء نسبته إليه، ونحن كثيرون
عن عين واحدة جلّت وتعالت انتسبت إلينا إيجاداً وانتسبنا إليها وجوداً، فمن عرف نفسه خلقاً
وموجوداً عرف الحق خالقاً موجداً، فإذا نظرت إلى أحدية العالم ضربت الواحد في الواحد،
وإذا نظرت إلى العالم ضربت الواحد في الكثير والعالم أثر أسمائه والأثر كما قدمنا صورة الاسم
في اللوائح، فما ضربت أحدية الحق إلاَّ في صور أسمائه فما زلّت عنه فلم يخرج بعد الضرب
إلاَّ هو والأسماء كثيرة، كذا ورد الخبر الإلهي فيها من التسعة والتسعين فما فوقها ممّا يعلم وممّا
لا يعلم والعين واحدة والألوان مراتب والتلوين نسبة إليها، فإن قلت: واحد، صدقت. وإن
قلت: كثيرون، صدقت، فإن أسماء الله كثيرة لمعان مختلفة والله الهادي.
الباب الثالث عشر ومائتان
في حال الغيرة
شعر في المعنى : [البسيط]
ما بين علمٍ وحكمٍ يَذْهَبُ الناسُ
إن التغيُّر حالٌ كَوْنُهُ خَطِرٌ
من الحقيقةِ رَدّاً فيه إفلاسُ
إن قالَ ماذا بحُكْمٍ ردَّهُ عِلْمٌ
لم يَهْده في ظلام الليل نِبْرَاسُ
كذاك ذو الكمِّ ممَّنْ فهوْ أجْهِلُ مَنْ
عنها فليس لذاك الحُكْمِ إيناسُ
وضِنَّةُ الحقِ أوْلى أن تنزْهَهُ
اعلم أنه لما كانت الغيرة عند الطائفة على ثلاثة مقامات: غيرة في الحقّ وغيرة على
الحق وغيرة من الحق، كان لها ثلاثة أحوال بحسب ما تنسب إليه من أجل التجانس. فأما
الغيرة فأصلها مشاهدة الغير إذا ثبت أن ثم غيراً، فإذا ثبت صحّ ما قلناه عنهم من التفاصيل
وأعني بثبوته عين وجود الغير لا عين معقوليته فإنه معقول بلا شك، ولكن هل هو موجود
العين هذا الغير المعقول أم لا؟ فمن قال بالظاهر في المظاهر لم يقل بوجود الغير مع ثبوت
حكمه وحاله المعبر عن ذلك بالغيرة وهو أثر استعداد المظاهر في الظاهر والغير موجب الكثرة
عيناً أو حالاً لا بدّ من ذلك والكثرة معقولة بلا شك ولكن هل لها وجود عيني أم لا؟ فيه نظر،
فمن قال: إن هذه الكثرة الظاهرة في العين أحوال مختلفة قائمة بعين واحدة لا وجود لها إلاّ
في تلك العين فهي نسب فلا حقيقة لها عينية في الوجود العينيّ، ومن قال: إن لها أعياناً لم
الفتوحات المكية ج٤ - م١٣

١٩٤
في الأحوال / الباب الثالث عشر ومائتان في حال الغيرة
يقل بالعين الواحدة ولا بالظاهر في المظاهر لأن الكثير مشهود لا الكثرة، فالكثرة معقولة
والكثير موجود مشهود، فمن هنا ظهر حكم حال الغيرة في الأشياء واتصف بالغيرة الإله،
والشيء لا يكون غير نفسه إلاَّ إذا كان الشيء أشياء فيكون كل شيء غيراً للشيء الآخر والحق
ليس بأشياء فلا يقبل الغير، وقد اتصف بأنه غيور ومن غيرته حرم الفواحش فتدبر ما ذكرناه
حتى تعرف ما الفاحشة، وما الفعل المسمّى فاحشة وغير فاحشة، فالغير على الحقيقة ثابت لا
ثابت هو لا هو .
فأما حال الغيرة في الحق وهي الغيرة التي تكون عند رؤية المنكر والفواحش وهي التي
اتصف الحق بها والملأ الأعلى والرسل وصالحوا المؤمنين على أن الغيرة مركوزة في الطبع
فلا بدّ منها إلاَّ أنها تنقسم إلى محمود ومذموم وكلامنا في المحمود منها وهي الغيرة في الحق
وهي من أشكل المسائل فإنه تعالى من غيرته حرم الفواحش، ثم إذا وقعت الفواحش في
الكون لم نره يسرع بالأخذ عليها لا دنيا ولا آخرة، فعلمنا أن ثم مانعاً أقوى يمنع من ذلك
يكون ذلك المانع أعظم إحاطة، وتكون نسبته إلى الغيرة نسبة العلم الإلهي إلى القدرة
الإلهية، فإن القدرة وإن تعلقت بما لا يتناهى من الممكنات فلا تشك أن العلم أكثر إحاطة
منها لأنه يتعلق بها، وبالممكنات والواجبات والمستحيلات والكائنات وغير الكائنات مع ما
يعطي الدليل أن ما لا يتناهى لا يفضل ما لا يتناهى، كذلك السبب الموجب لترك المؤاخذة
على ما يقع عمّن يأتي ما وقعت عليه الغيرة، ولا بدّ أن يكون أقوى من حال الغيرة هذا كله
في حق الحق. وأما في حق المخلوق فلا بدّ من تغيير النفس وهو مكلف بها في الحق لا بدّ
من ذلك، ومذموم من لم يجد ذلك من المكلفين فإنه مخاطب بتغييره من يده بالفعل إلى
لسانه بالقول إلى وجود ذلك في النفس وهو أضعف الإيمان في الزمان لا في نفس الغيور،
فحال الغيرة هو ما يجده الغيور من اختلاف الأمر عليه في نفسه عند وقوع ما لا يرضي الله،
سواء وقع ذلك منه أو من غيره بل من هذه صفته هو معصوم، فإن من وقع منه ما يوجب
الغيرة ولا يغار وإذا رأى ذلك من الغير أدركته الغيرة فليست بغيرة حقية إلهية، وإنما هي غيرة
نفسية لا قربة فيها إلى الله تعالى، تلك هي الغيرة الإلهية الصحيحة ولكن لا يشعر بها كثير من
أهل الله إلاَّ من عرف الحق حق معرفته، فإن الله هو الغيور الأعظم في الغيرة من المخلوق،
وهو الفاعل للأمر الذي يوجب الغيرة ولا يؤاخذ على ذلك أخذ عموم، فكذلك من توجد منه
الغيرة في حق زيد لفعل خاص، وإذا وقع منه ذلك الفعل لا يجد غيرة فلهذا قلنا: صاحب
هذا الحال أحق وأقرب للاتّصاف بالنعت الإلهيّ بالغيرة من الذي يغار مطلقاً في حق نفسه
وغيره، ومن أجل ذلك سمّي معصوماً أو محفوظاً، فلم يقع منه ما يوجب الغيرة وهو السعيد
في العموم المثنى عليه في الشرع، والآخر يذم كما يذم الجبار من المخلوقين وإن كان
الجبروت وصفاً إلهياً، كذلك خصوص الغيرة لا ينبغي للمؤمن أن يتصف بذلك بل تعمّ غيرته
في الحق وحينئذ يحمده الله تعالى ويثني عليه، فقد نبهتك على سرّ من أسرار الغيرة لتستريح
إليه إن تفطنت له ولا تستعمله فتشقى بل كن لله غيوراً في الحق مطلقاً من غير تقييد.

١٩٥
في الأحوال / الباب الرابع عشر ومائتان في حال الحرية
وأما حال الغيرة على الحق وهي كتمان السرائر والأسرار وتلك حالة الأخفياء الأبرياء
من الملامية المجهولين المجهولة مقاماتهم فلا يظهر عليهم أمر إلهيّ يعرف به أن لله عناية
بهم، فأحوالهم تستر مقامهم لحكمة الموطن فإنهم لا يظهرون في محل النزاع إذ كان سيدهم
وهو الله تعالى قد نوزع في ألوهيته في هذه الدار، وهذه الطائفة متحققة بسيدها، فمنعهم ذلك
التحقق أن يظهروا في الموطن الذي استتر سيدهم فيه فجروا مع العامة على ما هي العامة عليه
من ظاهر الطاعات التي لم تجر العادة في العرف أن يسمّوا بها أنهم من أهل الله لأنهم ما ظهر
منهم ما يتميزون به عن العامة من الأفعال، كما ظهر من بعض الأولياء من خرق العوائد في
الأحوال، أو من تتبع تغيير المنكرات إذا بدت تغييراً يتميز به عن التغيير العام بحيث أن يشار
إليه فيه فهذه حال الغيرة على الحق.
وأما حال الغيرة من الحق وهي ضنته بأوليائه حيث سترهم عن سائر عباده فحبب إليهم
الستر ووفقهم للمعرفة بحكم الموطن فاتصفوا بصفة سيدهم فكانوا عنده خلف حجب العوائد
فهم ضنائن الله وعرائسه فهم عنده كهو عندهم، فما يشاهدون سواه ولا ينظر هو إلاَّ إليهم،
فمن أراد أن يعرفهم فليسلك مسلك الغيرة على الحق فينتظم في سلكهم، وأما قول بعضهم
في الغيرة على الحق أن يذكر بألسنة الغافلين فكل لسان ذكره فليس بغافل بل له ثمرة صحيحة
ينالها الذاكر وهو اللسان، وإن لم تقرن به نية من نفس صاحب ذلك اللسان فما ذكره ذاكر
بغفلة قط بل ذلك من قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ نَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة
الإسراء: الآية ٤٤] مثل هؤلاء، فصاحب هذا القول لا حظّ له في الرجولة، وكذلك قول الآخر
أغار على ذلك الجمال الأنزه عن نظر مثلي يا ليت شعري، وأي نظر لك وأين الموجود الذي
له نظر من ذاته وهل ينظره إلاَّ هو يا أيها المشرك أما تستحي أن تقول مثل هذا القول فحال
الغيرة من الحق أن تكون حقاً وتقوم فيها بنسبتها إلى الحق فتنظر ما الغيرة منه فتكون على
ذلك ومع هذا على كل وجه فإنه يطلب ثبوت الغير والتفرقة بين الأشياء والتميز فتحفظ في
ذلك من إثبات وجود عين زائدة أو من نفي عيون كثيرة في غير وجود عينيي، فأثبت الكثرة في
الثبوت وأنفها من الوجود، وأثبت الوحدة في الوجود وأنفها من الثبوت، فاعلم ذلك.
الباب الرابع عشر ومائتان
في حال الحرية
[نظم: المتقارب]
فذلك حُرّ وإن لَمْ يكُنْ
إذا كان حالُ الفَتَى عَيْنَهُ
وإن كان ما لم يَكُنْ لم يَكُنْ
بأكوانِهِ كائنٌّ يسْتَكِنْ
ولا رقَّ إلاَّ لمَنْ قال كُنْ
فِحُرِّيةُ العبْدِ مَعْلُولَةٌ
فجَنْبُكَ من فقره قد وَهَنْ
فيا أيها الحرُّ لا تفتَقِزْ
ولا بدَّ منك فقد آن أنْ
ولا بدَّ منه فماذا تَرَى

١٩٦
في الأحوال/ الباب الرابع عشر ومائتان في حال الحرية
وذلك عندي مِنَ اقوَى الجُنّنْ
أَضُمَّ غناه إلى فَقْرِنا
اعلم أن الحرية عند الطائفة الاسترقاق بالكلية من جميع الوجوه، فتكون حراً عن كل ما
سوى الله وهي عندنا إزالة صفة العبد بصفة الحق، وذلك إذا كان الحق سمعه وبصره وجميع
قواه وما هو عبد إلاَّ بهذه الصفات التي أذهبها الحق بوجوده مع ثبوت عين هذا الشخص
والحق لا يكون مملوكاً، فكان هذا المحل حراً إذ لا معنى له من عينه ما لم يكن موصوفاً
بهذه الصفات وهي الحق عينها لا صفات الحق عينها، فثبت عين الشخص بوجود الضمير في
قوله: كنت سمعه فهذه الهاء عينه والصفة عين الحق لا عينه فثبتت الحرية لهذا الشخص، فهو
محل لأحكام هذه الصفات التي هي عين الحق لا غيره كما يليق بجلاله، فنعته سبحانه بنفسه
لا بصفته، فهذا الشخص من حيث عينه هو ومن حيث صفته لا هو: [الطويل]
وأنتَ له آلٌ كما هو آخِرُ
فوضفُكَ معدومٌ وعينُك ظاهرُ
فما أنتَ مزجورٌ وما أنت زاجِرُ
وأنتَ له مَلْكٌ ولستَ بعبدهِ
وعلى الحقيقة لا يقال في الحق إنه حر لكن يقال: إنه ليس بعبد إذ كان لا يعرف إلاَّ
بالنعت السلبي لا بالنعت الثبوتي النفسي، لكن للمظاهر حكم فيه من حيث ما هو ظاهر فيها
فينسب إليه جميع ما ينسب إلى المظهر من نعوت نقص عرفي ونعوت كمال وتمام: [السريع]
فعَيْنُه الظاهرُ نَعْتُ العبيدْ
وليس إلاَّ الحقّ لا غيره
ولا تقُلْ بأنه عَيْنُهم
بل قلْ كما قلته لا تزيد
وألسنة الشرائع الإلهية بهذا نطقت حقيقة لا مجازاً، والأدلة العقلية النظرية تنفي مثل
هذا عن الجناب الإلهيّ، وإذا وردت به الشرائع فإن فحول علمائهم يتأولون مثل هذا لعدم
الكشف إذ لم يكن الحق بصرهم :
وما استضاؤوا ساعةً بنورهِ
تقلَّدوا الفكرَ على قُصُورهِ
[الرجز]
وأظْهَرَها في خَلْقه بصفاتِهِ
فسبحانَ من أخْفَى عن العين ذاتَهُ
[الطويل]
فأينَ العَهْدُ والوغدُ
فلا حرِّ ولا عبْدُ
مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَغْدُ
فللَّهِ وجودُ الأمْدِ
[الهزج]
واعلم أن الحر مَن ملك الأمور بأزمتها ولم تملكه وصرفها ولم تصرفه وهذا غير موجود
في الجنابين، فإن الله يقول: ادعوني أستجب لكم، وطلب منا الإجابة لما دعانا فحصل
التصريف من جانب الحق ومن جانب العبد، فلولا دعاء العبد وسؤاله ما كان الحق مجيباً
والإجابة نعته، فقد ظهر من العبد صورة تصرف في الحق، وقد ظهر من الحق تصرف في
العبد لا صورة تصرف، فهذا القدر بين الحق والعبد، ولا يكون حراً مطلق الحرية من هذا

١٩٧
في الأحوال / الباب الخامس عشر ومائتان في معرفة اللطيفة وأسرارها
نعته، ففي الحقيقة ليس للحرية وجود عين، فإن الإضافات تمنع من ذلك، لكن حقيقة الحرية
في غنى الذات عن العالمين مع ظهور العالم عنه لذاته لا لأمر آخر فهو غني عن العالمين فهو
حر والعالم مفتقر إليه، فالعالم عبيد فلا حرية لهم أبداً، فإذا طلبتهم الألوهة بما كلفتهم به من
الأحكام التي لا ظهور للألوهية إلاَّ بها ظهرت الإضافات، فصار الأمر موقوفاً من الطرفين كل
طرف على صاحبه، فامتنعت الحرية أن تقوم بواحد من المضافين، فمن قد قال: إن الحق
معروف فلا يدري كما من قال: إن الحق مجهول فلا يدري، فهذا حال الحرية قد استوفيناه
مختصراً قريب المأخذ والمتناول.
الباب الخامس عشر ومائتان
في معرفة اللطيفة وأسرارها
[نظم: الوافر]
فتلك لطائفُ الرَّحْمُنِ فِينَا
إذا عزَّتْ عن الشَّزح المعاني
فنّخيَى من إشارتهـا سِنينَا
يُشَارُ بها إلينا من بعيدٍ
يُهَيِّمُها الهوى حيناً فحينًا
وأن الله يمْنَحُهَا قلوباً
هو الحبُّ الذي منه ابْتُلينا
وما ذاك الهَوَى المذمومَ لكنْ
اعلم أيّدنا الله وإياك بروح القدس أن أهل الله يطلقون لفظ اللطيفة على معنيين:
يطلقونه ويريدون به حقيقة الإنسان، وهو المعنى الذي البدن مركبه ومحل تدبيره وآلات
تحصيل معلوماته المعنوية والحسية، ويطلقونه أيضاً ويريدون به كل إشارة دقيقة المعنى
تلوح في الفهم لا تسعها العبارة وهي من علوم الأذواق والأحوال، فهي تعلم ولا تنقال
لا تأخذها الحدود وإن كانت محدودة في نفس الأمر، ولكن ما يلزم من له حدّ وحقيقة
في نفس الأمر أن يعبر عنه، وهذا معنى قول أهل الفهم: إن الأمور منها ما يحدّ ومنها ما
لا يحدّ، أي تتعذر العبارة عن إيضاح حقيقته وحده للسامع حتى يفهمه وعلوم الأذواق
من هذا القبيل، ثم يتوسعون في اللطائف فيسمون كل معنى دقيق عزيز المثال، وإن قيل
ينفرد به أفراد الرجال لطيفة. ومن الأسماء الإلهية الاسم اللطيف، ومن حكم هذا الاسم
الإلهيّ إيصال أرزاق العباد المحسوسة والمعنوية المقطوعة الأسباب من حيث لا يشعر بها
المرزوق وهو قوله تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٣] ومن الاسم
اللطيف قوله عليه السلام في نعيم الجنة: ((فِيها مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنْ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ
عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ)) فاعلم وفقك الله أن اللطيفة التي تحصل للعبد من الله من حيث لا يشعر
إذا أوصلها العبد بهمته لتلميذه، أو لمن شاء من عباد الله من حيث لا يشعر ذلك
الشخص عن قصد من الشيخ حينئذ يقال فيه إنه صاحب لطيفة، ولا يصحّ هذا إلاَّ
للمتخلق بالاسم الإلهيّ اللطيف، فإن وقع الشعور بها فليس بصاحب لطيفة، وإن وقع
للتلميذ أو للموصل إليه ذلك المعنى أنه وصل إليه من هذا الشيخ عن علم محقق لا عن

١٩٨
في الأحوال/ الباب الخامس عشر ومائتان في معرفة اللطيفة وأسرارها
حسبان ولا حسن ظنّ ولا تخمين، فذلك الشيخ ليس بصاحب لطيفة في تلك المسألة،
فإنه من شأن صاحب هذا المقام العزّة والمنع أن يشعر به أن ذلك من عنده على تفصيل
ما وقع منه الإيصال لا على الإجمال، كما تعلم أن الرزاق هو الله على الإجمال، ولكن
ما تعرف كيف إيصال الرزق للمرزوق على التفصيل والتعيين الذي يعلمه الحق من اسمه
اللطيف، فإن علم فمن حكم اسم آخر إلهيّ لا من الاسم اللطيف وليس ذلك بلطيفة فلا
بدّ من الجهل بالإيصال، ولهذا المعنى سميت حقيقة الإنسان لطيفة لأنها ظهرت بالنفخ
عند تسوية البدن للتدبير من الروح المضاف إلى الله في قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
رُوحِى﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩] وهو النفس الإلهيّ وقد مضى بابه فهو سرّ إلهيّ لطيف ينسب
إلى الله على الإجمال من غير تكييف، فلما ظهر عينه بالنفخ عند التسوية وكان ظهوره
عن وجود لا عن عدم فما حدث إلاَّ إضافة التولية إليه بتدبير هذا البدن مثل ظهور الحرف
عن نفس المتكلم، وأعطى في هذا المركب الآلات الروحانية والحسية لإدراك علوم لا
يعرفها إلاَّ بوساطة هذه الآلات، وهذا من كونه لطيفاً أيضاً فإنه في الإمكان العقليّ فيما
يظهر لبعض العقلاء من المتكلمين أن يعرف ذلك الأمر من غير وساطة هذه الآلات وهذا
ضعيف في النظر، فإنا ما نعني بالآلات إلاَّ المعاني القائمة بالمحل، فنحن نريد السمع
والبصر والشم لا الأذن والعين والأنف وهو لا يدرك المسموع إلاَّ من كونه صاحب سمع
لا صاحب أذن، وكذلك لا يدرك المبصر إلاَّ من كونه صاحب بصر لا صاحب حدقة
وأجفان فإذا إضافات هذه الآلات لا يصحّ ارتفاعها، وما بقي لماذا ترجع حقائقها؟ هل
ترجع الأمور زائدة على عين اللطيفة أو ليست ترجع إلاَّ إلى عين اللطيفة؟ وتختلف
الأحكام فيها باختلاف المدركات والعين واحدة وهو مذهب المحققين من أهل الكشف
والنظر الصحيح العقلي، فلما ظهر عين هذه اللطيفة التي هي حقيقة الإنسان كان هذا
أيضاً عين تدبيرها لهذا البدن من باب اللطائف لأنه لا يعرف كيف ارتباط الحياة لهذا
البدن بوجود هذا الروح اللطيف لمشاركة ما تقتضيه الطبيعة فيه من وجود الحياة التي هي
الروح الحيواني فظهر نوع اشتراك، فلا يدري على الحقيقة هذه الحياة البدنية الحيوانية
هلٍ هي لهذه اللطيفة الظاهرة عن النفخ الإلهيّ المخاطبة المكلفة أو للطبيعة أو للمجموع
إلاَّ أهل الكشف والوجود فإنهم عارفون بذلك ذوقاً، إذ قد علموا أنه ما في العالم إلاّ
حيّ ناطق بتسبيح ربه تعالى بلسان فصيح ينسب إليه بحسب ما تقتضيه حقيقته عند أهل
الكشف، وأما ما عدا أهل الكشف فلا يعلمون ذلك أصلاً فهم أهل الجماد والنبات
والحيوان، ولا يعلمون أن الكل حيّ ولكن لا يشعرون، كما لا يشعرون بحياة الشهداء
المقتولين في سبيل الله قال تعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ الَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَخْيَّةٌ وَلَكِن
لَّا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٤].
ثم إن تدبير هذه اللطيفة هذا البدن لبقاء الصحبة لما اقتنته من المعارف والعلوم بصحبة

١٩٩
في الأحوال / الباب الخامس عشر ومائتان في معرفة اللطيفة وأسرارها
هذا الهيكل ولا سيما أهل الهياكل المنوّرة وهنا ينقسم أهل الله إلى قسمين: قسم يقول
بالتجريد عند مفارقة هذا البدن فإنها تكتسب من خلقها وعلومها ومعارفها أحوالاً وهيئات
يعلمون بها في عالم التجريد من أخواتها فتطلب درجة الكمال، وهذا الصنف وإن كان من
أهل الله فليس من أهل الكشف بل الفكر عليه غالب والنظر العقليّ عليه حاكم. والقسم الآخر
من أهل الله وهم أهل الحق لا يبالون بالمفارقة متى كانت لأنهم في مزيد علم أبداً دائماً،
وأنهم ملوك أهل تدبير لموادّ طبيعية أو عنصرية دنيا وبرزخاً وآخرة، وهم المؤمنون القائلون
بحشر الأجساد وهؤلاء لهم الكشف الصحيح، فإن اللطيفة الإلهية لم تظهر إلاَّ عن تدبير
وتفصيل وهيكل مدبر هو أصل وجودها مدبرة فلا تنفك عن هذه الحقيقة، ومن تحقق ما يرى
نفسه عليه في حال النوم في الرؤيا يعرف ما قلناه، فإن الله ضرب ما يراه النائم في نومه مثلاً
وضرب اليقظة من ذلك النوم مثلاً آخر للحشر، والأوّل ما يؤول إليه الميت بعد مفارقة عالم
الدنيا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ٦] ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ
اُلْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ٧]. فنحن في ارتقاء دائم ومزيد علم دنيا وبرزخاً وآخرة،
والآلات مصاحبة لا تنفك في هذه المنازل والمواطن والحالات عن هذه اللطيفة الإنسانية.
ثم إن الشقاء لهذه اللطيفة أمر عارض يعرض لها كما يعرض المرض في الدنيا لها لفساد
هذه الأخلاط بزيادة أو نقص، فإذا زيد في الناقص أو نقص من الزائد وحصل الاعتدال زال
المرض وظهرت الصحة، كذلك ما يطرأ عليها في الآخرة من الشقاء، ثم المآل إلى السعادة
وهي استقامة النشأة في أي دار كان من جنة أو نار، إذ قد ثبت أنه لكل واحد من الدارين
ملؤها، فالله يجعلنا ممّن حفظت عليه صحة مزاج معارفه وعلومه، فهذا طرف من حقيقة
مسمّى اللطيفة الإنسانية، بل كل موجود من الأجسام له لطيفة روحانية إلهية تنظر إليه من حيث
صورته لا بدّ من ذلك وفساد الصورة والهيئة موت حيث كان.
وأما اصطلاحهم اللطيفة على المعنى الآخر الذي هو كل إشارة تلوح في الفهم لا تسعها
العبارة فاعلم أن أهل الله قد جعلوا الإشارة نداء على رأس البعد وبوحاً بعين العلة، ولكن في
التقسيم في الإشارات يظهر فرقان، وذلك أن الإشارة التي هي نداء على رأس البعد فهو حمل
ما لا تبلغه العبارة، كما أن الإشارة للذي لا يبلغه الصوت لبعد المسافة وهو ذو بصر فيشار
إليه بما يراد منه فيفهم، فهذا معنى قولهم: نداء على رأس البعد، فكل ما لا تسعه عبارة من
العلوم فهو بمنزلة من لم يبلغه الصوت فهو بعيد عن المشير وليس ببعيد عمّا يراد منه، فإن
الإشارة قد أفهمته ما يفهمه الكلام أو يبلغه الصوت، وقد علمت قطعاً أن المشير إذا كان الحق
فإنه بعيد عن الحد الذي يتميز به العبد فهذا بعد حقيقي لا بدّ منه ولا يكون الأمر إلاَّ هكذا،
فلا بدّ من الإشارة وهي اللطيفة فإنه معنى لطيف لا يشعر به، ثم إنه وإن لم يكن بعد فهو بوح
بعين العلة وذلك أن الأصم يكون قريباً من المتكلم ولكن قربه لا تقع به الفائدة لأنه لا يصل
إليه الصوت لعلة الصمم فيشير إليه مع القرب، كما يقول الحق على لسان عبده: سمع الله
نمن حمده، فهذا غاية القرب مع وجود العلة وظهورها، وأكثر من هذا القرب ما يكون فإنه

٢٠٠
في الأحوال/ الباب السادس عشر ومائتان في معرفة الفتوح وأسراره
هو مع قوله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ففرّق وفصل، وأين هذا ممّن جعل قوله
قوله وأنه المتكلم والقائل لا هو، فهذا قرب معلول فهو قولهم وبوح بعين العلة، ولهذا
سمّيت لطيفة لأنها أدرجت الرب في العبد فقال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾ [سورة
التوبة: الآية ٦] وكان المتكلم محمداً وَّ بكلام الله، وقال تعالى: ((كنت سمعه وبصره ولسانه))،
وهذا من ألطف ما يكون ظهور ربٍ في صورة خلق عن إعلام إلهيّ لا تعرف له كيفية ولا
تنفك عنه بينية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] ثم إنه من
هذا الباب حنين الأمهات إلى أولادها وعطفها عليهم، والحنين إلى الأوطان والشوق إلى
الآلاف وهي مناسبات في الجملة بين الأمرين إذا أراد الشخص أن يعرف عللها لم يقدر على
ذلك ولكن يقارب إلاَّ من حصل له التعريف الإلهيّ فذلك عالم بما هو الأمر عليه تلقاه من
أصل الوجود بل من عين الوجود إذا لحق وهو الوجود ليس إلاَّ .
الباب السادس عشر ومائتان
في معرفة الفتوح وأسراره
[نظم: البسيط]
وهو العذابُ فلا تَفْرَخْ إذا وَرَدَا
إن الفُتُوحَ هو الراحاتُ أجمَعُهَا
رأيتَه فاتَّخذْ ما شئْتَهُ سَنَدَا
حتَّى تَرَى عَيْنَ ما يأتي به فإذا
ما شاء من رحمةٍ فيها إذا قَصَدَا
الريحُ بُشْرَى من الرحمن بين يَدَيْ
وقد تكونُ عَذَاباً ما استعدَّ له
كريحِ عادٍ بنَقْلٍ ثابتِ شَهِدَا
عسى تحوزُ بذاك الفوْزَ والرَّشَدَا
فالمكرُ منه خفيٍّ فاستعدَّ له
اعلم أيّدنا الله وإياك بما أيّد به الخاصة من عباده أن الفتوح عند الطائفة على ثلاثة
أنواع: النوع الواحد فتوح العبارة في الظاهر قالوا: وذلك سببه إخلاص القصد، وهو صحيح
عندي وقد ذقته وهو قوله عليه السلام: ((أَوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِم)) ومنه إعجاز القرآن، وقد سألت
في الواقعة عن هذه المسألة فقيل لي: لا تخبر إلاَّ عن صدَقَ وأمر واقع محقق من غير زيادة
حرف أو تزوير في نفسك، فإذا كان كلامك بهذه الصفة كان معجزاً. وأمّا النوع الثاني من
الفتوح فهو فتوح الحلاوة في الباطن قالت الطائفة: هو سبب جذب الحق بأعطافه. وأما النوع
الثالث فهو فتوح المكاشفة بالحق قالت الطائفة: هو سبب المعرفة بالحق، والجامع لذلك كله
أن كل أمر جاءك من غير تعمّل ولا استشراف ولا طلب فهو فتوح ظاهراً كان أو باطناً، وله
علامة في الذائق الفتوح وهي عدم الأخذ من فتوح الغير أو نتائج الفكر، ومن شرط الفتوح أن
لا يصحبه فكر ولا يكون نتيجة فكر، وكان شيخنا أبو مدين يقول في الفتوح: اطعمونا لحماً
طرياً كما قال الله تعالى: لا تطعمونا القديد أي لا تنقلوا إلينا من الفتوح إلاّ ما يفتح به عليكم
في قلوبكم، لا تنقلوا إلينا فتوح غيركم يرفع بهذا همة أصحابه لطلب الأخذ من الله تعالى،
فاعلموا يا إخواننا أن مقام الفتوح محتاج إلى ميزان حقيقي وهو مقام فيه مكر خفيّ