النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ في الأحوال/ الباب التاسع والتسعون ومائة في السر كنا نعتقده، وأخبر أنه رحم ولم ينفذ فيه الوعيد الذي كان يعتقد نفوذه في أمثاله، وليس أنباء الحق عباده يوم القيامة بما عملوه من الجرائم واجترحوه من الآثام على جهة التوبيخ والتقرير، وإنما ذلك على طريق الإعلام باتساع رحمة الله حيث نالها لاتساعها من لا يستحقها، وذلك بشفاعة أعيان تلك الأفعال المسمّاة جرائم، فإن فاعلها لما كان سبباً في إيجاد أعيانها من كونها أفعالاً وأقام نشأتها وهي معصية في حقه لكنها نشأة مطيعة مسبحة ربها عزّ وجلّ تستغفر للسبب الموجب لوجودها فيجيب الله دعاءها واستغفارها لصاحبها فإنه لا علم لها بأنها معصية أو طاعة فإنها غير مكلفة بذلك ولا خلقت له فيقبل الله شفاعتها فيه، فيكون مآله إلى الرحمة التي وسعت كل شيء، وما في العالم إلاَّ من هو منشىء صور أعمال منعوتة في الشرع بطاعة ومعصية ولا طاعة ولا معصية، فإذا انتشأت فلا غذاء لها إلاَّ التسبيح بحمد الله، وهنا أعني في هذه الحضرة تتساوى أعمال الطاعة والمعصية فإن كونها طاعة ومعصية ما هو عينها، وإنما ذلك حكم الله فيها وهي مقبولة السؤال عند الله فإنها من أصناف المعتنى بهم المفطورين على تعظيم الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله، ولولا أنه ما كان معنا أينما كنا ما ظهرت أعيان هذه الأعمال إذ هو منشئها فينا بنا أو عندنا على حسب ما يعطيه نظر كل ناظر، فقل كيف شئت، وهذا القدر كاف في باب النفس الرحماني، وما رأيت أحداً ممّن غير من أهل هذا الشأن تكلم عليه مثلنا ولا فصله تفصيلنا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب التاسع والتسعون ومائة في السر [نظم: الكامل] فهو الدليلُ على ثُبُوت الواحدِ السرُّ تَثْبيتُ المراتب فافتَكِرْ في غائبٍ إن كان أو في شاهدٍ بالفرد صحَّ وجودُنا في عيننا وهي الدليلُ على انتفاء الواحِدِ إن الإشارةَ بالحقيقة تُيِّمَتْ فيه بحكم لا يكونُ بزائدِ والحالُ يطلبه المرادُ بكونه صِفَةُ العلوم فَحُكْمُه كالفَاقِدِ والعالِمُ النّخريرُ إن قامت به اعلم أن السرّ عند الطائفة على ثلاث مراتب: سرّ العلم، وسرّ الحال، وسرّ الحقيقة. فأما سرّ العلم فهو حقيقة العلماء بالله لا بغيره من الأسماء، فإن سرّ العلم بالله هو جمع الأضداد بالحكم في العين الواحدة من حيث ما هو منسوب إليه، كذا ممّا له ضد من ذلك بعينه ينسب إليه ضده، وهذا سرّ لا يعلمه إلاَّ من وجده في نفسه فاتصف به فحكم على عينه بحكم حكم عليه أيضاً بضده من حيث حكم ضده لا من نسبة أخرى ولا من إضافة، ولهذا جعله الله سرّ العلم لأن العلم كل علم حصل عن دلالة لأنه مشتق من العلامة، ولذلك أضيف العلم إلى الله بالأشياء لأنه علم نفسه فعلم العالم فهو دليل وعلامة على العالم، كما كان العالم علامة عليه في علمنا به وهو قوله وَ له: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فجعلك لك دليلاً الفتوحات المكية ج٤ - م١١ ١٦٢ في الأحوال / الباب التاسع والتسعون ومائة في السر عليه فعلمته كما كانت ذاته دليلاً عليك له فعلمك فأوجدك، فهذا من خفي سرّ العلم الذي لا يعلمه إلاَّ العلماء بالله، فإذا كان الحق سمع العبد وبصره وعلمه علمته به وجعلته دليلاً وعلامة على نفسه وهذا هو سرّ الحال، ومنه نفخ عيسى في الصورة التي أنشأها من الطين فكانت طيراً، وبسر العلم دعاء إبراهيم عليه السلام الأطيار فأتته سعياً، فإن كان قوله: ﴿بِإِذْنِى﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٠] العامل فيه تنفخ فهو سرّ الحال، وإن كان العامل فيه ﴿فَيَكُونُ﴾ فهو سرّ العلم وهذا لا يعلمه إلاَّ صاحبه وهو عيسى عليه السلام، وسرّ العلم أتم من سرّ الحال لأن سرّ العلم هو الله وهو الذي ظهر به إبراهيم الخليل عليه السلام فإنه ما زاد على أن دعاهن ولم يذكر نفخاً فكان كقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] وسرّ الحال لا يكون إلا من نعوت الخلق ليس من نعوت الحق، فسرّ العلم أتم وحكمه أعمّ. فالحال من جملة معلومات العلم وممّن هو تحت إحاطته، ولو كان الحال أتم من العلم لكان الحق قد أمر نبيه بطلب الأنقص ويكون الحق قد ترك وصفه بالأتم وهذا محال، فليس الشرف إلاّ لسر العلم. وأما سرّ الحقيقة فهو أن تعلم أن العلم ليس بأمر زائد على ذات العالم، وأنه يعلم الأشياء بذاته لا بما هو مغاير لذاته أو زائد على ذاته، فسرّ الحقيقة يعطي أن العين والحكم مختلف، وسرّ الحال يلبس فيقول القائل بسرّ الحال أنا الله وسبحاني وأنا من أهوى ومن أهوى أنا، وسرّ العلم يفرق بين العلم والعالم، فبسرّ العالم تعلم أن الحق سمعك وبصرك ويدك ورجلك مع نفوذ كل واحد من ذلك وقصوره وأنك لست هو عينه، وبسرّ الحال ينفذ سمعك في كل مسموع في الكون إذا كان الحق سمعك حالاً وكذلك سائر قواك، وبسرّ الحقيقة تعلم أن الكائنات لا تكون إلاَّ لله وأن الحال لا أثر له فإن الحقيقة تأباه، فإن السبب وإن كان ثابت العين وهو الحال. فما هو ثابت الأثر، فللحقيقة عين تشهد بها ما لا يشهد بعين الحال وتشهده عين الحال وعين العلم، وللعلم عين يشهد بها ما لا يشهده بعين الحال وتشهد ما يشهده عين الحال، فعين الحال أبداً تنقص عن درجة عين العلم وعين الحقيقة، ولهذا لا تتصف الأحوال بالثبوت فإن العلم يزيلها والحقيقة تأباها، ولذلك الأحوال لا تتصف بالوجود ولا بالعدم فهي صفات لموجود لا تتصف بالعدم ولا بالوجود، فبالحال يقع التلبيس في العالم، وبالعلم يرتفع التلبيس وكذلك بالحقيقة، فهذا سرّ العلم وسرّ الحال وسرّ الحقيقة قد علمت الفرقان بينهم في الحكم. هذا معنى السرّ عند الطائفة، فإذا ثبت أمر في العالم كان ما كان وظهر حکمه فسرّه معناه إذا ظهر لمن ظهر له بطل عنده ذلك الثبوت الذي كان يحكم به قبل هذا على ذلك الأمر في كل أمر يكون له ثبوت في العالم، وبهذه المثابة ثبوت الأسباب كلها في العالم، فسرّ الربوبية إما المربوب وإمّا النسب أو الصفات التي من شأن من نسبت إليه أو قامت به عند من يرى أنها صفات أن يكون رباً فليس هو رب بالذات على هذا النحو، وهذا معنى قول سهل بن عبد الله: للربوبية سرّ لو ظهر لبطلت الربوبية، وكذلك قوله أيضاً: إن للربوبية سرّاً ١٦٣ في الأحوال / الباب الموفي مائتين في حال الوصل لو ظهر لبطل العلم، وأن للعلم سرّاً لو ظهر لبطلت النبوّة، وإن للنبوّة سرّاً لو ظهر لبطلت الأحكام، فسرّ الحق لو ظهر لبطل الاختصاص والنبوّة اختصاص فتبطل النبوّة ببطلان الاختصاص ويبطل حكم العلم من حيث أنه صفة للذات حتى أعطاه حكم العالم وهو الحال فيبطل العلم لا يبطل العالم، وسرّ النبوة إزالة رفيع الدرجات لأنه ما ثم على من والمعارج للأنبياء إنما هي في هذه الدرجات، فسرّ النبوة الإخبار بما هو الأمر عليه وما هو الأمر عليه لا يقبل التبديل وإذا لم يقبل التبديل بطل الحكم، فإن الحكم يثبت التخيير والتخيير يناقض التبديل، فإذا بطل التخيير بطل الحكم فبطل معنى النبوة فهذا سرّها، فمن ظهر له أسرار هذه الأمور وعلمها علم الحق فيها ولم يبطل عنده شيء فهو أقوى الأقوياء في التمكن الإلهيّ، فهو عبد في مقام سيد وسيد في صورة عبد. الباب الموفي مائتين في حال الوصل [نظم: البسيط] لو فاتَنَا ما فاتَ لم تَكُ صورةٌ ما فات إلاَّ كَوْنُنا لم نَبْغِهِ وبه تَفَاضلتِ الرجالُ فمنهُمُ والمَيْتُ منا ليس يعرف مَوْتَه والوَضْلُ فينا دَرْكُ ذاك الفائتِ فإذا ابْتَغَيْنَا كان ثَبْتَ الثَّابتِ حَيٍّ وذاك الحيُّ عَيْنُ المائتِ والناطقُ المعصومُ عَيْنُ الصّامتِ اعلم أن الوصل في اصطلاح القوم إدراك الفائت وهو إدراك السالف من أنفاسك وهو قوله تعالى: ﴿يُدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَتْ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٧٠] والعلة في ذلك أن كل حال له نفس يتضمن ذلك النفس جميع ما سلف من أنفاس ذلك المتنفس من حيث ما كانت عليه تلك الأنفاس من الأحكام، فله فائدة المجموع وما يتميز به من غيره وهو قول الطائفة: لو أن شخصاً أقبل على الله دائماً ثم أعرض عنه طرفة عين كان ما فاته في تلك اللحظة أكثر ممّا ناله، وهذه المسألة حيرت العارفين بالوصل إذا صحّ لم يعقبه الفصل هذا هو الحق، فإن الحق سبحانه لا يقبل وصله الانفصال ولا تجلّى لشيء ثم انحجب عنه لأن العالم بما هو به عالم لا يكون بخلاف حكم علمه، فالحق مع الكون في حال الوصل دائماً وبهذا كان إلهاً وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُزْ أَيْنَ مَا كُتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] أي على أي حال كنتم من عدم ووجود وكيفيات، فهكذا هو في نفس الأمر، والذي يحصل لأهل العناية من أهل الله أن يطلعهم الله ويكشف عن بصائرهم حتى يشهدوا هذه المعية وذلك هو المعبر عنه بالوصل أعني شهود هذا العارف، فقد اتصل العارف بشهود ما هو الأمر عليه فلا يتمكن أن ينقلب هذا الوصل فصلاً كما لا ينقلب العلم جهلاً، فإنه يعطيك هذا المشهد الكيفية فيه على ما هي عليه، فهذا يا أخي معنى الوصل عند الطائفة في اصطلاحهم، جعلنا الله وإياكم من أهل الوصل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ١٦٤ في الأحوال/ الباب الحادي ومائتان في حال الفصل الباب الحادي ومائتان في حال الفصل [نظم: البسيط] ودَعْ يفوتك فالمَرْجُوُ قد حَصَلاَ الفَصْلُ فَوْتُ الرَّجَا إن كنتَ تَعْقِلُهُ وهو الدليلُ لعبد الله إذ كَمُلاً من غَيْرِ ما هو مَرْجُوْ لطالبهِ الفرقُ ما بين مَنْ يَدْري ومَنْ جَهِلاً لا بدّ منا ومنه والدليلُ لنا اعلم أن الفصل عند الطائفة فوت ما ترجوه من محبوبك، وعندنا الفصل هو تمييزك عنه بعد كونه سمعك وبصرك، فإن وقع لك التمييز قبل هذا فليس هو الفصل المذكور في هذا الباب، فإن المراد به هنا الفصل الذي يكون عن الوصل وهذا هو الذوق، وقبل الذوق قد يخطر للعبد من الرجاء أن يكون الحق فيتفق أن يطلع على إحالة هذه الكينونة، فيكون أيضاً هذا من الفصل المبوّب عليه في هذا الباب وما ثم أعلى من هذا الرجاء، ثم ينزل من هذا إلى ما يرجوه من التحقق بالأسماء والصفات والنعوت في الأكوان علوّها وسفلها، فكل ما فاتك من هذه الأمور فهو فصل أيضاً من هذا الباب، ولكن من شرط هذا الفصل والوصل أن يكون من مقام المحبة وإن كانت من طريق الإرادة، فإن المحبة وإن كانت عين الإرادة فهي تعلق خاص كالشهوة لها تعلق خاص وهي إرادة، وكذلك العزم حال خاص في الإرادة والهمّ والنية، والقصد كل ذلك أحوال للإرادة. واعلم أن الرجاء من صفات المؤمنين من حيث ما هو مؤمن والفعل تابع له فهو من أحوال المؤمنين ما هو من أحوال العارفين فإنهم على بصيرة من أمرهم فلا رجاء عندهم، وهكذا نعت كل من هو من أمره على بصيرة كما قال: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٣] وكما يئس الكفار من أصحاب القبور، فالفصل الذي يكون للعارفين ما هو فوت ما يرجى، وإنما هو تحقيق ما يقع به التمييز بين الحقائق، ولا يكون ذلك إلاَّ للعلماء بترتيب الحكمة في الأمور، فيعطي كل ذي حق حقه كما فصل كل شيء بما يتميز به عن أن يشترك مع غيره، فأما في الأسماء الإلهية فبما تدل عليه من حيث ما هي عدد فلما قبلت الكثرة احتيج إلى الفصل إما في ذات المسمّى من نسبة معانيها إليه، وإما من حيث ما تظهر فيه آثارها فيحدث لها الكثرة من المؤثر فيه لا من اسم الفاعل الذي هو المؤثر، فتكون الآثار تكثر النسب إلى العين الواحدة، فذلك الفصل في الآثار لا في الأسماء ولا في المسمّى ولا في المؤثر فيه، فهذا تحقيق الفصل في المعرفة عند العارفين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثاني ومائتان في حال الأدب [نظم: الكامل] ١٦٥ في الأحوال/ الباب الثاني ومائتان في حال الأدب فتكونَ مَكْثُوباً من الأُدَباءِ أَدَبُ الشريعة ان تَقُومَ برَسْمها جَهْدٍ فأنتَ به من الخُدَمَاءِ فإذا فَنِيتَ من القيام وأنتَ في ما يستحقُّ لحِقْتَ بالأُمْناءِ وإذا دفَعْتَ لكل طالبٍ حَقِّهِ وبذاك قالوا جُمْلَةُ القُدَماءِ وأتيْتَ بالشّرع المطهّرِ حُكْمُهِ اعلم أن الأدب على أقسام. أما أدب الشريعة فهو أن لا يتعدّى بالحكم موضعه في جوهر كان أو في عرض، أو في زمان أو في مكان، أو في وضع أو في إضافة، أو في حال أو في مقدار، أو في مؤثر أو في مؤثر فيه، وانحصرت أقسام محل ظهور أدب الشريعة، فأمّا أدبها في الذوات القائمة بأنفسها فبحسب ما هي عليه من معدن ونبات وحيوان وإنسان وعروض، وما يقبل التغيير منه وما لا يقبل التغيير، وما يقبل الفساد وما لا يقبل الفساد، فيعلم حكم الشرع في ذلك كله فيجريه فيه بحسبه. وأما آدابها في الأعراض فهو ما يتعلق بأفعال المكلفين من وجوب وحظر وندب وكراهة وإباحة. وأما الآداب الزمانية فما يتعلق بأوقات العبادات المرتبطة بالأوقات، فكل وقت له حكم في المكلف ومنه ما يضيق وقته ومنه ما يتسع. وأما الآداب المكانية كمواضع العبادات مثل بيوت الله الذي ﴿أَذِّنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيَهَا اسْمُهُ﴾ [سورة النور: الآية ٣٦]. وأما الآداب الوضعية فهي أن لا يسمّى الشيء بغير اسمه ليتغير عليه حكم الشرع بتغير الاسم، فيحلل ما كان محرّماً أو يحرّم ما كان محللاً كما قال عليه السلام: ((سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَظْهَرُ فِيهِ أَقْوَامٌ يُسَمُّونَ الخَمْرَ بِغَيْرِ اسْمِهَا)) وذلك ليستحلوها بالاسم. كما سُئِل مالك عن خنزير البحر فقال: هو حرام، فقيل له: إنه من جملة سمك البحر، فقال: أنتم سميتموه خنزيراً فانسحب عليه لأجل الاسم حكم التحريم، كما سمّوا الخمر نبيذاً أو ربا أو تزيزاً فاستحلوها بالاسم. وأما أدب الإضافة فمثل قول خضر: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِبَهَا﴾ [سورة الكهف: الآية ٧٩] وقوله: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ [سورة الكهف: الآية ٨١] للاشتراك بين ما يحمد ويذم، وقوله: ﴿فَأَرَدَ رَبِّكَ﴾ [سورة الكهف: الآية ٨٢] لتخليص المحمدة فيه فيكتسب الشيء الواحد بالنسبة ذماً، وبالإضافة إلى جهة أخرى حمداً وهو عينه وتغيّر الحكم بالنسبة . وأما آداب الأحوال كحال السفر في الطاعة وحاله في المعصية فيختلف الحكم بالحال، وحال السفر أيضاً من حال الإقامة في صوم رمضان وفطره والمسح على الخفين في التوقيت وعدم التوقيت. وأما الآداب في الأعداد فهو ما يتعلق بعدد أفعال الطهارة ومقاديرها والزكاة وعدد الصلوات وما لا يزاد فيه ولا ينقص بحسب حكم الشرع في ذلك، وكذلك توقيت ما يغتسل به ويتوضأ به كالمدّ والصاع هذا أدبه في العدد. وأما الأدب في المؤثر كحكمه في القاتل والغاصب وكل ما أضيف إليه فعل ما من الأفعال. وأما أدبه في المؤثر فيه كالمقتول قوداً هل بصفة ما قتل به أو بأمر آخر؟ وكالمغصوب إذا وجد بغير يد الذي باشر الغصب هذا قسم أدب الشريعة . وأما قسم أدب الخدمة فإما أن يكون أعلى إلى أدنى أو من أدنى إلى أعلى، فأما خدمة ١٦٦ في الأحوال / الباب الثالث ومائتان في حال الرياضة الأعلى إلى من هو دونه فالقيام بمصالحه ومراعاتها والتنبيه في ذلك على ما وقعت فيه المغفلة والتعريف بما جهل منها وتعيينه أوقاتها وأمكنتها وحالاتها وإيضاح مبهماتها والإفصاح عن مشكلاتها بإقامة أعلامها، كالأستاذ مع التلميذ والعالم مع الجاهل والسلطان مع الرعية. وأما خدمة الأدون من هو أعلى منه فبامتثال أوامره ونواهيه والوقوف عند مراسمه وحدوده والمبادرة إلى محابه والمسارعة إلى مراضيه ومراقبة إشاراته وموافقة أغراضه هذا قسم أدب الخدمة. وأما قسم أدب الحق فهو إعطاؤه ما يستحقه ممّا ينبغي له وإعطاؤه ما يستحقه مني، كما أنه أعطاني خلقي حين ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فإذا أعطيته ما يستحقه بما هو هو وأعطيته ما يستحقه منك بما أنت له فقد قمت بآداب الحق في إعطائه كل شيء خلقه هذا قسم آداب الحق. وأما قسم آداب الحقيقة فحاله أن يراه في الأشياء عينها لا هي، ثم يحكم على ما يراه من الزيادة والنقص بما أعطته استعدادات الأشياء فينسب ذلك إليها لا إليه كمالاً كان أو نقصاً أو موافقاً أو مخالفاً لا يحاشى شيئاً فإن حال الحقيقة يعطي ما قلناه، فإذا كان حالك في كل مقام ما ذكرناه فقد قمت بالأدب وأخذت الخير أجمعه بكلتا يديك وملأتهما خيراً وهذا غاية وسع المخلوق ﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١٣] والكلام على الأحوال لا يحتمل البسط وتكفي فيه الإشارة إلى المقصود ومهما بسطت القول فيه أفسدته، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثالث ومائتان في حال الرياضة [نظم: الطويل] وأَخْرَجَها عن طَبْعها ومُرَادِهَا إذا هذَّب الإنسانُ أخلاق نفسه يُرَى راضَها مَنْ راضَها بعنادِهَا وذاكَ مُحَالٌ عندنا كَوْنُه فما لها عيِنَتْ بالشرع عند فَسَادِهَا فإن كنتَ ! علم فإن مَصَارفاً اعلم أن الرياضة عند القوم من الأحوال وهي قسمان: رياضة الأدب ورياضة الطلب، فرياضة الأدب عندهم الخروج عن طبع النفس، ورياضة الطلب هي صحة المراد به أعني بالطلب، وعندنا الرياضة تهذيب الأخلاق، فإن الخروج عن طبع النفس لا يصحّ، ولما كان لا يصحّ بين الله لذلك الطبع مصارف فإذا وقفت النفوس عندها حمدت وشكرت ولم تخرج بذلك عن طبعها، فرياضتها اقتصارها على المصارف التي عينها لها خالقها، فإن عين الشيء المزاجي ليس غير مزاجه، فلو خرج الشيء عن طبعه لم يكن هو، ولهذا يكون قول من قال: رياضة الطلب صحة المراد به فإنه إذا كان الشيء مراداً به أمر ما والمريد لذلك الأمر هو موجد ذلك الشيء وقد عينه له وعرفه به وأن ذلك القدر يريد منه فتصرف فيه بطبعه على ذلك الحدّ كان صاحب رياضة لأنه لو تصرف في نقيض ما أريد منه لكان تصرفه فيه بطبعه أيضاً، فما كان التهذيب فيه إلاَّ صرفه عن الإطلاق في التصرف إلى التقييد، فإن أراد صاحب القول في رياضة ١٦٧ في الأحوال / الباب الثالث ومائتان في حال الرياضة الأدب أنه الخروج عن طبع النفس بمعنى ما كان لها فيه التصرف مطلقاً صار مقيداً، فحمل هذا الشخص نفسه على ما قيدها به خالقها من التصرف فيه، ودخلت تحت التحجير بعدما كانت مسرحة فهو الذي ذكرناه، وإن أراد غير ذلك فليس إلاَّ ما قلناه، وذلك أن الرياضة تذليل النفس وإلحاقها بالعبودية ولذا سميت الأرض أرضاً وذلولاً. فالرياضة عندنا من صير نفسه أرضاً أي مثل الأرض يطؤها البرّ والفاجر ولا يؤثر عندها تمييزاً بل تحمل البارّ حباً لما هو عليه من مراضي سيده، وتحمل الفاجر حمل الله إياه بكونه يرزقه على كفره بنعمه وجحده إياها ونسيان رب النعمة فيها . وإلى الرياضة يرجع مسمّى الرضى على الحقيقة إن تفطنت، لأن النفس تطلب بذاتها الكثير من الخير لأن الأصل على ذلك، فإن الله تعالى ما طلب إلاَّ الممكنات وهي غير متناهية ولا أكثر ممّا لا يتناهى، وما لا يتناهى لا يدخل في الوجود دفعة ولكن يدخل قليلاً قليلاً لا إلى نهاية، فإذا نسبت إليه ما توجه إليه طلبه من الكثرة ثم رضي من ذلك باليسير والتدريج لعلمه أن ما لا يتناهى لا يمكن حصوله في الوجود رضي بذلك القدر الذي يدخل منه فمتعلق الرضى لا يكون إلاَّ بالقليل، ولا يكون مخلوق بأعظم قدراً من خالقه. وإذا كانت هذه صفة الحق فهي بالعبد أولى، فما عند الله لا يتناهى، ومطلب هذا العبد من الله ما عنده ولا يتمكن دخوله في الوجود إلا قليلاً قليلاً لا إلى نهاية، فرضي بذلك القدر العبد وهو قليل بالنسبة إلى متعلق علمه بما عند الله، فرضي عن الحق ورضي الحق عنه، فوقع الاقتصار من العالم بما لا يتناهى على ما أعطى من ذلك ممّا يتناهى رياضة منه عن مطلق تعلق علمه من ذلك، إذ قد علم أيضاً أن ما لا يتناهى لا يدخل في الوجود، فحقيقة الرياضة ترجع إلى هذا لأن الآدميّ لما خلق على الصورة زهت نفسه وتخيلت أن التحجير لا يصحّ على من له العزّة، وما علمت أن العزّة تحجير فإن العزّة حمى والحمى تحجير فعين ما ادّعت به الإطلاق ذلك بعينه قيدها، فلما أشهدها الحق حضرة عزّه ونفوذ اقتداره ومع نفوذ اقتداره لم يعطه الإمكان من نفسه إلاَّ قدر ما يحصل منه في الوجود انكسرت النفس وصار ما كانت تصول به أورثها ما أشهدها ذلة وانكساراً فإنها تقبل الذلّة لجهلها فارتاضت والحق لعلمه على عزّه، فرياضة العلم أنفع الرياضات، فما أزالها العلم عن الصورة ولكن أولاً جهلت ما هي الصورة عليه وما هي الحقائق عليه، فما أشرف العلم لو لم يكن من شرف العلم إلاَّ تجلي الحق في صورة تنكر، ثم تحوّله في صورة تعرف وهو هو في الأولى والثانية، وأن موطن تلك المشاهدة لا يتمكن في نفس الأمر إلاَّ أن تكون مقيدة لأن الذي يشهد وهو عين العبد مقيد بإمكانه فلا يتمكن له شهود الإطلاق ولا بدّ من الشهود، فظهر له المشهود مقيداً بالصورة ومقيداً بالتحوّل في الصور ولأنه مقيد بالوجوب الذاتي، فالكل في عين التقييد إن عقلت عنا، وإنما تقيد بالتحوّل ليفتح له في نفسه العلم بأن الأمر لا يتناهى وما لا يتناهى لا يدخل تحت التقييد، فإنه من قبل التحوّل إلى صورة من صورة قبل التحوّل إلى صور لا نهاية لها، أو إلى صور لا يمكن لذلك المتحوّل أن يتجاوزها إلى غيرها، فخرج عن حدّ التقييد بالتقييد ليعلم أن مشهوده مطلق ١٦٨ في الأحوال / الباب الرابع ومائتان في التحلي - بالحاء المهملة - الوجود فيكون شهوده أيضاً مطلقاً إطلاق مشهوده، فأفاده التحوّل من صورة إلى صورة علماً لم يكن عنده فعلم عند ذلك ﴿أَنَّ اللََّ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [سورة النور: الآية ٢٥] فأعلى رياضة العبد العالم أن لا ينكره في صورة ولا يقيده بتنزيه بل له التنزيه على الإطلاق عن تنزيه التقييد. الباب الرابع ومائتان في التحلي - بالحاء المهملة - [نظم: البسيط] مُسْتَخْلَفين على نورٍ بأنبائِهِ لولا التَّحَلْي لما كُنَّا بحَضْرَته صافى المُسَمَّى فصافاه بأسمائهِ إن الشَّخَلْقَ بالأسماءِ حِلْيَةُ من كَمِثْل طَيْفُورَ إِذْ صحَّتْ خلافَتُه نَفَاه مملوكُه سبعاً لمَصْلَحةٍ فإنه سألَ الرحمنَ ما وقَعَتْ فالله يَرْزقني صِدْقاً ويَفْتَحُ لي والأمرُ جاء بها في عين أَنْبَائِهِ عادتْ عليه وهذا مِنَ اشيائهِ به الأمورُ على تَرْتيبِ نَعْمائهِ باباً ويمنَحُني شُكْراً لآلائهِ اعلم أن التحلي بالحاء المهملة في اصطلاح الطائفة التشبّه بأحوال الصادقين في أقوالهم وأفعالهم، وهذا في الطريق عندنا مدخول ومن أسماء الله الصادق، وأن الصادقين من أحوالهم التحلي بالحاء المهملة فلا بدّ من معرفة ما يتحلى به، فهل تحلّوا بما هو لغيرهم فتزينوا بما ليس لهم فهم لابسو أثواب زور؟ أو تحلّوا بما هو لهم فهم صادقون؟ والتحلي عندنا هو التزيّن بالأسماء الإلهية على الحدّ المشروع بحيث أن يعسر التمييز، وهم الذين إذا رؤوا ذكر الله كعرش بلقيس لما قامت لها شبهة بعد المسافة فقالت: كأنه هو، ولو شاهدت الاقتدار الإلهيّ لعلمت أنه هو كما كان هو من غير زيادة، وإذا حصل الإنسان في هذا المقام بهذا التحلّ ولم يحجبه هذا التحلّي في حال تزينه به وأنه له حقيقة ما استعاره بل ذلك ملكه وماله ولا منعه عن شهود عبوديته لربه وأن نسبة ما ظهر به ممّا هو نعت لخالقه ما كان تشبهاً وإنما كان تزيناً فذلك التحلي، ويقول الحكماء في هذه الحالة أنه التشبّه بالإله جهد الطاقة، وهذا القول إذا حققته جهل من قائله لأن التشبّه في نفس الأمر لا يصحّ، فمن قامت به صفة فهي له وهو مستعد لقيامها به فباستعداد ذاته اقتضاها فما تشبه أحد بأحد بل الصفة في كل واحد كما هي في الآخر، وإنما حجب الناس التقدم والتأخر وكون الصورة واحدة، فلما رأوها في المتقدم ثم رأوها في المتأخر قالوا: إن المتأخر تشبه بالمتقدم في هذه الصورة وما علموا أن حقيقتها في المتأخر حقيقتها في المتقدم، ولو كان الأمر كما قالوه لزاحمت العبودية الربوبية ولبطلت الحقائق، فما تحلّى العبد إلاَّ بما هو له ولا ظهر الحق إلاَّ بما هو له لا من صفات التنزيه ولا من صفات التشبيه كل ذلك له، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان ما وصف نفسه به من ذلك كذباً وتعالى الله بل هو كما وصف نفسه من العزّة والكبرياء والجبروت والعظمة ونفى المماثلة كما وصف نفسه بالنسيان والمكر والخداع والكيد والفرح والمعية وغير ذلك، فالكل ١٦٩ في الأحوال / الباب الخامس ومائتان في التخلي - بالخاء المعجمة - صفة كمال لله تعالى فهو موصوف بها كما تقتضيه ذاته، وأنت موصوف بها كما تقتضيها ذاتك : [البسيط] والعينُ واحدةٌ والحُكْمُ مختلفٌ والعَبْدُ يَعْبُدُ والرحمنُ مَعْبُودُ فليس التحلي في الحقيقة تشبه فإنه محال في نفس الأمر وما قال به إلاَّ من لا معرفة له بالحقائق وكذلك كنا ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [سورة القصص: الآية ٨٢] فتعين علينا أن نبين للخلق ما بينه الحق لنا، هكذا أخذ العهد علينا فيما يجوز لنا الإبانة عنه والإفصاح به. وأما ما أخذ الله علينا العهد على كتمانه فنشاهده من الخلق ولا نخبرهم بما هو، فهم بحكم ما يتخيلون ونحن بحكم ما نعلم، ولو عرّفناهم بذلك ما قبلوا لأن استعدادهم لا يعطي القبول كما قال: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٣] فما حجبناه عنهم إلاّ رحمة بهم فإن الله سبحانه لم يترك منفعة لعباده إلا وقد أبانها لهم واختلف استعدادهم في القبول، وما أبان الله عن نفسه بما أبان ممّا وصف به نفسه ممّا تنزهه عنه العقول بأدلتها إلاَّ ليعلم أنه ما ثم شيء من الموجودات ولا عين خارج عنه بل كل صفة تظهر في العالم لها عين في جناب الحق والكل مرتبط به، وكيف لا يرتبط به وهو ربه وموجده. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الخامس ومائتان في التخلي - بالخاء المعجمة - [نظم: البسيط] لولا المراتبُ في المشروع ما ظَهَرَتْ كيف التَّخَلْي وما في الكون من أحدٍ حقائقُ الحقُّ والأعيانُ تَشْهَدُهُ سواهُ وهو الذي في الكون نَعْبُدُهُ فنحنُ نُعْدِمُه وقتاً وتُوجِدُهُ وذاك يمْنَعُنا من أن نُقَيِّدَهُ على اعتقاداتنا فالله مُوجِدُهُ في كل شيءٍ وإن الشيءَ يُفْقِدُهُ فكلُّ ما في وجودِ الكونِ من عَرَضٍ فاشْهَدْهُ إن كنتَ ذا عينٍ ومعرفةٍ اعلم أن التخلي - بالخاء المعجمة - عند القوم اختيار الخلوة والإعراض عن كل ما يشغل عن الحق، وعندنا التخلي عن الوجود المستفاد لأنه في الاعتقاد هكذا وقع، وفي نفس الأمر ليس إلاَّ وجود الحق والموصوف باستفادة الوجود هو على أصله ما انتقل من إمكانه فحكمه باق وعينه ثابتة والحق شاهد ومشهود، فإنه تعالى لا يصحّ أن يقسم بما ليس هو لأنّ المقسوم به هو الذي ينبغي له العظمة فما أقسم بشيء ليس هو، وقد ذكرنا ذلك في باب النفس بفتح الفاء، فمما أقسم به وشاهد ومشهود فهو الشاهد والمشهود وهو ما استفاد الوجود بل هو الموجود. فإن قلت: فمن هذا الذي جهل هذا الأمر حتى تعلمه ولا يقبل الإعلام إلاّ موجود؟ قلنا: الجواب عليك من نفس اعتقادك فإنك المؤمن بأنه تعالى قال للشيء: كُنْ فما خاطب ولا أمر إلاَّ من يسمع ولا وجود له عندك في حال الخطاب فقد أسمع من لا وجود له، فهو الذي يعلمه ما ليس عنده فيعلمه وهو في حال عدمه يقبل التعليم كما سمع الخطاب ١٧٠ في الأحوال/ الباب السادس ومائتان في حال التجلي - بالجيم - عندك فقبل التكوين وما هو عندنا قبوله للتكوين كما هو عندك، وإنما قبوله للتكوين أن يكون مظهراً للحق، فهذا معنى قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ لا أنه استفاد وجوداً إنما استفاد حكم المظهرية فيقبل التعليم كما قبل السماع لا فرق، ولقد نبهتك على أمر عظيم إن تنبهت له وعقلته فهو عين كل شيء في الظهور ما هو عين الأشياء في ذواتها سبحانه وتعالى بل هو هو والأشياء أشياء، فبعض المظاهر لما رأت حكمها في الظاهر تخيلت أن أعيانها اتصفت بالوجود المستفاد فلما علمنا أن ثم في الأعيان الممكنات من هو بهذه المثابة من الجهل بالأمر تعين علينا مع كوننا على حالنا في العدم مع ثبوتنا أن نعلم من لا يعلم من أمثالنا ما هو الأمر عليه، ولا سيما وقد اتصفنا بأنا مظهر فتمكنا بهذه النسبة من الإعلام لمن لا يعلم فأفدناه ما لم يكن عنده فقبله، فممّا أعلمناه أنه ما استفاد وجوداً بكونه مظهراً فتخلّى عن هذا الاعتقاد لا عن الوجود المستفاد لأنه ليس ثم، فلهذا عدلنا في التخلي أنه التخلي عن الوجود المستفاد. وأمّا أهل السلوك الذين لا علم لهم بذلك ولا بمن هو الظاهر المشهود ولا بمن هو العالم فآثروا الخلوة لينفردوا بالحق لما حجبتهم الكثرة المشهودة في الوجود عن الله جنحوا إلى التخلي، وهذا ممّا يدلك على أنهم ما تركوا الأشياء من حيث صورها فإنه لا يتمكن لهم ذلك، فإنهم في خلوتهم لا بدّ أن يشاهدوا صور ما تخلوا فيه من جدار وباب وسقف وآلات قام بيت الخلوة منها ووطاء وغطاء ومأكول ومشروب، فالصور لا يتمكن له التخلي عنها فلم يبق الهرب إلاَّ ممّا يطرأ من هذه الصور من الكلام المفهوم لا من الأفعال، لأن صاحب الخلوة لو كانت معه الحيوانات لم يزل في خلوة ولا يشغله عن مطلوبه إلاَّ أن يخاف من ضررها، كذلك أيضاً لو كان في الجدار ميل لخاف من تهدمه وسقوطه عليه، فإذا ما اختار التخلي إلاَّ لأجل الكلام الذي تتكلم الناس به، فلو فهم ما يتكلم الناس به على الوجه الذي وضعه الحق فيهم لزاد علماً بما لم يكن عنده، ولو صلَّى صلاة واحدة أعني ركعة واحدة لما طلب التخلي فإنه إذا سمع قول العبد: سمع الله لمن حمده، وأن ذلك القول الله لسرت الحقيقة في جميع ما يسمع، فكلام الناس كله يفيد العارفين علماً بالله، ولهذا من كرامات الصالحين أن يسمعهم الله نطق الأشياء فلو لم يفدهم ذلك علماً لم يكن ذلك إكراماً من الله بهم، فمن رزق الفهم عن الله استوت عنده الخلوة والجلوة بل ربما تكون الجلوة أتم في حقه وأعظم فائدة، فإنه في كل لحظة يزيد علوماً بالله لم تكن عنده. الباب السادس ومائتان في حال التجلي - بالجيم - [نظم: مخلع البسيط] يُظْهرُ ما كان في السَّرَائز للغَيْبِ نورٌ على البَصَائزْ أخضرَه الحقُّ في المَحَاضِرْ لكل قلبٍ من كل شخصٍ فشاهَدَ الأمرَ كيف يجري وعايَنَ الحُكْمَ في المَقَادِزْ ١٧١ في الأحوال/ الباب السادس ومائتان في حال التجلي - بالجيم - وعندنا باطنٌ وآخِرْ فعنده أولّ وظاهِرْ عيناً لعينٍ فاشْكُزْ وبادِزْ قسَّمه كالصلاة فينـا وبين ربِّ عليه قادر ما بين عَبْدٍ حبيسٍ عَجْزٍ ما يَحْمَدُ الله في الضمائِرْ بفضله قد سَرَى إلينا اعلم أن التجلي عند القوم ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب وهو على مقامات مختلفة: فمنها ما يتعلق بأنوار المعاني المجرّدة عن المواد من المعارف والأسرار. ومنها ما يتعلق بأنوار الأنوار. ومنها ما يتعلق بأنوار الأرواح وهم الملائكة. ومنها ما يتعلق بأنوار الرياح. ومنها ما يتعلق بأنوار الطبيعة. ومنها ما يتعلق بأنوار الأسماء. ومنها ما يتعلق بأنوار المولدات والأمهات والعلل والأسباب على مراتبها، فكل نور من هذه الأنوار إذا طلع من أفق ووافق عين البصيرة سالماً من العمى والغشي والصداع والرمد وآفات الأعين كشف بكل نور ما انبسط عليه، فعاين ذوات المعاني على ما هي عليه في أنفسها، وعاين ارتباطها بصور الألفاظ والكلمات الدالة عليها وأعطته بمشاهدته إياها ما هي عليه من الحقائق في نفس الأمر من غير تخيّل ولا تلبيس، فمنها أنوار نسعى بها، ومنها أنوار نسعى إليها، ومنها أنوار نسعى منها، ومنها أنوار تسعى بين أيدينا، ومنها أنوار تكون خلفنا يسعى بها من يقتدي بنا، ومنها أنوار تكون عن أيماننا تؤيدنا، ومنها أنوار تكون عن شمائلنا تقينا، ومنها أنوار تكون فوقنا تنزل علينا لتفيدنا، ومنها أنوار تكون تحتنا نملكها بالتصرف فيها، ومنها أنوار نكونها هي أبشارنا وفي أبشارنا وأشعارنا وفي أشعارنا وهي غاية الأمر. فأما أنوار المعاني المجرّدة عن الموادّ فكل علم لا يتعلق بجسم ولا جسمانيّ ولا متخيل ولا بصورة ولا نعلمه من حيث تصوّره بل نعقله على ما هو عليه ولكن بما نحن عليه، ولا يكون ذلك إلاَّ حتى أكون نوراً فما لم أكن بهذه المثابة فلا أدرك من هذا العلم شيئاً وهو قوله في دعائه وَلَّ: ((واجْعَلْنِي نُوراً)) والله يقول: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَنِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] فما أنارت إلاَّ به كما قال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَتِهَا﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٩] يعني أرض المحشر يقول: ما ثم شمس، وعدم النور ظلمة ولا بدّ من الشهود فلا بدّ من النور وهو يوم يأتي فيه الله للفصل والقضاء فلا يأتي إلاَّ في اسمه النور فتشرق الأرض بنور ربها وتعلم كل نفس بذلك النور ما قدمت وأخرت لأنها تجده محضراً يكشفه لها ذلك النور، ولولا ما هي النفوس عليه من الأنوار ما صحّت المشاهدة، إذ لا يكون الشهود إلاَّ باجتماع النورين، ومن كان له حظ في النور كيف يشقى شقاء الأبد والنور ليس من عالم الشقاء، وما من نفس إلا ولها نور تكشف به ما عملت، فما كان من خير سرّت به وما كان من سوء تودّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠] حيث جعل لهم أنواراً يدركون بها، وقد علموا أن النور لاحظ له في الشقاء فلا بدّ أن يكون المآل إلى الملايم وحصول الغرض وذلك هو المعبر عنه بالسعادة لأنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨٥] فعمّ وما خصّ نفساً من نفس وذكر الخير والشر، فالوجود نور والعدم ظلمة فالشر عدم ونحن في الوجود فنحن ١٧٢ في الأحوال / الباب السادس ومائتان في حال التجلي - بالجيم - في الخير وإن مرضنا فإنا نصحّ فإن الأصل جابر وهو النور، وهكذا صفة كل نور إنما جاء ليظهر ما طلع عليه فلا تدرك الأشياء إلاَّ بك وبه فلهذا لا يصحّ نتيجة أي لا تكون إلاَّ بين اثنين أصلها الاقتدار الإلهيّ وقبول الممكن للانفعال، لو نقص واحد من هاتين الحقيقتين لما ظهر للعالم عين فقد أعطيناك أمراً كلياً في هذه الأنوار فلا تتكلف بسطها مخافة التطويل، والأحوال لا تحتمل الإسهاب فلنذكر مبهمات الأنوار، فأما النور الذي نسعى به فهو ما تقدّم ذكره من أنوار المعلومات التي اكتفينا بذكر واحد منها ليكون تنبيهاً وأنموذجاً لما سكتنا عنه. وأما النور الذي بين أيدينا فهو نور الوقت والوقت ما أنت به فنوره ما أنت به فانظر فيه كيفما كان فهو مشهودك الحاكم عليك والقائم بك، وهو عين الاسم الإلهيّ الذي أنت به قائم في الحال لا حكم له في ماض ولا مستأنف. وأما النور الذي عن يمينك فهو المؤيد لك والمعين على ما يطلبه منك النور الذي بين يديك وهو الذي طلبت من الله في حال صلاتك في قولك: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] والصلاة نور وهي النور الذي بين يديك فهو وقتك الذي أنت به فلما قلت: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أيدك بالنور من عن يمينك فإن اليمين القوّة، يقول الشاعر: [الوافر] تلقَّاها عَرَابةُ باليمينِ إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ وأما النور الذي عن يسارك فهو نور الوقاية والجنة من الشبه المضلة المؤثرة في النفوس الجهالات والالتباس والتشكيك الذي يخطر للناظر الباحث في الاعتقاد في الله وفيما أخبر به عن نفسه وهو على نوعين: نور إيمان ونور دليل، ونور الدليل على نوعين: نور نظر فكريّ ونور نظر كشفيّ، فيعلم الأمر على ما هو عليه في نفسه، فهذا فائدة النور الذي يأتي عن الشمال، وأما النور الذي خلفنا فهو النور الذي يسعى بين يدي من يقتدي بنا ويتبعنا على مدرجتنا، فهو لهم من بين أيديهم وهو لنا من خلفنا فيتبعنا على بصيرة من أجل ذلك النور الذي يخرجهم عن التقليد قال: ﴿أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِّى﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٨] فهو بالنور الذي بين يديه يدعو على بصيرة، والداعي المتبع له يدعو بالنور الذي خلفه ليكون هذا المتبع أيضاً على بصيرة فيما يدعو إليه مثل من اتبعه، وبذلك النور يرى من خلفه مثل ما يرى من بين يديه، وهذا مقام نلته سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بمدينة فاس في صلاة العصر وأنا أصلي بجماعة بالمسجد الأزهر بجانب عين الجبل فرأيته نوراً يكاد يكون أكشف من الذي بين يدي غير أني لما رأيته زال عني حكم الخلف وما رأيت لي ظهراً ولا قفا ولم أفرق في تلك الرؤية بين جهاتي بل كنت مثل الأكرة لا أعقل لنفسي جهة إلاَّ بالفرض لا بالوجود وكان الأمر كما شاهدته، مع أنه كان قد تقدم لي قبل ذلك كشف الأشياء في عرض حائط قبلتي وهذا كشف لا يشبه هذا الكشف. وأما النور الذي من فوقي فهو تنزّل نور إلهيّ قدسي بعلم غريب لم يتقدمه خبر ولا يعطيه نظر، وهذا النور هو الذي يعطي من العلم بالله ما تردّه الأدلة العقلية إذا لم يكن لها إيمان، فإن كان لها إيمان نورانيّ قبلته بتأويل لتجمع بين الأمرين. ١٧٣ في الأحوال/ الباب السادس ومائتان في حال التجلي - بالجيم - وأما النور الذي من تحتنا فهو النور الذي يكون تحت حكمنا وتصريفنا لا يقترن معه فينا أمر إلهيّ نقف عنده فلا نصرفه إلاَّ فيه. وأما الأنوار التي نسعى بها فهي أنوار المعية من جانب الحق في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] لذلك قلنا من جانب الحق فإنه لا يختص بهذه المعية شيء من خلق الله دون غيره، ولها الاسم الحفيظ والمحيط، فإن لله مع بعض عباده معية اختصاص مثل معيته مع موسى وهارون في قوله: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [سورة طه: الآية ٤٦] فهذه بشرى لهما حتى لا يخافا فإنهما قالا: ﴿إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى﴾ أي يتقدم ويرتفع بالحجة إذ له الملك والسلطان فآمنهما الله ممّا خافا منه، ومن هنا تعرف مرتبة محمد ◌َّ وعلوّها على رتبة غيره من الرسل، فإن الله أخبر عن محمد وَّر في حال خوف الصديق عليه وعلى نفسه فقال لصاحبه يؤمنه ويفرّحه إذ هما في الغار وهو كنف الحق عليهما: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٠] فقام النبيّ وَّ في هذا الإخبار مقام الحق في معيته لموسى وهارون وناب منابه هكذا تكون العناية الإلهية، فهذا هو النور الذي يسعى به وهو لا يزال ساعياً، فلا يزال الحق معه حافظاً وناصراً لا خاذلاً، ولهذا وقع الإخبار لنا من الله على لسان رسوله ◌َل# أنا إذا أتينا بنوافل الخيرات لا بفرائضها أحبنا الحق فكان سمعنا الذي نسمع به ورجلنا التي نسعى بها إلى جميع قوانا وأعضائنا، فهذا ما أعطت النوافل فينا من الحق، فأين أنت ممّا تعطيه الفرائض؟ فكم بين عبودية الاضطرار وعبودية الاختيار تقع المشاركة مع الحق في عبودة الاختيار في أحاديث نزوله في الخطاب إلى عبده مثل الشوق والجوع والعطش والمرض وأشباه ذلك، وعبودة الاضطرار لا تقع فيها مشاركة فهي مخلصة للعبد، فمن أقيم فيها فلا مقام فوقها، يقول الله لأبي يزيد: تقرّب إليّ بما ليس لي الذلة والافتقار، فعين القربة هنا هو عين البعد من المقام فافهم. وأمّا النور الذي نسعى منه فهو نور الحقيقة سواء علمها أو لم يعلمها فيكشفها بهذا النور ويكشف أنه سعي منه ثم ينكشف له النور الذي يسعى إليه وهو الشريعة، فصاحب هذا المقام هو المعصوم المحفوظ المعتني به العالم الذي لا یجھل لاتصافه بالعلم الذي لا جھل فیه، فإن ثم عبيداً يسعون من نور الشريعة إلى نور الحقيقة ويخاف عليهم، وهؤلاء الذين يسعون على كشف من نور الحقيقة إلى نور الشريعة آمنون من هذا المكر الإلهيّ فهم على بصيرة من أمرهم وهؤلائك تحت خطر عظيم يمكن أن يعصموا فيه ويمكن أن يخذلوا فاعلم ذلك. وأمّا أنوار المولدات فهي أنوار تعطيه بذاتها علماً صحيحاً من العلم بالله يكشف بها نسبة الحق، وصورته في صور أعيان المعادن والنبات والحيوان وهم لا يعلمون، وما زاد الإنسان على هؤلاء إلاَّ بكشفه ذلك، فالمولدات في هذا المقام بمنزلة قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] والإنسان فيه بمنزلة: ﴿لَا تَّحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٠] ﴿ إِنَِّى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [سورة طه: الآية ٤٦]، فإنه صورة كل شيء في نفس الأمر، فمن علمه وكشفه بهذا النور كان من أهل الاختصاص، فهو يرى الأشياء أعياناً بصورة حقية، ١٧٤ في الأحوال / الباب السادس ومائتان في حال التجلي - بالجيم - وأخبرني من أثق بنقله في هذه المسألة أن شخصاً كان بدمشق له هذا المقام لا يزال رأسه بين ركبتيه فإذا نظر إلى الأشياء في رفع رأسه لا يزال يقول: أمسكوه أمسكوه والناس لا يعلمون ما يقول فيرمونه بالتوله، وأما أنا فذقته لله الحمد على ذلك. وأما أنوار الأسماء فهي التي تظهر مسمياتها حقاً وخلقاً ممّا يتعلق بالذات والصفات والأفعال في الإلهيات منها ما يتعلق بأجناس الممكنات وأشخاصها منها من الأسماء التي وضعها الحق لها وبلغتها الرسل لا ما وقع عليه الاصطلاح، وهذه الأنوار التي كانت لآدم عليه السلام حين علم جميع الأسماء بالوضع الإلهيّ لا بالاصطلاح، وفي ذلك تكون الفضيلة والاختصاص، فإن الله أسماء أوجد بها الملائكة وجميع العالم، ولله أسماء أوجد بها جامع حقائق الحضرة الإلهية وهو الإنسان الكامل ظهر ذلك بالنص في آدم وخفي في غيره فقال للملائكة في فضل آدم وفي فضل هذا المقام وقد أحضر للملائكة المسميات أعني أعيانهم ﴿ أَنِّْئُونِى بِأَسْمَاءٍ هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١] أي بالأسماء الإلهية التي صدروا عنها فلم يعلموا ذلك ذوقاً، فإن علوم الأكابر ذوقاً فإنه عن تجلُ إلهيّ فقال الله: ﴿يَدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَاءِهِمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٣] فأنبأهم آدم بأسماءهم الإلهية التي أوجدتهم وأسندوا إليها في إيجاد أعيانهم لا أسماء الاصطلاح الوضعي الكوني فإنه لا فائدة فيه إلاَّ بوجه بعيد أضربنا عن ذكره حين علمنا أنه لم يكن المقصود، فإنا ما نتكلم ولا نترجم إلاَّ عمّا وقع من الأمر لا عمّا يمكن فيه عقلاً، وهذا الفرق بين أهل الكشف فيما يخبرون به وهم أهل البصائر وبين أهل النظر العقليّ، والفائدة إنما هي فيما وقع لا فيما يمكن فإن ذلك علم لا علم وما وقع فهو علم محقق. وأما أنوار الطبيعة فهي أنوار يكشف بها صاحبها ما تعطيه الطبيعة من الصور في الهباء وما تعطيه من الصور في الصورة العامة التي هي صورة الجسم الكل، وهذه الأنوار إذا حصلت على الكمال تعلق علم صاحبها بما لا يتناهى وهو عزيز الوقوع عندنا، وأما عند غيرنا فهو ممنوع الوقوع عقلاً، حتى أن ذلك في الإله مختلف فيه عندهم، وما رأينا أحداً حصل له على الكمال ولا سمعنا عنه ولا حصل لنا، وإن ادّعاها إنسان فهي دعوى لا يقوم عليها دليل أصلاً مع إمكان حصول ذلك، وأنوار الطبيعة مندرجة في كل ما سوى الحق وهي نفس الرحمن الذي نفس الله به عن الأسماء الإلهية وأدرجها الله في الأفلاك والأركان وما يتولد من الأشخاص إلى ما لا يتناهى. وأمّا أنوار الرياح فهي أنوار عنصرية أخفاها شدّة ظهورها فغشيت الأبصار عن إدراكها وما شاهدتها إلاَّ في الحضرة البرزخية وإن كان الله قد أتحفنا برؤيتها حساً بمدينة قرطبة يوماً واحداً اختصاصاً إلهياً وورثاً نبوياً محمدياً، وهذه الأنوار الرياحية لها سلطان وقوّة على جميع بني آدم إلاَّ أهل الله، فإن هذه الأنوار تندرج في أنوارهم اندراج أنوار الكواكب في نور الشمس وذلك لضعف نور البصر، وإذا غشيت هذه الأنوار من شاء الله من العامّة لا تغشاه إلاّ كالسحاب المظلم، وإذا غشيت أهل الله لا تغشاهم إلاَّ وهي أنوار على هيئتها . وأما أنوار الأرواح فمنا من يجعلها أنوار العقول ومنا من يجعلها أنوار الرسل، ولها ١٧٥ في الأحوال/ الباب السادس ومائتان في حال التجلي - بالجيم - القوّة والسلطان والنفوذ في الكون لا يقف لها شيء غير أن لها حدوداً تقف عندها لا تتعداها، إذا شاهدها العبد يكشف بها ما غاب من العلوم المضنون بها على غير أهلها وهي أنوار سبوحية قدوسية تنزل من الحق المخلوق به إلى سدرة المنتهى، وتطرح شعاعاتها على قلوب العارفين أهل الشهود التام، فقلوبهم مطارح شعاعات هذه الأنوار، وليسٍ في هذا الصنف الإنسانيّ أكمل منهم في العلم، فإن هذه الأنوار لا يقف لها حجاب إلاَّ المشيئة الإلهية خاصة، وقليل من عباد الله من تطرح على قلبه هذه الأنوار شعاعاتها على الكشف وهي مجالي الصادقين من عباد الله تعالى. وأمّا أنوار الأنوار فهي السبحات التي لو كشف الحق الحجاب الذي يسترها عنا لاحترقنا. هي أشعة ذاتية إذا انبسطت ظهرت أعيان الممكنات، فالممكنات هي الحجاب بيننا وبينها، وهذا هو النور العظيم لا الأعظم إليه الإشارة بقوله تعالى في حق أهل الكتب الإلهية المنزلة بالأعمال المشروعة بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ﴾ وهم الموسويون ﴿وَالْإِنِجِيلَ﴾ وهم العيسويون ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّنْ زَّيِّهِمْ﴾ وهم أصحاب الصحف وما بقي من الكتب ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ وهي علوم خارجة عن الكسب ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٦] وهي علوم دخلت تحت الكسب فهي من علوم التحت والفوق، وأنه إذا كان النور بهذه الصفة لم يكن من تحتنا بل يكون هو الذي يصرفنا. وأما النور الذي يكون من تحتنا فهو الذي نحكم عليه وهو المعبر عنه بالأكل من تحت الأرجل. وأما النور الذي هو عين ذاتنا فهو كما دعا فيه وَلّه: ((واجْعَلْنِي نُوراً)) فهو عين ذاته، ورواية: ((وَاجْعَلْ لِي نُوراً)) هو جميع ما ذكرنا من الأنوار. وأما قوله: ((اجْعَلْنِي نُوراً) فهو مشاهدة نور ذاته إذ لا يشهد إلا به فإن ذاته ما قبلت هذه الأنوار من هذه الجهات الست إلاَّ لعدم إدراكها نور نفسها الذي قال في ذلك رسول الله وَلّر: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) و ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] ومثله بما مثله وهو أنت عين ذلك الممثل والمثل فتشاهد الأنوار منفهقة منك يتنوّر بذاتك عالم سمواتك وأرضك فما تحتاج إلى نور غريب تستضيء به فأنت المصباح والفتيلة والمشكاة والزجاجة، وإذا عرفت هذا عرفت الزيت وهو الإمداد الإلهيّ وعرفت الشجرة، وإذا كانت الزجاجة كالكوكب الدريّ وهو الشمس هنا فما ظنك بالمصباح الذي هو عين ذاتك. فلا يكن يا أخي دعاؤك أبداً إلاَّ أن يجعلك الله نوراً، وهنا سرّ عجيب أنبهك عليه من غير شرح لأنه لا يحتمل الشرح وهو أن الله يضرب الأمثال لنفسه ولا تضرب له الأمثال، فيشبه الأشياء ولا تشبهه الأشياء فيقال: مثل الله في خلقه مثل الملك في ملكه، ولا يقال: مثل الملك في ملكه مثل الله في خلقه فإنه عين ما ظهر وليس ما ظهر هو عينه فإنه الباطن كما هو الظاهر في حال ظهوره، فلهذا قلنا هو مثل الأشياء وليست الأشياء مثله إذ كان عينها وليست عينه، وهذا من العلم الغريب الذي تغرب عن وطنه وحيل بينه وبين سكنه فأنكرته العقول لأنها معقولة غير مسرحة، وهذا أنموذج من تجلي أنوار الأنوار. وأما أنوار المعاني المجرّدة عن المواد فلا تنقال فإنه لو انقالت لدخلت في الموادّ لأن ١٧٦ في الأحوال / الباب السادس ومائتان في حال التجلي - بالجيم - العبارات من الموادّ، وقد قلنا إنها مجرّدة لذاتها عن الموادّ لا أنها تجردت لأنها لو تجردت لكسوناها الموادّ إذا شئنا ولم تمتنع لأنها قد كانت فيها فهي تعلم خاصة ولا تقال ولا تحكى ولا تقبل التشبيه ولا التمثيل. وأما أنوار الأرواح فهي أنوار روح القدس الجامع، فمن أرسل من هذه الأرواح كان ملكاً، ومن لم يرسل بقي عليه اسم الروح مع الاسم الخاص به العلم في الطائفتين المرسلین وغير المرسلین، فھو روح خالص لم یشبه ما يخرجه عن نفسه، وهو روح ذو روح في روحيته، وليس إلاَّ الأرواح المهيمة، وأرواح الأفراد منا تشبهها بعض شبه، فلا يقع التجلي في أنوار أرواح إلاّ للأفراد، ولهذا قال الخضر لموسى: ﴿مَا لَ تُحِطْ بِهِ، خُبْرً﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٨] لأنه من الأفراد، وأن الأنبياء يقع لهم التجلي في أنوار الأرواح الملائكة وليس للأفراد هذا التجلي بل هو مخصوص بالأنبياء والرسل وهو قول خضر: أنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا لأنه ليس له هذا التجلي الملكي. ثم نبهه على أنه ما فعل الذي فعل عن أمره فإنه ليس له أمر وما هو من أهل الأمر وهو مقام غريب في المقامات، لو أن الله تعالى يبيح لنا كشفه للخلق لظهر علم لا يقوم له كون، هذا قد ظهر من أثره ثلاث مسائل من شخص قد شهد الله عند نبيه بعدالته وزكاه وصار تبعاً له وبيّن له ما قد سمعت وأدخل نفسه في أتباعه تحت شرطه، وهو مثل موسى كليم الله ونجيه، وأين كلامه مع ربه من كلامه مع الخضر؟ فاختلف التجلي في الكلام، ومع هذا لم يصبر لأنه قدم الاستثناء ولم يقدمه لما أنكر عليه فإنه من شأن النبيّ أن يكون متبعاً كما هو متبع سواء، وكذلك قال: ﴿ إِنْ أَنَّعُ إِلَّ مَا يُوحَىَ إِلَىَ﴾ [سورة الأحقاف: الآية ٩] ما قال أن أفعل أو أقول إلاَّ ما أشهد، ما قال هكذا فكل مقام له مقال ولسان. وأما أنوار الرياح فهي تجليات الاسم البعيد، وهي تجليات لا ينبغي أن يذكر اسمها ولا تكون إلاَّ لأهل الإلهام، وللتجلي في أنوار الملائكة في هذا مدخل ولكن في الباطن لا في الظاهر خاصة وهم ملائكة اللمات والإلهام خاصة والإلقاء في هذا التجلي على النفوس، ومن هذا التجلي تكون الخواطر وهي رياحية كلها لأن الرياح تمر ولا تثبت، فإن قال أحد بثبوتها فليست ريحاً ولذلك توصف بالمرور وتسمّى بالخواطر وهي من راح يروح والرائح ما هو مقيم. وأما التجلي في الأنوار الطبيعية فهو التجلي الصوري المركب، فيعطي من المعارف بحسب ما ظهر فيه من الصور وهو يعمّ من الفلك إلى أدنى الحشرات وهو السماء والعالم فهو تجلٍ في السماء والعالم، ومن هذا التجلي تعرف المعاني واللغات وصلاة كل صورة وتسبيحها، وهو كشف جليل نافع مؤيد فيه يرى المكاشف موافقة العالم وأنه ما ثم مخالفة، ومن هنا يرى كل شيء يسبح بحمده، وصاحب هذا المقام يرى على الشهود صور أعماله تكون حية مسبحة لله ذات روح ينفخ فيها صاحب هذا المقام، وإن كانت في ظاهر الكون مخالفة ومعصية فإنها مخالفة صحيحة إلاَّ أنها حية ناطقة تستغفر لصاحبها لأنه سوّى نشأتها مخلقة، وقد تمدح الله بأنه ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [سورة الأعلى: الآية ٢] ومن ١٧٧ في الأحوال/ الباب السابع ومائتان في حال العلة تسوية نشأتها مخلقة أنه لم يخرجها عن كونها معصية، فلو أخرجها عن كونها معصية كانت غير مخلقة وشقي صاحبها وكان تسبيحها لعنة صاحبها فإنه أباح ما حرّم الله فخرج عن الإيمان بذلك، فلاحظ له في الإسلام إلاَّ أن يجدد إسلامه ويتوب، وهذا تنبيه لم يزل أصحابه يكتمونه غيرة منهم وضعفاً، والتنبيه عليه أولى لأنها نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فلا توجد أبداً معصية مخلقة إلاَّ من مؤمن، ومن أعطى الشيء خلقه فقد جرى على السنن الإلهيّ، فإن الله أعطى كل شيء خلقه، فأعطى المعصية خلقها والطاعة خلقها فهكذا تكون صفة المؤمن. وأما أنوار الأسماء فإنها تعين أسماء المعلومات، فهو نور ينبسط على المعدومات والموجودات فلا يتناهى امتداد انبساطها وتمشي العين مع انبساطها فينبسط نور عين صاحب هذا المقام فيعلم ما لا يتناهى كما لا يجهل ما لا يتناهى بتضاعف الأعداد، وهذا علامة من يكون الحق بصره، فالأسماء كلها موجودة، والمسميات منها ما هي معدومة العين لذاتها ومنها ما هي متقدمة العدم لذاتها وهي التي تقبل الوجود، والأحوال لا تقبل الوجود مع إطلاق الاسم على كل ذلك، فللأسماء الإحاطة والإحاطة لله لا لغيره، فمرتبة الأسماء الإلهية وما فضل آدم الملائكة إلاَّ بإحاطته بعلم الأسماء فإنه لولا الأسماء ما ذكر الله شيئاً ولا ذكر الله شيء فلا يذكر إلاَّ بها، ولا يذكر ويحمد إلاَّ بها، فما زاحم صفة العلم في الإحاطة إلاَّ القول والقول كله أسماء ليس القول غير الأسماء، والأسماء علامات ودلائل على ما تحتها من المعاني، فمن ظهر له نور الأسماء فقد ظهر له ما لا يمكن ذكره، لا أقول غير ذلك، ولولا أن الحق أطلق لفظة الكل على الأسماء في صفة ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١] لقلنا من المحال أن يظهر انبساط نور الأسماء على المسميات لعين، ولكن من فهم قول الله تعالى ثم عرضهم على الملائكة فقال: ﴿أَنْيُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١] وأشار علم ما التزمناه من الأدب، وما أراد الله بلفظة كل في هذا التشريف. وأما أنوار المولدات والأمهات والعلل والأسباب فهو تجلّ إلهيّ من كونه مؤثراً ومن كونه مجيباً إذا سُئِل، وغافراً إذا استغفر، ومعطياً إذا سُئِل، وبهذا التجلّي وهذه الأنوار تعلم قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [سورة الفتح: الآية ١٠] وقوله أيضاً عزّ وجلّ: ﴿مَّن يُطِيعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠] وقوله تبارك وتعالى: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ بِيَدِ الرَّحْمنِ)) وقوله: ﴿وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة الحديد: الآية ١٨] وقوله عليه السلام: ((إِنَّ اللَّهَ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ)) فافهم . الباب السابع ومائتان في حال العلة [نظم: الكامل] إن العليلَ إلى الطبيب رُكُونُهُ مَهْمَا أحسَّ بعلَّةٍ فِي نَفْسهِ الفتوحات المكية ج٤ - م١٢ ١٧٨ في الأحوال / الباب السابع ومائتان في حال العلة حَذَراً عليه أن يحلّ برَمْسِهِ فَتراه يَعُبُده وما هو ربَّهُ ما كان إلاَكَوْنَه من جِنْسِهِ فسألتُ ما سبَبُ الرُّكونِ فقيل لي اعلم أن العلة عند القوم تنبيه من الحق، ومن تنبيهات الحق قوله على لسان نبيه الر: (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) وفي رواية يصححها الكشف، وإن لم تثبت عند أصحاب النقل على صورة الرحمن فارتفع الإشكال وهو الشافي من هذه العلة يقول تعالى: ﴿لِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤] فعلمنا أن كل رواية ترفع الإشكال هي الصحيحة وإن ضعفت عند أهل النقل، وإذا كان الله هو الشافي والمعافي فهو الطبيب كما قال الصديق: الطبيب أمرضني، فسبب حنين صاحب العلة إلى الطبيب ما ذكرناه في الشعر وهو خلقه على الصورة، ثم أيّد هذا الخبر وهذا النظر الكشفيّ قول الله تعالى: ((مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُذْنِي)) ولما فسّر قال: مرض فلان فأنزل نفسه فيما أصاب فلاناً عناية منه بفلان، وهذه كلها علل لمن عقل عن الله، فالعلة إثبات السبب والحق عين السبب إذ لولاه ما كان العالم فهو الخالق البارىء المصوّر الشافي، فإذا كان هو عين العلة في قوله: منك، من قوله: أعوذ بك منك، فما شفاه إلاَّ منه إذ لا شافي إلاَّ الله فهو الشافي من كل علة، فإن الله وضع الأسباب فلا يقدر على رفعها، ووضع الله لها أحكاماً فلا يمكن ردّها وهو مسبب الأسباب، فخلق الداء والدواء، وما جعل الشفاء إلاَّ له خاصة، فالشفاء علة لإزالة المرض وما كل علة شفاء، فكل مسبب سبب وما كل سبب مسبب، لكن قد يكون مسبب الحكم لا مسبب العين كقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] فالعلة إذا كانت بمعنى السبب لها حكم، وإذا كانت بمعنى المرض لها حكم، فهي بمعنى المرض داء، وهي بمعنى السبب حكمة، فالعلة تنبيه من الحق لعبده على كل حال، فوقتاً ينبهه من رقدة غفلته بأمر ينزل به وذلك هو الداء والمرض، فإذا فقد العافية أحسّ بالألم فعلم أن مصيبة نزلت به فشرع الله له أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا يرجع إلاَّ من خرج، ووقتاً ينبهه من رقدة غفلته بحكمة تظهر له في نفسه من غير أن يكون ذا مرض نفساني، فإذا كان الحق عين علته فلا يكون إلاَّ من تجلّ إلهيّ فجأة، فإن لله فجآت على قلوب عباده ترد عليهم من غير استدعاء ولا تقدّم سبب معين عنده وإن كان عن سبب في نفس الأمر ولكن لا علم له بذلك، غير أن القوم ما عدلوا إلى هذا الاسم الذي هو العلة إلاَّ لما رأوا العلة مرتبطة بمعلولها والمعلول مربوطاً بعلته، وعلموا أن العالم ملك لله، والملك مربوط حقيقة وجوده ملكاً بالملك، والملك الله، والملك لا يكون ملكاً على نفسه فهو مربوط بالملك، فلما ظهر التضايف في كون العالم مربوباً ومملوكاً عدلوا إلى اسم العلة ولم يعدلوا إلى اسم السبب ولا إلى اسم الشرط. ولما كان بعض التنبيهات الإلهية آلاماً ونوازل تكرهها النفوس بالطبع عدلوا إلى اسم يجمع التنبيهات كلها فعدلوا إلى العلة، فإن المرض يسمّى علة وهو من أقوى المنبهات في الرجوع إلى الله لما يتضمنه من الضعف، ثم إن الله جعل الأسباب حجباً عن الله وركنت النفوس إليها ونسي الله فيها وانتقل الاعتماد عليها من الخلق والعلة وإن كانت عين السبب، ولكن لاختلاف الاسم حكم فالعلة على النقيض من ١٧٩ في الأحوال / الباب السابع ومائتان في حال العلة السبب فإنها منبهة بذاتها على الله، فكان اسم العلة بالمنبه أولى، فكل سبب لا يرذك إلى الله ولا ينبهك عليه ولا يحضره عندك فليس بعلة: [الطويل] ينبُهُني في كل حالٍ على نَفْسي فدائي هو الداءُ العُضَالُ لأنه ولستُ بذي فَصْل ولست بذي جِئْسٍ فما علَّتي غيري وما عِلَّتي أنا ولستُ على جَهْل بذاتي ولا لَبْسِ ولستُ على علم فأعرفُ من أنا ولكنني في الطرح في الضرب كالأُسَّ فما أنا من تَعْنِي ولا أنا غَيْرَهُ ولما كانت العلة التنبّه الإلهيّ فتنبيهات الحق لا تنحصر إلاَّ من طريق ما، وهو أن التنبيه الإلهيّ لا يخلو إما أن يكون من خارج أو من داخل، فإن كان من خارج فقد يثبت وقد لا يثبت، وإن كان من داخل فإنه يثبت ولا بدّ كإبراهيم بن أدهم فإنه نودي من قربوس سرجه فالتفت نحوه فإذا النداء من قلبه فتخيل أنه من قربوس سرجه. وكصاحب القنبرة العمياء حين انشقت لها الأرض عن سكرجتين ذهب وفضة في الواحدة ماء وفي الأخرى سمسم فأكلت من السمسم وشربت من الماء فكانت القنبرة العمياء نفسه مثلت له في هذه الصورة لأنها كانت في حال عمى من المخالفة مع ما هو عليه من نعمة الله فعلم ذلك فرجع إلى الله، فهذه أمثلة ضربت لهم، فالصورة تظهر من خارج والأمر عنده في حاله ولذلك ثبتوا، وقد يكون التنبيه الإلهيّ من واقعة، ومن الواقعة كان رجوعنا إلى الله وهو أتم العلل، لأن الوقائع هي المبشرات وهي أوائل الوحي الإلهيّ وهي من داخل فإنها من ذات الإنسان، فمن الناس من يراها في حال نوم ومنهم من يراها في حال فناء، ومنهم من يراها في حال يقظة، ولا تحجبه عن مدركات حواسه في ذلك الوقت، وإنما سميت علة لأنها تورث ألماً في النفس على ما فاته من الحق الذي خلق له، ويتوهم أنه لو مات في حال المخالفة كيف يكون وجهه عند الله ولو غفر له، أما كان يستحي منه حيث عصاه بنعمته، ومن نعمته عليه أنه أمهله ولم يؤاخذه بما كان منه كما قلنا في نظم لنا: [مخلع البسيط] يا مَنْ يراني ولا أراهُ كَمْ ذا أراه ولا يَرَاني فقال لي بعض إخواني: كيف تقول إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك؟ فقلت له في الحال مرتجلاً: [مجزوء الرجز] يا من يراني مُجرماً ـذَا ولا أراه آخِـ ولا يَزَاني لائـذَا كم ذا أراه مُنْعِماً فلو لم يكن في المخالفة إلاَّ الاستحياء لكان عظيماً بل هو أعظم من العقوبة، فالمغفرة أشدّ على العارفين من العقوبة، فإن العقوبة جزاء فتكون الراحة عقيب الاستيفاء فهو بمنزلة من استوفى حقّه، والغفران ليس كذلك فإنك تعرف أن الحق عليك متوجه وأنه أنعم عليك بترك المطالبة فلا تزال خجلاً ذا حياء أبداً، ولهذا إذا غفر الله للعبد ذنبه حال بينه وبين تذكره وأنساه إياه فإنه لو تذكره لاستحيا، ولا عذاب على النفوس أعظم من الحياء حتى يود صاحب الحياء أنه لم يكن شيئاً كما قالت الكاملة: ﴿يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنسِيًّا﴾ [سورة مريم: ١٨٠ في الأحوال / الباب السابع ومائتان في حال العلة الآية ٢٣] هذا حياء من المخلوق كيف نسبوا إليها ما لا يليق ببيتها ولا بأصلها ولهذا قالوا: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَفِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٢٨] فبرأها الله ممّا نسبوا إليها لما نالها من عذاب الحياء من قومها، فكيف الحياء من الله فيما يتحققه العبد من مخالفة أمر سيده؟ فإن قلت: وهل يمكن أن يعصى على الكشف؟ قلنا: لا، قيل: فقول أبي يزيد لما قيل له: أيعصى العارف والعارف من أهل الكشف؟ فقال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٨] فجوّز. قلنا: هكذا يكون أدب العارفين مع الحق في أجوبتهم حيث قال: إن كان الله قدّر عليهم في سابق علمه ذلك فلا بدّ منه وهي معصية فلا بدّ من الحجاب كما قال ◌َله: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِنْفَاذَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ سَلَبَ ذَوِي العُقُولِ عُقُولَهُم حَتَّى إِذَا أَمْضَى فِيهِمْ قَدَرَهُ رَدَّها عَلَيْهِمْ لِيَغْتَبِروا)) وكذلك حال العارف إذا أراد الله وقوع المخالفة منه ومعرفته تمنعه من ذلك فيزين الله له ذلك العمل بتأويل يقع له فيه وجه إلى الحق لا يقصد العارف به انتهاك الحرمة كما فعل آدم، كالمجتهد يخطىء فإذا وقع منه المقدور أظهر الله له فساد ذلك التأويل الذي أدّاه إلى ذلك الفعل كما فعل بآدم فإنه عصى بالتأويل، فإذا تحقق بعد الوقوع أنه أخطأ علم أنه عصى، فعند ذلك يحكم عليه لسان الظاهر بأنه عاص وهو عاص عند نفسه. وأما في حال وقوع الفعل منه فلا لأجل شبهة التأويل كالمجتهد في زمان فتياه بأمر مّا اعتقاداً منه أن ذلك عين الحكم المشروع في المسألة وفي ثاني حال يظهر له بالدليل أنه أخطأ فيكون لسان الظاهر عليه أنه مخطىء في زمان ظهور الدليل لا قبل ذلك، فإن كان العارف ممّن قيل له على لسان الشارع افعل ما شئت فقد غفرت لك فما عصى لا ظاهراً ولا باطناً عند الله وإن كان لسان الظاهر عليه بالمعصية لأنه لم يدرك نسخ ذلك بالإباحة من الشارع، فلسان الظاهر كمجتهد مخطىء يرى إصابة غيره من المجتهدين خطأ اعتماداً منه على دليله، فمن كان هذا مقامه فما فعل فعلاً يوجب له الحياء مع لسان الظاهر عليه بالمعصية، فمن تنبيهات الحق التوفيق لإصابة الأدلة كما هي في نفس الأمر ليكون على بصيرة وهو المعتني به في أوّل قدم، فإذا أورثته العلة علة طهرته، فإذا وقع التطهير أنسي ما كان عليه من المخالفة وشغل بما توجه إليه مبسوطاً لا مقبوضاً، ولذلك قال بعضهم في حدّ التوبة، أن تنسى ذنبك، ومعنى ذلك عند هذا القائل: إن الله تعالى إذا قبل توبتك أنساك ذنبك فلم يذكرك إياه فإنك إن ذكرته أحضرته بينك وبين الحق وهو قبيح الصورة فجعلت بينك وبين الحق صورة قبيحة، تؤذن بالبعد، فهذا فائدة النسيان لما قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢] لم يزل جبريل ينزل عليه في صورة دحية وكان أجمل أهل زمانه يقول له بصورة الحال: یا محمد ما بيني وبينك إلاَّ صورة الحسن والجمال، فإن جبريل كان بينه وبين الله، وكان من جمال دحية أنه لما ورد إلى المدينة وخرج الناس إليه نساء ورجالاً فما رأته حامل إلاَّ ألقت ما في بطنها لما أدركها في نفسها ممّا رأته من حسن صورته، فالله ينسي التائبين من العارفين ذنوبهم السالفة ولهذا غفرت أي سترت عنهم، والستر على نوعين: إما أن تستر عنهم جملة واحدة، وإما أن تبدّل بحسنة فتحسن صورة تلك السيئة بالتوبة فتظهر له حسنة كما قال: