النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء وأنه غير متغير الجوهر، ولمن هو الحكم الذي ظهر به التغيير في هذه العين، وأنه مثل ظهور التغيير في صور المرآة لتغيير هيئات الرائي، وقد يكون لتغيير المتجليات في أنفسها، والمرآة محل ظهور ذلك لعين الرائي، فالعماء الذي هو النفس الإلهيّ هو القابل لهذه الصور كلها فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الفصل الرابع والثلاثون: في الاسم الإلهي المذلّ وتوجهه على إيجاد الحيوان، وله من الحروف الذال المعجمة، ومن المنازل سعد السعود. قال تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَّكُوُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٧٢] وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ اٌلْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [سورة الجاثية: الآية ١٣] فدخل الحيوان في ذلك، وهذا حكم الاسم المذلّ في العالم بالتسخير، حتى في المسخّر له جعل الله بعضه مسخراً لبعض من الاسم المذلّ، فإن أصل الكل مخلوق من الأرض وهي الذلول بالجعل الإلهيّ كما هي العزيزة بالأصالة، وجعل علة تسخير بعضها لبعض مع كون العالم مسخراً لنا رفعة لبعضنا على بعض بالدرجة التي يحتاج إليها المسخّر المفعول، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِيَتَخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [سورة الزخرف: الآية ٣٢]. فاعلم أيّدك الله بروح منه أني ما أتكلم في هذه الموجودات في هذا النفس الإلهي إلاَّ من حيث حكم الاسم الإلهيّ الذي أذكره مع ذلك الموجود من العالم خاصة وبعض ما له فيه من الأثر. فاعلم أن التسخير قد يكون إذلالاً وقد يكون للقيام بما يحتاج إليه ذلك المسخّر له بالحال، وهذا الفرقان بين التسخيرين بما تعطيه حقيقة المسخر والمسخّر له، فالعبد الذي هو الإنسان مسخّر لفرسه ودابته فينظر منها في سقيها وعلفها وتفقد أحوالها ممّا فيه صلاحها وصحتها وحياتها، وهي مسخّرة له بطريق الإذلال لحمل أثقاله وركوبه واستخدامه إياها في مصالحه، وهكذا في النوع الإنساني برفع الدرجات بينهم، فبالدرجة يسخر بعضهم بعضاً، فتقتضي درجة الملك أن يسخر رعيته فيما يريده بطريق الإذلال للقيام بمصالحه لافتقاره إلى ذلك، وتقتضي درجة الرعايا والسوقة أن تسخر الملك في حفظها والذب عنها وقتال عدوّها والحكم فيما يقع بينها من المخاصمات وطلب الحقوق، فهذه سخرية قيام لا سخرية إذلال اقتضتها درجة السوقة ودرجة الملك والمذل من الأسماء هو الحاكم في الطرفين. ثم يأتي الكشف في هذه المسألة بأمر عجيب ينطق به القرآن ويشهده العيان فقال: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣] وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [سورة الجاثية: الآية ١٣] وقال لقمان لابنه: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَاَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اَللَّهُ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٦] فإنه في الأرض وهو في السماء، وهو في الصخرة، ومعنا أينما كنا، فإن الخالق لا يفارق المخلوق، والمذلّ لا يفارق الإذلال إذ لو فارقه لفارقه هذا الوصف وزال ذلك الاسم، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَفْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] أي يتذلّلوا إلي ولا يتذللون إليّ إلاَّ حتى يعرفوا مكانتي وعزّتي، فخلقهم باسم المذلّ لأنه خلقهم لعبادته، ووصف نفسه بأنه القيوم ١٤٢ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء القائم على كل نفس بما كسبت وقال: ﴿وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] فوصف نفسه بأنه يحفظ ما في السموات وما في الأرض، فبالدرجة يكون حافظاً لما يطلبه العالم من حفظ الوجود عليه، وبالدرجة يكون العالم محفوظاً له، فإذا علمت أن السيد يسخّر عبده بالدرجة والعبد يسخر سيده بالحال وما يفعل ذلك السيد للعبد بطريق الجبر من العبد والإذلال وإنما يفعله لثبوت سيادته عليه فما سخّره للعبد إلاَّ حظ نفسه، ألا ترى أنه يزول عن السيد اسم السيد إذا باع عبده أو هلك؟ فانظر في حكم هذا الاسم ما أعجبه، وإنما اختصّ بالحيوان لظهور حكم القصد فيه ولأنه مستعد للإباية لما هو عليه من الإرادة، فلما توجه عليه الاسم المذلّ صار حكمه تحت حكم من لا إرادة له ولا قدرة لما تعطي هاتان الصفتان من العزّة لمن قامتا به، فأصحب الله من شاء صفة الافتقار والفاقة والحاجة، فذلّ لكل ذلول يرى أن له عنده حاجة يفتقر إليه فيها وينحط عن رتبة عزّه بسببها، فربط الله الوجود على هذا وكان به صلاح العالم، فليس في الأسماء من أعطى الصلاح العام في العالم ولا من له حكم في الحضرة الإلهية مثل هذا الاسم المذلّ، فهو ساري الحكم دائماً في الدنيا والآخرة، فمن أقامه الحق من العارفين في مشاهدته وتجلّ له فيه ومنه فلا يكون في عباد الله أسعد منه بالله ولا أعلم منه بأسرار الله على الكشف، وهذا القدر من الإيماء في هذا الفصل كاف في علم التسخير الإلهيّ والكونيّ، فإنه ألحق السيد بالعبيد وألحق العبيد بالسيد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الفصل الخامس والثلاثون: في الاسم الإلهيّ القويّ وتوجهه على إيجاد الملائكة، وله من الحروف حرف الفاء، ومن المنازل المقدّرة سعد الأخبية. قال الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَكَةُ غِلَاظُ شِدَادٌ﴾ [سورة التحريم: الآية ٦] وقال في الملائكة: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم: الآية ٦] وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] وإلاَّ ما آتاها والأمر تكليف، فظهرت القوّة في الملائكة بإمداد الاسم القويّ فإنه بقوّته أمدّهم، وليس في العالم المخلوق أعظم قوّة من المرأة لسرّ لا يعرفه إلاَّ من عرف فيم وجد العالم، وبأي حركة أوجده الحق تعالى وأنه عن مقدّمتين، فإنه نتيجة والناكح طالب والطالب مفتقر والمنكوح مطلوب والمطلوب له عزّة الإفتقار إليه والشهوة غالبة، فقد بان لك محل المرأة من الموجودات، وما الذي ينظر إليها من الحضرة الإلهية، وبماذا كانت ظاهرة القوّة، وقد نبّه الله على ما خصّها به من القوّة في قوله في حق عائشة وحفصة: ﴿وَإِن تَظَهَرَ! عَلَيْهِ﴾ أي تتعاونا عليه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ﴾ أي ناصره ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنَّ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [سورة التحريم: الآية ٤] هذا كله في مقاواة امرأتين، وما ذكر إلاّ الأقوياء الذين لهم الشدّة والقوّة، فإن صالح المؤمنين يفعل بالهمة وهو أقوى الفعل، فإن فهمت فقد رميت بك على الطريق، فأنزل الملائكة بعد ذكره نفسه وجبريل وصالح المؤمنين منزلة المعينين ولا قوّة إلاَّ بالله. فدلّ أن نظر الاسم القويّ إلى الملائكة أقوى في وجود القوّة فيهم من غيرهم فإنه منه أوجدهم، فمن يستعان عليه فهو فيما يستعان فيه أقوى ممّا يستعان به، فكل ملك خلقه الله من أنفاس النساء هو أقوى الملائكة فإنه من نفس الأقوى، فتوجه الاسم الإلهيّ القوي في وجود ١٤٣ في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء القوّة على إيجاد ملائكة أنفاس النساء أعطى للقوّة فيهم من سائر الملائكة، وإنما اختصّت الملائكة بالقوّة لأنها أنوار وأقوى من النور فلا يكون لأن له الظهور وبه الظهور، وكل شيء مفتقر إلى الظهور، ولا ظهور له إلاَّ بالنور في العالم الأعلى والأسفل، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] وقيل: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ لَمّا قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ بَهِ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)) وقال: ((لأَحرَقَتْ سبحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)) والسبحات الأنوار فهي المظهرة للأشياء والمغنية لها، ولما كان الظل لا يثبت للنور والعالم ظل والحق نور فلهذا يفنى العالم عن نفسه عند التجلي، فإن التجلي نور وشهود النفس ظل، فيفنى الناظر المتجلي له عن شهود نفسه عند رؤية الله، فإذا أرسل الحجاب ظهر الظل ووقع التلذّذ بالشاهد، وهذا الفصل علم فيه عظيم لا يمكن أن ينقال ولا سرّه أن يذاع، من علمه علم صدور العالم علم كيفية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الفصل السادس والثلاثون: في الاسم الإلهيّ اللطيف وتوجهه على إيجاد الجنّ، وله من الحروف حرف الباء المعجمة بواحدة، ومن المنازل المقدم من الدالي. قال الله تعالى في الجان ﴿ إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٧] فوصفهم باللطافة، وخلقهم الله من مارج من نار والمرج الاختلاط فهم من نار مركبة فيها رطوبة المواد ولهذا يظهر لها لهب وهو اشتعال الهواء فهو حار رطب، والشياطين من الجنّ هم الأشقياء المبعدون من رحمة الله منهم خاصة، والسعداء بقي عليهم اسم الجن وهم خلق بين الملائكة والبشر الذي هو الإنسان وهو عنصري ولهذا تكبر، فلو كان طبيعياً خالصاً من غير حكم العنصر ما تكبر وكان مثل الملائكة وهو برزخي النشأة له وجه إلى الأرواح النورية بلطافة النار منه، فله الحجاب والتشكّل، وله وجه إلينا به كان عنصرياً ومارجاً، فأعطاه الاسم اللطيف أنه يجري من ابن آدم مجرى الدم ولا يشعر به، ولولا تنبيه الشارع على لمة الشيطان ووسوسته في صدور الناس ما علم غير أهل الكشف أن ثم شيطاناً، ومن حكم هذا الاسم اللطيف في الشياطين من الجن قوله تعالى لإبليس: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ أُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ اَلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٦٤] قال إبليس ﴿فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌّ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [سورة ص: الآية ٨٢، ٨٣] يعني الذين اصطنعهم الحق لنفسه، فجعل من لطفه لإبليس متعلقاً يتعلق به في موطن خاص يعرفه العارفون بالله . ثم أخبر الله أن الشيطان يعدهم الفقر لقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ فأدرج الرحمة من حيث لا يشعر بها، ولو شعر إبليس بهذا الاستدراج الرحماني ما طلب الرحمة من عين المنة ولكن حجبته قرائن الأحوال عن اعتبار الحق صفة الأمر الإلهي فالاسم اللطيف أورث الجان الاستتار عن أعين الناس فلا تدركهم الأبصار إلاّ إذا تجسدوا، وجعل سماعهم القرآن إذا تلى عليهم أحسن من سماع الإنس، فإن الإنسان وجد عن الاسم الجامع فما انفرد بخلق الاسم اللطيف الإلهيّ دون مقابله من الأسماء، فلما تلا عليهم رسول الله وَّ و سورة الرحمن فما قال ١٤٤ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء في آية منها ﴿فَأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١٣] إلاَّ قالت الجنّ: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، ثم تلاها بعد ذلك ◌َّ على الإنس من أصحابه فلم يظهر منهم من القول عند التلاوة ما ظهر من الجن، فقال ◌َّ لأصحابه: ((إِنّ تَلَوْتُ هذِه السُّورَةَ عَلَى الجِنّ فَكَانُوا أَحْسَنَ اسْتِمَاعاً لَهَا مِنْكُمْ)) وذكر الحديث. ويقول الله عزّ وجلّ آمراً ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٠٤] وأخبر عن الجن فقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ اُلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوُهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ قَالُواْ يَنَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ يَقَوْمَنَآَ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِزَّكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة الأحقاف: الآيات ٢٩ - ٣١] وما قال الله ولا روى عن أحد من الإنس أنه قال مثل هذا القول، فأثر فيهم الاسم اللطيف هذه الآثار في المؤمنين منهم والشياطين. وهل حكي عن أحد من كفار الإنس قول مثل قول إبليس وهو قوله: ﴿بِمَّ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ اُلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَهُمْ أَجْمَعِينٌّ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٣٩، ٤٠] لما قال الله له: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٢] فقطع يأسه منهم أن يكون له عليهم سلطان وحكم فيهم، فهم المعصومون والمحفوظون في الباطن وفي الظاهر من الوقوع عن قصد انتهاك حرمة الله، فخواطر المعصومين والمحفوظين كلها ما بين ربانية أو ملكية أو نفسية، وعلامة ذلك عند المعصوم أنه لا يجد تردداً في أداء الواجب بين فعله وتركه، ويجد التردّد بين المندوب والمكروه ولا في ترك واجب تركه لا يجد فيه التردد لأن التردد في مثل هذين هو من خاطر الشيطان، فمن وجد من نفسه هذه العلامة علم أنه معصوم فقوله: ﴿أَغْوَيْنَنِى﴾ عن تخلّق من قوله: ﴿بِمَآ أَغْوَيْنَنِى﴾ والتزيين الذي جاء به من قوله: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ فإنه يتضمنه فما خرج في أفعاله في العباد عن الأمر اللطيف الذي تجعله قرائن الأحوال وعيداً وتهديداً وللظاهر تعلق بالحكم لاستواء الرحمن على العرش واتساع الرحمة وعمومها حيث لم تبق شيئاً إلاَّ حكمت عليه ومن حكمها كان قوله: ﴿وَاسْتَفْرِزْ مَنِ أُسْتَطَعْتَ﴾ الآيات، فتدبر يا وليّ حكم هذا الاسم في الجان مؤمنهم وكافرهم إن لم تكن من أهل الكشف والوجود فتتبع ما ذكر الله في القرآن من أخبارهم وحكايات أفعالهم وأقوالهم مؤمنهم وكافرهم، ومن أثر الاسم اللطيف لطف إبليس في آدم في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلّدِ وَهُلْكِ لَّا يَبْلَى﴾ [سورة طُه: الآية ١٢٠] فصدقه وهو الكذوب ولم يكن كذبه إلاَّ في قوله: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِنْةٌ﴾ ثم عّل فقال: ﴿خَلَقْنَنِى مِنْ ثَارٍ﴾ [سورة ص: الآية ٧٦] فجمع بين الجهل والكذب فإنه ما هو خير منه لا عند الله ولا في النشأة وفضل بين الأركان ولا فضل بينها في الحقائق فتلطف في الإغواء تلطف المستدرج في الاستدراج، والماكر في المكر، والخادع في الخداع: [البسيط] ولُظْفُه ظاهرٌ في الخَلْقِ مَوْسُومُ إن اللَّطيفَ من الأسماء معلومُ وكيف يُدرك لطفَ الذات مَعْدومُ هو اللَّطيفُ فما يبدو لنّاظِرنا لُطْفُ اللَّطيف بنا نَعْتٌ له ولنا فاللُّطْفُ في عينه عليه مَخْكُومُ ١٤٥ في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء ثم اعلم أن نسبة الأرواح النارية في الصورة الجرمية أقرب مناسبة للتجلي الإلهيّ في الصور المشهودة للعين من الجسم الإنساني، وما قرب من النسب إلى ذلك الجناب كان أقوى في اللطافة من الأبعد، فلا تزال صورة الروح الناري مجهولة عند البشر لا تعلم إلاَّ بإعلام إلهيّ فإنه إعلام لا يدخله ما يخرجه عن الصدق، وكذلك إعلام الأرواح الملكية، وأما لو وقع الإعلام من الجن لم نثق به لأنه عنصري الأصل، وكل موجود عنصري يقبل الاستحالة مثل أصله والموجود عن الطبيعة من غير وساطة لا يقبل الاستحالة فلهذا لا يدخل إخباره الكذب فلطافته أخفته حتى جهلت صورته. فإن قلت: فالأرواح الملكية جعلت لها الاسم الإلهيّ القوي مع وجود هذا اللطف فيها من الاسم الإلهيّ اللطيف. قلنا: صدقت لتعلم أني ما قصدت الاسم الإلهيّ المعين في إيجاد صنف من أصناف الممكنات إلاَّ لكون ذلك الاسم هو الأغلب عليه وحكمه أمضى فيه، مع أنه ما من ممكن يوجد إلاَّ وللأسماء الإلهية المتعلقة بالأكوان فيه أثر، لكن بعضها أقوى من بعض في ذلك الممكن المعين وأكثر حكماً فيه، فلهذا ننسبه إليه كما نسبت يوم السبت لصاحب السماء السابعة، والأحد لصاحب السماء الرابعة، وهكذا كل يوم لصاحب سماء، ومع هذا فلكل صاحب سماء في كل يوم حكم وأثر لكن صاحب اليوم الذي ننسبه إليه أكثر حكماً وأقواه فيه من غيره فاعلم هذا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الفصل السابع والثلاثون: في الاسم الإلهيّ الجامع وتوجهه على إيجاد الإنسان، وله من الحروف حرف الميم، وله من المنازل المقدرة الفرع المؤخر الاسم الجامع هو الله، ولهذا جمع الله لنشأة جسد آدم بين يديه فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىّ﴾ [سورة ص: الآية ٧٥] وأما خلق الله السماء بأيد فتلك القوّة فإن الأيد القوّة، قال تعالى: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَبْدِ﴾ [سورة ص: الآية ١٧] أي صاحب القوّة ما هو جمع يد، وقد جاء في حديث آدم قوله: ((اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة)). فلما أراد الله كمال هذه النشأة الإنسانية جمع لها بين يديه وأعطاها جميع حقائق العالم وتجلّى لها في الأسماء كلها، فحازت الصورة الإلهية والصورة الكونية وجعلها روحاً للعالم، وجعل أصناف العالم له كالأعضاء من الجسم للروح المدبّر له، فلو فارق العالم هذا الإنسان مات العالم، كما أنه إذا فارق منه ما فارق كان فراقه لذلك الصنف من العالم كالخدر لبعض الجوارح من الجسم فتتعطل تلك الجارحة لكون الروح الحساس النامي فارقها، كما تتعطل الدنيا بمفارقة الإنسان، فالدار الدنيا جارحة من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه، فلما كان له هذا الاسم الجامع قابل الحضرتين بذاته فصحّت له الخلافة وتدبير العالم وتفصيله، فإذا لم يحز إنسان رتبة الكمال فهو حيوان تشبه صورته الظاهرة صورة الإنسان، وكلامنا في الإنسان الكامل فإن الله ما خلق أوّلاً من هذا النوع إلاَّ الكامل وهو آدم عليه السلام، ثم أبان الحق عن مرتبة الكمال لهذا النوع فمن حازها منه فهو الإنسان الذي أريده، ومن نزل عن تلك الرتبة فعنده من الإنسانية بحسب ما تبقى له، وليس في الموجودات من وسع الحق سواه وما وسعه إلاّ بقبول الصورة، فهو مجلّى الحق والحق مجلّى حقائق الفتوحات المكية ج٤ - م١٠ ١٤٦ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء العالم بروحه الذي هو الإنسان، وأعطى المؤخر لأنه آخر نوع ظهر، فأوليته حق وآخريته خلق، فهو الأوّل من حيث الصورة الإلهية، والآخر من حيث الصورة الكونية، والظاهر بالصورتين والباطن عن الصورة الكونية بما عنده من الصورة الإلهية، وقد ظهر حكم هذا في عدم علم الملائكة بمنزلته مع كون الله قد قال لهم إنه خليفه فكيف بهم لو لم يقل لهم ذلك؟ فلم يكن ذلك إلاَّ لبطونه عن الملائكة وهم من العالم الأعلى العالم بما في الآخرة وبعض الأولى، فإنهم لو علموا ما يكون في الأولى ما جهلوا رتبة آدم عليه السلام مع التعريف وما عرفه من العالم إلاَّ اللوح والقلم وهم العالون ولا يتمكن لهم إنكاره، والقلم قد سطره واللوح قد حواه، فإن القلم لما سطره سطر رتبته وما يكون منه، واللوح قد علم علم ذوق ما خطه القلم فيه، قال الله تعالى لإبليس: ﴿أَسْتَكْبَرَتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [سورة ص: الآية ٧٥] على طريق استفهام التقرير بما هو به عالم ليقيم شهادته على نفسه بما ينطق به فقال: ﴿أَنْ خَيْرٌ مِنَّةٌ﴾ [سورة ص: الآية ٧٦] فاستكبر عليه لا على أمر الله وما كان من العالين فأخذه الله بقوله وكان من الكافرين نعمة الله عليه حين أمره بالسجود لآدم وألحقه بالملأ الأعلى في الخطاب بذلك فحرمه الله لشؤم النشأة العنصرية، ولولا أن الله تعالى جمع لآدم في خلقه بين يديه فحاز الصورتين وإلاَّ كان من جملة الحيوان الذي يمشي على رجليه ولهذا قال وَلّ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرونَ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ آسيةُ امرأةٌ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابنةُ عِمْرَانَ)) فالكمل همٍ الخلائف، واستخدم الله له العالم كله، فما من حقيقة صورية في العالم الأعلى والأسفل إلاّ وهي ناظرة إليه نظر كمال أمينة على سر أودعها الله إياه لتوصله إليه، وقولي صورية أي لها صورة معينة في العالم تحوز مكانها ومكانتها، وهذا القدر من الإشارة إلى حكم هذا الاسم الإلهي الجامع في هذا النوع كاف في حصول الغرض من نفس الرحمن فإنه حاز العماء كله، ولهذا كان له حرف الميم من حيث صورته وهو آخر الحروف، وليس بعده إلاَّ الواو الذي هو للمراتب فيدخل فيه الحق والخلق لعموم الرتبة فلنذكرها في الفصل الذي يلي هذا الفصل وأي اسم لها فنقول. الفصل الثامن والثلاثون: في الاسم الإلهي رفيع الدرجات ذي العرش وتوجهه على تعيين المراتب لا على إيجادها لأنها نسب لا تتصف بالوجود إذ لا عين لها، ولها من الحروف حرف الواو، ومن المنازل المقدرة الرشا، وهو الحبل الذي للفرع. اعلم أن المراتب كلها إلهيّة بالأصالة وظهرت أحكامها في الكون، وأعلى رتبة إلهية ظهرت في الإنسان الكامل، فأعلى الرتب رتبة الغنى عن كل شيء، وتلك الرتبة لا تنبغي إلاّ الله من حيث ذاته، وأعلى الرتب في العالم الغنى بكل شيء، وإن شئت قلت: الفقر إلى كل شيء وتلك رتبة الإنسان الكامل، فإن كل شيء خلق له ومن أجله وسخّر له لما علم الله من حاجته إليه فليس له غنى عنه، والحاجة لا تكون إلاَّ لمن بيده قضاؤها، وليس إلاَّ الله الذي بيده ملكوت كل شيء، فلا بدّ أن يتجلى لهذا الإنسان الكامل في صورة كل شيء ليؤدي إليه من صورة ذلك الشيء ما هو محتاج إليه وما يكون به قوامه. ولما اتصف الله لعباده بالغيرة ١٤٧ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء أظهر حكمها فأبان لهم أنه المتجلي في صورة كل شيء حتى لا يفتقر إلاَّ إليه خاصة فقال عزّ وجلّ: ﴿يَّأَيُهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [ سورة فاطر: الآية ١٥] فافهم وتحقق ركون الناس إلى صور الأسباب وافتقارهم إليها، وأثبت الله افتقار الناس إليه لا إلى غيره ليبين لهم أنه المتجلي في صور الأسباب، وأن الأسباب التي هي الصور حجاب عنه ليعلم ذلك العلماء لعلمهم بالمراتب . واعلم أن لكل اسم من الأسماء مرتبة ليست للآخر، ولكل صورة في العالم رتبة ليست للصورة الأخرى، فالمراتب لا تتناهى وهي الدرجات وفيها رفيع وأرفع، سواء كانت إلهية أو كونية فإن الرتب الكونية إلهية فما ثم رتبة إلاَّ رفيعة وتقع المفاضلة في الرفعة، ومن هنا تعرف مآل الثقلين عرفان ذوق، فإن مآلهم لا بدّ أن يكون إلى مرتبة إلهية، وما عدا الثقلين فمآلهم معروف عند العلماء الإلهيين، ومآل الثقلين لا يعلم مرتبته إلاَّ الخصوص من العلماء بالله، وإنما كان لها الواو لأن الواو لها الستة من مراتب العدد وهي أول عدد كامل، والكمال في العالم إنما كان بالمرتبة فأعطيناه الواو، ومن المنازل الرشا وهو الحبل والحبل الوصل وبه يكون الاعتصام كما هو بالله فأنزل الحبل منزلته، فلولا أن رتبة الحبل أعطت ذلك ما ثبت قوله: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٣] كما قال: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] فافهم أين جعل رتبة الحبل وبأي اسم قرنه وإلى أي اسم أضافه. واعلم أنه لولا الصور ما تميزت الأعيان، ولولا المراتب ما علمت مقادير الأشياء ولا كانت تنزل كل صورة منزلتها كما قالت عائشة: أنزلوا الناس منازلهم، وبالرتبة علم الفاضل والمفضول، وبها ميّز بين الله والعالم، وبها ظهرت حقائق ما هي عليه الأسماء الإلهية من عموم التعلّق وخصوصه، فلنذكر في هذا الفصل مناسبة الأسماء الإلهيّة التي ذكرناها للحروف التي عيناها والمنازل التي أوردناها ليرتبط الكل بعضه ببعضه، فكما جمع العماء صور الموجودات الذي هو النفس الإلهيّ كذلك جمع الحروف النفس الإنساني كما جمع الفلك المنازل المقدرة لنزول الدراري فيها المبينة مقادير البروج في الفلك الأطلس فنقول: إني ما قصدت بهذا المساق ترتيب إيجاد العالم وأنه وجد هذا بعد هذا، فإن ترتيب إيجاد العالم قد ذكرناه في هذا الكتاب وأنه على خلاف ما يقوله حكماء الفلاسفة، وإنما قصدنا معرفة ما أثرت الأسماء الإلهية في الممكنات في ممكن ممكن منها سواء تقدم على المذكور قبله أو تأخر، ورتبة الموجودات على ما هي الآن عليه في وصفها وتقييدها، وذكرنا المنازل على ما هي الآن عليه في وضعها وترتيب الحروف على مخارجها، ولا يلزم من هذا ترتيبها في الكلمات المؤلفة منها فقد تكون الكلمة الأولى من حروف الوسط مثل كلمة ﴿كن﴾ وقبلها حروف مخارجها متقدمة عليها، فتنظر الاسم الإلهي الذي يقتضي أن يكون له الأثر في العالم ابتداء فتجده البديع لأنه لم يتقدم العالم عالم يكون هذا على مثاله، فالبديع له الحكم في ابتداء العالم على غير مثال وليس المبدىء كذلك، والمعيد يطلب المبدئىء ما يطلب البديع، والبديع له الحكم في النشأة الآخرة فينا، كما كان له الحكم في النشأة الدنيا فإنها على ١٤٨ في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء غير مثال هذه النشأة وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [سورة الواقعة: الآية ٦٢] يعني أنها كانت على غير مثال سبق وقال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٩] أي على غير مثال، فالبديع حيث كان حكمه ظاهر نفي المثال وما انتفى عنه المثال فهو أول، فأعطيناه أوّل الزمان اليومي وهو الذي ظهر بوجود الشمس في الحمل وأوله الشرطين، وأعطيناه من الحروف الهاء فإنها أول حرف ظهر في المخرج الأوّل، والاسم أعطى العين الموجودة، والعين الموجودة ظهر بها الزمان الذي هو مقارنة حادث لحادث يسأل عنه بمتى، فإن كان الموجود ذا نفس في مادة أعطى الحرف وترتيب المنازل بحلول الشمس لإظهار أعيان الفصول التي بها قوام المولدات، فالحروف تحكم على الكلمات، والكواكب تحكم على فصول الزمان، والأسماء تحكم في الموجودات، والأعيان مقسمة بين فاعل ومنفعل، فإذا فهمت هذا نسبت كل اسم إلهيّ إلى متعلقه غالباً وإن كان لغيره فيه حكم، وقد تقدم الكلام في مثل هذا ومتعلقه موجود ما أو حكم في موجود ثم ربط الوجود بعضه ببعضه بين فاعل ومنفعل وجوهر وعرض ومكان وزمان وإضافة وغير ذلك من تقاسيم الأشياء فيه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الفصل التاسع والثلاثون: في النقل في الأنفاس. اعلم أن المراد بالنقل أن ينقل حكم الآخر إلى الأوّل ويجعل محله من الأول آخراً وقد كان في الآخر أولاً، ويزيل من الآخر عين ما ظهر فيه هذا الحكم والعين واحدة فإنه قال: ﴿هُوَ اُلْأَوَّلُ وَاَلَخِرُ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] والهوية واحدة العين، وانتقل الحكم من آخر إلى أول في عين واحدة، ولا يكون هذا النقل الخاص في هذا الباب إلاَّ نقل الموجود من حال شدة إلى حال رخاء ومن عسر إلى يسر، فالنقل تسهيل طريق إلى وجود الرحمة، وهذا النقل يظهر في ثلاث مراتب: المرتبة الأولى : أن يظهر في الصور الممثلة على صورة المحسوس فيكون لها حكم المحسوسات وليست بمحسوسات وهي من وجه محسوسات فينتقل إليها ذلك الحكم ليعلم أن للظهور في صورة ما من الموجود المنزه عن التأثير حكم الصورة التي ظهر فيها، فانتقل الحكم إلى الذي كان لا يقبله قبل هذا لظهوره بالصورة التي هذا الحكم لها، كما انتقل حكم البشر إلى الروح لما ظهر بصورة البشر فأعطى الولد الذي هو عيسى وليس ذلك من شأن الأرواح ولكن انتقل حكم الصورة إليها بقبوله للصورة، فمن ظهر في صورة كان له حكمها، ومن هنا تعرف مرتبة الإنسان الكامل الذي خلقه الله على صورته، ولتلك الصورة حكم فتبع الحكم الصورة فلم يدع الألوهية لنفسه أحد من خلق الله إلاَّ الإنسان الذي ظهر بأحكام الأسماء والنيابة فكان ملكاً مطاعاً كفرعون وغيره، وقد يظهر حكم النقل في مرتبة المعرفة وهي المرتبة الثانية، قال رسول الله وَّه: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وذلك بنقل الحكم الذي كان لنفسه إلى ربه لما علم أنه ما في الوجود إلاّ الله. والمرتبة الثالثة: الانتقال في جميع المراتب، فينتقل حكم المنزلة للنازل فيها كانت المنزلة ما كانت ممّا تحمد أو تذم، وإذا انتقل الحكم انتقل الحكم فيها بحسب ما تقرر في العرف والوضع العادي والشرعي، ألا ترى الروح الجني إذا لبس ١٤٩ في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء صورة الحية والحكم فيها منا القتل قتلناه لصورته، ولو علمنا أنه جان ما قتلناه، كما انتقل حكم الصورة في الجان فحكمت عليه أنه حية عاملناه فحكمنا في تلك الصورة، روينا حديثاً عن شخص من جن وفد نصيبين الذين وفدوا على رسول الله وَ﴾ أنه قال: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهُؤُلاءِ الوَفْدِ مِنَ الجِنّ لَمّا كَانَ لَهُم الظُّهُورُ فِي أَيِّ صورَةٍ شَاؤُوا فَحَكَمَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ مَنْ تَصَوَّرَ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ فَقُتِلَ فَلاَ عَقْلَ فِيهِ وَلاَ قَوَدَ)) فإنه من قتل حية أو عقرباً لا يقتل به ولا تؤخذ فيه دية، فمن ظهر في صورة من هذا حكمه انسحب عليه هذا الحكم. الفصل الأربعون: في الجلي والخفي من الأنفاس. فالجلي ما ظهر والخفي ما استتر، ولا يكون الاستتار والخفاء إلاَّ في الأمثال، وأما في غير الأمثال فلا، لأن غير المثل لا يقبل صورة من ليس مثله، ألا ترى قوله عليه السلام حين قال: إن الله قال على لسان عبده: ((سمع الله لمن حمده)) لأنه قال فيه أنه خلقه على صورته فجعله مثلاً، ثم نفى أن يماثل ذلك المثل فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] أي ليس مثل مثله شيء، فنفى أن يماثل المثل فاستتر الحق بصورة العبد في قوله: سمع الله لمن حمده، فإن المترجم عنه اسم مفعول يستتر بظهور المترجم اسم فاعل في باب المماثلة له فيما يطلبه من الأمور التي لا صورة لها في المترجم لهم من حيث ما يعرفها المترجم عنه في لسانه، فيظهر المترجم عنه بصورة المترجم عنه المعنوية وبصورة المترجم لهم المحسوسة فيظهر بالصورتين فإنه سمّاه عبداً وهو عبد قائل عن حق، فكان لسانه لسان حق في قوله: سمع الله لمن حمده، وما زال عن كونه عبداً في ذلك فالله تعالى يظهرنا وقتاً ويستر نفسه فيما هو له ووقتاً يظهر نفسه ويسترنا بحسب المواطن حكمة منه، فالكامل من أهل الله ينظر مراد الله في الوقائع، فأي عين أراد الله ظهورها أظهر وأي عين أراد الله سترها سترها، والأدب يقضي بأمر كلي أن ما حسن عرفاً وشرعاً نسبه للحق فأظهر الحق فيه وجلاه للبصائر والأبصار، وما قبح عرفاً وشرعاً نسبه إلى نفسه إن شاء وأظهر نفسه فيه، وجلاه أو نسبه إلى الشيطان إن شاء وأظهر عين الشيطان فيه وجلاه، فيكون باطنه حقاً لقوله: ﴿فَأَمَهَا لُجُورَهَا وَنَقْوَنهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٨] وكل من عند الله، ولكن معٍ هذا كله لا بدّ أن لم يكن مثلاً يصيره مثلاً وحينئذ يستره وإلاَّ فما يستتر فإنه ما ثم مثل إلاّ الإنسان فهو يقبل الاستتار وما عدا الإنسان فلا يقبله فإنه ليس بمثل، فإذا أردت أن تستره في الحق صيرته مثلاً وحينئذ يقبل الستر بالصيرورة، فالأسباب كلها خلاف إلاّ الإنسان قال الله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠] فجلاه باسمه وكان ظاهراً فستره ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [سورة الفتح: الآية ١٠] فأظهره بكاف الخطاب ثم ستره ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] كما إنه ميّز وعينَّ وفرّق فقال: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن نَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى الَّهِ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩] حكماً وإلى الرسول عيناً، فمن أهل الله من يقيم مثل هذا إذا ورد نشأة ذات روح وجسد فيستر بالحركة المحسوسة فعل الروح بصراً ويستر بالمحرك فعل الجسد بصيرة، وفيها يكون الإنسان خالقاً ويكون الحق أحسن الخالقين، ومن أهل الله من لا يرى إلاَّ الله فلا ستر عنده، ومن أهل الله من ١٥٠ في الأحوال./ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء لا يرى إلاَّ الخلق فلا ظهور عنده وكل مصيب، وأهل الأدب هم الكمل فيحكمون في هذا الأمر بما حكم الله من ستر وتجلّ وإخفاء وإظهار كما قدمنا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الفصل الحادي والأربعون: في الاعتدال والانحراف من النفس. اعلم أن أهل الله في هذا الباب على ثلاثة أقسام: قسم يرى أن الحق لا يميل ولا يمال إليه، وهم الذين يحدّون الحب بالليل الدائم من المحب للمحبوب. وقسم يرى أن خلق الإنسان على الصورة يعطي الاعتدال وإن لم يكن الاعتدال فما هو على الصورة فيميل حيث مال الحق مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَِّى مُسْتَقِيمًا﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٥٣] في شرع خاص ﴿فَاتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ الشُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٥٣] فجعل هذا التعريف وصية ليعمل بها، وهذا عين الميل عن قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] وعن وقوله: ﴿مَا مِن دَابَهُ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] فأهل الاعتدال هم القائمون بين الانحرافين، وأهل الانحراف عن هذا الاعتدال هم الذين يثبتون في الأفعال الكونية علواً وسفلاً حقاً بلا خلق وهم طائفة، وطائفة أخرى يثبتونها خلقاً بلا حق حقيقة من الطائفتين لا على طريق المجاز، وهم الذين يقولون إنه ما صدر عن الحق إلاَّ واحد، وعن الترجيح في رفع التجريح، والنظر في الخطاب الإلهيّ، ففي أي موضع جعل الحكم لأحد الانحرافين جعلناه، وفي أي موضع عدل إلى الاعتدال عدلنا، وهذا نعت الأدباء مع الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الفصل الثاني والأربعون: في الاعتماد على الناقص والميل إليه. هذا باب الاعتماد على الأسباب كلها إلاَّ السبب الإنساني الكامل، فإنه من اعتمد عليه فما اعتمد على ناقص لظهوره بالصورة، وما عداه من الأسباب فهو ناقص عن هذه المرتبة نقص المرأة عن الرجل بالدرجة التي بينهما، وإن كملت المرأة فما كمالها كمال الرجل لأجل تلك الدرجة، فمن جعل الدرجة كون حوّاء وجدت من آدم فلم يكن لها ظهور إلاَّ به فله عليها درجة السببية فلا تلحقه فيها أبداً، وهذه قضية في عين، ونقابلها بمريم في وجود عيسى فإذا الدرجة ما هي سبب ظهورها عنه، وإنما المرأة محل الانفعال والرجل ليس كذلك، ومحل الانفعال لا يكون له رتبة أن يفعل فلها النقص، ومع النقص يعتمد عليها ويمال إليها لقبولها الانفعال فيها، وعندها فما وضع الله الأسباب سدى إلاَّ لنقول بها ونعتمد عليها اعتماداً إلهياً أعطت الحكمة الإلهية ذلك مع نظرنا إلى الوجه في كل منفعل بها سواء شعر السبب بذلك الوجه أو لم يشعر، فالحكيم الإلهي الأديب من ينزل الأسباب حيث أنزلها الله، فمن يشاهد الوجه الخاص في كل منفعل يقول: إن الله يفعل عندها لا بها، ومن لا يشاهد الوجه الخاص يقول: إن الله يفعل الأشياء بها، فيجعل الأسباب كالآلة يثبتها ولا يضيف إليها، كالنجار الذي لا يصل إلى عمل صورة تابوت أو كرسي إلاَّ بآلة القدّوم والمنشار وغيرهما من الآلات ممّا لا يتم فعله إلاَّ بها لا عندها فتثبتها ولا تضيف صنعة التابوت إليها، وإنما يثبت ذلك للنجار وصاحب التدبير والعلم بما ظهر عنه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ١٥١ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء الفصل الثالث والأربعون: في الإعادة الإعادة. تكرار الأمثال أو العين في الوجود وذلك جائز وليس بواقع أعني تكرار العين للاتساع الإلهيّ، ولكن الإنسان ﴿ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلّقِ جَدِيدٍ﴾ [سورة قى: الآية ١٥] فهي أمثال يعسر الفصل فيها لقوّة الشبه، فالإعادة إنما هي في الحكم مثل السلطان يولي والياً ثم يعزله ثم يوليه بعد عزله، فالإعادة في الولاية والولاية نسبة لا عين وجودي، ألا ترى الإعادة يوم القيامة إنما هي في التدبير، فإن النبيّ ◌َّ قد ميّز بين نشأة الدنيا ونشأة الآخرة والروح المدبر لنشأة الدنيا عاد إلى تدبير النشأة الآخرة فهي إعادة حكم ونسبة لا إعادة عين فقدت ثم وجدت، وأين مزاج من يبول ويغوط ويتمخط من مزاج من لا يبول ولا يغوط ولا يتمخط، والأعيان التي هي الجواهر ما فقدت من الوجود حتى تعاد إليه بل لم تزل موجودة العين ولا إعادة في الوجود لموجود فإنه موجود، وإنما هي هيئات وإمتزاجات نسبية. وأما قولنا بالجواز في الإعادة في الهيئة والمزاج الذي ذهب فلقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ﴾ [سورة عبس: الآية ٢٢] وما شاء فإن المخبر عن الله فرّق بين نشأة الدنيا ونشأة الأخرى، وفرّق بين نشأة أهل السعادة ونشأة أهل الشقاء، فنشأة أهل السعادة لها اللطف والرقة ولا سيما للمتشرعين المنكسرة قلوبهم الناظرين إلى الرسول دائماً بعين حق مع شهود بشريته وأنه من الجنس، ومن عادة الجنس الحسد إذا ظهر التفوق وقد ارتفع عن هؤلاء، ولهم فتح البركات من السماء والأرض، كما لأهل الشقاء فتح العذاب والزيادة لما زادوا هنا من المرض في قلوبهم عند ورود الآيات الإلهيّة لإثبات الشرائع فكلاهما أهل فتح ولكن بماذا؟ فاعلم ذلك فإنه في علم الأنفاس دقيق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الفصل الرابع والأربعون: في اللطيف من النفس يرجع كثيفاً وما سببه والكثيف يرجع لطيفاً وما سببه كالملحن في الرفع والخفض في صوته. اعلم أن اللطف من المحال أن يرجع كثافة فإن الحقائق لا تنقلب ولكن اللطيف يرجع كثيفاً كالحار يرجع بارداً والبارد حاراً، فاعلم أن الأرواح لها اللطافة، فإذا تجسدت وظهرت بصورة الأجسام كثفت في عين الناظر إليها، والأجسام لها الكثافة شفافها وغير شفافها، فإذا تحوّلت في الصور في عين الرائي أو احتجبت مع الحضور فقد تروحنت أي صار لها حكم الأرواح في الاستتار، وتتنوّع الصور عليها كما تتنوع عليها الأعراض بحمرة الخجل وصفرة الوجل، وهو أنموذج منبيء أن لها قوّة التحوّل في الصور إذا قامت بها أسباب ذلك، فأما سبب كثافة الأرواح وهي من عالم اللطف فلكونهم خلقوا من الطبيعة، وإن كانت أجسامهم نورية فمن نور الطبيعة كنور السراج، فلهذا قبلوا الكثافة فظهروا بصور الأجسام الكثيفة، كما أثر فيهم الخصام حكم الطبيعة لما فيها من التقابل والتضاد والضدّ، والمقابل منازع لمقابله كقول رسول اللّه وَّل فيما حكى الله عنه: ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلِمٍ بِالْعَلَ الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ﴾ [سورة ص: الآية ٦٩] فوصفهم بالخصومة. فمن هذه الحقيقة التي أورثتهم الخصومة تجسدوا في صور الأجسام الكثيفة . ١٥٢ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء وأما الكثيف يرجع لطيفاً فسببه التحليل، فإن الكثائف من عالم الاستحالة، وكل ما يقبل الاستحالة يقبل الصور المختلفة والمتضادّة، وأظهر ما يكون ذلك في أهل التلحين، فالصوت بما هو صوت لا تتبدّل صورته فيغلظه الملحن في موضع ويرققه في موضع بحسب الرتبة التي يقصدها ليؤثر بذلك في طبيعة السامعين ما شاء من فرح وسرور وانبساط، أو حزن وهم وانقباض، ولهذا جعلوا ذلك في الموسيقي في أربعة: في البم والزير والمثنى والمثلث، فإن المحل الذي يريدون أن تؤثر فيه هذه الأصوات مركب من مشاكلتها من مرتين ودم وبلغم فيهيج سماع هذا الصوت ما يشاكله من الأخلاط التي هو عليها السامع، فيكون الحكم بسبب معين يقصده الملحن حتى يكون له ذلك سبباً إلى معرفة الأصل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ فهو قصد الملحن ﴿أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فأتى بالكلام الذي هو الصوت الممتد والمنقطع في المخارج لإظهار أعيان الحروف التي تقع بها الفائدة عند السامع، ألا ترى إلى صوت السنانير وإن لم يكن لهم حروف تتقطع في نفسها يغيرون أصواتهم لتغير أحوالهم ليعرفوا السامع ما يقصدونه بذلك الصوت، فعند الجوع يرق صوت السنور ويخفي ويلطف، وعند الهياج يغلظ ويجهر ويتتابع، فيعلم من صوته أنه هائج أو أنه جائع فيؤثر ذلك في نفس السامع بحسب قبوله إما رقة وحناناً فيطعمه وإما غير ذلك. ثم إن في هذا الباب يظهر تجلي الحق في الصور التي ينكر فيها أو يرى فيها في النوم، فيرى الحق في صورة الخلق بسبب حضرة الخيال، فإن الحضرات تحكم على النازل فيها وتكسوه من خلعها ما تشاء أين هذا التجلي من ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ ومن: ﴿سُبْحَنَ رَِكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَنَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠] فالحكم للحضرة والموطن لأنّ الحكم للحقائق والمعاني توجب أحكامها لمن قامت به، وإذا كان هذا الحكم في العلم الإلهيّ فظهوره في أعيان المحدثات أقرب مأخذاً لوجود المناسبة الإمكانية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الفصل الخامس والأربعون: في الاعتماد على أصل المحدثات. أصل المحدثات هو ما ترجع إليه بعد فراغها من النظر في ذاتها وهو في قول الشارع: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وقد تكون المعرفة بالله الحاصلة بعد المعرفة بالنفس علماً بالعجز عن البلوغ إلى ذلك، فيحصل لهم العلم بأنه ثم من لا يعلم فترك العلامة علامة فقد تميز عن خلقه بسلب لا بإثبات، وقد تكون المعرفة به من كونه إلهاً فيعلم ما تستحقه المرتبة فيجعلون ذلك صفة لمن قامت به تلك المرتبة وظهر فيها، فيكون علمهم بما تقتضيه الرتبة علمهم بصاحبها إذ هو المنعوت بها فهو المنعوت بكل ما ينبغي لها أن توصف به، وعلى الحقيقة يعلم أن هذا علم بالمرتبة لا به، لكن يعلم أنه ما في وسع الممكن أكثر من هذا في باب النظر وإقامة الأدلة، فإن كشف الله عن بصر الممكن بتجلّ يظهر له به الحق يعلم عند ذلك ما هو الأمر عليه فيكون بحسب ما يعلمه، ومن أهل النظر من يروم هذا الحكم الذي ذهب إليه صاحب التجلي ولكن لا يقوى فيه لأنه خائف من الغلط في ذلك لعدم الذوق فهو يرومه ولا يظهر به، والمعتمدون على هذا الأصل على طبقات لاختلافهم في أحوالهم، فمنهم من ١٥٣ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء يعتمد عليه في كل شيء عند ظهور ذلك الشيء، ومنهم من يعتمد عليه في الأشياء قبل ظهور الأشياء، ومنهم من تردّه الأشياء إليه فيعتمد عليه بعد أن كان يعتمد على الأشياء، وذلك كله راجع إلى استعداداتهم. واعلم أن هذا الباب يتضمن علم السكون والحركة أي علم الثبوت والإقامة وعلم التغيير والانتقال، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٣] أي ما ثبت فإن نعت القديم ثابت ونعت المحدثات يثبت لثبوتها ويزول لزوالها ويتغير عليها النعت لقبولها التغيير لأنها كانت معدومة فوجدت فقبلت الوجود فلم تثبت على حالة العدم، فلما كان أصلها قبول التنقل من حال إلى حال تغيرت عليها النعوت فلم تثبت إلاَّ على التغيير لا على نعت معين، والسكون أيضاً لما كان عديم الحركة لا يصحّ فيه دعوى أضافه الحق إليه، والحركة لما كانت الدعوى تصحبها أي تصحب لمن ظهر بها لم يقل تعالى أنه له ما تحرّك فإن الدعوى تدخلها من المحرّكين والوجه الثبوت لا العدم فله الثبوت وللعالم الزوال وإن ثبت فإن ذلك ليس من نفسه وإنما ذلك من مثبته، قال النبي ◌ّ# لما بلغه قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. قال: ((هذا أَضْدَقُ بَيْتٍ قَالَتْهُ العَرَبُ)) وإن كانت الأشياء موجودة فهي في حكم العدم لجواز ذلك عليها وإن لم يقع، والاعتماد لا نشك أنه سكون إلى من يعتمد عليه لا بدّ من ذلك ولا يعتمد إلاَّ على من له ثبوت الوجود ولا يقبل التغيير ولا الانتقال من حال الثبوت، ومن علم أنه يقبل الانتقال من الثبوت لا يعتمد عليه لأنه يخون المعتمد عليه ذلك الاعتماد لارتباطه بمن لا ثبوت له، فلا يعتمد على محدث إلاَّ عن كشف وإعلام إلهيّ، فيكون اعتمادنا على من له نعت الثبوت كاعتمادنا على الشرائع فيما يجب الإيمان به، فلولا التعريف الإلهيّ بما أظهره من الآيات على صدقه لم نثبت على ذلك، كما لا نثبت على الحكم ثبوت من لا ينتقل لجواز النسخ وكل ذلك شرع يجب الإيمان به، فإن النسخ لما كان عبارة عن انتهاء مدّة ذلك الحكم أعقبه حكم آخر لا أن الأوّل استحال بل انقضى لانقضاء مدته لارتباطه في الأصل بمدة يعلمها الله معينة، وإن لم نعلم نحن ذلك فلا نعتمد على سبب محدث عادي إلاَّ بإعلام من الله أنه يثبت حكمه، كالإيمان الذي تثبت معه السعادة فيعتمد عليه فنقول: إن السعادة مرتبطة بالإيمان بالله وبما جاء من عنده لإعلام الحق بذلك، ولا يعتمد عليه في بقائه بالشخص الذي نراه مؤمناً فإنه قد يقوم به أمر عارض يحول بينه وبين الإيمان الذي يعطي السعادة فتنتفي السعادة عنه لانتفاء الإيمان بخلاف العلم، فإن العلم له الثبوت ولا تؤثر فيه الغفلات فإنه لا يلزم العالم الحضور مع علمه في كل نفس لأنه والٍ مشغول بتدبير ما ولاّه الله عليه فيغفل عن كونه عالماً بالله، ولا يخرجه ذلك عن حكم نعته بأنه عالم بالله مع وجود الضد في المحل من غفلة أو نوم ولا جهل بعد علم أبداً إلاَّ إن كان العلم قد حصل عن نظر في دليل عقلي، فإن مثل ذلك ليس عندنا بعلم لتطرق الشبه على صاحبه وإن وافق العلم، وإنما العلم من لا يقبل صاحبه شبهة وذلك ليس إلاَّ علم الأذواق فذلك الذي نقول فيه أنه علم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ١٥٤ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء الفصل السادس والأربعون: في الاعتماد على العالم من كونه هو الكتاب المسطور في رق الوجود المنشور في عالم الأجرام الكائن من الاسم الله الظاهر. اعلم أن هذا الاعتماد لا يصحّ إلاَّ أن يكون صاحبه صاحب علم بتعريف إلهيّ، وذلك أن العالم إنما جئنا به بهذه اللفظة لنعلم أنا نريد به جعله علامة، ولما ثبت أن الوجود عين الحق وأن ظهور تنوّع الصور فيه علامة على أحكام أعيان الممكنات الثابتة فسميت تلك الصور الظاهرة بالحكم في عين الحق ظهور الكتاب في الرق عالماً وأظهرها الاسم الإلهيّ الظاهر بل ظهر بها، فهذا باب يتميز فيه الحق من الخلق، وإن تنوّع الصور لم يؤثر في العين الظاهرة فيها هذه الصور، كما لا يتغير الجوهر عن جوهريته بما يظهر عليه من الأحوال والأعراض، فإن ذلك الظاهر حكم المعنى المبطون الذي لا وجود له إلاَّ بالحكم في عين الناظر، فأحكامه لا موجودة ولا معدومة وإن كانت ثابتة فيعتمد على العالم بأنه علامة لا على الله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَمِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] وإنما هو علامة على ثبوت المعاني التي لها هذه الأحكام الظاهرة في عين حق، فالعالم علامة على نفسه، وهكذا كل شيء، فلا شيء أدل من الشيء على نفسه فإنها دلالة لا تزول والدلالات الغريبة تزول ولا تثبت، فمن اعتمد على العالم من هذا الوجه فقد اعتمد على أمر صحيح لا يتبدّل ولا يكون الاعتماد على الحقيقة إلاَّ عليه على هذا الوجه، فإن الحق إذا كان كل يوم في شأن فلا يدرى ما يكون ذلك الشأن، فلا يقدر على الاعتماد على من لا يعلم ما في نفسه، فالكامل من أهل الله من يتنوّع التنوّع الشؤون فإن الحق ما يظهر في الوجود إلا بصور الشؤون، فيكون اعتماد هذا الشخص اعتماداً إلهياً أي هو متصف في ذلك بنعت الحق في قبوله الشؤون التي تظهر للعالم بها، وهذا من العلم المضنون به على غير أهله فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الفصل السابع والأربعون: في الاعتماد على الوعد قبل كونه وهو الاعتماد على المعدوم لصدق الوعد. اعلم أن هذا الباب ممّا نفس الله به عن عباده وهو نفس الرحمن، فإن الخبر الصدق إذا لم يكن حكماً لا يدخله نسخ، وقد ورد بطريق الخبر الوعد والوعيد فجاء نفس الرحمن بثبوت الوعد ونفوذه والتوقف في نفوذ الوعيد في حق شخص شخص، وذلك لكون الشريعة نزلت بلسان قوم الرسول وَلثقة فخاطبهم بحسب ما تواطؤوا عليه، فمما تواطؤوا عليه في حق المنعوت بالكرم والكمال إنفاذ الوعد وإزالة حكم الوعيد فقال أهل اللسان في ذلك على طريق المدح: [الطويل] وإني إذا أوعَدْتُه أو وَعَدْتُهُ لَمُخْلفُ إيعادي ومُنْجزُ مَوْعدي وقد ورد في الصحيح: ((لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يُمْدَحَ)) والمدح بالتجاوز عن المسيء غاية المدح فالله أولى به تعالى، والصدق في الوعد ممّا يتمدح به قال تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ﴾ فذكر الوعد وأخبر عن الإيعاد في تمام الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ ١٥٥ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء عَزِيزٌ ذُو أَنِقَامِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٤٧] وقال في الوعيد بالمشيئة وفي الوعد بنفوذه ولا بدّ، ولم يعلقه بالمشيئة في حق المحسن لكن في حق المسيء علّق المشيئة بالمغفرة والعذاب فيعتمد على وعد الله، فلا ظهور له إلاّ بوجود ما وعد به وهو بعد ما وجد، والاعتماد عليه لا بدّ منه لما يعطيه التواطؤ في اللسان وصدق الخبر الإلهيّ بالدليل والله عند ظنّ عبده به فليظن به خيراً، والظن هنا ينبغي أن يخرج مخرج العلم كما ظهر ذلك في قوله عن الثلاثة الذين خلفوا وظنوا أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه أي علموا وتيقنوا، وقال أهل اللسان في ذلك: فقلت لهم ظنوا بالغي مدجج. أي تيقنوا واعلموا فإن الظن لما كانت مرتبته برزخية لها وجه إلى العلم وإلى نقيضه ثم دلت قرائن الأحوال على وجه العلم فيه حكمنا عليه بحكم العلم وأنزلناه منزلة اليقين مع بقاء اسم الظن عليه لا حكمه، فإن الظن لا يكون إلاَّ بنوع من ترجيح يتميز به عن الشك، فإن الشك لا ترجيح فيه والظن فيه نوع من الترجيح إلى جانب العلم، وكذا قال: ((أَنَا عِنْدَ ظَن عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِيَ خَيْراً)) فأبانَ أن في الظن ترجيحاً ولا بدّ إما إلى جانب الخير وإما إلى جانب الشر، والله عند ظن عبده به، ولكن ما وقف هنا لأن رحمته سبقت غضبه فقال معلماً: ((فليظن بي خيراً)) على جهة الأمر، فمن لم يظن به خيراً فقد عصى أمر الله وجهل ما يقتضيه الكرم الإلهيّ، فإنه لو وقع التساوي من غير ترجيح كالشك لكان من أهل من يقول أن عدله لا يؤثر في فضله ولا فضله في عدله، فلما كان الظن يدخله الترجيح أمرنا الحق أن نرجح به جانب الخير في حقنا ليكون عند ظننا به فإنه رحيم، فمن أساء الظن بأمر فإن العائد عليه سوء ظنه لا غير ذلك، والله يجعلنا من أهل العلم، وإن قضى علينا بالظن فنظن الخير بالله وقد فعل بحمد الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الفصل الثامن والأربعون: في الاعتماد على الكنايات وما يظهر منها من الفتوح وهي المعبر عنها بالأنية في الطريق وكيف يعتل الصحيح ويصحّ المعتل. اعلم أيّدك الله أن كل ما سوى الله فإنه معتل بالذات صحيح بالعرض، فإن الصحة تعرض للمحدث إذا أحبه الله حب سبب كحبه لأصحاب التقرّب بالنوافل فيكون الحق سمعهم وبصرهم، فيزول عنه المرض والاعتلال ويصحّ فينفذ بصره في كل مبصر وسمعه في كل مسموع، وأما الصحيح بالذات المعتل بالعرض فهو الذي يرى أن الوجود ليس سوى عين الحق فهو من حيث عينه لا تقوم به العلل، غير أنه لما ظهر في أعين الناظرين إليه في صور مختلفة حكمت عليه بذلك أحكام أعيان الممكنات ظهر معتلاً بحكم العرض الذي عرض لا عين الناظرين إليه وهو في نفسه على ما هو عليه، كما يعرض للنور في عين الناظر صور الألوان وهو في نفسه غير متلون، فهذا قد عاد الصحيح معتلاً. وأما الاعتماد على الكنايات لأنها أعرف المعارف، والاعتماد لا يكون إلاَّ على معروف لأجل التعيين، فلو كان منكراً لم يتميز ولم يتعين فيكون الاعتماد على غير معتمد، والأسماء لا تقوى قوّة الكنايات فلا يخيب المعتمد على الكنايات وقد يخيب المعتمد على الأسماء لأنها لا تقوى قوّة الكنايات في ١٥٦ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء المعرفة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة لأنه لا يتغير، والأسماء قد تنتقل وتستعار، فمن اعتمد على الاسم في حال كونه معاراً أو منتقلاً يخيب المعتمد عليه، فالمستعار كالاشتعال الذي هو اسم مخصوص نعت من نعوت أحوال النار المركبة فاستعير للشيب في قوله: ﴿وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا﴾ [سورة مريم: الآية ٤] وأما الانتقال فمثل قوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [سورة الكهف: الآية ٧٧] فنقل اسم المريد لمن ليس من شأنه أن يريد، فإن اعتمد على هذا الاسم في حال نقله خاب المعتمد عليه، والكنايات ليست كذلك ولها فتوح المكاشفة بالحق وفتوح الحلاوة في الباطن كما للأسماء فتوح العبارة. الفصل التاسع والأربعون: فيما يعدم ويوجد ممّا يزيد على الأصول كالنوافل مع الفرائض . اعلم أنه لا يسمّى بالزائد من تطلبه الذات لكمال حقيقتها، فما زاد على ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فهو زائد وهو إذا عدم لم يتأثر المعدوم عنه بعدمه، وإن وجد لم يزد الموجود فيه في ذاته شيئاً لم يكن عليه مثل الأحوال عند أصحاب المقامات إن وجدت فيهم لم يزد ذلك في مكانتهم، وإن عدمت لم ينقص عدمها من مكانتهم ولذلك هي مواهب. الفصل الخمسون: في الأمر الجامع لما يظهر في النفس من الأحكام في كل متنفس حقاً مشبهاً وخلقاً وحياة ونطقاً وما نفس به من الأقسام الإلهية. اعلم أن الإمداد الإلهيّ للموجودات لا ينقطع فإذا قصر فمن القابل لا من جانب الممد، فإن أضيف عدم الإمداد في أمر معين إلى جانب الحق فذلك القصر إمداد المصلحة في حق ذلك الممنوع فإنه العالم بمصالح المخلوقات، ولهذا ينبغي للعلماء بالله أن لا يعينوا عند سؤالهم حاجة بعينها وليسألوا ما لهم فيه الخير من غير تعيين، فكم من سائل عين فلما قضيت حاجته لحكمة يعلمها الله أدركه الندم بعد ذلك على ما عين وتمنّى أنه لم يعين، فالإمداد تنفس رحماني والإمداد الإلهيّ في الموجودات طبيعيّ ومزاد، فالطبيعيّ ما تمسّ الحاجة إليه لقوام ذاته ودفع ألم يقوم به، والمزاد ما يزيد على هذا ممّا لا يحتاج في نفسه إليه، هذا إذا كان من أهل الله القائلين بالريّ عند الشرب، ومن لا يقول بالري فما ثم إمداد مزاد بل كله طبيعيّ، والمزاد على قسمين: وهو ما يمده به الحق ممّا يحتاج إليه الغير وفيه يقول الله آمراً نبيه وَله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] وهذا المزاد إن كان عن طلب من الغير وهو الموجب للزيادة مثل ما هو في نفس القارىء في آمن وآدم أو يكون، وإن كان إمداد من الله لهذا العبد ليمدّ به من يعلم الله أنه محتاج إليه ليشرف الواسطة بذلك فيجد هذا العبد في نفسه علماً لا يقتضيه حاله فيعلم أن المراد به التعليم والإمداد للغير، ومثاله في نفس القارىء: جاء وشاء ودابة وطامة، وهو الموجب للزيادة في الإمداد، فدابة وطامة صورتان تدبرهما روح واحدة وهو التضعيف، والهمزة نصف حرف عند بعضهم وهو الاسم ١٥٧ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء الظاهر، والألف نصف حرف وهو الاسم الباطن، فالمجموع حرف واحد وهو السبب الموجب لزيادة الإمداد لما يعلم الممد من حاجته إلى ذلك أو لطلبه، وعلى كل حال فنفس الرحمن فيه موجود والزيادة في الإمداد على قدر الحاجة أو الطلب فيفضل بعضه على بعض، فالمفضول قصر وجزر عن المد الأطول الأفضل فاعلم ذلك، فالمد إمداد محسوس ظاهر، والجزر إمداد معنوي يطلق عليه اسم النقيض فاعلم ذلك. وصل: إذا اجتمع عارفان في حضرة شهودية عند الله ما حكمهما؟ وهذه مسألة سألني عنها شيخنا يوسف بن يخلف الكومي سنة ست وثمانين وخمسمائة فقلت له: يا سيدي هذه مسألة تفرض ولا تقع إلاّ إذا كان التجلي في حضرة المثل كرؤيا النائم وكحال الواقعة، وأما في الحقيقة فلا، لأن الحضرة لا تسع اثنين بحيث أن يشهد معها غيرها بل لا يشهد عينها في تلك الحضرة فأحرى أن يشهد عيناً زائدة، ولكن يتصوّر هذا في تجلي المثال، فإذا اجتمعا فلا يخلو كل واحد منهما أن يجمعهما مقام واحد أعلى أو أدنى أو متوسط أو لا يجمعهما، فإن جمعهما مقام واحد فلا يخلو إما أن يكون ذلك المقام ممّا يقتضي التنزيه أو التشبيه أو المجموع، وعلى كل حال فحكم التجلي من حيث الظهور واحد، ومن حيث ما يجده المتجلي له مختلف الذوق لاختلافهما في أعيانهما، لأن هذا ما هو هذا، لا في الصورة الطبيعية، ولا الروحانية، ولا في المكانية، وإن كان هذا مثل لهذا ولكن هذا ما هو هذا، فغايتهما إما أن يتحقق كل واحد منهما بمعرفته بنفسه، ونفس هذا غير هذا، فيحصل من العلم لهذا ما لم يحصل لهذا، فنعلم أنهما وإن اجتمعا في عين الفرق أو يتحقق الواحد بمعرفته بنفسه ويفنى الآخر عن مشاهدة ذاته فيختلفان في عين الجمع، أو يعطي الواحد ما يعطي المراد، ويعطي الآخر ما يعطي المريد، فعلى كل وجه هما مختلفان في الوجود متفقان في الحال والشهود، فإن اقتضى المقام التنزيه لكل واحد منهما فغاية تنزيه كل واحد منهما أن ينزهه عن صورة ما هو عليها في نفسه فهما مختلفان بلا شك وإن كانا مثلين، وإن اقتضى ذلك المقام التشبيه فالحال مثل الحال، وكذلك إن اقتضى المجموع فإن المجموع إنما هو جمع طرفين في حضرة وسطى فالحال الحال، فلا يجتمعان أبداً في الوجود وإن اجتمعا في الشهود، وإن لم يجمعهما مقام واحد وكان كل واحد في مقام ليس للآخر وظاهر بصورة ما هي لصاحبه وإن اجتمعا في الصورة، إلاَّ أنهما أعطيا من القوّة بحيث أن يشهد كل واحد منهما حضور صاحبه في بساط ذلك المشهود لكون المشهود تجلى في صورة مثالية، وهذا التجلي والشهود هو الذي يجمع فيه صاحبه بين الخطاب والشهود إن شاء المشهود. وأما في غير هذه الحضرة فلا يجتمع شهود وخطاب ولا رؤية غير، وحكمهما إذا كانا بهذه المثابة حكم من جمعهما مقام واحد في معرفته بنفسه أو فناء أحدهما أو يقام أحدهما مراداً والآخر مريداً، فيخبر المريد عن قهر وشدة، ويخبر المراد عن لين وعطف وما ثم إلاَّ هذا، ولا يخبر واحد منهما عمّا حصل لصاحبه، فإن الإلقاء لكل واحد منهما إنما يكون بالمناسب الذي يقتضيه ١٥٨ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء المزاج الخاص به الذي كان سبب اختلاف صور أرواحهما في أصل النشأة، فإذا رجع إلى أصحابه من هذه حاله يقول وإن كان أحدهما في المغرب والآخر في المشرق لأصحابه في هذه الساعة أشهد فلان وعاينته وعرفت صورته ومن حليته كذا وكذا فيصفه بما هو عليه من الصفات، فمن لا علم له بالحقائق منهما فإنه يقول: وأعطاه الحق مثل ما أعطاني، والأمر ليس كذلك فإن كل واحد منهما لم يحصل له إسماع ما للآخر وذلك لافتراقهما في المناسب كما قدمنا وإن كان من أهل الحقائق والمعرفة التامّة ويقال له: فما حصل له؟ فيقول: لا أدري فإني لا أعرف إلاَّ ما تقتضيه صورتي وما أنا هو فإن الحق لا يكرر صورة. وصل: ولما كان هذا الباب يضم كل ذي نفس حقاً وخلقاً احتجنا أن نبين فيه ما نفس الرحمن به عن نفسه لما وصف نفسه بأنه أحب أن يعرف، ومعلوم أن كل شيء لا يعلم شيئاً إلاَّ من نفسه وهو يحب أن يعرفه غيره ولا يعرفه ذلك الغير إلاَّ من نفسه، فإن لم يكن العارف على صورة المعروف فإنه لا يعرفه، فلا يحصل المقصود الذي له قصد الوجود، فلا بدّ من خلقه على الصورة لا بدّ من ذلك، وهو تعالى الجامع للضدّين بل هو عين الضدين ﴿هُوَ اُلْأَوَّلُ وَلَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاطِرٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] فخلق الإنسان الكامل على هذه المنزلة، فالإنسان عين الضدين أيضاً لأنه عين نفسه في نسبته إلى النقيضين، فهو الأول بجسده، والآخر بروحه، والظاهر بصورته، والباطن بموجب أحكامه، والعين واحدة فإنه عين زيد وهو عين الضدين فزيد هو عين الأخلاط الأربعة المتضادة والمختلفة ليس غيره وذو الروح النفسي والمركب الطبيعيّ، وهنا قال الخراز: عرفت الله بجمعه بين الضدين. فقال صاحبنا تاج الدين الأخلاطي حين سمع هذا منا: لا بل هو عين الضدين وقال الصحيح، فإن قول الخراز يوهم أن ثم عيناً ليست هي عين الضدين لكنها تقبل الضدين معاً، والأمر في نفسه ليس كذلك بل هو عين الضدين إذ لا عين زائدة، فالظاهر عين الباطن والأوّل والآخر والأول عين الآخر والظاهر والباطن فما ثم إلاَّ هذا، فقد عرفتك بالنشأة الإنسانية أنها على الصورة الإلهية، وسيرد الكلام في خلق الإنسان من حيث مجموعه الذي به كان إنساناً في الباب الحادي والستين وثلثمائة في فصل المنازل في منزل الاشتراك مع الحق في التقدير. وصل: الأقسام الإلهية من نفس الرحمن الواردة في القرآن والسنّة، فإن بها نفس الله عن المقسوم له ما كان يجده من الحرج والضيق الذي يعطيه في الموجودات قوله: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدٌ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٧] وإرادته مجهولة التعلّق لا يعرف مرادها إلاَّ بتعريف إلهيّ، فإذا أكّده بالقسم عليه والإيلاء كان أرفع للحرج من نفس المقسوم له، كما نفس الله عن المؤمنين غير الموقنين بقسمه على الرزق وما وعد به من الخير المطلق والمقيد بالشروط لمن وقعت منه ووجدت فيه أنه لحق مثل ما أنكم تنطقون، فنفس الله عنهم بذلك وحصل لهم اليقين وما بقي لهم بعد إلاَّ الاضطراب الطبيعيّ، فإنّ الآلام الطبيعية المحسوسة ما في وسع الإنسان رفعها إذا حصلت بخلاف الآلام النفسية فإنه في وسعه رفعها، فوقع التنفيس ١٥٩ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء بالقسم أن الرزق من الله لا بدّ منه، وبقي في قلب بعض الموقنين بذلك من الحرج تعيين وقت حصوله ما وقع به التعريف ولو وقع لم يرفع الاضطراب الطبيعيّ، فلما علم الحق أنه لا ينفس في تعيين الأوقات لذلك لم يوقع بها التعريف، فإن الطبع أملك والحسّ أقوى في الذوق من النفس، وسبب ذلك أن المحسوس على صورة واحدة لا تتبدل، والنفس تقبل التحوّل في الصور، فلذلك لا يرتفع حكم الطبع في وجود الآلام الحسيّة لثبوته، وترتفع الآلام النفسية لسرعة تبدّلها في الصور، ولا يفنى أحد عن الآلام الطبيعية إلاَّ بوارد إلهيّ أو روحاني قوي يرفع عنه ألم الطبع إن قام به، ويكون موجب ذلك الوارد إما أمر محسوس أو معقول لا يتقيد، كورود غائب عليه يحبه فيفنيه شغله بما حصل له من الفرح بوروده عن ألم الجوع والعطش الذي كان يجده قبل رؤية هذا الغائب أو السماع بقدومه فهذا موجب محسوس، والموجب المعقول معلوم عند العلماء، فظهر في الأقسام الإلهيّة نفس الرحمن غاية الظهور، وأعطى هذا القسم عند العلماء تعظيم. المقسوم به، إذ لا يكون القسم إلاَّ بمن له مرتبة في العظمة، فعظم الله بالقسم جميع العالم الموجود منه والمعدوم إذ كانت أشخاصه لا تتناهى فإنه أقسم به كله في قوله: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِمَا نُصِرُونَ وَمَا لَا نُصِرُونَ﴾ [سورة الحاقة: الآيتان ٣٨و٣٩] وهو الموجود الغائب عن البصر والمعدوم، ودخل في هذا القسم المحدث والقديم، غير أنه لما علم الله عظمته في قلوب عباده موحدهم ومشركهم ومؤمنهم وكافرهم وقد أقسم لهم بالمحدثات وبغير نفسه وعلم أنه قد تقرر عندهم أنه لا يكون القسم إلاَّ بعظيم عند المقسم فبالضرورة يعتقد العالم تعظيم المحدثات ولا سيما وقد أيّد ذلك في بعض المحدثات بقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ﴾ وهي محدثات ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٢] ومن صفات الحق الغيرة، فحجر من كونه غيوراً علينا أن نقسم بغيره مع اعتقادنا عظمة الغير بتعظيم الله، فهذا التحجير دواء نافع لما أورثه القسم بالمحدثات في القلوب الضعيفة البصائر عن إدراك الحقائق من العلل والأمراض والأقسام كثيرة ولا فائدة في ذكرها مع ما ذكرناه من الأمر الجامع لها فهو يغني عن تفصيلها، فإن الكتاب يطول بذكرها وكل إنسان إذا وقف على قسم منها عرف فيما وقع وما نفس الله به وعمّن نفس الله به من أوّل وهلة، وإنما ينبغي لنا أن نذكر ما يغمض على بعض الأفهام أو أكثرها لحصول الفوائد العزيزة المنال عند أكثر الناس. وصل: ومن نفس الرحمن تشريع الاجتهاد في الحكم في الأصول والفروع ومراعاة الاختلاف وثبوت الحكم من جانب الحق بإثباته إياه أنه حكم شرعيّ في حق المجتهد تحرم عليه مخالفته مع التقابل في الأحكام، فقرّر الحكمين المتقابلين وجعل المجتهدين في ذلك مأجورين فشرع المجتهد من الشرع الذي أذن الله فيه لهذه الأمة المحمدية أن يشرعه، ولا أدري هل خصّت به أو لم يزل ذلك فيمن قبلها من الأمم، والظاهر أنه لم يزل في الأمم، فإن نفس الرحمن يقتضي العموم ولا سيما وقد جاء في القرآن ما يدل على أن ذلك لم يزل في الأمم في قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَةُ ابْتَدَعُوهَا﴾ [سورة الحديد: الآية ٢٧] وما ابتدعوها إلاَّ باجتهاد منهم ١٦٠ في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء وطلب مصلحة عامة أو خاصة، وأثنى على من رعاها حق رعايتها وذكر هذا في بني إسرائيل، وكذلك في قوله في الأصول: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَاهَا ءَاخَرَ لَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١١٧] يعني في زعمه فإنه في نفس الأمر ليس إلاَّ إله واحد، ولهذا قرّر ◌َّر حكم المجتهد سواء أصاب أو أخطأ بعد توفيته حق الاجتهاد جهد طاقته وما رزقه الله من قوّة النظر في ذلك وقرّر له الأجر مرة واحدة إن أخطأ ومرتين إن أصاب، فاعلم أن المجتهد قد يخطىء ما هو الأمر عليه في نفسه ومع هذا قد تعبده به وأعطاه على ذلك أجر الاجتهاد لما فيه من المشقة لأنه من الجهد والجهد بذل الوسع خاصة، فإن الله ما كلف عباده إلاَّ وسعهم في نفس الأمر، ولم يخص ◌َّ في الاجتهاد فرعاً من أصل بل عم، فمن خصّص ذلك بالفروع دون الأصول فهو من الاجتهاد أيضاً تخصيص ذلك وتعميمه وكلاهما مأجور في اجتهاده. وصل: ومن نفس الرحمن أيضاً قوله تعالى حكاية عن معصوم في قوله عن الخطأ وهو رسول الله وَلَّ: ﴿مَّا مِن دَآبَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] فاخرج وضيق المتسع فنفس الله بتمامِ الآية والتعريف بقوله: ﴿إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] فقوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٦] بالألف واللام اللذين للعهد وهو هذا الصراط الذي عليه الرب أن يكون مشهوداً لنا في وقت مشى الحق فيه بنا فإنه صراط من أنعم عليه ومن غضب الله عليه، وأصله في السبيل التي فرقته عن سبيله وهو الصراط الذي هو عليه حجبته عن شهوده فلا يشهده إلاّ سعيد وإن لم يشهده وآمن به وجعله كأنه يشهده فهو سعيد، ومعلوم أن تصرف كل دابة قد يتعلق به لسان حمد أو ذم لأمور عرضية في الطريق عينتها الأحوال وأحكام الأسماء، والأصل محفوظ في نفس الأمر تشهده الرسل سلام الله عليهم والخاصة من عباد الله . وصل: ومن نفس الرحمن الذي نفس الله به عن عباده المؤمنين بالرسل قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمَّ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] فنفس الله بذلك عن قلوب كان قد قام بها أن الله تعالى لا يعلم الجزئيات، وإن كان القائل بذلك قد قصد التنزيه لكنه ممن اجتهد فأخطأ، إن قال ذلك عن اجتهاد فله الأجر فإن الأمر لا يتغير عمّا هو عليه في نفسه، ولا يؤثر فيه حكم المجتهد لا بالإصابة ولا بالخطأ، وإذا لم يتغير الأمر في نفسه بتغير الاجتهاد فالحكم له فلا يكون منه في العقبى إلا الخير، فإنه الخير المحض الذي لا شرّ فيه، فما عند المجتهدين من التغيير من جهته إلاَّ ما تغيّروا به من نفوسهم ﴿ إِنَ اَللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِمٌ﴾ [سورة الرعد: الآية ١١] وما غيّروا به أنفسهم فذلك تغيير الله بهم لأنهم ما خرجوا عمّا أعطاهم الله فإن الله ما كلف نفساً إلاَّ ما آتاها، فما آتاها في هذا الوقت إلاَّ ما سمّاه تغييراً، فهو معهم في حال تغيّرهم إلى أن ينقضي مدته فيبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وهو مشاهدة ما هو الأمر عليه في نفسه، فنفس الله عنهم بما بدا لهم منه وما يبدو من الخير إلاَّ الخير، كما قال المعتزلي الذي كان يقول بإنفاذ الوعيد فيمن مات عن غير توبة فلما مات وهو على هذا الاعتقاد وحصل له بعد الموت شهود الأمر على ما هو به رؤي في النوم فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: وجدنا الأمر أهون ممّا