النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
حياتهم، فلا يفرقون من الرب ويفرقون من الله، ولهذا عبدوا الشركاء ليشفعوا لهم عند الله إذ
بيده الاقتدار الإلهيّ والأخذ الشديد وهو الكبير عندهم المتعالي فهم معترفون مقرّون به،
فتلطف لهم بالعبارة بالاسم الرب ليرجعوا فهو أقرب مناسبة بالرحمن قال لموسى وهارون:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَِّنَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [سورة طه: الآية ٤٤] والترجي من الله واقع كما قالوا في
عسى فإنهما كلمتا ترج ولم يقل لهما لعله يتذكر أو يخشى في ذلك المجلس ولا بدّ ولا
خلصه للاستقبال الأخراوي فإن الكل يخشونه في ذلك الموطن، فجاء بفعل الحال الذي
يدخله الاحتمال بين حال الدنيا وبين استقبال التأخير للدار الآخرة، وذلك لا يكون مخلصاً
للمستقبل إلا بالسين أو سوف، فالذي ترجى من فرعون وقع لأن ترجيه تعالى واقع، فآمن
فرعون وتذكر وخشي كما أخبر الله وأثر فيه لين قول موسى وهارون ووقع الترجي الإلهي كما
أخبر، فهذا يدلك على قبول إيمانه لأنه لم ينص إلاَّ على ترجي التذكر والخشية لا على
الزمان، إلاَّ أنه في زمان الدعوة ووقع ذلك في زمان الدعوة وهو الحياة الدنيا وأمر نبيه أن
يقول بحيث يسمعون: ﴿قُلْ هُوَ رَبِ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في أمركم ﴿ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ﴾
[سورة الرعد: الآية ٣٠] أي مرجعي في أمركم عسى يهديكم إلى الإيمان، فما أغلظ لهم بل هذا
أيضاً من القول اللين لتتوفر الدواعي من المخاطبين للنظر فيما خاطبهم به، إذ لو خاطبهم
بصفة القهر وهو غيب لا عين له في الوقت إلاَّ مجرّد إغلاظ القول لنفرت طباعهم وأخذتهم
حمية الجاهلية لمن نصبوهم آلهة فأبقى عليهم وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةٌ
لِلْعَلَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٧] ولم يقل للمؤمنين، وكان سبب نزولها أن دعا على رعل
وذكوان وعصية شهراً كاملاً في كل صلاة بأن يأخذهم الله فعتبه الله في ذلك، وفيه تنبيه على
رحمة الله بعباده لأنهم على كل حال عباده معترفون به معتقدون لكبريائه طالبون القربة إليه،
لكنهم جهلوا طريق القربة، ولم يوفوا النظر حقّه ولا قامت لهم شبهة قوية في صورة برهان،
فكانوا يدخلون بها في مفهوم قوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [سورة
المؤمنون: الآية ١١٧] ويريد بالبرهان هنا في زعم الناظر، فإنه من المحال أن يكون ثم دليل في
نفس الأمر على إله آخر، ولم يبق إلاَّ أن تظهر الشبهة بصورة البرهان فيعتقدأنها برهان وليس
في قوّته أكثر من هذا.
التوحيد الخامس عشر: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿ يُنَزِّلُ الْمَلَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَى
مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [سورة النحل: الآية ٢] هذا توحيد الإنذار
وهو توحيد الإنابة استوى في هذا التنزّل في التوحيد رسل البشر والمرسلون إليهم، فإن
الملائكة هي التي نزلت بالإنذار من أجل أمر الله لهم بذلك، والروح هنا ما نزلوا به من الإنذار
ليحيي بقبوله من قبله من عباده كما تحيي الأجسام بالأرواح، فحييت بهذا الروح المنزل رسل
البشر فأنذروا به، فهذا توحيد عظيم نزل من جبار عظيم بتخويف وتهديد مع لطف خفيّ في
قوله: ﴿فَتَّقُونِ﴾ أي فاجعلوني وقاية تدفعون بي ما أنذرتكم به هذا لطفه ليس معناه فخافوني
لأنه ليس لله وعيد وبطش مطلق شديد ليس فيه شيء من الرحمة واللطف، ولهذا قال أبو يزيد

٦٢
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
وقد سمع قارئاً يقرأ: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [سورة البروج: الآية ١٢] فقال: بطشي أشد، فإن بطش
المخلوق إذا بطش لا يكون في بطشه شيء من الرحمة، بل ربما ما يقدر أن يبلغ في المبطوش
به ما في نفسه من الانتقام منه لسرعة موت ذلك الشخص، ولما كانت الرحمة منزوعة عن
بطشه قال: بطشي أشد، وسبب ذلك ضيق المخلوق فإنه ما له الاتساع الإلهيّ، وبطش الله
وإن كان شديداً ففي بطشه رحمة بالمبطوش به وبطش المخلوق ليستريح من الضيق والحرج
الذي يجده في نفسه بما يوقعه بهذا به المبطوش فيطلب في بطشه الرحمة بنفسه في الوقت
وقد لا ينالها كلها بخلاف الحق تعالى فإن بطشه لسبق العلم يأخذ هذا المبطوش به للسبب
الموجب له لا غير والمنتقم لغيره ما هو كالمنتقم لنفسه .
التوحيد السادس عشر: من نفس الرحمن وهو قوله: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِلْقَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَ
وَأَخْفَى اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة طه: الآية ٧، ٨] هذا توحيد الأبدال فإنه أبدل
الله من الرحمن وهذا في المعنى بدل المعرفة من النكرة لأنهم أنكروا الرحمن، وفي اللفظ
بدل المعرفة من المعرفة، وهو من توحيد الهوية القائمة بأحكام الأسماء الحسنى، لا أن
الأسماء الحسنى تقوم معانيها بها، بل هي القائمة بمعاني الأسماء كما هو قائم على كل نفس
بما كسبت، كذلك هو قائم بكل اسم بما يدل عليه وهذا علم غامض ولهذا قال في هذا
التوحيد: ﴿يَعْلَمُ اَلِرَّ وَأَخْفَى﴾ لما قال: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِلْقَوَلِ﴾ فالأخفى عن صاحب السرّ هو ما
لا يعلمه ممّا يكون لا بدّ أن يعلمه خاصة وما تسمّى إلاَّ بأحكام أفعاله من طريق المعنى فكلها
أسماء حسنى، غير أنه منها ما يتلفظ بها ومنها ما يعلم ولا يتلفظ بها لما هو عليه حكمها في
العرف من إطلاق الذم عليها فإنه يقول: ﴿فَأَمَهَا لُوَرَهَا وَتَقْوَنهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٨] وقدم
الفجور على التقوى عناية بنا إلى الخاتمة والغاية للخير، فلو أخّر الفجور على التقوى لكان
من أصعب ما يمرّ علينا سماعه، فالفجور يعرّض للبلاء، والتقوى محصل للرحمة وقد تأخّر
التقوى فلا يكون إلاَّ خيراً، وقال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥] ولا يشتق له
منه اسم لما ذكرناه فله الأسماء الحسنى في العرف، وحسن غيرها مبطون مجهول في العرف
إلاَّ عند العارفين بالله، ويندرج في هذا العلم بسبب الألف واللام التي هي للشمول جميع ما
ينطلق عليه اسم السرّ وما هو أخفى من ذلك السرّ، ومن السرّ النكاح قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَّا
تُوَاعِدُوهُنَّ ◌ِرًّا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٥] أي نكاحاً فإن الله أيضاً يعلمه، وإن كانت الآية تدل
بظاهرها على ما يحدّث المرء به نفسه لقوله: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوَلِ فَإِنَُّ يَعْلَمُ﴾ ذلك، ويعلم ما
تحدث به نفسك وهو قوله: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسَّوِسُ بِهِ، نَفْسٌُ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] ومع هذا فإن الألف
واللام لها حكم في مطلق اسم السرّ فيعلم ما ينتجه النكاح وهو قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى
اُلْأَرْحَاِ﴾ [سورة لقمان: الآية ٣٤] فإنه الخالق ما فيها ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ لعلمه بالسرّ
﴿اَلْخَبِيرُ﴾ [سورة الملك: الآية ١٤] لعلمه بما هو أخفى. ومن هذه الحضرة نصب الأدلة على
معرفته وجعل في نفوس العلماء تركيب المقدمات على الوجه الخاص والشرط الخاص،
فأشبهت المقدمات النكاح من الزوجين بالوقاع ليكون منه الإنتاج، فالوجه الخاص الرابط بين
:

٦٣
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
المقدمتين وهو أن واحداً من المقدمتين يتكرّر فيهما ليربط بعضهما ببعض من أجل الإنتاج،
والشرط الخاص أن يكون الحكم أعمّ من العلة أو مساوياً لها حتى يدخل هذا المطلوب تحت
الحكم، ولو كان الحكم أخص لم ينتج وخرج عنه كقولهم: كل ما لا يخلو عن الحوادث
فهو حادث، فالحادث هنا هو الحكم، والمقدمة الأخرى والأجسام لا تخلو عن الحوادث،
فالحوادث هو الوجه الخاص الجامع بين المقدمتين فأنتج أن الجسم حادث ولا بدّ فالحكم
أعمّ لأن العلة الحوادث القائمة به، والحكم كونه حادثاً، وما كل حادث يقال فيه إنه لا يخلو
عن الحوادث فهذا حكم أعمّ من العلة فالنتيجة صحيحة، ثم الاستفصال في تصحيح
المقدمتين معلوم الطريق في ذلك، وإنما قصدنا التمثيل لا معرفة حدوث الأجسام ولا غيرها،
وإذا علمت أن الإيجاد لا يصحّ إلاَّ على ما قررناه وهو بمنزلة السرّ في النكاح ينتقل إلى العلم
بما هو أخفى من السرّ كما تنتقل ممّا ضربت لك به المثل إلى كون الحق أوجد العالم على
هذا المساق وظهر العالم عن ذات موصوفة بالقدرة والإرادة فتعلقت الإرادة بإيجاد موجود ما
وهو التوجه مثل اجتماع الزوجين فنفذ الاقتدار فأوجد ما أراد فكان أخفى من السرّ لجهلنا
بنسبة هذا التوجّه إلى هذه الذات ونسبة الصفات إليها لأنها مجهولة لنا لا تعرف، فيعرف
التوجّه والصفة من حيث عينه وعين الصفة، ويجهل كيفية النسبة لجهلنا بالمنسوب إليه لا
بالمنسوب، فهذا توحيد الموجد للأشياء مع كثرة النسب فهو واحد في كثير فأوقع الحيرة هذا
العلم في هذا المعلوم إلاَّ لمن كشف الله عن عينه غطاء الستر فأبصر الأمر على ما هو عليه
فحكم بما شاهد، واختلفوا هل يجوز وقوع مثل هذا أو لا يجوز؟
التوحيد السابع عشر: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿وَأَنَا أُخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِىّ أَنَا اللَّهُ
لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدْنِ﴾ [سورة ◌ُه: الآية ١٣، ١٤] هذا توحيد الاستماع وهو توحيد الإنابة وقوي
بالجمع إذ قد قرىء ((وأنا اخترناك)) فكثّر ثم أفرد فقال إنني و((إن)) كلمة تحقيق، فالانية هي
الحقيقة، ولما كان حكم الكناية بالياء يؤثر في صورة الحقيقة نظرت من في الوجود على
صورتها فوجدت نوناً من النونات فقالت لها: قني بنفسك من أجل كناية الياء لئلا تؤثر في
صورة حقيقتي فيشهد الناظر والسامع التغيير في الحقيقة أن الياء هي عين الحقيقة، فجاءت
نون الوقاية فحالت بين الياء ونون الحقيقة فأحدثت الياء الكسر في النون المجاورة لها فسميت
نون الوقاية لأنها وقت الحقيقة بنفسها، فبقيت الحقيقة على ما كانت عليه لم يلحقها تغيير
فقال: ﴿إِنَّنِىّ أَنَا اَللَّهُ﴾ ولولا نون الوقاية لقال: إني أنا الله، فغيرها، وتغيير الحقيقة بالضمير في
الآن هو مقام تجليه في الصور يوم القيامة وما ثم إلاَّ صورتان خاصة لا ثالثة لهما صورة تنكر
وصورة تعرف ولو كان ما لا يتناهى من الصور فإنها محصورة في هذا الحكم إما أن تنكر أو
تعرف لا بدّ من ذلك، فإذا قرىء: (( وأنا اخترتك)) كان أحق بالآية وأنسب وأنفى للتغيير، فإنه
ما زال التوحيد يصحبها إلى آخر الآية في قوله: ﴿فَأَعْبُدْنِ﴾ [سورة طُه: الآية ١٤] وإذا قرىء
بالجمع ظهر التغير بالانتقال في العين الواحدة من الكثير إلى الواحد، فمساق الآية يقوّي ((وأنا
اخترناك)) لأنه عدد أموراً تطلب أسماء مختلفة، فلا بدّ من التغيير والتجلي في كل صورة يدعى

٦٤
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
إليها، وكان جملة ما تحصل من الصور في هذه الواقعة لموسى على ما روي إثنتي عشرة ألف
صورة يقول له في كل صورة: يا موسى، ليتنبه موسى على أنه لو أقيم لصورة واحدة لاتسق
الكلام ولم يقل في كل كلمة يا موسى، فاعلم ذلك، فإن هذا التوحيد في هذه الآية من
أصعب ما یکون لقوله: «وأنًّا اخترناك)) فجمع ثم أفرد ثم عدد ما کلم به موسى عليه، السلام،
فهذا توحيد الجمع على كل قراءة، غير أن قوله: وأنا اخترناك قرأ بها حمزه على رب العزّة
في المنام فقال له ربه: وأنا اخترناك فهي قراءة برزخية فلهذا جمع لأنه تجلّ صوري في منام،
فلا بدّ أن تكون القراءة هكذا، فإذا أفردتها بعد الجمع فلأحدية الجمع لا غير.
التوحيد الثامن عشر: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا
هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ٩٨] هذا توحيد السعة من توحيد الهوية وهو توحيد
تنزيه لئلا يتخيل في سعته الظرفية للعالم من أجل الاسم الباطن والظاهر، ونفس الرحمن
والكلمات التي لا تنفد والقول فقال: إن سعته علمه بكل شيء لا أنه طرف لشيء، وسبب
هذا التوحيد لما جاء في قصة السامريّ وقوله عن العجل لما نبذ فيه ما قبضه من أثر الرسول
فكان العجل ظرفاً لما نبذ فيه، فلما خار العجل قال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [سورة طه:
الآية ٨٨] فقال الله: ﴿أَنََّآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَعِدٌ﴾ [سورة الكهف: الآية ١١٠] لا تركيب فيه ﴿وَعَ كُلَّ
شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ٩٨] أي هو عالم بكل شيء أكذب السامريّ في قوله ثم نصب لهم
الدلالة على كذب السّامري مع كون العجل خار فقال مثل ما قال إبراهيم في الأصنام: ﴿أَفَلاَ
يَرَوْنَ أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [سورة طه: الآية ٨٩] أي إذا سُئِل لا ينطق والله يكون متصفاً بالقول ولا
يملك لهم ضراً ولا نفعاً أي لا ينتفعون به لأنه قال: ﴿أَنْحَرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنَسِفَنَّهُ فِ الْيَمِّ نَسْفًا﴾
[سورة طه: الآية ٩٧] ومن لا يدفع الضرر عن نفسه كيف يدفع عن غيره؟ وإذا حرقه ونسفه لم
ينتفع به فإنه لو أبقاه دخلت عليهم الشبهة بما يوجد في الحيوان من الضرر والنفع. وفي إقامة
هذه الأدلة أمور كبار قال تعالى عن اليهود أنهم قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٤]
وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨١] وقال: ﴿ إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ
أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] وأصمنا عن إدراك هذا القول إلا بطريق الإيمان،
وأعمانا عن توجهه على إيجاد الأشياء بما نصب من الأسباب فأنزل المطر فنزل وحرثت
الأرض وبذر الحب وانبسطت الشمس وطلع الحب وحصد وطحن وعجن وخبز ومضغ
بالأسنان وابتلع ونضج في المعدة وأخذه الكبد فطبخه دماً ثم أرسل في العروق وانقسم على
البدن فصعد منه بخار فكان حياة ذلك الجسم من أجل ذلك النفس، فهذه أمهات الأسباب مع
تحريك الأفلاك، وسير الكواكب، وإلقاء الشعاعات على مطارح الأنوار مع نظير النفس الكلية
بإذن الله مع إمداد العقل لها، هذه كلها حجب موضوعة أمهات سوى ما بينها من دقائق
الأسباب، فيحتاج السمع إلى شق هذه الحجب كلها حتى يسمع قول: ﴿كُنْ﴾ فخلق في
المؤمن قوة الإيمان فسرت في سمعه فأدرك قول ﴿ كُنْ﴾ وسرت في بصره فشاهد المكون
للأسباب وفعل هذا كله من نفس الرحمن ليرحم بها من عبد غير الله إذا استوفى منه حقوق

٦٥
في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
نشركاء الذين يتبرؤون منهم يوم القيامة، فإذا استوفى حقوقهم بالعقوبة والانتقام رجع الأمر
ـ ـيه على الإنفراد وانقضت الأيام التي استوجب الشركاء فيها حقوقهم، فلما انفرد ورجع الأمر
، نيه رحمهم فيما هو حق له بهذه الحجب التي ذكرناها لعلمه بما وضع وبأنه أنطق ألسنتهم بما
قالوه وخلق في نفوسهم ما تخيلوه، فسبحانه من حكم عدل لطيف خبير يفعل ما ينبغي كما
ينبغي لما ينبغي لا إله إلاَّ هو فعّال لما يريد.
التوحيد التاسع عشر: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا
نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدُونٍ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٥] هذا توحيد الإقتدار والتعريف وهو
من توحيد الإناية وهو توحيد عجيب، ومثل هذا يسمّى التعريض أي كذا فكن أنت مثل قوله
ما يقال لك إلاَّ ما قد قيل للرسل من قبلك، وجاء بالعبادة ولم يذكر الأعمال المعينة فإنه قال :
﴿يِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٨] وذلك تعيين الأعمال وهي التي ينتهي
فيها مدة الحكم المعبر عنه بالنسخ في كلام علماء الشريعة، وما ثم من الأعمال العامة السارية
في كل نبوة إلاّ إقامة الدين والاجتماع عليه وكلمة التوحيد وهو قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ
نَدِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَّيْنَا بِهِ إِبْزَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ أَلِذِينَ وَلَا
نَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾ [سورة الشورى: الآية ١٣] وبوّب البخاري على هذا باب ما جاء أن الأنبياء دينهم
ك حد وليس إلاَّ التوحيد وإقامة الدين والعبادة، ففي هذا اجتمعت الأنبياء عليهم السلام،
و ختصاص هذا الوحي بالإناية دلّ على أنه كلام إلهيّ بحذف الوسائط فما أوحى إليهم منهم
فإنه لا يقول أنا إلاَّ من هو متكلم، فإن قيل فقد قال أنه ينزل بمثل هذا الملائكة، فهذا لا يبعد
أن تأخذه الرسل من وجهين إذا نزلت به الملائكة يكون على الحكاية كما قال: [الوافر]
فقلتُ لصَيْدَحَ انْتَجعي بلالا
سَمعْتُ الناسُ يَنْتَجِعُون غيثاً
فرفع السين من (( الناس)) على الحكاية، فلو كان هذا السامع انتجاعهم لنصب السين
فهذا قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [سورة النحل: الآية ٢] ونزلت به الملائكة، وإذا
ورد مثل هذا معرى عن القرائن أو النص عليه حمل على ما هو الأصل عليه فما يقول أنا إلاَّ
المتكلم، ألا ترى ما ذكرناه في الحديث المتقدم أن الله يصدق عبده في موطن، كما يحكى
عنه في موطن فقال في التصديق: ((إذا قال العبد: لا إله إلاّ الله والله أكبر صدقه ربه فقال لا إله
إلاَّ أنا وأنا أكبر)) فهو القائل بالإناية لا غيره.
وأما حكايته ما قال فهو قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٠] بهذا
اللفظ عينه، فإن حكى على المعنى فمثل قوله عن فرعون: ﴿يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا﴾ [سورة غافر:
الآية ٣٦] فإنه قالها بلسان القبط ووقعت الترجمة عنه باللسان العربي والمعنى واحد، فهذه
الحكاية على المعنى، فهكذا فلتعرف الأمور إذا وردت حتى يعلم قول الله من قول ما يحكيه
لفظاً أو معنى كل إنسان بما هو عليه فقول الله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن
كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَفْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى
ذَلِكُمْ إِصْرِىّ قَالُواْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٨١] وانتهى كلام الله. ثم حكى معنى قولهم مترجماً عنهم
الفتوحات المکیة ج٤ - م٥

٦٦
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
أقررنا وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ﴾ إلى هنا قول الله ﴿ءَامَنَّا﴾ حكاية ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ
إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُوا﴾ إلى هنا قول الله ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٤] حكاية فإذا
ذكرت فاعلم بلسان من تذكّر، وإذا تلوت فاعلم بلسان من تتلو وما تتلو وعمّن تترجم؟
التوحيد العشرون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّنْ
تَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِىِ القُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنتَ سُبْحَنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الَّلِينَ﴾ [سورة
الأنبياء: الآية ٨٧] هذا توحيد الغم وهو توحيد المخاطب وهو توحيد التنفيس، كما نفس الرحمن
عن محمد رَّ بالأنصار فقال: ((إِنَّ نَفَسَ الرَّحْمُنِ يأَتینِي مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ)) فكانت الأنصار التي
تكونت من ذلك النفس الرحماني وهي كلمات الحق كما نفّس الله عن يونس بالخروج من
بطن الحوت فعامل قومه بما عاملهم به من كونه كشف عنهم العذاب بعدما رأوه نازلاً بهم
فآمنوا أرضاه الله في أمته ﴿فَنَفَعَهَآ إِيمَنُهَا﴾ [سورة يونس: الآية ٩٨] ولم يفعل ذلك مع أمة قبلها إذ
كان غضبه لله ومن أجله وظنه بربه أنه لا يضيق عليه وكذلك فعل، ففرج الله عنه بعد الضيق
ليعلم قدر ما أنعم الله به عليه ذوقاً كما قيل: أحلى من الأمن عند الخائف الوجل. فدلّ على
أن يونس كان محبوباً بالله حيث خصّ قومه من أجله بما لم يخصّ به أمّة قبلها وعرفنا بذلك
فقال: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّ ءَامَنُواْ كَشَقْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِ
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [سورة يونس: الآية ٩٨] فأمدّ لهم في التمتع في مقابلة ما نالوه من
الألم عند رؤية العذاب، فإنه معلوم من النفوس الإنسانية أن ليالي الأنس والوصال قصار،
وإن كانت في نفس الأمر لها مدة طويلة وليالي الهجران والعذاب طوال، وإن كانت في نفس
الأمر قصار كما ذكروا في تفسير أيام الدجال أنه أول يوم كسنة لشدة فجأة البلاء يطول عليهم
ثم كشهر ثم كجمعة، فإذا استصحبوه كان كسائر الأيام المعلومة التي لا يطوّلها حال ولا
يقصرها حال، وكما قيل في يوم القيامة إن مقداره خمسون ألف سنة لهول المطلع وما يرى
الخلق فيه من الشدة وهو عند الآمنين الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر في الإمتداد كركعتي
الفجر، وأين زمان ركعتي الفجر من زمان خمسين ألف سنة؟ فلما اشتدّ البلاء على قوم يونس
وكانت اللحظة الزمانية عندهم في وقت رؤية العذاب كالسنة أو أطول ذكر أنه تعالى جعل في
مقابلة هذا الطول الذي وجدوه في نفوسهم أن متعهم إلى حين، فبقوا في نعيم الحياة الدنيا
زماناً طويلاً لم يكن يحصل لهم ذلك لولا هذا البلاء، فانظر ما أحسن إقامة الوزن في الأمور
وقد قيل: إن الحين الذي جعله غاية تمتعهم أنه القيامة والله أعلم، ورأينا من رأى منهم رجلاً
رأينا أثر رجله في الساحل وكان أمامي بقليل فلم ألحقه فاكتلت طول قدمه في الرمل ثلاثة
أشبار وثلثي شبر وكان من قوم يونس، وبعث إلينا بكلام عن حوادث تحدث بالأندلس حيث
كنا سنة خمس وثمانين وسنة ست وثمانين وخمسمائة فما ذكر شيئاً إلاَّ رأيناه وقع كما ذكر،
فانظر في هذه العناية الإلهية بهذا النبي وما جاء به من الاعتراف في توحيده.
التوحيد الحادي والعشرون: من نفس الرحمن ﴿فَتَعَلَى اَللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ
رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيرِ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١١٦] هذا توحيد الحق وهو توحيد الهوية قال تعالى:

٦٧
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ﴾ [سورة الدخان: الآية ٣٨] وهو قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١١٥] فلا إله إلاَّ هو من نعت الحق، فالأمر الذي ظهر فيه
موجود العالم هو الحق وما ظهر إلاَّ في نفس الرحمن وهو العماء فهو الحق رب العرش الذي
أعطاه الشكل الإحاطي لكونه بكل شيء محيطاً، فالأصل الذي ظهر فيه صور العالم بكل شيء
من عالم الأجسام محيط، وليس إلاَّ الحق المخلوق به، فكأنه لهذا القبول كالظرف يبرز منه
وجود ما يحوي عليه طبقاً عن طبق عيناً بعد عين على الترتيب الحكمي، فأبرز ما كان فيه غيباً
ليشهده فيوحده مع صدوره عنه فيحار إن عدده فما ثم غيره وإن وحده فيرى أن عينه ليس هو،
فأوجد طرفين وواسطة لتميز الأعيان في العين الواحدة، فتعدّدت الصور وما تعدّدت الخشبية
ولا العودية، فالعودية في كل صورة بحقيقتها من غير تبعيض وهذه الصورة ما هي هذه
الصورة وليسٍ ثم شيء زائد على العودية فقيل: ما ثم شيء، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا﴾ [سورة ص: الآية ٢٧] ﴿مَا خَلَفْتَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] قيل: فأين هو؟ قال:
في عين التمييز فلا أقدر على إنكار التمييز ولا أقدر أثبت سوى عين واحدة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١١٦].
التوحيد الثاني والعشرون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
اَلْعَظِيمِ﴾ [سورة النمل: الآية ٢٦] هذا توحيد الخبء وهو من توحيد الهوية، لما كان الخبء
النباتيّ تخرجه الشمس من الأرض بما أودع الله فيها الحرارة ومساعدة الماء بما أعطى الله فيه
من الرطوبة فجمع بين الحرارة ومنفعل البرودة حتى لا تستقل الشمس بالفعل فظهرت الحياة
في الحيّ العنصري وكان الهدهد دون الطير قد خصّه الله بإدراك المياه، كان يرى للماء
السلطنة على بقية العناصر تعظيماً لنفسه وحماية لمقامه حيث اختصّ بعلمه ليشهد له بالعلم
بأشرف الأشياء حيث كان العرش المستوي عليه الرحمن على الماء، فكان يحامي عن مقامه،
ووجد قوماً يعبدون الشمس وهي على النقيض من طبع الماء الذي جعل الله منه كل شيء حيّ
وعلم أنه لولا حرارة الشمس ما خرج هذا الخبء وأنها مساعدة للماء، فأدركته الغيرة في
المنافر فوشى إلى سليمان عليه السلام بعابديها وزاد للتغليظ بقوله: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة النمل:
الآية ٢٤] ينبهه على موضع الغيرة، والشمس وإن أخرجت خبء الأرض بحرارتها فهي تخبأ
الكواكب بإشراقها وتظهر المحسوسات الأرضية بشروقها فلها حالة الخبء والإظهار، وبها
حد الليل والنهار، فزاحمت من يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما
يعلنون، فابتلى الله الماء فأصبح غوراً، وابتلى الشمس فأمست آفلة، ففجر العيون فأظهر
خبء الماء وفار التنور فأظهر خبء الشمس فأخرج الخبء في السموات والأرض فوسع كل
شيء رحمة وعلماً فاستوى على العرش العظيم، إذ حكم على فلك الشمس بدورته وعلى
الماء باستقراره وجريته فهما في كل درجة في خبء وظهور، فوحده الظهور بظهوره، ووحده
الخبء بسدل ستوره، فعلم سبحانه ما يخفون وما يعلنون ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
تْعَظِيمِ﴾ .

٦٨
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
التوحيد الثالث والعشرون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ
اَلْحَمْدُ فِ الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُتَجَعُونَ﴾ [سورة القصص: الآية ٧٠] هذا توحيد الاختيار
وهو من توحيد الهوية، لما كان العالم كلمات الله تعالى كانت نسبة هذه الكلمات إلى النفس
الرحماني الطاهرة فيه نسبة واحدة، فكان يعطي هذا الدليل أنه لا يكون في العالم تفاضل ولا
مختار بفضل عند الله على غيره، ورأينا الأمر على غير هذا خرج في الوجود عاماً في
الموجودات فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ◌َدَمَ وَلْنَهُمْ فِ آلْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَّتِبَتِ
وَفَضَلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٠] وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا
بَعْضَهُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] وقال: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِرْعِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٥٥] وقال:
﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِ الْأُكُلِّ﴾ [سورة الرعد: الآية ٤] مع كونها تسقى بماء واحد، فما ثم
آية أحق بما هو الوجود عليه من التفاضل من هذه الآية حيث قال: ﴿يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ﴾ [سورة
الرعد: الآية ٤] فظهر الاختلاف عن الواحد في الطعم بطريق المفاضلة، والواقع من هذا كثير في
القرآن من تفضيل كل جنس بعضه على بعض حتى القرآن وهو كلام الله يفضل على سائر
الكتب المنزّلة وهي كلام الله، والقرآن نفسه يفضل بعضه على بعض مع نسبته إلى الله أنه
كلامه بلا شك، فآية الكرسي سيدة آي القرآن وهي قرآن، وآية الدين قرآن، فما أعجب هذا
السر، فعلمنا من هذا أن الحكمة التي يقتضيها النظر العقلي ليست بصحيحة، وأن حكمة الله
في الأمور هي الحكمة الصحيحة التي لا تعقل وإن كانت لا تعلم فما تجهل لكن لا تعين
بمجرد فكر ولا نظر بل ﴿يُؤْنِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ أَلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرً كَثِيرًا﴾
[سورة البقرة: الآية ٢٦٩]. ولقد رأيت في حين تقييدي لهذا التوحيد الذي يعطي التفاضل واقعة
عجيبة أعطيت رقاً منشوراً عرضه فيما يعطي البصر ما يزيد على العشرين ذراعاً، وأما طوله فلا
أحققه وهو على هذا الشكل المصور في الهامش :
وهو جلد واحد جلد كبش تنظره فتراه أبيض
عند القراءة، وتنظر إليه في غير قراءة فتراه أخضر،
فإذا قرأته تراه جلداً، وإذا لم تقرأه تراه شقة لا أدري
حريراً أو كتاناً وهو صداق أهلي فيقال لي: هذا صداق
إلهيّ لأهلك، ولا أسأل عن الزوج ولا أعلم أنها
خرجت عن عصمة نكاحي وأنا فارح بهذا الأمر
مسرور غاية السرور، ثم يؤتى بسرقة حرير خضراء
تنبعث من الکتاب کأنها منه تكوّنت فيها ألف دينار
ذهباً عيناً كل دينار ثقيل لا أدري ما وزنه فيقال: قسمه
على أهلها خمسة دنانير لكل شخص، فأوّل ما آخذ أنا
منها خمسة دنانير عليها نور ساطع أعظم من ضياء
أضوأ كوكب في السماء، له شعاع، وأرى نفس ذلك
عرضه
طوله
فراخ
فراغ

٦٩
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الكتاب هو عين أهلي ما كتابها غيرها وأنا بكل جسمي راقد عليها متكىء فكنت أنظر إلى رقم
ذلك الكتاب فأجده بخط زين الدين عبد الله بن الشيخ عبد الرحمن المعروف بابن الأستاذ
قاضي مدينة حلب كتبه عن إملاء القاضي الكبير بهاء الدين بن شداد، والصداق من أوله إلى
آخره مسجع الألفاظ تسجيعاً واحداً على رويّ الراء المفتوحة والهاء، فضبطت منه بعد
البسملة: الحمد لله الذي جعل قرآنه وفرقانه وتوراته وإنجيله وزبوره رقوم هذا الكتاب
المكنون وسطوره. وأودعه كل آية في الكتب وسوره. وأظهره في الوجود في أحسن صوره.
وجعل أعلامه في العالم العلوي والسفليّ مشهوره. وآياته غير متناهية ولا محصورة. وكلماته
بكل لسان في كل زمان وغير زمان مذكورة. هكذا علی هذا الرويّ إلى آخره إن کان له آخر
بخط مثل الذر، فلما رددت إلى حسّي وجدتني أكتب هذا الفصل من فصول التوحيد وإذا به
توحيد الاختيار، فعلمت أن ذلك عين هذا الفصل وأن لأهلي من هذا الفصل أوفر حظ وأعظم
نصيب .
فلما رأينا التفاضل والاختيار وقع في العالم حتى في الأذكار الإلهية المشروعة كما
ذكرنا علمنا أن ثم أمراً معقولاً ما هو عين النفس ولا هو غير النفس الذي تتكوّن فيه الكلمات
وهي أعيان الكائنات، فإذا بذلك عين المشيئة فيها ظهر هذا التفضيل في الواحد والتفضيل في
المتساوي، والواحد لا يتصف بالتفضيل والمتساوي لا ينعت بالتفضيل، فعلمنا أن سرّ الله
مجهول لا يعلمه إلاَّ هو فوجدناه توحيد الاختيار في حضرة السرّ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْحَمْدُ فِى
الْأُولَى﴾ وهو حمد الإجمال ﴿ وَالْأَخِرَةِ﴾ [سورة القصص: الآية ٧٠] وهو حمد التفضيل، فتميزت
المحامد في العين الواحدة فكان حمدها عينها، فما أعجب مقام هذا التوحيد لمن شاهده،
وتعجبت من اسم أهلي في الواقعة واسمها مريم ومعنى هذا الاسم معلوم في اللسان الذي فيه
سميت وهي محرّرة لله حاملة لروح الله محل لكلمة الله مثنيّ عليها بكلام الله مبرأة بشهادة ما
سقط من التمر في هزّها جذع النخلة اليابس ونطق ابنها في المهد بأنه عبد الله وهما شاهدان
عدلان عند الله فكانت كلها لله وبالله وعن الله، ولهذا غبطها زكريا نبي الله فتمنى مثلها على
اللّه، فأعطاه يحيى حصوراً مثلها لم يجعل له سميا من قبل من أنبياء الله، فخصّه بالأولية من
أسماء الله، فانظر في بركة هذا الاسم في وجود الله بين عباد الله، فهذا ما كان إلا من اختيار
الله ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَبَخْتَارُ﴾ [سورة القصص: الآية ٦٨] ما كان لهم الخيرة بل هي الله ﴿إِنَّ
زَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٧].
التوحيد الرابع والعشرون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرُ لَّ
إِلَّهَ إِلَّا هُوَّ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾ [سورة القصص: الآية ٨٨] هذا توحيد الحكم بالتوحيد الذي
. بيه رجوع الكثرة إذ كان عينها وهو توحيد الهوية، فنهى كونه أن يدعو مع الله إلهاً فنكر المنهيّ
عنه إذ لم يكن ثم إذ لو كان ثم لتعين، ولو تعين لم يتنكر، فدل على أنه من دعا مع الله إلهاً
خر فقد نفخ في غیر ضرم واستسمن ذا ورم وكان دعاؤه لحماً على وضم، ليس له متعلق
يتعين ولا حق يتضح ويتبين، فكان مدلوله دعائه العدم المحض فلم يبق إلاَّ من له الوجود

٧٠
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
المحض، فكل شيء يتخيل فيه أنه شيء فهو هالك في عين شيئته عن نسبة الألوهية إليه لا عن
شيئته، فوجه الحق باق وهو ﴿ذُو الْجَدَلِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٧] والآلاء الجسام، فما
دعا من دعا إلاَّ إلى معروف فما هو الذي نكر فما هو عين ما ذكر، فالحق الخالص من كان
في ذاته يعلم فلا يجهل ويجهل فلا يحاط به علماً، فعلم من حيث إنه لا يحاط به علماً وجهل
من حيث إنه لا يحاط به علماً فعلم من حيث جهل فالعلم به عين الجهل به، فما ثم من يقبل
الأضداد في وصفه إلاَّ الله.
التوحيد الخامس والعشرون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اَللَّهِ يَرْزُقُكُمْ
مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوٌ﴾ [سورة فاطر: الآية ٣] هذا توحيد العلة وهو من توحيد الهوية،
لو لم يوحد بالعلة كما يوحد بغيرهما لم يكن إلهاً لأن من شأن الإله أن لا يخرج عنه وجود
شيء إذ لو خرج عنه لم يكن له حكم فيه وقد قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية
١٢٣] فلا بدّ أن يكون له توحيد العلة وهو أن يعبد بهذا التوحيد لسبب لكون العابد في أصل
كونه مفتقراً إلى سبب، فلم يخرج عن حقيقته وسببه رزقه الذي به بقاء عينه، فتخيله
المحجوب في الأسباب الموضوعة وهو تخيل صحيح أنه في الأسباب الموضوعة لكن بحكم
الجعل لا بحكم ذاتها، فجاعل كونها رزقاً هو الله الذي ﴿ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ﴾ بما ينزل منها من
أرزاق الأرواح ﴿وَالْأَرْضِّ﴾ بما يخرج منها من أرزاق الأجسام، فهو الرازق الذي بيده هذا
الرزق، غير أن الحجب لما أرسلها الله على بعض أبصار عباد الله ولم يدركوا إلاَّ مسمّى الرزق
لا مسمّى الرازق قالوا هذا فقيل لهم ما هو هذا هو في هذا مجعول من الذي خلقكم، فكما
خلقكم هو رزقكم فلا تعدلوا به ما هو له ومنه فأنتم ومن اعتمدتم عليه سواء، فلا تعتمدوا
على أمثالكم فتعتمدوا على الكثرة، والاعتماد على الكثرة يؤدي إلى عدم حصول ما وقع فيه
الاعتماد، إذ كل واحد من الكثيرين يقول غيري يقوم له بذلك فلا يقوم له شيء فيدعوه الحال
الصحيح إلى التفرّغ والتجرّد إلى واحد على علم من ذلك الواحد أنه تجرّد إليه وتفرغ ممّا
سواه فتعين القيام به عليه، فأدى إلى حصول المطلوب من وراء حجاب في حق قوم، وعلى
الشهود والكشف في حق آخرين وهم أهل الله وخاصته .
التوحيد السادس والعشرون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيْلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٣٥] هذا توحيد التعجّب وهو توحيد الله لا توحيد
الهوية، فقوله: ﴿يَسْتَكْرُونَ﴾ أي يستعظمون ذلك ويتعجبون منه كيف يصحّ في الكون لا إله
إلاَّ الله، والشيء لا يكون إلاَّ على صورة واحدة وعين واحدة، والصور كثيرة مختلفة بالحد
والحقيقة وبيدها المنع والعطاء وذلك لله ﴿أَجَعَلَ الَلِمَةَ إِلَهَا وَِّدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىْء ◌ُجَابٌ﴾ [سورة ص:
الآية ٥] أي الكثرة في عين الواحد ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَابَآَِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [سورة القصص: الآية ٣٦]
فما أنكروه ولا ردّوه بل استعظموه واستكبروه وتعجبوا كيف تكون الأشياء شيئاً واحداً،
واستكبروا مثل هذا الكلام من مثل هذا الشخص حيث علموا أنه منهم وما شاهد إلاَّ ما
شاهدوه، فمن أين له هذا الذي ادّعاه؟ فحجبهم الحسّ عن معرفة النفس والاختصاص الإلهيّ

٧١
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
فامتثلوا أمر الله من حيث لا يشعرون لأنه الآمر عباده بالاعتبار وهو التعجّب فقال: ﴿إنّ في
ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِ الْأَبْصَارِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣] وقال: ﴿فَأَعْتَبِرُوا يَأُوْلِىِ الْأَبْصَرِ﴾ [سورة
الحشر: الآية ٢] فاعتبروا كما أمروا فهم من أولي الأبصار وقولهم: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا آخِلَقُ﴾ [سورة
ص: الآية ٧] لما جاءهم التعريف بهذا على يدي واحد منهم ولم يعرفوا العناية الإلهية
والاختصاص الربانيّ، والاختلاق لم يكن فيما تعجبوا منه لأنه لو أحالوه بالكلية ما تعجبوا،
وإنما نسبوا الاختلاق لمن جاء به إذا كان من جنسهم، وممّا يجوز عليه ذلك حتى يتبين لهم
برؤية الآيات فيعلمون أنه ما اختلق هذا الرسول وأنه جاءه من عند الله الذي عبد هؤلاء هذه
المسمّاة آلهة عندهم على جهة القربة إلى الله الكبير المتعالي فأنزلوهم بمنزلة الحجبة للملك
وأعطوهم اسمه كما يعطى اسم الولاية لكل وال، وإن كان الوالي هو الله فالولاة كثيرون،
فكأنه أخبرهم عن الله أنه ما ولى هؤلاء الذي يعبدون بل آباؤكم نصبوهم آلهة هذا الإله الذي
أدعوكم إليه تعرفونه وأنه اسمه الله لا تنكرونه وأنتم القائلون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ
زُلْفَى﴾ [سورة الزمر: الآية ٣] فسميتموه فسموا آلهتكم فتعرفوا عند ذلك الأمر الحق بيد من هو؟
هل هو بأيديكم أو بيدي؟ يقول الرسول: فلما عرفوا قوله وتحققوه علموا أنهم في فضيحة
لأنهم إذا سمّوهم لم يسموهم الله ولا عقلوا من أسمائهم مسمّى الله فإنهم عارفون بأسمائهم
فقالوا مثل ما قال قوم إبراهيم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٦٥] فتلك
الحجة الإلهية عليهم منهم فما حاجهم إلاَّ بهم ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾ [سورة
الأنعام: الآية ٨٣].
التوحيد السابع والعشرون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكِّ لَاً
إِلَهَ إِلَّا هُوٌّ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦] هذا توحيد الإشارة فما في الكون مشار إليه إلاَّ هو
﴿فَأَّى تُصْرَفُونَ﴾ لأن الإشارة لا تقع من المشير إلاَّ لأمر حادث عنده، وإن لم يكن في عينه في
نفس الأمر حادثاً ولكنه يعلم أنه حدث عنده وما يحدث أمر عند من يحدث عنده إلاَّ ولا بدّ أن
يجهل أمره عندما يحدث عنده لشغله بحدوثه عنده وأثره فيه فيشير إليه في ذلك الوقت، وفي
تلك الحالة رفيقه وهو على نوعين، إذ ماله رفيق سوى اثنين: إمّا عقله السليم، وإما شرعه
المعصوم، وما ثم إِلاَّ هذا لأنه ما ثم من يقول له في هذه الإشارة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ
لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوّ﴾ إلاَّ أحد هذين القرينين: إما العقل السليم أو الشرع المعصوم، وما عدا هذين
فإنه يقول له خلاف ما قال هذان القرينان فيقول له: هذا الدهر وتصرّفه، ويقول الآخر: هذه
الطبيعة وأحكامها، ويقول الآخر: هذا حكم الدور، فيصرفه كل قائل إلى ما يراه فهو قول
هذين القرينين ﴿فَأَّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿فَيُضِلُ اللَّهُ مَنْ يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٤]
بالقرآن ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ: إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦] الخارجين عن حكم هذين القرينين
﴿وَاَللَّهُ يَقُولُ الْحَقِّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤].
التوحيد الثامن والعشرون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لَآ إِلَهَ
إِلَّا هُوَّ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ﴾ [سورة غافر: الآية ٣] هذا توحيد الصيرورة وهو من توحيد الهوية وهو على

٧٢
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الحقيقة مقام الإيمان لأن المؤمن من اعتدل في حقّه الخوف والرجاء واستوت فيهما قدماه فلم
يحكم فضله في عدله ولا عدله في فضله، فكما تجلى في شديد العقاب تجلّى في الطول
الأعم المؤيد بغافر الذنب وقابل التوب ولم يجعل للشديد العقاب مؤيداً وذلك للدعوى في
الشدّة، فوكل إلى ما ادعاه فهو غير معان ومن لم يدع فهو معان فإنها ولاية في الخلق، ولأنه
جاء بالشدة في العقاب ولم يجىء في الطول مثل هذه الصفة، فلهذا شدّد أزره بـ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ
وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [سورة غافر: الآية ٣]، فأشار إلى ذوي الأفهام من عباده بإعانة ذي الطول بغافر
الذنب وقابل التوب على الشديد العقاب إلى ترك الدعوى، فإن الشديد في زعمه أنه لا يقاوم،
ولو علم أن ثم من يقاومه ما ادّعى ذلك فنبّه تعالى عباده على ترك الدعوى، فيكون الحق
يتولى أمورهم بنفسه وعصمهم في حركاتهم وسكناتهم ليقفوا عند ذلك ويعلموا أنه الحق .
التوحيد التاسع والعشرون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ
كُلِّ شَىْءٍ لََّ إِلَهَ إِلَّ هُوْ فَنَّى تُؤْفَّكُونَ﴾ [سورة غافر: الآية ٦٢] هذا توحيد الفضل وهو من توحيد
الهوية لأنه جاء بعد قوله: ﴿إِنَ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [سورة يونس: الآية ٦٠] فيكون هذا
التوحيد شكراً لما تفضل به الله على الناس مع قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ
خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة غافر: الآية ٥٧] أراد في المنزلة فإن الجرم
يعلمه كل أحد ولكن ما تفطن الناس لقوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ من كونهم ناساً
ولم يقل: أكبر من آدم ولا من الخلفاء، فإنه ما خلق على الصورة من كونه من الناس، إذ لو
كان كذلك لما فضل الناس بعضهم بعضاً ولا فضلت الرسل بعضهم بعضاً، ففضل الصورة لا
يقاومها فضل فقوله: ﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ إذ كان الفاضل ممّن له أيضاً هذا الاسم،
والمراد بالفضل العام والخاص فوحده بلسان العموم والخصوص فظهر توحيد الفضل من
حضرة الكرم والبذل.
التوحيد الثلاثون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿هُوَ الْحَىُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَدْعُوهُ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة غافر: الآية ٦٥] هذا توحيد الحياة وهو توحيد
الكل، وهو من توحيد الهوية الخالصة، والحياة شرط في كل متنفس، فلهذا هذا العالم حيّ
بما فيه من الأبخرة الصاعدة منه، فتوحيد الحياة توحيد الكل، فإنه ما ثم إلاَّ حيّ فإنه ما ثم إلاّ
الحق وهو المسبح نفسه بما أعطى الرحمن في نفسه من الكلام الإلهيّ فقال: ﴿سُبْحَنَ رَئِكَ رَبِّ
الْعِزَّةِ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠] ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ [سورة الإسراء: الآية ١] ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ
حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ١٧] وما ثم إلاَّ العالم وما من شيء من العالم إلاَّ
وهو مسبح بحمده ولا ثناء أكمل من الثناء بالأحدية فإن فيها عدم المشاركة، فالتوحيد أفضل
ثناء وهو لا إله إلاّ الله فلهذا قلنا أنه توحيد الحياة وتوحيد الكل وهو إخلاص التوحيد الله من
الله ومن العالم.
التوحيد الحادي والثلاثون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِىءٌ وَيُمِيثٌ
رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [سورة الدخان: الآية ٨] هذا توحيد البركة لأنه في السورة التي ذكر

٧٣
في الأحوال ٨ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
فيها أنه أنزله في ليلة مباركة وهي ليلة القدر الموافقة ليلة النصف من شعبان المخصوصة
بالآجال ولهذا نعت هذا التوحيد بأنه يحيي ويميت وهو قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾
[سورة الدخان: الآية ٤] أي محكم فتظهر الحكم فيه التي جاءت بها الرسل الإلهيون ونطقت بها
الكتب الإلهية رحمة بعباد الله عامة وخاصة، فكل موجود يدركها وما كل موجود يعلم من أين
صدرت فهي عامة الحكم خاصة العلم، إذ كانت الاستعدادات من القوابل مختلفة، فأين نور
الشمس من نور السراج في الإضاءة؟ ومع هذا فأخذ الشمس من السراج اسمه وافتقر إليه مع
كونه أضوأ منه وجعل نبيه في هذا المقام سراجاً منيراً وبه ضرب الله المثل في نوره الذي أنار
به السموات والأرض فمثل صفته بصفة المصباح، ثم ذكر ما أوقع به التشبيه ممّا ليس في
الشمس من الإمداد والاعتدال مع وجود الاختلاف بذكر الشجرة من التشاجر الموجود في
العالم لاختلاف الألسنة والألوان التي جعل الله فيها من الآيات في خلقه، وذكر المشكاة وما
هي للشمس فنور السموات والأرض الذي هو نور الله مشكاة يعرفها من وحدّه بهذا التوحيد
المبارك الذي هو توحيد البركة، وفي هذه المشكاة مصباح وهو عين النور الذي تحفظه هذه
المشكاة من اختلاف الأهواء وحكمها فيما يقع في السرج من الحركة والاضطراب، وإذا
تقوّت الأهواء أدّى إلى طفي السرج كذلك يغيب الحق بين المتنازعين ويخفى ويحصل فيه
الحيرة لما نزلت ليلة القدر تلاحَى رجلان فارتفعت فإنها لا تقبل التنازع، ولما كانت الأنبياء لا
تأتي إلاَّ بالحق وهو النور المبين لذلك قال عليه السلام ((عَنْدَ نَبِيّ لا يَنْبَغِي تَنَازُع)) فلا ينازع من
عنده نور، ثم إن لهذا المصباح الذي ضرب به المثل فللنور الإلهي زجاجة يعرفك هذا
التوحيد ما هي تلك الزجاجة وليس ذلك للشمس، والزجاجة تشبه الكوكب الدري فإذا كان
المحل الذي ظهر فيه المصباح مشبه بالكوكب الدريّ الذي هو الشمس فكيف يكون قدر
السراج في المنزلة وهو صاحب المنزل؟ ثم قال في هذا السراج أنه توقد أي يتوقد ويضيء
﴿مِن شَجَرَقِ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُنَةٍ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] فلا بدّ للنور الإلهيّ من حقيقة بها يقع التشبيه
بالشجرة كما جاء في اختلاف الأسماء الإلهية من الضار النافع، والمعز المذل، والمحيي
المميت، وأسماء التقابل. ثم إن هذه الشجرة ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةِ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥]
فوصفها بالاعتدال فلهذا كان السراج المذكور الذي وقع به التشبيه هو السراج الذي في
المشكاة والزجاجة فيكون محفوظاً عن الحركة والاضطراب لكون الشجرة لا شرقية ولا
غربية، فهذا كله لا يوجد في غير السراج ولا بدّ أن يعتبر هذا كله في النور الإلهيّ.
التوحيد الثاني والثلاثون: من نفس الرحم هو قوله: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ
يِدَ نُبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَّكُمْ وَمَثْوَلِكُمْ﴾ [سورة محمد: الآية ١٩] هذا توحيد الذكرى
وهو توحيد الله. فاعلم أن الإنسان لما جبله الله على الغفلات رحمة به فيغفل عن توحيد الله
بما يطالعه في كل حين من مشاهدة الأسباب التي يظهر التكوين عندها وليس ثمة إدراك يشهد
به عين وجه الحق في الأسباب التي يكون عنها التكوين وهو لاستيلاء الغفلة، وهذا الغطاء
يتخيل أن التكوين من عين الأسباب، فإذا جاءته الذكرى على أي وجه جاءته علم بمجيئها أنها

٧٤
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
تدل لذاتها على أنه لا إله إلاَّ الله، وأن تلك الأسباب لولا وجه الأمر الإلهيّ فيها أو هي عين
الأمر الإلهيّ ما تكوّن عنها شيء أصلاً، فلما كان هذا التوحيد بعد ستر رفعته الذكرى أنتج له
أن يسأل ستر الله للمؤمنين والمؤمنات فإن لرفع الستر ووجود الكشف عند الرفع أو العلم بأنه
عين الستر لا غيره لذة لا يقدر قدرها فهي من منن الله على عبده.
التوحيد الثالث والثلاثون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢٢] هذا توحيد العلم وهو من
توحيد الهوية، وهو توحيده من حيث التفرقة لأنه ميّز بين الغيب والشهادة وجمع بين العلم
والرحمة وهذا لا يكون إلاّ في العلم اللدني، وهو العلم الذي ينفع صاحبه، قال في عبده
الخضر: ﴿ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] وهو قوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ثم
قال: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] من قوله: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ فعلم
الرحمة يكون معه اللين والعطف وهو الذي من لدنه والغصن اللدن هو الرطيب ﴿ وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ
أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ٤٠] فعظمه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ﴾ وما أرسل إلاَّ بالعلم ﴿إِلَّا رَحْمَةٌ
لِلْعَلَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٧] فجعل إرساله رحمة فهو علم يعطي السعادة في لين ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ
مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فالعلم وإن كان شريفاً فإن له معادن أشرفها ما یکون من لدنه،
فإنّ الرحمة مقرونة به ولها النفس الذي ينفس الله به عن عباده ما يكون من الشدّة فيهم.
التوحيد الرابع والثلاثون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢٣] هذا توحيد النعوت، وهو من توحيد الهوية المحيطة فله
النعوت كلها نعوت الجلال، فإن صفات التنزيه لا تعطي الثبوت والأمر وجودي ثابت، فلهذا
قدم الهوية وأخّرها حتى إذا جاءت نعوت السلب وحصلت الحيرة في قلب السامع منعت
الهوية بإحاطتها أن يخرج السامع إلى العدم فيقول: فما ثم شيء وجوديّ إذ قد خرج عن
وجود العقل والحسّ فيلحقه بالعدم فتمنعه الهوية فإن الضمير لا بدّ أن يعود على أمر مقرّر
فافهم .
التوحيد الخامس والثلاثون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التغابن: الآية ١٣] هذا توحيد الرزايا والرجوع فيها إلى الله ليزول عنه
ألمها إذ رأى ما أصيب فيه قد حصل بيد من يحفظ عليه وجوده، ولهذا أثنى الله على من يقول
إذا أصابته مصيبة ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٦] فهم الله في حالهم، وهم إليه
راجعون عند مفارقة الحال، فمن حفظ عليه وجوده وحفظ عليه ما ذهب منه وكان ما حصل
عنده أمانة إلى وقتها فما أصيب ولا رزي، فتوحيد الرزايا أنفع دواء يستعمل ولذلك أخبر بما
لهم منه تعالى في ذلك فقال: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ والرحمة لا يكون معها
ألم ﴿ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٧] يقول: الذين تبين لهم الأمر على ما هو
عليه في نفسه قسمين: مصيبة في حقه لنزولها به وفي حق من ليس له هذا الذوق لنزول ألمها
في قلبه فيتسخط فيحرم خيرها .

٧٥
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
التوحيد السادس والثلاثون: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿رَّبُّ الْشْرِقِ وَالْغْرِبِ لَآ إِلَهَ إِلَّا
هُوَّ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٩] هذا توحيد الوكالة وهو من توحيد الهوية في هذا
التوحيد، ملك الله العالم الإنساني جميع ما خلقه له من منافعه وأمره أن يوكل الله في ذلك
ليتفرّغ الإنسان لما خلق له من عبادة ربه في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ أَلْمِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة
الذاريات: الآية ٥٦] وأين هذا المقام من قوله: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد:
الآية ٧] فجعل الإنفاق بأيديهم والملك الله، وفي هذا القدر الذي أمرهم به من الإنفاق فيه
أمرهم أن يتخذوه وكيلاً فلا تنافر بين المقامين، فالملك لله والإنفاق للعبد، بحث الأمر وما
أطلق له في ذلك، وفي الإنفاق أمر الله أن يوكل الله في ذلك لعلمه بمواضع الإنفاق
والمصارف التي ترضى رب المال في الإنفاق، فنزل الشرائع أبانت له مصارف المال فأنفق
على بصيرة بنظر الوكيل، فمن أنفق فيما لم يأمره الوكيل بالإنفاق فيه فعلى المنفق قيمة ما
استهلك من مال من استخلفه فيه ولا شيء له فإنه مفلس بحكم الأصل فلا حكم عليه، فأعطاه
هذا التوحيد رفع الحكم عنه فيما أتلف من مال من استخلفه، وهذا آخر تهليل ورد في القرن
الذي وصل إلينا وهو ستة وثلاثون مقاماً قد ذكرناها بكمالها مبينة إلهية قرآنية ذكر الله بها نفسه
وأمرنا أن نذكره بها فامتثلنا، فلما ذكرناه بها علمنا من لدنه علماً، وكان ذكرها رحمة منه بنا،
فهذا قد أدينا العشر الواجب علينا مكملاً فوقع في يد الحق فيتولى تربيته إلى وقت اللقاء ورد
الأمانات إلى أهلها . والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
الفصل العاشر في الذكر بالحوقلة: وهو قول: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وهو ذكر كل
حامل بقدر ما حمل، فالذاكرون به على طبقات كما أنهم في الصورة على طبقات، فمن كان
أكثر دخولاً كان أكثر دؤوباً على هذا الذكر، والذي حاز الكمال فيها كان شرطه أن لا يفتر من
هذا الذكر بالقول، كما أنه لا يفتر عنه بشاهد الحال، وهو كل مكلف في العالم، والعالم كله
مكلف وما كلف به من العالم، ومن العالم ما هو مجبور فيما كلف حمله وهو المعبر عنه
بغرائض الأعيان وفرائض الكفاية ما لم يقم واحد به فيسقط الفرض عن الباقي، ومن العالم ما
ثم يجبر في الحمل وإنما عرض عليه فإن قبله فما قبله إلا لجهله بقدر ما حمل من ذلك
كالإنسان لما عرضت عليه الأمانة ﴿ وَحَلَهَا﴾ كان لذلك ﴿ ظَلُومًا﴾ لنفسه ﴿جَهُولًا﴾ [ سورة الأحزاب:
لآية ٧٢] بقدرها، ﴿السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ لما عرضت عليهنّ ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ
مِنُهَا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٧٢] لمعرفتهنّ بقدر ما حملوا فلم يظلموا أنفسهم ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ
نَفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [سورة يونس: الآية ٤٤] فما وصف أحد من المخلوقات بظلمه لنفسه إلاَّ
الإنسان، فكان خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس في المنزلة، فإنهنّ كن أعلم بقدر
الأمانة من الإنسان، فبهذا كن أيضاً أكبر من خلق الناس في المنزلة من العلم فإنهن ما وصفن
بالجهل كما وصف الإنسان، وكذلك لما أمرنا بالإتيان أمر وجوب فإن لم يجبن جيء بهن
على كره ﴿قَالَتَآَ أَنْنَا طَآَيِعِينَ﴾ [سورة فصلت: الآية ١١] لعلمهنّ بأن الذي أمرهنّ قادر على الإتيان
بهنّ على كره منهنّ فقلن ﴿أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾ فالإتيان حاصل والطوع في معرض الاحتمال أن يكنّ

٧٦
في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
صدقن في دعواهنّ، فإن كان الحق القائل فما كذبا بل صدقا، وإن كان القول بالواسطة
فيحتمل ما قلناه، فالعالم منا إذا قال لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله يقولها على امتثال الأمر الإلهيّ
والاقتداء، فالاقتداء قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] إذا كان الحق المتكلم
وهي الاستعانة بالأسباب التي لا يمكن رفعها ولا وجود المسبب إلاَّ بوجودها، والأمر قوله:
﴿ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُواْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٢٨] على حمل هذه المشقات بلا حول ولا قوّة
إلاّ بالله. انتهى الجزء الحادي والعشرون ومائة .
(الجزء الثاني والعشرون ومائة)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَدِ
الفصل الحادي عشر: في الاسم الإلهيّ البديع وتوجهه على كل مبدع وعلى إيجاد
العقل الأول وهو القلم، وتوجهه على إيجاد الهمزة من الحروف ومراتبها، وتوجهه على إيجاد
الشرطين من المنازل، وتوجهه بالإمداد الإلهيّ النفسيّ بفتح الفاء الذاتيّ منه والزائد وسبب
زیادته :
قال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٧] لكونهما ما خلقا على
مثال متقدّم، وأوّل ما خلق الله العقل وهو القلم فهو أوّل مفعول إبداعيّ ظهر عن الله تعالى،
وكل خلق على غير مثال فهو مبدع بفتح الدال وخالقه مبدعه بكسر الدال، فلو كان العلم
تصوّر المعلوم كما يراه بعضهم في حد العلم لم يكن ذلك المخلوق مبدعاً بفتح الدال لأنه
على مثال في نفس من أبدعه أوجده عليه مطابقاً له، وذلك الذي في نفس الحق منه على قول
صاحب هذا الحد للعلم لم يزل واجب الوجود في نفس الحق فلم يبتدعه في نفسه كما يفعله
المحدث إذا ابتدع ولا وجد في العين إلاَّ على الصورة التي قامت في نفس المصوّر لمثلها لا
لها إذ ليس محلاً لما يخلقه فما هو بديع وهو بديع، فليس في نفسه صورة ما أبدع ولا
تصوّرها، وهذه مسألة مشكلة فإن من المعلومات ما يقبل التصوّر، ومنها ما لا يقبل التصوّر
وهو معلوم فما حد العلم تصوّر المعلوم، وكذلك الذي يعلم قد يكون ممّن يتصوّر لكونه ذا
قوّة متخيلة، وقد يكون ممّن يعلم ولا يتصوّر لكونه لا يجوز عليه التمثّل فهو تصوّر من خارج
ولا يقبل الصورة في نفسه لما صوّره من خارج لكن يعلمه. واعلم أوّلاً أن الإبداع لا يكون
إلاَّ في الصور خاصة لأنها التي تقبل الخلق فتقبل الابتداع، وأما المعاني فليس شيء منها
مبتدعاً لأنها لا تقبل الخلق فلا تقبل الإبتداع فهي تعقل ثابتة الأعيان، هذه هي حضرة المعاني
المحققة .
وثم صور تقبل الخلق والإبتداع تدل عليها كلمات هي أسماء لها فيقال تحت هذا
الكلام أو لهذه الكلمة معنى تدل عليه، ويكون ذلك المعنى الذي تتضمنه تلك الكلمة صورة
لها وجود عيني ذو شكل ومقدار كلفظ زيد، فهذه كلمة تدل على معنى يفهم منها وهو الذي
وضعت له وهو شخص من الأناسي ذو قامة منتصبة وطول وعرض وجهات، فمثل هذا يسمى

٧٧
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
معنى لهذه الكلمة، فهذا المعنى يقبل الخلق ولسنا نريد بالمعاني إلاَّ ما لا يقبل الخلق، وكل
ما لا يقبل الخلق فإنه لا يقبل المثل، فلا يقبل المثل إلاَّ الصورة خاصة المادية وغير المادية،
وأعني بالمادية المركبة وهي الأجسام على تنوّع ضروبها، وأعني بغير المادية كالبسائط التي لا
جزء لها سوى عينها ولكنها تقبل المجاورة فتقبل التركيب فينشأ لذلك صور مختلفة إلى ما لا
يتناهى، فالأوّل منها وإن كان صورة فهو المبدع، والثاني ليس بمبدع فإنه على مثاله ولكنه
مخلوق، فهو بالخلق الأوّل بديع وبالخلق الثاني المماثل للخلق الأوّل خالق، فأوّل ما خلق
الله العقل أظهره في نفس الرحمن في العماء في أوّل درجته التي هي في نفس الإنسان
المخلوق على صورة الهمزة، فهي أوّل مبدع من حروف تنفس الإنسان ولها وجوه وأحكام
مثل ما للعقل في النفس، فمن ذلك الإمداد الإلهيّ الذي في قوله: ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
[سورة إبراهيم: الآية ٧] وفي قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [سورة يونس: الآية ٢٦] والزيادة
حيث وقعت من الخير والشر، ولا تعقل الزيادة إلاَّ بعد عقل الأصل، فإذا علم مقداره علم
الزائد لئلا يتخيل في الزائد أنه أصل، فأقل الزيادة مثل الأصل إلى رابع درجة وليس فوقها
زيادة، وكل زيادة زائدة على الزيادة مثل الأصل سواء مثاله الأصل وجود عين العقل والزائد
وجود النفس وهو على قدر العقل، ثم الطبيعة وهي على قدر العقل، ثم الهباء وهو على
مقدار العقل، ثم الجسم الكل وهو الرابع وليس وراءه شيء إلاَّ الصور، وكذلك المد الطبيعيّ
بمنزلة العقل مثل مد الألف من قال وشبهه فهذا سار في كل موجود، فإن له من الحق إمداداً
به بقاؤه، فما زاد على ما به بقاؤه وظهور عينه فلسبب آخر.
ولما كان العقل أوّل موجود جعل سبباً لكل إمداد إلهيّ في الوجود، كذلك الهمزة في
النفس الإنسانيّ أوجبت الإمداد في الصوت سواء تأخرت أو تقدمت، وتنتهي الزيادة في ذلك
على المد الطبيعيّ إلى أربع مراتب، كل زيادة على قدر الأصل التي هي الألف الطبيعية في
كل ممدود، مثال ذلك أا من في قراءة أبي عمرو، وأ ا ا من في قراءة ابن عامر والكسائي،
وأالا من في قراءة عاصم، وأ ١١ا من في قراءة ورش وحمزة. وكذلك جاء، وجااء،
وجاااء، وجااااء، على ما ذكرناه، فهذا الإمداد الإلهيّ قبل الموجب له وبعده هو بحسب
المعرفة بالله، فمن لم يعرف الله بدليل العالم عليه كان الإمداد متقدماً على العلم بالله من حيث
لا يعلم العبد، فهو يتقلب في نعمة الله ولا علم له بالمنعم من هو على التعيين، ومن عرف
العالم بالله كان الإمداد متأخراً لأنه علم الله فرآه قبل إمداده وإن كان علمه به من إمداده ولكن
ذلك هو المد الطبيعيّ، فالإمداد في النفس الرحمانيّ إيجاد النعم على التضعيف بالزيادة منها
﴿وَاَللَّهُ يُغَنِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦١] كما هو في النفس الإنسانيّ مد الصوت طلباً
للوصول إلى الموجب أو خروجاً من عند الموجب بالإمداد الإلهيّ لعين الحرف المطلوب
وهو العين المقصود بذلك النعيم من الكائنات، كما يطلب الوصول إلى حرف الميم بالمد من
أا من، وإلى حرف الدال من آآدم، فاعلم ذلك. وكذلك توجه هذا الاسم على إيجاد الشرطين
من المنازل ليبين بذلك عين البروج المقدرة في الفلك الأطلس إذ ليس لها علامة تعرف بها،

٧٨
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
فجعل لها هذه المنازل علامة على تلك المقادير تقطع في هذا الفلك الأطلس الجواري
الخنس الكنس فيعرف بالمنازل كم قطعت من ذلك الفلك، ولهذه المنازل أيضاً وكل كوكب
في الفلك المكوكب قطع في هذا الأطلس، لكن لا يبلغ عمر الشخص الواحد إلى الشعور
به، وقد نقل إلينا أن بعض أهرام مصر وجد تاريخ عمله والنسر في الأسد وهو اليوم في
الجدي فانظر ما مرّ عليها من السنين، ويقول أصحاب تسيير الكواكب: إن هذه الكواكب
الثابتة تقطع في كل ستين سنة من الفلك درجة واحدة، ونقلت عن بعضهم مائة سنة، فمتى
يدرك الحسّ انتقاله كما يدرك انتقال الجواري الخنس الكنس.
ثم إنا نعود إلى كلامنا في العقل الأوّل ومنزلته في النفس الرحمانيّ منزلة الهمزة من
حروف الإنسان فنقول: إن الله لما خلق الملائكة وهي العقول المخلوقة من العماء وكان القلم
الإلهيّ أوّل مخلوق منها اصطفاه الله وقدمه وولاه على ديوان إيجاد العالم كله وقلّده النظر في
مصالحه وجعل ذلك عبادة تكليفه التي تقربه من الله فما له نظر إلاَّ في ذلك وجعله بسيطاً حتى
لا يغفل ولا ينام ولا ينسى، فهو أحفظ الموجودات المحدثة وأضبطه لما علمه الله من ضروب
العلوم، وقد كتبها كلها مسطرة في اللوح المحفوظ عن التبديل والتحريف، وممّا كتب فيه
فأثبته علم التبديل أي علم ما يبدّل وما يحرف في عالم التغيير والإحالة فهو على صورة علم
الله لا يقبل التبديل، فلما ولاه الله ما ولاه أعطاه من أسمائه المدبر والمفصل من غير فكر ولا
روية وهو في الإنسان الفكر والتفكر، فإذا انفرد بذلك في نفسه كان له حكم، وإذا دبر مع
غيره كان له حكم، يقال له في عالم الإنسان المشاورة، يقول تعالى لنبيه وَّرَ آمراً ﴿وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَنَِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٥٩] فحكم التدبير الذي يدبر به ولايته
على أقسام، سواء انفرد بالتدبير أو طلب المشاركة بحكم المشورة، والسبب الموجب
للمشورة كون الحق له وجه خاص في كل موجود لا يكون لغير ذلك الموجود، فقد يلقي إليه
الحق سبحانه في أمر ما ما لا يلقيه لمن هو أعلى منه طبقة، كعلم الأسماء لآدم مع كون الملأ
الأعلى عند الله أشرف منه، ومع هذا فكان عند آدم ما لم يكن عندهم، وقد ذكرنا في هذا
الكتاب دليل تفضيل الملأ الأعلى من الملائكة على أعلى البشر، أعطاني ذلك الدليل
رسول الله ◌َّ في رؤيا رأيتها وقبل تلك الرؤيا ما كنت أذهب في ذلك إلى مذهب جملة
واحدة، وإذا كان هذا فقد ينفرد في أمور نصبها في العالم بما هو مدبر ومفصل لا عن فكر فإنه
ليس من أهل الأفكار، وقد يشاركه في تدبيره عقل آخر مثل النفس الكلية التي أذكرها في
الفصل الذي يلي هذا إن شاء الله، فمثل هذا هو حظ المشورة في عالم الخلق، وسبب ذلك
توفية الألوهة ما تستحقه لما علم أن الله تعالى في كل موجود وجهاً خاصاً يلقي إليه منه ما يشاء
ممّا لا يكون لغيره من الوجوه، ومن ذلك الوجه يفتقر كل موجود إليه وإن كان عن سبب.
فإن قلت: فقد أعلمه الله علمه في خلقه حين قال له: اكتب علمي في خلقي إلى يوم
القيامة. قلنا: الجواب على هذا من وجهين: الوجه الواحد وإن علم ما يكون فمن جملة ما
أعلمه به من الكون مشورته ومشاركة غيره له في تدبيره كما نعلم أن الله يعلم ما يكون من

٧٩
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
خلقه ولكنه قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [سورة محمد: الآية ٣١] وأعلم من الله فلا يكون، وقد
جاء مثل هذا في حق الله. والوجه الآخر في الجواب وهو أنّا قد علمنا أن الله في كل كائن
وجهاً يخصه وذلك الوجه الإلهيّ لا يتصف بالخلق وقال للقلم: اكتب علمي في خلقي، وما
قال له: اكتب علمي في الوجه الذي مني لكل مخلوق على انفراده، فهو سبحانه يعطي بسبب
وهو الذي كتبه القلم من علم الله في خلقه، ويعطى بغير سبب وهو ما يعطيه من ذلك الوجه،
فلا تعرف به الأسباب ولا الخلق، فوقعت المشورة ليظهر عنها أمر يمكن أن يكون من علم
ذلك الوجه فيلقى إليه من شاوره في تدبيره علماً قد حصل له من الله من حيث ذلك الوجه
الذي لم يكتب علمه ولا حصل في خلقه، ولهذا قال الله لرسوله: ﴿فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
[سورة آل عمران: الآية ١٥٩] يعني على إمضاء ما اتفقتم عليه في المشورة أو ما انفردت به دونهم.
وقوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في مثل هذا ما لم يقع الفعل فإن العزم يتقدم الفعل فقيل له: توكل
على الله فإنه ما يدري ما لم يقع الفعل ما يلقي الله في نفسك من ذلك الوجه الخاص الإلهيّ
الخارج عن الخلق وهو الأمر الإلهيّ فإن له الخلق والأمر، فما كان من ذلك الوجه فهو
الأمر، وما كان من غير ذلك الوجه فهو الخلق. وكذلك جرى الأمر في حركات الكواكب
فيعطي كل كوكب في الدرجة الفلكية على انفراده من الحكم ما لا يعطيه إذا اجتمع معه في
تلك الدرجة كوكب آخر أو أكثر، فاجتماعهم بمنزلة المشورة وعدم اجتماعهم بمنزلة ما ينفرد
به، فيكون عن الاجتماع ما لا يكون عن الانفراد، بـ ﴿وَأَوْحَى فِى كُلّ سَمَاٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة فصلت:
الآية ١٢] ممّا تنفرد به ومما لا تنفرد به فذلك ما يحدث من الاجتماع فإنه خارج عن الأمر الذي
تنفرد به کل سماء.
ثم في الاجتماعات أحوال مختلفة فيكون ما يحدث بحسب اختلاف الأحوال،
والأحوال هنالك في القرانات كالأغراض عندنا، فكل يقول بحسب غرضه ونظره ﴿قُلّ كُلِّ
بَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٤] ثم ينزل الأمر إلى النفس الإنسانيّ فيكون حكم الحرف
لواحد خلاف حكمه إذا اجتمع مع غيره، فالقاف في قٍ مفرد يدل على الأمر بالوقاية، فإذا
جتمع مع لام جاء منه صورة تسمّى قل فحدث للقاف أمر بالقول وأين هو من الأمر بالوقاية،
وكذلك لو اجتمع بحرف الميم ظهر من هذا الاجتماع صورة قم فحدث للقاف أمر بالقيام،
وهكذا ما زاد على حرف من حروف متصلة لإبراز كلمة أو منفصلة لإبراز كلمات فتحدث
"مور لحدوث هذه الكلمات فيقول السيد لعبده: قل فيحدث في العبد القول فيقول أو قم
فيقوم فيظهر من المأمور حركة تسمّى قياماً عن ظهور صورة ذلك الاجتماع، فهكذا تحدث
الكائنات في النفس الرحمانيّ، فتظهر أعيان الكلمات وهو المعبر عنها بالعالم، فالكلمة
ظهورها في النفس الرحمانيّ، والكون ظهورها في العماء فبما هو للنفس يسمّى كلمة وأمر أو
بح هو في العماء يسمّى كوناً وخلقاً وظهور عين فجاء بلفظة ﴿كُنْ﴾ لأنها لفظة وجودية فنابت
مناب جميع الأوامر الإلهية، كما نابت الفاء والعين واللام الذي هو فعل في الأوزان مناب
جميع الأوزان وجميع الموزونات من الأسماء والأفعال، فهي حروف وزن الكلمة ووزن عين

٨٠
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الموجود، فكن قامت مقام قل وقم وخذ وقص واخرج وادخل واقترب وجميع ما يقع به
الأمر، فيكون إن كان أمر قيام فقيام، وإن كان أمر قعود فقعود إلى جميع الأعيان، فتحدث
الكلمة في النفس فيحدث الكون في العماء على الميزان صلة في ذلك، وهذه الصلة في أنواع
ما يحدثه التدبير على الإنفراد وبالمشورة في الكون، فأمّا ما يحدث من ذلك على الانفراد
وهو إذا حكم على المدبر اسمان إلهيان أو خاطران في حق أصحاب الخواطر وهو في
الإلهيات التردّد، ولا يخلو هذا المدبر في هذه الحال وغيرها من الأحوال أن يكون تحت
حكم اسم إلهيّ من الأسماء السبعة المتحكمة في النفس، وما يظهر فيه من الكلمات وهو
الاسم الجامع والنافع والعاصم وهو الواقي والسريع والستار، وهذه الخمسة الأسماء هي التي
تعطي مقام العبودية في العالم، والاسم البصير والبارىء وهما اللذان يعطيان مقام الحريّة في
الاسم الجامع، فمنه يكون الإمداد لأهل الفضائل، وهم الذين يثابرون على مكارم الأخلاق،
ومن هذا الاسم قال رسول الله وَّل: ((بُعِثْتُ لأَتَمْمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ)). ويمدّ أيضاً أهل الجمع
والوجود والحماية وترك المؤاخذة بالجرائم فيذبون عن أصحابها ما يريد بهم الاسم المنتقم
والمعاقب فهو معطي الأمان وهو قوله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن
رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٣] وفعله أبداً لا يكون إلاَّ فيمن هو في مقام العبودية.
وأما الاسم الإلهيّ النافع فمنه يكون الإمداد للعلماء بالله على مراتبهم، وأكثر ما يكون
إمداده فيهم في علماء الأرواح وهو قوله تعالى: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَقْرِنَا مَا كُنْتَ نَدْرِى مَا
الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] أي نور هداية، ويمد أيضاً أهل
الجود من أصناف الكرماء خاصة وهم الذين يجودون بالعطاء قبل السؤال من كل ما يقع به
المنفعة للمعطي إياه وهو مختص العطاء، وإمداد هذا الاسم بالذين أقامهم الله في مقام
العبودية والعبودة، فإنّ رجال الله على إحدى حالتين: إما حال عبودية أو حال حرية، وقد
تقدم لك باب العبودية وباب الحرية في هذا الكتاب.
وأما الاسم الواقي فهو الاسم العاصم من أمر الله، فمنه يكون الإمداد للصديقين
وأصحاب الأسرار وأهل النظر والأفكار في مباحثهم في المناظرات لاستخراج الفوائد في
مجالس أهل الله من غير منازعة، ولا يمدّ هذا الاسم إلاَّ لأرباب مقام العبودية، وأهل
الاستكفاء بالله وهم المتوكلون على الله توكل العبد على سيده، لا توكل الابن على أبيه، ولا
الميت على غاسله، ولا الأجير على من آجره، ولا توكل الموكل على وكيله.
وأما الاسم السريع فإنه مثل الواقي في أنه لا يمدّ إلاَّ أهل هذا التوكل الخاص، ومن هو
في مقام العبودية ويكون إمداده للمنفقين بالخلف وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ
يُخْلِفُهٌ﴾ [سورة سبأ: الآية ٣٩] ويمد أيضاً أهل البقاء لأهل الفناء وعنه يأخذون وإليه يلجؤون.
وأما الاسم الستار وهو الغفار والغفور والغافر فهو في الإمداد مثل السريع والواقي في
العبد والمتوكلين، ومن هذا الاسم يكون الإمداد لأهل الاكتساب والقائلين بالأسباب مع
الاعتماد على الله، غير أنهم وإن اعتمدوا على الله فما في ظاهرهم الاكتفاء بالله وهكذا كل ذي