النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة قالت: إني والله متعجبة لقد أعطاني حبيبي فاتحة الكتاب تخدمني فوالله ما شغلتني عنه. فذلك اليوم عرفت مقام هذه المرأة لما قالت: إن فاتحة الكتاب تخدمها، فبينا نحن قعود إذ دخلت امرأة فقالت لي: يا أخي إن زوجي في شريش شذونة أخبرت أنه يتزوج بها فماذا ترى؟ قلت لها: وتريدين أن يصل؟ قالت: نعم، فرددت وجهي إلى العجوز وقلت لها: يا أم ألا تسمعين ما تقول هذه المرأة؟ قالت: وما تريد يا ولدي؟ قلت: قضاء حاجتها في هذا الوقت وحاجتي أن يأتي زوجها، فقالت: السمع والطاعة إني أبعث إليه بفاتحة الكتاب وأوصيها أن تجيء بزوج هذه المرأة، وأنشأت فاتحة الكتاب فقرأتها وقرأت معها فعلمت مقامها عند قراءتها الفاتحة وذلك أنها تنشئها بقراءتها صورة مجسدة هوائية فتبعثها عند ذلك، فلما أنشأتها صورة سمعتها تقول لها: يا فاتحة الكتاب تروحي إلى شريش وتجيئي بزوج هذه المرأة ولا تتركيه حتى تجيني به، فلم يلبث إلاَّ قدر مسافة الطريق من مجيئه فوصل إلى أهله وكانت تضرب بالدف وتفرح فكنت أقول لها في ذلك فتقول لي: إني أفرح به حيث اعتنى بي وجعلني من أوليائه واصطنعني لنفسه، ومن أنا حتى يختارني هذا السيد على أبناء جنسي، وعزّة صاحبي لقد يغار عليّ غيرة ما أصفها ما ألتفت إلى شيء باعتماد عليه عن غفلة إلاَّ أصابني ببلاء في ذلك الذي التفت إليه ثم أرتني عجائب من ذلك فما زلت أخدمها بنفسي وبنيت لها بيتاً من قصب بيدي على قدر قامتها فما زالت فيه حتى درجت، وكانت تقول لي: أنا أمك الإلهية ونور أمك الترابية، وإذا جاءت والدتي إلى زيارتها تقول لها: يا نور هذا ولدي وهو أبوك فبريه ولا تعقیه . أخبرنا يونس بن يحيى بمكة سنة تسع وتسعين وخمسمائة قال: أخبرنا أبو بكر بن الغزال قال: أخبرنا أبو الفضل بن أحمد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال: حدثنا محمد بن إبراهيم المذكر حدثنا محمد بن يزيد قال: سمعت ذا النون يقول: خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام فبينا أنا أطوف إذ أنا بشخص متعلق بأستار الكعبة وإذا هو يبكي ويقول في بكائه: كتمت بلائي من غيرك، وبحت بسري إليك، واشتغلت بك عمّن سواك، عجبت لمن عرفك كيف يسلو عنك، ولمن ذاق حبك كيف يصبر عنك، ثم أنشأ يقول: [الكامل] ذوَّقْتَنِي طَعْمَ الوصالِ فَزِدْتَّني شَوْقاً إليك مُخَامِرَ الأخْشَاءِ ثم أقبل يخاطب نفسه فقال: أمهلك فما ارعويت، وستر عليك فما استحييت، وسلبك حلاوة المناجاة فما باليت، ثم قال: عزيزي ما لي إذا قمت بين يديك ألقيت عليّ النعاس ومنعتني حلاوة مناجاتك لم قرة عيني لمه؟ ثم أنشأ يقول: [الكامل] روَّعْتَ قلبي بالفراق فلم أجِدْ شيئاً أمرَّ من الفراق وأَوْجَعَا حَسْبُ الفراق بأن يفرِّقَ بيننا ولطالما قد كنتُ منه مُرَوَّعا قال ذو النون: فأتيت إليه فإذا به امرأة . حكاية محب أذاع سرّ محبوبه: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي الصيف، حدثنا ٥٢٢ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة عبد الرحمن بن علي، أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي، وحدثني أيضاً عنهما يونس بن يحيى قالا: أخبرنا حمد بن أحمد أخبرنا أحمد بن عبد الله، حدثنا أحمد بن محمد المتوكلي، حدثنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا علي بن القاسم الشاهد قال: سمعت أحمد بن محمد بن عيسى الرازي قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: كان شاب يحضر مجلس ذي النون المصري مدة ثم انقطع عنه زماناً ثم حضر عنده وقد اصفر لونه ونحل جسمه وظهرت آثار العبادة عليه والاجتهاد فقال له ذو النون: يا فتى ما الذي أكسبك خدمة مولاك واجتهادك من المواهب التي منحك بها ووهبها لك واختصّك بها؟ فقال الفتى: يا أستاذ وهل رأيت عبداً اصطنعه مولاه من بين عبيده واصطفاه وأعطاه مفاتيح الخزائن ثم أسر إليه سرّاً أيحسن أن يفشي ذلك السرّ؟ ثم أنشأ يقول: [البسيط] لم يَأْمَنوه على الأسرار ما عَاشَا مَنْ سارروه فأبدى السرَّ مجتهداً وأَبْدَلوه من الإيناس إيحَاشَا وباعدوه فلم يَسْعَدْ بِقُرْبِهِمُ حاشى ودَادَهُمْ من ذلكُمْ حَاشَا لا يَضْطَفُون مذيعاً بعضَ سرِّهِمُ يقول: لا يصحّ لاجتهاد في سرّ المحبوب المحب بل ينتظر أمر محبوبه، فإن أمره بإذاعته أذاعه، وإن لم فالأصل الكتمان، ولقد منحني الله سرّاً من أسراره بمدينة فاس سنة أربع وتسعين وخمسمائة فأذعته فإني ما علمت أنه من الأسرار التي لا تذاع فعوتبت فيه من المحبوب، فلم يكن لي جواب إلاَّ أني قلت له: تولّ أنت أمر ذلك فيمن أودعته إياه إن كانت لك غيرة عليه فإنك تقدر ولا أقدر، وكنت قد أودعته نحواً من ثمانية عشر رجلاً فقال لي: أنا أتولى ذلك، ثم أخبرني أنه سله من صدورهم وسلبهم إياه وأنا بسبتة، فقلت لصاحبي عبد الله الخادم: إن الله أخبرني أنه فعل كذا وكذا فقم بنا نسافر إلى مدينة فاس حتى نرى ما ذكر لي في ذلك، فسافرت فلما جاءتني تلك الجماعة وجدت الله قد سلبهم ذلك وانتزعه من صدورهم فسألوني عنه فسكت عنهم، وهذا من أعجب ما جرى لي في هذا الباب، فلله الحمد حيث لم يعاقبني بالوحشة التي قالها هذا الشاب لذي النون، ولما كان طريق الله ذوقاً تخيّل هذا الشاب أن الذي عامله به الحق هكذا يعامل به جميع الخلق، فذوقه صحيح وحكمه في ذلك على الله ليس بصحيح، وهذا يقع في الطريق كثيراً إلاّ من المحققين فإنه لا يقع لهم مثل هذا لمعرفتهم بمراتب الأمور وحقائقها وهو علم عزيز المنال. وروينا عن ذي النون من حديث محمد بن يزيد عن ذي النون قال: قلت لامرأة: متى يحوي الهموم قلب المحب؟ قالت: إذا كان للتذكار مجاوراً وللشوق محاضراً، يا ذا النون، أما علمت أن الشوق يورث السقام وتجديد التذكار يورث الحزن؟ ثم قالت: [الخفيف] زالَ عني محبَّتي للأنامِ لم أَذُقْ طِيْبَ طَعْمٍ وَضْلِكَ حتى قال فأجبتها : [الكامل] وعَلَتْ محبَّتُه بعقْب وِصالٍ نِعْمَ المحبُّ إذا تزايَدَ وصلُهُ ٥٢٣ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة فقالت: أوجعتني أوجعتني، أما علمت أنه لا يوصل إليه إلاَّ بترك من دونه، قلت: لو قالت لي مثل هذا قلت لها: إذا كان ثم. وحدّثنا غير واحد منهم ابن أبي الصيف عن عبد الرحمن بن علي قال: أخبرنا إبراهيم ابن دينار قال: حدّثنا إسماعيل بن محمد أنبأنا عبد العزيز بن أحمد أخبرني أبو الشيخ عبد الله بن محمد قال: سمعت أبا سعيد الثقفي يحكي عن ذي النون قال: كنت في الطواف فسمعت صوتاً حزيناً وإذا بجارية متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول: [مجزوء الرمل] يا حبيبي أنتَ تَذري أنتَ تَذْري يا حبيبي ونُحُولُ الجسم والرُّو ح يَبُوحان بسرِّي ـبَّ حتى ضَاقَ صَدْري يا عزيزي قد كَتَمْتُ الحـ قال ذون النون: فشجاني ما سمعت حتى انتحبت وبكيت، وقالت: إلهي وسيدي ومولاي بحبك لي ألا غفرت لي، قال: فتعاظمني ذلك وقلت: يا جارية أما يكفيك أن تقولي بحبي لك حتى تقولي بحبك لي، فقالت: إليك يا ذا النون أما علمت أن الله قوماً يحبهم قبل أن يحبوه؟ أما سمعت الله يقول: ﴿فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥٤] فسبقت محبته لهم قبل محبتهم له، فقلت: من أين علمت أني ذو النون؟ فقالت: يا بطَّال جالت القلوب في ميدان الأسرار فعرفتك، ثم قالت: انظر من خلفك، فأدرت وجهي فلا أدري السماء اقتلعتها أم الأرض ابتلعتها، قلت: يقرب حديث هذه الجارية من حال موسى عليه السلام مع ربه ﴿أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٤٣] لله تعالى ميادين تسمّى ميادين المحبة كلها ثم يختص كل ميدان منها باسم من نعوت المحبة مثل ميدان الوجد وميدان الشوق وكل حال يكون فيه جولان وحركة فله ميدان هذا أمر كلي، وكذلك أيضاً للمعارف حضرات ومجالس ما هي ميادين إلاّ إذا أشهدك سبحانه في معرفته تفرقة في أعيان الأكوان، فإن شاهدت أنه العين الظاهرة فيها بأسمائها فتلك ميادين الأسرار، وإن شاهدت معيته للأكوان بأسمائه فتلك ميادين الأنوار، وإن اختلط عليك الأمر فترى أمراً فتقول: هو هو، ثم ترى أمراً فتقول: ما هو هو، ثم ترى أمراً فتقول: لا أدري أهو هو أم لا هو هو؟ فتلك ميادين الحضرة، ولكل عين كون علامة يعرفها من جال في هذه الميادين، فيعرف بتلك العلامة من قامت به في عالم الشهادة في هذه الهياكل المظلمة بالطبع المنوّرة بالمعرفة، فمن هناك يسمونهم بأسمائهم مثل حال هذه الجارية. وروينا من حديث موسى بن علي الأخميمي عن ذي النون أنه لقي رجلاً باليمن كان قد رحل إليه في حكاية طويلة وفيها: ثم قال له ذون النون: رحمك الله ما علامة المحب لله؟ فقال له: حبيبي إن درجة الحب درجة رفيعة، قال: فأنا أحب أن تصفها لي، قال: إن المحبين لله شقّ لهم عن قلوبهم فأبصروا بنور القلوب عزّ جلال الله فصارت أبدانهم دنياوية، وأرواحهم حجبية، وعقولهم سماوية، تسرح بين صفوف الملائكة وتشاهد تلك الأمور ٥٢٤ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة باليقين، فعبدوه بمبلغ استطاعتهم حباً له لا طمعاً في جنة ولا خوفاً من نار، فشهق الفتى شهقة كانت فيها نفسه. قلنا: كان هذا القائل من العارفين فإنه ذكر ما يدل على ذلك وهي ثلاثة ألقاب ليس في الكون إلاَّ هي فقال: أبدانهم دنياوية لأنه قال: ﴿وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٨٤] فلا بدّ أن يترك له من حقائقه من يكون معه في الدنيا إذا كان الإنسان مجموع العالم وليس إلاَّ بدنه لأنه أقرب إليه من حبل الوريد وهو عرق بدني، فلو مشى بكله لكان ناقص الحال، والثاني عقولهم سماوية لأن العقول صفات تقييد، فإن العقل يقيد إذا كان من العقال والسموات محال الملائكة المقيدة بمقاماتها فقالت: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٦٤] فلا تتعدّاه، قد حبسه فيه من أوجده له ولهذا فسّره بأن قال: تسرح بين صفوف الملائكة فهم بعقولهم في السموات وما في الكون المركب إلاَّ سماء وأرض، والثالث أرواحهم حجبية لأنه لما سوّى سبحانه الصورة البدنية احتجب بل حجبها عن ظهوره في عينها ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى﴾ [الحجر: ٢٩] فظهرت أرواحهم عن هذا الروح الحجابيّ، فهم مشاهدون أصلهم عالمون بأنه حجاب ليعلموا من هو الظاهر في أعيانهم ومن المسمّى فلاناً ولم سمّي، وهنا أسرار دقيقة، وحكايات المحبين العارفين كثيرة. انتهى الجزء الخامس عشر ومائة. (الجزء السادس عشر ومائة) بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحَمَةِ وصل: نختم به هذا الباب يسمّى عندنا مجالي الحق للعارفين المحبين في منصات الأعراس لإعطاء نعوت المحبين في المحبة، فمن ذلك منصة ومجلى نعت المحب بأنه مقتول وذلك لأنه مركب من طبيعة وروح: [الكامل] والروحُ نورٌ والطبيعةُ ظُلْمةٌ وكلاهما في عينه ضِدَّانٍ والضدّان متنافران والمتنافران متنازعان كل واحد يطلب الحكم له وأن يرجع الملك إليه، والمحب لا يخلو إما أن تغلب الطبيعة عليه فيكون مظلم الهيكل فيحب الحق في الخلق فيدرج النور في الظلمة اعتماداً على الأصل في قوله: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّتْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُظْلِمُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٧] والنهار نور، فعلم أنهما متجاوران وإن كانا ضدين، وأن أحدهما يجوز أن يكون مبطوناً في الآخر، فما يضرني أن أحب الحق في الخلق لأجمع بين الأمرين، وأما إن غلب عليه الروح فيكون منوّر الهيكل فيحب الخلق في الحق لقوله: ((أحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ) فأحبته في النعم عن أمره فمشهوده الحق، ومهما وقعت الغيرة بين الضدّين ورأى كل ضدٍ أن مطلوبه ربما يتخلص لضدّه يقول: أقتله حتى لا يظهر به ضدّي دوني، فإن قتلته الطبيعة مات وهو محبّ للأكوان، وإن قتله الروح كان شهيداً حياً عند ربه يرزق، فهو مقتول بكل حال كل محب في العالم وإن كان لا يشعر بذلك. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه تالف وذلك أنه خلقه الله من اسمه الظاهر والباطن فجعله عالم غيب وشهادة وخلق له عقلاً يفرق به بين حكم الاسمين لإقامة الوزن بين العالمين ٥٢٥ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة في ذاته، ثم تجلى له في اسمه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىٌْ﴾ فحيره فلم يعطه هذا التجلي إقامة الوزن ولا سيما وقد قال له: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فتلف من حيث لم ير حالاً توجب العدل وإقامة الوزن فخرج عن حدّ التكليف إذ لا يكلف إلاَّ عاقل لما تقيد بعقله فهذا نعت المحب بأنه تالف . منصة ومجلى: نعته بأنه سائر إليه بأسمائه وذلك أنه تجلّى له في أسماء الكون وتجلّى له في أسمائه الحسنى، فتخيل في تجليه بأسماء الكون أنه نزول من الحق في حقه ولم يك ذلك من أفقه، فلما تخلق بأسمائه الحسنى غلبه ما جرت عليه طريقة أهل الله من التخلق وهو يتخيل أن أسماء الكون خلقت له لا لله وأن منزلة الحق فيها بمنزلة العبد في أسمائه الحسنى فقال: لا أدخل عليه إلاَّ بأسمائي، وإذا خرجت إلى خلقه أخرج إليهم بأسمائه الحسنى تخلقاً، فلما دخل عليه بما يظن أنها أسماؤه وهي أسماء الكون عنده رأى ما رأته الأنبياء من الآيات في إسرائها ومعارجها في الآفاق وفي أنفسهم، فرأى أن الكل أسماؤه تعالى وأن العبد لا اسم له حتى أن اسم العبد ليس له وأنه متخلق به كسائر الأسماء الحسنى، فعلم أن السير إليه والدخول عليه والحضور عنده ليس إلاَّ بأسمائه، وأن أسماء الكون أسماؤه، فاستدرك الغلط بعدما فرط ما فرط، فجبر له هذا الشهود ما فاته حين فرّق بين العابد والمعبود، وهذا مجلى عزيز في منصة عظمى كانت غايته أبي يزيد البسطامي دونها، فإن غايته ما قاله عن نفسه تقرّب إليّ بما ليس لي، فهذا كان حظّه من ربه ورآه غاية وكذلك هو فإنه غايته لا الغاية، وهذه طريقة أخرى ما رأيتها لأحد من الأولياء ذوقاً إلاَّ للأنبياء والرسل خاصة من هذا المجلى وصفوه سبحانه بما يسمّى في علم الرسوم صفات التشبيه، فيتخيلون أن الحق وصف نفسه بصفات الخلق فتأوّلوا ذلك، وهذا المشهد يعطي أن كل اسم للكون فأصله للحق حقيقة وهو للخلق لفظاً دون معنى وهو به متخلق فافهم. منصة ومجلى : [ الكامل] نَعْتُ المحبِّ بأنه طيَّارُ عِلمٌ صحيحٌ ما عليه غُبَارُ هذا بيت غير مقصود هو ما ذكرناه من أسماء الكون كان يتخيل أن تلك الأسماء وكره فلما تبين له أنه في غير وكره ظهر فطار عن كونه ووكره وحلق في جوّ كونه اسماً حقّه فهو في كل نفس يطير منه إلى نفس آخر لأن عين الأسماء كلها لمن ﴿كُلَّ يَوْرٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] فما من يوم وإلاّ والمحب يطير فيه من شأن إلى شأن هذا يعطيه شهوده. منصّة ومجلى: نعت المحب بأنه دائم السهر لما رأى أن المحبوب ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] علم أن ذلك من مقام حبّه لحفظ العالم ودعاه إلى هذا النظر كون الحق يتجلّى في الصور وللصور أحكام، ومن أحكام بعض الصور النوم، ورآه في مثل هذه الصورة ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ من حيث هذه الصورة فعلم أن ذلك من مقام حبّه لحفظ العالم، وإذا كان المحب جليس محبوبه ومحبوبه بهذه الصفة فالنوم عليه حرام، فالمحب ٥٢٦ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة يقول مع الفراق أن النوم عليه حرام فكيف مع الشهود والمجالسة؟ قال بعضهم في سهر الفراق : [الكامل] النومُ بَعْدَكُمُ عليَّ حرامُ مَنْ فَارقَ الأحبابَ كيفَ يَنَامُ فالنوم مع المشاهدة أبعد وأبعد . منصة ومجلى: نعت المحب بأنه كامن الغم أي غمّه مستور لا ظهور له، فسبب ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩١] ثم يرى في شهوده أنه لا تتحرك ذرة إلاَّ بإذنه إذ هو محرّكها بما تتحرّك فيه، ويرى في شهوده ما يقابل الكون به خالقه من سوء الأدب، وما لا ينبغي أن يوصف به ممّا مدلوله العدم فيريد أن يتكلم ويبدي ما في نفسه من الغيرة التي تقتضيها المحبة، ثم يرى أن ذلك بإذنه لأنه ممّن يرى الله قبل الأشياء مقام أبي بكر فيسكن، ولا يتمكن له أن يظهر غمّه لأن الحب حكم عليه بأن ذلك الذي يعامل به المحبوب لا يليق به، ويرى أنه سلط خلقه عليه بما أنطقهم به وما عذرهم وأرسل الحجاب دونهم فكمن غمّ هذا المحب في الدنيا فإنه في الآخرة لا غم له، ولهذا يطلب الخروج من الدنيا. منصّة ومجلى: نعت المحب بأنه راغب في الخروج من الدنيا إلى لقاء محبوبه هو لما ذكرناه في هذا الفصل قبله لأن النفس من حقيقتها طلب الاستراحة والغم تعب وكمونه أتعب والدنيا محل الغموم، والذي تختص به هذه المنصة رغبته في لقاء محبوبه وهو لقاء خاص عينه الحق إذ هو المشهود في كل حال، ولكن لما عيّن ما شاء من المواطن وجعله محلاً للقاء مخصوص رغبنا فيه ولا نناله إلاَّ بالخروج من الدار التي تنافي هذا اللقاء وهي الدار الدنيا، خير النبيّ وَّه بين البقاء في الدنيا والانتقال إلى الأخرى فقال: الرفيق الأعلى، فإنه في حال الدنيا في مرافقة أدنى. وورد في الخبر: ((أَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ - يَعْنِي بِالْمَوْتِ - أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» فلقيه في الموت بما يكرهه وهو أن حجبه عنه، وتجلّ لمن أحب لقاه من عباده، ولقاء الحق بالموت له طعم لا يكون في لقائه بالحياة الدنيا، فنسبة لقائنا له بالموت نسبة قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيَُّ الثَّقَلَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١] والموت فينا فراغ لأرواحنا من تدبير أجسامها، فأرادوا حب هذا المحب أن يحصل ذلك ذوقاً، ولا يكون ذلك إلاَّ بالخروج من دار الدنيا بالموت لا بالحال، وهو أن يفارق هذا الهيكل الذي وقعت له به هذه الألفة من حين ولد وظهر به بل كان السبب في ظهوره، ففرّق الحق بينه وبين هذا الجسم لما ثبت من العلاقة بينهما وهو من حال الغيرة الإلهية على عبيده لحبه لهم، فلا يريد أن يكون بينهم وبين غيره علاقة، فخلق الموت وابتلاهم به تمحيصاً لدعواهم في محبته، فإذا انقضى حكمه ذبحه يحيى عليه السلام بين الجنة والنار، فلا يموت أحد من أهل الدارين، فهذا سبب رغبتهم في الخروج من الدنيا إلى لقاء المحبوب، لأن الغيرة نصب ويحيى الموت بالذبح حياة خاصة كما حكمنا بعد الموت فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه متبرم بصحبة ما يحول بينه وبين لقاء محبوبه، هذا النعت أعم من الأوّل في المحب، فإن العارف ما يحول بينه وبين لقاء محبوبه إلاَّ العدم وما ٥٢٧ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة هو ثم وليس الوجود سواه فهو شاهده في كل عين تراه، فليس بين المحب والمحبوب إلا حجاب الخلق، فيعلم أن ثم خالقاً ومخلوقاً، فلم يقدر على رفع صحبة هذه الحقيقة فإنها عينه، والشيء لا يرتفع عن نفسه، ونفسه تحول بينه وبين لقاء محبوبه، فهو متبرم بنفسه لكونه مخلوقاً، وصحبته لنفسه ذاتية لا ترتفع أبداً، فلا يزال متبرماً أبداً فلهذا يتبرم، لأنه يتخيل أنه إذا فارق هذا الهيكل فارق التركيب فيرجع بسيطاً لا ثاني له فينفرد بأحديته فيضربها في أحدية الحق وهو اللقاء، فيكون الحق الخارج بعد الضرب لا هو فهذا يجعله يتبرم، والعارف المحب لا يتبرم من هذا لمعرفته بالأمر على ما هو عليه كما ذكرناه في رسالة الاتحاد. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه كثير التأوّه وهو قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٤] وصف الحق من كونه اسمه الرحمن أن له نفساً ينفس به عن عباده، وفي ذلك النفس ظهر العالم، ولذلك جعل تكوين العالم بقول: ﴿كُنْ﴾ والحرف مقطع الهواء فالهواء يولده ما هو هو لأنه لا يظهر الحرف إلاَّ عند انقطاع الهواء والهواء نفس، ولهذا الهواء في العناصر هو نفس الطبيعة ولهذا يقبل الحروف وهو ما يظهر فيه من الأصوات عند الهبوب، والظاهر من تلك الأصوات حرف الهاء والهمزة وهما أقصى المخارج مخارج الحروف فإنهما ممّا يلي القلب وهما أوّل حروف الحلق بل حروف الصدر فهما أوّل حرف يصوّره المتنفس وذلك هو التأوّه لقربه من القلب الذي هو محل خروج النفس وانبعاثه، فيظهر عنه جميع الحروف كما يظهر العالم بالتكوين عن قول: ﴿كُنْ﴾ وهو سرّ عجيب سأذكره في باب النفس بفتح الفاء إن شاء الله، فإذا تجلّى الحق من قلب المحب ونظرت إليه عين البصيرة لأن القلب وسع الحق ورأى ما يقع من الذم على هذه النشأة الطبيعية وهي تحتوي على هذه الأسرار الإلهية وأنها من نفس الرحمن ظهرت في الكون فذمّت وجهل قدرها فكثر منه التأوّه لهذه القادحة لما يرى في ذلك من الوضوح والجلاء، والناس في عماية عن ذلك لا يبصرون، فيتأوّه غيرة على الله وشفقة على المحجوبين لكون النبيّ ◌َّ جعل كمال الإيمان في المؤمن أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، فلهذا يتأسف على من حرمه الله هذا الشهود ويتأوّه لحبه في محبوبه من أجل ما يراه من عمى الخلق عنه، ومن شأن المحب الشفقة على المحبوب لأن الحب يعطي ذلك . منصة ومجلى: نعت المحب بأنه يستريح إلى كلام محبوبه وذكره بتلاوة ذكره قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكَرَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩] فسمّى كلامه ذكراً. فاعلم أن أصل وجود الكون لم يكن عن صفة إلهية إلاَّ عن صفة الكلام خاصة، فإن الكون لم يعلم منه إلاَّ كلامه وهو الذي سمع فالتذّ في سماعه فلم يتمكن له إلاَّ أن يكون، ولهذا السماع مجبول على الحركة والاضطراب والنقلة في السامعين لأن السامع عندما سمع قول: ﴿كُنْ﴾ انتقل وتحرّك من حال العدم إلى حال الوجود فتكوّن، فمن هنا أصل حركة أهل السماع وهم أصحاب وجد ولا يلزم فيمن ( ... )، فإن الوجد لذاته يقتضي ما يقتضي، وإنما المحبوب يختلف، فالحب والوجد والشوق وجميع نعوت الحب وصف للحب كان المحبوب ما كان، إلاَّ أني اختصصت في هذا الكتاب الحب المتعلق بالله الذي هو المحبوب على الحقيقة، وإن كان غير ٥٢٨ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة مشعور به في مواطن عند قوم ومشعوراً به عند قوم وهم العارفون، فما أحبوا إلاّ الله مع كونهم يحبون أرواحهم وأهليهم وأصحابهم فاعلم ذلك، حتى أن بعض الصالحين حكى لما عنه أنه قال: إن قيساً المجنون كان من المحبين الله وجعل حجابه ليلى وكان من المولهين، وأخذت صدق هذا القول من حكايته التي قال فيها لليلى: إليك عني فإن حبك شغلني عنك وما قرّبها ولا أدناها. ومن شأن الحب أن يطلب المحب الاتصال بالمحبوب وهذا الفعل نقيض المحبة، ومن شأن المحب أن يغشى عليه عند فجأة ورود المحبوب عليه ويدهش وهذا يقول لها: إليك عني وما دهش ولا فني، فتحقق عندي بهذا الفعل صدق ما قاله هذا العارف في حق قيس المجنون وليس ببعيد، فللَّه ضنائن من عباده، فمن هناك استراح المحبون إلى كلام المحبوب وذكره والقرآن كلامه وهو ذكر فلا يؤثرون شيئاً على تلاوته لأنهم ينوبون فيه عنه فكأنه المتكلم كما قال: فأجره حتى يسمع كلام الله، والتالي إنما هو محمد ◌ّ، فأهل القرآن هم أهل الله وخاصته فهم الأحباب المحبون. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه موافق لمحات محبوبه هذا ما يكون إلاَّ من نعوت المحبين لله خاصة لكونه تعالى لا يحدّ ولا يتقيد وهو المتجلي في الاسم القريب كما يتجلّى في الاسم البعيد فهو البعيد القريب، قال المحب: وكل ما يفعل المحبوب محبوب. فإذا فعل البعد كان محبوبه البعد عن المحبوب لأنه محبوب المحبوب، فإنه أحبه لحب المحبوب لا بنفسه، ولا يحبه بحب المحبوب لا بنفسه حتى يكون المحبوب صفة له، وإذا كان المحبوب من صفات المحب قام به، وإذا قام به فهو في غاية الوصلة في عين البعد أوصل منه به في القرب لأنه في القرب بصفة نفسه لا بصفة محبوبه لأنه لا يقوم بالمحل علتان لمعلول واحد هذا لا يصحّ، فما يحب القرب إلاَّ لنفسه كما لا يحب البعد إلاّ بمحبوبه، فهو في حب البعد أتم منه محبة في حب القرب، ولنا في هذا المعنى: [الوافر] يُقَاسيه القويُّ من الرجالِ هَوَى بين المَلاَحة والجَمَالِ تَقَلَّبَ في النَّعيم وفي الدَّلالِ ويَضْعُفُ عنه كلُّ ضعيفِ قلبٍ أَلَذُّ من العِنَاق مع الوِصَالِ وتَقْليبي مع الهُجران عندي وفي الهُجران عَبْدٌ للمَوَالي فإني في الوصال عُبَيْدُ نفسي أحبُّ إليَّ من شُغْلي بحالي وشُغْلي بالحبيب بكلٌ وجْهٍ ففي هذا الشعر إيثار مآثره المحبوبة، ويتضمن ما أشرنا إليه في كلامنا قبله. وأما قولنا إن المحبوب صفة المحب فيما ذكرناه فهو قوله تعالى: ((فَإِذَا أَحْبَيْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) فجعل عينه سمع العبد وبصره فأثبت أنه صفته، فما أحب المخب البعد إلاَّ بمحبوبه، وهذا غاية الوصلة في عين البعد. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه خائف من ترك الحرمة في إقامة الخدمة وذلك أنه لا يخاف من هذا إلاَّ عارف متوسط لم يبلغ التحقيق في المعرفة إلاّ أنه يشعر به من غير ذوق سوى ذوق الشعور وهو محب، والمحب مطيع لمحبوبه في جميع أوامره، وتحقيق الأمر ٥٢٩ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة يعطي أن الآمر عين المأمور والمحب عين المحبوب، إلاَّ أن الظاهر يظهر بحسب ما تعطيه حقيقة المظهر، وبالمظاهر تظهر التنوّعات في الظاهر وتختلف الأحكام والأسامي، وبها يظهر الطائع والعاصي، فالذي هو في مقام الشعور ولم يحصل في حد أن ينزل الأشياء منازلها في الظاهر يخاف أن يصدر منه ما يناقض الحرمة في خدمته إذ يقول: ليس إلاَّ هو، كما يذهب إلى ذلك من يرى الأعيان عيناً واحدة ولكن لا يعرف كيف، فلا يزال يسيء الأدب لأنه أخذ ذلك عن غير ذوق، وهذا مذهب من يرى أن المدبر أجسام الناس روح واحدة، وأن عين روح زيد هو عين روح عمرو، وفيه من الغلط ما قد ذكرناه في غير هذا الموضع، وهو أنه يلزم ما يعلمه زيد لا يجهله عمرو لأن العالم من كلّ واحد عين روحه وهو واحد، والشيء الواحد لا يكون عالماً بالشىء جاهلاً به، فيخاف المحب إن صدرت منه قلة حرمة بهفوة وغلط أن يستند فيها بعد وقوعها إلى ما ذكرناه فيحصل في قلّة المبالاة بما يظهر عليه من ذلك، والمحبة تأبى إلاَّ حرمة المحبوب وإن كان المحب مدلاً بحبه لغلبة الحب عليه وأنه يرى نفسه عين محبوبه فيقول: أنا من أهوى ومن أهوى أنا. فهذا سبب خوفه لا غير. منصة ومجلى: نعت المحب أن يستقل الكثير من نفسه في حق ربه ويستكثر القليل من حبيبه، وذلك أنه يفرق بين كونه محباً لما يرى في نفسه من الانكسار والذلة والدهش والحيرة التي هي أثر الحب في المحبين، ويرى نخوة المحبوب وتيهه ورياسته وإعجابه عليه، فيرى أنه إذا أعطاه جميع ما يملكه فهو قليل لما أعطاه من نفسه، وأن حق محبوبه أعظم عنده من حق نفسه بل لا يرى لنفسه حقاً، وإن كان في الحقيقة ما يسعى إلاَّ في حق نفسه هكذا تعطيه المحبة. كان لبعض الملوك مملوك يحبه اسمه إياس فدخل على الملك بعض جلسائه ورأى قدمي المملوك في حجر الملك والملك يكبسهما فتعجب فقال إياس: يا هذا ما هذه أقدام إياس هذه قلب الملك في حجره يكبسه، هذا معنى قولنا: إن المحب في حق نفسه يسعى، فإنه له في ذلك الفعل لذة عظيمة لا ينالها إلاَّ بذلك الفعل، فالمحبوب ممتن عليه إذا مكنه ممّا تقع للمحب به لذة من المحبوب، فيرى المحب أي شيء جاء من المحبوب فهو كثير فهو إنعام سيد على عبد، وأي شيء كان من المحب في حق المحبوب ولو كان تلف الروح والمهجة في رضاه لكان قليلاً لأنه طاعة عبد لسيد محسان ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩١] فالمحبوب غنيّ فقليله كثير والمحب فقير فكثيره قليل ولكن وإن كان هذا نعت المحب عندهم فهو نعت محب ناقص المعرفة كثير الحب على عماية، لأن المحب إذا كان المخلوق ليس له شيء يملكه حتى يستقل أو يستكثر، وأما إذا كان المحب الله فإنه يستكثر القليل من عبده وهو قوله: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: الآية ١٦] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] وأما استقلاله الكثير في حق أحبابه من عباده فإن ما عند الله ما له نهاية، ودخول ما لا نهاية له في الوجود محال، فكل ما دخل في الوجود فهو متناه، فإذا أضيف ما تناهى إلى ما لا يتناهى ظهر كأنه قليل أو كأنه لا شيء وإن كان كثيراً، وهنا نظر يطول فاقتصرنا . ٥٣٠ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة منصة ومجلى: نعت المحب يعانق طاعة محبوبه ويجانب مخالفته، قال شاعرهم: [الكامل] هذا محالٌ في القياس بَديعُ تَعْصِي الإِلْهَ وأنت تُظْهِرُ حُبَّه إن المحبَّ لمن يحبُّ مُطيعُ لو كان حبُّكَ صادقاً لأطَعْتَهُ المحب عبد والعبد من وقف عند أوامر سيده وتجنب مخالفة أوامره ونواهيه، فلا يراه حيث نهاه، ولا يفقده حيث أمره، لا يزال ماثلاً بين يديه، فإذا أمره رأى هذا المحب أنه قد امتنّ عليه حيث استعمله وأمره وأن هذا من عنايته به، وإن فقد رؤيته ومشاهدته فيما شغله به فهو في نعيم ولذة بكونه يتصرّف في مراسيم سيده وعن إذنه، فإن كان المحب الله فأمر المحبوب له دعاؤه ورغبته فيما يعن له ويحبه، ثم أنه يكره أشياء فيدعوه بصفة النهي مثل قوله ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [سورة آل عمران: الآية ٨] ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾ ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] فهذا سؤال بصفة نهي، فقد وقع منه الأمر والنهي لسيده وإجابة الحق هذا العبد من حيث هو محب لهذا العبد كالطاعة من العبد لأوامر سيده ومجانبة مخالفته . منصة ومجلى: نعت المحب بأنه خارج عن نفسه بالكلية. اعلم أن نفس الشخص الذي يتميز به عن كثير من المخلوقات إنما هو إرادته، فإذا ترك إرادته لما يريد به محبوبه فقد خرج عن نفسه بالكلية فلا تصرّف له، فإذا أراد به محبوبه أمراً ما وعلم هذا المحب ما يريده محبوبه منه أو به سارع أو تهيأ لقبول ذلك، ورأى أن ذلك التهيؤ والمسارعة من سلطنة الحب الذي تحكم فيه فلم ير المحبوب في محبه من ينازعه فيما يريده به أو منه لأنه خرج له عن نفسه بالكلية فلا إرادة له معه، ولكن مع وجود نفسه وطلبه الاتصال به، وإن لم يكن كذلك فهو في مرتبة الجماد الذي لا إرادة له، فما له لذة إلاّ اللذة التى متعلقها التذاذ محبوبه بما يراه منه في قبوله المحب الله. أوحى الله إلى موسى: يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك يعني الدنيا والآخرة لأنه العين المقصودة وهو رأس الأحباء محمد وقلّ فالكلّ في تسخير هذه النشأة الإنسانية الأفلاك وما تحتوي عليه والكواكب وما في سيرها هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر حتى نهاية الأمر وهو التجلّي الإلهيّ يوم الزور الأعظم، فهذا معنى خروج المحب عن نفسه بالكلية في كل ما يمكن أن يحتاج إليه المحبوب وما لا حاجة للمحبوب به ولا يعود عليه منه لذة وابتهاج فلا يدخل تحت هذا الباب. منصة ومجلى: نعت المحب لا يطلب الديّة فى قتله لأنا قد وصفناه أوّلاً بأنه مقتول قتل المحب شهادة فقتله حياته والحي لا دية فيه إنما يُودَى القتيل الذي يموت فله شرعت الدية. المحب الله، كون العبد محبوباً إرادته نافذة لا إرادة للمحب تنازع إرادته؛ المقتول لا إرادة له، ومن كان بإرادة محبوبه فلا إرادة له، وإن كان مريداً ولا ديّة له لأن الحي لا ديّة فيه والحياة الذاتية له وهو حب الفرائض إذا أذاها أحبه الله، ففي النوافل يكون سمع العبد وبصره، وفي ٥٣١ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة الفرائض يكون العبد سمع الحق وبصره، ولهذا ثبت العالم، فإن الله لا ينظر إلى العالم إلاَّ يبصر هذا العبد فلا يذهب العالم للمناسبة، فلو نظر إلى العالم ببصره لاحترق العالم بسبحات وجهه، فنظر الحق العالم ببصر الكامل المخلوق على الصورة هو عين الحجاب الذي بين العالم وبين السبحات المحرقة. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه يصبر على الضراء التي ينفر منها الطبع لما كلفه محبوبه من تدبيره الإنسان مجموع الطبع والنور، فالطبع يطلبه والنور يطلبه، وكلف النور أن يغتبن ويترك كثيراً ممّا ينبغي له وتطلبه حقيقته لما يطلبه الطبع من المصالح، وأمر النور الذي هو الروح أن يوفيه حقه وهو قوله وَلّ لمن قال له: من أبرّ؟ قال: أمّك ثلاث مرات، ثم قال له في الرابعة: ثم أباك، فرجح برَّ الأم على برِّ الأب والطبيعة الأم وهو قوله وَّ: ((إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقَا)) وَهِيَ النَّفْسُ الْحَيَوَانِيَّةُ ((وَلِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً)) فهذا كله من حقوق الأمّ التي هي طبيعة الإنسان وأبوه هو الروح الإلهيّ وهو النور، فإذا ترك أموراً كثيرة من محابه من حيث نوريته فإنه يتصف بأنه مضرور وهو مأمور بالصبر، فهذا معنى يصبر على الضرّاء وإن كانت حقيقته تنفر من ذلك ولكن أمر الله أوجب، ثم قال له في صبره: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللّهِ﴾ [سورة النحل: الآية ١٢٧] فإن الله تسمّى بالاسم الصبور فكأنه قال له: أنا على عزّة جلالي قد وصفت نفسي بأني أؤذى وأني أحلم وأصبر وتسميت بالصبور وأنا غير مأمور ولا محجور عليّ، فأدخلت نفسي تحت محاب خلقي، وتركت ما ينبغي لي لما ينبغي لخلقي إيثاراً لهم ورحمة مني بهم، فأنت أحق بأن تصبر على الضّاء بي أي بسبب أمري وبسبب كوني صبوراً على أذى خلقي حين وصفوني بما لا يقتضيه جلالي، وهذا من كون الله محباً في هذا المجلى، وأما كونه كذلك لما كلفه محبوبه من تدبير نشأته الطبيعية فإذا كان المحبوب الخلق والمحب الحق فصورة التكليف ما يطلبه العبد من سيده إذا عرف أنه محبوب لسيده من تدبير مصالحه بشرط الموافقة لأغراضه ومحابه فيفعل الحق معه ذلك، فهذا ذلك المعنى الذي نعت به المحب. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه هائم القلب لما كان القلب سمي بذلك لكثرة تصرّفاته وتقليبه كثرت وجوهه وتوجهاته وهذه صفة الهائم ولا سيما إذا كان الحق يظهر له في كلّ وجه يتوجه إليه، وفي كل مصرف يتصرّف فيه، فإنه ناظر إلى عين محبوبه في كل وجه المحب الله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] ما تردّدت في شيء أنا فاعله، كثرة الوجوه في الأمر الواحد تؤدّي إلى التردّد أيها يفعل وكلها رضى المحبوب، فنحن لا نعرف الأرضى وهو يعرف الأرضى في حقنا، غير أنا نعرف الأرضى ما بين النوافل والفرائض فنقول: الفرائض أرضي ولكن إذا اجتمعت بحكم التخيير كالكفارة التي فيها التخيير لا يعرف الأرضى إلاَّ بتعريف مجدّد، وكذلك الأرضى في النوافل لا يعرف إلاّ بتوقيف والنوافل كثيرة وما منها إلاَّ مرضي من وجه وأرضى من وجه، فلا بدّ من تعريف جديد، ففي مثل هذا يكون المحب هائم القلب أي حائراً في الوجوه التي يريد أن يتقلب فيها . منصة ومجلى: نعت المحب بأنه مؤثر محبوبه على كلّ مصحوب لما كان العالم كله ٥٣٢ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة كل جزء منه عنده أمانة للإنسان وقد كلف بأداء الأمانة وأماناته كثيرة، ولأدائها أوقات مخصوصة له في كل وقت أمانة، منها ما نبّه عليه أبو طالب من أن الفلك يجري بأنفاس الإنسان بل بنفس كل متنفس، والمقصود الإنسان بالذكر خاصة لأنه بانتقاله ينتقل الملك ويتبعه حيث كان ولا يزال العالم يصحبه الإنسان لهذه العلة، ثم إن الإنسان مفتقر لهذه الأمانات التي عند العالم، ومع افتقاره إليها فإن المحبين من رجال الله العارفين شغلوا نفوسهم بما أمرهم به محبوبهم فهم ناظرون إليه حباً وهيماناً قد تيّمهم بحبه وهيّمهم بین بعده وقربه، فمن هنا نعتوا بأنهم آثروه على كلّ مصحوب لأنه صاحبهم لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمَّ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] وكل من في العالم يصحبه أيضاً لأجل الأمانة التي بيده، فيؤثر الإنسان لمحبته لله جناب الله على كل مصحوب، قيل لسهل: ما القوت؟ قال: الله، قيل له : ما نريد إلاَّ ما تقع به الحياة، قال: الله، فلم ير إلاَّالله، فلما ألحوا عليه وقالوا له: إنما نريد ما به عمارة هذا الجسم فلما رآهم ما فهموا عنه عدل إلى جواب آخر فقال: دع الديار إلى بانيها إن شاء عمرها وإن شاء خرّبها، يقول: ليس من شأن اللطيفة الإنسانية صحبة هذا الهيكل الخاص ولا بدّ تشتغل هي بما كلفها المحبوب الذي هو عين حياتها ووجودها، وأي بيت أسكنها فيه سكنته، هذا إن كان يقول بعدم التجريد عن النشأة الطبيعية كما نقول وكما أعطاه الكشف، وإن كان يقول بالتجريد عن الطبيعة وارتفاع العلاقة فهو على كل حال ممّن يؤثر الله على كل مصحوب . المحب الله آثر الإنسان من كونه محبوبه على جميع العالم فأعطاه الصورة الكاملة ولم يعطها لأحد من أصناف العالم، وإن كان موصوفاً بالطاعة والتسبيح الله فقد آثره على كل مصحوب قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] أعطاه جميع الأسماء كلها الإلهية فسبحه بكل اسم إلهيّ له بالكون تعلق ومجده وعظمه لا اسم القصعة والقصيعة الذي ذهب إليه من لا علم له بشرف الأمور، ولذلك قالت الملائكة : ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] ولا يقدس ولا يسبح إلاَّ بأسمائه، فأعلمهم بأن لله أسماء في العالم ما سبحته الملائكة ولا قدسته بها وقد علمها آدم، فلما أحضر ما أحضره من خلقه ممّا لا علم للملائكة به فقال: ﴿أَنَُّونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١] التي تسبحوني بها وتقدسوني ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٢] فقال لآدم: ﴿أَنْبِهُمْ بِأَسْمَاءِهِمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٣] علموا أن الله أسماء لم يكن لهم بها علم يسبحه بها هؤلاء الذين خلقهم وعلمها آدم فسبح الله بها، كما قال للملائكة لما طافت به بالبيت: ما كنتم تقولون؟ قالت الملائكة: كنا نقول في طوافنا به قبلك سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر، فقال لهم آدم: وأنا أزيدكم لا حول ولا قوّة إلاّ بالله أعطاها الله إياه من كنز من تحت العرش لم تكن الملائكة تعلم ذلك، فلو أراد المفسر بقوله حتى القصعة والقصيعة الاسم الإلهيّ المتوجه على الصغير والكبير فسبحه الصغير في تصغيره بما لا يسبحه به الكبير في تكبيره أصاب، وإنما قصد لفظة القصعة والقصيعة ولا شرف في مثل هذا فإنه راجع لما ٥٣٣ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة يصطلح عليه، إذ لها في كلّ لسان اسم مركب من حروف لا يشبه الاسم الآخر، فليس المراد إلاَّ ما تقع به الفائدة التي يماثل بها قول الملائكة في فخرها على الإنسان أنها مسبحة ومقدسة، فأراها الله تعالى شرف آدم من حيث دعواها وهو ما ذكرناه ليس غيره، وما ثم في المخلوقات أشرف من الملك، ومع هذا فقد فضل عليه الإنسان الكامل بعلم الأسماء فهو في هذه الحضرة وهذا المقام أفضل فهذا حد إيثار الحق له. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه محو في إثبات، أمّا إثباته فظهر في تكليفه ومن العبادات الفعلية في صلاته فقسمها بينه وبين عبده فأثبته، وأما محوه في هذا الإثبات فقوله : ﴿وَآللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٦] وقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٢٨] وقوله: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّمُ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٥٤] وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِننَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] وقوله: ﴿مِمَّا جَعَلَكُ تُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد: الآية ٧] فهذا في غاية البيان من كتاب الله محو في إثبات، فالمحب ما له تصرّف إلاَّ فيما يصرف فيه قد حيّره حبه الآن يريد سوى ما يريده به، والحقيقة في نفس الأمر تأبى إلاَّ ذلك، وكل ما يجري منه فهو خلق الله وهو مفعول به لا فاعل فهو محل جريان الأمور عليه، فهو محو في إثبات المحب الله محو في إثبات لا تقع العين إلاَّ على فعل العبد فهذا محو الحق، ولا يعطي الدليل العقلي والكشف إلاَّ وجود الحق لا وجود العبد ولا الكون، فهذا إثبات الحق فهو محو في عالم الشهادة إثبات في حضرة الشهود. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه قد وطأ نفسه لما يريده به محبوبه، وذلك أن الحب لما حال بينه وبين رؤية الأسباب ولم يبق له نظر إلاَّ إلى جناب محبوبه تعالى جهل ما يحتاج العالم إليه فيه، ولا بدّ له في نفس الأمر أن يؤدّي إليه ما يطلبه به من حقوقه كما قال ◌َّ: ((وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا)) فأتى بما يدخل فيه جميع العالم وهو الزيارة وهذا من جوامع كلمه، فوطأ هذا المحب نفسه لما يريده به محبوبه، فعلم ما للعالم من الحقوق عليه من جهة ما أراده به محبوبه من تصريفه فيما صرفه والحق حكيم فلا يحرّكه إلاَّ في العمل الخاص، وأداء الحق الخاص فيما يطلبه به من كان من العالم في ذلك الوقت، فيعرف العالم من الله فيربح شهود الحق وهو قول الصديق: ((مَا رَأَيْتُ شَيْئاً إِلاَّ رَأَيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ)) فشاهد عين العالم في شهود الله المحب الله لما كان في نفس الأمر أن الحق سبحانه لا تقبل ذاته التصريف فيها وجعل في نفوس العالم الافتقار إليه فيما فيه بقاؤهم ومصالحهم وتمشية أغراضهم، فكأنه قد وطأ نفسه لجميع ما يريدونه منه وما يريدونه به، ولهذا إذا سألوه فيما لم يجىء وقته قال لهم: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١] فهو الفاعل في كلّ حال، وليست ذاته بمحل لظهور الآثار، فقد وقعت التوطئة أنه مهيىء لما يحتاج إليه الكون لا لنفسه، وله في كلّ ما أوجده تسبيح هو غذاء ذلك الموجود، فلهذا أخبر سبحانه أنه ما من شيء إلاَّ وهو يسبح بحمده وقد ذكرناه في مقام الفتوة. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه متداخل الصفات وذلك أن المحب يطلب الاتصال ٥٣٤ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة بالمحبوب ويطلب اتباع إرادة المحبوب، وقد يريد المحبوب ما يناقض الاتصال، فقد تداخلت صفات المحب في مثل هذا المحب الله هو الأوّل من عين ما هو آخر، فدخلت آخريته على أوّليته ودخلت أوّليته على أخريته، وما ثم إلاَّ عينه، فأوّليته عينه وآخريته عبده وهو محبوبه فقد تداخلت صفاته في صفات محبوبه. فإن قلت عبد لم تخلص، وإن قلت سيد لم تخلص، وأنت صادق في الأمرين فهذا حكم التداخل. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه ما له نفس مع محبوبه يقول ما هو مستريح مع محبوبه لأنه مراقب محبوبه في كل نفس يرى أين محابه فيتصرّف فيها، فلا يبرح ذا عناء ببذل المجهود في رضى المحبوب ورضاه مجهول فلا راحة للمحب، فهذا معنى قولهم: ما له نفس أي لا يستريح من التنفيس وهو إزالة الكرب والشدّة، وهذا نعت المحب الصادق في حبه المحب الله قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأٍْ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] ولا يتصرّف إلاَّ في حق عباده، ولا يقصد من عباده إلاَّ أحبابه، وينتفع الباقي بحكم التبعية، يأكلون فضلات موائدهم فشغله بمصالحهم دنيا وآخرة، غير أنه موصوف بأنه لا يمسه لغوب يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِ سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لَّغُوبٍ﴾ [سورة ق: الآية ٣٨] وهو قوله: ﴿أَفَعِنَا بِالْخَلّقِ الْأَوَّلِّ بَلْ هُمْ فِ لَيْسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [سورة ق: الآية ١٥] يعني في كل نفس هو تعالى في خلق جديد في عباده وهو قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْذٍ﴾ وقال في أهل السعادة: ﴿لَا يَمَنُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٨] مع كونهم في كل حال يتصرّفون في حق الله لا في حق نفوسهم، ثم إن ذلك يعود عليهم لا يقصدونه من أجل عوده عليهم بل الحقائق تعطي ذلك فلهذا وصف المحب بأنه لا نفس له مع محبوبه . منصة ومجلى: نعت المحب بأنه كله لمحبوبه وذلك أنه مجموع وبحكم جمعيته ظهر عينه فآحاده لله إذ الأحدية لله وليس المجموع سوى هذه الآحاد فكله لله، فإن كل واحد من المجموع إذا ضربته في الواحد الحق كان الخارج من ذلك واحد الحق فهذا معنى كله لمحبوبه وهو واحد المجموع لأن المجموع له أحدية، وعلى هذا يخرج إذا كان المحب الله، فالكلّ في حق الله مع أحديته، إنما ذلك الأسماء الإلهية وهي التسعة والتسعون فظهرت الكثرة في الأسماء فصحّ اسم الكل، وآحاد هذا الكل عين كل اسم على حدة يطلب من العبد ذلك الاسم حقيقة واحدة يظهر سلطانه فيها ولا تكون إلاَّ واحدة فتضرب الواحد في الواحد فيظهر في الشاهد واحد العبد وهو المحبوب فكله لله لأن الأسماء كلها تظهر أحكامها في العبد والأسماء الله، فالكل للعبد المحبوب عند الله فما في الحضرة الإلهية شيء إلاَّ للعبد المحبوب فإن الله بذاته غنيّ عن العالمين، فهو غني عن الكثرة وعن الدلالة عليه. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه يعتب نفسه بنفسه في حق محبوبه وذلك أن المحب يرى أنه يعجز عمّا لمحبوبه عليه من الحقوق التي أوجبها حبه عليه ولا علم له بطريق الإحاطة بمحاب محبوبه فيجهد في أنه يعمل بقدر ما علم من ذلك ثم يقول لنفسه: لو صدقت في حبك لكشف لك عن جميع محابه فإنك في دار التكليف وهي دار محصورة ومحاب الحبيب ٥٣٥ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة فيها معينة، بخلاف الآخرة فإنك مسرح العين فيها لأنها كلها محابه فلا عتاب هناك، فلهذا عتب المحب هنا نفسه بنفسه في حق محبوبه. المحب الله وصف نفسه بالتردّد في حق حبه للعبد المؤمن، إذ من حق المحبوب أن لا يعمل له المحب ما يكرهه والمحبوب يكره الموت، والحق يكره مساءته من حيث ما هو محبوب له، فهذا معنى العتب ولا بدّ له من الموت لما سبق من العلم ولكن لجهل العبد بماله في اللقاء من الخير بخلاف المحبين فإنهم يحبون الموت لا للراحة بل للالتقاء مع المحبوب، ومن المحبين من يغلب عليه رضى المحبوب ويرى أنه لا يحصل ذلك على حالة يعرف بها قدر حب المحب إلاَّ بوجود التحجير وتمييز ما يرضي ممّا يسخط ولا يكون له ذلك إلاَّ في دار التكليف، وأما في الآخرة فلا تحجير فيقع التساوي فيرتفع تميز قدر المحب في تصرّفه من غير المحب فيكره بعض المحبين الموت لهذا المعنى وهذا لصدقهم في المحبة. والمحب الله أيضاً: في هذه الحقيقة وقد قضى بالموت على الجميع وكان غرض هذه الطائفة المخصوصة التي تريد التمييز أن لا يرتفع عنها التحجير لتعلم قدر محبتها لسيدها على غيرها من الطوائف، ويأبى سبق العلم بالكائن إلاَّ أن يكون فهذا القدر يسمّى عتباً في حق الحق يميزه قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٧] لا بل يميزه ويختار خاصة، والذي يفهم أيضاً من قوله: ﴿ وَلَوَّ شَآءَ﴾ [سورة هود: الآية ١١٨] فهذا وأمثاله موجب العتب لا الإرادة ولا العلم فإن الحكم لهما فتفطن لما ذكرناه فكل ذلك أسرار إلهية غاروا عليها أصحابنا لما رأوا من عظيم قدرها وهو كما قالوه، غير أن هذا الذي أبرزنا منها بالنظر إلى ما عندنا من العلم بالله قشر، فهذا سبب إقدامنا على إبرازه ولما فيه من المنفعة في حق العباد. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه ملتذ في دهش. الدهش سببه فجأة المحبوب وهو المعبر عنه بالهجوم وسيأتي له باب في هذا الكتاب، ولما كان الحق دعا قلوب العباد إليه وشرع لهم الطريق الموصلة المشروعة وتعرّف إليهم بالدلالات فعرفوه وتحبّب إليهم بالنعم فأحبوه فلما تجلى لهم على غير موعد عندما دخلوا عليه وهم غير عارفين بأنهم في حال دخول عليه فجأهم تجليه فعرفوه بالعلامة فدهشوا لفجأة التجلي والتذوا لعلمهم بالعلامة في نفوسهم أنه حبيبهم ومطلوبهم فهذا التذاذهم في دهش. المحب الله: وصف نفسه بالاختيار وأنه على كل شيء قدير وأنه لو شاء فعل وأنه لا مكره له وهو الصادق في قوله وما حكم به على نفسه، وهو أيضاً المقيت فقد ترتبت الأمور ترتيب الحكمة فلا معقب لحكمه فهو في كل حال يفعل ما ينبغي كما ينبغي لما ينبغي فعل حكيم عالم بالمراتب فتأتيه أسئلة السائلين وما يوافق توقيت الإجابة في عين ما سألوه فيه وقد تقرر أنه لا مكره له، ولا بدّ من التوقف عند هذا السؤال لمناقضته إذا أجابه ترتيب الحكمة فهذا المقدار يسمّى دهشاً، وأما التذاذه فإن السائل في ذلك محبوب فهو يحب سؤاله ودعاءه كما قد ورد في الخبر: أن شخصين محبوب الله وبغيض سألا الله في حاجة فأوحى الله للملك أن يقضي حاجة البغيض مسرعاً حتى يشتغل عن سؤاله لكونه يبغضه ويبغض صوته ويقول للملك: توقف عن حاجة فلان فإني أحب أن ٥٣٦ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة أسمع صوته وسؤاله فإني أحبه، فهذا مقضي الحاجة على بغض، وهذا غير مقضي الحاجة مع حب وعناية، فلو كشف لهذا المحبوب هذا السرّ في وقت تأخّر الإجابة ما وسعه شيء من الفرح بذلك فالتوقف عن الإجابة كتوقف الداهش لصدق قوله في أنه لا مكره له والالتذاذ علمه بأنه لا بدّ من وصوله إلى ما طلب وفرحه به فسبحان العزيز الحكيم. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه جاوز الحدود بعد حفظها. هذا معين في أحباء أهل بدر فإنهم ممّن جاوزوا الحدود بعد حفظها فقال لهم: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وأما في غير المعينين في العموم وهم معينون في الخصوص وقد عين الحق صفتهم فهو ما ذكر الله سبحانه في قوله: أذنب عبد ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب فقال في الرابعة أو في الثالثة: اعمل ما شئت فقد غفرت لك، فأباح له وأخرجه من التحجير في الدنيا إذ كان الله لا يأمر بالفحشاء، فما عصى الله صاحب هذه الصفة بل تصرف فيما أباحه الله له، وقد كان قبل هذه الصفة من أهل الحدود فجاوزها بعد حفظها، فهذا أعطاه شرف العلم مع وجود عقل التكليف بخلاف صاحب الحال فإن حكم صاحب الحال حكم المجنون الذي ارتفع عنه القلم فلا يكتب لا له ولا عليه وهذا يكتب له ولا عليه، فهذا قدر ما بين العلم والحال، فما أشرف العلم فالمحب إذا كان صاحب علم هو أتم من كونه صاحب حال، فالحال في هذه الدار الدنيا نقص وفي الآخرة تمام، والعلم هنا تمام وفي الآخرة تمام وأتم. المحب الله: لما علم من عباده المحبين له أنهم غير مطالبين لله ما أوجبه لهم على نفسه جاوزوا الحدود بعد حفظها فأعطاهم ما أوجبه على نفسه وهو حفظها ثم أعطاهم بغير حساب وهو مجاوزته الحدود، فإن الحدّ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ومجاوزة الحدود الزيادة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [سورة يونس: الآية ٢٦] وهو حفظ الحد وزيادة وهي ما جاوز الحد، هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه غيور على محبوبه منه. وهذا أحق ما يوجد في حق من يحب الله، وهذا مقام الشبلي أدّاه إلى ذلك تعظيم محبوبه في نفسه وحقارة قدره، فرأى أنه لا يليق بذلك الجناب العزيز إدلال المحبين، فإن المحبين لهم إدلال في الحضرة الإلهية إلاَّ المحبين الموصوفين بالغيرة فإنهم لا إدلال لهم لما غلب عليهم من التعظيم فهم الموصوفون بالكتمان وسببه الغيرة والغيرة من نعوت المحبة فهم لا يظهرون عند العالم بأنهم من المحبين، وهذا مقام رسول الله مَ لَّ فإنه وصف نفسه بأنه أغير من سعد بعدما وصف سعداً بأنه غيور فأتى ببنية المبالغة في غيرة سعد، ثم ذكر أنه مَّ أغير من سعد فستر محبته وما لها من الوجد فيه بالمزاح وملاعبة الصغير وإظهار حبه فيمن أحبه من أزواجه وأولاده وأصحابه، هذا كله من باب الغيرة، وقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ﴾ [سورة الكهف: الآية ١١٠] فلم يجعل عند نفسه أنه من المحبين فجهلته طبيعته وتخيلت أنه معها لما رأته يمشي في حقها أو يؤثرها، ولم تعلم بأن ذلك عن أمر محبوبه إياه بذلك فقيل: إن محمداً وَ# يحب عائشة والحسن والحسين وترك الخطبة يوم الجمعة ونزل إليهما لما رآهما يعثران في أذيالهما وصعد بهما وأتم خطبته، هذا ٥٣٧ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة كله من باب الغيرة على المحبوب أن تنتهك حرمته، وأن هذا ينبغي أن يكون الأمر عليه تعظيماً للجناب الأقدس أن يعين، ثم لا يظهر ذلك الاحترام من الكون فسدل ستر الغيرة في قلوب عباده المحبين المحب الله، قال ◌َ﴿ في هذا الحديث: ((وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي)) ومن غيرته حرّم الفواحش ليفتضح المحبون في دعواهم محبته فغار أن يدعي فيه الكاذب دعوى الصادق ولا يكون ثم ميزان يفصل بين الدعوتين فحرّم الفواحش، فمن ادّعى محبته وقف عند حدوده فتبين الصادق من الكاذب والكل بالله قائم فغار على محبوبه منه فأضاف الأفعال إليه لا إلى العبد حتى لا ینسب نقص للعبد . منصة وجلى: نعت المحب بأنه يحكم حبه فيه على قدر عقله لأن عقله قيده فعقله قيده، وما خاطب تعالى إلاَّ العقلاء وهم الذين تقيدوا بصفاتهم وميزوها عن صفات خالقهم، فلما وقع التباين حصل التقييد فكان العقل، ولهذا أدلة العقول تميز بين الحق والعبد والخالق والمخلوق، فمن وقف مع عقله في حال حبه لم يتمكن أن يقبل من سلطان الحب إلاَّ ما يقتضيه دليله النظري، ومن وقف مع قبول عقله لا مع نظر عقله فقبل من الحق ما وصف به نفسه تحكم فيه سلطان الحب بحسب ما قبله عقله من ذلك فالعقل بين النظر والقبول، فحكم الحب في العقل الناظر والقابل ليسٍ على السواء فافهم فإن هنا أسراراً، المحب الله نسبة العقل إلينا نسبة العلم إليه فلا يكون إلاَّ ما سبق به علمه كما لا يكون منا إلاَّ قدر ما اقتضاه عقلنا فحكم حبه في خلقه لا يجاوز علمه، وحكم حبنا فيه لا يجاوز عقلنا نظراً أو قبولاً فافهم. منصة ومجلی: نعت المحب بأنه مثل الدابة جرحه جبار. حكي أن خطافاً راود خطافة كان يحبها في قبة لسليمان عليه السلام وكان سليمان عليه السلام في القبة فسمعه وهو يقول لها: لقد بلغ مني حبك أن لو قلت لي اهدم هذه القبة على سليمان لفعلت، فاستدعاه سليمان عليه السلام وقال له: ما هذا الذي سمعته منك؟ فقال: يا سليمان لا تعجل عليّ إن للمحب لساناً لا يتكلم به إلاَّ المجنون وأنا أحب هذه الأنثى فقلت ما سمعت، والعشاق ما عليهم من سبيل فإنهم يتكلمون بلسان المحبة لا بلسان العلم والعقل، فضحك سلیمان ورحمه ولم یعاقبه. فهذا جرح قد جعله جباراً وأهدره ولم يؤاخذه به، كذلك المحب لله كل ما أعطاه إدلال الحب وصدق الموذة من الخلل في ظاهر الأمر لا يؤاخذ به المحب فإن ذلك حكم الحب. والحب مزيل للعقل، وما يؤاخذ الله إلاّ العقلاء لا المحبين فإنهم في أسره، وتحت حكم سلطان الحب المحب الله جرحه جبار هو الصادق وتوعد على الخطيئة بما توعد به ثم عفا ولم يؤاخذ من غير توبة من العاصي بل امتناناً منه وفضلاً، فاهدر ما كان له أن يأخذ به كان ما اجترحه المسيء جباراً، وما توعده به الحق من وقوع الانتقام به جبار لأنه عفا عنه من غير سبب البهيمة لا تقصد ضرر العبادة ولا تعقل، فجرحها جبار المحب محكوم عليه فغيره هو القاتل فجرحه جبار ﴿فَلِلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَمنَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٩]. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه لا يقبل حبّه الزيادة بإحسان المحبوب ولا النقص ٥٣٨ في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة بجفائه. هذا الحكم لا يكون إلاَّ في محب أحبه لذاته عن تجلّ تجلّى له فيه من اسمه الجميل فلا يزيد بالبر ولا ينقص بالإعراض، بخلاف حب الإحسان والنعم فإنه يقبل الزيادة والنقص وهو الحب المعلول، قالت المحبة: لو قطعتني إرباً إرباً لم أزدد فيك إلاَّ حباً، يعني أنه لا ينقص حبنا لذلك وهو قول المرأة المحبة يقال إن هذا قول رابعة العدوية المشهورة التي أربت على الرجال حالاً ومقاماً وقد فصلت وقسمت رضي الله عنها وهو أعجب الطرق في الترجمة عن الحب: [المتقارب] وحباً لأنّك أهلٌّ لِذَاكْ أحبُّكَ حُبَّيْنِ حبَّ الهوى فشُغْلي بذكْرِكَ عمَّنْ سوَاكْ فأمّا الذي هو حبُّ الهَوَى وأمّا الذي أنتَ أهلٌ له فلا الحَمْدُ في ذا ولا ذاك لي فكَشْفُكَ للحُجْبِ حتى أراك ولكنْ لكَ الحَمْدَّ في ذا وذاكْ وقالت الأخرى جارية عتاب الكاتب: [الخفيف] يا حبيبَ القلوب من لي سواكًا أنتَ سُؤْلي وبُغيَتي وسُروري يا مُنَايَا وسيِّدي واعْتِمَادي ليس سُؤلي من الجِنانِ نعيماً ولنا في هذا النعت: [الوافر] نعيمُك أو عَذَابُك لي سَوَاءٌ فحُبِّي في الذي تَخْتَّارُ مني ازحَم اليومَ زائراً قد أتاكًا قد أبَى القلبُ أن يحبّ سواكًا طالَ شَوْقي مَتَى يكونُ لقَاكًا غيرَ أني أريدُها لأراكًا فحبُّكَ لا يَحُول ولا يَزيدُ وحبّك مثلُ خَلْقِكَ لي جَديدُ هذا ميزان الاعتدال وهو الميزان الإلهي لا تؤثر فيه العوارض ولا يتأثر بالأحوال المحب الله لا ينتفع بالطاعة ولا يتضرر بالمخالفة، من أحبه من عباده لم تضرّه الذنوب ولا قدحت في منزله بل بشره فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٣] فقدم العفو على السؤال عندنا وعلى العتاب عند غيرنا: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢] فقدم المغفرة على الذنب وليس يذنب عنده، وإنما ذكره لتعرف العناية الإلهية بأحبابه لا ذنب لمحبوب ولا حسنة لمحب عند نفسه ومع هذا كله فإنه مقام خفيّ غير جليّ سريع التفلت في المحب يتصوّر فيه المطالبة مع الأنفاس مدعيه حافظ لميزانه إن أخلّ به قامت الحجة عليه من الجانبين، فلا يحفظه إلاَّ ذو معرفة تامّة وذو حب صادق قوي السلطان ثابت الحكم. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه غير مطلوب بالآداب. إنما يطلب بالأدب من كان له عقل وصاحب الحب ولهان مدله العقل لا تدبير له فهو غير مؤاخذ في كل ما يصدر عنه، إذا كان المحب الله فهو الكبير المالك مشرع الآداب في العقلاء مؤذّب أوليائه كما قال رَ له: ((إِنَّ اللَّهَ أَدَّبَنِي فَأَخْسَنَ أَدَبِي)) والسيد لا يقال يتأدب مع غلامه وإنما يقال: السيد يعطي ما يستحقه العبد المحبوب عنده المكرم لديه منة منه وفضلاً، فالسيد غير مطالب بالأدب مع عبده وإن كان محبوباً له . ٥٣٩ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة منصة ومجلى : نعت المحب بأنه ناس حظه وحظ محبوبه استفرغه الحب فأنساه المحبوب وأنساه نفسه، وهذا هو حب الحب والحقيقة الإلهية التي صدرت منها هذه الحقيقة لا تنقال، نعم تنقال إلاّ أنها من الأسرار التي لا تذاع فمن كشفها عرفها ولا يجوز له أن يعرف بها وآيتها من كتاب الله: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٧] ومن نسي صورته نسي نفسه. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه مخلوع النعوت. المحب لا نعت له يقيد به ولا صفة، فإنه بحيث يريد محبوبه أن يقيمه فيه فنعته ما يراد به، وما يراد به لا يعرفه، فهو مخلوع النعوت المحب الله هو كامل لذاته لا يكمل بالزائد فلا نعت له ولا صفة لأنه ﴿لَیْسَ کَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ ﴿سُبْحَنَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠]. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه مجهول الأسماء، قال الشاعر: [السريع] فإنه أَشْرَفُ أسمائـي لا تَدْعُني إلاَّ بيا عَبْدَها فهذا مثل قولهم فيه إنه مخلوع النعوت، فالعبودية له ذاتية فما له اسم معين سوى ما يسميه به محبوبه، فبأي اسم سمّاه ودعاه به أجابه ولبّاه، فإذا قيل للمحب: ما اسمك؟ يقول: سل المحبوب فما سماني به فهو اسمي لا اسم لي، أنا المجهول الذي لا يعرف والنكرة التي لا تتعرّف المحب الله لا اسم له يدل على ذاته، وإنما المألوه الذي هو محبوبه نظر إلى ماله فيه من أثر فسمّاه بآثاره فقبل الحق ما سمّاه به فقال المألوه: يا الله، قال الله له: لبيك، قال المربوب: يا رب، قال له الرب: لبيك، قال المخلوق له: يا خالق، قال الخالق: لبيك، قال المرزوق: يا رزاق، قال الرزاق: لبيك، قال الضعيف: يا قويّ، قال القويّ: أجبتك. فأحوالنا تدعوه دعاء تحقيق فيتخذها أسماء، ولهذا تختلف ألفاظها وتركيب حروفها بحسب اللسان والمعنى الموجب للاسم معقول عند المخلوقين فيقول العربيّ: يا الله للذي يقول له الفارسيّ أي خداي، ويقول له الروميّ: ايشا، ويقل له الأرمنيّ أي إصفاج، ويناديه التركي: أي تنكري، ويناديه الإفرنجي: أي كر يطور، ويقول له الحبشيّ: واق، فهذه ألفاظ مختلفة لمعنى واحد مقصود من كل مخلوق، فلهذا قلنا إنه مجهول الأسماء إذ الأسماء دلائل، فالمحبوب بأي اسم دعا محبه أجابه. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه كأنه سال وليس بسال، وهذا النعت يسمّى البهت والسبات ولا يكون له هذا إلا في حال الاستغراق فيما عنده من حب محبوبه، حتى أن محبوبه ربما يكون بإزائه ولا يعرفه به ويناديه ولا يعرف صوته مع نظره إليه فهو كالسالي في حاله وهو في غاية الهيمان فيه، المحب الله يقول: و﴿اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَيِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] ويطالبهم بأنفاسهم أن يكون تنفسهم بذكره وأنه سميع الدعاء. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه لا يفرق بين الوصل والهجر لشغله بما عنده من محبوبه فهو مشهوده دائماً أو يكون كما قال القائل: [البسيط] أشكو من الطول ما أشكو من القِصَرِ فاللَّيْلُ إن وصَلَتْ كالليل إن مَجَرَٹ فهو في الحالتين صاحب شكوى فما تغير عليه الحال في عذاب دائم، وأما نحن فعلى ٥٤٠ في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة المذهب الأوّل ما لنا شغل إلاَّ به فهو مشهودنا لا نعرف غيره ولا نشهد سواه ولنا في ذلك: [البسيط] شُغْلي بها وَصَلَتْ ليلاً وإِن هَجَرَتْ فِمَا أُبَالِي أَطَالَ اللَّيلُ أم قَصُرَا المحب الله الكلمة الإلهية واحدة قال تعالى ﴿وَمَآ أَمْرُنَآَ إلَّا وَحِدَةٌ كَلَمِيجٍ بِلْبَصَرِ﴾ [سورة القمر: الآية ٥٠] لا تفريق عنده، فبعده عين قربه وقربه عين بعده، فهو البعيد القريب ما عنده وصل بنا فيقبل الفصل ولا هجر فيقبل الوصل: [الوافر] فَعَيْنُ الوَصْلِ عَيْنُ الهَجْر فیه وما يَذريه إلاَّ مَنْ رآهُ منصة ومجلی: نعت المحب بأنه متيم في إدلال المتيم الذي تعبده الحب وأذلّه مع إدلال يجده عنده ولا يعرف سببه سوى ما تعطي الحقائق من أن المحب يعطي المحبوب سيادته عليه فكأنه ولاه ومن حالته هذه فلا بدّ أن تشمّ منه رائحة إدلال في إذلال وخضوع وهذا يعطيه مقام الحب. المحب الله: عبدي جعت فلم تطعمني، ظمئت فلم تسقني، مرضت فلم تعدني، من تقرّب إليّ شبراً تقرّبت منه ذراعاً، فضاعف التقريب ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ وَلَهُ: أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ١١] تضاعف الأجر إدلال والسؤال سؤال. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه ذو تشويش، وسبب ذلك جهله بما في نفس المحبوب، فلا يدري بأيّ حالة يكون معه، أما إذا كان الحق محبوبه فإنه قد عرف ذلك بما شرع له فلا يبقى عليه تشويش في قلبه إلاّ فيما منحه من الأسرار وما حاباه به من اللطائف، وهو يحب أن يحببه إلى خلقه حتى تجتمع الهمم والقلوب كلها عليه، ولا يتمكن له ذلك إلاَّ بإذاعة أسراره، لأنّ النفوس مجبولة على حب المنح والهبات والعطايا، ثم إنه لا يعلم هل يرضى إذاعة تلك الأسرار ربه أم لا؟ فهذا سبب تشويش قلوب المحبين لله. المحب الله نفذ الأمر الإلهيّ بأن يؤمن من سبق علمه فيه أنه لا يؤمن وقوله وعلمه واحد، فمن أي حقيقة قال آمراً من علم أنه لا يمتثل أمره فقد عرضه للمعصية و﴿هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٣٠] فمن هنا صدر التشويش في العالم واختلاف الأغراض والمنازعات. منصة ومجلى: نعت المحب بأنه خارج عن الوزن، التصرّفات على الوزن المعتبر في الحكمة يطلب الفكر الصحيح، والمحب لا فكرة له في تدبير الكون وإنما همّه وشغله بذكر محبوبه قد أفرط فيه الخيال فلا يعرف المقادير، فإن كان محبوبه الله لما وسعه قلبه فذلك الخارج عن الوزن فلا يزنه شيء، ألا ترى إلى التلفظ بذكره وهي لفظة لا إله إلاَّ الله لا تدخل الميزان، ولما دخلت بطاقتها من حيث ما هي مكتوبة في الميزان لصاحب السجلات طاشت السجلات وما وزنها شيء، ولو وضعت أصناف العالم ما وزنتها وهي لفظة من قائل لم يتصف بالمحبة فما ظنك بقول محب؟ فما ظنك بحاله؟ فما ظنك بقلبه الذي هو أوسع من رحمة الله وسعته إنما كانت من رحمة الله، فهذا من أعجب ما ظهر في الوجود أن اتساع القلب من رحمة الله وهو أوسع من رحمة الله، يقول أبو يزيد: لو أن العرش وما حواه مائة