النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
الأدلة العقلية فتقوى صدقه عندنا بمثل هذا. فإن قلنا ما قاله في الله على الوجه الذي يعطيه
ظاهر اللفظ ونحمله عليه كما نحمله على المحدثات ضللنا فأخذنا في التأويل إثباتاً للطريقين.
وفرقة أخرى وهي أضعف الفرق لم يتعدّوا حضرة الخيال وما عندهم علم بتجريد
المعاني ولا بغوامض الأسرار ولا علموا معنى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ ولا قوله: ﴿وَمَا
قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩١] وهم واقفون في جميع أمورهم مع الخيال، وفي
قلوبهم نور الإيمان والتصديق وعندهم جهل باللسان، فحملوا الأمر على ظاهره ولم يردّوا
علمه إلى الله فيه، فاعتقدوا نسبة ذلك النعت إلى الله مثل نسبته إلى نفوسهم. وما بعد هذه
الطائفة طائفة في الضعف أكثر منها فإنهم على نصف الإيمان حيث قبلوا نعت التشبيه ولم
يعقلوا نعوت التنزيه من: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾.
والفرقة الناجية من هؤلاء الفرق المصيبة للحق هي التي آمنت بما جاء من عند الله على
مراد الله وعلمه في ذلك مع نفي التشبيه بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ فهذه يا وليّ ألسنة الشرائع
في العالم فجاء بالصورة في حق الحق، والعين، واليد، والرجل، والسمع، والبصر،
والرضى، والغضب، والتردّد، والتبشبش، والتعجب، والفرح، والضحك، والملل،
والمكر، والخداع، والاستهزاء، والسخرية، والسعي، والهرولة، والنزول، والاستواء،
والتحديد في القرب، والصبر على الأذى، وما جرى هذا المجرى ممّا هو نعت المخلوقين،
ذلك لنؤمن عامة ولنعلم أن التجلي الإلهيّ في أعيان الممكنات أعطى هذه النعوت فلا شاهد
ولا مشهود إلاَّ الله، فألسنة الشرائع دلائل التجليات، والتجليات دلائل الأسماء الإلهية،
فارتبطت أبواب المعرفة بعضها ببعض، فكل لفظ جاءت به الشريعة فهو على ما جاءت به،
لكن عالمنا يعرف بأي لسان تكلم الشرع؟ ولمن خاطب؟ وبمن خاطب؟ وبما خاطب؟ ولمن
ترجع الأفعال؟ وإلى من تنسب الأقوال؟ ومن المتقلب في الأحوال؟ ومن قال: ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ
أَيُّهَ الثَّقَلَانِ فَبِأَتِ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١ -٣٢] لنقول: ولا بشيء من آلائك ربنا
نكذب، هذا أراد أن يسمع منا، وقد قلناه والحمد لله.
النوع الرابع من علوم المعرفة: وهو العلم بالكمال والنقص في الوجود. اعلم أنه من
كمال الوجود وجود النقص فيه، إذ لو لم يكن لكان كمال الوجود ناقصاً بعدم النقص فيه،
قال تعالى في كمال كل ما سوى الله ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فما نقصه شيئاً
أصلاً حتى النقص أعطاه خلقه، فهذا كمال العالم الذي هو كل ما سوى الله إلاَّ الله، ثم
الإنسان فللَّه كمال يليق به وللإنسان كمال يقبله. ومن نقص من الأناسي عن هذا الكمال
فذلك النقص الذي في العالم لأن الإنسان من جملة العالم، وما كل إنسان قبل الكمال وما
عداه فكامل في مرتبته لا ينقصه شيء بنص القرآن، قال وَّ فِي الإِنْسَانِ: ((كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ
كَثِيرُونَ، وَمِنَ النِّسَاءِ مَرِيمُ وَآسِيَةُ وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ)) فما ظهر
في العالم نقص إلاَّ في هذا الإنسان، وذلك لأنه مجموع حقائق العالم وهو المختصَر الوجيز
والعالم هو المطوّل البسيط، فأما كمال الألوهية فظاهر بالشرائع، وأما بأدلة العقول فلا، فعين ما

٤٦٢
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
يراه العقل كمالاً هو النقص عند الله لو كان كما يقتضيه دليل العقل فجاء العقل بنصف معرفة
الله وهو التنزيه وسلب أحكام كثيرة عنه تعالى، وجاء الشارع يخبر عن الله بثبوت ما سلب عنه
العقل بدلالته وتقرير ما سلبه عنه، فجاء بالأمرين للكمال الذي يليق به تعالى فحيّر العقول فهذا
هو الكمال الإلهيّ، فلو لم يعط الحيرة لما ذكره لكان تحت حكم ما خلق، فإن القوى الحسية
والخيالية تطلبه بذواتها لترى موجدها، والعقول تطلبه بذواتها وأدلتها من نفي وإثبات ووجوب
وجواز وإحالة لتعلم موجدها، فخاطب الحواس والخيال بتجريده الذي دلّت عليه أدلة العقول
والحواس تسمع فحارت الحواس والخيال وقالوا: ما بأيدينا منه شيء، وخاطب العقول بتشبيهه
الذي دلّت عليه الحواس والخيال والعقول تسمع فحارت العقول وقالت: ما بأيدينا منه شيء
فعلاً عن إدراك العقول والحواس والخيال، وانفرد سبحانه بالحيرة في الكمال فلم يعلمه سواه
ولا شاهده غيره فلم يحيطوا به علماً ولا رأوا له عيناً، فآثار تشهد، وجناب يقصد، ورتبة
تحمد، وإله منزّه، ومشبه يعبد، هذا هو الكمال الإلهيّ.
وبقي الإنسان متوسط الحال بين كمال الحيرة والحدّ وهو كمال العالم، فبالإنسان كمل
العالم، وما كمل الإِنسان بالعالم، فلما انحصرت في الإنسان حقائق العالم بما هو إنسان لم
يتميز عن العالم إلاَّ بصغر الحجم خاصة، وبقيت له رتبة كماله فجميع الموجودات قبلت
كمالها، والحق كامل، والإنسان انقسم قسمين: قسم لم يقبل الكمال فهو من جملة العالم
غير أنه مجموع العالم جمعية المختصر من الكبير. وقسم قبل الكمال فظهرت فيه لاستعداده
الحضرة الإلهية بكمالها وجميع أسمائها، فأقام هذا القسم خليفة وكساه حلّة الحيرة فيه،
فنظرت الملائكة إلى نشأة جسده فقالت فيه ما قالت لتنافر حقائقه التي ركب الله فيها جسده،
فلما أعلمها الحق بما خلقه عليه وأعطاه إياه حارت فيه فقالت: لا علم لنا والحائر لا علم له،
فأعطاه علم الأسماء الإلهية التي لم تسبحه الملائكة بها ولا قدّسته كما قال عليه السلام: ((إِنَّهُ
يَحْمَدُ اللَّهَ غَداً فِي القِيَامَةِ عِنْدَ سُؤَالِهِ فِي الشَّفَاعَةِ بِمَحَامِدَ لاَ يَعْلَمُهَا الآنَ يَقْتَضِيهَا المَوْطِرُ)) فإن
محامد الله تعالى بحسب ما تطلبها المواطن والنشآت فأعطت نشأة آدم ومن أشبهه من أولاده
الأهلية للخلافة في العالم وما كان ذلك لغيرهم، فكان كمال الإنسان بهذا الاستعداد لهذا
التجلي الخاص، فظهر بأسماء الحق على تقابلها وأعطاه الحق فيما بيّن له مصارفها، فهو يظهر
بما ظهر من استخلفه وهي المسمّى في الخلافة بالحق والعدل، قال الله لداود: ﴿إِنَّا جَعَلْنَكَ
خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى﴾ [سورة ص: الآية ٢٦] فیھوي بمتبعه عن هذه
الدرجة التي أهلت لها وأهلت لك ولأمثالك، كما قال أبو العتاهية: [المتقارب]
إليه تُجَرِّرُ أذيالَهَا
أتَتْه الخلافةُ مُتْقَادَةَ
ولم يك يَضْلُح إلاَّلَهَا
ولم تَكُ تضلُحُ إلاَّ لهُ
لَزُلْزِلَتِ الأرضُ زِلْزَالَهَا
ولو رامَهَا أحدٌ غَيْرُه
فإذا أعطى التحكم في العالم فهي الخلافة، فإن شاء تحكم وظهر كعبد القادر الجيلي،
وإن شاء سلم وترك التصرف لربه في عباده مع التمكن من ذلك لا بدّ منه كأبي مسعود بن

٤٦٣
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
الشبلي، إلاَّ أن يقترن به أمر إلهيّ كداود عليه السلام فلا سبيل إلى ردّ أمر الله، فإنه الهوى
الذي نهى عن اتباعه، وكعثمان رضي الله عنه الذي لم يخلع ثوب الخلافة عن عنقه حتى قتل
لعلمه بما للحق فيه، فإن رسول الله وَ# نهاه أن يخلع عنه ثوب الخلافة، فكل من اقترن
بتحكمه أمر إلهيّ وجب عليه الظهور به ولا يزال مؤيداً، ومن لم يقترن به أمر إلهيّ فهو مخيّر
إن شاء ظهر به ظهر بحق وإن شاء لم يظهر فاستتر بحق وترك الظهور أولى، فتلحق الأولياء
الأنبياء بالخلافة خاصة ولا يلحقونهم في الرسالة والنبوة فإن بابهما مسدود، فللرسول الحكم
فإن استخلف فله التحكم، فإن كان رسولاً فتحكمه بما شرع، وإن لم يكن رسولاً فتحكمه
عن أمر الله بحكم وقته الذي هو شرع زمانه فإنه بالحكم ينسب إلى العدل والجور. انتهى
الجزء الحادي عشر ومائة .
(الجزء الثاني عشر ومائة)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرّحمَيدِ
النوع الخامس من علوم المعرفة: وهو علم الإنسان بنفسه من جهة حقائقه. اعلم أن
الإنسان ما أعطى التحكّم في العالم بما هو إنسان وإنما أعطي ذلك بقوة إلهيّة ربانية، إذ لا
تتحكم في العالم إلاَّ صفة حق لا غير وهي في الإنسان ابتلاء لا تشريف، ولو كانت تشريفاً
بقيت معه في الآخرة في دار السعداء، ولو كانت تشريفاً ما قيل له: ﴿وَلَا تَنَّعِ الْهَوَى﴾ [سورة
ص: الآية ٢٦] فحجرت عليه والتحجير ابتلاء والتشريف إطلاق، ولا نسب في التحكم إلى عدل
ولا إلى جور، ولا وليّ الخلافة في العالم إلاَّ أهل الله، بل ولى الله التحكم في العالم من
أسعده الله به ومن أشقاه من المؤمنين، ومع هذا أمرنا الحق أن نسمع له ونطيع ولا نخرج يداً
من طاعة وقال: فإن جاروا فلكم وعليهم، وهذه حالة ابتلاء لا حالة شرف، فإنه في حركاته
فيها على حذر وقدم غرور، ولهذا يكون يوم القيامة على بعض الخلفاء ندامة، فإذا وقف
الإنسان على معرفة نفسه واشتغل بالعلم بحقائقه من حيث ما هو إنسان فلم ير فرقاً بينه وبين
العالم، ورأى أن العالم الذي هو ما عدا الثقلين ساجد لله فهو مطيع قائم بما تعين عليه من
عبادة خالقه ومنشيه طلب الحقيقة التي يجتمع فيها مع العالم، فلم يجد إلاّ الإمكان والافتقار
والذلة والخضوع والحاجة والمسكنة، ثم نظر إلى ما وصف به الحق العالم كله فرآه قد وصفه
بالسجود له حتى ظلّه، ورأى أنه ما وصف بذلك من جنسه إلاَّ الكثير لا الكل، كما وصف
كل جنس من العالم فخاف أن يكون من الكثير الذي حق عليه العذاب، ثم رأى أن العالم قد
فطروا بالذات على عبادة الله، وافتقر هذا الإنسان إلى من يرشده ويبين له الطريق المقربة إلى
سعادته عند الله لما سمع الله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ آلْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية
٥٦] فعبده بالافتقار إليه كما عبد سائر العالم، ثم رأى أن الله قد حدّ له حدوداً ورسم له أموراً
ونهاه أن يتعداها وأن يأتي من أمره سبحانه ما استطاع، فتعين عليه العلم بما شرع الله له ليقيم
عبادة الله الفرعية كما أقام العبادة الأصلية، فإن العبادة الأصلية هي التي تطلبها ذوات

٤٦٤
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
الممكنات بما هي ممكنات، والعبادات الفرعية هي أعمال يفتقر فيها العبد إلى إخبار إلهيّ من
حيث ما يستحقه سيده وما تقتضيه عبوديته، فإذا علم أمر سيده ونهيه ووفى حق سيده تعالى
وحق عبودته فقد عرف نفسه، وكل من عرف نفسه عرف ربه، ومن عرف ربه عبده بأمره، فما
ثم من جمع بين العبادتين: عبادة الأمر وعبادة النهي إلاَّ الثقلان فإن الأرواح الملكية لا نهي
عندها، ولهذا قال فيهم: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ [سورة التحريم: الآية ٦] ولم يذكر لهم نهي،
وقال في عبادتهم الذاتية: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْعَمُونَ﴾ [سورة فصلت: الآية ٣٨]
﴿يُسَبِّحُونَ الَتْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٠] فإن حقيقة نشأتهم تعطي ذلك، فهذه
هي العبادة الذاتية، وهي عبادة سارية في كل ما سوى الله.
ولما كان الإنسان مجموع حقائق العالم كما قلنا وعرف نفسه من جهة حقائقه تعين عليه أن
يقوم وحده من حيث هو بعبادة جميع العالم، وإن لم يفعل فما عرف نفسه من جهة حقائقه لأنها
عبادة ذاتية، وصورة معرفته بذلك أن يشاهد جميع حقائقه كلها في عبادتها كشفاً كما هي عليه في
نفسها سواء كوشف بذلك أو لم يكاشف، فهذا الذي أريده بالعلم بحقائقه أي عن الكشف، فإذا
شاهدها لم يتمكن له مخالفة أمر سيده فيما أمر به من عبادته بالوقوف عند حدوده ومراسمه فيما
دخل فيه وفيما خرج عنه، فإذا قال: سبحان الله بكله على ما رسمنا انتقش في جوهر نفسه جميع
ما قاله العالم كله من حيث تلك التسبيحة، وهذه هي النفس الزكية التي تسمي لسان العالم بحيث
لو صحّ أن يتعطل شيء من العالم في عبادة ربه لقام هذا العبد العارف بهذا القدر مقامه فيما فرط
فيه وسدّ مسده لو تصور هذا، ويجازي هذا العبد من جانب الحق بهذا القدر وهو مجازاة
الأصغر بجائزة الأكبر يقول: لو قدرنا العالم كله ما سوى الإنسان غفل عن عبادة الله طرفة عين
وكان هذا الإنسان ذاكر الله قائماً بحقه في تلك اللحظة ناب مناب العالم وسدّ مسده، فجوزي
بجزاء العالم كله، وإن كان لا يتصور من العالم غفلة فإنه ليس من أهل الغفلة إلاَّ الثقلان خاصة،
فانظر ما أعطاك العلم بنفسك وبما أنت عليه من حقائق الكون.
النوع السادس من علوم المعرفة: وهو علم الخيال وعالمه المتصل والمنفصل. وهذا ركن
عظيم من أركان المعرفة، وهذا هو علم البرزخ، وعلم عالم الأجساد التي تظهر فيها
الروحانيات، وهو علم سوق الجنة، وهو علم التجلي الإلهي في القيامة في صور التبدّل، وهو
علم ظهور المعاني التي لا تقوم بنفسها مجسدة مثل الموت في صورة كبش، وهو علم ما يراه
الناس في النوم، وعلم الموطن الذي يكون فيه الخلق بعد الموت وقبل البعث وهو علم الصور،
وفيه تظهر الصور المرئيات في الأجسام الصقيلة كالمرآة، وليس بعد العلم بالأسماء الإلهية ولا
التجلي، وعمومه أتم من هذا الركن فإنه واسطة العقد إليه تعرج الحواس وإليه تنزل المعاني وهو
لا يبرح من موطنه، تجبى إليه ثمرات كل شيء، وهو صاحب الإكسير الذي تحمله على المعنى
فيجسده في أي صورة شاء لا يتوقف له النفوذ في التصرف والحكم تعضده الشرائع وتثبته
الطبائع، فهو المشهود له بالتصرف التام، وله التحام المعاني بالأجسام، يحير الأدلة والعقول،
فلنبينه إن شاء الله في هذا الفصل بأوجز ما يمكن وأبلغ، والله الموفق لا رب غيره.

٤٦٥
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
اعلموا يا إخواننا أنه ما من معلوم كان ما كان إلاَّ وله نسبة إلى الوجود بأي نوع كان من
أنواع الوجود فإنه على أربعة أقسام: فمنها معلوم يجمع مراتب الوجود كلها. ومنها معلوم
يتصف ببعض مراتب الوجود ولا يتصف ببعضها، وهذه المراتب الأربعة التي للوجود منها
الوجود العيني وهو الموجود في نفسه على أي حقيقة كان من الاتصاف بالدخول والخروج أو
بنفيهما فيكون مع كونه موجوداً في عينه لا داخل العالم ولا خارج لعدم شرط الدخول
والخروج وهو التحيّز وليس ذلك إلاّ الله خاصة، وأما ما هو من العالم قائم بنفسه غير متحيز
كالنفوس الناطقة والعقل الأول والنفس والأرواح المهيمنة والطبيعة والهباء، وأعني بهذه كلها
أرواحها، فكل ذلك داخل في العالم، إلاَّ أنه لا داخل أجسام العالم ولا خارج عنها فإنها غير
متحيزات .
والمرتبة الثانية: الوجود الذهني وهو كون المعلوم متصوراً في النفس على ما هو عليه
في حقيقته، فإن لم يكن التصور مطابقاً للحقيقة فليس ذلك بوجود له في الذهن.
والمرتبة الثالثة: الكلام وللمعلومات وجود في الألفاظ وهو الوجود اللفظي، ويدخل
في هذا الوجود كل معلوم حتى المحال والعدم فإن له الوجود اللفظي، فإنه يوجد في اللفظ ،
ولا يقبل الوجود العيني أبداً أعني المحال، وأما العدم فإن كان العدم الذي يوصف به الممكن
فيقبل الوجود العيني، وإن كان العدم الذي هو المحال فلا يقبل الوجود العيني.
والمرتبة الرابعة: الوجود الكتابي وهو الوجود الرقمي، وهو نسبته إلى الوجود في الخط
أو الرقم أو الكتابة، ونسبة المعلومات كلها من المحال وغير المحال نسبة واحدة، فهذا
المحال وإن كان لا يوجد له عين فله نسبة وجود في اللفظ والخط، فما ثم معلوم لا يتصف
بالوجود بوجه، وسبب ذلك قوّة الوجود الذي هو أصل الأصول وهو الله تعالى، إذ به ظهرت
هذه المراتب وتعينت هذه الحقائق، وبوجوده عرف من يقبل مراتب الوجود كلها ممّن لا
يقبلها، فالأسماء متكلماً بها كانت أو مرقومة ينسحب وجودها على كل معلوم، فيتصف ذلك
المعلوم بضرب من ضروب الوجود، فما في العلم معدوم مطلق العدم ليس له نسبة إلى
الوجود بوجه ما هذا ما لا يعقل فافهم هذا الأصل وتحققه .
ثم اعلم بعد هذا أن حقيقة الخيال المطلق هو المسمّى بالعماء الذي هو أوّل ظرف قبل
كينونة الحق، ورد في الصحيح أنه قيل لرسول الله وَّر: «أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟
قَالَ: كَانَ فِي عَمَاءِ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ)) وإنما قال هذا من أجل أن العماء عند العرب
هو السحاب الرقيق الذي تحته هواء وفوقه هواء، فلما سماه بالعماء أزال ما يسبق إلى فهم
العرب من ذلك، فنفى عنه الهواء حتى يعلم أنه لا يشبهه من كل وجه، فهو أوّل موصوف
بكينونة الحق فيه، فإنّ للحق على ما أخبر خمس كينونات: كينونة في العماء وهو ما ذكرناه،
وكينونة في العرش، وهو قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥] وكينونة في
السماء في قوله: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا)) وكينونة في الأرض وهو قوله: ﴿وَهُوَ
اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِى الْأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣] وكينونة عامة وهو مع الموجودات على مراتبها
الفتوحات المكية ج٣ - ٣٠٣

٤٦٦
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
حيثما كانت كما بيّن ذلك في حقنا فقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] وكل
هذه النسب بحسب ما يليق بجلاله من غير تكييف ولا تشبيه ولا تصوّر بل كما تعطيه ذاته،
وما ينبغي أن ينسب إليها من ذلك ﴿لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ الْغَيِزُ﴾ فلا يصل أحد إلى العلم ولا إلى
الظفر بحقيقته ﴿اٌلْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٦] الذي نزل لعباده في كلماته، فقرب البعيد في
الخطاب لحكمة أرادها تعالى، ففتح الله تعالى في ذلك العماء صور كل ما سواه من العالم، إلاّ أن
ذلك العماء هو الخيال المحقق، ألا تراه يقبل صور الكائنات كلها ويصوّر ما ليس بكائن؟ هذا
لاتساعه فهو عين العماء لا غيره، وفيه ظهرت جميع الموجودات وهو المعبر عنه بظاهر الحق في
قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَلَّخِرُ وَاَلَِّرُ وَالْبَالِنُ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] ولهذا في الخيال المتصل يتخيل من
لا معرفة له بما ينبغي لجلال الله بتصوّره، فإذا تحكم عليه الخيال المتصل فما ظنك بالخيال المطلق
الذي هو كينونة الحق فيه وهو العماء؟ فمن تلك القوّة ضبطه الخيال المتصل، ثم جاء الشرع في
أماكن يقرر ما ضبطه الخيال المتصل من كينونة الحق في قبلة المصلي وفي مواجهة المصلي إياه فقبله
الخيال المتصل وهو من بعض وجوه الخيال المطلق الذي هو الحضرة الجامعة والمرتبة الشاملة،
وانتشاء هذا العماء من نفس الرحمن من كونه إلهاً لا من كونه رحماناً فقط، فجميع الموجودات
ظهر في العماء بكن أو باليد الإلهية أو باليدين إلاَّ العماء فظهوره بالنفس خاصة، ولولا ما ورد
في الشرع النفس ما أطلقناه مع علمنا به، وكان أصل ذلك حكم الحب والحب له الحركة في
المحب، والنفس حركة شوقية لمن تعشق به وتعلق له في ذلك التنفس لذة وقد قال تعالى كما
ورد: ((كُنْتُ كَنْزاً لَمْ أُعْرَفْ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ» فبهذا الحب وقع التنفس فظهر النفس فكان
العماء، فلهذا أوقع عليه اسم العماء الشارع لأنّ العماء الذي هو السحاب يتولد من الأبخرة
وهي نفس العناصر لما فيه من حكم الحرارة فلهذا الالتفات سمّاه عماء، ثم نفى عنه الهواء
الذي يحيط به كما يحيط بجسم السحاب ويصرّفه الهواء حيث شاء، فنفى أن يكون هذا العماء
يتحكم فيه غيره، إذ هو أقرب الموجودات إلى الله الكائن عن نفسه، فلما عمر هذا العماء الخلاء
كله الذي هو مكان العالم أو ظرفه، إذ لو انعدم العالم لتبين الخلاء وهو امتداد متوهم في غير
جسم، فهذا العماء هو الحق المخلوق به كل شيء، وسمّي الحق لأنه عين النفس والنفس
مبطون في المتنفس هكذا يعقل، فالنفس له حكم الباطن، فإذا ظهر له حكم الظاهر فهو الأوّل
في الباطن والآخر في الظاهر ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] فإنه فيه ظهر كل شيء
مسمّى من معدوم يمكن وجود عينه ومن معدوم يوجد عينه .
ثم ظهر في عين هذا العماء أرواح الملائكة المهيمة وما هم ملائكة بل هم أرواح
مطهرة، ثم ما زال يظهر فيه صور أجناس العالم شيئاً بعد شيء وطوراً بعد طور إلى أن كمل
من حيث أجناسه، فلما كمل بقيت الأشخاص من هذه الأجناس تتكون دائماً تكوين استحالة
من وجود إلى وجود لا من عدم إلى وجود، فخلق آدم من تراب، وخلق بني آدم من نطفة
وهي الماء المهين، ثم خلق النطفة علقة فلهذا قلنا في الأشخاص إنها مخلوقة من وجود لا
من عدم، فإن الأصل على هذا كان وهو العماء من النفس وهو وجود وهو عين الحق

٤٦٧
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
المخلوق به، وأجناس العالم مخلوقون من العماء، وأشخاص العالم مخلوقون من العماء
أيضاً. ومن أنواع أجناسه فما خلق شيء من عدم لا يمكن وجوده بل ظهر في أعيان ثابتة وهو
قولنا في أوّل هذا الكتاب: الحمد لله الذي أوجد الأشياء عن عدم وعدمه عن عدم من حيث
أنه لم يكن لها عين ظاهرة، وعدمه وعدم العدم وجود، أي وإن لم يكن لها عين فهذه العين
من وجود ظهرت على الحقيقة فأعدمت العدم الأوّل الذي أثبته بنسبة ما، فهو من حيث تلك
النسبة ثابت، ومن هذه النسبة الأخرى منفي، وإذا تحققت هذا فإن شئت قلت: هو عن عدم،
وإن شئت قلت: هو عن وجود بعد علمك بالأمر على ما هو عليه، ولولا قوّة الخيال ما ظهر
من هذا الذي أظهرناه لكم شيء فإنه أوسع الكائنات وأكمل الموجودات، ويقبل الصور
الروحانيات وهو التشكل في الصور المختلفة من الاستحالة الكائنة، والاستحالة منها ما فيها
سرعة كاستحالة الأرواح صوراً جسدية، والمعاني صوراً جسدية تظهر في كون هذا العماء،
وثم استحالات فيها بطء كاستحالة الماء هواء والهواء ناراً والنطفة إنساناً والعناصر نباتاً
وحيواناً، فهذه كلها وإن كانت استحالات فما لها سرعة استحالة الصور في القوة المتخيلة في
الإنسان وهو الخيال المتصل، ولا في استحالات صور الأرواح في صور الأجسام أجساداً،
كالملائكة في صور البشر فإن السرعة هنالك أقوى، وكذا زوالها أسرع من استحالات
الأجسام بعد الموت إلى ما تستحيل إليه .
ثم إذا فهمت هذا الأصل علمت أن الحق هو الناطق والمحرك والمسكن والموجد
والمذهب، فتعلم أن جميع الصور بما ينسب إليها ممّا هو له خيال منصوب، وأن حقيقة
الوجود له تعالى، ألا ترى إلى واضع خيال الستارة ما وضعه إلاَّ ليتحقق الناظر فيه علم ما هو
أمر الوجود عليه فيرى صوراً متعدّدة حركاتها وتصرّفاتها وأحكامها لعين واحدة ليس لها من
ذلك شيء، والموجد لها ومحرّكها ومسكنها بيننا وبينه تلك الستارة المضروبة وهو الحدّ
الفاصل بيننا وبينه به يقع التمييز فيقال فيه إله، ويقال فينا عبيد وعالم أي لفظ شئت، ثم إن
هذا العماء هو عين البرزخ بين المعاني التي لا أعيان لها في الوجود، وبين الأجسام النورية
والطبيعة كالعلم والحركة هذا في النفوس وهذه في الأجسام، فتتجسد في حضرة الخيال
كالعلم في صورة اللبن، وكذلك تعيين النسب وإن كانت لا عين لها لا في النفس ولا في
الجسم كالثبات في الأمر نسبة إلى الثابت فيه يظهر هذا الثبات في صورة القيد المحسوس في
حضرة الخيال المتصل، وكالأرواح في صور الأجسام المتشكلة الظاهرة بها كجبريل في
صورة دحية، ومن ظهر من الملائكة في صور الذر يوم بدر هذا في الخيال المنفصل وكالعصا
والحبال في صور الحيات تسعى كما قال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ يعني إلى موسى ﴿مِن سِحْرِهِمْ﴾ أي من
علمهم بما فعلوه ﴿أَّا تَتْعَى﴾ [سورة طه: الآية ٦٦] فأقاموا ذلك في حضرة الخيال، فأدركها موسى
مخيلة ولا يعرف أنها مخيلة بل ظن أنها مثل عصاه في الحكم ولهذا خاف فقيل له: ﴿لَا تَّخَفْ
إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [سورة طه: الآية ٦٨] فالفرقان بين الخيال المتصل والخيال المنفصل أن المتصل
يذهب بذهاب المتخيل، والمنفصل حضرة ذاتية قابلة دائماً للمعاني والأرواح فتجسدها

٤٦٨
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
بخاصيتها لا يكون غير ذلك، ومن هذا الخيال المنفصل يكون الخيال المتصل، والخيال
المتصل على نوعين: منه ما يوجد عن تخيل، ومنه ما لا يوجد عن تخيل، كالنائم ما هو عن
تخيل ما يراه من الصور في نومه، والذي يوجد عن تخيل ما يمسكه الإنسان في نفسه من مثل
ما أحسّ به أو ما صورته القوّة المصوّرة إنشاء لصورة لم يدركها الحسّ من حيث مجموعها،
لكن جميع آحاد المجموع لا بدّ أن يكون محسوساً، فقد يندرج المتخيل الذي هو صورة
الملك في صورة البشر، وهو من الخيال المنفصل في الخيال المتصل فيرفعه في الخيال
المتصل وهو خيال بينهما صورة حسية لولاها ما رفع مثالها الخيال المتصل، ومن هذا الباب
التجلي الإلهيّ في صور الاعتقادات وهذا ممّا يجب الإيمان به .
خرّج مسلم في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدريّ وهو حديث طويل وفيه: ((حَتَّى
إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرِّ وَفَاجِرٍ فَيَأْتِيهِمْ رَبُّ العَالَمِينَ تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ فِي أَدْنَى صُورَةٍ
مِنَ الَِّي رَأَوَهُ فِيهَا قَالَ: فَيَقُولُ: مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ لِتَتَبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارِقْنَا
النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيهِم وَلم نُصَاحِبْهُمْ، قَالَ: فيقولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، قَالَ: فَيَقُولُونَ:
نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ لاَ تُشْرِكُ بِاللَّهِ شيئاً مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثاً حَتَى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ فيقولُ: هَلْ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ آيَةً تَعْرِفُونَهُ بها؟ فَيَقُوَّلُونَ: نَعَمْ قَالَ: فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ فَلا يَبْقَى مَنْ كَانَ
يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلاَّ أُذِنَ لَهُ بِالسُّجُودِ، ولاَ يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتَّقَاءٌ وَرِيَاءَ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ
ظهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً كُلَّمَا أُرَادَ أَنْ يَسْجُد خَرَّ عَلَى قَفَاهُ ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ
الَّتِي رَأَوْهُ فِيها أَوْلَ مَرَّةٍ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ قَالَ: فَيَقُولُونَ: نَعَمْ أَنْتَ رَبُّنَا)) الحديث، فانظر نظر
المنصف في هذا الخبر من تحوّل الحق سبحانه في الصور وهو سبحانه لا غيره، فأنكر في صورة
وأقرّ به في صورة والعين واحدة والصور مختلفة، فهذا عين ما أردناه من اختلاف الصور في
العماء أعني صور العالم، فالصور بما هي صور هي المتخيلات، والعماء الظاهرة فيه هو
الخيال، وفي هذا الحديث شفاء لكل صاحب علة إذا استعمله بالنظر السديد على الإنصاف
وطلب الحق، وهكذا تجليه على القلوب وفي أعيان الممكنات فهو الظاهر وهو الصور بما تعطيه
أعيان الممكنات باستعداداتها فيمن ظهر فيها، فالممكنات هو العماء، والظاهر فيه هو الحق،
والعماء هو الحق المخلوق به، واختلاف أعيان الممكنات في أنفسها في ثبوتها، والحكم لها
فيمن ظهر فيها، وهكذا أيضاً تجلّ الحق للنائم في حال نومه ويعرف أنه الحق ولا يشك وكذلك
في الكشف، ويقول له عابر الرؤيا: حقاً رأيت وهو في الخيال المتصل فما أوسع حضرة
الخيال، وفيها يظهر وجود المحال بل لا يظهر فيها على التحقيق إلاَّ وجود المحال، فإن الواجب
الوجود وهو الله تعالى لا يقبل الصور، وقد ظهر بالصورة في هذه الحضرة فقد قبل المحال
الوجود الوجود في هذه الحضرة، وفيها يرى الجسم في مكانين، كما رأى آدم نفسه خارجاً عن
قبضة الحق فلما بسط الحق يده فإذا فيه آدم وذريته الحديث، فهو في القبضة وهو عينه خارج
عن القبضة فلا تقبل هذه الحضرة إلا وجود المحالات. وكذلك الإنسان في بيته نائم ويرى
نفسه على صورته المعهودة في مدينة أخرى وعلى حالة أخرى تخالف حاله الذي هو عليها وهو

٤٦٩
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
عينه لا غيره لمن عرف أمر الوجود على ما هو عليه، ولولا هذه الرائحة ما قدر العقلاء على
فرض المحال عند طلب الدلالة على أمر ما لأنه لو لم يقبل المحال الوجود في حضرة مّا ما صحّ
أن يفرض ولا يقدر فإذا قلت مثل هذا لمن فرضه ينسى بالخاصية حكم ما فرضه ويقول: لا
يتصوّر وجود المحال، وهو يفرض وجوده ويحكم عليه بما يحكم على الواقع فلو لم يتصوّره ما
حكم عليه، وإذا تصوّره فقد قبل الوجود بنسبة ما فتحقق ما قلناه تجد الحق .
ومن هذا الباب مشاهدة المقتول في سبيل الله في المعركة وهو في نفس الأمر حي يرزق
ويأكل يدركه المؤمن بإيمانه والمكاشف ببصره، وكالميت في قبره يشاهده ساكتاً وهو متكلم
يسأل ويجيب، فإن قلت لمن يرى هذا إثم إنه خيّل له يقول لك: بل أنت خيل لك أنه ساكت
وهو متكلم وخيل لك أنه مضطجع وهو قاعد، ويعضده في قوله الإيمان بالخبر الصحيح
الوارد فهو أقوى في الدلالة منك فعينه أتم نظراً من عينك، والكامل النظر الذي هو أكمل من
الاثنين يقول لكل واحد: صدقت هو ساكت متكلم مضطجع قاعد مقتول حيّ، وكل صورة
مشهودة فيه من الباب الذي ذكرناه، ومن ذلك الصورة في المرآة، وكل جسم صقيل إن كان
الجسم الصقيل كبيراً كبرت الصورة المرئية فيه، ثم إذا نظرت إلى الصورة من خارج وجدتها
غير متنوعة فيما ظهر فيها من التنوّع بتنوّع المرائي حتى في تموجّ الماء تظهر الصورة متموجة،
وكل عين أي كل نظرة تقول للأخرى إنها في مقام الخيال وأن الحق بيدها وتصدق كل نظرة
منها، فتعلم قطعاً أن الصورة المرئية في المرائي والأجسام الصقيلة إنما ظهورها في الخيال
كرؤية النائم وتشكل الروحاني سواء، وأنها ليست في المرآة ولا في الحسّ، فإنها تخالف
صورة الحسّ من حيث تعلّقه الخاص به دون المرآة، وليس في الوجود في الغيب والشهادة
إلاَّ ما ذكرناه.
وكذلك إدراكات الجنة فاكهتها﴿لَّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٣٣] مع وجود
الأكل وارتفاع الحجر فيأكلها من غير قطع بمجرد القطف وقربه من الشخص وعدم امتناعها من
القطف ووجود الأكل، وبقاء العين في غصن الشجرة فتشاهدها غير مقطوعة وتشهدها قطفاً فى
يدك تأكلها وتعلم، ولا تشك أن عين ما تأكله هو عين ما تشهده في غصن شجرته غير مقطوع.
وكذلك سوق الجنة تظهر فيه صور حسان إذا نظر إليها أهل الجنان، فكل صورة يشتهيها دخل
فيها فيلبسها ويظهر بها في ملكه ولعينه وهو يراها في السوق ما انفصلت ولا فقدت، ولو اشتهاها
كل من في الجنة دخل فيها وهي على حالها في السوق ما برحت، فهذا كله نظير الحقائق
كالبياض في كل أبيض بذاته لا أنه انقسم ولا تجزأ بل حقيقة البياضية معقولة ما انتقص منها شيء
مع وجودها في كل أبيض، وكذلك الحيوانية في كل حيوان، والإنسانية في كل إنسان، فيعترف
بهذا جميع العقلاء وينكرون ما ذكرناه من هذه الأمور في التجلي وغيره، فما جاء من ذلك في
الكتاب والسنّة اعترف به المؤمنون وساعدوا أهل الكشف وأنكره أصحاب النظر، وإن قبلوه قبلوه
بتأويل بعيد أو بتسليم لمن قاله إذا كان القائل الله أو رسوله، فإن ظهر عنك مثله جهلوك وأنكروا
ذلك ونسبوك إلى فساد الخيال فهم يعترفون بما أنكروه فإنهم أثبتوا الخيال وفساده، ولا يدلّ

٤٧٠
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
فساده على عدمه، وإنما هو فساده حيث لم يطابق عنده الصحيح الذي هو صحيح، وسواء عندنا
قلت فيه صحيح أو فاسد قد ثبت عينه، وأن تلك الصورة في الخيال فدعها تكون صحيحة أو
فاسدة ما أبالي ولم يكن مقصودنا إلاَّ إثبات وجود الخيال، لم تتعرّض إلى صحة ما يظهر فيه ولا
إلى فساده، فقد ثبت أن الحكم له بكل وجه، وعلى كل حال في المحسوس والمعقول
والحواس والعقول، وفي الصور والمعاني، وفي المحدث وفي القديم وفي المحال وفي
الممكن وفي الواجب، ومن لا يعرف مرتبة الخيال فلا معرفة له جملة واحدة، وهذا الركن من
المعرفة إذا لم يحصل للعارفين فما عندهم من المعرفة رائحة .
ثم إنه ممّا يؤيّد ما ذكرناه أنك لا تشك أنك مدرك لما أدركته أنه حق محسوس لما تعلق
به الحسّ، وأن الحديث الوارد عن النبيّ وََّ في قوله: ((النَّاسُ نِيَامٌ إِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا)) فنبّه أن ما
أدركتموه في هذه الدار هو مثل إدراك النائم بل هو إدراك النائم في النوم وهو خيال، ولا تشك
أن الناس في البرزخ بين هذه الدار والدار الآخرة وهو مقام الخيال، فانتباهك بالموت هو كمن
يرى أنه استيقظ في النوم في حال نومه فيقول في النوم: رأيت كذا وكذا وهو يظن أنه قد
استيقظ، ويعضد هذا الخبر قوله تعالى في حق الميت: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَآءَ فَبَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
[سورة ق: الآية ٢٢] أي تدرك ما لم تكن أدركته بالموت فهو يقظة بالنسبة لما كنت عليه في حال
الحياة الدنيا، ثم إذا بعثت في النشأة الآخرة يقول المبعوث: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّأْ هَذَا﴾ [سورة
يس: الآية ٥٢] فكان كونه في مدة موته كالنائم في حال نومه، مع كون الشارع سمّاه يقظة،
وهكذا كل حال تكون فيه لا بدّ لك من الانتقال عنه وتبقى مثل ما كنت عليه في خيالك المتصل
وفي قوّة كونه كان على الحقيقة في الخيال المنفصل إذ لو كان حقيقة ما تغيّر ولا انتقل، فإن
الحقائق لا تتبدل، وحقيقة الخيال التبدّل في كل حال والظهور في كل صورة فلا وجود حقيقي
لا يقبل التبديل إلاَّ الله فما في الوجود المحقق إلاَّ الله، وأما ما سواه فهو في الوجود الخيالي،
وإذا ظهر الحق في هذا الوجود الخيالي ما يظهر فيه إلاَّ بحسب حقيقته لا بذاته التي لها الوجود
الحقيقيّ، ولهذا جاء الحديث الصحيح بتحوله في الصور في تجليه لعباده وهو قوله: ﴿كُلُّ شَىْءٍ
هَالِكُ﴾ [سورة القصص: الآية ٨٨] فإنه لا يبقى حالة أصلاً في العالم لا كونية ولا إلهية إلاَّ وجهه
يريد ذاته، إذ وجه الشيء ذاته فلا تهلك أين الصورة التي تحوّل فيها من الصورة التي تحوّل
عنها، هذا حظ الصورة التي تحوّل عنها من نسبة الهلاك إليها، فكل ما سوى ذات الحق فهو في
مقام الاستحالة السريعة والبطيئة، فكل ما سوى ذات الحق خيال حائل وظل زائل، فلا يبقى
كون في الدنيا والآخرة وما بينهما ولا روح ولا نفس ولا شيء تما سوى الله، أعني ذات الحق
على حالة واحدة بل تتبدل من صورة إلى صورة دائماً أبداً وليس الخيال إلاَّ هذا فهذا هو عين
معقولية الخيال، انظره في الأصل حيث قال في العماء فشبه بالسحاب والتشبيه تخيل، والعماء
هو جوهر العالم كله، فالعالم ما ظهر إلاَّ في خيال فهو متخيل لنفسه فهو هو وما هو هو .
وممّا يؤيد ما ذكرناه ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ فنفى عين ما أثبت أي تخيلت أنك رمیت
ولا شك أنه رمى ولهذا قال: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ ثم قال: الرمي صحيح ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [سورة

٤٧١
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
الأنفال: الآية ١٧] أي ظهرت يا محمد بصورة حق فأصابت رميتك ما لا تصيبه رمية البشر، كما
نفخ عيسى في صورة الطير فكان طيراً، فظهر في نفخ عيسى النفخ الإلهيّ وهو قوله: ﴿وَنَفَخْتُ
فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩] والنفخ نفس والعماء عين ذلك النفس فهو نفخ في وجود
الحق، فتشكل منه خلق في حق، فكان الحق المخلوق به ما ظهر من صور العالم فيه، وما
ظهر من اختلاف التجلي الإلهيّ فيه، وهذا القدر كاف فيما ذهبنا إليه من علم الخيال، وقد
تقدّم في هذا الكتاب معرفة الأرض التي خلقت من بقية طينة آدم عليه السلام وهي ما ظهر من
صور العالم فيها، فالعلم بتلك الأرض جزء من هذه المسألة.
النوع السابع من المعرفة وهو علم العلل والأدوية. ويحتاج إليه من يربي من الشيوخ،
ولا تنفع هذه الأدوية إلاّ فيمن يقبل استعمالها، فإن لم يستعملها العليل فلا يظهر لها أثر،
فلنبين إن شاء الله العلل بطريق الحصر لأمهاتها، ثم نذكر الأدوية المختصة بها العلل في هذه
الطريقة ليس لها محل إلاَّ النفوس خاصة لا حظ للعقول فيها البتة ولا للأبدان، فإن علل
العقول معروفة، وعلل الأجسام معروفة، وأدوية علل الأجسام موقوفة على الأطباء، وأدوية
علل العقول اتخاذ الخلوات بالميزان الطبيعي، وإزالة التفكّر فيها، ومداومة الذكر ليس غير
ذلك، وما بقي لنا الخوض فيه إلاَّ علل النفوس وهي ثلاثة أمراض: مرض في الأقوال،
ومرض في الأفعال، ومرض في الأحوال. وأما مرض الاعتقادات فهو مرض العقول وقد
ذكرناه، فلنذكر أمراض الأقوال، فمنها التزام قول الحق وهو من أكبر الأمراض دواؤه معرفة
المواطن التي ينبغي أن يصرفه فيها، فإن الغيبة حق وقد نهى عنها، والنميمة حق وقد نهى
عنها، وما يفعله الرجل مع أهله في فراشه إذا أفضى إليها فيقول في ذلك حقاً، وهذا القول من
الكبائر والنصيحة في الملأ بالحق حق وهو فضيحة، ولا تقع إلاّ من الجهلاء وأصحاب
الأغراض لأن الفائدة المطلوبة من النصيحة حصول المنفعة وثبوت الودّ، فإذا وقع النصح في
الملأ لم يحصل القبول وأثمر عداوة وذمّه الله فإنه يخجل بتلك النصيحة في الملأ، ويجعل
الشخص الذي خاطبه بالنصح في الملأ يكذب في اعتذاره عن ذلك ويجد عليه فيه، ويكون
ذلك سبباً إلى فساد كبير، فلو نصحه في خلوة بطريقة حسنة بأن يظهر له عيب نفسه في نفس
الأمر ولا يشعره أنه يقصده بذلك ليعلمه إن كان جاهلاً بقبح ذلك الأمر الذي نصحه فيه شكره
في نفسه وأحبه ودعى له وأثمر له الخير وكان في ميزانه فما كل حق مأمور به ولا مستحسن
شرعاً ولا عرفاً، وكذلك من يجبه الناس بما يكرهون وإن كان حقاً فإنه يدل على لؤم الطباع
والجهل وقلة الحياء من الله فإنه بعيد أن يسلم في نفسه من عيب يكون فيه لا يرضي الله، فلو
اشتغل بالنظر في عيبه لشغله ذلك عن عيب غيره، ومن التزم تتبع حركات صاحبه بحيث أن
يقيد عليه أنفاسه فهو من أشد الأمراض، فإنه شغل بما لا يعنيه وغفلة عن نفسه والنفس تخزنه
عندها في زمان صداقته ليوم مّا وهو لا يشعر، ويحجبه عن هذا الشعور محبته فيه في الوقت،
فإذا وجد في نفسه أدنى كراهة في صاحبه أو إعراض لملل أو هفوة صدرت منه في حقه أخرج
ما كان عنده مخزوناً من القبائح التي كان خباءها عنده واختزنها له في نفسه في تتبعه فيقول له

٤٧٢
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
في معرض التوبيخ: ألم تقل كذا في يوم كذا؟ ألم تفعل كذا في يوم كذا؟ ثم إذا عدد عليه ما
كان اختزنه يقول له: وهذا كله يدل على قلة الدين أو عدم الدين وأنا كنت أرى منك هذا كله
وأقول: لعل له في هذا وجهاً ولا وجه لك فيه في الشرع، وهذا خلاف الحق فيسمعه ما يكره
وما كان غافلاً عنه، وما كان يعلم أن هذا يحصى عليه أنفاسه ويرجع عليه من أكبر الأعداء،
وأصل هذا كله من التتبع لمثالبه واختزانه إياها في خزانة نفسه وذلك لسوء الطبع ودناءة الأصل
والفرع، وهذا يوجد في الأصحاب والأصدقاء كثيراً وقد قيل في ذلك: [مجزوء الكامل]
واحذَز صديقَك ألفَ مَرَّهُ
احذَز عدوَّكَ مرةً
قُ فكان أعرفَ بالمَضَرَّهُ
فَلَربَّما هَجَرَ الصديـ
وهذا كله وبال يعود على قائله وإن كان حقاً. ومن أمراض الأقوال السؤال عن أحوال
الناس وما يفعلون، ولم جاء فلان؟ ولم مشى فلان؟ والسؤال عن كل ما لا يعني، وسؤاله عن
أهله ما فعلوا في غيبته دواه التأسي برسول الله وسلّر في كونه ما أتى أهله من سفره ليلاً ونهيه
أصحابه عن ذلك حتى لا يفجأهم فيرى منهزماً يكره، والاستئذان من هذا الباب إبقاء للستر
فإنه قد علم أن لكل أحد هنات، وأيضاً فما كل ما يعمله الإنسان وإن كان خيراً يحب أن
يعلمه منه كل أحد، فإذا ألحّ هذا السائل عن العلم به أضر بالمسؤول حيث جعله ينطبق بما لا
يريده أو يكذب، فإن لم ينطق أثر في نفس السائل حزازة ويقول: لو كنت عنده بمكانة ما ستر
عني ما سألته عنه فنقص من خلوص مودته التي كانت له في نفسه، ولو حصلت له تهمة في
نفسه تؤدّيه إلى مثل هذا الفعل فليس له ذلك شرعاً ولا عقلاً ولا مروءة، وهذا باب قل أن يقع
إلاَّ من خبيث الباطن لا دين له سيىء السريرة، قال ◌ََّ: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمَ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ
یغنِیهِ)).
ومن أمراض الأقوال الامتنان والتحدّث بما يفعله من الخير مع الشخص على طريق
المن، والمن الأذى دواؤه لما كان يسوءه ذلك ويحبط أجر رب النعمة، فإن الله تعالى قد
أبطل ذلك العمل بقوله: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِلْمَنّ وَالْأَذَى﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٤] وأي أذى
أعظم من المن فإنه أذى نفسي، ودواؤه أنه لا يرى أوصل إليه ممّا كان في يديه إلاَّ ما هو له
في علم الله، وأن ذلك الخير إنما كان أمانة بيده ما كان له لكنه لم يكن يعرف صاحبها، فلما
أخرجها بالعطاء لمن عين الله في نفس الأمر حينئذ يعرف صاحب تلك الأمانة، فشكر الله على
أدائها، ومن أعطى هذا النظر فلا تصحّ منه منة أصلاً .
ومن أمراض الأقوال أيضاً أن يفعل الرجل الخير مع بعض أولاده لأمر في نفسه،
وبعض أولاده ما فعل معهم ذلك الخير، فيقول له قائل بحضور من لم يفعل معه ذلك من
أولاده: لِمَ لَمْ تفعل مثل ذلك مع هذا الولد الآخر؟ فهذا من فضول الكلام حيث قاله بحضور
ولده، ويثمر في نفس الولد عداوة لأبيه، ولا يقع مثل هذا إلاّ من جاهل كثير الفضول فإنها
كلمة شيطانية وليس لها دواء بعد وقوعها. وأما قبل وقوعها فداؤها أن ينظر في قول
النبي بَّ: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمَ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ)) ومن أمراض الأقوال أيضاً أن يقول

٤٧٣
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
الإنسان: أنا أقول الحق ولا أبالي عزّ على السامع ذلك أو لم يعزّ عليه من غير أن ينظر إلى فضول
القول ومواطنه، ثم يقول: قلت لفلان الحق وعزّ عليه سماعه ويزكي نفسه ويجرح غيره وينسى
قوله تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١١٤] وهو دواء هذه العلة الدواء
﴿لَّا خَيّرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ ولها مواطن وصفة مخصوصة وهو أن يأمره
في السرّ لا في الجهر، فإن الجهر علة لا يشعر بها لأنه قد يعطيها لغير الله، ثم قال: ﴿أَوْ
مَعْرُوفٍ﴾ [سورة النساء: الآية ١١٤] وقول المعروف هو القول في موطنه الذي عينه الله ويرجو
حصول الفائدة به في حق السامع فهذا معنى ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ فمن لم يفعل فهو جاهل وإن ادّعى
العلم، ثم قال: ﴿أَوَ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [سورة النساء: الآية ١١٤] فيعلم أن مراد الله التوادد
والتحابب فيسعى في ذلك، وإن لم يجعل الكلام في موضعه أدى إلى التقاطع والتنافر والتدابر،
ثم بعد هذا كله قال في حق المتكلم: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء: الآية
١١٤] ولا يكون ذلك إلاّ تمن يعلم ما يرضي الله ولا يعلم ما يرضي الله إلاَّ بالعلم بما شرع الله
في كتابه وعلى لسان رسوله، فيرى عندما يريد أن ينطق بالأمر هل نطقه به في ذلك الموطن
يرضي الله من جميع الوجوه، فإن وجد وجهاً يقدح فيه فالكل غير مقبول وغير مرضي عند الله
فإنه لا يحتلم التجزي ولا الانقسام وهذا موضع غلط، ودواءه ما قلنا من العمل المشروع والعلم
بما يرضي الله .
ومن أمراض الأقوال أيضاً تغيير المنكر على شخص معين من سلطان وغيره دون أن
يعمّ دواءه معرفة الميزان في ذلك وبراءته في نفسه من كل منكر يعلم أن الشرع ينكره عليه في
مذهبه واجتهاده لا غير ولا يلزمه ما هو عند غيره منكر وعنده مباح، ثم الذي هو عنده منكر
ينظر إلى من يغير عليه ذلك إن كان ممّن هو عنده معروف كالنبيذ عند الحنفيّ المتخذ من
التمر إذا رآه يشربه أو يتوضأ به وهو عنده حرام فلا يغيره إلاَّ على من يعتقد تحريمه خاصة أو
يكون من المنكر المجمع عليه فهذا هو الميزان، وتفاريع الأقوال كثيرة، وحصر عللها
وأدويتها في أمرين: الواحد أن تتكلم إذا اشتهيت أن تسكت وتسكت إذا اشتهيت أن تتكلم.
والأمر الآخر: أن لا تتكلم إلاَّ فيما إن سكت عنه كنت عاصياً وإن لم فلا، وإياك والكلام
عندما تستحسن كلامك وتستحليه، فإن الكلام في ذلك الوقت من أكبر الأمراض وما له دواء
إلاَّ الصمت لا غير إلاَّ أن تشهد على رفع الستر، هذا هو الضابط.
وصل: وأما أمراض الأفعال فهو أن يكون أداؤك لذلك الفعل الذي هو عبادة كالصلاة
مثلاً في الملأ أحسن من أدائك في السرّ، يقول وَّرَ في مثل هذه الفعلة: ((تِلْكَ اسْتِهَانَةٌ اسْتَهَانَ
بِهَا رَبَّهُ فِي رَجُلٍ حَسَّنَ صَلاَتَهُ فِي المَلإِ وَأَسَاءَهَا فِي الخُلْوَةِ) وهذا من أصعب الأمراض النفسية
ودواءه: ﴿أَ بَّ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق: الآية ١٤] ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَّكُمْ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣]
﴿وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّهُ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧] وأمثال هذه الآيات والأخبار، ولهذا دواء آخر
ولكن يغمض تركيبه، وهو أن ينوي بتحسينه تعليم الجاهل وتذكرة الغافل. ومن الأمراض
الفعلية أيضاً ترك العمل من أجل الناس وهو الرياء عند الجماعة، وأما العمل من أجل الناس

٤٧٤
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
فذلك شرك ما هو رياء عند السادة من أهل الله ودواؤه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة
الصافات: الآية ٩٦] وما أشبه هذه الآية، فاعلم ذلك.
وصل: وأما أمراض الأحوال فصحبة الصالحين حتى يشتهر في الناس أنه منهم وهو في
نفسه مع شهوته، فإن حضروا سماعاً وهو قد تعشق بجارية أو غلام والجماعة لا تعلم بذلك
فأصابه وجد وغلب عليه الحال لتعلّقه بذلك الشخص الذي في نفسه فيتحرّك ويصيح ويتنفس
الصعداء ويقول: الله الله، أو هو هو، ويشير بإشارات أهل الله، والجماعة تعتقد في حاله أنه
حال إلهيّ مع كونه ذا وجد صحيح وحال صحيحة ولكن فمن دوائه ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنْهَا ﴾
[سورة الشمس: الآية ١٠] وما أشبه هذه الآية من الأخبار. ومن أمراض الأحوال أيضاً أن يلبس
دون ما في نفسه دواؤه أن يلبس ما في نفسه ممّا يحل له لباسه وأمثال هذا، فمن عرف هذه
العلل وأدوائها واستعملها مع نفسه نفعها.
حُكي عن الشيخ روزبهار أنه كان قد ابتلي بحب امرأة مغنية وهام فيها وجداً وكان كثير
الزعقات في حال وجده في الله بحيث إنه كان يشوش على الطائفين بالبيت في زمن مجاورته
فكان يطوف على سطوح الحرم وكان صادق الحال، ولما ابتلي بحب هذه المغنية لم يشعر به
أحد، وانتقل حكم ذلك الذي كان عنده بالله بها، وعلم أن الناس يتخيلون فيه أن ذلك الوجد
لله على أصله فجاء إلى الصوفية وخلع الخرقة ورمى بها إليهم وذكر للناس قصته وقال: لا
أريد أن أكذب في حالي، ولزم خدمة المغنية، فأخبرت المرأة بحاله ووجده بها وأنه من أكابر
أهل الله فاستحت المرأة وتابت إلى الله ممّا كانت فيه ببركة صدقه ولزمت خدمته وأزال الله
ذلك التعلّق بها من قلبه، فرجع إلى الصوفية ولبس خرقته ولم ير أن يكذب مع الله في حاله،
فهكذا صدقهم، فهذا حصر الأمر، فإن الإنسان لا يخلو أن يقام في قول أو فعل أو حال وما
ثمَّ رابع، وكذلك صاحب القيام في حال الوجد إذا قام بوجده ثم زال عنه جلس من حينه ولا
يتواجد فإن تواجد ولم يقل للحاضرين أنه متواجد فهو صاحب مرض فهذا جماع هذه
المسألة، وتفاريع الأقوال والأفعال والأحوال كثيرة فليحذر من الكذب في ذلك وليلزم الصدق
ولا يظهر للناس إلاَّ بما يظهر الله في الموطن الذي ينبغي، فإن العلم بحكم الله في تفاصيل
هذه الأمور شرط في أهل الله ولا بدّ من ذلك، فما عبد الله من لم يعلم حكمه فإن الله ما اتخذ
ولياً جاهلاً، فهذا قد ذكرنا جماع أبواب المعرفة وفصولها التي إذا حصلها الإنسان سمي عارفاً
خاصة، فإن زاد على هذا العلم بالله وما يجب له وما يجوز عليه وما يستحيل ويفرق بين علمه
بذاته وبين علمه بكونه إلهاً فهذا مقام العلماء بالله لا مقام العارفين، فإن المعرفة محجة وطريق
والعلم حجة، والعلم نعت إلهيّ، والمعرفة نعت كيانيّ نفسي ربانيّ، وهذا الباب للمعرفة،
غير أن أصحابنا من أهل الله قد أطلقوا على العلماء بالله اسم العارفين، وعلى العلم بالله من
طريق الذوق معرفة، وحدّوا هذا المقام بنتايجه ولوازمه التي تظهر عن هذه الصفة في أهلها .
سئل الجنيد عن المعرفة والعارف فقال: لون الماء لون إنائه، أي هو متخلق بأخلاق الله
حتى كأنه هو وما هو هو وهو هو، فالعارف عند الجماعة من أشعر الهيبة نفسه والسكينة وعدم

٤٧٥
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
العلاقة الصارفة عنه، وأن يجعل أوّل المعرفة لله وآخرها ما لا يتناهى، ولا يدخل قلبه حق ولا
باطل، وأن توجب له الغيبة عن نفسه لاستيلاء ذكر الحق، فلا يشهد غير الله ولا يرجع إلى
غيره فهو يعيش بربه لا بقلبه، وأن تكون المعرفة إذا دخلت قلبه تفسد أحواله التي كان عليها
بأن تقلبها إليه تعالى لا بأن تعدمها، فإنها عندهم كما قال الله تعالى عن قول بلقيس: ﴿إِنَّ
الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [سورة النمل: الآية ٣٤]
وعندنا ليس كذلك، بل يجعلوا أعزّة أهلها بالله بعدما كانت بغير الله، وذلتها لله لا لغير الله،
فلا حال عندهم للعارف لمحو رسومه وفناء هويته وغيبة أثره، وأنه لا تصحّ المعرفة وفي العبد
استغناء بالله، وأن العارف أخرس منقطع مقتطع منقمع عاجز عن الثناء على معروفه، وأنه
خائف متبرم بالبقاء في هذا الهيكل وإن كان منوّراً لما عرّفه الشارع أن في الموت لقا الله
فتنغصت عليه الحياة الدنيا شوقاً إلى ذلك اللقاء، فهو صافي العيش كدر طيب الحياة في نفس
الأمر لا في نفسه، قد ذهب عنه كل مخلوق وهابه كل ناظر إذا رأى ذكر الله، وأنه ذو أنس
بالله، وأن يكون مع الله بلا فصل ولا وصل، حيي في قلبه، تعظيم قلبه مرآة للحق، حليم
محتمل فارغ من الدنيا والآخرة ذو دهش وحيرة، يأخذ أعماله عن الله ويرجع فيها إلى الله،
بطنه جائع وبدنه عار، لا يأسف على شيء إذ لا يرى غير الله، طيار تبكي عينه ويضحك قلبه،
فهو كالأرض يطأها البر والفاجر، وكالسحاب يظل كل شيء وكالمطر يسقي ما يحب وما لا
يحب، لا تمييز عنده، لا يقضي وطره من شيء، بكاؤه على نفسه وثناؤه على ربه، يضيع ماله
ويقف مع ما للحق لا يشتغل عنه طرفة عين، عرف ربه بربه مهدي في أحواله، لا يلحظه
الأغيار، ولا يتكلم بغير كلام الله، مستوحش من الخلق ذو فقر وذلة يورث غنى وعزّة،
معرفته طلوع حق على الأسرار ومواصلة الأنوار، حاله فوق ما يقول استوت عنده الحالات
في الفتح فيفتح له على فراشه كما يفتح له في صلاته وإن اختلفت الواردات بحسب المواطن،
دائم الذكر ذو لوامع يسقط التمييز لا يكدّره شيء، ويصفو به كل شيء تضيء له أنواع العلم
فيبصر بها عجائب الغيب، مستهلك في بحار التحقيق، صاحب أمواج تغط فترفع وتحط
صاحب وقت واستيفاء حقوق المراسم الإلهية على التمام، نعته في تحوّله من صفة إلى صفة
دائم لا يتعمّل ولا يجتلب أحيد الوقت يسع الأشياء ولا تسعه، يرجو ولا يرجى، رحيم مؤنس
مشاهد جلال الحق وجمال الحضرة أمّعة مع كل وارد، يصادف الأمور من غير قصد له وجود
في عين فقد، ذو قهر في لطف ولطف في قهر، حق بلا خلق مشاهد قيام الله على كل شيء،
فإن عنه به باق معه به غائب عن التكوين حاضر مع المكوّن، صاح بغيره سكران بحبه جامع
للتجلي، لا يفوته ما مضى بما هو فيه، ثابت المواصلة محكم للعبادة في العادة مع إزالة
العلل، طائع بذاته قابل أمر ربه منزه عن الشبيه، تجري عليه منه أحكام الشرع في عين الحقيقة
ذو روح وريحان، قلبه طريق مطرقة لكل سالك صاحب دليل وكشف وشهود يكرم الوارد
ويتأدّب مع الشاهد، بريء من العلل صاحب إلقاء وتلق، مضنون به مستور بولهه، محبوس
في الموقف ذاهب تحت القهر، رجوعه سلوك وحجابه شهود، سرّه لا يعلم به زره، كلما

٤٧٦
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
ظهر له وجه علم أنه بطن عنه، وجه منفرد بلا انفراد، متواتر الأحوال بحكم الأسماء، أمين
بالفهم قابل للزيادة موحّد بالكثرة صاحب حديث قديم، يعلم ما وراء الحجب من غير رفع
حجاب، ذو نور طامس، شعاعاته محرقة وفجآت وارداته مقلقة يرد عليه ما لا يعرف، متمكن
في تلوينه لكون خالقه كل يوم في شأن، مجرد بكله عن السوى، واقف بالحق في موطنه،
مريد لكل ما يراد منه ذو عناية إلهية تجذبه، سالك في سكون مقيم في سفره صاحب نظرة
ونظر يجد ما لا تسعه العبارة من دقائق الفهم عن الله من غير سبب، مهذب الأخلاق غير قائل
بالاتحاد، ذاهب في كل مذهب بغير ذهاب، مقدس الروح عن رعونات النفوس، معلوم
المراتب في البساط مؤمن بالناطق في سرّه مصغ إليه راغب فيما يرد به مشفق ممّا في باطنه
مظهر خلاف ما يخفي لمصلحة وقته ولهه لا يحكم عليه غريب في الملأ الأعلى والأسفل،
ذو همة فعالة مقيدة غير مطلقة، غيور على الأسرار أن تذاع، لا يسترقه شيء يطالع بالكوائن
على طريق المشورة باستجلاء في ذلك يجده يمنعه ذلك من الانزعاج لأنه لا يقتضيه مقام
الكون له جماع الخير يتحكم بالمشيئة لا بالاسم، قد استوت طرفاه فأزله مثل أبده تدور عليه
المقامات ولا يدور عليها، له يدان يقبض بهما ويبسط في عالم الغيب والشهادة عن أمر الحق
ولاية وخلافة، حمال أعباء المملكة يستخرج به غيابات الأمور ينشيء خواطره أشخاصاً على
صورته محفوظ الأربعة فريد من النظراء له في الملكوت وقائع مشهودة ونعوت العارف أكثر
من أن تحصى .
فهذه بعض إشارات الطائفة في حقيقة العارف والمعرفة، جئنا بها لنعلم مقاصدهم في
ذلك حتى لا يقول أحد عنا أنا قد انفردنا بطريق لم يسلكوا عليها بل الطريق واحدة وإن كان
لكل شخص طريق تخصه، فإن الطرق إلى الله تعالى على عدد أنفاس الخلائق، يعني أن كل
نفس طريق إلى الله وهو صحيح، فعلى قدر ما يفوتك من العلم بالأنفاس ومراعاتها يفوتك من
العلم بالطرق، وبقدر ما يفوتك من العلم بالطرق يفوتك من غاياتها، وغاية كل طريق هو الله
فإنه ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣].
وأما صفة العارف عندنا من الموطن الإلهيّ الذي يشهده العارفون من الحق في
وجودهم وهو شهود عزيز، وذلك أن يكون العارف إذا حصلت له المعرفة قائماً بالحق في
جمعيته نافذ الهمة مؤثراً في الوجود على الإطلاق من غير تقييد، لكن على الميزان المعلوم
عند أهل الله مجهول النعت والصفة عند الغير من جميع العالم من بشر وجن وملك وحيوان لا
يعرف فيحد ولا يفارق العادة فيميز حامل الذكر مستور الحال عام الشفقة على عباد الله، يفرق
في رحمته بين من أمر برحمته حتى يجعل له خصوص وصف عارف بإرادة الحق في عباده
قبل وقوع المراد، فيريد بإرادة الحق لا ينازع ولا يقاوم ولا يقع في الوجود ما لا يريده وإن
وقع ما لا يرضى وقوعه بل يكرهه شديد في لين، يعلم مكارم الأخلاق في سفسافها فينزلها
منازلها مع أهلها تنزيل حكيم، بريء ممّن تبرأ الله منه محسّ إليه مع البراءة منه، مصدق بكل
خبر في العالم كما يعلم عند الغير أنه كذب فهو عنده صدق مؤمن عباد الله من غوائله مشاهد

٤٧٧
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
تسبيح المخلوقات على تنوّعات أذكارها، لا تظهر إلاَّ لعارف مثله، إذا تجلّى له الحق يقول:
أنا هو لقوّة التشبّه في عموم الصفات الكونية والإلهية، إذا قال: بسم الله كان عن قوله ذلك
كل ما قصده بهمته، لا يقول: ﴿كُنْ ﴾ أدباً مع الله، يعطي المواطن حقها كبير بحق صغير
لحق متوسط مع حق جامع لهذه الصفات في حال واحدة، خبير بالمقادير والأوزان لا يفرّط
ولا يفرط، يتأثّر مع الأنات لتغير الأحوال فلا يفوته من العالم ولا ممّا هو عليه الحق في
الوقت شيء ممّا يطلبه العالم في زمن الحال، يشاهد نشأ الصور من أنفاسه بصورة ما هو عليه
في قلبه عند خروج النفس، فإذا ورد عليه النفس الغريب من خارج لتبريد القلب خلع على
ذلك النفس خلعة الوقت فينصبغ ذلك النفس بذلك النور الذي يجد في القلب يستر مقامه
بحاله وحاله بمقامه، فيجهله أصحاب الأحوال بمقامه، ويجهله أصحاب المقامات بحاله، له
عنف على شهوته إذا لم يروجه الحق في طبيعتها يبذل لك لا له عطاءه غير معلول، لا يمن إذا
أمتن، ويمتن بقبول المن، لا يؤاخذ الجاهل بجهله، فإن جهله له وجه في العلم لا يشعر
المعطي من عنده حين ما يعطيه يعرّفه أن ذلك أمانة عنده أمر بإيصالها إليه لا يعرّفه أن ذلك من
عند الله، يفتح مغاليق الأمور المشكلة بالنور المبين، يأكل من فوقه ومن تحت رجله، يضم
القلوب إليه إذا شاء من حيث لا تشعر، ويرسلها إذا شاء من حيث لا تشعر، يملك أزمة
الأمور وتملكه بما فيها من وجه الحق لا غير، ينظر إلى العلو في أسفل بنظره، وينظر إلى
السفل فيعلو ويرتفع بنظره، ويحجر الواسع ويوسع المحجور، يسمع كل مسموع منه لا من
حيثية ذلك المسموع، ويبصر كل مبصر منه لا من حيث ذلك المبصر، يقضي بين الخصمين
بما يرضي الخصمين، فيحكم لكل واحد لا عليه مع تناقض الأمر، يميل إلى غير طريقه في
طريقه لحكمة الوقت، يغلب ذكر النفس على ذكر الملأ من أجل المفاضلة غيرة أن يفاضل
الحق، فإنه ذاكر بحق في حق، الأمور كلها عنده ذوقية لا خبرية، يعرف ربه من نفسه، كما
علم الحق العالم من علمه بنفسه، لا يؤاخذ بالجريمة فإن الجريمة استحقاق والمجرم
المستحق عظمته في ذلّته وصغاره، لا ينتقل عن ذلته في موطن عظمته دنيا وآخرة، هو في
علمه بحسب علمه، إن اقتضى العمل عمل وإن اقتضى أن لا عمل لم يعمل، عنده خزائن
الأمور بحكمه ومفاتيحها بيده، ينزل بقدر ما يشاء، ويخرج ما يشاء من غير اشتعار، غوّاص
في دقائق الفهوم عند ورود العبارات، له نعوت الكمال، له مقام الخمسة في حفظ نفسه
وغيره، ينظر في قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ فلا يتعداه، يدبر أمور الكون بينه وبين ربه
كالمشير العالم الناصح في الخدمة القائم بالحرمة، لا أينية لسره، لا يبخل عند السؤال، ينظر
في الآثار الإلهية الكائنة في الكون ليقابلها بما عنده لما سمع الله يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِى
اَلَفَاقِ وَفِىّ أَنفُسِهِمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] يسمع نداء الحق من ألسنة الخلق، يسع الأشياء ولا
تسعه سوى ربه فهو إبنه وعينه، مرتب للأوامر الإلهية الواردة في الكون، ثابت في وقت
التزلزل لا تزلزله الحادثات، ليست في الحضرة الإلهية صفة لا يراها في نفسه، يظهر في أيّ
صورة شاء بصفة الحياة مع الوقوف عند المحدود، يعرف حقّه من حق خالقه، يتصرف في

٤٧٨
في المعاملات/ الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
الأشياء بالاستحقاق ويصرف الحق فيها بالاستخلاف، له الاقتدار الإلهي من غير مغالبة، لا
تنفذ فيه همم الرجال ولا يتوجه للحق عليه حق، يتولى الأمور بنفسه لا بربه لأنه لا يرى نفسه
لغلبته ربه، عليه تعود عليه صفات التنزيه مع وجود التشبيه، يحصي أنفاسه بمشاهدة صورها
فيعلم ما زاد وما نقص في كل يوم وليلة، ينظر في المبدء والمعاد فيرى إلتقاء طرفي الدائرة،
يلقي الكلمة في المحل القابل فيبدل صورته وحاله في أي صورة كان، ما يطأ مكاناً إلاَّ حيي
ذلك المكان بوطأته لأنه وطئه بحياة روحية، إذا قام قام لقيامه ربه ويغضب لغضبه ويرضى
لرضاه، فإن حالته في سلوكه كانت هكذا فعادت عليه ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [سورة
الرحمن: الآية ٦٠] لا يخطر له خاطر في شيء إلاَّ تكوّن، ولا يعرف ذلك الشيء أنه كونه، له
على الأشياء شرف العما لا شرف الاستواء، فهو وحيد في الكون غير معروف العين، من لجأ
إليه خسر، ولا تقتضى حاجته إلاّ به، فإنه ظاهر بصورة العجز وقدرته من وراء ذلك العجز،
لا يمتنع عن قدرته ممكن، كما لا يمتنع عن قدرة خالقه محال ليصحّ الامتياز، فهذا وإن تأخّر
بظاهره فهو متقدم بباطنه، ليجمع في شهوده بين الأوّل والآخر والباطن والظاهر، يحسن
للمسيء والمحسن، يرجع إلى الله في كل أمر، ولا ينتقم لنفسه ولا لربه إلاَّ بأمره الخاص،
فإن لم يأمره عفى بحق لشهوده السابقة في الحال، القليل عنده كثير، والكثير عنده قليل،
يجري مع المصالح فيكون الحق له ملكاً، يسبح أسماء الله بتنزيهها عن أن تنالها أيدي الغافلين
غيرة على الجناب الإلهي من حيث كونها دلائل عليه دلالة الاسم على المسمّى، إن ولي
منصباً يعطي العلو لم ير فيه متعالياً بالله فأحرى بنفسه، يعدل في الحكم ولا يتصف بالظلم،
جامع علوم الشرع من عين الجمع، مستغن عن تعليم المخلوقين بتعليم الحق، يعطي ما
تحصل به المنفعة ولا يعطي ما تكون به المضرة، إن عاقب فتطهير لا تبقى مع نور عدله ظلمة
جور، ولا مع نور علمه ظلمة جهل، يبين عن الأمور بلسان إلهي فيكشف غامضها ويجليها
في منصتها، يخترع من مشاهدة صورة موجده لا من نفسه، وليس هذا الكل عارف إلاّ لمن
يعلم المصارف، فإنه مشهد ضنين له البقاء في التلوين، يرث ولا يورث بالنبوّة العامة،
يتصرّف ويعمل ما ينبغي كما ينبغي لما ينبغي، يؤذى فيحلم عن مقدرة، وإذا آخذ فبطشه
شديد لأنه خالص غير مشوب برحمة. قال أبو يزيد: بطشي أشد، فهذه صفة العارف عندي
فتحقق فإن موطن هذا المأخذ عزيز والله ذو الفضل العظيم.
وصل: في تسمية هذا المقام بالمعرفة وصاحبه بالعارف.
اختلف أصحابنا في مقام المعرفة والعارف ومقام العلم والعالم، فطائفة قالت: مقام
المعرفة ربانيّ، ومقام العلم إلهيّ، وبه أقول، وبه قال المحققون كسهل التستري وأبي يزيد
وابن العريف وأبي مدين. وطائفة قالت: مقام المعرفة إلهيّ ومقام العلم دونه، وبه أيضاً
أقول، فإنهم أرادوا بالعلم ما أردناه بالمعرفة، وأرادوا بالمعرفة ما أردناه بالعلم، فالخلاف فيه
لفظي، وعمدتنا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَا
عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٣] فسماهم عارفين وما سماهم علماء. ثم ذكر ذكرهم

٤٧٩
في المعاملات / الباب السابع والسبعون ومائة في معرفة مقام المعرفة
فقال: ﴿ يَقُولُونَ رَبََّآَ﴾ لم يقولوا إلهنا ﴿ءَامَنًا﴾ ولم يقولوا علمنا ولا شاهدنا فأقرّوا بالاتباع
﴿فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٣] وما قالوا نحن من الشاهدين. وقالوا: ﴿وَمَا لَنَا
لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ﴾ ولم يقولوا ونقطع ﴿أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا﴾ ولم يقولوا إلهنا
﴿مَعَ الْقَوْمِ﴾ [المائدة: ٨٤] ولم يقولوا مع عبادك ﴿ الصَّلِحِينَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٤] كما قالت
الأنبياء. فقال الله لهؤلاء الطائفة التي صفتهم هذه: ﴿فَأَثَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ﴾ محل شهوات
النفوس فأنزلناهم حيث أنزلهم الله. وقد استوفينا القول في الفرق بين المعرفة والعلم في كتاب
مواقع النجوم، وبيّنا فيه أن القائل بمقام المعرفة إذا سألته عنه أجاب بما يجيب به المخالف في
مقام العلم، فوقع الخلاف في التسمية لا في المعنى، ثم حدث لهم في هذا المقام خلاف آخر
هل الموصوف به مالك جميع المقامات أم لا؟ والصحيح أنه ليس من شرطه التحكّم وإن ملك
جميع المقامات بما يعطيه من الأحوال والتصرف في العالم، وإنما شرطه أن يعلم، فإذا أراد
التحكم نزل إلى الحال لأن التحكم للأحوال إذا علم أن نزوله غير مؤثر في مقامه، ولهذا لا
ينزلون إلى الحال إلاَّ عن أمر إلهيّ، فإذا سمع من شيخ محقق في هذا الطريق أن صاحب هذا
المقام مالك جميع المقامات فإنه يريد بالعلم لا بالحال، وقد يعطي الحال ولكن ما هو
بشرط، فإن قال أحد إنه شرط فهو مدع لا معرفة له بطريق الله ولا بأحوال الأنبياء وأكابر
الأولياء ويرد عليه هذا القول، فإن الكامل كلما علا في المقام نقص في الحال أعني في
الدنيا، وأما في الآخرة فلا، كما أن المشاهدة تغني عن رؤية الأغيار كذلك المقام يذهب
بالأحوال لأن الثبوت يقابل الزوال. انتهى الجزء الثاني عشر ومائة .
(الجزء الثالث عشر ومائة)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحَدِ
واعلموا أن الله تعالى لما خلق القوّة المسمّاة عقلاً وجعلها في النفس الناطقة ليقابل بها
الشهوة الطبيعية إذا حكمت على النفس أن تصرفها في غير المصرف الذي عين لها الشارع
فعلم الله أنه قد أودع في قوّة العقل القبول لما يعطيه الحق ولما تعطيه القوّة المفكرة، وقد علم
الله أنه جعل في القوّة المفكرة التصرف في الموجودات والتحكم فيها بما يضبطه الخيال من
الذي أعطته القوى الحسيّة، ومن الذي أعطته القوّة المصورة ممّا لم تدركه من حيث المجموع
بالقوّة الحسية، فعلم أنه لا بدّ أن تحكم عليه القوّة المفكرة بالتفكّر في ذات موجده وهو الله
تعالى، فأشفق عليها من ذلك لما علمه من قصورها عن درك ما ترومه من ذلك فخاطبها
قرآناً: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُمْ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣٠] يقول: ما حذرناكم من
النظر في ذات الله إلاَّ رحمة بكم وشفقة عليكم لما نعلم ما تعطيه القوّة المفكرة للعقل من نفي
ما نثبته على ألسنة رسلي من صفاتي فتردونها بأدلتكم فتحرمون الإيمان فتشقون شقاوة الأبد،
ثم أمر رسول الله ◌َّ أن ينهانا أن نفكر في ذات الله كما فعل بعض عباد الله فأخذوا يتكلمون
في ذات الله من أهل النظر، واختلفت مقالاتهم في ذات الله وكل تكلم بما اقتضاء نظره، فنفى

٤٨٠
في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
واحد عين ما أثبته الآخر، فما اجتمعوا على أمر واحد في الله من حيث النظر في ذاته وعصوا
الله ورسوله بما تكلموا به ممّا نهاهم الله عنه رحمة بهم فرغبوا عن رحمة الله ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِی
الْخَوِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ سُنْعًا﴾ [سورة الكهف: الآية ١٠٤] فقالوا: هو علة، وقال آخرون:
ليس بعلة، قال آخرون ذات الحق: لا تصحّ أن تكون جوهراً ولا عرضاً ولا جسماً بل عين
أنيتها عين ماهيتها وأنها لا تدخل تحت شيء من المقولات العشرة وأطنبوا في ذلك وكانوا كما
جاء في المثل: اسمع جعجعة ولا أرى طحناً، ثم جاء الشرع بنقيض ما دلت عليه العقول
فجاء بالمجيء والنزول والاستواء والفرح والضحك واليد والقدم، وما قد روينا في
صحيح الأخبار ممّا هو من صفات المحدثات، ثم جاء بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة
الشورى: الآية ١١] مع ثبوت هذه الصفات، فلو استحالت كما يدل عليه العقل ما أطلقها
على نفسه، ولكان الخبر الصدق كذباً إذ ما بعث الله رسولاً ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ
لَمْ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٤] ما أنزل إليهم ليفهموا، وقد بيّن وَل وبلغ وأشهد الله على أمته
أنه بلغ، فجهلنا النسبة بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ خاصة، وفهمنا معقول هذه الألفاظ
الواردة وأن المعقول منها واحد بالنظر إلى الوضع، فتختلف نسبتها باختلاف المنسوب
إليه ما تختلف حقائقها لأن الحقائق لا تتبدّل، فمن وقف مع هذه الألفاظ ومعانيها وقال
بعدم علم النسبة إلى الحق فهو عالم مؤمن، ومن نسبها على وجه من وجوه المصارف
الخارجة عن التجسيم فلا مؤمن ولا عالم، فلو أنصف هذا الناظر في ذات الله ما نظر في
ذات الله وآمن بما جاء من عند الله، إذ قد دلّه دليل على صدق المخبر وهو الرسول،
فهذا منعني في هذا الباب من الكلام في ذات الله بما تعطيه أدلة العقول، وعدلنا إلى علم
ذلك بما جاء من النقول مع نفي المماثلة في النسبة والعلم الصحيح بحقيقة الصفة الواردة
الموصوف بها ذاتاً مجهولة وقد نصحتك، فاعلم واثبت على ما جاءتك به الشريعة تسلم
فهو أعلم بنفسه وأصدق في قوله، وما عرفنا إلاَّ بما هو عليه ﴿سُبْحَنَ رَبِكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا
يَصِفُونَ وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠ - ١٨٢].
الباب الثامن والسبعون ومائة
في معرفة مقام المحبة
[نظم: البسيط]
الحبُّ يُنْسَبُ للإنسان واللهِ
الحبُّ ذوقٌ ولا تُذْرَى حقيقتُه
لوازمُ الحبِّ تكسوني هويَّتُها
بالحبّ صحَّ وجوبُ الحقُّ حیث یُرَى
أستغفرُ الله ممّا قلتُ فيه وقد
بنِسْبةٍ ليس يدري علمُنا ما هِي
أليس ذا عجب والله والله
ثوبَ النقيضَيْن مثل الحاضر السَّاهي
فينا وفيه ولسنا عَيْنَ أَشْباهِ
أقولُ من جهة الشُّكر لله
وممّا يتضمن هذا الباب أيضاً قولنا: [البسيط]