النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
في المعاملات / الباب الرابع والستون ومائة في معرفة مقام التصوف
أخلاق، وهي تحتاج إلى معرفة تامة وعقل راجح وحضور وتمكن قوي من نفسه، حتى لا تحكم
عليه الأغراض النفسية، وليجعل القرآن أمامه صاحب هذا المقام فينظر إلى ما وصف الحق به
نفسه وفي أي حالة وصف نفسه بذلك الذي وصف نفسه، ومع من صرف ذلك الوصف الذي
وصف به نفسه، فليقم الصوفيّ بهذا الوصف بتلك الحال مع ذلك الصنف، فأمر التصوّف أمر
سهل لمن أخذه بهذا الطريق، ولا يستنبط لنفسه أحكاماً ويخرج عن ميزان الحق في ذلك، فإنه
من فعل ذلك لحق ﴿يِلْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾
[سورة الكهف: الآية ١٠٣ و١٠٤] فإن الله لا يقيم له ﴿يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ وَزْنًا﴾ [سورة الكهف: الآية ١٠٥] كما
أنهم لم يقيموا للحق هنا وزناً فعادت عليهم صفتهم فما عذبهم بغيرهم، فتأمّل قوله تعالى في
كتابه فإنه ما ذكر صفة قهر وشدّة إلا وإلى جانبها صفة لطف ولين حيثما كان من كتاب الله.
ثم إن أفرد صفة منها ولم يذكر إلى جانبها ما يقابلها اطلبها تجد مقابلها في موضع آخر
مفرداً أيضاً، فذلك المفرد المقابل هو لهذا المفرد المقابل والغالب الجمعية قال تعالى: ﴿نَّ
عِبَادِىّ أَنِىَّ أَنَا اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٩] ثم أردف بالمقابل فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ
عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِمُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٥٠] وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِّ﴾ ثم
أردف بالمقابل فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٦٧] وقال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو
مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمٌ﴾ ثم أردف قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٦] وتتبع
هذا تجده كما ذكرناه لك. ثم إنه ما ذكر نعتاً من نعوت أهل السعادة إلاَّ وذكر إلى جانبه نعتاً
من نعوت أهل الشقاء إما بتقديم أو تأخير، قال تعالى: ﴿وُجُوٌ يَؤْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾
[سورة عبس: الآية ٣٨، ٣٩] في أهل السعادة، ثم عطف فقال: ﴿وَوُجُوٌ يَؤْمَيِدٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَزْهَغُّهَا قَفَرَةُ أُوْلَكَ
هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [سورة عبس: الآية ٤٠ - ٤٢] وقال تعالى في حال أهل السعادة: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ إِلَى
رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: الآية ٢٢، ٢٣] ثم عطف فقال في أهل الشقاء: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ
يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: الآية ٢٤ - ٢٥] والوجوه هنا عبارة عن النفوس الإنسانية لأن وجه
الشيء حقيقته وذاته وعينه لا الوجوه المقيدة بالأبصار فإنها لا تتصف بالظنون، ومساق الآية
يعطي أن الوجوه هنا هي ذوات المذكورين.
وقال في الأشقياء: ﴿وُجُوٌ يَوْمَيِدٍ خَشِعَةُ عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [سورة الغاشية: الآية ٢ -
٤] ثم عطف بالسعداء فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوَمَعِدٍ نَاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [سورة الغاشية: الآية ٨ -
١٠] وقال في أحوال السعداء: ﴿فَمَّا مَنْ أُوْقِىَ كِنَبَهُ بِعِينِهِ﴾ [سورة الحاقة: الآية ١٩] فذكر خيراً،
ثم عطف وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [سورة الحاقة: الآية ٢٥] فذكر شراً. وكذلك قوله:
﴿مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنَهَا﴾ [سورة الإسراء:
الآية ١٨] ثم عطف وقال: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٩] وقال في
العناية: ﴿فَأَهَمَهَا لُجُورَهَا﴾ ثم عطف فقال: ﴿وَتَقْوَنَهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٨] وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن
زَّكَّنَهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٩] ثم عطف: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَنُهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ١٠] وقال:
﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّفَى وَصَذَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنْيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [سورة الليل: الآية ٥ -٧] ثم عطف وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ
الفتوحات المكية ج٣ - م٢٦

٤٠٢
في المعاملات/ الباب الخامس والستون ومائة في معرفة مقام التحقيق والمحققين
◌َخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَبَ بِْحُسْنَى فَسَنُيَسِرُهُ لِلْمُسْرَى﴾ [سورة الليل: الآية ٨ - ١٠] فالصوفي من قام في نفسه وفي
خلقه، وفي خلقه قيام الحق في كتابه وفي كتبه ﴿َّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَين
نَّفْسِكٌ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٩] فقد رميت بك على الطريق، وليس التصوّف بشيء زائد عند
القوم سوى ما ذكرته لك وبينته، ولكن الله أنزل الميزان والعلم بالمواطن وبالأحوال، فلا
تخرج شيئاً عن مقتضى ما تطلبه الحكمة ﴿وَنُقِزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِينِّ﴾
فالتخلق به والوقوف عنده يزيل المرض النفسيّ لا بدّ من ذلك ولكن للمؤمنين ﴿وَلَا يَزِيدُ
الفَلِينَ إلَّا خَسَارًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٢] لأنهم يعدلون به عن موطنه ﴿يُحرَّقُونَ الْكَلِمَ عَنْ
مَّوَاضِعِهِ﴾ [سورة المائدة: الآية ١٣] فيعمّمون الخاص ويخصّصون العامّ، فسِمّوا ظالمين
قاسطين. والحكماء هم المقسطون ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرًا﴾ [سورة البقرة:
الآية ٢٦٩] وما وصفه الله بالكثرة فإن القلة لا تدخله، وسبب وصفه بالكثرة لأن الحكمة سارية
في الموجودات لأن الموجودات وضع الله، ثم خلق الإنسان وحمّله الأمانة بأن جعل له النظر
في الموجودات والتصرّف فيها بالأمانة ليؤدي إلى كل ذي حق حقه، كما أنّ الله أعطى كل
شيء خلقه، فجعل الإنسان خليفة في الأرض دون غيره من المخلوقين، فهو أمين على خلق
الله فلا يعدل بهم عن سنّة الله، فالموجودات بيد الإنسان أمانة عرضت عليه فحملها، فإن
أدّاها فهو الصوفي، وإن لم يؤدّها فهو الظلوم الجهول، والحكمة تناقض الجهل والظلم،
فالتخلق بأخلاق الله هو التصوّف، وقد بيّن العلماء التخلّق بأسماء الله الحسنى وبيّنوا مواضعها
وكيف تنسب إلى الخلق ولا تحصى كثرة، وأحسن ما تصرف فيه مع الله خاصة، فمن تفطن
وصرفها مع الله أحاط علماً بتصريفها مع الموجودات فذلك المعصوم الذي لا يخطىء أبداً،
والمحفوظ من أن يتحرك أو يسكن سدى، جعلنا الله من الصوفية القائمين بحقوق الله
والمؤثرين جناب الله .
الباب الخامس والستون ومائة
في معرفة مقام التحقيق والمحققين
[نظم: مجزوء الكامل]
الحقُّ في حقُّ الطبيعَهُ
فتظنّه ماءً فتأ
انظُرْ وحقّق ما رأيـ
ـر في منازلك الرَّفيعَةْ
من خلف أستار بديعَهْ
صُوَرٍ تؤلفها الطَّبيعَة
كالآل تبصره بِقِيْعَة
تِ لعين مائك أن تُضِيعَةْ
ـتَّ فربما كانت خَديعَةْ
الحقُّ فيها كالوَديعَةْ
صُورُ التجلي هكذا
راراً نصوصٌ في الشريعَةْ
وأتَتْ بها نُكْراً وإقــ
لا تلتفِتْ للقاع وانظُـ
تَجِدِ المُعَمَّى ينجلي
في غير شكلٍ لا ولا

٤٠٣
في المعاملات/ الباب الخامس والستون ومائة في معرفة مقام التحقيق والمحققين
جِعْ والتزمْ سَدَّ الذَّرِيعَةْ
فإذا رأيتَ الحقَّ فاز
ـديثُ به من الفاظ شنيعَةْ
وانطُقْ بما نطق الحـ
ـك فقل لها كُوني مُطيعَهْ
وإذا الغريزةُ نازعتـ
ني بين صحبك بالمذيعَةْ
كوني الكْتُومةَ لا تكو
وإذا دُعِيْتِ بمثل ذا
جَمِّلْ صنيعَكَ في القَبُو
كوني المجيبةَ والسَّميعَة
ل فقد تُجَازَى بالصَّنيعَهْ
اعلم أيّدك الله أن التحقيق هو المقام الذي لا يقبل الشبه القادحة فيه، وصاحب هذا
النعت هو المحقق، فالتحقيق معرفة ما يجب لكل شيء من الحق الذي تطلبه ذاته فيوفيه ذلك
علماً، فإن اتفق أن يعامله به حالاً فهو الذي ظهر عليه سلطان التحقيق، وإن لم يظهر عليه فهو
عالم بأنه أخطأ، ولا يقدح ذلك الخطأ في تحقيقه لأنه بصير بنفسه وبما أخطأ فيه لأنه أخطأ
عن تعمّل، وهنا سرّ إلهيّ وهو أن الله هو الحكيم المطلق وهو الواضع للأمور في مواضعها
وهو ﴿ الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فليس في الكون خطأ بنسبة الترتيب لله.
وقد علم رب هذا التحقيق والمحقق به أن الأمر هكذا هو، وقد علم أنه أخطأ ولكن بالنسبة
إلى ما أمر به لا بالنسبة إلى ما هو الأمر عليه من حيث إن الله هو الواضع له في ذلك المحل
المسمّى هنا الفعل خطأ، فصاحب التحقيق مأجور في خطئه، أي مثنى عليه عند الله كالمجتهد
ما هو مخطىء في نفس الأمر فإن حكمه مقرّر، وإنما خطؤه بالنسبة إلى غيره، حيث لم يوافق
دليله دليل غيره وكل شرع وكل حق، فهكذا منزلة التحقيق والمحققين.
ومن شرط صاحب هذا المقام أن يكون الحق سمعه وبصره ويده ورجله وجميع قواه
المصرفة له، فلا يتصرّف إلاَّ بحق في حق لحق، ولا يكون هذا الوصف إلاَّ لمحبوب، ولا
يكون محبوباً حتى يكون مقرّباً، ولا يكون مقرّباً إلاَّ بنوافل الخيرات، ولا تصحّ له نوافل
الخيرات إلاَّ بعد كمال الفرائض، ولا تكمل الفرائض إلاَّ باستيفاء حقوقها ولذلك منعنا أن
تصحّ لأحد على التعيين نافلة إلاّ بإخبار أو مشاهدة، وذلك أن الفرائض تستغرقها بالتكميل
منها، فإنه قد ورد في الصحيح عن الله تعالى أنه يقول يوم القيامة: انظروا في صلاة عبدي
أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامّة كتبت له تامّة، وإن كان انتقص منها شيئاً قال: أنظروا هل
لعبدي من تطوّع؟ فإن كان له تطوّع وهو النافلة قال: أكملوا لعبدي فريضته من تطوّعه.
قال رسول الله وَله: ((ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ)) وما شهد الله بنافلة لأحد إلاَّ لرسول
اللهَ وَّه. فقال: ﴿وَمِنَ الَِّّلِ فَتَهَجَدْ بِهِ، نَافِلَةُ لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ [سورة
الإسراء: الآية ٧٩] وهو مقام القرب والسيادة المشهودة للكون، فمن كان الحق سمعه فلا تدخل
عليه شبهة فيما يسمع بل يدري ما سمع، ومن سمع وبمن سمع، وما يقتضيه ذلك المسموع
فيعمل بحسب ذلك فلا يخطى سمعه، وكذلك إذا كان الحق بصره علم بمن أبصر وما أبصر
فلم يدخل في نظره شبهة ولا في حسّه غلط ولا في عقله حيرة فهو لله بالله، وكذلك في جميع
حركاته وسكناته حركات عن تحقيق من محقق، ولا ينظر في ذلك إلى تخطئة الغير فيها فإنه من

٤٠٤
في المعاملات / الباب الخامس والستون ومائة في معرفة مقام التحقيق والمحققين
المحال قطعاً أن يكون في الوجود أمر يوافق أغراض الجميع، فإنّ الله خلق نظرهم متفاوتاً، وما
جعل في موجوداته من تفاوت في نفس الأمر كما قال تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا مَّا
تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُتَّ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ [سورة الملك: الآية ٣] فمنع أن يكون
هناك تفاوت بل أراه الأمور على وضع الحكمة الإلهية، فمن أعطى هذا العلم فقد أعطى ما يجب
لكل أحد من خلق الله، وهذا مقام عزيز قلّ أن ترى له ذائقاً إلاَّ من كان له هذا المقام، وعلامة
صاحب هذا المقام أن يكون عنده لكل ما يسمّى خطأ في الوجود وجه إلى الحق يعرفه ويعرف به إن
سئل عنه عند من يعرف منه القبول عليه هذه علامته، وهو الذي يرى ربه بكل عقيدة وبكل عين
وفي كل صورة، وليس هذا إلاَّ لصاحب هذا المقام، فإذا ادعاه أحد ووقع أمر في العالم يقع فيه
الإنكار ولا يكون عند مدعي هذا المقام له مخرج لحق جملة واحدة فدعواه في هذا المقام محال، فإنّ
صاحب هذا المقام يعلم أين وجه الحق في ذلك الأمر الذي صحبه النكر، وأكثر ما يكون ذلك في
العقائد والأمور الشرعية، وما عدا هذين الموضعين فإنه يسهل وجود الحق فيما يقع فيه الإنكار
العرضي ولا يلزم من إظهار حق ذلك الأمر أن يكون لسان الحمد يجري عليه ليس ذلك المطلوب
بل هو مذموم مثلاً مع كونه حقاً، فما كل حق محمود شرعاً ولا عقلاً، وإنما المراد بالتحقيق علم
ما يستحقه كل أمر عدماً كان أو وجوداً حتى الباطل يعطيه حقّه ولا يتعدّى به محله، ومن كان هذا
نعته فهو الإمام المبين وهو مجلى العالمين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وفي هذا الباب قلت أخاطب نفسي: [مجزوء الرجز]
أُوْرِدُهُ مُوَافِقَهُ
يا نفسُ كوني للذي
مع النّفوس الصَّادقَة
والتزمي وانْتَظمي
على شُهودِ السَّابقَةْ
فإنها مَوْقوفَةٌ
جَنْبَ براهين النُّهى
فما له فَرُدَّهُ
من سيِّىء لا يُرْتَضَى
حضرَةُ فِعْلِ الله لا
نَفْسَكَ غالِطُ عندها
شَقْوَتُها مقرونةٌ
لا تلْتَفِتْ لما يُرَى
ما لم تكُنْ مسلّماً
إن الحكيمَ المُجْتَّبَى
فإنّ منها الحالِقَةْ
إليك بالموافَقَةْ
لا تُنْعَتي بالخَالِقَهُ
تَخْتَمِلُ المُشَاقَقَهُ
لا تركّبِ المُحَافَقَهُ
بالبحث والمُضَايَقَهُ
من الأمور الخارقة
لها على المُطابَقَة
في حَلْبة المُسَابَقَهُ
مع العُقول الفَارقَة
يجري على حِكْمته
لها الشُّموسُ الشارقَةْ
في حَضْرة النُّور التي
فاعلم أيّدك الله أنّ من التحقيق أن تعطي المغالطة في موضعها حقها، فإن لها في كتاب
الله موضعاً وهو قوله في عمال الكفار: ﴿كُرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ مَآءً﴾ [سورة النور: الآية ٣٩]

٤٠٥
في المعاملات/ الباب السادس والستون ومائة في معرفة مقام الحكمة والحكماء
والحق هو الذي أعطاه في عين هذا الرائي صورة الماء وهو ليس بالماء الذي يطلبه هذا الظمآن
فتجلّى له في عين حاجته، فإذا جاءه لم يجده شيئاً فنكر وما قال لم يجده الماء، فإن السراب
لم يكن ذلك المحل الذي جاء إليه محل السراب، ولو كان لقال وجد السراب وما كان سراباً
إلاَّ في عين الرائي طالب الماء فرجع هذا الرائي لنفسه لما لم يجد مطلوبه في تلك البقعة،
فوجد الله عنده فلجأ إليه في إغاثته بالماء أو بالمزيل لذلك الظمأ القائم به، فبأي أمر أزاله فهو
المعبّر عنه بالماء، فلما نفى عنه اسم الشيء جعل الوجود له سبحانه لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ فما هو شيء بل هو وجود، فأنظر ما أدق هذا التحقيق، فهذا كنار موسى فتجلّى له
في عين حاجته فلم تكن ناراً، كما قلنا: [البسيط]
كنارِ موسى يراها عَيْنَ حاجته
وهو الإلهُ ولكنْ ليس يَدْريهِ
الباب السادس والستون ومائة
في معرفة مقام الحكمة والحكماء
[نظم: الكامل]
في أعين الأكوان والأسْمَاءِ
إنَّ الحكيمَ مرتّبُ الأشياء
في الحِكْمةِ المُزْدانة الغَزَّاءِ
يجري مع العلم القديم بحُكْمِهِ
في حالة السَّرَّاء والضَّرَّاءِ
فتراه يعطي كلَّ شيءٍ خَلْقَهُ
في بدء ما تَهْوَى من الأشياءِ
وعن العَوَارض لا يزال مُنَزَّهاً
في كل ما يجري من الأَهْوَاءِ
لكنه المَعْصومُ في أفعاله
اعلم أيّدك الله أن الحكمة علم بمعلوم خاص وهي صفة تحكم ويحكم بها ولا يحكم
عليها، واسم الفاعل منها حكيم فلها الحكم، واسم الفاعل من الحكم الذي هو أثرها حاكم
وحكم، وبهذا سمّى الرسن الذي يحكم به الفرس حكمة، فكل علم له هذا النعت فهو
الحكمة، والأشياء المحكوم عليها بكذا تطلب بذاتها واستعدادها ما يحتاج إليه فلا يعطيها
ذلك إلاَّ من نعته الحكمة واسمه الحكيم، فهل للاستعدادات حكم في هذا المسمّى حكيماً أو
الحكمة لها الحكم أو المجموع؟ فأما الاستعداد على الانفراد فلا أثر له فإنا نرى من يستحق
أمراً ما باستعداده وهو بين يدي عالم لكنه ليس بحكيم فلا يعطيه ما يستحقه لكونه جاهلاً،
وقد يمنعه ما يستحقه مع كونه موصوفاً بالعلم بما يستحقه ذلك الأمر وما يفعل فلا بالمجموع
ولا بالإنفراد، فعلمنا أن ذلك راجع إلى أمر رابع ما هو الحكمة، ولا العليم بالحكمة، ولا
استعداد الأمر الذي يطلب الحكمة، وذلك الأمر الزائد هو الذي يبعثه على إعطاء ذلك الأمر
حقّه لعلمه بما يستحقه وحينئذ يسمّى حكيماً، وما لم يكن منه ذلك فهو عالم بالحكمة، وبما
تستحقه وما يستحقه ذلك الأمر باستعداده فلا يسمّى حكيماً إلاَّ بوجود هذا الاستعمال وهو
قوله: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] من اسمه الحكيم، فبالإعطاء الذي تعطيه
الحكمة يسمّى حكيماً فهو علم تفصيليّ عملي.

٤٠٦
في المعاملات/ الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
والعلم بالمجمل علم تفصيليّ فإنه فصله عن العلم التفصيليّ، ولولا ذلك لم يتميز
المجمل من المفصل، فمن الحكمة العلم بالمجمل والتجميل والمفصل والتفصيل، قال
تعالى: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ الْحِكْمَةَ﴾ عملاً ﴿وَفَضْلَ الْخِطَابِ﴾ [سورة ص: الآية ٢٠] في المقال، فالحكيم
يجري مع كل حال وموطن بحسب ذلك الحال وذلك الموطن، وليس هذا إلاَّ للملامية
خاصة، فهم المجهولون في الدنيا لأنهم لا يتميزون بأمر يخرجهم عن حكم ما يعطيه موطن
الدنيا، فإن قام به حال يناقض الموطن من وجه وهو حال النبوّة أعني الرسالة فإنه لا بدّ أن
يحكم عليه الحال وهو الذي تعطيه الحكمة، فيتميز في موطن الدنيا بأنه عند الله بمكان ولم
يكن له ذلك، ولكن حال التبليغ يطلب الدلالة على صحة ما يدعو إليه فهذا هو حكم الحال،
فإن كان ولياً دون رسول تعين عليه الجري بحكم الموطن لا بحكم الحال، فإن ظهر من هذا
الوليّ ما يدل على منزلته من ربه بما يعطي من التمكن والتصرّف في العالم وليس برسول فهو
رعونة وصاحب نقص، فإن ظهر بعلم غريب فهل يكون مثل صاحب الحال النفسيّ المؤثر أم
لا؟ قلنا: لا، فإن العلم الذي لا يكون معه أثر كونيٍ سوى نفسه لا يقوم عند العامة ولا عند
الخاصة له ذلك الوزن، ولا لصاحبه ذلك التميز إلا عند الأكابر من أهل الله وممّن له تحقق
واستشراف على ذلك المقام الأعلى، ولذلك قال الله لنبيه وَالَ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة
طه: الآية ١١٤] من أجل الموطن وما أظهر آية في دعائه إلى الله في كل وقت ولا عند كل مدعوّ
مع حاجته إلى ذلك، ولكن لما كان مأموراً بالتبليغ ما عليه إلاَّ البلاغ فإن شاء الحق أيّده
بالمعجزات، وإن شاء زاد دعاؤه من أرسل إليهم فراراً ممّا دعاهم إليه من توحيده كنوح عليه
السلام فأخبر فقال: ﴿ إِّ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَرًا فَمْ يَزِدْهُمْ دُعَِّىَ إِلَّا فِرَارًا وَإِّ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ
لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَنِعَهُمْ فِيِّ مَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا ﴾ [سورة نوح: الآية ٥]
وللحكماء السياسة في العالم بالطريقة المشروعة التي شرع الله لعباده ليسلكوا فيها فيقودهم
ذلك السلوك إلى سعادتهم. انتهى الجزء الثامن ومائة .
(الجزء التاسع ومائة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَدِ
الباب السابع والستون ومائة
في معرفة كيمياء السعادة
[نظم: البسيط]
إن الأكاسيرَ بُزهَانٌ يدلُ على
إن العدوَّ بإكسير العِناية إذ
في الحين يخرج صِدْقاً من عَدَاوته
فَصَحْحِ الوزنَ فالميزانُ شِرْعَتُنا
ما في الوجود من التّبْديل والغِيَرِ
يُلْقَى عليه بميزان على قَدَرٍ
إلى ولايته بالحُكْم والقَدَرِ
وقد أَبَنْتُ فكُنْ فيه على حَذَرٍ

٤٠٧
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
لأنَّ كَمْ عَدَدٌ في عالم الصُوَرِ
الكِيمِيَاءُ مقاديرٌ مُعَيَّنَةٌ
ولا تردَّنَّكَ الأَهْوَا عن النَّظَرِ
فكن به فَطِناً إن كنْتَ ذا نَظْرِ
تَلْحَقْ برتبة أملاكٍ مطهّرةٍ
وتَرْتَقي رُتباً عن عالم البَشرِ
الكيمياء عبارة عن العلم الذي يختص بالمقادير والأوزان في كل ما يدخله المقدار
والوزن من الأجسام والمعاني محسوساً ومعقولاً، وسلطانها في الاستحالات أعني تغيّر
الأحوال على العين الواحدة فهو علم طبيعيّ روحانيّ إلهيّ، وإنما قلنا إلهيّ لورود الاستواء
والنزول والمعية وتعدّد الأسماء الإلهية على المسمّى الواحد باختلاف معانيها: [البسيط]
كالكْيْف والكَمِّ أحوالُ المقاديرِ
فالأمرُ ما بين مَطْويٍ ومَنْشُورٍ
تِيْهَ امتيازٍ بسرِّ غير مَقْهُورٍ
تاهَتْ مراكبُنا على بَسَائطها
والحكم ما بين مَنْهِيٍّ ومَأُمورٍ
والوحيُّ ينزل أحكاماً يُشَرِّعُهَا
فعلم الكيمياء العلم بالإكسير وهو على قسمين أعني فعله: إما إنشاء ذات ابتداء
كالذهب المعدني، وإما إزالة علة ومرض كالذهب الصناعي الملحق بالذهب المعدني كنشأة
الآخرة والدنيا في طلب الاعتدال. فاعلم أن المعادن كلها ترجع إلى أصل واحد، وذلك
الأصل يطلب بذاته أن يلحق بدرجة الكمال وهي الذهبية، غير أنه لما كان أمراً طبيعياً عن أثر
أسماء إلهية متنوعة الأحكام طرأت عليه في طريقه علل وأمراض من اختلاف الأزمنة وطبائع
الأمكنة مثل حرارة الصيف، وبرد الشتاء، ويبوسة الخريف، ورطوبة الربيع، ومن البقعة
كحرارة المعدن وبرده. وبالجملة فالعلل كثيرة، فإذا غلبت عليه علة من هذه العلل في أزمان
رحلته ونقلته من طور إلى طور وخروجه من حكم دور إلى حكم دور واستحكم فيه سلطان
ذلك الموطن ظهرت فيه صورة نقلت جوهرته إلى حقيقتها فسمّي كبريتاً أو زئبقاً وهما
الأبوان، لما يظهر من التحامهما وتناكحهما من معادن لعلل طارئة على الولد، فهما إنما
يلتحمان ويتناكحان ليخرج بينهما جوهر شريف كامل النشأة يسمّى ذهباً فيشرف به الأبوان، إذ
كانت تلك الدرجة مطلوبة لكل واحد من الأبوين من حيث جوهريتهما، إلاّ أن ذلك الأصل
في الإلهيات نفس وفي الطبيعة بخار إلاَّ أنّ الأبوين أمر وطبيعة .
وإنما قلنا إن ذلك الأمر كان مطلوباً للأبوين من حيث جوهرهما ومن حيث صورتهما
لأن الحكم في الجوهر الهيولانيّ إنما هو للصور، فلما حالت العلة التي طرأت عليه في معدنه
فصيرته كبريتاً وزئبقاً علمنا أيضاً أن في قوّتهما إذا لم يطرأ عليهما علة تخرجهما عن سلطان
حكم اعتدال الطبائع وتعدل بهما عن طريقه أن الولد الخارج بينهما الذي يستحيل أعيانهما إليه
أنهما يلحقان بدرجة الكمال وهو الذهب الذي كان مطلوباً لهما ابتداء، فإذا التحما وتناكحا في
المعدن بحكم طبيعة ذلك المعدن الخاص وحكم قبوله لأثر طبيعة الزمان فيه وهو على صراط
مستقيم مثل الفطرة التي فطر الله الناس عليها وأبواه هما اللذان يهوّدان الولد أو ينصرانه أو
يمجسانه، كذلك إذا كثرت فيه كمية الأب الواحد لعرض معدني من عرض زماني غلب بذلك
إحدى الطبائع على أخواتها، فزاد وأربى ونقص الباقي عن مقاومة الغالب حكم على الجوهر

٤٠٨
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
فردّه لما تعطيه حقيقة ذلك الطبع، وعدل به عن طريق الاعتدال التي هي المحجة التي تخرج
بك إلى المدينة الفاضلة الذهبية الكاملة التي من حصل فيها لم يقبل الاستحالة إلى الأنقص
عنها، فإذا غلب عليه ذلك الطبع قلب عينه فظهرت صورة الحديد أو النحاس أو القصدير أو
الآنك أو الفضة بحسب ما يحكم عليه .
ومن هنا تعرف قوله تعالى في الاعتبار: ﴿أُخَلَّفَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ﴾ [سورة الحج: الآية ٥] أي
تامّة الخلقة وليس إلاَّ الذهب، وغير تامّة الخلقة وهي بقية المعادن، فتتولاه في ذلك الوقت
روحانية كوكب من الكواكب السيارة السبعة وهو ملك من ملائكة تلك السماء يجري مع ذلك
الكوكب المسخّر في سباحته، لأنّ الله هو الذي وجهه إلى غاية يقصدها عن أمر خالقه إبقاء لعين
ذلك الجوهر، فيتولى صورة الحديد ذلك الملك الذي جواده هذا الكوكب السابح من السماء
السابعة من هنا وصورة القزدير وغيره، وكذلك كل صورة معدنية يتولاها ملك يكون جواده
هذا الكوكب السابح في سمائه وفلكه الخاص به الذي وجهه فيه ربه تعالى، فإذا جاء العارف
بالتدبير نظر في الأمر الأهون عليه، فإن كان الأهون عليه إزالة العلة من الجسد حتى يردّه إلى
المجرى الطبيعيّ المعتدل الذي انحرف عنه فهو أولى، فإنّ الكوكب السابح يراه صاحب الرصد
وقتاً في المنزلة عينها، ووقتاً عادلاً عنها منحرفاً فوقها أو تحتها، فيعمد العارف بالتدبير إلى
السبب الذي ردّه حديداً أو ما كان، ويعلم أنه ما غلب الجماعة إلاَّ بما فيه من الكمية، فنقص
من الزائد وزاد في الناقص، وهذا هو الطب والعامل به العالم هو الطبيب فيزيل عنه بهذا الفعل
صورة الحديد مثلاً أو ما كان عليه من الصور، فإذا ردّه إلى الطريق أخذ يحفظ عليه تقويم
الصحة وإقامته فيها فإنه قد يعافى من مرضه وهو ناقه فيخاف عليه فهو يعامله بتلطيف الأغذية
ويحفظه من الأهوية ويسلك به على الصراط القويم إلى أن يكسو ذلك الجوهر صورة الذهب،
فإذا حصلت له خرج عن حكم الطبيب وعن علته، فإنه بعد ذلك الكمال لا ينزل إلى درجة
النقصان ولا يقبله، ولو رامها الطبيب لم يتمكن له ذلك، فإنّ القاضي ما عنده نص في هذه
المسألة حتى يحكم فيها بما يراه، وسبب ذلك على الحقيقة أنّ القاضي عادل ولا يحكم إلاَّ على
من خرج عن طريق الحق وهذا الذهب عليه فلا يقضي عليه بشيء لأنه لم يتوجّه للخصم عليه
حق فهذا سببه. فمن لزم طريق الحق ارتفع عن درجة الحكم عليه وصار حاكماً على الأشياء،
فهذه طريقة إزالة العلل، وما رأيت عليها أحداً يعرف ذلك ولا نبّه عليه ولا أشار، ولا تجده إلاَّ
في هذا الباب أو في كلامنا .
وأما إذا أراد صاحب هذه الصنعة إنشاء العين المسمّى إكسيراً ليحمله على ما يشاء
من الأجساد المعدنية فيقلبها لما تحكم به طبيعة ذلك الجسد القابل والدواء واحد الذي
هو الإكسير، فمن الأجساد من يرده الإكسير إلى حكمه فيكون إكسيراً يعمل عمله وهو
المسمّى بالنائب، فيقوم في باقي الأجساد المعدنية ويحكم بحكمه، مثل أن يأخذ وزن
درهم أو أيّ وزن شاء من عين الإكسير فيلقيه على ألف وزن من أيّ جسد شئت من
الأجساد، فإن كان قزديراً أو حديداً أعطاه صورة الفضة، وإن كان نحاساً أو رصاصاً أسود

٤٠٩
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
أو فضة أعطاه صورة الذهب، وإن كان الجسد زيبقاً أعطاه قوّته وتركه نائباً عنه يحكم في
الأجساد حكمه ولكن بوزن يخالف وزن باقي الأجساد، وذلك وزن درهم من الإكسير
فيلقيه على رطل الحكمة خاصة من الزيبق فيردّه إكسيراً كله، فيلقي من ذلك النائب وزناً
على ألف وزن من بقية الأجساد مثل الإكسير فيجري في الحكم مجراه، فهذه صورة
الإنشاء، والأولى صنعة إزالة المرض.
وإنما جئنا بهذا لنعلمك بارتباط الحكمة في مسمّى الكيمياء بين الطريقين، ولماذا
سميت كيمياء السعادة، لأن فيها سعادة لا بد وزيادة ما عند الناس من أهل الله خير منها وهو
أنه يعطيك درجة الكمال الذي للرجال، فإنه ما كل صاحب سعادة يعطي الكمال، فكل
صاحب كمال سعيد وما كل سعيد كامل، والكمال عبارة عن اللحوق بالدرجات العلى وهو
التشبّه بالأصل، ولا يتخيل أن قول النبيّ وَّر ((كمل من الرجال كثيرون)) أنه أراد الكمال الذي
ذكره الناس وإنما هو ما ذكرناه، وذلك بحسب ما يعطي الاستعداد العلمي في الدنيا، فلنتكلم
إن شاء الله على كيمياء السعادة بعد هذا التمهيد، والله الموفق لا رب غيره.
وصل في فصل: اعلم أن الكمال المطلوب الذي خلق له الإنسان إنما هو الخلافة،
فأخذها آدم عليه السلام بحكم العناية الإلهية وهو مقام أخص من الرسالة في الرسل لأنه ما
كل رسول خليفة، فإن درجة الرسالة إنما هي التبليغ خاصة قال تعالى: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إلَّا
اَلْبَلَغُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٩] وليس له التحكم في المخالف إنما له تشريع الحكم عن الله أو
بما أراه الله خاصة، فإذا أعطاه الله التحكم فيمن أرسل إليهم فذلك هو الاستخلاف والخلافة
والرسول الخليفة، فما كل من أرسل حكم، فإذا أعطى السيف وأمضى الفعل حينئذ يكون له
الكمال فيظهر بسلطان الأسماء الإلهية، فيعطي ويمنع، ويعزّ ويذلّ، ويحيي ويميت، ويضرّ
وينفع، ويظهر بأسماء التقابل مع النبوّة لا بدّ من ذلك، فإن ظهر بالتحكم من غير نبوّة فهو
ملك وليس بخليفة، فلا يكون خليفة إلاَّ من استخلفه الحق على عباده لا من أقامه الناس
وبايعوه وقدموه لأنفسهم وعلى أنفسهم، فهذه هي درجة الكمال.
وللنفوس تعمل مشروع في تحصيل مقام الكمال وليس لهم تعمّل في تحصيل النبوّة،
فالخلافة قد تكون مكتسبة، والنبوّة غير مكتسبة، لكن لما رأى بعض الناس الطريق الموصل
إليها ظاهر الحكم ومن شاء الله يسلك فيه تخيّل أنّ النبوّة مكتسبة وغلط، فلا شك أن الطريق
يكتسب، فإذا وصل إلى الباب يكون بحسب ما يخرج له في توقيعه، وهنالك هو الاختصاص
الإلهيّ، فمن الناس من يخرج له توقيع بالولاية، ومنهم من يخرج له توقيع بالنبوّة وبالرسالة،
وبالرسالة والخلافة، ومنهم من يخرج له توقيع بالخلافة وحدها، فلما رأى من رأى أن هؤلاء
ما خرج لهم هذا التوقيع إلا بعد سلوكهم بالأفعال والأقوال والأحوال إلى هذا الباب تخيّل أن
ذلك مكتسب للعبد فأخطأ .
واعلم أن النفس من حيث ذاتها مهيأة لقبول استعداد ما تخرج به التوقيعات الإلهية،
فمنهم من حصل له استعداد توقيع الولاية خاصة فلم يزد عليها، ومنهم من رزق استعداد ما

٤١٠
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
ذكرناه من المقامات كلها أو بعضها، وسبب ذلك أن النفوس خلقت من معدن واحد كما قال
تعالى: ﴿خَلَفَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [سورة النساء: الآية ١] وقال بعد استعداد خلق الجسد: ﴿وَنَفَخْتُ
فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩] فمن روح واحد صحّ السر المنفوخ في المنفوخ فيه وهو
النفس، وقوله: ﴿فِيَ أَيِّ صُوَرَقٍ مَّا شَآءَ رَّكَّبَكَ﴾ [سورة الانفطار: الآية ٨] يريد الاستعدادات، فيكون
بحكم الاستعداد في قبول الأمر الإلهيّ، فلما كان أصل هذه النفوس الجزئية الطهارة من حيث
أبوها ولم يظهر لها عين إلاَّ بوجود هذا الجسد الطبيعيّ فكانت الطبيعة الأب الثاني خرجت
ممتزجة فلم يظهر فيها إشراق النور الخالص المجرّد عن المواد ولا تلك الظلمة الغائية التي
هي حكم الطبيعة، فالطبيعة شبيهة بالمعدن، والنفس الكلية شبيهة بالأفلاك التي لها الفعل،
وعن حركاتها يكون الانفعال في العناصر، والجسد المكوّن في المعدن بمنزلة الجسم
الإنساني، والخاصية التي هي روح ذلك الجسد المعدني بمنزلة النفس الجزئية التي للجسم
الإنساني وهو الروح المنفوخ، وكما أن الأجساد المعدنية على مراتب لعلل طرأت عليهم في
حال التكوين مع كونهم يطلبون درجة الكمال التي لها ظهرت أعيانهم، كذلك الإنسان خلق
للكمال، فما صرفه عن ذلك الكمال إلاَّ علل وأمراض طرأت عليهم إما في أصل ذواتهم،
وإما بأمور عرضية فاعلم ذلك. فلنبتدىء بما ينبغي أن يليق بهذا الباب وهو أن نقول:
إن النفوس الجزئية لما ملكها الله تدبير هذا البدن واستخلفها عليه وبين لها أنها خليفة
فيه لتتنبه على أن لها موجداً استخلفها فيتعين عليها طلب العلم بذلك الذي استخلفها هل هو
من جنسها أو شبيه بها بضرب ما من ضروب المشابهة أو لا يشبهها؟ فتوفرت دواعيها لمعرفة
ذلك من نفسها، فبينما هي كذلك على هذه الحالة في طلب الطريق الموصلة إلى ذلك وإذا
بشخص قد تقدمها في الوجود من النفوس الجزئية فأنسوا به للشبه فقالوا له: أنت تقدمتنا في
هذه الدار فهل خطر لك ما خطر لنا؟ قال: وما خطر لكم؟ قالوا: طلب العلم بمن استخلفنا
في تدبير هذا الهيكل فقال: عندي بذلك علم صحيح جئت به ممّن استخلفكم وجعلني رسولاً
إلى جنسي لأبين لهم طريق العلم الموصل إليه الذي فيه سعادتهم، فقال الواحد: إياه أطلب
فعرفني بذلك الطريق حتى أسلك فيه. وقال الآخر: لا فرق بيني وبينك فأريد أن استنبط
الطريق إلى معرفته من ذاتي ولا أقلدك في ذلك، فإن كنت أنت حصل لك ما أنت عليه وما
جئت به بالنظر الذي خطر لي فلماذا أكون ناقص الهمة وأقلدك؟ وإن كان حصل لك
باختصاص منه كما خصّنا بالوجود بعد أن لم نكن فدعوى بلا برهان، فلم يلتفت إلى قوله
وأخذ يفكر وينظر بعقله في ذلك، فهذا بمنزلة من أخذ العلم بالأدلة العقلية من النظر الفكري.
ومثال الثاني مثال أتباع الرسول ومقلديه فيما أخبر به من العلم بصانعهم، ومثال ذلك
الشخص الذي اختلف في اتباعه هذان الشخصان مثال الرسول المعلم فشرع هذا المعلم يبين
الطريق الموصل إلى درجة الكمال والسعادة على ما اقتضاه نظر الشخص الواحد من
الشخصين اللذين نظرا في شأن هذا المعلم وهو الذي لم يتبعه، ولكن ما وقعت الموافقة معه
إلاَّ في بعض ما يقتضيه الأمر الطبيعي من مخالفة الطبع، ولا كل مخالفة الطبع إلاَّ بوزن خاص

٤١١
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
ومقدار معين، وبهذا سمّي كيمياء لدخول التقدير والوزن، فلما رأى ذلك هذا الشخص فرح
بذلك حيث استقل به دون تقليده، ورأى أن له شفوفاً على صاحبه الذي قلّده فاغتر به. وأما
المقلد فبقي على ما كان عليه من تقليد المعلم، وزاد غير المقلد وهو ذلك الشخص بما رأى
من الموافقة زهداً في تقليد هذا الشخص وانفراداً بنظره من أجل هذه الموافقة، فسلك
الرجلان أو الشخصان إن كانا امرأتين أو أحدهما امرأة في الطريق الواحد بحكم النظر والآخر
بحكم التقليد وأخذا في الرياضة وهي تهذيب الأخلاق والمجاهدة وهي المشاق البدنية من
الجوع والعبادات العملية البدنية كالقيام الطويل في الصلاة والدؤب عليها، والصيام والحج
والجهاد والسياحة هذا بنظره، وهذا بما شرع له أستاذه ومعلمه المسمّى شارعاً، فلما فرغا من
حكم أسر الطبيعة العنصرية وما بقي واحد منهما يأخذ من حكم الطبيعة العنصرية إلاَّ
الضروري الذي يحفظ به وجود هذا الجسم الذي بوجوده واعتداله وبقائه يحصل لهذه النفس
الجزئية مطلوبها من العلم بالله الذي استخلفها خاصة، فإذا خرجا عن حكم الشهوات الطبيعية
العنصرية وفتح لهما باب السماء الدنيا تلقى المقلد آدم عليه السلام ففرح به وأنزله إلى جانبه،
وتلقى صاحب المستقل روحانية القمر فأنزله عنده.
ثم إن صاحب النظر الذي هو نزيل القمر في خدمة آدم عليه السلام وهو كالوزير له
مأموراً من الحق بالتسخير له ورأى جميع ما عنده من العلوم لا يتعدّى ما تحته من الأكر ولا
علم له بما فوقه وأنه مقصور الأثر على ما دونه، ورأى آدم أن عنده علم ما دونه وعلم ما فوقه
من الأمكنة وأنه يلقي إلى نزيله ممّا عنده ممّا ليس في وسع القمر أن يعرفه، وعلم أنه ما أنزله
عليه إلاَّ عناية ذلك المعلم الذي هو الرسول، فاغتمّ صاحب النظر وندم حيث لم يسلك على
مدرجه ذلك الرسول واعتقد الإيمان به، وأنه إذا رجع من سفرته تلك أن يتبع ذلك الرسول
ويستأنف من أجله سفراً آخر.
ثم إن هذا التابع نزيل آدم علمه أبوه من الأسماء الإلهية على قدر ما رأى أنه يحمله
مزاجه، فإن للنشأة الجسمية العنصرية أثراً في النفوس الجزئية، فما كلها على مرتبة واحدة في
القبول فتقبل هذه ما لا تقبل غيرها، وفي أول سماء يقف من علم آدم على الوجه الإلهي
الخاص الذي لكل موجود سوى الله الذي يحجبه عن الوقوف مع سببه وعلته، وصاحب النظر
لا علم له بذلك الوجه أصلاً، والعلم بذلك الوجه هو العلم بالإكسير في الكيمياء الطبيعية
فهذا هو إكسير العارفين، وما رأيت أحداً نبّه عليه غيري، ولولا أني مأمور بالنصيحة لهذه
الأمة بل لعباد الله ما ذكرته، فعلم كل واحد منهما ما لهذا الفلك من الحكم الذي ولاه الله به
في هذه الأركان الأربعة والمولدات، وما أوحى الله في هذه السماء من الأمر المختصّ بها في
قوله ﴿وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٢] وما علم صاحب النظر نزيل القمر من
ذلك إلاَّ ما يختص بالتأثيرات البدنية والاستحلالات في أعيان الأجسام المركبة من الطبيعة
العنصرية، وحصل التابع ما فيها من العلم الإلهي الحاصل للنفوس الجزئية ممّا هو لهذا الفلك
خاصة، وما نسبة وجود الحق من ذلك، وما له فيهم من الصور، ومن أين صحّت الخلافة

٤١٢
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
لهذه النشأة الإنسانية، ولا سيّما وآدم المنصوص عليه صاحب هذه السماء، فعلم التابع صورة
الاستخلاف في العلم الإلهيّ، وعلم صاحب النظر الاستخلاف العنصري في تدبير الأبدان
وعلل الزيادة والربو والنموّ في الأجسام القابلة لذلك والنقص، فكل ما حصل لصاحب النظر
حصل للتابع، وما كل ما حصل للتابع حصل لصاحب النظر، فما يزداد صاحب النظر إلاَّ غماً
على غم، وما يصدق متى ينقضي سفره ويرجع إلى بدنه، فإنهم في هذا السفر مثل النائم فيما
يرى في نومه وهو يعرف أنه في النوم فلا يصدق متى يستيقظ ليستأنف العمل ويستريح من
غمّه، وإنما يتقلق خوفاً ممّا حصل له في سفره أن يقبض فيه فلا يصحّ له ترق بعد ذلك، فهذا
هو الذي يزعجه .
والتابع ليس كذلك فإنه يرى الترقي بصحبه حيث كان من ذلك الوجه الخاص الذي لا
يعرفه إلاَّ صاحب هذا الوجه، فإذا أقاما في هذه السماء ما شاء الله وأخذا في الرحلة وودع كل
واحد منهما نزيله وارتقيا في معراج الأرواح إلى السماء الثانية، وفي هذه السماء الأولى هو
النائب السابع الإلهيّ الموكل بالنطفة الكائنة في الأرحام التي تظهر فيها هذه النشأة الإنسانية،
وهو يتوكل بها في الشهر السابع من سقوط النطفة، والطفل في هذا الشهر الجنين يزيد وينمو
في بطن أمه بزيادة القمر ويذبل وتقل حركته في بطن أمه في نقص القمر وذلك هو العلامة،
فإن ولد في هذا الشهر لم يكن في القوّة مثل الذي يولد في الشهر السادس. فإذا قرعا السماء
الثانية وفتحت لهما صعدا فنزل التابع عند عيسى عليه السلام وعنده يحيى ابن خالته، ونزل
صاحب النظر عند الكاتب فلما أنزله الكاتب عنده وأكرم مثواه اعتذر إليه وقال له: لا
تستبطئني فإني في خدمة عيسى ويحيى عليهما السلام وقد نزل بهما صاحبك فلا بدّ لي من
الوقوف عندهما حتى أرى ما يأمراني به في حق نزيلهما، فإذا فرغت من شأنه رجعت إليك،
فيزيد صاحب النظر غماً إلى غمّه وندامة حيث لم يسلك مسلك صاحبه ولا ذهب في مذهبه،
فأقام التابع عند النبيّ الخالة ما شاء الله فأوقفاه على صحة رسالة المعلم رسول الله وم طل بدلالة
إعجاز القرآن فإنها حضرة الخطابة والأوزان، وحسن مواقع الكلام، وامتزاج الأمور، وظهور
المعنى الواحد في الصور الكثيرة، ويحصل له الفرقان في مرتبة خرق العوائد .
ومن هذه الحضرة يعلم علم السيمياء الموقوفة على العمل بالحروف والأسماء لا على
البخورات والدماء وغيرها، ويعرف شرف الكلمات وجوامع الكلم وحقيقة
كُنْ﴾ واختصاصها بكلمة الأمر لا بكلمة الماضي ولا المستقبل ولا الحال، وظهور الحرفين
من هذه الكلمة مع كونها مركبة من ثلاثة، ولماذا حذفت الكلمة الثالثة المتوسطة البرزخية التي
بين حرف الكاف وحرف النون وهي حرف الواو الروحانية التي تعطي ما للملك في نشأة
المكون من الأثر مع ذهاب عينها، ويعلم سرّ التكوين من هذه السماء، وكون عيسى يحيي
الموتى، وإنشاء صورة الطير ونفخه في صورته وتكوين الطائر طائراً هل هو بإذن الله أو تصوير
عيسى خلق الطير ونفخه فيه هو بإذن الله؟ وبأيّ فعل من الأفعال اللفظية يتعلق قوله: ﴿ پإذنٍ﴾
[سورة المائدة، الآية ١١٠] وبإذن الله هل العامل فيه يكون أو تنفخ؟ فعند أهل الله العامل فيه يكون،

٤١٣
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
وعند مثبتي الأسباب وأصحاب الأحوال العامل فيه تنفخ، فيحصل لمن دخل هذه السماء
واجتمع بعيسى ويحيى علم ذلك ولا بدّ، ولا يحصل ذلك لصاحب النظر، وأعني حصول
ذوق وعيسى روح الله ويحيي له الحياة، فكما أن الروح والحياة لا يفترقان كذلك هذان النبيان
عيسى ويحيى لا يفترقان لما يحملانه من هذا السرّ، فإن لعيسى من علم الكيمياء الطريقين:
الإنشاء وهو خلقه الطير من الطين والنفخ وظهر عنه الصور باليدين والطيران بالنفخ الذي هو
النفس فهذه طريقة في علم الكيمياء الذي قدّمناه في أوّل الباب.
والطريق الثانية إزالة العلل الطارئة وهو في عيسى إبراء الأكمه والأبرص وهي العلل
التي طرأت عليهما في الرحم الذي هو من وظيفة التكوين، فمن هنا يحصل لهذا التابع علم
المقدار والميزان الطبيعيّ والروحانيّ لجمع عيسى بين الأمرين، ومن هذه السماء يحصل
لنفس هذا التابع الحياة العلمية التي يحيي بها القلوب كقوله: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ﴾
[سورة الأنعام: الآية ١٢٢] وهي حضرة جامعة فيها من كل شيء، وفيها الملك الموكل بالنطفة في
الشهر السادس، ومن هذه الحضرة يكون الإمداد للخطباء والكتاب لا للشعراء. ولما كان
لمحمد وَّ جوامع الكلم خوطب من هذه الحضرة وقيل: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ﴾ [سورة يس: الآية
٦٩] لأنه أرسل مبيناً مفصلاً، والشعر من الشعور فمحله الإجمال لا التفصيل وهو خلاف
البيان. ومن هنا تعلم تقليبات الأمور، ومن هنا توهب الأحوال لأصحابها، وكلما ظهر في
العالم العنصري من النيرنجيات الأسمائية فمن هذه السماء .
وأما الفلقطيرات فمن غير هذه الحضرة، ولكن إذا وجدت فأرواحها من هذه السماء لا
أعيان صورها الحاملة لأرواحها، فإذا حصل علم هذه الكائنات وسرعة الإحياء فيها من شأنه
أن لا يقبل ذلك إلاَّ في الزمان الطويل، فإن ذلك من علم عيسى لا من الأمر الموحى به في
ذلك الفلك، ولا في سباحة كوكبه، وهو من الوجه الخاص الإلهيّ الخارج عن الطريق
المعتادة في العلم الطبيعيّ الذي يقتضي الترتيب النسبيّ الموضوع بالترتيب الخاص، وهذه
مسألة يغمض دركها، فإن العالم المحقق يقول بالسبب فإنه لا بدّ منه، ولكن لا يقول بهذا
الترتيب الخاص في الأسباب، فعامّة هذا العلم إما ينفون الكل وإما يثبتون الكل، ولم أر منهم
من يقول ببقاء السبب مع نفي ترتيبه الزماني، فإنه علم عزيز يعلم من هذه السماء، فما يكون
عن سبب في مدة طويلة يكون عن ذلك السبب في لمح البصر أو هو أقرب، وقد ظهر ذلك
فيما نقل في تكوين عيسى عليه السلام، وفي تكوين خلق عيسى الطائر، وفي إحياء الميت من
قبره قبل أن يأتي المخاض للأرض في إبراز هذه المولدات ليوم القيامة وهو يوم ولادتها، فألق
بالك واشحذ فؤادك عسى أن يهديك ربك سواء السبيل .
ومن هذه السماء قوله في ناشئة الليل إنها ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٦] فإذا حصل
التابع هذه العلوم وانصرف الكاتب إلى نزيله وردّ النظر إليه أعطاه من العلم المودع في مجراه
ما يعطيه استعداده ممّا له من الحكم في الأجسام التي تحته في العالم العنصري لا من
أرواحه، فإذا كمل فذلك قراه يطلب الرحيل عنه فجاء إلى صاحبه التابع وخرجا يطلبان السماء

٤١٤
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
الثالثة، وصاحب النظر بين يدي التابع مثل الخادم بين يدي مخدومه، وقد عرف قدره ورتبة
معلمه وما أعطاه من العناية أتباعه لذلك المعلم، فلما قرعا السماء الثالثة فتحت فصعدا فيها
فتلقى التابع يوسف عليه السلام، وتلقى صاحب النظر كوكب الزهرة فأنزلته وذكرت له ما
ذكره من تقدّم من كواكب التسخير فزاده ذلك غماً إلى غمه، فجاء كوكب الزهرة إلى يوسف
عليه السلام وعنده نزيله وهو التابع وهو يلقي إليه ما خصّه الله به من العلوم المتعلقة بصور
التمثّل والخيال، فإنه كان من الأئمة في علم التعبير، فأحضر الله بين يديه الأرض التي خلقها
الله من بقية طينة آدم عليه السلام وأحضر له سوق الجنة وأحضر له أجساد الأرواح النورية
والنارية والمعاني العلوية، وعرّفه بموازينها ومقاديرها ونسبها ونسبها، فأراه السنين في صور
البقر، وأراه خصبها في سمنها، وأراه جدبها في عجافها، وأراه العلم في صورة اللبن، وأراه
الثبات في الدين في صورة القيد، وما زال يعلمه تجسد المعاني والنسب في صورة الحس
والمحسوس وعرّفه معنى التأويل في ذلك كله، فإنها سماء التصوير التام والنظام.
ومن هذه السماء يكون الإمداد للشعراء والنظم والإتقان والصور الهندسية في الأجسام
وتصويرها في النفس من السماء التي ارتقى عنها. ومن هذه السماء يعلم معنى الإتقان
والإحكام والحسن الذي يتضمن بوجوده الحكمة، والحسن الغرضي الملائم لمزاج خاص.
وفي هذه السماء هو النائب الخامس الذي يتلقى تدبير النطفة في الرحم في الشهر الخامس.
ومن الأمر الموحى من الله في هذه السماء حصل ترتيب الأركان التي تحت مقعر فلك القمر
فجعل ركن الهواء بين النار والماء، وجعل ركن الماء بين الهواء والتراب، ولولا هذا الترتيب
ما صحّ وجود الاستحالة فيهن ولا كان منهن ما كان من المولدات ولا ظهر في المولدات ما
ظهر من الاستحالات، فأين النطفة من كونها استحالت لحماً ودماً وعظاماً وعروقاً وأعصاباً؟
ومن هذه السماء رتب الله في هذه النشأة الجسمية الأخلاط الأربعة على النظم الأحسن
والإتقان الأبدع، فجعل ممّا يلي نظر النفس المدبرة المرّة الصفراء ثم يليها الدم ثم يلي الدم
البلغم ثم يلي البلغم المرّة السوداء وهو طبع الموت، ولولا هذا الترتيب العجيب في هذه
الأخلاط لما حصلت المساعدة للطبيب فيما يرومه من إزالة ما يطرأ على هذا الجسد من العلل
أو فيما يرومه من حفظ الصحة عليه. من هذه السماء ظهرت الأربعة الأصول التي يقوم عليها
بيت الشعر، كما قام الجسد على الأربعة الأخلاط وهما السببان والوتدان: السبب الخفيف
والسبب الثقيل، والوتد المفروق والوتد المجموع، فالوتد المفروق يعطي التحليل، والوتد
المجموع يعطي التركيب، والسبب الخفيف يعطي الروح، والسبب الثقيل يعطي الجسم،
وبالمجموع يكون الإنسان، فانظر ما أتقن وجود هذا العالم كبيره وصغيره.
فإذا حصلا هذه العلوم هذان الشخصان وزاد التابع على الناظر بما أعطاه الوجه الخاص
من العلم الإلهيّ، كما اتفق في كل سماء لهما، انتقلا يطلبان السماء الوسطى التي هي قلب
السموات كلها، فلما دخلاها تلقى التابع إدريس عليه السلام وتلقى صاحب النظر كوكب
الشمس فجرى لصاحب النظر معه مثل ما تقدّم فزاد غماً إلى غمه، فلما نزل التابع بحضرة

٤١٥
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
إدريس عليه السلام علم تقليب الأمور الإلهية ووقف على معنى قوله عليه السلام: ((القَلْبُ بَيْنَ
أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمنِ)) وبماذا يقلبانه، ورأى في هذه السماء غشيان الليل النهار والنهار
الليل، وكيف يكون كل واحد منهما لصاحبه ذكراً وقتاً وأنثى وقتاً، وسر النكاح والالتحام
بينهما، وما يتولد فيهما من المولدات بالليل والنهار، والفرق بين أولاد الليل وأولاد النهار،
فكل واحد منهما أب لما يولد في نقيضه وأمّ لما يولد فيه، ويعلم من هذه السماء علم الغيب
والشهادة، وعلم الستر والتجلي، وعلم الحياة والموت، واللباس والسكن والمودّة والرحمة، وما
يظهر من الوجه الخاص من الاسم الظاهر في المظاهر الباطنة، ومن الاسم الباطن في الظاهر
من حكم استعداد المظاهر، فتختلف على الظاهر الأسماء لاختلاف الأعيان. ثم رحلا يطلبان
السماء الخامسة فنزل التابع بهارون عليه السلام ونزل صاحب النظر بالأحمر فاعتذر الأحمر
لصاحبه ونزيله في تخلّفه عنه مدة اشتغاله بخدمة هارون عليه السلام من أجل نزيله، فلما دخل
الأحمر على هارون وجد عنده نزيله وهو يباسطه فتعجب الأحمر من مباسطته فسأل عن ذلك
فقال: إنها سماء الهيبة والخوف والشدة والبأس وهي نعوت توجب القبض، وهذا ضيف ورد
من أتباع الرسول تجب كرامته، وقد ورد يبتغي علماً ويلتمس حكماً إلهياً يستعين به على أعداء
خواطره خوفاً من تعدّي حدود سيده فيما رسم له، فأكشف له عن محياها وأباسطه حتى يكون
قبوله لما التمسه على بسط نفس بروح قدس ثم ردّ وجهه إليه وقال له: هذه سماء خلافة البشر
فضعف حكم إمامها وقد كان أصلها أقوى المباني فأمر باللين بالجبابرة الطغاة فقيل لنا: ﴿فَقُولَا
لَهُ قَوْلاً لَِّنًا﴾ [سورة ◌ُه: الآية ٤٤] وما يؤمر بلين المقال إلاَّ من قوّته أعظم من قوّة من أرسل إليه
وبطشه أشدّ، لكنه لما علم الحق أنه قد طبع على كل قلب مظهر للجبروت والكبرياء وأنه في
نفسه أذلّ الأذلاء أمرا أن يعاملاه بالرحمة واللين لمناسبة باطنه واستنزال ظاهره من جبروته
وكبريائه ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [سورة طه: الآية ٤٤] ولعل وعسى من الله واجبتان، فيتذكر بما
يقابله من اللين والمسكنة ما هو عليه في باطنه ليكون الظاهر والباطن على السواء، فما زالت
تلك الخميرة معه تعمل في باطنه مع الترجي الإلهيّ الواجب وقوع المترجي، ويتقوى حكمها
إلى حين انقطاع يأسه من أتباعه، وحال الغرق بينه وبين أطماعه، لجأ إلى ما كان مستسراً في
باطنه من الذلّة والإفتقار ليتحقق عند المؤمنين وقوع الرجاء الإلهيّ فقال: ﴿ءَامَنْتُ الَّذِىّ ءَامَنَتْ
بِهِ، بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة يونس: الآية ٩٠] فأظهر حالة باطنه وما كان في قلبه من
العلم الصحيح بالله وجاء بقوله الذي آمنت به بنو إسرائيل لرفع الإشكال عند الإشكال كما
قالت السحرة لما آمنت: ﴿قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٤٧، ٤٨] أي
الذي يدعوان إليه فجاءت بذلك لرفع الارتياب، وقوله: ﴿وَأَنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة يونس: الآية
٩٠] خطاب منه للحق لعلمه أنه تعالى يسمعه ويراه، فخاطبه الحق بلسان العتب وأسمعه الآن
أظهرت ما قد كنت تعلمه ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة يونس: الآية ٩١] في
أتباعك، وما قال له: وأنت من المفسدين فهي كلمة بشرى له عرّفنا بها لنرجو رحمته مع إسرافنا
وإجرامنا، ثم قال: ﴿فَلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ [سورة يونس: الآية ٩٢] فبشره قبل قبض روحه ﴿بِبَدَنِكَ

٤١٦
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
لِتَّكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾ [سورة يونس: الآية ٩٢] يعني لتكون النجاة لمن يأتي بعدك آية علامة، إذا
قال ما قالته تكون له النجاة مثل ما كانت لك، وما في الآية أن بأس الآخرة لا يرتفع ولا أن
إيمانه لم يقبل، وإنما في الآية أن بأس الدنيا لا يرتفع عمّن نزل به إذا آمن في حال رؤيته إلاَّ
قوم يونس، فقوله: ﴿فَلْيَوْمَ تُنَجِّكَ بِبَدَنِكَ﴾ إذ العذاب لا يتعلق إلاَّ بظاهرك، وقد أريت الخلق
نجاته من العذاب، فكان ابتداء الغرق عذاباً فصار الموت فيه شهادة خالصة بريئة لم تتخللها
معصية، فقبضت على أفضل عمل وهو التلفظ بالإيمان، كل ذلك حتى لا يقنط أحد من رحمة
الله والأعمال بالخواتم، فلم يزل الإيمان بالله يجول في باطنه وقد حال الطابع الإلهيّ الذاتي في
الخلق بين الكبرياء واللطائف الإنسانية فلم يدخلها قط كبرياء.
وأما قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنّْ﴾ [سورة غافر: الآية ٨٥] فكلام محقق في
غاية الوضوح، فإن النافع هو الله فما نفعهم إلاَّ الله. وقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى
عِبَادِهِ﴾ [سورة غافر: الآية ٨٥] يعني الإيمان عند رؤية البأس الغير المعتاد، وقد قال: ﴿وَلِلَِّ يَسْجُدُ
مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [سورة الرعد: الآية ١٥] فغاية هذا الإيمان أن يكون كرهاً وقد
أضافه الحق إليه سبحانه، والكراهة محلها القلب، والإيمان محله القلب، والله لا يأخذ العبد
بالأعمال الشاقة عليه من حيث ما يجده من المشقة فيها بل يضاعف له فيها الأجر. وأما في
هذا الموطن فالمشقة منه بعيدة بل جاء طوعاً في إيمانه وما عاش بعد ذلك كما قال في راكب
البحر عند ارتجاجه: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّهُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٦٧] فنجاهم، فلو قبضهم عند
نجاتهم لماتوا موحدين، وقد حصلت لهم النجاة فقبض فرعون ولم يؤخر في أجله في حال
إيمانه لئلا يرجع إلى ما كان عليه من الدعوى.
ثم قوله تعالى في تتميم قصته هذه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ﴾ [سورة
يونس: الآية ٩٢] وقد أظهرت نجاتك آية أي علامة على حصول النجاة، فغفل أكثر الناس عن
هذه الآية وقضوا على المؤمن بالشقاء. وأما قوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارِ﴾ [سورة هود: الآية ٩٨] فما
فيه نص أنه يدخلها معهم بل قال الله: ﴿أَدِْلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ [سورة غافر: الآية ٤٦] ولم يقل
أدخلوا فرعون وآله، ورحمة الله أوسع من حيث أن لا يقبل إيمان المضطر، وأي اضطرار
أعظم من اضطرار فرعون في حال الغرق والله يقول: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ
السُّوْءَ﴾ [سورة النمل: الآية ٦٢] فقرن للمضطر إذا دعاه الإجابة وكشف السوء عنه، وهذا آمن لله
خالصاً، وما دعاه في البقاء في الحياة الدنيا خوفاً من العوارض أو يحال بينه وبين هذا
الإخلاص الذي جاءه في هذه الحال، فرجح جانب لقاء الله على البقاء بالتلفظ بالإيمان وجعل
ذلك الغرق نكال الآخرة والأولى، فلم يكن عذابه أكثر من غم الماء الأجاج وقبضه على
أحسن صفة، هذا ما يعطي ظاهر اللفظ وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِّمَنْ يَخْشَ﴾ [سورة
النازعات: الآية ٢٦] يعني في أخذه ﴿تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُوْلَ﴾ [سورة النازعات: الآية ٢٥]، وقدّم ذكر الآخرة
وأخّر الأولى ليعلم أن ذلك العذاب أعني عذاب الغرق هو نكال الآخرة فلذلك قدّمها في
الذكر على الأولى وهذا هو الفضل العظيم.

٤١٧
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
فانظر يا ولي ما أثرت مخاطبة اللين وكيف أثمرت هذه الثمرة، فعليك أيها التابع باللين
في الأمور فإنّ النفوس الأبية تنقاد بالاستمالة، ثم أمره بالرفق بصاحبه صاحب النظر، وكان
سبب هذا الأمر من هارون لأنه حصل له هذا ذوقاً من نفسه حين أخذ موسى برأسه يجره إليه
فأذاقه الذلّ بأخذ اللحية والناصية فناداه بأشفق الأبوين فقال: يا ابن أمّ لا تأخذ بلحيتي ولا
برأسي ولا ﴿قُشْمِتْ بِ الْأَعْدَآءَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٠] لما ظهر عليه أخوه موسى بصفة
القهر، فلما كان لهرون ذلّة الخلق مع براءته ممّا أذل فيه تضاعفت المذلة عنده فناداه بالرحم،
فهذا سبب وصيته لهذا التابع، ولو لم يلق موسى الألواح ما أخذ برأس أخيه، فإنّ في نسختها
الهدى والرحمة تذكرة لموسى، فكان يرحم أخاه بالرحمة وتتبین مسألته مع قومه بالهدى،
فلما سكت عنه الغضب أخذ الألواح فما وقعت عينه ممّا كتب فيها إلاَّ على الهدى والرحمة
فقال: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدِْلْنَا فِي رَحْمَتِكٌّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية
١٥١]. ثم أمره أن يجعل ما تقتضيه سماؤه من سفك الدماء في القرابين والأضاحي ليلحق
الحيوان بدرجة الأناسي إذ كان لها الكمال في الأمانة، ثم خرج من عنده بخلعة نزيله وأخذ
بيد صاحبه وقد أفاده ما كان في قوّته من المعارف بما يقتضيه حكمه في الدور لا غير.
وانصرفا يطلبان السماء السادسة فتلقاه موسى عليه السلام ومعه وزيره البرجيس فلم
يعرف صاحب النظر موسى عليه السلام فأخذه البرجيس فأنزله ونزل التابع عند موسى فأفاده
اثني عشر ألف علم من العلم الإلهيّ سوى ما أفاده من علوم الدور والكور، وأعلمه أن
التجليّ الإلهيّ إنما يقع في صور الاعتقادات وفي الحاجات فتحفظ، ثم ذكر له طلبه النار
لأهله فما تجلّى له إلاَّ فيها إذ كانت عين حاجته فلا يرى إلاّ في الافتقار، وكل طالب فهو فقير
إلى مطلوبه ضرورة، وأعلمه في هذه السماء خلع الصور من الجوهر وإلباسه صوراً غيرها
ليعلمه أن الأعيان أعيان الصور لا تنقلب فإنه يؤدي إلى إنقلاب الحقائق، وإنما الإدراكات
تتعلق بالمدركات تلك المدركات لها صحيحة لا شك فيها، فيتخيل من لا علم له بالحقائق أن
الأعيان انقلبت وما انقلبت، ومن هنا يعلم تجلي الحق في القيامة في صورة يتعوّذ أهل
الموقف منها وينزهون الحق عنها ويستعيذون بالله منها وهو الحق ما هو غيره وذلك في
أبصارهم، فإنّ الحق منزه عن قيام التغيير به والتبديل. قال عليم الأسود لرجل وقف فضرب
بيده عليم إلى أسطوانة في الحرم فرآها الرجل ذهباً ثم قال له: يا هذا إن الأعيان لا تنقلب
ولكن هكذا تراه لحقيقتك بربك، يشير إلى تجلي الحق يوم القيامة وتحوّله في عين الرائي.
ومن هذه السماء يعلم العلم الغريب الذي لا يعلمه قليل من الناس، فأحرى أن لا يعلمه
الكثير وهو معنى قوله تعالى لموسى عليه السلام وما علم أحد ما أراد الله إلاَّ موسى ومن
اختصه الله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى قَالَ هِىَ عَصَاىَ﴾ [سورة طُه: الآية ١٧، ١٨] والسؤال عن
الضروريات ما يكون من العالم بذلك إلاَّ لمعنى غامض. ثم قال في تحقيق كونها عصا
﴿أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيْهَا وَأَهُثُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى﴾ [سورة طه: الآية ١٨] كل ذلك من كونها
عصا، أرأيتم أنه أعلم الحق تعالى بما ليس معلوماً عند الحق، وهذا جواب علم ضروري عن
الفتوحات المکیة ج٣ - م٢٧

٤١٨
في المعاملات/ الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
سؤال عن معلوم مدرك بالضرورة فقال له: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَمُوسَى﴾ [سورة طه: الآية ١٩] يعني عن
يدك مع تحققك أنها عصا ﴿فَأَلْقَنْهَا فَإِذَا هِىَ﴾ يعني تلك العصا ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [سورة طه: الآية ٢٠]
فلما خلع الله على العصا أعني جوهرها صورة الحية استلزمها حكم الحية وهو السعي حتى
يتبين لموسى عليه السلام بسعيها أنها حية، ولولا خوفه منها خوف الإنسان من الحيات لقلنا:
إن الله أوجد في العصا الحياة فصارت حية في الحياة فسعت لحياتها على بطنها، إذ لم يكن
لها رجل تسعى به فصورتها لشكلها عصا صورة الحيات، فلما خاف منها للصورة قال له
الحق: ﴿خُذْهَا وَلَا تَّخَفْ﴾ وهذا هو خوف الفجأة إذ كان، ثم قال له: ﴿ سَنُعِيدُهَا﴾ الضمير
يعود على العصا ﴿سِيرَتَهَا الْأُوْلَى﴾ [سورة طه: الآية ٢١] فجواهر الأشياء متماثلة وتختلف بالصور
والأعراض والجوهر واحد أي ترجع عصا مثل ما كانت في ذاتها، وفي رأي عينك كما كانت
حية في ذاتها، وفي رأي عينك ليعلم موسى من يرى وما يرى وبمن يرى، وهذا تنبيه إلهي له
ولنا، وهو الذي قاله عليم سواء من أن الأعيان لا تنقلب، فالعصا لا تكون حية ولا الحية
عصا، ولكن الجوهر القابل صورة العصا قبل صورة الحية فهي صور يخلعها الحق القادر
الخالق عن الجوهر إذا شاء، ويخلع عليه صورة أخرى.
فإن كنت فطناً فقد نبهتك على علم ما تراه من صور الموجودات وتقول هو ضروري من
كونك لا تقدر على إنكاره، وقد بان لك أن الاستحالات محال، ولله أعين في بعض عباده
يدركون بها العصا حية في حال كونها عصا وهو إدراك إلهيّ وفينا خيالي، وهكذا في جميع
الموجودات سواء، انظر لولا قوّة الحسّ ما قلت هذا جماد لا يحسّ ولا ينطق وما به من
حياة، وهذا نبات، وهذا حيوان يحسّ ويدرك، وهذا إنسان يعقل هذا كله أعطاه نظرك، ويأتي
شخص آخر يقف معك فيرى ويسمع تسليم الجمادات والنبات والحيوان عليه وكلا الأمرين
صحيح، وبالقوة التي تستدل بها على إنكار ما قاله هذا بها بعينها يستدل هذا الآخر، فكل
واحد من الشخصين دليله عين دليل الآخر والحكم مختلف، فوالله ما زالت حية عصا موسى
وما زالت عصا كل ذلك في نفس الأمر لم تخط رؤية كل واحد ما هو الأمر عليه في نفسه،
وقد رأينا ذلك وتحققناه رؤية عين، فهو الأوّل والآخر من عين واحدة، وهو في التجلي الأوّل
لا غيره، وهو في التجلي الآخر لا غيره، فقل إله، وقل عالم، وقل أنا، وقل أنت، وقل هو،
والكل في حضرة الضمائر ما برح وما زال، فزيد يقول في حقك هو، وعمرو يقول عنك
أنت، وأنت تقول عنك أنا، فأنا عين أنت وعين هو، وما هو أنا عين أنت ولا عين هو،
فاختلفت النسب، وهنا بحور طامية لا قعر لها ولا ساحل، وعزّة ربي لو عرفتم ما فهت به في
هذه الشذور لطربتم طرب الأبد ولخفتم الخوف الذي لا يكون معه أمن لأحد تدكدك الجبل
عين ثباته وإفاقة موسى عين صعقته : [البسيط]
من الكيان ولا تُعْلِمْ بِه أَحَدا
انظُرْ إلى وجهه في كل حادثةٍ
أيها التابع المحمدي لا تغفل عما نبهتك عليه، ولا تبرح في كل صورة ناظراً إليه، فإن
المجلّى أجلى، ثم أخذ بيده البرجيس وجاء به إلى صاحب النظر فعرّفه ببعض ما يليق به ممّا

٤١٩
في المعاملات / الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
علمه التابع من علم موسى بما يختص من تأثيرات الحركات الفلكية في النشآت العنصرية لا
غير فارتحلا من عنده المحمدي على رفرف العناية وصاحب النظر على براق الفكر، ففتح
لهما السماء السابعة وهي الأولى من هناك على الحقيقة، فتلقاه إبراهيم الخليل عليه السلام،
وتلقى صاحب النظر كوكب كيوان فأنزله في بيت مظلم قفر موحش وقال له: هذا بيت أخيك
يعني نفسه فكن به حتى آتيك، فإني في خدمة هذا التابع المحمدي من أجل من نزل عليه وهو
خليل الله، فجاء إليه فوجده مسنداً ظهره إلى البيت المعمور والتابع جالس بين يديه جلوس
الابن بين يدي أبيه وهو يقول له: نعم الولد البارّ، فسأله التابع عن الثلاثة الأنوار فقال: هي
حجتي على قومي، آتانيها الله عناية منه بي لم أقلها إشراكاً لكن جعلتها حبالة صائد أصيد بها ما
شرد من عقول قومي، ثم قال له: أيها التابع ميّز المراتب واعرف المذاهب وكن على بينة من
ربك في أمرك ولا تهمل حديثك فإنك غير مهمل ولا متروك سدى، اجعل قلبك مثل هذا البيت
المعمور بحضورك مع الحق في كل حال، واعلم أنه ما وسع الحق شيء ممّا رأيت سوى قلب
المؤمن وهو أنت، فعندما سمع صاحب النظر هذا الخطاب قال: ﴿بَحَسْرَنَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِ جَنْبٍ
اللَّهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السََّخِرِينَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٦] وعلم ما فاته من الإيمان بذلك الرسول وأتباع
سنته ويقول: يا ليتني لم أتخذ عقلي دليلاً ولا سلكت معه إلى الفكر سبيلاً، وكل واحد من
هذين الشخصين يدرك ما تعطيه الروحانيات العلى وما يسبح به الملأ الأعلى بما عندهما من
الطهارة وتخليص النفس من أسر الطبيعة وارتقم في ذات نفس كل واحد منهما كل ما في العالم
فليس يخبر إلاَّ بما شاهده من نفسه في مرآة ذاته، فحكاية الحكيم الذي أراد أن يُرِيّ هذا المقام
للملك فاشتغل صاحب التصوير الحسن بنقش الصور على أبدع نظام وأحسن إتقان، واشتغل
الحكيم بجلاء الحائط الذي يقابل موضع الصور وبينهما ستر معلق مسدل، فلما فرغ كل واحد
من شغله وأحكم صنعته فيما ذهب إليه جاء الملك فوقف على ما صوّره صاحب الصور فرأى
صوراً بديعة يبهر العقول حسن نظمها وبديع نقشها، ونظر إلى تلك الأصبغة في حسن تلك
الصنعة فرأى أمراً هاله منظره، ونظر إلى ما صنع الآخر من صقالة ذلك الوجه فلم ير شيئاً فقال
له: أيها الملك صنعتي ألطف من صنعته، وحكمتي أغمض من حكمته، ارفع الستر بيني وبينه
حتى ترى في الحالة الواحدة صنعتي وصنعته، فرفع الستر فانتقش في ذلك الجسم الصقيل
جميع ما صوّره هذا الآخر بألطف صورة ممّا هو ذلك في نفسه فتعجب الملك.
ثم إن الملك رأى صورة نفسه وصورة الصاقل في ذلك الجسم فحار وتعجب وقال:
كيف يكون هكذا؟ فقال: أيها الملك ضربته لك مثلاً لنفسك مع صور العالم إذا أنت صقلت
مرآة نفسك بالرياضات والمجاهدات حتى تزكو وأزلت عنها صدأ الطبيعة وقابلت بمرآة ذاتك
صور العالم انتقش فيها جميع ما في العالم كله، وإلى هذا الحدّ ينتهي صاحب النظر وأتباع
الرسل وهذه الحضرة الجامعة لهما، ويزيد التابع على صاحب النظر بأمور لم تنتقش في العالم
جملة واحدة من حيث ذلك الوجه الخاص الذي لله في كل ممكن محدث ممّا لا ينحصر ولا
ينضبط ولا يتصوّر، يمتاز به هذا التابع عن صاحب النظر.

٤٢٠
في المعاملات/ الباب السابع والستون ومائة في معرفة كيمياء السعادة
ومن هذه السماء يكون الاستدراج الذي لا يعلم والمكر الخفي الذي لا يشعر به والكيد
المتين والحجاب والثبات في الأمور والتأني فيها، ومن هنا يعرف معنى قوله: ﴿لَخَلْقُ
اُلَمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [سورة غافر: الآية ٥٧] لأنّ لهما في الناس درجة
الأبوّة فلا يلحقهما أبداً. قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوْلِدَيْكَ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٤] ومن هذه
السماء يعلم أن كل ما سوى الإنس والجان سعيد لا دخول له في الشقاء الأخروي، وأن
الإنس والجان منهم شقيّ وسعيد، فالشقي يجري إلى أجل في الأشقياء لأن الرحمة سبقت
الغضب، والسعيد إلى غير أجل، ومن هنا يعرف تفضيل خلق الإنسان وتوجّه اليدين على
خلق آدم دون غيره من المخلوقات، ويعلم أنه ما ثم جنس من المخلوقات إلاَّ وله طريقة
واحدة في الخلق لم تتنوّع عليه صنوف الخلق تنوّعها على الإنسان فإنه تنوّع عليه الخلق،
فخلق آدم يخالف خلق حواء، وخلق حوّاء يخالف خلق عيسى، وخلق عيسى يخالف خلق
سائر بني آدم وكلهم إنسان، ومن هنا زيّن للإنسان ﴿سُوَهُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَناً﴾ [سورة فاطر: الآية ٨]،
وعند تجلي هذا التزيين يشكر الله تعالى التابع على تخلّصه من مثل هذا.
وأمّا صاحب النظر فلا يجد فرجاً إلاَّ في هذا التجلي يعطيه الحسن في السوء وهو
من المكر الإلهيّ، ومن هنا تثبت أعيان الصور في الجوهر التي تحت هذا الفلك إلى
الأرض خاصة، ومن هنا تعرف ملة إبراهيم أنها ملة سمحاء ما فيها من حرج، فإذا علم
هذه المعاني ووقف على أبوّة الإسلام أراد صاحب النظر القرب منه فقال إبراهيم للتابع:
من هذا الأجنبيّ معك؟ فقال: هو أخي، قال: أخوك من الرضاعة أو أخوك من النسب؟
قال: أخي من الماء، قال: صدقت لهذا لا أعرفه لا تصاحب إلاَّ من هو أخوك من
الرضاعة، كما أني أبوك من الرضاعة، فإن الحضرة السعادية لا تقبل إلاَّ إخوان الرضاعة
وآباءها وأمّهاتها فإنها النافعة عند الله، ألا ترى العلم يظهر في صورة اللبن في حضرة
الخيال هذا لأجل الرضاع، وانقطع ظهر صاحب النظر لما انقطع عنه نسب أبوّة إبراهيم
عليه السلام ثم أمره أن يدخل البيت المعمور فدخله دون صاحبه وصاحبه منكوس
الرأس، ثم خرج من الباب الذي دخل ولم يخرج من باب الملائكة وهو الباب الثاني
الخاصية فيه وهو أنه من خرج منه لا يرجع إليه.
ثم ارتحل من عنده يطلب العروج، ومسك صاحبه صاحب النظر هناك وقيل له قف
حتى يرجع صاحبك فإنه لا قدم لك هنا هذا آخر الدخان، فقال: أسلم وأدخل تحت حكم ما
دخل فيه صاحبي، قيل له: ليس هذا موضع قبول الإسلام إذا رجعت إلى موطنك الذي منه
جئت أنت وصاحبك فهناك إذا أسلمت وآمنت واتبعت سبيل من أناب إلى الله إنابة الرسل
المبلغين عن الله قبلت كما قبل صاحبك فبقي هنالك، ومشى التابع فبلغ به سدرة المنتهى
فرأى صور أعمال السعداء من النبيين وأتباع الرسل، ورأى عمله في جملة أعمالهم، فشكر
الله على ما وفقه إليه من أتباع الرسول المعلم، وعاين هنالك أربعة أنهار منها نهر كبير عظيم
وجداول صغار تنبعث من ذلك النهر الكبير، وذلك النهر الكبير تتفجر منه الأنهار الكبار