النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
في المعاملات/ الباب الموفي تسعين في معرفة الفرائض والسنن
ما ثم سوى الحضرة الإلهية، وهي عبارة عن الذات والصفات والأفعال، فهذا معنى: ((خَيْرُ
القُرُونِ)) فبعناية القرن الأوّل فتح للجميع وهي ذات رسول الله وَلّر فأعطت قوّة نوره وسلطان
ظهوره الفتح الإلهيّ لمن رآه أو رأى من رآه أو رأى من رأى من رآه فهو قوله: ((خَيْرُ القُرُونِ
قَرْنِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)) وإنما شبهناهم بالثلاث الغرر من الشهر، وجعلنا زمان
دعوته مشبهة بالشهر لأنهم اختلفوا في القرن ما قدره من الزمان، فمن جملة أقوالهم أن القرن
ثلاثون سنة فلهذا أنزلنا الثلاثة القرون من زمان دعوته إلى يوم القيامة منزلة شهر، وجعلنا
الثلاثة القرون كالثلاث الغرر منه .
وأما اختياره الصوم فإن النبيّ وَّ قال لشخص سأله: ((عَلَيكَ بالصَّوم فإنَّ لاَ مِثْلَ لَهُ)) فنفى
المثلية عن الصوم فأشبه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١]. وقال: ((الصوم لي))،
وجعل جميع العبادات كلها للإنسان إذ كان الصوم صفة تنزيه ولا ينبغي التنزيه إلا له تعالى. وأما
اختياره من الشهور شهر رمضان فلمشاركته في الاسم فإن رمضان من الأسماء الإلهية فتعينت له
حرمة ما هي لسائر شهور السنة وجعله من الشهور القمرية حتى تعمّ بركته جميع شهور السنة
فيظهر في كل شهر من شهور السنة، فيحصل لكل يوم من أيام السنة حظ منه، فإن أفضل الشهور
عندنا شهر رمضان، ثم شهر ربيع الأوّل، ثم شهر رجب، ثم شعبان، ثم ذو الحجة، ثم شوّال،
ثم ذو القعدة، ثم المحرّم، وإلى هنا انتهى علمي في فضيلة الشهور القمرية، وأبهم علّ ترتيب
الفضل فيما بقي من شهور السنة القمرية وذلك شهر صفر، وربيع الآخر، وجمادى الأولى،
وجمادى الآخرة، ما عندي علم بترتيب الفضلية في هؤلاء أو هي متساوية في الفضل وهو الغالب
على ظني فإنه أظهر ذلك وما تحققته فلم يتمكن لي أن أقول ما ليس لي به علم.
وأما اختياره من الأركان ركن الماء لأنه من الماء جعل كل شيء حي حتى العرش لما
خلقه ما كان إلاَّ على الماء فسرت الحياة فيه منه فهو الركن الأعظم كما قال: ((الحج عرفة))
وإن كان سبب الحياة أشياء معه ولكنه الركن الأعظم من تلك الأشياء. وأما اختياره من الأفلاك
العرش لأن له الإحاطة بجميع الأجسام ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىءٍ تُحِيطٌ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٤] وله
الأولية في الأفلاك فما تحتها فهو الأوّل المحيط فاختار للاستواء لما بين الصفتين، فإن كان
العرش الملك فأجرى أن يكون هو من غير اختيار لأنه ما ثم إلاَّ الله وملكه وكل شيء ما سواه
ملكه، وقد ورد تمييزه عن غيره، فتعين أن يكون مختاراً للأولية والإحاطة لأن السموات
والأرض في جوف الكرسي كحلقة في فلاة والكرسي في جوف العرش كحلقة في فلاة.
واختار من العباد الملائكة فإنهم مخلوقون من النور فأجسامهم نورية بالأصالة فهم أقرب نسبة من
سائر المخلوقات إلى النور الإلهيّ ولذلك كان رسول الله لله يدعو أن يجعله الله نوراً لما يعرف
من ظلمة الطبيعة. واختار من الأينيات العماء فكان له قبل خلق الخلق ومنه خلق الملائكة
المهيمة فهيمها في جلاله ثم خلق الخلق فشغلهم هيمانهم في جلال جماله أن يروا سواه، فهم
الذين لا يعرفون أن الله خلق أحداً ما أشرفها من حالة فجعل العماء أينية له، والعرش مستوى
له، والسماء الدنيا لنزوله، والأرض لمعيته فهو معنا أينما كنا .

٢٦٢
في المعاملات / الباب الموفي تسعين في معرفة الفرائض والسنن
واختار من الناس الرسل ليبلغوا عن الله ما هو الأمر عليه فإنه ما أخرجهم إلاَّ للعلم به
لأنه أحب أن يعرف فتعرف إليهم بالرسل بما بعثهم به من كتب وصحف فعرفوه معرفة ذاتية
كما عرفوه بالعقول التي خلق لهم وأعطاها قوّة النظر الفكري فعرفوه بالدلائل والبراهين معرفة
وجودية سلبية لم يكن في قوّة العقل في استقلاله أكثر من هذا، ثم بعد ذلك جاءت الرسل من
بعده بمعرفة ذاتية، فعبد الخلق الإله الذي تعرف إليهم بشرعه إذ العقل لا يعطي عملاً من
الأعمال ولا قربة من القرب ولا صفة ذاتية ثبوتية للحق، وما حظ العقل من الشرع ممّا يستقل
به دليله إلاَّ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] على زيادة الكاف لا على إثباتها
صفة، فاختار الرسل لتبليغ ما لا يستقل العقل بإدراكه من العلم بذاته وبما يقرب إليه من
الأعمال والتروك والنسب .
واختار من الأسماء الاسم الله فأقامه في الكلمات مقامه فهو الاسم الذي ينعت ولا
ينعت به، فجميع الأسماء نعته وهو لا يكون نعتاً ولهذا يتكلف فيه الاشتقاق فهو اسم جامد
علم موضوع للذات في عالم الكلمات والحروف لم يتسم به غيره جلّ وعلا فعصمه من
الاشتراك كما دلّ أن لا يكون ثم إله غيره، فهذا قد ذكرنا من الاختيارات الإلهية ما يخرج
مخرج التنبيه للعقول الغافلة عمّا دعيت إليه من الاعتبار والاستبصار، ولم نستوف الأمر حدّه
لأنا ما نعرف بطريق الإحاطة تفصيل ما خلق الله من الموجودات، وإن كنا نقدر بما أقدرنا الله
على حصر الموجودات فيدخل في ذلك كل شيء ونحن ما تصدينا في هذا إلاَّ لمعرفة آحاد ما
اختاره واصطفاه من كل نوع نوع من المخلوقات المحصورة في الوجود القائمة بنفسها
والمتحيزة وغير المتحيزة من القائمة بنفسها وغير القائمة بنفسها، والنوع الذي لا يقبل التحيز
إلاَّ بالتبعية وما تألف من ذلك وما لم يتألف، وانحصرت أقسام العالم والموجودات فيما
ذكرناه، وثم تفصيل نسبي يمكن أن يستقل به العقل وهي مفاضلة الأشياء بعضها على بعض
بتميز مراتبها، وانفعال بعضها على بعض، وتأثير بعضها في بعض، وتوقف بعضها على
بعض، ولكن مفاضلة القرب الإلهيّ بطريق العناية بهم لا بما تعطيه حقائقهم، لا يكون ذلك
إلاَّ بتعريف الله إيانا بما يعطيه في قلوبنا من علوم الإلهام، أو بما يبلغنا من ذلك في الكتب
المنزلة والإخبارات النبوية. وأما طريق آخر غير ذلك فما هو ثم، فالسنن الدلالات العقلية
لأنها طرق، والفرائض هي التعريفات الشرعية بما هو الحق تعالى عليه بالنسبة إليه وبالنسبة
إلى خلقه، فاعبدوا الله عباد الله على النعت الذي وصف به نفسه في كتابه أو على لسان ألسنة
رسله من غير زيادة ولا نقصان ولا تأويل يؤدّي إلى تطفيف أو رجحان، بل سلم إليه جل جلاله
ما وصف به نفسه، وإن استحال أو تناقض فذلك لقصورنا وجهلنا بما هو الأمر عليه، وقد وفينا
ما أعطته القوّة العقلية النظرية من العلم في وجوده بصدق المبلغين عنه تعالى ما أنزله على عبيده
قلنا القبول من غير اعتراض، ولو تناقض الأمر واستحال فما هو للعقل مجهول بالذات كيف
يدخله فيما يرجع إلى ذاته في وجوب أو جواز أو استحالة، فلا يتعدّى العقل حدّه ويسلم إليه
سبحانه ما أنزله وعرفنا به ممّا هو عليه، فإن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، فلنا الإيمان به

٢٦٣
في المعاملات / الباب الحادي والتسعون في معرفة الورع وأسراره
وبما جاء من عنده على علمه في ذلك في كتاب وعلى لسان رسوله، والله يوفقنا للوقوف عند
ذلك فإنه لا يهلك على الله إلاَّ هالك. انتهى الجزء الخامس والتسعون.
(الجزء السادس والتسعون)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَميدِ
الباب الحادي والتسعون
في معرفة الورع وأسراره
[نظم: الكامل]
مهما أتتك وماله وجهانٍ
وَرَعُ الطريقة في اجْتِئَابِ مَحَارِمِ
وتركْتَه وَرَعاً فمن نُقْصَانٍ
فإذا أتاك مخلصاً لجلالة
وتبيَّن النّقْصانُ في الإيمانِ
لما جهلتَ الأمر قلتَ بعكسه
الورع الاجتناب وهو في الشرع اجتناب الحرام والشبه لا اجتناب الحلال، قال اَليه :
((دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يُرِيبكَ)) فِي هَذَا الْبَابِ وهذا عين ما قلناه، وهذا الحديث من جوامع
الكلم وفصل الخطاب. وقال بعضهم: ما رأيت أسهل عليّ من الورع كلما حاك له شيء في
نفسي تركته عملاً بهذا الحديث. فأما الحرام النص فمأمور باجتنابه لأنه ممنوع تناوله في حق من
منع منه لا في عين الممنوع، فإن ذلك الممنوع بعينه قد أبيح لغيره لكون ذلك الغير على صفة
ليست فيمن منع منه إباحته له تلك الصفة بإباحة الشارع، فلهذا قلنا: لا في عين الممنوع فإنه ما
حرم شيء لعينه جملة واحدة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١١٩]
فعلمنا أن الحكم بالمنع وغيره مبناه على حال المكلف وفي مواضع على اسم الممنوع، فإن تغير
الاسم لتغير قام بالمحرّم تغير الحكم على المكلف في تناوله إمّا بجهة الإباحة أو الوجوب،
وكذلك إن تغير حال المكلف الذي خوطب بالمنع من ذلك الشيء واجتنابه لأجل تلك الحال
فإنه يرتفع عنه هذا الحكم ولا بدّ، وإذا كان الأمر على هذا الحدّ فما ثم عين محرّمة لعينها. وأمّا
اجتناب الشبهة فالشبهة هي التي لها وجه إلى الحرام ووجه إلى الحل على السواء من غير تغليب،
فليس اجتنابها بأولى من تناولها ولا تناولها بأولى من اجتنابها، فالورع يترك تناولها ترجيحاً
لجانب الحرمة في ذلك، وغير الورع لا يترك ذلك فبينهما هذا القدر. وأما ترك ما لا شبهة فيه
فذلك الحلال المحض، فإن تركه أعني ترك الفضل منه لأنه لا يصحّ إلاَّ ترك الفضل منه فذلك
الترك زهد لا ورع، فإن الزهد في الحرام والشبهة ورع، والترك في الحلال الفاضل زهد. وأمّا
غير الفاضل وهو الذي تدعو إليه الحاجة فالزهد فيه معصية وما بقي إلاَّ توقيت الحاجة إلى
ذلك، وما حدّ الفاضل منه الذي يصحّ فيه الزهد، فنذكر ذلك في باب الزهد إن شاء الله.
والورع من المقامات المشروطة ويستصحب العبد ما دام مكلفاً ولا يتعين استعماله إلاَّ
عند وجود شرطه وهو عام في جميع تصرّفات المكلف ما هو مخصوص بشيء من أعماله

٢٦٤
في المعاملات/ الباب الحادي والتسعون في معرفة الورع وأسراره
دون شيء بل له السريان في جميع الأعضاء المكلفة في حركاتها وسكونها وما ينسب إليها من
عمل وترك، وقد قيل: إن للورع حكماً في الأسرار والأرواح وليس ذلك بصحيح في الورع
المشروع، فإن الشبهة في المعاني والمعارف والأسرار مستحيلة عند العارفين، وإنما تكون
الشبهات في العلوم النظرية الحاصلة بالأدلة العقلية، فأولئك يجب عليهم الورع في النظر
الفكري حتى يخلصوه من النظر المحرّم كالنظر في الذات الإلهية، ويخلصوه من الشبهة
كالنظر لله أو للسمعة، فيخفى على بعض النفوس ذلك لشرف العلم فيتخيل أنه يطلبه لله وهو
يطلبه للدنيا، أو لغير الله فيجتنب نية ذلك الطلب لا يجتنب العلم فإن طلب العلم ليس بمحرّه
عليه، فمتعلق التحريم تلك النية الفاسدة، وهنا نظر هل تقدح تلك النية في فضل طلب العالم
أو يبقى طلب العلم على فضله يعطي حقيقة سعادته في الآخرة وتكون العقوبة على مجرّد النيّة
في ذلك وهو الذي نعتمد عليه في باب تحقيق الموازنة الإلهية؟ فمن قال: الكون كله شبهة
وبه نقول فليس ذلك كما يتوهمه السامع وإنما الصورة الرحمانية أدتنا إلى هذا القول، ومثل
ذلك لا يتورع فيه ولا يجتنب فإنك لا تعرف منه إلا أنت، فإن انتقلت عنك فقد جهلت
ذاتك، ومن أوجدك فإنه قال: من عرف نفسه عرف ربه، فالورع في هذه الشبهة محال، بل
ينبغي أن تتناول من حيث أنها شبهة فذلك محلها الذي يحلها فإنها لا تخلص لأحد الطرفين
أبداً، وهذا بحر هلك فيه أكثر العقول وأكثر العارفين إلاَّ من رحم الله وركب سفينة نوح
نجاته .
والجامع لباب الورع أن تجتنب في ظاهرك وباطنك وجميع أعمال أعضائك المكلفة كل
عمل، وترك لا يكون لله على الحدّ المشروع فيه المخلص له الذي لا شبهة تضره ولا تقدح
فيه، فهذا اللام الذي في لله هي الرابطة لهذا الباب، وكل مقام في طريق الله تعالى فهو
مكتسب ثابت، وكل حال فهو موهوب غير مكتسب غير ثابت إنما هو مثل بارق برق، فإذا
برق إمّا يزول لنقيضه وإمّا أن تتوالى أمثاله، فإن توالت أمثاله فصاحبه خاسر، وكل مقام فإمّا
إلهيّ أو ربانيّ أو رحمانيّ غير هذه الثلاث الحضرات لا يكون، وهي تعم جميع الحضرات
وعليها يدور الوجود وبها تنزلت الكتب وإليها ترتقي المعارج، والمهيمن عليها ثلاثة أسماء
إلهية، الله والرب والرحمن، من حكم اسم ما من الأسماء الإلهية ينعت به في ذلك الوقت
أحد هذه الأسماء الثلاثة ويكون حكمه بحسب مقام هذا العبد المحكوم عليه المؤثر فيه من
حيث ما هو مسلم أو مؤمن أو محسن، وآثاره في عالم ملك العبد أو في عالم جبروته أو في
عالم ملكوته، وعمله فيه إمّا بحكم الإطلاق وهو العمل الذاتيّ، وإمّا بحكم التقييد وهو عمل
الصفة وحكمه بعمل الصفة إما بصفة تنزيه وسلب وإما بصفة فعل، هذا هو الضابط للمقامات
وأحوالها سواء عرفه السالك أو لم يعرفه فإنه لا يخلو من هذه الأحكام كل كون لكنه لا يعرف
ذلك كل أحد فأقول: إن الورع له مقام ولمقامه حال وهو مشروط كما ذكرنا وينتهي بانتهاء
التكليف، فأما مقام الورع فهو التقييد بصفة التنزيه لأن حقيقته الاجتناب وهو إلهيّ وصاحبه
مجهول لا يعرف، وحاله أن يكون صاحب علامة في نفسه أو في المتورع فيه والاسم الله ينظر

٢٦٥
في المعاملات/ الباب الثاني والتسعون في معرفة مقام ترك الورع
إليه دائماً فينظر إليه في عالم ملكه من حيث ما هو مسلم فيؤثر في أفعاله وكلما ظهر على
جوارحه، فيجتنب كل ما يقدح في حصول هذا المقام وينظر إليه في عالم جبروته من حيث ما
هو مؤمن فيؤثر فيه فلا تكذب له رؤيا جملة واحدة، ويجتنب في خياله كما يجتنب في ظاهره
لأن الخيال تابع للحسّ، ولهذا إذا احتلم المريد برؤيا عاقبه شيخه، ألا ترى أنه ما احتلم نبيّ
قط ولا ينبغي له ذلك ولا العارفون بالله ذوقاً، فإن الاحتلام برؤيا في النوم أو في التصوّر في
اليقظة فإنما هو من بقية طبيعية في خياله وهو كذب فإنه يظن أنه في الحسّ الظاهر، وقد قلنا:
إن الورع يجتنب الكذب فلو اجتنبه في الحسّ لأثر في خياله، فإذا رأيتم صاحب مقام الورع
يغتسل من نوم فذلك لماء خرج منه وهو نائم لضعف الأعضاء الباطنة وهو مرض طرأ في
مزاجه لا عن رؤيا أصلاً لا في حلال ولا في حرام. وأما إذا نظر إليه في عالم ملكوته فأثره فيه
اجتناب التأويل فيما يرد عليه من المخاطبات الإلهية والتجلي الإلهيّ إذا كان كل ذلك في
السور فلا يعبر ما رآه ولا يتأوّل ما خوطب به فإنه كله إلهيّ وكلٍ إلهيّ مجهول، كما أن
الورعين مجهولون لأنه اجتناب وترك ولا يتميز الأمر من خارج إلا بالفعل، فإن نطق الورع
بما ينبغي أن يجتنب ذلك الأمر ولأجله اجتنبه فقد أخلّ بمقام الورع فإنه مقامه أن يكون
مجهولاً وقد عرف بأنه ورع فزال عنه حكم مقامه بل ما كان قط في مقام الورع وورعه في
اجتنابه معلول فلا يسلم له، وأما الربانيّ والرحمانيّ فعلى هذا المجرى سواء فخذه واعمل
عليه ترى عجباً، فقلّ أن تجده في غير هذا الكتاب، فإن أكثر الناس بل ربما كلهم ما أبانوا عن
هذه المقامات والأحوال بما يعطيه تفصيل الوجود، وإن كانوا يعرفونها فإنهم اتكلوا في ذلك،
على أن السالك إذا دخل وصدق في التوجّه أبينت له الأمور على ما هي عليه فیعرف حاله.
الباب الثاني والتسعون
في معرفة مقام ترك الورع
[نظم: الكامل]
والوتْرُ فيها مُوجبٌ تَرْكَ الوَرَعْ
شَفْعيَّةُ الإنسان تُؤْذِنُ بالورَعْ
مَضَت المطامعُ فانتفى حُكُمُ الطَّمَغْ
العينُ واحدةٌ إذا حقَّقْتَها
إلاَّ لضَغْفٍ في البصائر أو صَدَغْ
ما تطلب الأعمالُ عينَ وجودها
لما كانت الأمور كلها لها أربعة أحكام: حكم ظاهر، وحكم باطن، وحكم حدّ،
وحكم مطلع، وكان الورع يحكم على ظاهر صاحبه وباطنه بالحدّ فأبان له هذا العمل وجه
الحق في كل شيء وهو المطلع فاطلع فما وقعت عينه على الأشياء وإنما وقعت عينه على
وجه الحق فيها الذي ارتبطت في وجودها به والذي ظهرت عنه فاقتضى حاله ترك الورع، لأنه
لا ينبغي أن يجتنب رؤية وجه الحق في الأشياء وما هو من حكم ما لا ينبغي، فإن العبد لا
يقدر أن يدفع عن نفسه التجلي إذا كان حقيقة فهو محكوم عليه به، ولست أعني بقولي ترك
الورع أن صاحبه يتناول الحرام أو الشبهة بعد علمه بذينك هذا لا يقول به أحد، وإنما صاحب

٢٦٦
في المعاملات/ الباب الثالث والتسعون في الزهد
هذا المقام يتناول الأشياء بحسب ما خاطبه به الشرع، فلا يأكل إلاَّ حلالاً، ولا يتصرّف إلاَّ
حلالاً، فإن العلامة أزالها الحق عنه برؤية الوجه، والورع بغير علامة سوء ظن بالناس،
وحاشى أهل الله ولا سيما أصحاب مشاهدة الوجه أن يسيؤا الظن بعباد الله أو يخطر شيء من
قبائحهم ببال صاحب هذا الحال المتمكن في مقامه، ولقد لقي بعض أصحابنا بعض الأبدال
في سياحته، فأخذ يذكر له ما هم الناس عليه من فساد الأحوال في الملوك والولاة والرعايا
فغضب البدل وقال له: ما لك وعباد الله؟ لا تدخل بين السيد وعبده، فإن الرحمة والمغفرة
والإحسان لهؤلاء يطلبون، أتريد أن تبقى الألوهية معطلة الحكم؟ اشتغل بنفسك وأعرض عن
هذه الأشياء وليكن نظرك إليه تعالى وشغلك بالله، ولقد اتفق لي في بدايتي وما ثم إلاَّ بداية،
وأما النهاية فمقولة غير معقولة دخلت على شيخنا أبي العباس العريبي وأنا في مثل هذه الحال
وقد تكدر عليّ وقتي لما أرى الناس فيه من مخالفة الحق فقال لي صاحبي: عليك بالله،
فخرجت من عنده ودخلت على شيخنا أبي عمران الميرتلي وأنا على تلك الحالة فقال لي :
عليك بنفسك، فقلت له: يا سيدنا قد حرت بينكما هذا أبو العباس يقول: عليك بالله، وأنت
تقول: عليك بنفسك، وأنتما إمامان دالان على الحق، فبكى أبو عمران وقال لي: يا حبيبي
الذي دلّك عليه أبو العباس هو الحق وإليه الرجوع، وكل واحد منا دلّك على ما يقتضيه حاله،
وأرجو إن شاء الله أن يلحقني بالمقام الذي أشار إليه أبو العباس فاسمع منه فإنه أولى بي وبك فما
أحسن إنصاف القوم، فرجعت إلى أبي العباس وذكرت له مقالة أبي عمران وقال لي: أحسن في
قوله هو دلّك على الطريق وأنا دللتك على الرفيق فاعمل بما قال لك وبما قلته لك فتجمع بين
الرفيق والطريق، وكل من لا يصحب الحق في سفره فليس هو على بينة من سلامته فيه، وكل
من تورع بغير علامة له من الله في الأشياء وما ثم حكم معين في ذلك الأمر من رؤية معاملة
خاصة مشاهدة في الوقت تقتضي الحرام أو الشبهة فصاحب هذا الورع مخدوع مقطوع به عن
الله، فإن حاله سوء الظن بعباد الله، فباطنه مظلم وخلقه سيء، فهو ولا شيء في حكم واحد،
بل لا شيء أحسن منه، فينبغي للإنسان أن يتحفظ إذا أراد أن يكون ورعاً، كما أوجب الله عليه
بأن يتحقق ويكون على بصيرة فيما يتورع، وهذا قليل العلم به لمن لا علامة له لأن الإنسان لو
رأى إنساناً على مخالفة حق مشروع وفارقه لحظة ثم رآه في اللحظة الأخرى وحكم عليه بالحالة
الأولى فما وفى الألوهية حقّها ولا الأدب مع الله حقّه وكان قرين إبليس حليف الخسران سيىء
الظن بالله وبعباده وكان ورعه مقتاً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث والتسعون
في الزهد
[نظم: الكامل]
ومحلَّلِ فازهَذْ فِزُهْدُكَ أَزْهَدُ
الزُّهْدُ تَرْكُ محلَّلٍ ومحلَّلٍ
وله لسانٌّ في الشريعة يُحمَدُ
والشَّرْكُ شيءٌ لا وجودَ لعينه

٢٦٧
في المعاملات/ الباب الثالث والتسعون في الزهد
عند المحقّق قيمةٌ لا تُجْحَدُ
في الزهد تَعْظيمُ الأمور وما له
الزهد لا يكون إلاّ في الحاصل في الملك، والطلب حاصل في الملك، فالزهد في
الطلب زهد لأن أصحابنا اختلفوا في الفقير الذي لا ملك له هل يصحّ له اسم الزاهد أو
لا قدم له في هذا المقام؟ فمذهبنا أن الفقير متمكن من الرغبة في الدنيا والتعمّل في
تحصيلها ولو لم يحصل فتركه لذلك التعمّل والطلب والرغبة عنه يسمّى زهداً بلا شك
وذلك الطلب في ملكه حاصل. فلهذا حددناه بما ذكرنا. ولقد فاوضت في هذه المسألة
جماعة من أهل الله فأكثرهم قال بقولنا، وسبب ذلك أن صاحب الذوق لا بدّ أن يرى
لتركه طلب الدنيا والرغبة فيها أثراً إلهياً في قلبه، فلو لم يكن للأمر وجود عند الله واعتبار
ما صحّ أن يكون له أثر في التجلي الإلهيّ لصاحب هذا الحال وهو الصحيح فلنقل أن
للزهد الذي ذكرناه مقاماً وحالاً، فمقامه الإلهيّ مطلق وهو زهده في كل اسم إلهيّ يحول
بينه وبين عبوديته، والربانيّ مقيد بصفة التنزيه عن حكم هذا الاسم عليه، والرحماني هو
صرفه على ما يستحقه أعني هذا المزهود فيه، فأما في الملك من كونه مسلماً فالزهد في
الأكوان وهو الحجاب الأبعد الأقصى. وأما في الجبروت من كونه مؤمناً فالزهد في نفسه
وهو الحجاب الأدنى الأقرب. وأما في الملكوت من كونه محسناً فالزهد في كل ما سوى
الله وهنا يرتفع الحجاب عند الطائفة. قال أبو يزيد الأكبر: ليس الزهد عندي بمقام إني
كنت زاهداً ثلاثة أيام: أول يوم زهدت في الدنيا واليوم الثاني زهدت في الآخرة واليوم
الثالث زهدت في كل ما سوى الله، فناداني الحق: ماذا تريد؟ فقلت: أريد أن لا أريد
لأني أنا المراد وأنت المريد، وقد انتقد عليه هذا القول بعض أهل الطريق وجهل مقام
أبي يزيد في ذلك، وقد تكلمنا على قصده بهذا القول وبيّنا فساد هذا القول أعني قول
المعترض عليه في غير هذا الموضع وهو من المقامات المستصحبة للعبد ما لم ينكشف
له، فإذا كشف الغطاء عن عين قلبه لم يزهد ولا ينبغي له أن يزهد فإن العبد لا يزهد
فيما خلق له، ولا يكون زاهداً إلاَّ من يزهد فيما خلق من أجله وهذا لا يصحّ كونه،
فالزهد من القائل به جهل في عين الحقيقة لأنه ما ليس لي لا أتصف بالزهد فيه، وما هو
لي لا يمكنني الانفكاك عنه فأين الزهد؟ فلنقل صاحب هذا الحكم هذا هو الزهد الذي
يستحق هذا الاسم ولنا في هذا المقام الزهدي نظم: [الكامل]
فالزُّهْدُ مثلُ صلاتي الوثْرِ
العيب منك وأنت لا تدري
بجميع ما في الكون من أمْرٍ
وسراجُ نفسك نورُه متعلّقٌ
فالزهدُ فيك كليلة القَدْرِ
فاطفِ السراج يزول كل تعلّقٍ
بالحكم فيك كمطلع الفَجْرِ
هي من غروب الشمس حتى تنتهي
يقول: لو رأيت الحق لم تزهد، فإن الله ما زهد في الخلق وما ثم تخلق إلاّ بالله فبمن
تتخلق في الزهد، انظر إلى هذا المعنى فإنه دقيق جداً.

٢٦٨
في المعاملات/ الباب الخامس والتسعون في معرفة أسرار الجود وأصناف الأعطيات ...
الباب الرابع والتسعون
في معرفة مقام ترك الزهد
[نظم: البسيط]
بأنه مَسْكُ ما في الكف مَقْبُوضُ
الزُّهْدُ تَرْكٌ وتركُ الشَّرْكِ معلومٌ
ـن الترك فهو محالٌ فيك مفروضُ
الأرضُ قَبْضَتُه وهو الغنيُّ فأيـ
وقد زَهِدْتَ فهذا اللفظ تَعْرِيضُ
لا ينعم الحقُّ بالنعما فأنت لها
وتَرْكُهُ عند أهل الجَمْعِ مَفْروضُ
فالزهدُ ليس له في العلم مرتبةٌ
اعلم أن ترك الترك إمساك، والزهد ترك، وترك الزهد ترك الترك، فهو عين رجوعك
إلى ما زهدت فيه، لأن العلم الحق ردّك إليه والحال يطلبه فماله حقيقة في باطن الأمر لكن له
حكم ما في الظاهر فيصحّ هذا القدر منه، وبقي هل يقع الإمساك الذي هو ترك الزهد عن رغبة
في الممسوك أو لا عن رغبة، فاختلفت أحوال الناس فيه، فمن أمسك لا عن رغبة فهو زاهد
أمين على إمساك حقوق الغير حتى يؤديها إلى أربابها في الأوقات المقدرة المقررة، وقد يكون
عن كشف وعلم صحيح بأعيان أصحابها وقد لا يكون غير أنه لا يتناول منها شيئاً في حق
نفسه إذ كان بهذه المثابة، ومن أمسك عن رغبة في الممسوك وهم رجلان: الواحد راجع عن
مقام الزهد بلا شك لمرض قام به في نفسه فهذا ليس بشيء، والرجل الآخر وهم الأنبياء
والكمل من الأولياء فامسكوا باطلاع عرفانيّ أنتج لهم أمراً عشقه بما في الإمساك من المعرفة
والتحلّ بالكمال لا عن بخل وضعف يقين، أرسل الله على أيوب رجل جراد من ذهب فسقط
عليه فأخذ يجمعه في ثوبه فأوحى الله إليه: ألم أكن أغنيتك عن هذا؟ فقال: لا غنى لي عن
خيرك، فانظر ما أعطته معرفته، وما زهد من زهد إلاَّ لطلب الأكثر فزهد في الأقل ﴿قُلّ مَنَعُ
اُلُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٧] فأين الزهد؟ فما تركوا الدنيا إلاَّ حذراً أن يرزأهم في الآخرة
فهذا عين الطمع والرغبة فيما يتخيل فيه أنه زهد وهذا هو مقام ترك الزهد، وأما حالة فالزهد
في الدنيا ولهذا لا يثبت.
الباب الخامس والتسعون
في معرفة أسرار الجود وأصناف الأعطيات مثل الكرم والسخاء والإيثار على
الخصاصة وعلى غير الخصاصة والصدقة والصلة والهدية والهبة وطلب
العوض وتركه
[نظم: الكامل]
وبها على أعدائنا نَسْتَنْصِرُ
رُتَبُ العطاء كثيرةٌ لا تُخْصَرُ
بل نحن منه على الحقيقة مَظْهَرُ
بالجود صحَّ وجودُنا في عيننا
فصل الجود: عن الجود صدر الوجود، والجود بفتح الجيم المطر الكثير وهو مقلوب

٢٦٩
في المعاملات / الباب الخامس والتسعون في معرفة أسرار الجود وأصناف الأعطيات ...
وجد مثل جذب وجبذ فحروفهما واحدة بالاشتراك في المعنى، فمتعلق الجود من الحق في
الأعيان التي هي المظاهر ظهوره فيها ومتعلق الجود من المظاهر على الظاهر ما جادت به عليه
باستعدادها الذاتي من الثناء بالأسماء الإلهية التي كسبه جودها من وجودها، فالجود من الحق
امتنان ذاتي، والجود من الأعيان ذاتي لا امتناني فهذا الفرق بين الجودين، وهذا معنى قولهم
في الجود إنه العطاء قبل السؤال.
فصل الكرم: وأما عطاء الكرم فهو العطاء بعد السؤال وهو على نوعين: سؤال بالحال
وسؤال بالمقال، فسؤال الحال عن كشف من الطرفين، وسؤال المقال من العبد معلوم: يا رب
يا رب أعطني، اغفر لي، ارحمني، اهدني، ارزقني، اجبرني، عافني، اعف عني، لا تخزني،
لا تفتني، وأمثال ذلك. وسؤال الحق: ﴿أَدْعُونِ﴾ [سورة غافر: الآية ٦٠] ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾
[سورة طه: الآية ١٤] ﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخِْرُواْ الْمِيزَانَ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٩] ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ
اَلْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٥] وكل طلب تصوّر من الحق يطلبه من عباده وهي الفرائض كلها،
فمن الكرم تؤدّي الفرائض، ومن الجود تكون النوافل إلاَّ لمثل رسول الله وَ لّ فإنها من الجود
فهي تلحق بالفرائض وكون ذلك نافلة أخبار صادق قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ
عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٩].
فصل السخاء: ورد في حديث أبي بكر النقاش في مواقف القيامة اسم السخي على الله
وهو مذكور في هذا الكتاب في باب الجنة منه. وأما عطاء السخاء فهو العطاء على قدر
الحاجة وذلك عطاء الحكمة فهو من اسمه الحكيم، فسخاء الحق قول موسى: ﴿رَبُنَا الَّذِىّ
أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِنِدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [سورة الرعد: الآية ٨] ﴿وَلَوْ
بَسَطَ اَللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُقَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٢٧] ﴿وَمَا نُغَزِّلُهُ:
إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢١]. وأما سخاء العبد فإعطاؤه كل ذي حق حقه وإنصافه،
فلنفسه عليه حق، ولأهله عليه حق، ولعينه علیه حق، ولزوره علیه حق.
فصل الإيثار: أما الإيثار فليس للحق منه صفة إلاَّ بوجه بعيد في ذكره سوء أدب بل ما هو
حقيقة فتركه أولى، وما ذهب إليه إلاَّ من لا علم له ولا أدب من أهل الشطح، فلنقل أنّ الإيثار قد
يكون عطاء محتاج لمحتاج، وقد يكون على الخصاصة ومع الخصاصة أو توهم الخصاصة،
وأما في جانب الحق فهو إعطاؤه الجوهر الجود لخلق عرض من الأعراض لتعلق الإرادة بإيجاده
لا بإيجاد المحل، فيوجد المحل تبعاً ضرورة، إذ من شرط وجود العرض وجود المحل،
والجوهر محتاج فيما أعطاه الحق من خلق العرض فيه، إذ لا يكون له وجود إلاَّ بوجود عرض
ما، وسواء كان الجوهر متحيزاً أو غير متحيز، ومؤلفاً مع غيره أو غير مؤلف، فهذا عطاء على
خصاصة مع خصاصة، وأما على غير الخصاصة فهو اتصاف العبد في التخلّق بالأسماء الإلهية
واتصاف الحق في نزوله بأوصاف المحدثات، وهذا كله واقع قد ظهر حكمه في الوجود وتبين.
فصل الصدقة: فقد ذكرنا ذلك في باب الزكاة وهي ههنا تصدق الحق على العبد بإبقاء

٢٧٠
في المعاملات/ الباب الخامس والتسعون في معرفة أسرار الجود وأصناف الأعطيات ..
عينه في الوجود بإيجاده أوّلاً مع علمه بأنه إذا أوجده يدعي الألوهية ويقول: ﴿أَنَّا رَبُّكُمُ الْأَعْلَ﴾
[سورة النازعات: الآية ٢٤] ولا بدّ من إيجاده لما سبق في العلم والصدقة من العبد على الحق، فإنّ
العبد يجد في نفسه عزّة الصورة ومع هذا يقرّ بالعبودة لعزّة الله، وأيضاً هي ما يظهر من المحامد
المحدثة التي لا تصح الله إلاّ بعد وجود المحدث وهو كل ما سوى الله، وإنما سميت صدقة لأن
العبد المختار في محامد الله في نفسه فإنه قال تعالى في حقه لما بين له السبيل إلى سعادته: ﴿إِنَّا
شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان: الآية ٣] فإنه ذو اختيار في أفعاله، ولهذا يصحّ منه القبول والرد
ويعاقب ويثاب، وعلى هذا قام أصل الجزاء من الله تعالى لعباده.
فصل عطاء الصلة: وأما عطاء الصلة فهي لذوي الأرحام حقاً وخلقاً، يقول تعالى:
((الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمُنِ مَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ)) فنسبتها للحق نسبتها
للعبد، فالرحمن رحم لنا ونحن رحم للرحمن.
فصل عطاء الهدية: وهو عطاء عن بيان، ولهذا اشتركت في حروف الهدي لأنه بالهدي
أهدى، فهدية الحق للعبد نفسه، وهدية العبد للحق ردّ تلك النفس إليه بخلعة تكسبه محبة ربه
﴿فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١].
فصل عطاء الهبة: وهو من الحق إعطاء لينعم لا يقترن معه طلب جزاء، ومن العبد
عمله لحق الربوبية لا للجزاء.
فصل: وأما طلب العوض وتركه فمن الحق قوله وَّر: «أَحِبُّوا اللَّه لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ
نِعَمِهِ)) و: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٠] ومن العبد هو ما يطلبه من الجزاء
على عمله الذي وعده الله به ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة يونس: الآية ٧٢].
فصل: وأما ترك طلب العوض فمن الحق أنه العامل، ولا يتصوّر من المالك إذا كان هو
العامل أن يطلب ما هو عنده، فإن الحاصل لا يبتغي، ومن العبد فإنه لا يرى نفسه عاملاً، فما
فعل شيئاً يطلب بذلك الفعل عوضاً من الله حيث أعطاه من نفسه، فهذه فصول محققة نبهناك بها
على ما هو الأمر عليه وتفصيلاتها تبدو لك مع الآنات في نفس سلوكك، وهذا كله مقام إلهيّ في
المحسنين خاصة، وصاحبه مجهول لا يعرف ونكرة لا تتعرّف. ثم إنّ هذا العطاء لا بدّ أن يكون
مطلقاً أو مقيداً، فمن أعطى بيد حق أطلقه فيعمّ عطاؤه جميع عباد الله لا يخصص عيناً من عين
ممّا يصلح لذلك المعطي مثل ذلك، إن كانت الأعطية من النقود فلا يعطيها إلاَّ من له التصرّف
فيها وهو الإنسان، ولا يشترط فيه صغيراً ولا كبيراً ولا ذكراً ولا أنثى ولا غنياً ولا فقيراً ولا مؤمناً
ولا كافراً ولا عاقلاً ولا مجنوناً، بل هو في ذلك العطاء كمطلق الرزق على كل حيوان، وكذلك
إن كان مما يلبس مثل النقود سواء يعطيه لأهله، وأما إن كان مأكولاً فيعطيه لكل متغذ يأكل ذلك
الصنف من الغذاء من حيوان أوإنسان وليس له اختيار ولا تمييز بل هو مع أول من يلقاه، فإن ردّه
عليه حينئذ أعطاه الثاني وهكذا حتى يجد من يأخذه منه، وهذا لا يكون إلاَّ للربانيين من الاسم
الرب، والرحمانيين من الاسم الرحمن، وليس للإلهيين مدخل في العطاء المطلق، وأثر هذا
العطاء ظاهر في كل موجود لا أحاشي أعني من الأصناف لا في آحاد أشخاص الموجودات،

٢٧١
في المعاملات/ الباب السادس والتسعون في الصمت وأسراره
وهذا عطاء المحسن لا المؤمن ولا المسلم. وأما إن كان العطاء مقيداً فهو بحسب ما تقيد به،
فحكم ذلك راجع إلى حكم الشرع فيه، فيعمل الأولى فالأولى، ويبتدىء بالذي أمره الشارع أن
يبتدىء به ويبحث عنه حتى يجده، ولا يعطي على هذا الحد إلاّ الإلهيّ من الاسم الله المؤمن
المحسن المسلم وأثر هذا العطاء أيضاً عام.
الباب السادس والتسعون
في الصمت وأسراره
[نظم: الكامل]
فالصَّمْتُ في الأكوان نَعْتٌ لازِمُ
الله قال على لسان عبيده
فهو السميع كلامه والعالمُ
ما ثَمَّ إلاَّ من يكلّم نفْسَهُ
هذا هو الحقُّ الصريحُ الحائِمُ
وهو الوجودُ فليس إلاَّ عَيْتُه
اعلم وفقك الله أنّ الصمت أحد الأربعة الأركان التى بها يكون الرجال والنساء أبدالاً ، قيل
لبعضهم: كم الأبدال؟ قال: أربعون نفساً، قيل له: لِمَّ لَمْ تقل رجلاً؟ قال: قد يكون فيهم
النساء كما قال # في الكمال، فذكر أنه يكون أيضاً في النساء وعيّن منهن مريم ابنة عمران
وآسية امرأة فرعون وله حال ومقام، فأما مقامه فهو أنه لا يرى متكلماً إلاَّ من خلق الكلام في
عباده وهو الله تعالى خالق كل شيء، فالعبد صامت بذاته متكلم بالعرض، وأما حاله فهو أن يرى
أنّ الله وإن خلق الكلام فيه فالعبد هو المتكلم فيه كما هو المتحرّك بخلق الحركة فيه، ولا يصحّ
أن يصمت مطلقاً أصلاً فإنه مأمور بذكر الله تعالى في أحوال مخصوصة أمر وجوب، فهو مقام
مقيد بصفة تنزيه لأنه وصف سلبي وحكمه في ظاهر الإنسان، وأما باطنه فلا يصحّ فيه صمت
فإنه كله ناطق بتسبيح الله فالصمت محال، وإنما الكلام على الصمت المعلوم بالعرف، ومن
تخلل صمته كلام في غير فرض ولا ذكر الله فما صمت، فالصامت هنا هو الذي يقيم نشأة مصمتة
الأجزاء لا يتخللها حين فارغ مقدر حينئذ يكون صامتاً، وإذا أراد الإنسان أن يختبر نفسه هل هو
ممّن صمت كما ينبغي فلينظر هل له فعل بالهمة المجردة فيما من شأنه أن لا يفعل إلاَّ بالكلام أم
لا؟ فإن أثر وحصل المقصود فهو صامت حقيقة، مثل أن يريد أن يقول لخادمه: اسقني ماء
وائتني بطعام، أو سر إلى فلان فقل له كذا وكذا ولا يشير إلى الخادم بشيء من هذا كله فيجد
الخادم في نفسه ذلك كله بأن يخلق الله في سمع الخادم عن ذلك يقول فلان: قال لي افعل كذا
وكذا يسمع ذلك حسّاً بأذنه ولكن يتخيل أنه صوت ذلك الصامت وليس كذلك، فمن ليست له
هذه الحالة فلا يدعي أنه صامت. وأما الصامت المتكلم بالإشارة فهو يتعب نفسه وغيره ولا ينتج
له شيئاً بل هو ممّن يتشبه بالأخرس الذي يتكلم بالإشارة فلا يعوّل عليه، وهذا ممّا غلط فيه
جماعة من أهل الطريق، فمن نصح نفسه فقد أقمنا له ميزان هذا المقام الذي يزنه به حتى لا
يتلبس عليه الأمر، وهذا لا يكون إلاَّ للإلهيين المحسنين، لا لغيرهم من المؤمنين والمسلمين
الذين لم يحصل لهم مقام الإحسان .

٢٧٢
في المعاملات/ الباب السابع والتسعون في مقام الكلام وتفاصيله
الباب السابع والتسعون
في مقام الكلام وتفاصيله
[نظم: البسيط]
وقد تَنُوب إشاراتٌ وإيماءُ
إنّ الكلامَ عباراتٌ وألفاظُ
ولم تكن ثَمَّ أحكامٌ وأنباءُ
لولا الكلامُ لکنا اليوم في عَدَم
عقلٌ صريحٌ وفي التشريع أنباءُ
وإنه نَفَسُ الرحمن عِيَّنَةً
معنًى وحسّاً وذاك البَذْوُ إنشاءُ
فيه بدَتْ صورُ الأشخاص بارزةً
فيها لعين اللَّبيبِ القلبِ أشياءُ
فانظر تَرَ الحكمةَ الغرَّاءَ قائمةً
الكلام صفة مؤثرة نفسية رحمانية مشتقة من الكلم وهو الجرح فلهذا قلنا مؤثّرة كما أثر
الكلم في جسم المجروح، فأول كلام شق أسماع الممكنات كلمة ﴿كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠]
فما ظهر العالم إلاّ عن صفة الكلام وهو توجّه نفس الرحمن على عين من الأعيان ينفتح في
ذلك النفس شخصية ذلك المقصود فيعبر عن ذلك الكون بالكلام وعن المتكوّن فيه بالنفس،
كما ينتهي النفس من المتنفس المريد إيجاد عين حرف فيخرج النفس المسمّى صوتاً، ففي أي
موضع انتهى أمد قصده ظهر عند ذلك عين الحرف المقصود إن كان عين الحرف خاصة هو
المقصود، فتظهر الهاء مثلاً إلى الواو وما بينهما من مخارج الحروف، وهذه تسمّى معارج
التكوين فيها يعرج النفس الرحمانيّ، فأي عين عين من الأعيان الثابتة اتصفت بالوجود فلا بدّ
لكل متكلم من أثر في نفس من كلمة، غير أنّ المتكلم قد يكون إلهياً وربانياً ورحمانياً، فمن
كونه ربانياً ورحمانياً لا يشترط في كلامه خلق عين ظاهرة سوى ما ظهر من صورة الكلام التي
أنشأها عند التلفظ، فإن أثرت نشأة كلامه نشأة أخرى وهو أن يقول لزيد: قم فهذا المتكلم قد
أنشأ نشأة قم، فإن قام زيد لأمره فقد أنشأ هذا الآمر صورة القيام في زيد عن نشأة لفظة قم
فهو إلهيّ لأن إنشاء الأعيان إنما هو لله وهذا عام في جميع الخلق، فإن لم يسمع منه ولا
أثرت فيه نشأة أمره فهو قاصر الهمة وليس بإلهيّ في هذه الحال وإنما هو ربانيّ أو رحمانيّ،
ولا يلزم للربانيّ والرحمانيّ سوى إقامة نشأة الكلام خاصة، والإلهيّ هو الذي ذكرناه، غير أن
الإلهيّ على نوعين: إلهيّ كما ذكرناه وإلهيّ يؤثر كلامه في الأشياء مطلقاً من جماد ونبات
وحيوان وكون أي كون كان علواً وسفلاً، فهذا هو الإلهيّ المطلوب في هذا الطريق، ولا
يصحّ وجوده عاماً أبداً في هذه الدار بل محله الجنان فإنه لا أكبر من محمد بَل# وقد قال:
لمن ﴿حَقَّتْ﴾ عليه ﴿ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧١] قل لا إله إلاَّ الله فما ظهر عن نشأة
أمره نشأة لا إله إلاَّ الله في محل المأمور وإن كان على بصيرة فيه ولكنه مأمور أن يأمر وهو
حريص على الأمة، فالمأمور ما امتنع وإنما الممتنع لا إله إلاَّ الله، فإنّ هذا اللفظ هو المأمور
أن يكون في هذا المحل فلم يكن، فلو تكوّن في محل هذا الشخص لظهر عينه وأعطاه اسم
الإسلام، كما أن هذا الشخص لما قال له الحق: ﴿كُنْ﴾ وهو في العدم لم يتمكن له إلاَّ أن

٢٧٣
في المعاملات / الباب الثامن والتسعون في معرفة مقام السهر
يكون ولا بدّ فقد علمت من هو المأمور بالوجود في التحقيق وهو قول الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ
أَحْيَبْتَ﴾ [سورة القصص: الآية ٥٦] أي إنك لا تقدر على من تريد أن تجعله محلاً لظهور ما تريد
إنشاءه فيه أن يكون محلاً لوجود إنشائك فيه، فليس كل متكلم في الدنيا بإلهيّ مطلق، لكن له
الإطلاق فيما يريد أن ينشئه في نفسه لا في غيره، فاعلم سرّ هذا واعلم هل أنت متكلم أو لافظ.
الباب الثامن والتسعون
في معرفة مقام السهر
[نظم: البسيط]
قلبٌ ينام فذاكَ الواحدُ الأَحَدُ
من لا تنام له عينٌ وليس له
ولا يُقيِّده طَبْعٌ ولا جَسَدُ
مَقَامُه الحفْظُ والأعيانُ تعبده
في العالمين فلم يظفر به أَحَدُ
هو الإمامُ وما تسري إمامتُه
يَؤوده حفْظُ شيءٍ ضمَّه عَدَدُ
كُرْسِيُّه تُخْزَنُ الأكوانُ فيه ولا
هذا المقام يسمّى مقام القيومية، واختلف أصحابنا هل يتخلق به أم لا؟ ولقيت أبا
عبد الله بن جنيد من شيوخ الطائفة من أهل قبر فيق من أعمال رندة وكان معتزلي المذهب
فرأيته يمنع من التخلق بالقيومية فرددته عن ذلك من مذهبه فإنه كان يقول بخلق الأفعال
للعباد، فلما رجع إلى قولنا وأبنت له معنى قوله تعالى: ﴿الْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [سورة
النساء: الآية ٣٤] فقد أثبت لهم درجة في القيومية، وكان قد أتى إلى زيارتنا فلما رجع إلى بلده
مشيت إلى زيارته في بلده فرددته وجميع أصحابه عن مذهبه في خلق الأفعال فشكر الله على
ذلك رحمه الله، فيتخيل من لا معرفة له بالحقائق أنها من خصائص الحق، ولا فرق عندنا
بينها وبين سائر الأسماء الإلهية كلها في التخلق بها على ما تعطيه حقيقة الخلق كما هي الله
بحسب ما تعطيه ذاته تعالى وتقدس والسهر من أحد الأربعة الأركان التي قام عليها بيت
الأبدال وهي: السهر والجوع والصمت والعزلة، وقد أفردنا لمعرفة هذه الأربعة جزءاً عملناه
بالطائف سميناه حلية الأبدال ونظمناها في أبيات في الجزء المذكور سؤال صاحبي عبد الله
بدر الخادم ومحمد بن خالد الصدفيّ. وهذه هي الأبيات: [الكامل]
من غير قَصْدٍ منه للأعمالِ
يا من أراد منازلَ الأَبْدالِ
إن لم تزاحمُهم على الأحوالِ
لا تطمعنَّ بها فلستَ مِنَ أهلها
ساداتُنا فيه من الأبْدالِ
بيتُ الولاية قُسِمَتْ أركانُه
والجوعِ والسهرِ النزيهِ العالي
ما بين صَمْتٍ واعتزالٍ دائم
فجعلوا السهر ركناً من أركان المقامّ الذي يكون من صفات الأبدال، وآيتهم من كتاب
الله تعالى سيدة آي القرآن: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوِّ أَلْحَىُّ الْقَيُّوُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله
تعالى: ﴿وَلَا يَتُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ اُلْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] فانظر ما أعجب هذه الآية،
ولهذه الصفة عنت الوجوه منا، والمراد بالوجوه حقائقنا إذ وجه الشيء حقيقته فقال تعالى:
الفتوحات المكية ج٣ - م١٨

٢٧٤
في المعاملات / الباب التاسع والتسعون في مقام النوم
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّورِ﴾ [سورة طه: الآية ١١١] وقال: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَتْ﴾ [سورة
القصص: الآية ٨٨] فإذا لم يحفظ العبد بسهر قلبه ذاته الباطنة كما يحفظ بسهر عينه ذاته الظاهرة
وإن كان نائماً فيكون ممّن تنام عينه ولا ينام قلبه ويحفظ غيره بحفظه فما سهر من ليست هذه
صفته، وتكون الخمسة من الأعداد أتم منه في مقامها في حفظها نفسها وغيرها، ومن لا يقدر
أن يكون له درجة الخمسة من العدد وهي جزء ممّا لا يتناهى فإنها جزء من العدد والعدد لا
نهاية له فكيف يتمكن له أن يتخلق بالقيومية مطلقاً ليس ذلك في وسع البشر مثل الكلام سواء،
وغاية من يقوم بها قطب الوقت فإنّ له الأكثرية فيها من سواه، فالذي يتعين علينا حفظ هذه
الصفة، فنحن نسهر لحفظ الكون وإقامته ما يلزمنا أكثر من هذا والله حفيظ عليم لا نحن، فإذا
قامت هذه الصفة بنا فقد وفينا المقام حقّه، فينبغي لصاحب هذا المقام إذا سهر أن يسهر بعين
الله، وعين الله حافظته بلا شك الحفظ الذي يعلمه الله لا الحفظ العرضي، فإن الله تعالى ما
رأيناه يحفظ على كل عين صورتها بل الواقع غير ذلك وهو مطلق الحفظ، فإذن ليس الحفظ
ما يتخيل من حفظ الصور على أعيانها، وإنما ينظر صاحب هذا المقام إلى الحفظ المطلق
وينظر في المحفوظ، وإذا كان من عالم التغيير والاستحالات فيحفظ عليه التغيير
والاستحالات، فإن لم يتغير ولا استحال فما حفظ عليه ما تستحقه ذاته، فينظر صاحب هذا
المقام مراتب الموجودات ويكون حفظه في سهره بحسب ما تعطيه رتبة ذلك العالم، ولا
يلتفت إلى أغراض أشخاص ذلك النوع فإن الضدين لا يجتمعان، فإذا أراد السكون أن يحفظ
عليه ذاته في ساكن معين لم يتمكن أن يجيبه إلى ذلك، فإن الساكن مأمور من الله بتغيير حاله من
سكون إلى قيام لصلاة أو لأمر مشروع أو طبع كقضاء حاجته، ولا يكون هذا إلاَّ بأن يتغير وينتقل
إلى حكم الحركة، وكذلك المتحرّك إذا توجّه عليه الأمر بالسكون فالحافظ هنا إنما يحفظ عليه
حكم التغيير، فإن لم يحفظ عليه ذلك فما سهر ولا تحقق بالقيومية، فهذا ما يعطيه مقام السهر
وحاله فافهم فإنه ما من مقام وإلاّ ويتسع المجال فيه لو تكلمنا على تفاصيله، لكن نومىء إلى ما
لا بدّ منه في كل مقام وحال بأمر كليّ تقع به المنفعة ويندرج فيه كل تفصيل يحتمله، فإذا بحثت
عليه في كلامنا تجدنا قد وفينا المقصود. انتهى الجزء السادس والتسعون.
(الجزء السابع والتسعون)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحمَدِ
الباب التاسع والتسعون
في مقام النوم
[نظم: البسيط]
النومُ جامعُ أمر ليس يجمعه
إن الخيالَ له حكمٌ وسلْطَئَةٌ
وليس يُذْرَكُ في غير المنام ولا
غيرُ المنام ففكر فيه واعتّبٍ
على الوجودين من معنًى ومن صُوَرِ
تبدو له صُوَرّ في حضرة السُّوَرِ

٢٧٥
في المعاملات / الباب التاسع والتسعون في مقام النوم
فهو المحيطُ بما في الغيب من صُورٍ
يُخْتَصُ بالصاد لا بالسين حَضْرَتُه
بالكَيْفِ والكُمِّ للتحديد بالعِبَرِ
من لا يُكَيَّفُ يأبى النَّوْمَ يخصُرُهُ
اعلم أيّدك الله أن النوم حالة تنقل العبد من مشاهدة عالم الحسّ إلى شهود عالم البرزخ
وهو أكمل العالم فلا أكمل منه، هو أصل مصدر العالم له الوجود الحقيقي والتحكم في
الأمور كلها يجسد المعاني ويرد ما ليس قائماً بنفسه قائماً بنفسه، وما لا صورة له يجعل له
صورة ويرد المحال ممكناً ويتصرّف في الأمور كيف يشاء، فإذا كان له هذا الإطلاق وهو خلق
مخلوق لله فما ظنك بالخالق سبحانه الذي خلقه وأعطاه هذه القوّة، فكيف تريد أن تحكم على
الله بالتقيد وتقول: إن الله غير قادر على المحال وأنت تشهد من نفسك قدرة الخيال على
المحال والخيال خلق من خلق الله، ولا تشك فيما تراه من المعاني التي جسدها لك وأراها
إياك أشخاصاً قائمة، فكذلك يأتي الله بأعمال بني آدم مع كونها إعراضاً صوراً قائمة توضع في
الموازين لإقامة القسط، ويؤتى بالموت مع كونه نسبة فوق العرض في البعد عن التجسد في
صورة كبش أملح يريد أنه في غاية الوضوح لهذا وصفه بالملحة وهي البياض فيعرفه جميع
الناس فهذا محال مقدور فأين حكم العقل على الله وفساد تأويله؟ وكذلك نعيم الجنان في
فواكهه﴿لَّ مَقْطُوعَةٍ وَلَ مَمْنُوعَةٍ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٣٣]، فيتأوّله من لا علم له بحمله على فصول
السنة أن الفاكهة تنقضي بانقضاء زمانها ثم تعود في السنة الأخرى، وفاكهة الجنة دائمة التكوين
لا تنقطع، هذا مبلغ علمهم في هذه المسألة، وهي عندنا كما قال الله: ﴿لَّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا
مَمْتُوعَةٍ﴾ فإن الله جاعل لنا فيها رزقاً يسمّى قطفاً وتناولاً، كما جعل الله لعالم الجنّ في العظام
رزقاً وما ترى ينقص من العظم شيء، ونحن بلا شك نأكل من فاكهة الجنة قطفاً دانياً مع كون
الثمرة في موضعها من الشجرة ما زال عينها لأنها دار بقاء لما يتكوّن فيها فهي دار تكوين لا
دار إعدام، وكذلك سوق الجنة ندخل في أيّ صورة شئنا من صور السوق مع كوننا على
صورتنا لا ينكرنا أحد من أهلنا ولا من معارفنا، ونحن نعلم أن قد لبسنا صورة جديدة تكوينية
مع بقائنا على صورتنا، فأين العقول والمعقول هنا؟ [البسيط]
ما عَقْلُ عَيْنٍ كِعَقْلٍ قَلَّدَ الفِكَرَا
لا يَعرفُ الله إلاَّ الله فاعتبروا
ولما نزّه الله نفسه عن صفة النوم فقال: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥]
أي ما يغيبه شهود البرازخ عن شهود عالم الحسّ عن شهود المعاني الخارجة عن المواد في
حال عدم حصولها في البرزخ وتحت حكمه، وقد يمنح الله بعض عباده بهذا الإدراك مع كونه
لا يتصف بأنه لا ينام أعني في حالة الدنيا ونشأتها، وأما في الآخرة فإنه لا ينام أهل الجنة في
الجنة ولا يغيب عنهم شيء من العالم، بل كل عالم على مرتبته مشهود لهم مع كونهم غير
متصفين بالنوم، يقال: نام فلان فرأى كذا أي رأى مقلوبه وهو مان أي كذب في عرف العادة،
فإن العلم ما هو لبن والقرآن ما هو عسل ولكن هكذا تراه، فإذا كملت رأيته علماً في حضرة
المعاني في حال رؤيتك إياه لبناً في حضرة البرزخ وهو هو لا غيره، فتحقق ما أعلمناك به فقد
أرحناك بما ذكرناه راحة الأبد، وقد عرفناك بالإله المعرفة المطلوبة منا، وإذا تحققت ما أومأنا

٢٧٦
في المعاملات/ الباب الموفي مائة في مقام الخوف
إليه في هذا الباب علمت جميع ما جاء به الشرع في الكتاب والسنة قديماً وحديثاً من النعوت
الإلهية التي تردّها العقول ببراهينها القاصرة عن هذا الإدراك، فمعرفة وجود الحق مدرك
العقول من حيث ما هي مفكرة وصاحبة دلالات، ومعرفة ما هو الحق عليه في نفسه هو ما
أعطاه الوجود لكل إدراك في عالمه، فما ثم إلاَّ حق ومصيب، فسبحان من طوّر الأطوار
وجعل في اليوم حقيقة الليل والنهار وأنزل الأحكام وشرعها على التفصيل لا على الإجمال،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
والنوم من أحكام الطبيعة في مولدات العناصر خاصة، والنشأة الآخرة ليست من
مولدات العناصر بل هي من مولدات الطبيعة فلذلك لا تنام ولا تقبل النوم كالملائكة وما علا
عن العناصر، ونشأة الإنسان في الآخرة على غير مثال كما كانت نشأته في الدنيا على غير
مثال، فما ظهر قبله من هو على صورته ولهذا جاء: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ يعني على غير مثال
﴿تَعُوُدُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٩] على غير مثال يعني في نشأة الآخرة. وقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ
اَلنَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٦٢] أنها كانت على غير مثال سبق، فاشحذ فؤادك
ووفر زادك فإنك راحل عن نشأة أنت فيها وما أنت فيها .
الباب الموفي مائة
في مقام الخوف
[نظم: الطويل]
إذا جاء سلطانُ المنازِعِ في الأَمْرِ
خَفِ الله يا مسكينُ إن كنتَ مؤمناً
بها رُتَبَ العلياء في عَالَمِ الأَمْرِ
فإن جنحوا للسَّلْمِ فاجنَح لها تنَلْ
كما جاء في القرآن في مُحكَمِ الذِّكْرِ
وما قُلْتُه بل قاله الله مغلِماً
اعلم أيّدك الله وعصمك أن الخوف مقام الإلهيين له الاسم الله لأنه متناقض الحكم،
فإنه يخاف من الحجاب ويخاف من رفع الحجاب، أما خوفه من الحجاب فلما فيه من الجهل
بما هو حجاب عنه، وأما خوفه من رفع الحجاب فلذهاب عينه عند رفعه فتزول الفائدة،
والإلتذاذ بالجمال المطلق آية المحجوب قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ زَبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [سورة
المطففين: الآية ١٥] في معرضِ الذم. وأما الحديث فقوله وَّ في الحجب: «لَوْ كَشَفَهَا أَوْ لَوْ رَفَعَهَا
لأَخْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)). وما أشبه هذا المقام بقول القائل: [البسيط]
أشكو من الطُّولِ ما أشكو من القِصَرِ
الليلُ إن وَصَلتْ كالليل إن ھَجَرَتْ
فمقام الخوف مقام الحيرة، والوقوف لا يتعين له ما يرجح لقيام شاهد كل جانب عنده،
ومن خرج عن هذا الخوف إلى الخوف من متعلق غيره فهو خوف وليس بمقام، فإن كل
خوف ما عدا هذا فليس له هذا الحكم، فإن المقام كل ما له قدم راسخ في الألوهة، وما ليس
له ذلك فليس بمقام وإنما هو حال يرد ويزول بزوال حكم التعلّق والمتعلق ببشرى أو بغيرها،
والخوف الذي هو مقام يستصحب للعالم بالله الذي يعلم ما ثم، ومن لا يعلم ذلك فلا

٢٧٧
في المعاملات / الباب الأحد ومائة في مقام ترك الخوف
يستصحبه خوف إلاَّ إلى أول قدم يضعه من الصراط في الجنة أو حاضرها، فالخائف هو الذي
يعلم ما هو التجلي وما هو الذي يرى يوم القيامة، وهو الذي يعلم أن أهل النار لهم تجلّ يزيد
في عذابهم، كما أن لأهل الجنة تجلّياً يزيد في نعيمهم ، أهل النار محجوبون عنه ولهذا قال
عنهم ربهم أهل النار والرد المربي والمصلح، فباب العلم بالله دون ما سواه مغلق من حيث
ذاته وهو المطلوب بالتجلي، فالخلق في عين الجهل بهذا الذي ذكرناه إلا من رحم الله، ولقد
أصابت المعتزلة في إنكارها الرؤية لا في دليلها على ذلك، فلو لم تذكر دلالتها لتخيلنا أنها
عالمة بالأمر كما علمه أهل الله، لكنها في دلالتها كانت كما قال بعضهم لصاحبه حين قال له
ما أعجبه وأخذ به فلما ذكر له الإسناد فيما أورده زال عنه ذلك الفرح وقال له: أفسدت حين
أسندت، فمن لم يعرف الله هكذا لم يعرفه المعرفة المطلوبة منه .
الباب الأحد ومائة
في مقام ترك الخوف
[نظم: البسيط]
لم أخْشَ منه فحُزْنَا رُتْبَةَ القِدَمِ
لما تعلَّقَ علمُ الخوف بالعَدَمِ
لأن ضدِّيَ منْسَوبٌ إلى العَدَمِ
أنا الوجودُ فلا خوفٌ يصاحبني
فاترُكْ مَخَافَتَهُ لحماً على وَضَم
إن الذي خِفْتَ منه لا وجودَ له
قال رََّ: ((واجعلني نوراً) في دعائه. وقال تعالى: ﴿ اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [سورة
النور: الآية ٣٥] والسبحات أنوار، والنور لا يحترق بالنور ولكن يندرج فيه أي يلتئم معه
للمجانسة وهذا هو الالتحام والاتحاد، وهنا سرّ عظيم وهو ما يزيد في نور المتجلي من نور
المتجلي له إذا انضاف إليه واندرج فيه، ولما وقف ◌َّر على مقام الخوف الذي ذكرناه أدّاه إلى أن
طلب أن يكون نوراً فكأنه يقول: اجعلني أنت حتى أراك بك فلا تذهب عيني برؤيتك لكن
أندرج فيك. كما قال النابغة: [الطويل]
بأنك شَمْسٌ والملوكُ كواكبٌ
إذا طَلَعَتْ لم يَبْدُ منهنَّ كوكبُ
وما ذهب لها عين، وما ظهر لها عين، فهي ترى ولا ترى، لأنها خلف حجاب النور
الأعظم الذي له الحكم في ظاهر الأمر، ولأنوار الكواكب حكم في باطن الأمر مندرج في
النور الأعظم يعلم ذلك أرباب علم التعاليم فهم أسعد الناس بهذا المقام وهو مقام جليل
نبويّ، وما حجره الحق على المؤمنين إلاَّ رحمة بهم، لأن الغالب في العالم الجهل بحقائق
الأمور والعلماء أفراد فرحمهم الله بما حجر عليهم من ذلك. وأما العلماء بالله فلا حرج عليهم
فيه فإنهم عالمون كيف ينسبون وكيف لا يعلمون والله يقول: ﴿وَأَوْحَى فِى كُلّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة
فصلت: الآية ١٢] وهو ما يعطيه من الآثار في العالم كما تعطى كل آلة للصانع بها ما عملت له،
والصنعة مضافة للصانع لا للآلة، فاعلم ذلك وكن بحسب ما تعطيه قوتك والسلام.
واختلف أصحابنا في صاحب هذا المقام هل يأمن من المكر الإلهي أم لا؟ أما مع

٢٧٨
في المعاملات/ الباب الثاني ومائة في مقام الرجاء
البشرى فيأمن ولا بد، وأعني إذا جاءت البشرى بالأمن من مكر الله ولا أقدر أبسط في هذا
المقام شيئاً أكثر ممّا ذكرناه في هذا الوقت لأسباب، ولا أصرح بمذهبنا فيه إلاَّ بقدر ما ذكرنا
منه في البشرى فإنه أمر محقق تدل عليه العقول والشرع، وذلك أن صاحب هذا المقام إن
كانت عجلت له الجنة بوجه لا يمكن استبداله فالأمن حاصل ويصحّ له هذا المقام وإن لم تكن
له هذه الحالة فالله أعلم.
الباب الثاني ومائة
في مقام الرجاء
[نظم: البسيط]
إن الرجاءَ كمِثْل الخوفِ في الحُكْمِ
إن الرجاءَ مَقَامٌ ليس يعلمه
يَلْتَذُّ صاحبُه في وقته فإذا
فاعزم عليه وكُنْ منه على عِلْمٍ
إلاَّ أولو العلم بالرحمن والفَهْمَ
يفوته كان مثْلَ الخَوْفِ في الحُكْمَ
ولستَ من فَقْدِهِ المعلوم في عُذْم
وإنَّ ما أنت راجيه لَفِي عَدَمِ
الرجاء متعلقه ما ليس عنده، وهو مقام مخوف یحتاج صاحبه إلى أدب حاضر حاصل
ومعرفة ثابتة لا يدخلها شبهة، فإنه مقام عن جانب الطريق ما هو في نفس الطريق تحته مهواة
بأدنى زلة يسقط صاحبه من الطريق وهو على طريق الحياة الدائمة التي بها بقاء العالم في
النعيم، والحال التي ينبغي أن يظهر سلطانه فيها عند الاحتضار، وأما قبل ذلك فيساوي بين
حكمه وبين حكم الخوف إن كان مؤمناً حقيقة، قال الله تعالى: ((أنا عند ظن عبدي بي فليظن
بي خيراً). وكذلك ينبغي أن يظن بنفسه شراً لا بربه إلاَّ عند الموت فإنه يشتغل بربه في تلك
الحال ويظن به خيراً ويعرض عن ظنّه بنفسه جملة واحدة بخلاف حاله في دنياه، والرجاء
المطلوب من أهل الله هو ما يطلبه وقته لأن المرجو معدوم في تلك الحال، فيخاف على الراجي
أن يفوته حكم للوقت، فإذا كان متعلق رجائه ما يطلب الوقت فهو صاحب وقت ولا بدّ، وما
يرسم في ديوان من لم يتأدب مع وقته، ثم إن وقته لا يخلو من أحد ثلاثة أمور: إما أن يكون
صاحب وقت مرضي فمتعلق رجائه ما يطلبه الوقت المرضي، وإن كان غير مرضي أو لا
مرضي ولا غير مرضي كالمباح فمتعلق رجائه إزالته عنه بما هو مرضي في النفس الثاني والزمان
الذي يليه، فمتى خرج عن هذا التعلق الخاص فليس هو الرجاء الذي هو قام في الطريق، وهو
من المقامات المستصحبة في الدنيا والآخرة لا ينقطع، لأن الإنسان حيث كان لا يزال صاحب
قوت لأن الأمر لا يتناهى، وكلامنا في الفائت المستأنف، وأما الفائت الماضي فإنه لا يعود إذ لو
عاد لتكرر أمر ما في الوجود ولا تكرار للتوسّع الإلهي، غير أنه إن كان الفائت الماضي مرضياً
وهو لا يعود فحكم ذلك الفعل الفائت الماضي فهو إنما يجنيه في الآخرة لو اتصف به في الدنيا
فقد يتعلق الرجاء بتحصيل ما لو كان الفائت الماضي لم يفت حصل له فيحصل له مثل ذلك
برجائه إن كان قد كان له وجود وانقضى، أو عين ذلك المرجو إن كان لم يكن برجائه فإنه فائت

٢٧٩
في المعاملات / الباب الثالث ومائة في ترك الرجاء
مستأنف كان مهيأ للفائت الماضي هذا غاية قوة الرجاء، وقد قال مط ◌ّ في الذي يفوته خير الدنيا
ويرى من له شيء من ذلك الخير يعمل به في طاعة الله: ((لَوْ كَانَ لي مِثْلُ هَذَا العَامِلِ مِنَ الَخَيْرِ
لَفَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ فَهُمَا فِي الأَجْرِ سَوَاءٌ)) فهذا قد فاته العمل وجنى ثمرته بالتمني وساوى من
لم يفته العمل وربما أربى عليه لا بل أربى عليه، فإن العامل مسؤول ﴿لِّيَسَْلَ الصَّدِقِينَ عَن
صِدْقِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٨] وهذا غير مسؤول لأنه ليس بعامل، ولا يكون هذا إلاَّ لمن لم
يعطه الله أمنيته من الخير الذي تمنى العمل به، فإن أعطاه ما تمناه من الخير فليس له هذا المقام
ولا هذا الأجر، وينتقل حكمه إلى ما يعمله فيما أعطاه الله من الخير ولا يبقى للتمني في الآخرة
أثر، فإن عمل به براً كان له، وإن عمل غير ذلك كان في حكم المشيئة، وليس رجاء القوم
رجاء العاصين في رحمة الله ذلك رجاء آخر ما هو مقام، وكلامنا في المقام والرجاء عند بعضهم
مقام إلهيّ، واستدلوا عليه بقوله في غير آية لعل وعسى، ولهذا جعلها علماء الرسوم من الله
واجبة .
الباب الثالث ومائة
في ترك الرجاء
[نظم: الكامل]
أصبحتَ من حُكْم الرجاءِ على رَجَا
لا تَرْكَنَنَّ إلى الرجاء فربَّما
فيه نَجَاتُك فالسَّعيدُ من الْتَجَا
فاضْرَغْ إلى الرحمن في تَخْصیلِهِ
اعلم أيّدك الله أن حكم صاحب هذا المقام شهود نفسه من حيث ما تطلبه به الحضرة
الإلهية، وضعف العبودية عن الوفاء بما تستحقه أو بما يمكن أن يوفيها من طاقتها المأمور بها
في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: الآية ١٦] هذا من جهتنا، وأما من جانب ما
تستحقه الربوبية على العبودية فقوله: ﴿ءَامَنُواْ أَثَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُثُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾
[سورة آل عمران: الآية ١٠٢] وليس لهم من الأمر شيء، فقطع بهم هذا الأمر فهو مقام صعب
وحالة شديدة، فمن ترك الرجاء فقد ترك نصف الإيمان، فالإيمان نصفان: نصف خوف
ونصف رجاء وكلاهما متعلقهما عدم، فإذا حصل العلم حصل الوجود وزال العدم وأزال
العلم حكم الإيمان لأنه شهد ما آمن به فصار صاحب علم، والإيمان تقليد والتقليد يناقض
العلم إلاَّ أن يكون المخبر معصوماً عند المؤمن وفي نفسه من الكذب وليس بينك وبينه واسطة
في أخباره، فإن الدليل الذي حكم لك بصدقه وعصمته عن الخطأ والكذب فكنت فيه على
بصيرة وهي العلم ينسحب لك على ما يخبرك به عن الله فيكون عندك خبره علماً لا تقليداً،
وهذا لا يكون اليوم إلاَّ عند أهل الكشف والوجود خاصة، وأما عند أهل النقل فلا سبيل،
فالصحابة الذين سمعوا شفاهاً من الرسول ما لا يحتمله التأويل بما هو نص في الباب لا فرق
بينهم وبين أهل الكشف والوجود فهم علماء غير مقلدين ما داموا ذاكرين لدليلهم، فإن غابوا
عن الدليل في وقت الإخبار فهم مقلدون مع ارتفاع الوسائط، فاجعل دليلك ربك على الأشياء

٢٨٠
في المعاملات/ الباب الرابع ومائة في مقام الحزن
فلا تغفل عنه، فإنك إذا كنت بهذه المثابة كنت صاحب علم وهو أرفع ما يكون من عند الله
ولهذا أمر نبيه ◌َ لو بالزيادة منه دون غيره من الصفات، فمن علم الماضي والحال والمستأنف
لم يبق له عدم فلم يبق له متعلق رجاء فلم يبق له رجاء من: [الرمل]
إنما أجْزَعُ ممّا أتَّقي
فإذا حلَّ فمالي والجَزَغْ
فإذا فاتَ فمالي والطّمَخْ
وكذا أطْمَعُ فيما أبتغي
فهذان البيتان جمعا ترك الرجاء والخوف بحصول المخوف وقوعه وفوت المرجو
حصوله إلى. وهذا وإن كان صحيحاً في الرجاء فلا يكون هذا في رجاء المقام فإنه ما له خوف
فوت الماضي وإنما له خوف فوت المستأنف لفوت سببه الذي مضى.
الباب الرابع ومائة
في مقام الحزن
[نظم: البسيط]
ذَهَابُه فوليُّ الله من حزنًا
الحزنُ مَرْكَبُهُ صعبٌ وغايتُه
هناك والغَرَضُ المقصودُ منك هُنَا
قلبُ الحزين هنا تَقْوَى قواعدُه
فالله ليس يحبُّ الفارِحَ اللَّسِنَا
دارُ التكاليفِ دارٌ ما بها فَرَحْ
الحزن مشتق من الحزن وهو الوعر الصعب، والحزونة في الرجل صعوبة أخلاقه،
والحزن لا يكون إلاَّ على فائت، والفائت الماضي لا يرجع لكن يرجع المثل، فإذا رجع ذكر
بذاته من قام به مثله الذي فات ومضى، فأعقب هذا التذكّرِ حزناً في قلب العبد، ولا سيما
فيمن يطلب مراعاة الأنفاس وهي صعبة المنال لا تحصل إلاَّ لأهل الشهود من الرجال، وليس
في الوسع الإمكانيّ تحصيل جملة الأمر فلا بدّ من فوت فلا بدّ من حزن، وهذه الدار وهذه
النشأة نشأة غفلة ما هي نشأة حضور إلاَّ بتعمّل واستحضار، بخلاف نشأة الآخرة فطلب منا أن
تنشىء نفوسنا في هذه الدار نشأة أخرى يكون لها الحضور لا الاستحضار، فهل ما طلب منا
نعجز عنه أو لا نعجز؟ ومحال أن يطلب منا ما لم يجعل فينا قوّة الإتيان به ويمكننا من ذلك
فإنه حكيم، وقد أعطانا في نفس هذا الطلب علمنا بأن فينا قوّة ربانية، ولكن من حيث أنا
مظهر لها أكسبناها قصوراً عمّا تستحقه من المضاء في كل ممكن فطلبنا المعونة منه فشرع لنا
أن نقول ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فمن كان هذا
مشهده فلا يزال حزنه دائماً أبداً، وهو مقام مستصحب للعبد ما دام مكلفاً، وفي الآخرة ما لم
يدخل الجنة فإن في الآخرة لهم حزن التغابن لا حزن الفزع الأكبر، والخوف يرتفع عنهم
مطلقاً إلاَّ أن يكونوا متبوعين، فإن الخوف يبقى عليهم على الأتباع كالرسل، فالحزن إذا فقد
من القلب في الدنيا خرب لحصول ضدّه إذ لا يخلو والدار لا تعطي الفرح لما فيه من نفي
المحبة الإلهية عمّن قام به وما يزيل الحزن إلاَّ العلم خاصة وهو قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَيَفْرَحُواْ﴾
[سورة يونس: الآية ٥٨] فالحزن مثل العلم سواء يرتفع بارتفاع المحزون عليه ويتضع كذلك كالعلم