النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ في المعاملات / الباب السادس والثمانون في تقوى الحدود الدنياوية أمشاج، فتعمّ عقوبتها لعدم التمييز، وحدود الآخرة ليست كذلك فإنها دار تمييز فلا تصيب العقوبة إلاَّ أهلها، فلو كانت نشأة الآخرة من نطفة أمشاج كما ذهب إليه ابن قسي لعمت العقوبة أهلها وغير أهلها، ومن هنا إن نظرت تعرف نشأة الآخرة أنها على غير مثال سبق، كما أن نشأة الدنيا على غير مثال سبق وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٦٢] أنها كانت على غير مثال، ولهذا أتى بكلمة التحضيض، وهذه الفتنة العامّة والعقوبة الشاملة والحدود المتداخلة من صفة قوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٧] فإن ظاهرها لا يقتضي العدل وباطنها يقتضي الفضل الإلهيّ، ففي الآخرة ﴿وَلَ نَزِّرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٦٤] وهنا ليس كذلك في عموم صورة العقوبة، ولكن ما هي في البريء عقوبة وإنما هي فتنة وفي الظالم عقوبة لأنها جاءته عقيب ظلمه فما يستوجبها البريء، ولكن حكم الدار عليه كما يحكم على أهل دار الكفر الدار، وإن كان فيها من لا يستحق ما يستحقه الكفار، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَرَّكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [سورة هود: الآية ١١٣] والنبيّ ◌َّ* قد جعل مولى القوم منهم في الحكم وما هو منهم في نفس الأمر، جعلنا الله ممّن عامله بفضله ولم يطلبه بواجب حقّه إذا قال الله في حق من اصطفاه من عباده أنه ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [سورة الكهف: الآية ٣٥] حيث حمل الأمانة، وهذا هو ظلم المصطفين من عباد الله لا ظلم يتعدّى الحدود الإلهية فإنه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [سورة الطلاق: الآية ١] لأن لنفسه حداً تقف عنده وهي عليه في نفسها، وذلك الحد هو عين عبوديتها، وحد الله هو الذي يكون له، فإذا دخل العبد في نعت الربوبية وهو الله فقد تعدّى حدود الله ﴿وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٩] لأن حدّ الشيء يمنع ما هو منه أن يخرج منه وما ليس منه أن يدخل فيه، هذه هي الحدود الذاتية فمن يتقيها ﴿فَأُوْلَِّكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٠٢] ﴿يَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُهَاً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] فوصفهم بالتقوى إذا لم يتعدوها وجعلوها وقاية لهم، وليس بأيدينا من الحدود الذاتية لله شيء، والذي عندنا إنما هي الحدود الرسمية ولهذا اجترأ العباد عليها وتعدوها ومنها عوقبوا، كما إذا أدخلهم الحق صاحب الحد فيما هو له لم يتصف بالظلم فما استوجب عقوبة، ولما كان حداً رسمياً قبل العبد الدخول فيه، فإن دخل فيه بنفسه من غير إدخال صاحبه فقد عرض نفسه للعقوبة، فصاحب الحد بخير النظرين: إن شاء عاقب وإن شاء عفى وإن شاء أثنى، كالمتصف بالكرم والعفو والصفح، وهذه كلها حدود رسمية للحق، فاعلم ما نبتهك عليه من العلم الغريب في هذه المسألة فإنها من لباب المعرفة بالله. وأما حدود الله اللفظية فما حجر منها شيئاً سوى كلمة الله، واختلفوا في كلمة الرحمن بالألف واللام، وكذلك أيضاً لم يتسم أحد بالرحمن الرحيم على أن يكون من الأسماء المركبة مثل: بعل بك، ورام هرمز، وبلال أباذ، والحماية لهذا الاسم لم يكن عن أمر إلهيّ مشروع، وإنما كانت حماية غيبية أغفل الله عن التسمية بهذا الاسم المركب الناس، ويكفي هذا القدر من تقوى الحدود. الفتوحات المكية ج٣ - م١٦ ٢٤٢ في المعاملات/ الباب السابع والثمانون في تقوى النار الباب السابع والثمانون في تقوى النار قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ النَّارَ اَلَتِىَ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣١] ﴿فَأَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤] وقال: ﴿قُوَأْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ﴾ [سورة التحريم: الآية ٦]. [نظم: السريع] يُخشَرُ للرحمن من قَبْرِهِ من يتقي النارَ فذاك الذي فليشكرِ الله على شُكْرهِ فمن اسمه الجبار أو مثله في ذلك اليوم على كِبْرهِ لا سيما والنارُ مَشْهُودُهُ لا تتّقي النار ولا مثلها لا تتَّقي غير الإله الذي فإن تَقْوَى النار من مَكْرِهِ أَبْطَنَ نَفْعَ الشخص في ضُرِّهِ اعلم وفّقك الله وفهمك أن النار قد تتخذ دواء لبعض الأمراض فهي وقاية وهو الداء الذي لا يتقى إلاَّ بالكي بالنار، فقد جعل الله النار وقاية في هذا الموطن من داء هو أشدّ من النار في حق المبتلى به، وأي داء أكبر من الكبائر، فجعل الله لهم النار يوم القيامة دواء كالكي بالنار في الدنيا، فدفع بدخولهم النار يوم القيامة داء عظيماً أعظم من النار، وهو غضب الله الذي قام مقام الداء الذي يكوي من يخاف عليه منه بالنار، ولهذا يخرجون بعد ذلك من النار إلى الجنة قد امتحشوا، كما يخرج إلى العافية صاحب الكي بالنار، هذا إذا جعلناها وقاية، كما جعلنا في الحدود الدنياوية وقاية من عذاب الآخرة ولهذا هي كفارات أي تستره هذه الحدود عن عذاب الآخرة، ومن هنا قلنا في المحاربين الله ورسوله أن المعنيّ بهم الكفار، فإن الله لما عاقبهم في الدنيا لم يجعل عقوبتهم كفارة مثل ما هي الحدود في حق المؤمنين بل قال: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الذُّنْيَّا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٣] وهذا لا يكون إلاّ للكفار، والعذاب العظيم هو أن يعمّ الظاهر والباطن، بخلاف عذاب أهل الكبائر من المؤمنين فإن الله يميتهم في النار إماتة حتى يعود واحماً شبه الفحم، فهؤلاء ما أحسّوا بالعذاب لموتهم فليس لهم حظ في العذاب العظيم فتتقي النار لما يكون من الألم عند تعلقها بنا، والذين هم جمر لها يزيدون في فعلها فإنهم المحرقون بالنار مثل الجمرات، ثم تفعل النار بوساطة الجمرات التي ظهرت فيها فعلاً آخر قد يكون فيه منفعة، كالمجرات التي تكون تحت القدر لإنضاج ما في القدر ليقع بذلك الإنضاج منفعة المتمتع بما نضج. ولما كانت كرة الأثير واسعة الشمس تؤثر في مولدات الفواكه والمعادن بحرارتها نضجاً، لما في ذلك من المنفعة لنا كانت رحمة مع كونها ناراً، كذلك من عرف نشأة الآخرة وموضع الجنة والنار وما في فواكه الجنة من النضج الذي يقع به الالتذاذ لأكله من أهل الجنان علم أين النار وأين الجنة، وأن نضج فواكه الجنة سببها حرارة النار التي تحت مقعر أرض ٢٤٣ في المعاملات/ الباب الثامن والثمانون في معرفة أسرار أصول أحكام الشرع الجنة، فتحدث النار حرارة في مقعر أرضها فيكون صلاح ما في الجنة من المأكولات، وما لا يصلح إلا بالحرارة من حرارة النار وهو لها كحرارة النار تحت القدر، فإن مقعر أرض الجنة هو سقف النار، وقد بيّنا ذلك في التنزلات الموصلية والشمس والقمر والنجوم كلها في النار وعن أحكامها بما أودع الله فيها كانت منافع الحيوانات بها، فتفعل بالأشياء هنالك علواً، كما كانت تفعل هنا سفلاً، وكما هو الأمر هنا، كذلك ينتقل إلى هنالك بالمعنى وإن اختلفت الصور، ألا ترى أرض الجنة مسكاً وهو حار بالطبع لما فيه من النار وأشجار الجنة مغروسة في تلك التربة المسكية، كما يقتضي حال نبات هذه الدار الدنيا الزبل لما فيه من الحرارة الطبيعية لأنه معفن، والحرارة تعطي التعفين في الأجسام القابلة للتعفين، وهذا القدر كاف في تقوى النار أعاذنا الله منها في الدارين. الباب الثامن والثمانون في معرفة أسرار أصول أحكام الشرع [نظم: الكامل] فهو العليمُ بحقهم وبحقّهِ الشرعُ مَا شَرَعَ الإِلهُ تَخَلُّقاً قام الإلهُ بحقها في حقّهِ فإذا أتى عبدٌ يشرِّعُ شِرْعَةً ما لم يقلْ قال الإلهُ لخَلْقِهِ والشرعتان هما من أصلٍ واحدٍ نَجَمَ القرينُ بنجمها من أُفْقِهِ فإذا يقول فإنها أُحبُولةٌ فهو الكذوبُ وإن أتاك بصِدْقهِ ليصدقوا ما قلَّدوا أفكارهم فلربما غصَّ اللعينُ بريقهِ فلتعتبر أحكامَ أصل كتابِها اعلم أن أصول أحكام الشرع المتفق عليها ثلاث: الكتاب والسنّة المتواترة والإجماع. واختلف العلماء في القياس فمن قائل: بأنه دليل وأنه من أصول الأحكام. ومن قائل: بمنعه وبه أقول، قال الله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] وقال: ﴿إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٩] وقال: ﴿ أَثَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَنَّهِ، وَبَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٢٨] مثل قوله في عبده الخضر: ﴿ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] فجعل إعطاءه العلم عبده من رحمته، والتقوى عمل مشروع لنا، فلا بدّ أن تكون التقوى نسبة حكمه إلى دليل من هذه الأدلة أو إلى كلها في أيّ مسألة يلزمنا فيها تقوى الله. قال الجنيد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنّة وهما الأصلان الفاعلان، والإجماع والقياس إنما يثبتان وتصحّ دلالتهما بالكتاب والسنّة فهما أصلان في الحكم منفعلان، فظهرت عن هذه الأربع الحقائق نشأة الأحكام المشروعة التي بالعمل بها تكون السعادة، فإن الموجودات ظهرت عن أربع حقائق إلهية وهي: الحياة والعلم والإرادة والقدرة، والأجسام ظهرت عن أربع حقائق: عن حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة، والمولدات ظهرت عن أربعة أركان: نار وهواء وماء وتراب، وجسم ٢٤٤ في المعاملات/ الباب الثامن والثمانون في معرفة أسرار أصول أحكام الشرع الإنسان والحيوان ظهر عن أربعة أخلاط: صفراء وسوداء ودم وبلغم، فالحرارة والبرودة فاعلان، والرطوبة واليبوسة منفعلتان فاعلم. ولما كان من لا يؤمن بالشرائع المنزلة يشاركنا بالرياضة والمجاهدة وتخليص النفس من حكم الطبيعة يظهر عليه الاتصال بالأرواح الطاهرة الزكية ويظهر حكم ذلك الاتصال عليه مثل ما يظهر من المؤمنين العاملين منا بالشرائع المنزلة بما وقع من التشبيه والاشتراك فيما ذكرناه عند عامة الناس ونطقنا بالعلوم التي يعطيها كشف الرياضة وإمداد الأرواح العلوية، وانتقش في هذه النفوس الفاضلة جميع ما في العالم فنطقوا بالغيوب. قال الجنيد: علمنا هذا. وإن وقع فيه الاشتراك بيننا وبين العقلاء فأصل رياضتنا ومجاهدتنا وأعمالنا التي أعطتنا هذه العلوم والآثار الظاهرة علينا إنما كان من عملنا على الكتاب والسنّة، فهذا معنى قوله: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنّة، وتتميز يوم القيامة عن أولئك بهذا القدر فإنهم ليس لهم في الإلهيات ذوق، فإن فيضهم روحانيّ وفيضنا روحانيّ وإلهيّ لكوننا سلكنا على طريقة إلهية تسمّى شريعة فأوصلتنا إلى المشرع وهو الله تعالى لأنه جعلها طريقاً إليه فاعلم ذلك. ولما كان شرع الله وحكمه في حركات الإنسان المكلف لا يؤخذ إلاَّ من القرآن كذلك لم توجد إلاَّ بالمتكلم به وهو الله تعالى فقال للشيء ﴿كُنْ﴾ فكان، فالقرآن أقوى دليل يستند إليه، أو ما صحّ عن رسول الله ◌َّ ر الذي قام الدليل على صدقه أنه مخبر عن الله جميع ما شرعه في عبيد الله، وقد يكون ذلك الخبر إمّا بإجماع من الصحابة وهو الإجماع أو من بعضهم بنقل العدل عن العدل وهو خبر الواحد وبأيّ طريق وصل إلينا فنحن متعبدون بالعمل به بلا خلاف بين علماء الإسلام، ولهذا يقول أهل الأصول في الإجماع: إنه لا بدّ أن يستند إلى نص وإن لم ينطق به. وأمّا القياس فمختلف في اتخاذه دليلاً وأصلاً فإن له وجهاً في المعقول، ففي مواضع تظهر قوّة الأخذ به على تركه، وفي مواضع لا يظهر ذلك، ومع هذا فما هو دليل مقطوع به فأشبه خبر الآحاد، فإنّ الاتفاق على الأخذ به مع كونه لا يفيد العلم وهو أصل من أصول إثبات الأحكام، فليكن القياس مثله إذا كان جلياً لا يرتاب فيه، وعندنا وإن لم نقل به في حقي، فإني أجيز الحكم به لمن أدّاه اجتهاده إلى إثباته أخطأ في ذلك أو أصاب، فإن الشارع أثبت حكم المجتهد وإن أخطأ وأنه مأجور. فلولا أن المجتهد استند إلى دليل في إثبات القياس من كتاب أو سنّة أو إجماع أو من كل أصل منها لما حلّ له أن يحكم به بل ربما يكون في حكم النظر عند المنصف القياس الجليّ أقوى في الدلالة على الحكم من خبر الواحد الصحيح، فإنا إنما نأخذه بحسن الظن برواته ولا نزكيه علماً على الله، فإن الشرع منعنا أن نزكي على الله أحداً، ولنقل: أظنه كذا وأحسبه كذا، والقياس الجلي يشاركنا فيه النظر الصحيح العقلي، وقد كنّا أثبتنا بالنظر العقليّ الذي أمرنا به شرعاً في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِى مَلَكُوتِ اٌلَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٥] ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُوْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّنْ جِنَّةٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٤] وفي القرآن من مثل هذا كثير، فقد اعتبر الشارع حكم النظر العقلي في إثبات وجود الله أولاً وهو الركن الأعظم، ثم ٢٤٥ في المعاملات / الباب الثامن والثمانون في معرفة أسرار أصول أحكام الشرع اعتبره في توحيده في ألوهته، فكلفنا النظر في أنه لا إله إلاَّ الله بعقولنا، ثم نظرنا بالدليل العقلي ما يجب لهذا الإله من الأحكام، ثم نظرنا بالنظر العقلي الذي أمرنا به في تصديق ما جاء به هذا الرسول من عنده إذ كان بشراً مثلنا، فنظرنا بالعقول في آياته وما نصبه دليلاً على صدقه فأثبتناه، وهذه كلها أصول لو انهدّ ركن منها بطلت الشرائع، ومستند ثبوتها النظر العقلي واعتبره الشرع وأمر به عباده والقياس نظر عقلي، أترى الحق يبيحه في هذه المهمات والأركان العظيمة ويحجزه علينا في مسألة فرعية ما وجدنا لها ذكراً في كتاب ولا سنّة ولا إجماع، ونحن نقطع أنه لا بدّ فيها من حكم إلهيّ مشروع، وقد انسدت الطرق فلجأنا إلى الأصل وهو النظر العقلي، واتخذنا قواعد إثبات هذا الأصل كتاباً وسنّة، فنظرنا في ذلك فأثبتنا القياس أصلاً من أصول أدلة الأحكام بهذا القدر من النظر العقلي حيث كان له حكم في الأصول، فقسنا مسكوتاً عنه على منطوق به لعلة معقولة لا يبعد أن تكون مقصودة للشارع تجمع بينهما في مواضع الضرورة إذا لم نجد فيه نصاً معيناً، فهذا مذهبنا في هذه المسألة، وكل من خطأ عندي مثبت القياس أصلاً أو خطأ مجتهداً في فرع كان أو في أصل فقد أساء الأدب على الشارع حيث أثبت حكمه والشارع لا يثبت الباطل، فلا بدّ أن يكون حقاً ويكون نسبة الخطأ إلى ذلك نسبة أنه خطأ دليل المخالف الذي لم يصحّ عند المجتهد أن يكون ذلك دليلاً، والمخطىء في الشرع واحد لا بعينه فلا بدّ من الأخذ بقوله ومن قوله إثبات القياس فقد أمر الشارع بالأخذ به، وإن كان خطأ في نفس الأمر فقد تعبده به، فإن للشارع أن يتعبد بما شاء عباده، وهذه طريقة انفردنا بها في علمنا، مع أنا لا نقول بالقياس بالنظر إلينا ونقول به بالنظر لمن أداه إليه اجتهاده لكون الشارع أثبته، فلو أنصف المخالف لسكت عن النزاع في هذه المسألة فإنها أوضح من أن ينازع فيها والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ثم نبين في هذا الباب ما يتعلق بأصول الأحكام عند علماء الإسلام كما عملنا في العبادات، وكان الأولى تقديم هذا الباب في أول العبادات قبل الشروع فيها ولكن هكذا وقع، فإنا ما قصدنا هذا الترتيب عن اختيار، ولو كان عن نظر فكري لم يكن هذا موضعه في ترتيب الحكمة فأشبه آية قوله: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٨] بين آيات طلاق ونكاح وعدّة وفاة يتقدّمها ويتأخرها، فيعطي الظاهر أن ذلك ليس موضعها، وقد جعل الله ذلك موضعها لعلمه بما ينبغي في الأشياء، فإن الحكيم من يعمل ما ينبغي لما ينبغي كما ينبغي، وإن جهلنا نحن صورة ما ينبغي في ذلك فالله تعالى رتب على يدنا هذا الترتيب فتركناه ولم ندخل فيه برأينا ولا بعقولنا، فالله يملي على القلوب بالإلهام جميع ما يسطره العالم في الوجود فإن العالم كتاب مسطور إلهي، وإذا تعارض آيتان أو خبران صحيحان وأمكن الجمع بينهما واستعمالهما معاً فلا نعدل عن استعمالهما، فإن لم يمكن استعمالها معاً بحيث أن يكون في أحدهما استثناء فيجب أن يؤخذ بالذي فيه الاستثناء، وإن كان في أحدهما زيادة أخذت الزيادة وعمل بها، فإن لم يوجد شيء من ذلك وتعارضا من جميع الوجوه فينظر إلى التاريخ فيؤخذ بالمتأخر منهما، فإن جهل التاريخ وعسر العلم به فلينظر إلى أقربهما إلى ٢٤٦ في المعاملات/ الباب الثامن والثمانون في معرفة أسرار أصول أحكام الشرع رفع الحرج في الدين فيعمل به لأنه يعضده ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] ودين الله يسر ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] ((وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَدَعُوهُ)) فإن تساويا في رفع الحرج فلا يسقطان وتكون مخيراً فيهما تعمل بأيّ الخبرين شئت أو الآيتين، وإذا تعارض آية وخبر صحيح من جميع الوجوه من أخبار الآحاد وجهل التاريخ أخذ بالآية وتركنا الخبر، فإن الآية مقطوع بها وخبر الواحد مظنون، فإن كان الخبر متواتراً كالآية وجهل التاريخ ولم يمكن الجمع بينهما كان الحكم التخيير فيهما إلاَّ أن يكون أحدهما فيه رفع الحرج فيقدم الأخذ به، وكل خبرين أو آيتين تعارضا أو آية وخبر صحيح متواتراً وغير متواتر وفي أحدهما زيادة حكم قبلت الزيادة. وعمل بها وترجح الأخذ بحديث الزيادة على معارضه ولا يؤخذ من الحديث إلاَّ ما صحّ، فإن كان المكلف مقلداً وبلغ إليه حديث ضعيف مسند إلى رسول الله وَ ◌ّ وقد عارضه قول إمام من الأئمة أو صاحب لا يعرف دليل ذلك القول فيأخذ بالحديث الضعيف ويترك ذلك القول، فإن قصاراه أن يكون في درجة ذلك القول إن كان الحديث في نفس الأمر ليس بصحيح ولا يعدل عن الحديث . وأما إذا صحّ الحديث وعارضه قول صاحب أو إمام فلا سبيل إلى العدول عن الحديث ويترك قول ذلك الإمام والصاحب للخبر، فإن كان الخبر مرسلاً أو موقوفاً فلا يعول عليه إلاَّ إذا علم من التابع أنه لا يرسل الحديث إلاَّ عن صاحب لا غير، وإن لم يعين ذلك الصاحب فيؤخذ بالمرسل فإنه في حكم المسند وهو أن يقول التابع: قال رسول الله وَّر، ولا يذكر الصاحب الذي عنه رواه ويعلم أنه ممّن أدرك الصحابة وصحبهم وهو ثقة في دينه، ويعلم منه أنه ممّن لا يرى الكذب على النبيّ وَّر في المصالح، فإن علم منه ذلك لم يؤخذ بحديثه ولو أسنده، ولا يجوز ترك آية أو خبر صحيح لقول صاحب أو إمام، ومن يفعل ذلك فقد ضلّ ضلالاً مبيناً وخرج عن دين الله. وإذا ورد الخبر عن قوم مستورين لم يتكلم فيهم بجرح ولا تعديل وجب الأخذ بروايتهم، فإن جرح واحد منهم بجرحة تؤثر في صدقهِ ترك حديثه، وإن كانت الجرحة لا تتعلق بنقله وجب الأخذ به إلاَّ شارب الخمر إذا حدّث في حال سكره، فإن علم أنه حدّث في حال صحوه وهو ممّن هذه صفته أخذ بقوله والإسلام العدالة والجرحة طارئة، وإذا ثبتت على حد ما قلناه ترك الأخذ بحديث صاحب تلك الجرحة، ولا فرق بين الأخذ بخبر الواحد الصحيح وبين المتواتر إلا إن تعارضا كما قلناه، وما أوجب الله علينا الأخذ بقول أحد غير رسول الله # مع كوننا مأمورين بتعظيمهم ومحبتهم. وأما النسخ فلا أقول به على حد ما يقولون به، فإنه عندنا انتهاء مدة الحكم في علم الله، فإذا انتهى فجائز أن يأتي حكم آخر من قرآن أو سنّة، فإن سمّي مثل هذا نسخاً قلنا به، وإذا كان الأمر على هذا فيجوز نسخ القرآن بالقرآن وبالسنّة فإن السنّة مبينة لأنه عليه السلام مأمور بأنه يبين للناس ما نزل إليهم وأن يحكم بما أراه الله لا بما أرته نفسه فإنه لا يتبع إلاَّ ما ٢٤٧ في المعاملات/ الباب الثامن والثمانون في معرفة أسرار أصول أحكام الشرع يوحى إليه سواء كان ذلك قرآناً أو غير قرآن، ويجوز نسخ السنّة بالقرآن والسنّة، وإذا ورد نص من آية أو خبر لا يجوز الوقوف عن الأخذ بذلك القرآن أو الخبر حتى يرى هل له معارض أم لا؟ بل يعمل بما وصل إليه، فإن عثر بعد ذلك على خبر أو آية ناسخ أو مخصص أو معمّم للمتقدم كان بحكم ما وصل إليه بشروطه وهو أن يبحث عن التاريخ، فإن الخاص قد يتقدم على العام كما يتقدم العام على الخاص والأصل أن الحكم للمتأخر. وإذا وردت الآية أو الخبر بلفظ ما من اللسان فالأصل أن يؤخذ بما هو عليه في لغة العرب، فإن أطلقه الشارع على غير المفهوم من اللسان كاسم الصلاة واسم الوضوء واسم الحج واسم الزكاة صار الأصل ما فسره به الشارع وقرّره، فإذا ورد بعد ذلك خبر بذلك اللفظ حمل على ما فسره به الشارع ولم يحمل على ما هو عليه في اللسان حتى يرد من الرسول في ذلك اللفظ أنه به ما هو عليه في اللسان فيعدل عند ذلك إليه في ذلك الخبر على التعيين، وأوامر الشرع كلها محمولة على الوجوب ونواهيه محمولة على الحظر ما لم يقترن بالأمر قرينة حال تخرجه عن الوجوب إلى الندب أو الإباحة، وكذلك النهي إن اقترنت به قرينة تخرجه من الحظر إلى الكراهة، فإن تعرّى الأمر عن قرينة الندب أو الإباحة تعين الوجوب، وكذلك النهي، وقد يرد الأمر الإلهي أو النبوّيّ على النهي برفع التحجير خاصة لا لوجوب فعل المأمور به، والإجماع إجماع الصحابة بعد رسول الله وٍَّ لا غير، وما عدا عصرهم فليس بإجماع يحكم به، وصورة الإجماع أن يعلم أنّ المسألة قد بلغت لكل واحد من الصحابة فقال فيها بذلك الحكم الذي قال به الآخر إلى أن لم يبق منهم أحد إلاَّ وقد وصل إليه ذلك الأمر وقال فيه بذلك الحكم، فإن نقل عن واحد خلاف في ذلك فليس بإجماع أو نقل عنه سكوت فليس بإجماع، وإن وقع خلاف في شيء وجب ردّ الحكم فيه إلى الكتاب والخبر النبويّ فإنه ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩]. ولا يجوز أن يدان الله بالرأي وهو القول بغير حجة ولا برهان لا من كتاب ولا من سنّة ولا من إجماع، وإن كنا لا نقول بالقياس فلا نخطىء مثبته إذا كانت العلة الجامعة معقولة جلية يغلب على الظنّ أنها مقصودة للشارع، وإنما امتنعنا نحن من الأخذ بالقياس لأنه زيادة في الحكم، وفهمنا من الشارع أنه يريد التخفيف عن هذه الأمّة وكان يقول: ((اتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكُمْ))، وكان يكره المسائل خوفاً أن ينزل عليهم في ذلك حكم فلا يقومون به كقيام رمضان والحج في كل سنة وغير ذلك، فلما رأيناه على ذلك منعنا القياس في الدين، فإن النبيّ وَّ ما أمر به ولا أمر به الحق تعالى فتعين علينا تركه فإنه تما يكرهه وَل﴾، وحكم الأصل أن لا تكليف، وأنّ الله خلق لنا ما في الأرض جميعاً، فمن ادعى التحجير علينا فعليه بالدليل من كتاب أو سنّة أو إجماع، وأما القياس فلا أقول به ولا أقلد فيه جملة واحدة. وأما أفعال النبيّ بَّ فليست على الوجوب، فإنّ في ذلكِ غاية الجرجِ إلاَّ فعل بين به أمراً تعبدنا به فذلك الفعل واجب مثل قوله: ((صَلُّوا كَمَا رَأَنْتُمُونِي أُصَلِّي وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) وأفعال الحج، ولولا نطقه في ذلك في بعض الأفعال لم يكن يلزمنا ذلك الفعل، ٢٤٨ في المعاملات/ الباب الثامن والثمانون في معرفة أسرار أصول أحكام الشرع فإنه بشر يتحرّك كما يتحرّك البشر، ويرضى كما يرضى البشر، ويغضب كما يغضب البشر، فلا يلزمنا اتباعه في أفعاله إلاَّ إن أمر بذلك، وتعين عليه أن لا يفعل فعلاً سرّاً بحيث لا يراه أحد كما تعين عليه فيما أمر بتبليغه أن لا يتكلم به وحده بحيث لا يسمعه أحد حتى ينقله إلى من لم يسمعه. وأما شرع من قبلنا فما يلزمنا إتباعه إلاَّ ما قرّر شرعنا منه مع كون ذلك شرعاً حقاً لمن خوطب به لا نقول فيه بالباطل، بل نؤمن بالله ورسوله وما أنزل إليه وما أنزل من قبله من كتاب وشرع منزل. والتقليد في دين الله لا يجوز عندنا لا تقليد حيّ ولا ميت، ويتعين على السائل إذا سأل العالم أن يقول له: أريد حكم الله أو حكم رسوله في هذه المسألة، فإن قال له المسؤول: هذا حكم الله في المسألة أو حكم رسوله تعين عليه الأخذ بها فإن المسؤول هنا ناقل حكم الله وحكم رسوله الذي أمرنا بالأخذ به فإن قال: هذا رأيي أو هذا حكم رأيته أو ما عندي في هذه المسألة حكم منطوق به ولكن القياس يعطي أن يكون الحكم فيه مثل الحكم في المسألة الفلانية المنطوق بحكمها لم يجز للسائل أن يأخذ بقوله ويبحث عن أهل الذكر فيسألهم على صفة ما قلنا، ويتعين على كل مسلم أن لا يسأل إلاَّ أهل الذكر وهم أهل القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّْنَا الذِّكْرَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩] وأهل الحديث، فإن علم السائل أن هذا المسؤول صاحب رأي وقياس فيتركه ويسأل صاحب الحديث فإن كان المسؤول صاحب رأي وقياس وحديث فيسأله فإذا أفتاه تعين عليه أن يقول له هذا الحكم رأي أو قياس أو عن حديث، فإن قال: عن رأي أو قياس تركه، وإن قال: عن خبر أخذ به، ولا حكم للخطأ والنسيان إلاّ حيث جاء في قرآن أو سنّة أن يكون لهما حكم فيعمل به مثل صلاة الناسي وقتل الخطأ، وكل مسكوت عنه فلا حكم فيه إلاَّ الإباحة الأصلية، وخطاب الشرع متوجّه على الأسماء والأحوال لا على الأعيان، فلا يكون حكم الفرض إلاَّ على من حاله قبول الفرض من أمر ونهي في عمل أو ترك، فكل من عجز عن شيء من ذلك ممّا كلفه الله به بل ما هو مخاطب به إن الله ما كلف نفساً إلاَّ وسعها وإلاَّ ما آتاها ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [سورة الطلاق: الآية ٧] وكل عمل مقيد بوقت موسعاً كان أو مضيقاً فلا يجوز عمله إلاّ في وقته لا قبله ولا بعده فإنّ ذلك حدّ الله المشروع فيه فلا يتعدّى، وحكم الاجتهاد في الأصول والفروع واحد، والحق في الفروع حيث قرّره الشرع وقد قرّر حكم المجتهدين ولا يقرّر إلاَّ ما هو حق فكله حق. وأما نسبة الخطأ إلى المجتهد الذي له أجر واحد فهو كونه لم يعثر على حكم الله أو حكم رسوله في تلك المسألة وقد تعبده الله بما انتهى إليه اجتهاد، فلو لم يكن حقاً عند الله بالنظر إليه لما تعبده به فإن الله لا يقرّ الباطل، فإذا وصل إليه بعد ذلك حكم الله تعالى أو رسوله في تلك المسألة بما يخالف دليله وعلم أن ذلك الحكم متأخر عن حكم دليله وجب عليه الرجوع عن ذلك الحكم الأول ولا يحل له البقاء عليه، ولهذا كان من علم مالك بن أنس ودينه وورعه أنه إذا سئل عن مسألة في دين الله يقول نزلت فإن قيل له نعم أفتى وإن قيل لم تنزل لم يفت، وسببه ما ذكرنا لأن المصيب للحكم المعين في تلك المسألة واحد لا بعينه ٢٤٩ في المعاملات / الباب الثامن والثمانون في معرفة أسرار أصول أحكام الشرع والمخطىء واحد لا بعينه، ولهذا قالت العلماء: كل مجتهد مصيب، فإما مصيب للحكم الإلهيّ فيها على التعيين، أو مصيب للحكم المقرّر الذي أثبته الله له إذا لم يعثر على ذلك الحكم المعين وأخطأه، وهذا القدر كاف في أصول أحكام الشرع في هذا الكتاب لأنه لا يحتمل الاستقصاء . وأمّا أسرار أصول أحكام الشرع المتفق عليها والمختلف فيها فإن سرّ الكتاب هو ما يكون من الله للعبد بترك الوسائط كما قال: ﴿كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٢٢] فهم كتاب الله، وهو قول الشارع: ((دَعْ مَا يُرِيبكَ إِلَى مَا لاَ يُرِيبكَ)) وقوله: ((اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ المُفْتُونَ)) والكتابة ضم المعاني الإلهية بما يليق بجلاله من نسبة أسماء الله الحسنى إلى المعاني التي لنا من التخلق بتلك الأسماء أي بمعانيها، أو تكون أخلاقاً لنا لا تخلقاً، وهي نسبتها إلينا على ما يليق بنا فهو الرؤوف الرحيم، وقد قال في رسول الله وَله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٨] وهذا مدح، وسمّى نفسه بالعزيز الكريم، وقد قال في بعض عباده ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [سورة الدخان: الآية ٤٩] وهو ذم وكلها أسماء الله وأسماء الخلق ومدلولاتها معقولة المعنى بآثارها فيمن تسمّى بها، وإن كانت نسبها مختلفة فنسبتها إلى الله لا تشبه نسبتها إلى العبد فإنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وإن كان آثار الكريم أن يعطي وقد وجد العطاء من الله ومن العبد على جهة الإنعام، فإن انضمّ المعنى إلى المعنى من وجه فقد افترقا من وجه لأنّ الموصوف المسمّى لا يشبه الموصوف المسمّى الآخر، فمن الوجه الذي يقع الاشتراك وهو الأثر من ذلك الوجه يكون كتابة، لأنّ الكتابة الضم وبضم الحروف بعضها إلى بعض سميت كتابة والكتيبة ضم الخيل بفرسانها بعضها إلى بعض، فلو جاؤوا متفرقين وحداناً ما سمّوا كتيبة فهو المؤمن وقد كتب في قلب عبده الإيمان فأوجب له ذلك الكتاب حكماً سمّي به مؤمناً وليس الاسم غير المسمّى، فهو الظاهر في عين الممكن والممكن له مظهر، وكل ظاهر في مظهر فقد انضم الظاهر إلى المظهور وانضم المظهر إلى الظاهر ولذلك صحّ أن يكون مظهراً للظاهر فيه، فهذا سرّ أصل الأخذ بالكتاب دليلاً على ثبوت الحكم. وأما سرّ السنّة في إثبات الحكم فإنه لما كان الرسول عليه السلام لا ينطق عن الهوى وأنّ حكمه حكم الله وهو ناقل عن الله ومبلغ عنه بما أراه الله والله على صراط مستقيم، والسنّة الطريقة والطريق لا يراد لنفسه وإنما يراد لغايته، فالسنّة ﴿صِرَّطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضُِ أَلَاّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٣] لأنها صراطه وهو غاية صراطه، فلا بدّ للسالك عليه من الوصول إليه، فالصراط الواسطة وبوساطة استعداد المظهر بما هو عليه في نفسه حكم على الظاهر بما سمّى به فهو أعطاه ذلك الاسم وذلك الحكم صحيح ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٦١] فنحن إذا سألنا الحق في أمر يعن لنا كان أثر سؤالنا في الله الإجابة فسمّي مجيباً، فلولا سؤالنا ما ثبت هذا الحكم ولا أطلق عليه هذا الاسم، ونحن طريقة له في ذلك، قال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] فما أجابه حتى دعاه، فهذا سرّ استدلاله بالسنّة. وأما الإجماع فهو ما أجمع عليه الرب والمربوب في أنّ ٢٥٠ في المعاملات/ الباب التاسع والثمانون في معرفة النوافل على الإطلاق الله خالق والعبد مخلوق، وهكذا كل إضافة، فلا خلاف بين الله وبين عباده في مسائل الإضافة أين ما وجدت، وكذلك في المعلومات من حيث ما هي معلومات. وأما القياس عند مثبتيه فهو ظهور رب بصفة عبد، وظهور عبد بصفة رب عن أمر رب، فإن لم يكن عن أمر رب فلا يتخذ دليلاً على حكم أو عن حميد خلق كريم فإنه أيضاً يتخذ دليلاً. وأما ظهور رب بصفة مربوب فلا يشترط فيه الأمر الواجب، ولكن قد يكون عن دعاء وطلب وصفته صفة الأمر والمعنى مختلف، وإن كان هذا مسموعاً ممتثلاً والآخر كذلك ولكن بينهما فرقان، فهذا حكم سرّ القياس في الاستدلال، وهو قياس الغائب على الشاهد لحكم معقول جامع بين الشاهد والغائب، وينسب لكل واحد من المنسوبين إليه بحسب ما يليق بجلاله، وإنما قلنا بجلاله لأن الجليل من الأضداد يطلق على العظيم وعلى الحقير، وقد انتهت أسرار أصول أحكام الشرع. انتهى الجزء الرابع والتسعون. (الجزء الخامس والتسعون) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحَمَةِ الباب التاسع والثمانون في معرفة النوافل على الإطلاق [نظم: الكامل] أصلٌ يشاهَدُ في الفرائض كلِّهَا إنّ النوافلَ ما يكون لعينها فالفرضُ كالأجرام إن قابَلْتَها بالنور والنَّفْلُ المزادُ كظلُّهَا فيعود فرضاً في الحساب كمثْلِهَا يبدو بصورتها وليس فريضةٌ شرعاً وميَّز أضْلهَا من أصلها جاء الحديث به فبيَّن فَضْلَها فإذا أتيتَ بهنَّ فاعلم أنه فيكون عين قواك ربك فاغترف ذَخَر الإلهُ لكم نتيجةً فعلهَا من طَلْها حتى تفوزَ بوبْلهَا اعلم أيّدك الله بروح القدس أنّ للنوافل حكماً في الحضرة الإلهية جامعاً ينوب صاحبها فيه مناب الحق، من ذاقه عرف قدره وعجز عمّا يستحقه واهبه من الشكر عليه، ثم إنّ النوافل تتفاضل وتعلو بعلوّ فرائضها، إذ كانت النوافل كل عمل له أصل في الفرائض عن ذلك الأصل يتولد وبصورته يظهر كما ظهرنا نحن بصورة الحق فنحن له نافلة وهو أصلنا، ولهذا نقول فيه إنه واجب الوجود لنفسه ونحن واجبون به لا بأنفسنا، فبهذه الدرجة يتميز عنا ونتميز عنه، وما عدا النوافل فيسمّى عبادة مستقلة وسنناً مبتدءات نذكرها بعد هذا الباب إن شاء الله، وإذا كانت النوافل تعلو بعلوّ فرائضها التي هي أصولها فأعلى نوافل التنزيه في الخيرات الصيام لأنّ فرضه صوم رمضان ورمضان اسم الله والصوم عبادة لا مثل لها وهو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] ففضل نوافل سائر العبادات فإنه يمنع من النكاح فله أثر فيه أي في منعه، وكل ٢٥١ في المعاملات / الباب التاسع والثمانون في معرفة النوافل على الإطلاق من له قوّة المنع فإنّ الممنوع متصف بالضعف بالنسبة إلى تلك القوّة، فإن كان لهذا الممنوع من القوّة بحيث يؤثر في محل هذه العبادة حتى يزيل حكمها كان أقوى بلا شك، فنافلة النكاح أقوى لما له من التأثير في إبطال الصوم والصلاة وغيرها. والنكاح أفضل نوافل الخيرات وله أصل وهو النكاح المفروض فما زاد عليه كان نافلة، وهو على نوعين أعني وقوعه فقد يقع على نسبة المحبة مطلقة، وقد يقع على نسبة محبة التوالد والتناسل، فإذا وقع عن محبة التوالد والتناسل التحق بالحب الإلهيّ ولا عالم فأحب أن يعرف فتوجه بالإرادة لهذه المحبة على الأشياء في حال عدمها القائمة في استعداد إمكانها مقام الأصل فقال لها ﴿كُنْ﴾ فكانت ليعرف بجميع وجوه المعارف وهي المعرفة المحدثة التي لم يكن تعلق لها به، إذ لم يكن العارف بها متصفاً بالوجود وذلك محبة طلب كمال المعرفة وكمال الوجود، فما كمل الوجود ولا المعرفة إلاَّ بالعالم ولا ظهر العالم إلاَّ عن هذا التوجّه الإلهيّ على شيئية أعيان الممكنات بطريق المحبة للكمال الوجودي في الأعيان والمعارف وهي حال تشبه النكاح للتوالد، فكان النكاح المفروض أفضل الفرائض، ونافلته أفضل نوافل الخيرات، ولاشتراك غيره من العبادات في اسم النوافل نال من استعملها على اختلاف أنواعها منالها، والأصل نوافل النكاح، لأنّ العمل إذا أنتج ما لم يكن له عين قبل ذلك فذلك من حكم النكاح، وما من عمل إلاَّ وهو منتج بحسب حقيقته وطريقته، فكان النكاح أصل في الأشياء كلها فله الإحاطة والفضل والتقدّم. وقال أبو حنيفة في النكاح إنه أفضل نوافل الخيرات، ولقد قال حقاً أو صادف حقاً كان رسول الله وَ ل حبب إليه النساء وكان أكثر الأنبياء نكاحاً لما فيه من التحقق بالصورة التي خلق عليها، ولكن لا يعلم ذلك إلاَّ قليل من الناس من طريق الكشف بل من العارفين من أهل الله. وقدم علينا بإشبيلية سنة ست وثمانين وخمسمائة أبو الحجاج يوسف الغليريّ من أهل غليرة وكان من أهل الأحوال، فبينما هو قاعد معي إذ كشف له عن هذا المقام ممثلاً فذكره لي في غلبة حاله بصورة ما رآه ممّا لا يمكنني ذكره فكوشف على العالم وفي أيّ صورة هو أبوه تعريفاً من الحق فما زلت أسكنه وهو هائج حتى سكن، فوجود الحق هو الفرض في نفس الأمر، ووجود العبد نافلة عن ذلك الفرض ولذلك خرج على صورته، فنافلة النكاح قد ذكرنا ما نتج منها، ونافلة الصلاة تنتج وجود العبد في حظه من القسمة منه قوله: ((قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي)) فيعرف من نوافل هذه الصلاة حظه من القسمة لا حظ ربه كما يعرف من فرضها حق ربه وقسمه منها، ولكل حال شرب معلوم، فإنّ الذي يعطي الفرض في عامله من الحكم خلاف الذي يعطي النفل لأنه في الفرض عبد مضطرّ، وفي النفل عبد مخيّر مختار موصوف بصفة إلهية وهي المشيئة، فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل. ونافلة الصيام ما يحصل للعبد من التنزيه في نفي المماثلة من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ. شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] أي ليس مثل مثله شيء، وما مثله إلاّ من خلق على صورته، فنفى سبحانه أن يماثل هذا المثل فهو أحق أن لا يماثل، وماله من الصورة إلاَّ الاسم خاصة، ٢٥٢ في المعاملات / الباب الموفي تسعين في معرفة الفرائض والسنن فإنّ العالم كما أعطاه الله اسم الوجود الذي هو له تعالى حقيقة أعطاه العالم باستعداده وكونه مظهراً له الأسماء الحسنى ما علمنا منها وما لم نعلم، فهذا كونه على صورته. ونافلة الزكاة أعطت في الإنسان البركة وهي الزيادة التي حصلت له على ما أعطته الفريضة لا غيره. ونافلة الحج أعطت له القصد بظهور الكون في الأطوار المختلفة مع أحدية التوجه. ونافلة العمرة أعطته الدخول عليه تعالى في كل عبادة بين طرفي تحليل وتحريم وفيها ذوق وشرب، وهما تجليان معروفان عند أهل الله. ونافلة الذكر الذي فرضه لا إله إلاَّ الله، وتكبيرة الإحرام والسلام من الصلاة وشهادة التعيين وكل فرض يتعلق بالقول فإنه يعطيك نافلته، والمواظبة عليه أن تقول لما تريده في الكون ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] كما يعطيك الفرض أن تقول للحق تعالى افعل فيفعل، والباب الجامع لما يعطي جميع النوافل أن يكون الحق يحبه، فأنتجت النوافل محبة الله لعبده ولكن ما كل محبة، بل المحبة التي بها يكون الحق سمعك الذي تسمع به، وبصرك الذي تبصر به، ويديك التي تبطش بها، ورجلك الذي تسعى به، وهذا منعنا أن نقول في المفاضلة في الأشياء لأن العرف يعطي أن البصر أفضل من الرجل عند الجماعة، وهنا قد أنزل الحق نفسه أنه بصرك الذي تبصر به ورجلك التي تسعى بها، وأعطى لكل حق حقيقة منه، وهو لا يفضل نفسه فإنه هو الظاهر في كل ما ذكر أنه هو كما يليق بجلاله، فليس البصر بأعلى ولا أفضل من الرجل ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٧] فهذا قد ذكرنا ما تعطيه نوافل الخيرات على الإطلاق وعلى التقييد نافلة نافلة . الباب الموفي تسعين في معرفة الفرائض والسنن [نظم: الكامل] مثلُ الطريق لها إلى غاياتهَا إن الفرائضَ كالركائب والسُّنَنْ فتكون سَمْعَ الحقُّ في آياتها فإذا قطعتَ الضربَ كنتَ فريضةً طرقَ الفضائل واسْعَ في إثباتها عكس النوافل فاعتبرها والتزم الفرائض هي الأعمال أو التروك التي أوجبها الله تعالى على عباده وقطعها عليهم وأثم من لم يقم بها وهي على قسمين: فرض عين وهو الذي لا يسقط عنه إذا عمله غيره، وفرض كفاية وهو الذي يسقط عنه إذا قام به غيره، وقد كان قبل قيام الغير به متعيناً عليه وعلى ذلك الغير كالصلاة على الجنازة وغسل الميت والجهاد، وثم فرض آخر يلوح بينهما له طرف إلى كل واحد منهما يخالف حكم الآخر مثل الحج المفروض إذا لم يستطع، وهو إن كان غير مخاطب به إلاَّ مع الاستطاعة فهو فرض متوقف على شرطه، فإذا حج عنه وليّه سقط عنه وكان له الأجر أجر الأداء، وليس هذا في فرض الكفاية لوجود الأجر، ولا في فرض الصلاة لعدم سقوطها عمن صليت عنه، فلا يشبه فرض الصلاة ولا يشبه فرض الكفاية . وأما السنن فكل ما عدا ما تعين عمله وهو على قسمين: سنة أمر بها وحرض عليها أو ٢٥٣ في المعاملات / الباب الموفي تسعين في معرفة الفرائض والسنن فعلها بنفسه وخيّر أمّته في فعلها، وسنّة ابتدعها واحد من الأمّة فاتبع فيها فله أجرها وأجر من عمل بها، فالفرض إذا جاء به العبد موفى فقد وفى ما تستحقه الربوبية عليه من العبودة فينتج له عمل الفريضة أمراً هو أعلى من أن يكون الحق سمعه، فإنّ كون الحق سمع العبد حال للعبد، وحكم الفرض يحول بينه وبين هذه الحال وهو أن يكون سمعاً للحق فيسمع الحق بالعبد وهو قوله: ((جِعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي)»، وأما هذه الحيلولة التي أعطاها الفرض من أن يكون الحق سمعه هي مقام محقق ثابت كما هو في نفس الأمر، فيعرف عند ذلك العبد أنّ الحق هو لا هو، وصاحب الحال يقول أنا والسنن طرق الاقتداء، وأعلاها الاقتداء بالحق حتى أكون في إطلاق أسمائه عليّ قريباً من التحقق بها لا من التخلق، وأدناها في حق الوليّ الاقتداء بالذين قال الله فيهم: ﴿أُوْلَتِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَنهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٠] والعلماء ورثة الأنبياء وما ورثوا إلاَّ العلم، فالسنّة النبوية عالية المقام وهي الجمعية على الدين وإقامته وأن لا يتفرق فيه فهي تعلو بمن يأتيها ويسلك فيها في الحضرات المحمدية إلى غاياتها في المعارف والأحوال والتجلي. وأما السنن التي هي الشرائع المستحسنة بعد رسول الله وَّر وهو الاستحسان عند الفقهاء الذي قال فيه الشافعي رحمه الله: من استحسن فقد شرّع، فأخذها الفقهاء منه على جهة الذم، وهو رضي الله عنه نطق بحقيقة مشروعة له لم تفهم عنه فإنه كان من الأربعة الأوتاد وكان قيامه بعلم الشرع حجبه عن أهل زمانه ومن بعده. روينا عن بعض الصالحين أنه لقي الخضر فقال له: ما تقول في الشافعيّ؟ فقال: هو من الأوتاد، فقال: فما تقول في أحمد بن حنبل؟ قال: رجل صدّيق. قال: فما تقول في بشر الحافي؟ قال: ما ترك بعده مثله. فهذه شهادة الخضر في الشافعيّ رحمه الله. ولما صحّ عند الشافعيّ أن النبيّ بَّ قال: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةٌ حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً)) الحديث فلا شك أنّ الشرع قد أباح له أن يسنّ سنّة حسنة وهي من جملة ما ورث من الأنبياء وهي حسنة أي يستحسنها الحق منه وهو سنّها، فمن استحسن أي من سنّ سنّة حسنة فقد شرع، ويا عجباً من عدم فهم الناس كلام الشافعيّ في هذا وهم يثبتون حكم المجتهد وإن أخطأ في نفس الأمر وقد أقرّه الشارع وهو حكم شرعيّ مقبول لا يحلّ لأحد من الحكام ردّه، وقواعد الشرع وأصوله تحفظه. وكالمصالح المرسلة في مذهب مالك ولما قرّر الشارع حكمها مجملاً وأبان أن واضعها ومتبعيه فيها مأجورون ونهاية التابعين فيها إلى واضعها على قدره وقدر ما سنّ نبهتك بهذا أن تكون أوقاتك معمورة بالشرائع النبوية والسنن الأصلية، فإنّ الكيس ينبغي أن لا يكون غاية عمله إلاّ نبوّة أصلية لا فرعية، إذ كان له الاختيار في الاختيار لما كانت الأمور فى أنفسها تقبل الاختيار كما فعل سبحانه في جميع الموجودات، فاختار من كل أمر في كل جنس أمراً ما، كما اختار من الأسماء الحسنى كلمة الله، واختار من الناس الرسل، واختار من العباد الملائكة، واختار من الأفلاك العرش، واختار من الأركان الماء، واختار من الشهور رمضان، واختار من العبادات الصوم، واختار من القرون قرن النبيّ وَلّ، واختار من أيام الأسبوع يوم الجمعة، واختار من الليالي ليلة القدر، واختار من الأعمال الفرائض، واختار من ٢٥٤ في المعاملات / الباب الموفي تسعين في معرفة الفرائض والسنن الأعداد التسعة والتسعين، واختار من الديار الجنة، واختار من أحوال السعادة في الجنة الرؤية، واختار من الأحوال الرضى، واختار من الأذكار لا إله إلاَّ الله، واختار من الكلام القرآن، واختار من سور القرآن سورة يس، واختار من آي القرآن آية الكرسي، واختار من قصار المفصل ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ١] واختار من أدعية الأزمنة دعاء يوم عرفة، واختار من المراكب البراق، واختار من الملائكة الروح، واختار من الألوان البياض، واختار من الأكوان الاجتماع، واختار من الإنسان القلب، واختار من الأحجار الحجر الأسود، واختار من البيوت البيت المعمور، واختار من الأشجار السدرة، واختار من النساء مريم وآسية، واختار من الرجال محمداً وَّر، واختار من الكواكب الشمس، واختار من الحركات الحركة المستقيمة، واختار من النواميس الشريعة المنزلة، واختار من البراهين البراهين الوجودية، واختار من الصور الصور الآدمية لذلك أبرزها على الصورة الإلهية، واختار من الأنوار ما يكون معه النظر، واختار من النقيضين الإثبات، ومن الضدّين الوجود، واختار الرحمة على الغضب، واختار من أحوال أفعال الصلاة السجود، ومن أقوالها ذكر الله، ومن أصناف الإرادات النية فلها الحكم في قبول العمل وردّه، فإنه لكل امرىء ما نوى، ويلحق غير العامل بالعامل في الأجر وزيادة. وأما ذكر الله من أقوال الصلاة فإنّ ذكر الله منها أكبر ما فيها هكذا قال عزّ وجلّ : ﴿إِنَ الضَلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٥] فإنّ الصلاة مناجاة والذاكر جليسه الحق، فإن ذكره به فهو تعالى لسانه. وأما اختياره السجود في أفعال الصلاة فلما فيه من العصمة من الشيطان، فإنه لا يفارقه في شيء من أفعال الصلاة إلاّ في السجود خاصة لأنه خطيئته، وعند السجود يبكي ويتأسف ويندم والندم توبة، ولا بدّ من قبول ذلك القدر فهو يتوب عند كل سجدة، وأن الله يحب كل مفتن تواب، ثم يعود إلى الإغواء عند الرفع من السجود هكذا. وأما اختياره الرحمة على الغضب فلأنها تفعل بالمنة وتفعل بالوجوب و ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة غافر: الآية ٧] والغضب من الأشياء التي وسعته الرحمة، فما ثم غضب خالص غير مشوب برحمة والرحمة لا يشوبها غضب ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى﴾ [سورة ◌ُه: الآية ٨١] فالغضب جعله يهوي، فإذا هوى وهو السقوط وهو حكم الغضب لا غير فيسقط في الرحمة فتسعه وتتلقاه فلا يسقط إلاَّ إليها، وبالرحمة التي في الغضب سقط، فهي التي جعلت الغضب يهوي به لتستلمه الرحمة الخالصة، كالرحمة التي في الدواء الكريه فيشربه العليل على كراهة فيه رحمة خفية، من أجلها استعمل الدواء الكريه في الوقت لتسلمه إلى العافية وهي الرحمة الخالصة، ولهذا كان المآل إلى الرحمة وحكمها، وإن لم يخرجوا من النار فلهم فيها نعيم ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٤] ألا ترى إلى ما جعل الله في النار في الدنيا من المنافع والراحات ولو لم يكن إلاَّ الكي بها لبعض العلل فإنه أقطع الأدوية ولقوته في أثره قدح في التوكل لأنه يقوم في الفعل مقام الشافي والمعافي، فحكمت الغيرة على المكتوي بأنه غير متوكل . ٢٥٥ في المعاملات/ الباب الموفي تسعين في معرفة الفرائض والسنن وأما اختيار الوجود من الضدين فلأنه صفته فاختار للمكنات صفته ولا يصحّ إلاَّ هذا، فإن له الاقتدار، والاقتدار لا يكون عنه إلاَّ الوجود، ألا تراه لما قال: ﴿إِن يَشَأْ يُذْمِنْكُمْ﴾ قال: ﴿وَيَأْتِ بِشَاخَرِينَ﴾ [سورة النساء: الآية ١٣٣] فأبى الاقتدار إلاَّ الوجود، وعلق الإرادة بالإعدام، وله الاسم المانع والمنع عدم. وأما اختياره الإثبات فهو عين الشيء الذي يقول له ﴿كُنْ﴾ لأنه في حال عدمه رجح له الإثبات على النفي حتى لا يزال ممكناً في حال عدمه وهي مسألة دقيقة في الترجيح في حال العدم، وبذلك الافتقار الذاتيّ الذي في الممكن قبل الوجود إذا أراده الحق منه وأسرع إليه بحكم الإثبات الذي هو عليه. وأما النور المختار من الأنوار فإنّ الأنوار حجب ولذلك قال في الأنوار الحجابية: نور أنّى أراه، ثم وعد بالرؤية وهو نور، فلا بدّ أن يكون النور الذي يظهر فيه لعباده مختاراً من تلك الأنوار الحجابية كنور الأحدية والعزّة والكبرياء والعظمة، فهذه كلها ترفع عن البصر ويبقى حكمها في القلب، فبرفعها تقع الرؤية للحق تعالى ويبقى حكمها في القلب ويفنى العبيد عن الرؤية، ولولا ذلك لشهدوا نفوسهم عند شهوده. وأما اختياره الصورة الآدمية فلأنه خلق آدم على صورته فأطلق عليه جميع أسمائه الحسنى، وبقوتها حمل الأمانة المعروضة وما أعطته هذه الحقيقة أن يردها كما أبت السموات والأرض والجبال حملها ﴿ وَحَلَهَا الْإِنَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ لو لم يحملها ﴿جَهُولًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٧٢] لأنّ العلم بالله عين الجهل به العجز عن درك الإدراك إدراك، فإنه إذا علم أن ثم ما لم يعلم فما علم وهو العلم بأن ثم ما لا يعلم وليس لعلمه متعلق إلاَّ الجهل به. وأما اختياره البراهين الوجودية من البراهين الجدلية وغيرها فلما تعطيه من تمام العلم بثبوت الحق وإبطال حجة الخصم، والبراهين الجدلية ليست لها هذه القوّة فإنها تبطل حجة الخصم وقد لا تثبت حقاً، والبراهين السوفسطائية تنتج حيرة وهي أقرب إلى البراهين الوجودية في العلم الإلهيّ من وجه من البراهين الجدلية. وأما اختياره الشريعة المنزّلة فلما لها من عموم التعلّق بالدار الآخرة ومصالح الدنيا، وليست النواميس الحكمية الموضوعة لمصالح الدنيا وبقاء الخير في عالم الدنيا لها حكم لتحكم على الله بالقرب الإلهيّ وقبول الأعمال ورفع الدرجات وإثبات الجنات ودار الشقاء لا يستقل بذلك كله إلاَّ الشرع المنزل من عند الله. وأما الذين ابتدعوا عبادات ورعوها حق رعايتها ابتغاء رضوان الله ممّا لم يكتبها الله عليهم فهم أصحاب شرع منزل من عند الله فسنوا فيه سنناً حسنة مناسبة لما سنّها الشرع بالشرع المنزّل فيهم وأباح لهم أن يسنّوا. وأما النواميس الحكمية فما هي التي سنّها هؤلاء ولهذا جعل لهم الأجر. وأما اختياره الحركة المستقيمة فإنه على صراط مستقيم كما قال عن نفسه، واختصّ بها الإنسان الذي خلقه الله على صورة الحق وفيها يحشر السعيد يوم القيامة فهي له دنيا وآخرة فإن المجرمين يحشرون منكوسين وهي الحركة المنكوسة كما قال تعالى في حق المجرمين : ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [سورة السجدة: الآية ١٢] والحركة المعوجة الأفقية في البهائم فلم تصحّ الحركة المستقيمة إلاَّ لمن خلقه الله على الصورة، وذلك الإنسان ٢٥٦ في المعاملات/ الباب الموفي تسعين في معرفة الفرائض والسنن الكامل الذي له هذه الصفة في الدنيا والآخرة، ولهذا خصّ بها ذكر آدم لأنه من أهل السعادة التي تبقى عليه هذه الحركة المستقيمة ولهذا نعت بالخلافة . وأما اختياره الشمس فلما لها من الإمداد في جميع الكواكب المستنيرة علوّاً وسفلاً ولهذا قال إبراهيم عليه السلام: ﴿هَذَّآ أَكْبَرٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٧٨] واختصت على المذهبين بالقلب من الكرة وهي السماء الرابعة وفيها إدريس عليه السلام والله قد ذكر أنه رفعه ﴿مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٥٧] فعلوّ هذا المكان من كونه قلب الأفلاك فهو مكان عال بالمكانة وما فوقه وإن كان دونه فهو أعلى بالمسافة بنسبته إلى رؤوسنا وهو الذي أحدث الليل والنهار بطلوعه وغروبه الذي جعل الله لهما الغشيان وهو النكاح والإيلاج لظهور أعيان المولدات وما يحدث الله في الليل والنهار من المخلوقات عن هذا الإيلاج والغشيان وجعل لكل واحد من هذين الموجودين عن الحركة الشمسية الطلب الحثيث لإبراز أعيان الحوادث عن هذا الطلب. وأما اختياره محمداً وس لو فلما اقتضاه مزاجه دون الأمزجة الإنسانية من الكمال والاعتدال إذ به شاهد نبوّته وآدم بين الماء والطين وهو متفرّق الأجزاء في المولدات العنصرية وهي مسألة دقيقة لا يعرفها إلاَّ من عرف أخذ الذرية من ظهر آدم حين أشهدهم على أنفسهم ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٢] وهي الفطرة التي ولد الناس عليها وإليها ينتهون، وفي هذا الجمع قال: الأرواح أجناد مجندة ولما جمعهم جمعهم في حضرة التمثيل فما كان وجهاً لوجه هناك تعارفوا هنا وما وقع ظهر الظهر هناك تناكر هنا وما بينهما من وجه إلى ظهر وجانب وغير ذلك، وفي هذا أقول: [البسيط] في حضرة الجمع تبدو ثم تنْصَرفُ إن القلوبَ لأجْنَادٌ مجندة وما تناكر منها فهو مختلفُ فما تعارفَ منها فهو مؤتلفٌ وأن كل أحد يقرّب بهذه الشهادة في الآخرة ولا ينكر ولا يدعي لنفسه ربوبية يقول تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٦] فكان وَّر أعظم مجلى إلهي علم به علم الأوّلين والآخرين، ومن الأوّلين علم آدم بالأسماء وأوتي محمد ◌َّ جوامع الكلم وكلمات الله لا تنفد، وله السيادة التي لا تبعد على الناس يوم القيامة فيشفع في الشافعين أن يشفعوا من ملك ورسول ونبيّ ووليّ ومؤمن، وله المقام المحمود في اليوم المشهود . وأما اختياره مريم وآسية فهو إلحاقهما بالكمال الذي للرجال مع وجود الدرجة التي للرجال عليهنّ فإنّ تلك الدرجة وجودية فلا تزول. وأما اختياره السدرة فلأنها موضع انتهاء أعمال العباد وموضع الفضل وبظلّها تستظل صور الأعمال وغشاها الله من الأنوار ما غشى، إلا إنّ تلك الأنوار أنوار الأعمال فلا يستطيع أحد أن ينعتها، وتلك الأنوار كما قلنا أنوار الأعمال تنبعث من صورها فتغشاها فلا يستطيع أحد أن ينعتها فإنّ النعت للأشياء تقييد وتمييز والأعمال تختلف ولها مراتب، وأنوارها على قدر مراتبها فعال وأعلى ومضيء وأضوأ، ونعت العالي يناقض الأعلى، ونعت المضيء يقابل الأضوأ من حيث ما هو أضوأ فلا يتقيد بنعت ٢٥٧ في المعاملات / الباب الموفي تسعين في معرفة الفرائض والسنن لأنك إن قيدتها بنعت أبطله لك نقيضه فما وفيتها حقّها في النعتية، إذ لم تكن أنوار الأعمال على درجة واحدة، وقد غشيتها هذه الأنوار وغطتها فلا يقدر أحد يصل إلى نعتها فهم وإن استظلّوا بها فقد كسوها من ملابس الأنوار ما فضلت به جميع الأشجار وهي طعام وغاسول ونبقها كالقلال منه ترزق أرواح الشهداء . وأما اختياره البيت المعمور فلأنه مخصوص بعمارة ملائكة يخلقون كل يوم من قطرات ماء نهر الحياة الواقعة من انتفاض الروح الأمين فإنه ينغمس في نهر الحياة كل يوم غمسة لأجل خلق هؤلاء الملائكة عمرة البيت المعمور وهم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لا يعودون إليه أبداً، وبقي السرّ في المكان الذي يعمرونه هؤلاء الملائكة وما ثم خلاء والعالم كله قد ملأ الخلا فابحث عليه فإنه علم جليل، يوقفك على علم استحالات الأعيان في الأعيان وتقلب الخلق في الأطوار فتعلم أنّ الله على كل شيء قدير لا على ما ليس بشيء، فإن لا شيء لا يقبل الشيئية، إذ لو قبلها ما كانت حقيقته لا شيء ولا يخرج معلوم عن حقيقته فلا شيء محكوم عليه بأنه لا شيء أبداً وما هو شيء فمحكوم عليه بأنه شيء أبداً. وأما اختياره الحجر الأسود فلأنه أنزله ليقيمه مقام يمينه في البيعة الإلهية إذ لم يكن في المعارف والعبادات أعظم ملازمة لما عرف ولما تعبد به من العبادات فإنها فطرت على المعرفة والعبادة المحضة التي عجزت عنها حقيقة النبات والحيوان ولهذا ليس شيء منه في الإنسان جملة واحدة، فإن جميع ما في الإنسان يقبل النموّ وهو للنبات، كما أنّ الحيوان له التصرّف في الجهات، فكلما فارق موجود المعدن التبس بصورة الدعوى بحقيقته فهي منازعة خفية لا يشعر بها كل عالم، وقد نبّه على بعض ذلك سهل وما وفى الأمر فيها ما هو عليه، فلا أدري هل علم واكتفى بما ذكر أو ما أطلعه الله في ذلك الوقت على أكثر ممّا ذكر؟ والله أعلم فاختاره الله يميناً . وأما اختياره من الإنسان القلب وهو الذي وسعه لأنه کل یوم في شأن، واليوم قدر نفس المتنفس في الزمان الفرد، وبه سمّي قلباً لتقلبه، ألا تراه بين أصبعي الرحمن فما يقلبه إلاّ الرحمن ليس لغيره من الأسماء معه فيه دخول ولا يعطي الاسم الرحمن إلاَّ ما في حقيقته، فرحمته وسعت كل شيء، فما من أمر تراه في تقلبه ممّا يؤدّي إلى عناء وعذاب وشقاء إلاَّ وفيه رحمة خفية لأنه بأصابع الرحمن يقلب، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه عن تلك الإقامة فهو ميل إضافي، فمآل القلب إلى الرحمة بحكم سلطان هذا الاسم الذي قلبه في الزيغ كما قلبه في الإقامة فهي بشرى من الله إلى عباده: ﴿يَعِبَادِىّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ وما ذكر سرفاً من سرف فعمّ جميع حالات المسرفين في السرف ﴿لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ فإنّ الذي أزاغكم أصبع الرحمن ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٣] وهو حبر لا يدخله النسخ فيجمع بين قوله هذا وبين قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٨] فيؤاخذ على الشرك ما شاء الله ثم يحكم عليه أصبع الرحمن فيؤول إلى الرحمن وأمور أخر من الزيغ ممّا دون الشرك يغفر منها ما يغفر بعد العقوبة وهم أهل الكبائر الذين يخرجون من الفتوحات المكية ج٣ - م١٧ ٢٥٨ في المعاملات / الباب الموفي تسعين في معرفة الفرائض والسنن النار بالشفاعة بعدما رجعوا جمعاً مع كونهم ليسوا بمشركين، والإيمان بذلك واجب، ومنها ما يغفر ابتداء من غير عقوبة فلا بدّ من المآل إلى الرحمة . وأما اختياره من الأكوان الاجتماع فإنه يعطي الافتراق بالتمييز في عين الجمع، فلا بد من رب ومربوب ومن قادر ومقدور، فالجمع مختار لا بدّ منه لما تعطيه حقائق الأسماء الإلهية من التعلّق. وأما اختياره من الألوان البياض فلأن الملونات كلها تستحيل إليه ولا يستحيل إليها بل بياضيته كامنة فيه مستورة لحجاب اللون الذي يظهر في العين من سواد وحمرة وصفرة وغير ذلك، فمنه ما يكون لوناً قائماً بالمحل، ومنه ما يكون لوناً في ناظر العين وليس كذلك في نفس المتلون كسواد الجبال البيض على البعد فإذا جئتها رأيتها بيضاً وقد كنت تحكم عليها بالسواد وأنت غالط في ذلك الحكم، وصحيح في ظهور السواد به مصيب والكيفية في ذلك مجهولة، وبهذه المثابة زرقة السماء إنما هي لنظر العين وإن كانت في نفسها على لون يخالف الزرقة . وأمّا اختياره من الملائكة الروح لأنه المنفوخ فيه في كل صورة ملكية وفلكية وعنصرية ومادية وطبيعية وبها حياة الأشياء وهو الروح المضاف إليه وهو نفس الرحمن الذي يكون عنه الحياة والحياة نعيم والنعيم ملتذ به والالتذاذ بحسب المزاج كما قلنا في مزاج المقرور يتنعم بما به يتعذب المحرور فافهم، ويكفيك تنبيه الشارع لو كنت تفهم بأن للنار أهلاً هم أهلها، وللجنة أهلاً هم أهلها، وذكر في أهل النار أنهم لا يموتون فيها ولا يحيون فهم يطلبون النعيم بالنار لوجود البرد وهذا من حكم المزاج . وأمّا اختياره البراق من المراكب لكونه مركب المعارج فجمع بين ذوات الأربع وذوات الجناح فهو علوي سفلي كبعض الحيوانات بري بحري. وأما اختياره دعاء يوم عرفة فإنه دعاء في حال تجريد وذلّة وخضوع في موطن معرفة ليوم زماني لما فيه من الجمع بين الليل والنهار. وأما اختياره ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ فلأنها مخصوصة به ليس فيها ذكر كون من الأكوان إلاَّ أحدية كل أحد أنها لا تشبه أحديته تعالى خاصة، وفي إتيانها في هذه السورة علم غريب لمن فتح الله به عليه، فإنه افتتح السورة بأحديته وختمها بأحدية المخلوقين، فاعلم أن الكائنات مرتبطة به ارتباط الآخر بالأوّل لا ارتباط الأوّل بالآخر، فإن الآخر يطلب الأوّل والأول لا يطلب الآخر، فهو الغني عن العالمين من ذاته، ويطلب الآخر من مسمّى الله المنعوت بالأحدية فهذا قد نبهتك على مآخذ هذا العلم الذي تحويه هذه السورة بالأحدية المتأخرة التي هي مع ارتباطها بالأول لا تماثلها لكونها تطلبه ولا يطلبها ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥]. وأما اختياره من الآي آية الكرسي الآيات العلامات ولا شيء أدل على الشيء من نفسه، وهذه آية الكرسي كلها أسماؤه أو صفته لا يوجد ذلك في غيرها من الآيات، فدل على نفسه بنفسه ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ فنفى وأثبت بضمير غائبٍ على اسم حاضر له مسمّى غيب ﴿اَلْحَىُّ﴾ صفة شرطية في وجود ماله من الأسماء ﴿اَلْقَيُّوُمُ﴾ على كل ما سواه بما كسب فإنه ٢٥٩ في المعاملات / الباب الموفي تسعين في معرفة الفرائض والسنن أعطى كل شيء خلقه ﴿لَا تَأْخُذُمُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ صفة تنزيه عمّا يناقض حفظ العالم الذي لولا قيوميته ما بقي لحظة واحدة ﴿لَّهُ﴾ الضمير يعود عليه وهو ضمير غيب ﴿ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِي اُلْأَرْضِ﴾ ملكاً له وعبداً معين الحفظ لبقاء الحكم بالألوهة ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ﴾ شفعية الوتر بالحكم ﴿عِنْدَهُ﴾ ضمير غيب ﴿إِلَّا بِإِذْنِ،﴾ عدم الاستقلال بالحكم دونه فلا بدّ من إذنه إذ كان ثم شفيع أو شفعاء ﴿يعلم مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ﴾ من الشفعاء والمشفوع فيهم ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ وهو ما هم فيه ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وهو ما يؤولون إليه ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ=﴾ بالأشياء ﴿إِلَّا بِمَا شَآءً﴾ منها لا بكلها ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ علمه ﴿السَّمَوَاتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ﴾ العلو والسفل ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾ يثقله ﴿حِفْظُهُمَا﴾ لأنه حفظ ذاتيّ معنويّ وإمداد غيبي وخلق دائم في سفل وعلو ﴿وَهُوَ﴾ ضمير غيب ﴿اُلْعَلِىُّ﴾ بغناه عن خلقه من ذاته ﴿اٌلْعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] في قلوب العارفين بجلاله فله الهيبة فيها. فهي آية ذكر الله فيها ما بين اسم ظاهر ومضمر في ستة عشر موضعاً من هذه الآية لا تجد ذلك في غيرها من الآيات، منها خمسة أسماء ظاهرة: الله الحيّ القيوم العليّ العظيم، ومنها تسعة ضميرها ظاهر فهي مضمرة في الظاهر ومنها اثنان مضمران في الباطن لا عين لها في الظاهر وهما ضمير العلم والمشيئة، وكذلك علمه ومشيئته لا يعلمها إلاّ هو فلا يعلم أحد ما في علمه ولا ما في مشيئته إلاّ بعد ظهور المعلوم بوقوع المراد لا غير، فلذلك لم يظهر الضمير فيها . وأما اختياره يس من القرآن فلأنها قلب القرآن، ومن قرأها كان كمن قرأ القرآن عشر مرّات، والقلب أشرف ما في الصورة الصادية، كذلك السورة السينية وهي المنزلة ولها من الأبراج بيت شرف الشمس وهو برج الأولية زمان الربيع إقبال النشء وظهور البدء وابتداء زينة عالم الطبيعة وتلطيف بخارات الأنفاس التي كشفها زمان الشتاء لبرودة الجوّ كان يعطي الجمد في البخارات الخارجة من المتنفسين عندما تخرج يكثفها ثم يردّها ماء وهو ما تجد في يديك إذا تنفست فيه في زمان الشتاء من النداوة، وله الشؤون الإلهية التي لا يزال في كل نفس فيها جلّ جلاله. وأما اختياره من الكلام القرآن وهو الذي له صفة الجمع وفي الجمع عين الفرقان إذ الجمع دليل الكثرة والكثرة آحاد فهي عين الافتراق في عين الجمع فهو الفرقان القرآن. وأما اختياره لا إله إلاَّ الله فإنه ذكر عمّ النفي والإثبات وليس ذلك لغيره من الأذكار. وأما اختياره الرضى من الأحوال فإنه آخر ما يكون من الحق لأهل السعادة من البشرى فلا بشرى بعدها فإنها بشرى تصحب الأبد كما ورد في الخبر وهي بشرى بعد رجوع الناس من الرؤية، لا بل هي من الله لهم في الكثيب عند الرؤية في الزور الأعظم. وأما اختياره الجنة فإنها دار بقاء السعادة والنظر الساترة لأهلها عن كل مكروه يكون في الدار التي تقابلها وما يعطيه سلطان أسماء الانتقام. وأما اختياره الرؤية فإنها غاية البصر فاللذة البصرية لا تشبهها لذة فإنها عين اليقين في المعبود. وأما اختياره من الأعداد التسعة والتسعين فلأنها وتر الأسماء الجامع بين الآحاد والعقد ٢٦٠ في المعاملات/ الباب الموفي تسعين في معرفة الفرائض والسنن أن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة بمجرّد الإحصاء حفظاً ولفظً وإحاطة فإن الله وتر يحب الوتر. وأما اختياره الفرائض فلأن نتيجتها أن يكون العبد نعت الحق سمعه وبصره، فإن حب النوافل يعطي أن يكون الحق سمع العبد وبصره، والنفل لا يكون إلاّ في الدرجة النازلة عن الفرض، فالفرض له الأولية ولا ينزل الحق إلى أن يكون سمعاً للعبد كما قال بما يقتضيه من الجلال، فلا بدّ أن ينزل الله بصفته وهو كون العبد صفة الحق للصورة التي خلق عليها فهي مقتطعة من الصورة الإلهية كما هي الرحم شجنة من الرحمن والفرض القطع، فإذا أدّاه ظهر له في ذلك أنه صفة للحق، فإذا تنفل كان صفة الحق له فتميز الفرض من النفل وكانت الدرجة العليا للفرض، ولولا ما أعطي الفرض ذلك ما ثبت أن يقول: جعت فلم تطعمني وأنا أشدّ شوقاً إلى لقاء عبدي يريد إياي فإنه أقرب إلينا من حبل الوريد، وما تردّدت في شيء أنا فاعله، وأمثال هذا من الإخبارات الإلهية. وأما اختياره ليلة القدر فإن الأمور لا تتميز إلاَّ بأقدارها عند الحق والحق غيب فاختصّ القدر بالليلة لأن الليل ستر كما يستر الغيب. وأما اختياره من الأيام يوم الجمعة لأن فيه ظهرت الصورتان وجعل الله ذلك اليوم للصور وهو الشهر الخامس لمسقط النطفة وهو يوم مؤنث له الزينة وتمام الخلق، واختار الله فيه ساعة من ساعاته هي كالنكتة في المرآة وهو موضع صورة المتجلي من مرآة اليوم فيرى فيها نفسه وعلى الصورة الظاهرة بين المرآة والناظر فيها يقع الخطاب والتكليف وبها تحدث أسماء الإشارات من ذا وذان وتا وتان وأولاء، وأسماء الضمائر مثل هو وهي وهما وهم وهنّ وك وك وكما وكم وكن وأنت وأنت وأنتما وأنتم وأنتن، وياء ضمير المتكلم المؤثرة في آنيته إن لم تحفظها نون الوقاية ولا بدّ لها من تأثير إما في الآنية أو في نون الوقاية لا بدّ لها من ذلك ولهذا نون الوقاية له الفتوة والإيثار من عالم الحروف، ولهذا سميت نون الوقاية فلها منزلة لكاف من قوله: ﴿أَعُوذُ بِكَ﴾ [سورة هود: الآية ٤٧]، ولنا فيها: [البسيط] من الوجود سوى صوم وخَلاَقٍ نونُ الوقاية نونٌ ليس يُشْبهها فما لنا غيره في اللفظ من واقٍ له الفتوَّةُ والإيثارُ نشأتُه من المكانة فهو الدائمُ الباقي شَطْرُ الوجود له من نَعْتِ خالقه وأما اختياره الثلاثة القرون على الترتيب فإن الأول من ذلك لظهور كمال محمد برَاه غيباً وشهادة، فسنّ الشريعة بنفسه ونسخ ما كان سنّة نوابه بوجوده وقرّر منه ما قرّر وأقرّ الإيمان بجميعه ما نسخ منه وما لم ينسخ، وهذا هو القرن الأوّل، ثم اثنان بعده، والكل أهل فتح وظهورِ بمنزلة الثلاث الغرر من كل شهر، يقول وَالرَ: ((يَغْزُو فِئام مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ وََّ؟ فَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ وَهُذَا هُوَ القَرْنُ الأَوَّلُ، ثُمَّ يَغْزُو فِئامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيَكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ بَِّ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيَفْتَحُ لَهُمْ وَهْذَا هُوَ القَرْنَّ الثَّانِي، ثُمَّ يَغْزُو فِئامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى مِنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ وَيَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ وَهَذَا هُوَ القَرْنُ الثَّالِثُ)). وما زاد ◌َ على هذا، وذلك أنه