النص المفهرس
صفحات 181-200
في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٨١ إيمانها ولا ما تكتسبه من خير بذلك الإيمان، والمؤمن لا يغلق له باب، وكيف يغلق دونه وقد جازه وتركه وراءه، فمن عناية المؤمن غلقه حتى لا يخرج عليه بعدما دخل منه فلا يرتدّ مؤمن بعد ذلك فإنه ليس له باب يخرج منه، فغلق باب التوبة رحمة بالمؤمن ووبالاً بالكافر، وجعله الله بالمغرب لأنه محل الأسرار والكتم، وهو سر لا يعلمه إلاَّ أهل الاختصاص، فلو كان هذا الباب بالشرق لكان ظاهراً عند العام والخاص ووقع به الفساد في العموم وهذا يناقض ما وجد له العالم من الصلاح، وقد جاء في جانب الشرق من الذمّ ما جاء، والشرق بمنزلة الخروج إلى الدنيا وهي دار الإبتلاء للعام والخاص، والغرب بمنزلة الخروج من الدنيا والدخول إلى الآخرة، فإنه انتقال إلى دار التمييز والبيان ومعرفة المنازل والمراتب على ما هي عند الله تعالى، فيعلم السعيد سعادته والشقي شقاوته، فيظهر عند ذلك عين هذا الاسم الخفي لجميع الخلق، ويحرمون الدعاء به لشغلهم بما هم فيه من الهول، فيعظم في قلوبهم شدّة الهول بحيث أن يظنوا أنه ما ثم دعاء يردّ ما هم فيه ولو وفقوا للدعاء به لسعدوا، فسبحان القدير على ما يشاء. السؤال السابع والثلاثون ومائة: ما كسوته؟ الجواب: حال الداعي به المعنويّ وكسوته على الحقيقة حروفه إذا أخذت الاسم من طريق معناه، فإن أخذته من طريق حروفه فحينئذ يكون كسوته حال الداعي به، فإذا أقيم في شاهد الحسّ في التخيّل أو الخيال فيكون كسوته الثوب السابغ الأصفر يلتوي فيه فإنه غير مخيط، ألا ترى بقرة بني إسرائيل (صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُزُ النَّظِرِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٩] ﴿لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] فحيي بها الميت وهو أعظم الآثار إحياء الموات حياة الإيمان وحياة العلم وحياة الحسّ، وأعظم أثره في زمان الشتاء إذا وقع فيه شهر صفر في أوّل الشتاء إلى انتصافه فهو أسرع أثراً منه في باقي الأزمنة وباقي الشهور، ويكون الثوب صوفاً أو شعراً أو وبراً لا غير ذلك والريش منه، وإنما قلنا هذا لأنه قد يظهر لقوم بنوع من أنواع ما ذكرناه من هذه الأنواع التي تلبس، فلو ظهر في نوع واحد لعرّفناكم به واقتصرنا عليه. وقال بعضهم: رأيت كسوته جدداً أصفر قد صفر بورس أو زعفران، وهكذا رآه الحسين بن منصور ولكن لم يكن سابغ الثوب وإنما ستر بعض أعضائه ستر منه قدر ستة أذرع لا غير. السؤال الثامن والثلاثون ومائة: ما حروفه؟ الجواب: الألف ولام الألف والواو والزاي والراء والدال والذال، فإذا ركبت التركيب الخاص الذي تقوم به نشأة هذا الاسم ظهر عينه ولونه وطوله وعرضه وقدره وانفعل عنه جميع ما توجهه عليه، هكذا هو عند الطائفة في الواقعة، ولا تنقل عني أني أعلمه لما ذكرت فيه هذا لا يلزم، فقد ننقل من الواقعة والكشف جميع ما سطرته، ولا يلزم أن أكون به عالماً، وإنما قلت هذا لئلا يتوهم أني ما ذكرته إلاَّ عن علم به، ولكن مطلبي من الحق العبودة المحضة التي لا تشوبها ربوبية لا حسّاً ولا معنى. السؤال التاسع والثلاثون ومائة: والحروف المقطعة مفتاح كل اسم من أسمائه فأين هذه الأسماء؟ وإنما هي ثمانية وعشرون حرفاً فأين هذه الحروف؟ الجواب: لأنه يفتح الحرف الواحد من الأسماء الإلهية أسماء كثيرة لا يحصرها عدد، وذلك لأنه إنما يفتح أسماء الأسماء ١٨٢ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف التي تتركب من الحروف بحكم الاصطلاح، وقد ثبت أن الحق متكلم فقد سمّى نفسه من كونه متكلماً بالكلام الذي نسب إليه ويليق به، وهذه الأسماء التي تظهر عن الحروف أسماء تلك الأسماء، فلو أن الحرف الواحد يفتح اسماً واحداً لكان كما قلت من التعجب، ألا ترى في الأسماء المحفوظة في العموم كالملك والمصوّر والمان والمنان والمقتدر والمحيي والمميت والمقيت والمالك والمليك والمقدّم والمؤخر والمؤمن والمهيمن والمتكبر والمغني والمعز والمذل، فهذا حرف واحد افتتحنا به كذا كذا اسماً إلهياً مع أنا لم نستوف، ثم لتعلم أنّ كل اسم في العالم هو اسمه لا اسم غيره، فإنه اسم الظاهر في المظهر وليس في وسع المخلوقين حصرها ولا إحصاؤها وجميعها مفاتيحها هذه الحروف على قلتها، ولك في اختلاف اللغات أعظم شاهد وأسدّ دليل إن فهمت مقصود القوم. وأمّا قوله: فأين هذه الحروف؟ فقل له في عوارض الأنفاس تعرض للنفس الرحمانيّ ما يحدث عين الحرف، ويعرض للحروف ما يحدث الأسماء، فأينية الأسماء في الحروف، وأينية الحروف الأنفاس، وأينية الأنفاس الأرواح، وأينية الأرواح القلوب، وأينية القلوب عندية مقلبها، وأسماء الحق لا تتعدّد ولا تتكثر إلاّ في المظاهر، وأما بالنسبة إليه فلا يحكم عليها العدد ولا أصله الذي هو الواحد، فأسماؤه من حيث هو لا تتصف بالوحدة ولا بالكثرة، فسؤال الإمام إنما هو عن الأسماء التي يقع بها التلفّظ في عالم الحروف اللفظية، ويقع بها الرقم في عالم الكتابة، فتارة يراعى الرقم وتارة يراعى اللفظ، وأما غيره فيجعل حروفاً ثوالث وهي الحروف الفكرية وهي ما يضبطه الخيال من سماع المتلفظ بها أو إبصار الكاتب إياها . السؤال الأربعون ومائة: كيف صار الألف مبتدأ الحروف؟ الجواب: لأنّ له الحركة المستقيمة وعن القيومية يقوم كل شيء. فإن قلت: إنما يقع التكوين بالحركة الأفقية فإنه لا يقع إلاَّ بمرض والمرض ميل، ألا ترى إلى القائلين بحكم العقل كيف جعلوا موجد العالم علة العلل؟ والعلة تناقض القيومية. فلنقل إنما وقع الوجود بقيومية العلة فإنه لكل أمر قيومية فافهم، فقيومية الألوهية تطلب المألوه بلا شك. ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَابِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٣] وما ثم ما يناسب الألف إلاّ الحرف المركب وهو اللام فإنه مركب من ألف ونون، فلما تركب حدث اللام الرقميّ لا اللفظيّ، فلام اللفظ صورته في الرقم مركب من حرفين: فيفعل بالتلفظ فعل الواحد وهو عينه، ويفعل بالنقش فعل الألف والنون، وهكذا كل حرف مركب، ويفعل فعل الراء والزاي ببعد كما يفعله النون بقرب لأنّ النون حرف مركب من زاي وراء وأريد حروف الرقم فابتدؤوا بالألف في الرقم لما ذكرناه، وانفتحت فيه أشكال الحروف كلها لأنّ أصل الأشكال الخط، كما أن أصل الخط النقطة والخط هو الألف، فالحروف منه تتركب وإليه تنحل فهو أصلها . وأمّا الحروف اللفظية فالألف يحدثها بلا شك كما يظهر الألف عن الحرف إذا أشبعته الفتح فإنه يدل على الألف، كما أنك إذا أشبعت الحرف الضمّ دلّ على ألف الميل وهو واو في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٨٣ العلة، وإنما ظهر عن الرفع المشبّع لأنّ العلة أرفع من المعلول، فما ظهر عن الحرف إلاَّ بصفة الرفع البالغ ليعلم أنه وإن مال فإنه ما مال إلاَّ عن رفعة رحمة بك ليوجدك مظهراً لخالقك، ألا تراه في حرف الإيجاد كيف جاء برفع الكاف المشبع فقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءِ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فجاء بالكاف مشبعة الضم لتدل على الواو. فإن قلت: وأين الواو؟ قلنا: غيب في السكون الذي هو الثبوت، فإنّ الحق يستحيل عليه الحركة، فلما التقى سكون الواو من ((كون)) وسكون النون اتصفت الواو بالغيب فلم تظهر ولزمت الهوية، ولهذا هو الهو غيب وضمير عن غائب، وبقيت النون ساكنة تدل على سكون الواو وظهرت النون على صورة الواو في السكون وهو الثبوت كقوله: ((خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) فأثبت الأسماء بوجود النون في ﴿كُنْ﴾ أي ما ثم كائن حادث إلاَّ عند سبب، فلا يرفع الأسباب إلاَّ جاهل بالوضع الإلهيّ، ولا يثبت الأسباب إلاَّ عالم كبير أديب في العلم الإلهيّ، فعن الحروف اللفظية يوجد عالم الأرواح، وعن الحروف الرقمية يوجد عالم الحسّ، وعن الحروف الفكرية يوجد عالم العقل في الخيال، ومن كل صنف من هذه الحروف تتركب أسماء الأسماء. السؤال الحادي والأربعون ومائة: كيف كرر الألف واللام في آخره؟ الجواب: هذا يختص بحروف الرقم المناسب المزدوج وهو نظم: ا ب ت ث، لا حروف وضع أبجد، فإنّ لام ألف ما ظهر إلاَّ في نظم: ا ب ت ث، فإنه ناسب بين الحروف لتناسبها في الصورة بخلاف وضع أبجد، وذلك لأنّ اللام كسوة الألف وجنته فإنه مستور فيها بالنون الملصقة به الذي تمّم وجود اللام وجعلها في آخر النظم ليس بعدها إلاَّ الياء لأنه ظهر في عالم التركيب وهو آخر العوالم وجاء بعده بالياء فإنه لها السفل، إذ كانت إنما حدثت من إشباع حركة الخفض والخفض سفل والسفل آخر المراتب، فكان تنبيهاً أجري على خاطر الواضع لهذه الحروف وربما لم يقصد ذلك، ونحن إنما ننظر في الأشياء من حيث أنّ الباري واضعها لا من حيث يد من ظهرت منه، فلا بدّ من القصد في ذلك والتخصيص: فشرحنا لكون الحق هو الواضع لها لا غيره. ولما كانت الأولية للألف انبغى أن تكون له الآخرية، وكماله الظاهر في أوّل الحروف انبغى أن يكون له الباطن في آخر الحروف ليجمع بين ﴿ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَِّرُ وَالْبَالِرٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] والياء هي ألف الميل في عالم الحسّ الذي هو العالم الأسفل لحدوثها عن الخفض، لتدل على الألف التي في لام ألف، ولتدل على السبب الذي في شكل اللام إذا انفردت، فإذا عانقت الألف صغرت النون في الالتواء، وقابل الألف التي في اللام الألف التي في لام الألف حتى لا يكون يقابله إلاَّ نفسه، فقابل الألف الألف وربطت النون بينهما وهو ألف سرّ العبد الذي تألف بربه وهو من باب الامتنان الإلهيّ، قال الله تعالى ممتناً على عبده: ﴿لَوْ أَنْقَقْتَ مَا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٣] ولم يقل بين قلوبهم ولا بينها فجاء بهاء الهو في بينهم وجعل ميم الجمع ستراً عليه ليدل على ما ينسب إليه من الجمعية من حيث كثرة الأسماء له تعالى، والمراد أنه سبحانه ألّف بين ١٨٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف قلوب المؤمنين وبينه لأنهم ما اجتمعوا على محمد ◌ّ إلاّ بالله ولله، فبه تألّفوا لتألف محمد رّ به فافهم لماذا كرّر لام الألف في نظم تناسب الحروف وهو نظم: ا ب ت ث. السؤال الثاني والأربعون ومائة: من أيّ حساب صار عددها ثمانية وعشرين حرفاً؟ الجواب: لأنها إنما ظهرت أعيان الحروف في العالم العنصريّ وفي عنصر الهواء سلطانها، كما أن التراب والماء للأجسام الحيوانية، كما أن عنصر النار للجان والعالم العنصريّ إنما نسب إلى العناصر لأنها السبب الأقرب، والعناصر إنما حدثت عن حركات الأفلاك، وحركات الأفلاك إنما قطعت ثمانياً وعشرين منزلة في الفلك الذي قطعت فيه، والعالم إنما صدر من نفس الرحمن لأنه نفس به عن الأسماء لما كانت تجده من عدم تأثيرها، والنفس مناسب لعنصر الهواء فتشكلت المنازل الفلكية في الهواء العنصريّ لما ظهرت العناصر، فلما جاء حكمه فيما تولد عن العناصر من المولدات ظهرت في أكمل نشأة المولدات وهو الإنسان صور الحروف ثمانية وعشرين حرفاً عن ثمان وعشرين منزلة، وألحق فيها لام الألف خطاً لينبّه على القاطع في هذه المنازل وهي الكواكب السيارة، فكما عمّت المنازل بقوّتها وتقطع فيها إيجاد الكائنات والحوادث، كذلك أوجدت هذه الحروف جميع الكلمات التي لا نهاية لها دنيا وآخرة، فقد بان لك على التقريب لم كانت ثمانية وعشرين حرفاً، فمن تمكن له أن يضع قلماً على شكل المنازل في طالع مخصوص وتكون الدراري في عقدة الرأس فإنه يكون عن ذلك القلم متى كتب به عجائب في سرعة ظهور ما يكتب له في أيّ شيء كان حتى لو كتب به كاتب دعاء أجيب ذلك الدعاء ولم يتوقف. السؤال الثالث والأربعون ومائة: ما قوله: ((خلق آدم على صورته))؟ الجواب: اعلم أنه كل ما يتصوّره المتصوّر فهو عينه لا غيره فإنه ليس بخارج عنه، ولا بدّ للعالم أن يكون متصوّراً للحق على ما يظهر عينه، والإنسان الذي هو آدم عبارة عن مجموع العالم فإنه الإنسان الصغير وهو المختصر من العالم الكبير، والعالم ما في قوّة إنسان حصره في الإدراك لكبره وعظمه، والإنسان صغير الحجم يحيط به الإدراك من حيث صورته وتشريحه، وبما يحمله من القوى الروحانية، فرتب الله فيه جميع ما خرج عنه فما سوى الله، فارتبطت بكل جزء منه حقيقة الاسم الإلهي التي أبرزته وظهر عنها، فارتبطت به الأسماء الإلهية كلها لم يشذ عنه منها شيء، فخرج آدم على صورة الاسم الله، إذا كان هذا الاسم يتضمن جميع الأسماء الإلهية، كذلك الإنسان وإن صغر جرمه فإنه يتضمن جميع المعاني ولو كان أصغر تما هو، فإنه لا يزول عنه اسم الإنسان، كما جوّزوا دخول الجمل في سم الخياط، وأن ذلك ليس من قبيل المحال، لأن الصغر والكبر العارضين في الشخص لا يبطلان حقيقته ولا يخرجانه عنها، والقدرة صالحة أن تخلق جملاً يكون من الصغر بحيث لا يضيق عنه سم الخياط، فكان في ذلك رجاء لهم أن يدخلوا جنة النعيم، كذلك الإنسان وإن صغر جرمه عن جرم العالم فإنه يجمع جميع حقائق العالم الكبير ولهذا يسمّي العقلاء العالم إنساناً كبيراً، ولم يبق في الإمكان معنى إلا وقد ظهر في العالم، فقد ظهر في مختصره والعلم تصوّر المعلوم، والعلم من صفات العالم الذاتية فعلمه في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٨٥ صورته وعليها خلق آدم، فآدم خلقه الله على صورته، وهذا المعنى لا يبطل لو عاد الضمير على آدم، وتكون الصورة صورة آدم علماً والصورة الآدمية حسّاً مطابقة للصورة، ولا يقدر يتصوّر هذا إلاَّ بضرب من الخيال يحدثه التخيّل. وأما نحن وأمثالنا فنعلمه من غير تصوّر، ولكن لما جاء في الحديث ذكر الصورة علمنا أن الله إنما أراد خلقه على الصورة من حيث إنه يتصوّر لا من حيث ما يعلمه من غير تصوّر، فاعتبر الله تعالى في هذه العبارة التخيّل، وإذا أدخل سبحانه نفسه في التخيل فما ظنك بمن سوى الحق من العالم، صحّ عن رسول الله وَال أنه قال لجبريل: ((الإِخسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فهذا تنزيل خيالي من أجل كاف التشبيه، وانظر من كان السائل ومن كان المسؤول ومرتبتهما من العلم بالله، ولم يكن بأيدينا إلاَّ الأخبار الواردة بالنزول، والمعية، واليدين، واليد، والعين، والأعين، والرجل، والضحك، وغير ذلك مما ينسب الحق إلى نفسه، وهذه صورة آدم قد فصّلها في الأخبار وجمعها في قوله: ((خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) فالإنسان الكامل ينظر بعين الله وهو قوله: ((كُنْتُ بَصَرَهُ الْذِي يُبْصِرُ بِهِ)) الحديث، كذلك يتبشبش بتبشبش الله، ويضحك بضحك الله، ويفرح بفرح الله، ويغضب بغضب الله، وينسى بنسيان الله، قال تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٧] وينسب جميع ما ذكرناه إلى كل ذات بحسب ما تقتضيه مع علمنا بحقيقة كل صفة، فإن كانت الذات المنسوب إليها معلومة علم صورة نسبة هذا المنسوب، وإن جهلت الذات المنسوب إليها كنت بنسبة هذا المنسوب أجهل، فهذا الوجه الذي يليق بجواب سؤال هذا السيد، فلو سأل مثل هذا السؤال فيلسوف إسلاميّ أجبناه بأن الضمير يعود على آدم، أي أنه لم ينتقل في أطوار الخلقة انتقال النطفة من ماء إلى إنسان خلقاً بعد خلق بل خلقه الله كما ظهر، ولم ينتقل أيضاً من طفولة إلى صبي إلى شباب إلى كهولة، ولا انتقل من صغر جرم إلى كبره كما ينتقل الصغير من الذرية، بهذا یجاب مثل هذا السائل، فلكل سائل جواب يليق به. السؤال الرابع والأربعون ومائة: ليتمنين اثنا عشر نبياً أن يكونوا من أمتي؟ الجواب: لما كانت أمته خير الأمم وعندها زيادة على أنبياء الأمم باتباعهم سنن هدي رسول الله وَّ فإنهم ما اتبعوه لأنهم تقدّموه، وليس خيراً من كل أمة إلاَّ نبيها، ونحن خير الأمم، فنحن والأنبياء في هذه الخيرية في سلك واحد منخرطين، لأنه ما ثم مرتبة بين النبيّ وأمته ومحمد خير من أمته كما كان كل نبيّ خيراً من أمته، فهو ◌َّر خير الأنبياء، فهؤلاء الاثنا عشر نبياً ولدوا ليلاً وصاموا إلى أن ماتوا وما أفطروا نهاراً مع طول أعمارهم سؤالاً ورغبة ورجاء أن يكونوا من أمّة محمد ◌ّ، فلهم ما تمنّوا وهم مع من أحبوه يوم القيامة، فيأتي النبيّ يوم القيامة وفي أمّته النبيّ والاثنان والثلاثة ويأتي محمد وَل وفي أمّته أنبياء أتباع وأنبياء أتباع وأنبياء ما هم أنبياء أتباع فيتبع محمداً وَهله ثلاثة أصناف من الأنبياء، وهذه مسألة أعرض عن ذكرها أصحابنا لما فيها مما يتطرق إلى الأوهام الضعيفة من الأشكال، وجعلهم الله اثني عشر كما جعل الفلك الأقصى اثني عشر برجاً، كل برج منها طالع نبيّ من هؤلاء الاثني عشر، لتكون جميع المراتب تتمنى أن تكون من أمّة محمد ◌ّر من الاسم الظاهر ليجمعوا بينه وبين ما حصل لهم ١٨٦ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف من اسمه الباطن، إذ كان كل شرع بعثوا به من شرعه عليه السلام من اسمه الباطن إذ كان نبياً وآدم بين الماء والطين، فقوله تعالى له: ﴿أُوْلَّيْكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهٌّ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٠] وما قال بهم إذ كان هداهم هداك الذي سرى إليهم في الباطن من حقيقتك، فمعناه من حيث العلم إذا اهتديت بهداهم فهو اهتداؤك بهديك لأن الأولية لك باطناً والآخرية لك ظاهراً، والأولية لك في الآخرية ظاهراً وباطناً . السؤال الخامس والأربعون ومائة: ما تأويل قول موسى: اجعلني من أمة محمد وَلهو؟ الجواب: لما عرف موسى أن الأنبياء في النسبة إلى محمد وَّ نسبة أمته إليه، وأن نسبة أمته إليه من اسمه الظاهر والباطن، ونسبة الأنبياء إليه من اسمه الباطن، أراد موسى أن يجمع الله له بين الاسمين في شرعه. ثم إنه لما علم أنه تبع ولم يشك أراد إقامة جاهه عند محمد وَ طير على غيره من الرسل، إذ كان التباهي يوم القيامة بالتكاثر بالأمم والأتباع وليس في الرسل أكثر أتباعاً من موسى عليه السلام كما أخبر وَّ في الصحيح حين رأى سواداً أعظم فسأل فقيل له: هذا موسى وأمته. وقد قال وَّ: ((إِنَّهُ سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) والسيد لا يكاثر، فإذا كان موسى بدعائه من أمة محمد ل#في الدرجة ظاهره وباطنه مثل ما نحن زاد هو وأمته في سوادنا بلا شك، وما قال عليه السلام: (إِنّ مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ إِلاَّ فِي أُمَم لَمْ يَكُنْ لِنَبِيَّهَا مَجموعُ الاسمين اللَّذَيْنِ دَعَا اللَّهَ مُوسَى أَنْ يَكُونا لَهُ)) فكل من جمع بين الاسمين حشر معنا في أمته ◌ِّ فيباهي موسى بأمته سائر الأنبياء الذين حشروا معنا، فيكونون معه بمنزلة الأمراء المقدمين على العساكر، فأكبرهم أميراً أكثرهم جيشاً، وأكثرهم جيشاً أعظمهم قدراً وحرمة عند رسول الله وَ﴾. ولهذا قال الترمذيّ: أنه يكون في أمّة محمد بَّر من هو أفضل من أبي بكر الصديق عندما يرى أنه أفضل الناس بعد رسول الله وَّر من المسلمين، فإنه معلوم أن عيسى عليه السلام أفضل من أبي بكر وهو من أمة محمد بَّه ومتبعيه، وإنما ذكرناه لكون الخصم يعلم أنه لا بدّ أن ينزل في هذه الأمة في آخر الزمان ويحكم بسنة محمد ◌ّر مثل ما حكم الخلفاء المهديون الراشدون، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويدخل بدخوله من أهل الكتاب في الإسلام خلق كثير أيضاً. السؤال السادس والأربعون ومائة: إن لله عباداً ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيون بمقاماتهم وقربهم إلى الله تعالى. الجواب: يريد ليسوا بأنبياء تشريع لكنهم أنبياء علم وسلوك اهتدوا فيه بهدي أنبياء التشريع، وقد ذكرنا مقامهم ومعنى النبوّة وتفاصيلها في هذا الباب وفي غيره من هذا الكتاب، غير أنهم ليس لهم أتباع لوجهين: الواحد لغنائهم في دعائهم إلى الله على بصيرة عن نفوسهم فلا تعرفهم الأتباع وهم المسوّدون الوجه في الدنيا والآخرة من السؤدد عند الرسل والأنبياء والملائكة، ومن السواد لكونهم مجهولين عند الناس، فلم يكونوا في الدنيا يعرفون ولا في الآخرة يطلب منهم الشفاعة، فهم أصحاب راحة عامة في ذلك اليوم. والوجه الآخر أنهم لما لم يعرفوا لم يكن لهم أتباع، فإذا كان في القيامة جاءت الأنبياء خائفة يحزنهم الفزع الأكبر في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٨٧ على أممهم لا على أنفسهم، وجاء غير الأنبياء خائفين يحزنهم الفزع الأكبر على أنفسهم، وجاءت هذه الطائفة مستريحة غير خائفة لا على نفوسهم ولا يحزنهم الفزع الأكبر على أممهم إذ لم يكن لهم أمم، وفيهم قال الله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَنَلَقَّنْهُمُ الْمَلَبِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٣] أن يرتفع الحزن والخوف فيه عنكم في حق أنفسكم وحق الأمم، إذ لم تكن لكم أمّة ولا تعرفتم لأمة مع انتفاع الأمة بكم، ففي هذا الحال تغبطهم الأنبياء المتبوعون أولئك المهيمون في جلال الله العارفون الذين لم تفرض عليهم الدعوة إلى الله. انتهى الجزء التسعون. (الجزء الحادي والتسعون) بِسْمِ الَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ السؤال السابع والأربعون ومائة: ما تأويل قول بسم الله؟ الجواب: هو للعبد في التكوين بمنزلة كن للحق، فبه يتكوّن عن بعض الناس ما شاؤوا، قال الحلاج: بسم الله من العبد بمنزلة كن من الحق، ولكن بعض العباد له كن دون بسم الله وهم الأكابر: جَاءَ عَنْ رَسُولٍ اللَّهِ وَ فِي غَزْوَةٍ تَبُوك أَنَّهُمْ رَأَوْا شَخْصاً فَلَمْ يَعْرِفُوهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((كُنْ أَبَا ذَرٍّ !)) فَإِذا هُوَ أَبُو ذَرِّ، وَلَ يَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَكَانَتْ كنْ مِنْه كُنَ الإِلْهِيةَ، فإنه قال الله تعالى فيمن أحبه حب النوافل: ((كنت سمعه وبصره ولسانه الذي يتكلم به)). وقد شهد الله لمحمد وَلّ بأن له نافلة بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّتِلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٩] فلا بدّ أن يكون سمعه الحق وبصره الحق وكلامه الحق، ولم يشهد بها لأحد من الخلق على التعيين، فعلامة من لم تستغرق فرائضه نوافله وفضلت له نوافل أن يحبه الله تعالى هذه المحبة الخاصة وجعل علامتها أن يكون الحق سمعهم وبصرهم ويدهم وجميع قواهم، ولهذا دعا رسول الله وَلّر أن يكون كله نوراً فإن الله نور السموات والأرض، ولهذا تشير الحكماء بأن الغاية المطلوبة للعبد التشبّه بالإله، وتقول فيه الصوفية التخلّق بالأسماء، فاختلفت العبارات وتوحّد المعنى، ونحن نرغب إلى الله ونضرع أن لا يحجبنا في تخلقنا بالأسماء الإلهية عن عبودتنا. السؤال الثامن والأربعون ومائة: قوله: السلام عليك أيها النبيّ. الجواب: لما كانت الأنبياء بصفة تقتضي الاعتراض والتسليم شرع للمؤمن التسليم ومن سلم لم يطلب على العلة في كل ما جاء به النبيّ ولا في مسألة من مسائله، فإن جاء النبيّ بالعلة قبلها كما قبل المعلول، وإن لم يجىء بها سلم فقال: السلام عليك أيها النبيّ، وقد بيّنا معناها في باب الصلاة من هذا الكتاب في فصول التشهّد، وإذا قال هذا النبي فالمسلم عليه منه هو الروح. السؤال التاسع والأربعون ومائة: قوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. الجواب: يريد التسليم علينا لنا إذ فينا ما يقتضيه الاعتراض منا علينا، فنلزم نفوسنا التسليم فيه لنا ولا نعترضه، ولا سيما إذا رأينا أن الحكم الذي يقتضي الاعتراض صدر من الظاهر في هذا المظهر الذي هو عيني فنسلم ولا بدّ علينا وعلى عباد الله الصالحين للاشتراك في العطف، أي ١٨٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف لا يصحّ هذا العطف بعباد الله الصالحين إلاَّ بأن يكون بتلك الصفة الصالحة، وحينئذ يكون السلام علينا حقيقة، وقد بيّنا أيضاً هذا المعنى في باب الصلاة من هذا الكتاب في فصول التشهد، قال تعالى: ﴿فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ [سورة النور: الآية ٦١] فقد أمرنا بالسلام علينا لنحظى بجميع المراتب في امتثال الأمر الإلهيّ، وهذا يدلك على أن الإنسان ينبغي أن يكون في صلاته أجنبياً عن نفسه بربه حتى يصحّ له أن يسلم عليه بكلام ربه فإنه قال: ﴿تَحِيَّةُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَةٌ﴾، فهو سلام الله على عبده وأنت ترجمانه إليك . السؤال الخمسون ومائة: أهل بيتي أمان لأمتي. الجواب: قال رَّ: ((سلمان منا أهل البيت)) فكل عبد له صفات سيده. وأنه لما قام عبد الله فأضافه إليه صفة أي صفته العبودة واسمه محمد وأحمد وأهل القرآن هم أهل الله فإنهم موصوفون بصفة الله وهو القرآن، والقرآن أمان فإنه شفاء ورحمة، وأمته بَّر من بعث إليهم وأهل بيته من كان موصوفاً بصفته، فسعد الطالح ببركة الصالح فدخل الكل في رحمة الله، فانظر ما تحت هذه اللفظة من الرحمة الإلهية بأمة محمد بَلَّ، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] ووصف النبيّ وَّ بالرحمة فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٨] وما من أحد من الأمة إلاّ وهو مؤمن بالله، وقد بيّنا فيما تقدّم من هذا الكتاب في باب ((سلمان منا أهل البيت)) فأغنى عن الكلام في أهل البيت طلباً للاختصار، قال تعالى لما وصف ووصى أزواج النبيّ وَّ بقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبُّعَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىّ وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟﴾ [سورة الأحزاب، الآية ٣٣] ثم أعلمهم أن ذلك كله بكونهن أزواجه وَيّ حتى لا ينسبن إلى قبيح فيعود ذلك العار على بيت رسول الله وَالر، فببركة أهل البيت وما أراد الله به من التطهير بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ اٌلْبَيْتِ﴾ تفعل الأزواج ما أوصيناهنّ به ﴿ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيْرًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٣] من دنس الأقوال المنسوبة إلى الفحش وهو الرجس، فإن الرجس هو القذر، فكان أهل البيت أماناً لأزواج رسول الله وَّر من الوقوع في المخالفات التي يعود عارها على أهل البيت، فكذلك أمّة محمد # لو خلدت في النار لعاد العار والقدح في منصب النبيّ وَّر، ولهذا يقول أهل النار: ﴿ مَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ﴾ [سورة ص: الآية ٦٢] وهو من دخل النار من أمّة محمد ◌َّ التي بعث إليها في مشارق الأرض ومغاربها. فكما طهر الله بيت النبوّة في الدنيا بما ذكره ممّا يليق بالدنيا، كذلك الذي يليق بالآخرة إنما هو الخروج من النار، فلا يبقى في النار موحد ممّن بعث إليه رسول الله وَلّة، بل ولا أحد ممّن بعث إليه يبقى شقياً، ولو بقي في النار فإنها ترجع عليه برداً وسلاماً من بركة أهل البيت في الآخرة، فما أعظم بركة أهل البيت، فإنه من حين بعث رسول الله وح لول انطلق على جميع من في الأرض من الناس أمّة محمد نَّه إلى يوم القيامة، فالمؤمنون به منهم يحشرون معه، وغير المؤمنين به يحشرون إليه، وقد أعلم أنه ما أرسل ﴿إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [سورة في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٨٩ الأنبياء: الآية ١٠٧]، ولم يقل للمؤمنين خاصة، وقد قيل له لما دعا في الصلاة على رعل وذكوان وعصية «ما بعثك الله سباباً ولا لعاناً)) أي طرّاداً أي لا تطرد عن رحمتي من بعثتك إليه وإن كان كافراً وإنما بعثتك رحمة وهو قوله: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً﴾ فإذا حشروا إليه وهم أمّته وهو بهذه المثابة من الرحمة التي فطر عليها والرحمة التي بعث بها فيرحم منهم من يقتضي ذلك الموطن أن يرحم فإنه حكيم، والذي لا يقتضي ذلك الموطن أن يرحمه يقول فيه سحقاً سحقاً أدباً مع الله حتى يتجلى الحق في صفة غير تلك الصفة تما يقتضي الإسعاف في الجميع، فعند ذلك تظهر بركته ورحمته وّية فيمن بعث إليهم بما يرحمهم الله به وينقلهم من النار إلى الجنان، ومن حال الشقاء إلى حال السعادة، وإن كانوا مخلدين في النار فإن الحكم يقضي بحكم الموطن، كرجل مقرّب عند مليك رأى الملك في حال غضب على عبد من عبيده فلا ينبغي له في الأدب أن يشفع فيه في تلك الحال، ولكن ينبغي له أن يقول: أزيلوه من بين يدي الملك واجعلوه في الحبس وقيدوه فإنه لا يصلح لشيء من الخير هذا العبد الآبق الكافر نعمة سيده كل ذلك بمرأى من سيده، فإذا تجلى ذلك السيد في حال بسط ورضى وزال ذلك العبد إلى السجن والقيد وبعد عن الرحمة وإن كان في رحمة حينئذ يليق بهذا المقرّب أن يقول للسيد: يا مولانا فلان على كل حال هو عبدك وماله راحم سواك وإلى من يلجأ إن طردته؟ ومن يوسع عليه إن ضيقت عليه؟ وهو محسوب عليك، وفي هذا من العار بالحضرة أن يقال فيه أنه لم يحترم سيده إذا رُئي معاقباً، والحضرة أجلّ من أن يقال عنها إنها لم تحترم، فإذا عفوت عنه وألحقته بالسعداء استتر الأمر، وأنا يا مولاي أغار أن ينسب إلى هذه الحضرة ما يشينها، ومثل هذا الكلام مع البسط الذي هو عليه السيد واقتضى الموضع الشفاعة فيه فيأمر السيد بتبديل حال الشقاء عنه بحال السعادة وأن يخلع عليه خلع الرضى، وإن بقي محبوساً فيصير له ذلك الدار والمنزل ملكاً ويهبه له ربه ملكاً ويرجع عذابه نعيماً وهو أبلغ في القدرة، هذا إن كانت تلك الدار سكناه، أو يأمر بإخراجه إلى منازل السعداء، فهكذا الناس يوم القيامة في بركة أهل البيت ممن بعث إليه ◌َّلَه، فما أسعد هذه الأمّة، فإن اعتبر الله البيت اعتبار الباطن إذ كان كل شرع متقدّم شرع محمد ◌َّ بمنزلة طلوع الفجر إلى حين طلوع الشمس فكان ذلك الضوء وتزايده من الشمس، فتكون أمّة محمد رَّه من آدم إلى آخر إنسان يوجد، فيكون الكل من أمّة محمد بَل# فينال الكل بركة أهل البيت فيسعد الجميع، ألا تراه يقول يوم القيامة: ((أنا سيد الناس)) فلم يخص ولم يقل : أنا سيد أمتي، ثم إنه ما ذكر بعد هذه اللفظة إلاَّ حديث الشفاعة فقال: ((أتدرون بما ذاك؟)) وذكر حديث الشفاعة يوم القيامة وهو معنى ما أشرنا إليه آنفاً، فإن فهمت ما أومأنا إليه فافعل ما شئت فقد غفر لك إنه واسع المغفرة . السؤال الحادي والخمسون ومائة: قوله: آل محمد. الجواب: قال رسول الله اَلـ : ((لِكُلِّ نَبِيْ آلٌ وَعدَّةٌ وَآلِي وَعدَّتِي المُؤْمِنُ) ومن أسمائه تعالى المؤمن وهو العدّة لكل شدّة، والآل يعظم الأشخاص فعظم الشخص في السراب يسمى الآل، فآل محمد وَلّر هم العظماء بمحمد، ومحمد ◌َّ مثل السراب يعظم من يكون فيه، وأنت تحسبه محمداً العظيم الشأن، كما تحسب ١٩٠ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف السراب ماء وهو ماء في رأي العين، فإذا جئت محمداً وَير لم تجد محمداً ووجدت الله في صورة محمدية ورأيته برؤية محمدية، كما أنك إذا جئت إلى السراب لتجده كما أعطاك النظر فلم تجد: في شيئيته ما أعطاك النظر ووجدت الله عنده أي عرفت أن معرفتك بالله مثل معرفتك بالسراب أنه ماء فإذا به ليس ماء وتراه العين ماء، فكذلك إذا قلت عرفت الله وتحققت بالمعرفة عرفت أنك ما عرفت الله فالعجز عن معرفته هي المعرفة به فما حصل بيدك إلاّ أنه لا يتحصل لأحد من خلقه، وكل من استند إلى الله عظم في القلوب وعند العارفين بالله وعند العامّة، كما أنه من كان في السراب عظم شخصه في رأي العين، ويسمى ذلك الشخص آلاً وهو في نفسه على خلاف ما تراه العيون من التضاؤل تحت جلال الله وعظمته، كذلك محمد يتضاءل تضاؤل السراب في جنب الله لوجود الله عنده، فهذا إذا فهمت ما قلناه معنى آل محمد. السؤال الثاني والخمسون ومائة: أين خزائن الحجة من خزائن الكلام من خزائن علم التدبير؟ الجواب في قوله: ﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٩] بكلّ وجه، فأوّله تدبير وهي الخزائن العامة وهو قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢] وفي هذه الخزائن خزائن الكلام لأن خزائن علم التدبير تحوي على خزائن شتى منها خزائن الكلام وهي في قوله: ﴿يُفَصِّلُ الْأَيَتِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢] بالكلام وفي خزائن الكلام خزائن الحجة في مقابلة المعارض، وهو الذي لا يعرف الله معرفة ذوق وهم أصحاب الأدلة العقلية فإنهم لا يقبلون ما جاءت به الشرائع من صفات الحق التي لو قالها غير النبيّ جهله العقلاء بأدلتهم وكفره المؤمنون وهو ما قال إلاَّ ما قيل له، فمتى ما لم يكن العلم ذوقاً لم يخلص خاطر سامعه من الإنكار بقلبه من حيث عقله، ثم خزائن الحجة خصوص في خزائن الكلام وهو القول المعجز وهو قول الحق والصدق، وكذا رأيته في الواقعة مثل القرآن فهو الحجة من الكلام ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [سورة يونس: الآية ٣٨] ﴿لَيْنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٨] لأنه أتى من خزائن الحجة وسائر الكتب والصحف من خزائن الكلام، وسائر المخلوقات من خزائن علم التدبير. السؤال الثالث والخمسون ومائة: أين خزائن علم الله من خزائن علم البدء؟ الجواب في المساوقة الوجودية لأن الله لم يزل عالماً بأنه الإله، وأن الممكن مألوه، وأن العدم للممكن نعت أزلي، وأنه لم يزل مظهراً للحق، فخزانة علم الله من علم البدء هو معرفة مرتبة الاسم الله من الاسم المبدىء، كما يقال: أين خزانة علم المبدىء من علم المعيد، فإن الظرفية لا تخلو إما أن تكون مكانية أو زمانية، ولا مكان ولا زمان فإنهما هما اللذان يعطيان المقدار، وأين كذا من كذا يطلب المقدار، فغاية أن يقال في المرتبة الأولى التي لا تقبل الثاني وهي مرتبة الواجب الوجود الذاتي كما نقول في الممكن: إنه في مرتبة الوجوب الإمكاني الذاتيّ، والعلم بهذا هو علم سرّ السرّ وهو الأخفى، وهو العلم الذي انفرد به الحق دون ما سواه، ولا يعلم هذا إلاَّ بالتحلي بالحاء المهملة. فإن قلت: وما التحلي؟ قلنا: الاتصاف بالأخلاق الإلهية المعبر عنها في الطريق بالتخلق بالأسماء، وعندنا التحلي ظهور أوصاف العبودة دائماً في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٩١ مع وجود التخلق بالأسماء، فإن غاب عن هذا التحلي كان التخلق بالأسماء عليه وبالاً، قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [سورة غافر: الآية ٣٥] وتحلى العبد بأوصاف العبودة هو من تخلقه بالأخلاق الإلهية ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. فلو عرفوا معنى ما ورد في القرآن والسنة من وصف الحق سبحانه نفسه بما لا يقبله العقل إلا بالتأويل الأنزه ما نفروا من ذلك إذا سمعوه من أمثالنا، فإن العبودة أعني معقولها إن كان أمراً وجودياً فهو عينه، فإن الوجود له وإنما الحق لما كانت أعيان الممكنات مظاهره عظم على العقول أن تنسب إلى الله ما نسبه لنفسه، فلما ظهر المقام الذي وراء طور العقل بالنبوّة وعملت الطائفة عليه بالإيمان أعطاهم الكشف ما أحاله العقل من حيث فكره وهو في نفس الأمر ليس على ما حكم به، وهذا من خصائص التصوّف. فإن قلت: وما التصوّف؟ قلنا: الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهراً وباطناً وهي مكارم الأخلاق، وهو أن تعامل كل شيء بما يليق به مما يحمده منك ولا تقدر على هذا حتى تكون من أهل اليقظة. فإن قلت: وما اليقظة حتى أكون من أهلها؟ قلنا: اليقظة الفهم عن الله في زجره فإذا فهمت عن الله انتبهت فإن قلت: فما الانتباه؟ قلنا: هو زجر الحق عبده على طريق العناية، وهذا لا يحصل إلاَّ لأهل العبودة. فإن قلت: وما العبودة؟ قلنا: نسبة العبد إلى الله لا إلى نفسه، فإن انتسب إلى نفسه فتلك العبودية لا العبودة، فالعبودة أتم حتى لا يحكم عليه مقام السوا. فإن قلت: وما السوا؟ قلنا: بطون الحق في الخلق وبطون الخلق في الحق، وهذا لا يكون إلاَّ فيمن عرف أنه مظهر للحق فيكون عند ذلك باطناً للحق وبهذا وردت الفهوانية. فإن قلت: وما الفهوانية؟ قلنا: خطاب الحق كافة في عالم المثال وهو قوله وَّ في الإحسان: ((أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) ومن هناك تعلم الهو. فإن قلت: وما الهو؟ قلنا: الغيب الذاتي الذي لا يصحّ شهوده فليس هو ظاهراً ولا مظهراً وهو المطلوب الذي أوضحه اللسن. فإن قلت: وما اللسن؟ قلنا: ما يقع به الإفصاح الإلهيّ لآذان العارفين وهي كلمة الحضرة. فإن قلت: وما كلمة الحضرة؟ قلنا: كن ولا يقال كن إلاّ لذي رؤية لعلم من يقول له كن على الشهود. فإن قلت: وما الرؤية؟ قلنا: المشاهدة بالبصر لا بالبصيرة حيث كان وهو لأصحاب النعت. فإن قلت: وما النعت؟ قلنا: ما طلب النسب العدمية كالأوّل ولا يعرفه إلا عبيد الصفة. فإن قلت: وما الصفة؟ قلنا: ما طلب المعنى الوجوديّ كالعالم والعلم لأهل الحدّ. فإن قلت: وما الحدّ؟ قلنا: الفصل بينك وبينه لتعرف من أنت فتعرف أنه هو فتلزم الأدب معه وهو يوم عيدك. فإن قلت: وما العيد؟ قلنا: ما يعود عليك في قلبك من التجلي بعود الأعمال وهو قوله بَّه: ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُ حَتَى تَمَلُوا فَطُوبَى لِأَهْلِ القَدَم)) فإن قلت: وما القدم؟ قلنا: ما ثبت للعبد في علم الحق به، قال تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَّ صِدْقٍ﴾ أي سابق عناية ﴿عِندَ رَيْهِمْ﴾ [سورة يونس: الآية ٢] في علم الله ويتميز ذلك في الكرسي. فإن قلت: وما الكرسي؟ قلنا: علم الأمر والنهي فإنه قد ورد في الخبر أن الكرسي موضع القدمين قدم الأمر وقدم النهي الذي قيده ١٩٢ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف العرش. فإن قلت: وما العرش؟ قلنا: مستوى الأسماء المقيدة وفيه ظهرت صورة المثل من ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى الآية ١١]وهذا هو المثل الثابت. فإن قلت: وما المثل؟ قلنا: المخلوق على الصورة الإلهية الواردة في قوله وَّير: ((إن الله خلق آدم على صورته)) وقال تعالى فيه: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] وهو نائب الحق الظاهر بصورته ﴿وَهُوَ الَّذِى فِى السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٨٤] أظهره النائب ومشهد هذا النائب حجاب العزّة ليلاً يغلط في نفسه. فإن قلت: وما حجاب العزّة؟ قلنا: العمى والحيرة فإنه المانع من الوصول إلى علم الأمر على ما هو عليه في نفسه ولا يقف على حقيقة هذا الأمر إلاَّ أهل المطلع. فإن قلت: وما المطلع؟ قلنا: الناظر إلى الكون بعين الحق ومن هنالك يعلم ما هو ملك الملك. فإن قلت: وما هو ملك الملك؟ قلنا: هو الحق في مجازاة العبد على ما كان منه ممّا أمر به وما لم يؤمر به، ويختص بهذا الأمر عالم الملكوت. فإن قلت: وما عالم الملكوت؟ قلنا: عالم المعاني والغيب والارتقاء إليه من عالم الملك. فإن قلت: وما عالم الملك؟ قلنا: عالم الشهادة والحرف وبينهما عالم البرزخ. فإن قلت: وما عالم البرزخ؟ قلنا: عالم الخيال ويسميه بعض أهل الطريق عالم الجبروت وهكذا هو عندي، ويقول فيه أبو طالب صاحب القوت: عالم الجبروت هو العالم الذي أشهد العظمة وهم خواص عالم الملكوت ولهم الكمال. فإن قلت: وما الكمال؟ قلنا: التنزّه عن الصفات وأثارها ولا يعرفها إلاّ الساكن بأرين. فإن قلت: وما أرين؟ قلنا: عبارة عن الاعتدال في قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فإن أرين موضع خط اعتدال الليل والنهار فاستعاروه، وقد ذكره منهم عبد المنعم بن حسان الجلباني في مختصره غاية النجاة له ولقيته وسألته عن ذلك فقال فيه ما شرحناه به، وصاحب هذا المقام هو صاحب الرداء. فإن قلت: وما الرداء؟ قلنا: الظهور بصفات الحق في الكون. فإن قلت: وما الكون؟ قلنا: كل أمر وجودي وهو خلاف الباطل. فإن قلت: وما يريد أهل الله بالباطل؟ قلنا: العدم ويقابل الباطل الحق. فإن قلت: وما الحق عندهم؟ قلنا: ما وجب على العبد القيام به من جانب الله وما أوجبه الرب للعباد على نفسه إذا كان هو العالم والعلم. فإن قلت: وما العالم والعلم؟ قلنا: العالم من أشهده الله ألوهته وذاته ولم يظهر عليه حال والعلم حاله ولكن بشرط أن يفرّق بينه وبين المعرفة والعارف. فإن قلت: وما المعرفة والعارف؟ قلنا: من مشهده الرب لا اسم إلهي غيره فظهرت منه الأحوال والمعرفة حاله وهو من عالم الخلق كما أن العالم من عالم الأمر. فإن قلت: وما عالم الخلق والأمر والله يقول: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٥٤] قلنا: عالم الأمر ما وجد عن الله لا عند سبب حادث، وعالم الخلق ما أوجده الله عند سبب حادث فالغيب فيه مستور. فإن قلت: وما الغيب في اصطلاحكم؟ قلنا: الغيب ما ستره الحق عنك منك لا منه ولهذا يشار إليه. فإن قلت: وما الإشارة؟ قلنا: الإشارة نداء على رأس البعد يكون في القرب مع حضور الغير ويكون مع البعد في العموم والخصوص. فإن قلت: وما العموم والخصوص عندهم؟ قلنا : في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٩٣ العموم ما يقع في الصفات من الاشتراك، والخصوص ما يقع به الانفراد وهو أحدية كل شيء وهو لب اللب. فإن قلت: وما لب اللب؟ قلنا: مادة النور الإلهيّ ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىَءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] فلب اللب هو قوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍّ﴾ . فإن قلت: وما اللب؟ قلنا: ما صين من العلوم عن القلوب المتعلقة بالسوا وهو القشر. فإن قلت: وما القشر؟ قلنا: كل علم يصون عين المحقق من الفساد لما يتجلى له من خلف حجاب الظل. فإن قلت: وما الظل؟ قلنا: وجود الراحة خلف حجاب الضياء. فإن قلت : وما الضياء؟ قلنا: ما ترى به الأغيار بعين الحق، فالظل من أثر الظلمة والضياء من أثر النور والعين واحدة. فإن قلت: وما الظلمة والنور اللذان عنهما الظل والضياء؟ قلنا: النور كل وارد إلهي ينفر الكون عن القلب والظلمة قد يطلقونها على العلم بالذات فإنه لا يكشف معها غيرها وأكثر ما يعلم هذين أرباب الأجساد. فإن قلت: وما الجسد؟ قلنا: كل روح أو معنى ظهر في صورة جسم نوري أو عنصريّ حتى يشهده السوا. فإن قلت: وما السوا هنا؟ قلنا: الغير الذي يتعشق بالمنصَّات. فإن قلت: وما المنصة؟ قلنا: مجلى الأعراس وهي تجليات روحانية ألية. فإن قلت: وما الأل؟ قلنا: كل اسم إلهي أضيف إلى ملك أو روحانيّ مثل جبريل وميكائيل أو عبدال وبأيديهم الطبع والختم. فإن قلت: وما الطبع والختم؟ قلنا: الختم علامة الحق على القلوب العارفين، والطبع ما سبق به العلم في حق كل مختص من الإلهيين. فإن قلت: وما الإلهية؟ قلنا: كل اسم إلهيّ يضاف إلى البشر مثل عبد الله وعبد الرحمن وهم الخارجون عن الرعونة. فإن قلت: وما الرعونة؟ قلنا: الوقوف مع الطبع بخلاف أهل الأنية فإنهم واقفون مع الحق. فإن قلت: وما الأنية؟ قلنا: الحقيقة بطريق الإضافة وهم المعتكفون على اللوح المشاهدون للقلم الناظرون في النون المستمدون من الهوية القائلون بالأناية الناطقون بالاتحاد لأجل الجرس . فإن قلت: وما هذه الألفاظ التي ذكرتها؟ قلنا: أمّا اللوح فمحل التدوين والتسطير المؤجل إلى حدّ معلوم، وأمّا الهوية فالحقيقة الغيبية، وأما النون فعالم الإجمال، وأما الإناية فقولك بك، وأما القلم فعلم التفصيل، وأما الاتحاد فتصيير الذاتين ذاتاً واحدة فإمّا عبد وإمّا رب ولا يكون إلاَّ في العدد وفي الطبيعة وهو حال، وأما الجرس فإجمال الخطاب بضرب من القهر لقوّة الوارد وهذا كله لا يناله إلاَّ أهل النوالة. فإن قلت: وما النوالة؟ قلنا: الخلع التي تخصّ الأفراد من الرجال وقد تكون الخلع مطلقاً ومع هذا فهم في الحجاب. فإن قلت: وما الحجاب؟ قلنا: ما ستر مطلوبك عن عينك إذا كان الحجاب ممّا يلي المخدع. فإن قلت: وما المخدع؟ قلنا: موضع ستر القطب عن الأفراد الواصلين عندما يخلع عليهم وهو خزانة الخلع والخازن هو القطب. قال محمد بن قائد الأوانيّ: رقيت حتى لم أر أمامي سوى قدم واحدة فغرت فقيل هي قدم نبيك فسكن جأشي. وكان من الأفراد وتخيّل أن ما فوقه إلاَّ نبيه ولا تقدّمه غيره، وصدق رضي الله عنه فإنه ما شاهد سوى طريقه فما سلك عليها غير نبيه، وقيل له: هل رأيت عبد القادر؟ قال: ما رأيت عبد القادر في الحضرة، فقيل ذلك لعبد القادر قال: الفتوحات المكية ج٣ - م١٣ ١٩٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف صدق ابن قائد في قوله فإني كنت في المخدع ومن عندي خرجت له النوالة وسمّاها بعينها، فسئل ابن قائد عن النوالة ما صفتها؟ فقال مثل ما قال عبد القادر، فكان أحدهما من أهل الخلوة والآخر من أهل الجلوة . فإن قلت: وما الخلوة والجلوة؟ قلنا: الجلوة خروج العبد من الخلوة بنعوت الحق فيحرق ما أدركه بصره، والخلوة محادثة السر مع الحق حيث لا ملك لا أحد وهناك يكون الصعق. فإن قلت: وما الصعق؟ قلنا: الفنا عند التجلي الربانيّ وهو لأهل الرجاء لأهل الخوف. فإن قلت: وما الرجاء والخوف؟ قلنا: الرجاء الطمع في الآجل، والخوف ما تحذر من المكروه في المستأنف ولهذا يجنح إلى التولي وهو رجوعك إليك منه بعد التلقي. فإن قلت: وما التلقي؟ قلنا: أخذك ما يرد من الحق عليك عند الترقي. فإن قلت: وما الترقي؟ قلنا: التنقل في الأحوال والمقامات والمعارف نفساً وقلباً وحقاً طلباً للتداني. فإن قلت: وما التداني؟ قلنا: معراج المقربين إلى التدلي. فإن قلت: وما التدلي؟ قلنا: نزول الحق إليه ونزولهم لمن هو دونهم بسكينة. فإن قلت: وما السكينة؟ قلنا: ما تجده من الطمأنينة عند تنزل الغيب بالحرف. فإن قلت: وما الحرف؟ قلنا: ما يخاطبك به الحق من العبارات مثل ما أنزل القرآن على سبعة أحرف والحرف صورة في السبحة السوداء. فإن قلت: وما السبحة؟ قلنا: الهباء الذي فتح فيه صور أجسام العالم المنفعل عن الزمردة الخضراء فإن قلت: وما الزمردة الخضراء؟ قلنا: النفس المنبعثة عن الدرة البيضاء. فإن قلت: وما الدرة البيضاء؟ قلنا: العقل الأول صاحب علم السمسمة. فإن قلت: وما السمسمة؟ قلنا: معرفة دقيقة في غاية الخفاء تدق عن العبارة ولا تدرك بالإشارة مع كونها ثمرة شجرة. فإن قلت: وما هذه الشجرة؟ قلنا: الإنسان الكامل مدبر هيكل الغراب. فإن قلت: وما الغراب؟ قلنا: الجسم الكل الذي ينظر إليه العقاب بوساطة الورقاء. فإن قلت: وما العقاب؟ قلنا: الروح الإلهيّ الذي ينفخ الحق منه في الهياكل كأنها أرواحها المحركة لها والمسكنة، والورقاء النفس التي بين الطبيعة والعقل ودون الطبيعة هي العنقاء. فإن قلت: وما العنقاء؟ قلنا: الهباء لا موجود ولا معدوم على أنها تتمثل في الواقعة. فإن قلت: وما الواقعة؟ قلنا: ما يرد على القلب من العالم العلويّ بأيّ طريق كان من خطاب أو مثال أو غير ذلك على يد الغوث. فإن قلت: وما الغوث؟ قلنا: صاحب الزمان وواحده وقد يكون ما يعطيه على يد إلياس. فإن قلت: وما إلياس؟ قلنا: عبارة عن القبض وقد يكون ما يعطيه على يد الخضر. فإن قلت: وما الخضر؟ قلنا: عبارة عن البسط وهذه العطايا من بحر الزوائد. فإن قلت: وما الزوائد؟ قلنا: زيادات الإيمان بالغيب واليقين ولها رجال مخصوصون ذكرناهم في أوّل الباب فإنهم موقنون هم عشرة أشخاص لا يزيدون ولا ينقصون غير أنهم قد يكون منهم نساء يوجدهم الاسم والرسم. فإن قلت: وما الاسم والرسم؟ قلنا: الرسم نعت يجري في الأبد بما جرى في الأزل، والاسم الحاكم على حال العبد في الوقت من الأسماء الإلهية عند الوصل. فإن قلت: وما الوصل؟ قلنا: إدراك الفائت وهو أوّل الفتوح. فإن قلت: وما في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٩٥ الفتوح؟ قلنا: فتوح العبارة في الظاهر، وفتوح الحلاوة في الباطن، وفتوح المكاشفة لتصحيح المطالعة. فإن قلت: وما المطالعة؟ قلنا: توقيعات الحق تعالى للعارفين ابتداء، وعن سؤال منهم فيما يرجع إلى حوادث الكون وفيها أقول: [الرمل] ولْتُحَاذِرْ غائِلاتِ الأماني خرج التوقيعُ لي بالأمانِ حاصلٌ قد مَلَكتْهُ اليدانِ ينقضي الدهرُ ولا شيءَ منها فسوايَ شانُهُ غيرُ شاني فاشتغِلْ بي لا تخالِطْ سواي فأنا الثاني ولستُ بثاني لا يغرَّنَّك عبدي المَثَاني أن يراني أو يرى من رآني يشتهي من ظلَّ بي مستهاماً فليزُلْ عنّيَ حكم المكانِ إنَّ عين الغير ليست تراني وأنا أقربُ منه إليه فيراني منه فيه بعيني والمطالعة لا تكون إلاَّ لأهل الحرية. فإن قلت: وما الحرية؟ قلنا: إقامة حقوق العبودية لله تعالى فهو حر عمّا سوى الله لأجل الغيرة الإلهية، فإن الله غيور ومن غيرته حرم الفواحش. فإن قلت: وما الغيرة؟ قلنا: تطلق في الطريق بإزاء ثلاثة معان: غيرة في الحق لتعدي الحدود، وغيرة تطلق بإزاء كتمان الأسرار والسرائر، وغيرة الحق ضنته على أوليائه وهم الضنائن أصحاب الهمم. فإن قلت: وما الهمة؟ قلنا: تطلق بإزاء تجريد القلب للمنى، وبإزاء أوّل صدق المريد، وبإزاء جمع الهمم بصفاء الإلهام، هذا عند أهل الغربة. فإن قلت: وما الغربة؟ قلنا: مفارقة الوطن في طلب المقصود، وغربة عن الحال من حقيقة النفوذ فيه، وغربة عن الحق من الدهش عن المعرفة لحكم الاصطلام. فإن قلت: وما الاصطلام؟ قلنا: نعت وله يرد على القلب فيسكن تحت سلطانه حذر المكر. فإن قلت: وما المكر؟ قلنا: إرداف النعم مع المخالفة وقد رأيناه في أشخاص وإبقاء الحال مع سوء الأدب وهو الغالب على أهل العراق وما نجى منه في علمنا إلاَّ أبو السعود بن الشبل سيد وقته، وإظهار الآيات والكرامات من غير أمر ولا حدّ، وهي عندنا خرق عوايد لا كرامات إلاَّ أن يقصد بها المتحدث التحدّث بالنعم ولكن تمنع العارفين من مثل هذه الرهبة. فإن قلت: وما الرهبة؟ قلنا: رهبة الظاهر لتحقيق الوعيد، ورهبة الباطن لتقلب العلم، ورهبة لتحقيق أمر السبق، ولكن بعد سبق الرغبة. فإن قلت: وما الرغبة؟ قلنا: رغبة النفس في الثواب، ورغبة القلب في الحقيقة، ورغبة السر في الحق وهو مقام التمكين. فإن قلت: وما التمكين؟ قلنا: عندنا هو التمكن في التكوين، وعند الجماعة حال أهل الوصول وعدلنا نحن فيه إلى ما قلناه لقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] وعدلت الجماعة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَنِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا﴾ [سورة فاطر: الآية ٤١] وهذه الآية أيضاً تعضدنا فيما ذهبنا إليه، فالتمكين في التلوين أولى. فإن قلت: فما التلوين؟ قلنا: تنقل العبد في أحواله وهو عند الأكثرين مقام ناقص وعندنا هو أكمل المقامات لأنه موضع التشبّه بالمطلوب للإنسان وسببه الهجوم. فإن قلت: وما الهجوم؟ قلنا: ما يرد على القلب بقوّة ١٩٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف الوقت من غير تصنّع منك عقيب البواده. فإن قلت: وما البواده؟ قلنا: ما يفجأ القلب من الغيب على سبيل الوهلة إما موجب فرح أو موجب ترح، ولكن مع كونها بواده لا بدّ أن يتقدّمها لوامع. فإن قلت: وما اللوامع؟ قلنا: ما ثبت من أنوار التجلي وقتين وقريب من ذلك بعد الطوالع. فإن قلت: وما الطوالع؟ قلنا: أنوار التوحيد تطلع على قلوب أهل المعرفة فتطمس سائر الأنوار عندما تحكم على الأسرار اللوائح. فإن قلت: وما اللوائح؟ قلنا: ما يلوح للأسرار الظاهرة من السمو من حال إلى حال هذا عند القوم، وعندنا هي ما يلوح للبصر إذا لم يتقيد بالجارحة من الأنوار الذاتية لا من جهة السلب وهي من أحوال أهل المسامرة. فإن قلت: وما السمر؟ قلنا: خطاب الحق للعارفين من عالم الأسرار والغيوب، نزل به الروح الأمين على قلبك، وهو خصوص في المحادثة. فإن قلت: وما المحادثة: قلنا: خطاب الحق للعارفين من عباده من عالم الملك كالنداء من الشجرة لموسى وهو فرع عن المشاهدة. فإن قلت: وما المشاهدة؟ قلنا: رؤية الأشياء بدلائل التوحيد وتكون أيضاً رؤية الحق في الأشياء وتكون أيضاً حقيقة اليقين من غير شك وهي تتلو المكاشفة وقد قيل تتلوها المكاشفة. فإن قلت: وما المكاشفة؟ قلنا: تحقيق الأمانة بالفهم وتحقيق زيادة الحال وتحقيق الإشارة التي تعطيها المحاضرة. فإن قلت: وما المحاضرة؟ قلنا: حضور القلب بتواتر البرهان وعندنا مجاراة الأسماء بينها بما هي عليه من الحقائق في وقت التخلي. فإن قلت: وما التخلي؟ قلنا: اختيار الخلوة والإعراض عن كل ما يشعل عن الحق طلب التجلي بالجيم. فإن قلت: وما التجلي؟ قلنا: ما يكشف للقلوب من أنوار الغيوب بعد الستر. فإن قلت: وما الستر؟ قلنا: كل ما سترك عن ما يغنيك، وقيل هو غطاء الكون، وقد يكون الوقوف مع العادات، وقد يكون الوقوف مع نتائج الأعمال ما لم يغلب سلطان المحق. فإن قلت: وما المحق؟ قلنا: فناؤك في عينه بعد تحكم السحق. فإن قلت: وما السحق؟ قلنا: تفرق تركيبك تحت القهر لأجل الزاجر فإن قلت: وما الزاجر؟ قلنا: واعظ الحق في قلب المؤمن وهو الداعي بحكم الزمان. فإن قلت: وما الزمان؟ قلنا: السلطان فإنه قد يحول بينك وبين الذهاب. فإن قلت: وما الذهاب؟ قلنا: غيبة القلب عن حسّ كلّ محسوس بمشاهدة محبوبه كان المحبوب ما كان قبل الفصل. فإن قلت: وما الفصل؟ قلنا: فوت ما ترجوه من محبوبك وهو عندنا تميزك عنه بعد حال الاتحاد الذي هو نتيجة المجاهدة. فإن قلت: وما المجاهدة؟ قلنا: حمل النفس على المشاق البدنية ومخالفة الهوى على كل حال، ولكن لا يتمكن له مخالفة الهوى إلاَّ بعد الرياضة. فإن قلت: وما الرياضة؟ قلنا: رياضة الأدب وهو الخروج عن طبع النفس، ورياضة الطلب وهي صحة المراد به، وبالجملة فهي عبارة عن تهذيب الأخلاق النفسية وذلك عن علة. فإن قلت: وما العلة؟ قلنا: تنبيه الحق لعبده بسبب وبغير سبب وهو من عين اللطف وتسميه أهل الطريق اللطيفة. فإن قلت: وما اللطيفة؟ قلنا: كل إشارة دقيقة المعنى تلوح في الفهم لا تسعها العبارة وهي المؤدّية إلى التفريد، وقد يطلقون اللطيفة على حقيقة الإنسان. فإن قلت: وما التفريد؟ قلنا: وقوفك في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٩٧ بالحق معك ومن شرطه التجريد. فإن قلت: وما التجريد؟ قلنا: إماطة السوى والكون عن القلب والسر من أجل حكم الفترة. فإن قلت: وما الفترة؟ قلنا: خمود نار البداية المحرقة وهي حالة تشبه حالة الوقفة التي للواقفين. فإن قلت: وما الوقفة؟ قلنا: الحبس بين المقامين مع العصمة من الوله . فإن قلت: وما الوله؟ قلنا: إفراط الوجد بمشاهدة السر. فإن قلت: وما السرّ؟ قلنا: سرّ العلم بإزاء حقيقة العالم به، وسرّ الحال بإزاء معرفة مراد الله فيه، وسرّ الحقيقة بإزاء ما يقع به الإشارة من الروح. فإن قلت: وما الروح؟ قلنا: الملقى إلى القلب من علم الغيب على وجه مخصوص يتلقاه منه النفس. فإن قلت: وما النفس؟ قلنا: ما كان معلوماً من أوصاف العبد بحكم الشاهد. فإن قلت: وما الشاهد؟ قلنا: ما تعطيه المشاهدة من الأثر في قلب المشاهد وهو على صورة ما يضبطه القلب من رؤية المشهود، وعلى الشاهد يرد الوارد. فإن قلت: وما الوارد؟ قلنا: ما يرد على القلب من الخواطر المحمودة من غير تعمّل، وكل ما يرد على القلب من كل اسم إلهيّ، وهو الذي يعطي أحياناً حق اليقين. فإن قلت: وما حق اليقين؟ قلنا: ما حصل من العلم بالعلة ولكن بعد عين اليقين. فإن قلت: وما عين اليقين؟ قلنا: ما أعطته المشاهدة والكشف ابتداء وبعد علم اليقين. فإن قلت: وما علم اليقين؟ قلنا : ما أعطاه الدليل الذي لا يحتمل الشبه الواردة من الخاطر. فإن قلت: وما الخاطر؟ قلنا: ما يرد على القلب والضمير من الخطاب ربانياً كان أو غير ربانيّ ولكن من غير إقامة، فإن أقام فهو حديث نفس فصاحبه مفتقر إلى النفس . فإن قلت: وما النفس؟ قلنا: روح يسلطه الله على نار القلب ليطفىء شررها لأجل سلطان الحقيقة. فإن قلت: وما الحقيقة؟ قلنا: سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه بأنه الفاعل بك فيك منك لا أنت ﴿مَّا مِن دَآبَةٍ إلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] فكأنه حال البعد. فإن قلت: وما البعد؟ قلنا: الإقامة على المخالفات وقد يكون البعد منك وتختلف باختلاف الأحوال فيدل على ما يعطيه قرائن الأحوال وكذلك القرب. فإن قلت: وما القرب؟ قلنا: القيام بالطاعة، وقد يطلق على حقيقة قاب قوسين وهو قدر الخط الذي يقسم قطري الدائرة فيشقها بقسمين وهو غاية القرب المشهود، ولا يدركه إلاَّ صاحب إثبات لا صاحب محو. فإن قلت: فما المحو وما الإثبات؟ قلنا: الإثبات إقامة أحكام العبادات وإثبات المواصلات، وأما المحو فرفع أوصاف العادة وإزالة العلة، وهو أيضاً ما ستره الحق ونفاه وعنه يكون الذوق. فإن قلت: وما الذوق؟ قلنا: أوّل مباديء التجلي المؤدّي إلى الشرب. فإن قلت: وما الشرب؟ قلنا: الوسط من التجلي من مقام يستدعي الري، وقد يكون من مقام لا يستدعي الري، وقد يكون مزاج الشارب لا يقبل الري. فإن قلت: وما الري؟ قلنا: غايات التجلي في كل مقام، فإن كان المشروب خمراً أدّى إلى السكر. فإن قلت: وما السكر؟ قلنا: غيبة بوارد قوي مفرح يكون عنه صحو في الكبير. فإن قلت: فما الصحو؟ قلنا: رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة بوارد قوي. فإن قلت: وما ١٩٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف الغيبة؟ قلنا: غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لشغل الحسّ بما ورد عليه من الحضور. فإن قلت: وما الحضور؟ قلنا: حضور القلب بالحق عند غيبته فيتصف الفناء . فإن قلت: وما الفناء؟ قلنا: فناء رؤية العبد فعله بقيام الله على ذلك وهو شبه البقاء. فإن قلت: وما البقاء؟ قلنا: رؤية العبد قيام الله على كل شيء من عين الفرق. فإن قلت: ومـ الفرق؟ قلنا: إشارة إلى خلق بلا حق، وقيل مشاهدة العبودة وهو نقيض الجمع. فإن قلت : وما الجمع؟ قلنا: إشارة إلى حق بلا خلق وعليه يرد جمع الجمع. فإن قلت: وما جمع الجمع؟ قلنا: الاستهلاك بالكلية في الله عند رؤية الجمال. فإن قلت: وما الجمال؟ قلنا: نعوت الرحمة والألطاف من الحضرة الإلهية باسمه الجميل، وهو الجمال الذي له الجلال المشهود في العالم. فإن قلت: وما الجلال؟ قلنا: نعوت القهر من الحضرة الإلهية الذي يكون عنده الوجود. فإن قلت: وما الوجود؟ قلنا: وجدان الحق في الوجد. فإن قلت : وما الوجد؟ قلنا: ما يصادف القلب من الأحوال المغنية له عن شهوده وإن تقدمه التواجد. فإن قلت: وما التواجد؟ قلنا: استدعاء الوجد وإظهار حالة الوجد من غير وجد لأنس يجده صاحبه . فإن قلت: وما الأنس؟ قلنا: أثر مشاهدة جمال الحضرة الإلهية في القلب وهو جلال الجمال فإنه لا يكون عنه الهيبة. فإن قلت: وما الهيبة؟ قلنا: هي مشاهدة جمال الله في القلب، وأكثر الطبقة يرون الأنس والبسط من الجمال وليس كذلك. فإن قلت: وما البسط؟ قلنا: هو عندنا من يسع الأشياء ولا يسعه شيء، وقيل: هو حال الرجاء، وقيل: هو وارد توجبه إشارة إلى قبول ورحمة وأنس وهو نقيض القبض. فإن قلت: وما القبض؟ قلنا: حال الخوف في الوقت ووارد يرد على القلب توجبه إشارة إلى عتاب وتأديب، وقيل: أخذوا رد الوقت وهاتان الحالتان قد توجدان لأهل المكان. فإن قلت: وما المكان؟ قلنا: منزلة في البساط لا تكون إلاَّ لأهل الكمال الذين تحققوا بالمقامات والأحوال وجازوها إلى المقام الذي فوق الجلال والجمال فلا صفة لهم ولا نعت. قيل لأبي يزيد: كيف أصبحت؟ قال: لا صباح لي ولا مساء، إنما الصباح والمساء لمن تقيد بالصفة ولا صفة لي، واختلف أصحابنا في هذا القول هل هو شطح أو ليس بشطح؟ فإن المكان اقتضاه له. فإن قلت: وما الشطح؟ قلنا: عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى وهي نادرة أن توجد من المحققين أهل الشريعة . فإن قلت: وما الشريعة؟ قلنا: عبارة عن الأمر بالتزام العبودية الذي لا يكون معها عين التحكم. فإن قلت: وما عين التحكم؟ قلنا: تحدّي الولي بما يريده إظهاراً لمرتبته لأمر يراه فيزعجه. فإن قلت: وما الانزعاج؟ قلنا: أثر الواعظ الذي في قلب المؤمن وفي أصحاب الأحوال التحرّك للوجد والأنس. فإن قلت: وما الحال؟ قلنا: هو ما يرد على القلب من غير تعمّل ولا اجتلاب، ومن شرطه أن يزول ويعقبه المثل بعد المثل إلى أن يصفو وقد لا يعقبه المثل، ومن هنا نشأ الخلاف بين الطائفة في دوام الأحوال، فمن رأى تعاقب الأمثال ولم يعلم أنها أمثال قال في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٩٩ بدوامه واشتقه من الحلول، ومن لم يعقبه مثل قال بعدم دوامه واشتقه من حال يحول إذا زال، وأنشدوا في ذلك: [السريع] لو لم تَحُلْ ما سمِيْتَ حالا وكل ما حال فقد زالا وقد قيل: الحال تغير الأوصاف على العبد، فإذا استحكم وثبت فهو المقام. فإن قلت : وما المقام؟ قلنا: عبارة عن استيفاء حقوق المراسم على التمام وغاية صاحبه أن لا مقام وهو الأدب. فإن قلت: وما الأدب؟ قلنا: وقتاً يريدون به أدب الشريعة، ووقتاً أدب الخدمة، ووقتاً أدب الحق، فأدب الشريعة الوقوف عند مراسمها وهي حدود الله، وأدب الخدمة الفناء عن رؤيتها مع المبالغة فيها برؤية مجريها، وأدب الحق أن تعرف مالك وماله، والأديب من كان بحكم الوقت أو من عرف وقته. فإن قلت: وما الوقت؟ قلنا: ما أنت به من غير نظر إلى ماض ولا إلى مستقبل هكذا حكم أهل الطريق. فإن قلت: وما الطريق عندهم؟ قلنا: عبارة عن مراسم الحق المشروعة التي لا رخصة فيها من عزائم ورخص في أمكانها، فإن الرخص في أماكنها لا يأتيها إلاَّ ذو عزيمة، فإن كثيراً من أهل الطريق لا يقول بالرخص وهو غلط، فإنه يفوته محبة الله في إتيانها فلا يكون له ذوق فيها، فهو كمثل الذي يقضي ولا يتنفل دائماً وهو غاية الخطأ بل المشروع أن يتطوّع، فإن نقصت فرائضه كملت له من تطوّعه وهو النوافل، وإن لم ينتقص منها شيئاً كانت له نوافل كما نواها، ويحصل له ذوق محبة الله إياه من أجلها، فقد أبطل شرع الله من لم تكن هذه حاله، فإنه إن كانت فريضته تامة لم يجز قضاؤها فقد شرع ما لم يشرع له ولم يأذن به الله، وأن الله ما يكتبها له نافلة فإنه ما نواها وقد أساء الأدب مع الله حيث سمّاها الله تطوّعاً وقال: هذا قضاء فلا يحصل له ثمرة النوافل لأنها غير منوية ولا ورد في ذلك شرع أنه يكتب له ما نواه قضاء نافلة، هذا هو الطريق الذي يكون فيه سفر القوم. فإن قلت: وما السفر؟ قلنا: القلب إذا أخذ في التوجه إلى الحق تعالى بالذكر بحق أو بنفس كيف كان يسمى مسافراً. فإن قلت: وما المسافر؟ قلنا: هو الذي سافر بفكره في المعقولات وهو الاعتبار في الشرع، فعبر من العدوة الدنيا إلى العدوة القصوى وهو العامل السالك. فإن قلت: وما السالك؟ قلنا: هو الذي مشى على المقامات بحاله لا بعلمه وهو العمل فكان له عيناً، قال ذو النون: لقيت فاطمة النيسابورية فما ذكرت لها مقاماً إلاَّ كان ذلك المقام لها حالاً، وقد يحصل هذا للمراد والمريد. فإن قلت: وما المراد وما المريد؟ قلنا: المراد عبارة عن المجذوب عن إرادته مع تهيؤ الأمر له فجاوز الرسوم كلها والمقامات من غير مكابدة، وأما المريد فهو المتجرّد عن إرادته، وقال أبو حامد: هو الذي صحّ له الأسماء ودخل في جملة المنقطعين إلى الله بالاسم، وأما المريد عندنا فنطلقه على شخصين لحالين: الواحد من سلك الطريق بمكابدة ومشاق ولم تصرفه تلك المشاق عن طريقه. والآخر من تنفذ إرادته في الأشياء، وهذا هو المتحقق بالإرادة لا المراد. فإن قلت: وما الإرادة؟ قلنا: لوعة في القلب يطلقونها ويريدون بها إرادة التمني وهي منه، وإرادة الطبع ومتعلقها الخط النفسي، وإرادة الحق ومتعلقها الإخلاص ٢٠٠ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف وذلك بحسب الهاجس. فإن قلت: وما الهاجس؟ قلنا: الخاطر الأوّل وهو الخاصر الربانيّ الذي لا يخطىء أبداً ويسمونه السبب الأوّل ونقر الخاطر. فهذا قد بيّنا لك ارتبصـ المقامات والمراتب بضرب من التناسب وتعلق بعضها ببعض، وقليل من سلك في إيضاحها هذا المسلك، وهذا مساق المسلسل في لغات العرب وهي طريقة غريبة أشار إليها إبراهيم بن أدهم وغيره رضي الله عنهم، وبان منها شرح ألفاظ اصطلاح القوم فحصل من ذلك منها فائدتان: الواحدة معرفة ما اصطلحوا عليه. والثاني المناسبات التي بينهما والله الموفق. السؤال الرابع والخمسون ومائة: ما تأويل أم الكتاب؟ فإنه ادّخرها من جميع الرسل له ولهذه الأمة. الجواب: الأم هي الجامعة، ومنه أمّ القرى، والرأس أمّ الجسد يقال: أمّ رأسه لأنه مجموع القوى الحسّيّة والمعنوية كلها التي للإنسان وكانت الفاتحة أمّاً لجميع الكتب المنزلة وهي القرآن العظيم أي المجموع العظيم الحاوي لكل شيء، وكان محمد وَالار قد أوتي جوامع الكلم فشرعه تضمن جميع الشرائع وكان نبياً وآدم لم يخلق، فمنه تفرعت الشرائع لجميع الأنبياء عليهم السلام هم إرساله ونوابه في الأرض لغيبة جسمه، ولو كان جسمه موجوداً لما كان لأحد شرع معه وهو قوله: ((لَوْ كَانَ مُوسَى حَيّاً مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَني)) وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٤] ونحن المسلمون وعلماؤنا الأنبياء ونحكم على أهل كل شريعة بشريعتهم فإنها شريعة نبينا إذ هو المقرّر لها وشرعه أصلها، وأرسل إلى الناس كافة ولم يكن ذلك لغيره والناس من آدم إلى آخر إنسان وكانت فيهم الشرائع فهي شرائع محمد رَّيه بأيدي نوّابه فإنه المبعوث إلى الناس كافة، فجميع الرسل نوّابه بلا شك، فلما ظهر بنفسه لم يبق حكم إلاّ له، ولا حاكم إلاَّ رجع إليه، واقتضت مرتبته أن تختص بأمر عند ظهور عينه في الدنيا لم يعطه أحد من نوابه . ولا بدّ أن يكون ذلك الأمر من العظم بحيث إنه يتضمن جميع ما تفرّق في نوابه وزيادة وأعطاه أمّ الكتاب فتضمنت جميع الصحف والكتب وظهر بها فينا مختصرة سبع آيات تحتوي على جميع الآيات، كما كانت السبع الصفات الإلهية تتضمن جميع الأسماء الإلهية كلها، ويرجع كل اسم إلهيّ إلى واحد منها بلا شك، وقد فعل ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني في كتاب الجليّ والخفيّ له فردّ جميع الأسماء إليها وما وجد من الأسماء الإلهية لصفة الكلام إلاَّ الاسم الشكور والشاكر خاصة، وباقي الأسماء قسمها على الصفات فقبلتها حيث تتضمنها بلا شك، فمنها ما ألحقه بالعلم، ومنها بالقدرة وسائر الصفات، فكذلك أم الكتاب ألحق الله بها جميع الكتب والصحف المنزلة على الأنبياء نوّاب محمد 8ّ فادخرها له ولهذه الأمة ليتميز على الأنبياء بالتقدم، وأنه الإمام الأكبر، وأمته التي ظهر فيها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١١٠] لظهوره بصورته فيهم، وكذلك القرن الذي ظهر فيهم خير القرون لظهوره فيه بنفسه وقبل ذلك وبعده بشرعه، فمن جمعية هذه الأمّة أن جعل الله لأوليائها حظاً في نعوت أهل البعد عن الله بطريق القربة، فيقع الاشتراك في اللفظ والمعنى ويتغير