النص المفهرس

صفحات 161-180

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٦١
الكشف والعلم، وكانت عين الظل النسبية فكانت عين الرحمة، فجمعت الألوهية بين العلم
والرحمة في حق الكون وهو المألوه، وفي حق الأسماء الإلهية فما أعطاه هذا المقام الإلهي فهو
ملك الضياء وهو أرفع من ملك السموات والأرض وما بينهما ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: الآية ١٨٧] بل لا يؤمنون، وقد نبهتك على ما فيه غنية وشفاء في ملك الضياء:
[مجزوء الكامل]
فالكُلُّ في ملك الضيا
والكلُّ في عين الظُّلا
ءِ وليس عندَهُمُ خَبَرْ
ل وهو المسمَّى بالمَقَرّ
قد حُزْتُهُ بين البشَرْ
فالحمدُ لله الذي
في عصرنا هذا فهل
يعرف ما قدقلتُه
هذا هو العِلْمُ الذي
هل كان إلاَّ خَزقهُ
وقتلَ نفسِ رحمةً
وسترَهُ كنْزَ الذي
وعِلْمُنا بالله لا
فأين ذا من ذاك يا
هذا هو العلمُ الذي
ودونه الشمسُ التي
في مقعدٍ من صِدْقِهِ
متّكىٍ على سُرُزْ
في وقتنا من مُذَّكِز
كما أتانا في الزُّبُز
يقضي على علم الخَضِزْ
سفينةً ذاتَ دُسُز
لو أنه يحيا كَفَز
كان يتيماً يحتَقِرْ
بعينِ كونٍ عن نَظَرْ
أهلَ القَلوبِ والبَصَرْ
يُقال سحرٌ مستمِرّ
تُكْسَفُ فيه والقَمَزْ
عند مليكِ مُقْتَدِز
وسْطَ جنانٍ في نَهَزْ
السؤال الثالث عشر ومائة: ما صفات ملك القدس؟ الجواب: قالت الملائكة :
﴿وَنُقَدِّسُ لَكِّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] تعني ذواتها أي من أجلك لنكون من أهل ملك القدس،
فالمتطهرون من البشر من أهل الله من ملك القدس، وأهل البيت من ملك القدس، والأرواح
العلا كلها من غير تخصيص من ملك القدس، فتختلف صفات ملك القدس باختلاف ما تقبله
ذواتهم من التقديس، ولما نعت الله اسم الملك بالاسم القدوس والملك يطلب الملك
فيضاف الملك إلى القدس كما يضاف إلى الآلاء وغيرها، وذوات ملك القدس على نوعين
في التقديس: فمنهم ذوات مقدسة لذاتها وهي كل ذات كونية لم تلتفت قط إلى غير الاسم
الإلهيّ الذي عنه تكوّنت فلم يطرأ عليها حجاب يحجبها عن إلهها فتتصف لذلك الحجاب
بأنها غير مقدسة أي لا تضاف إلى القدس فتخرج عن ملك القدس وهم الذين ﴿يُسَبِّحُونَ الَيْلَ
وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٠] أي ينزهون ذواتهم عن التقديس العرضي بالشهود
الدائم، وهذا مقام ما ناله أحد من البشر إلاَّ من استصحب حقيقته من حين خلفت شهود
الاسم الإلهيّ الذي عنه تكوّنت وبقي عليها هذا الشهود حين أوجد الله لها مركبها الطبيعيّ
الفتوحات المكية ج٣ - م١١

١٦٢ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسر . سنه من لمسة ولاحرف
الذي هو الجسم، ثم استمرّ لها ذلك إلى حين الانتقال إلى البرزخ من غير موت معنويّ و۔
مات حسّاً، وهذا والله أعلم ناله محمد بَّ فإنه قال: ((كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ وَالطَينِ)) يريد
أن العلم بنبوته حصل له وآدم بين الماء والطين، واستصحبه ذلك إلى أن وجد جسمه في بلد .
يكن فيه موحّد لله، ولم يزل على توحيد الله لم يشرك كما أشرك أهله وقومه، ثم إنه لما استقامت
آلاته الحسيّة وتمكن من العمل بها بحسب ما وجدت له واستحكم بنيان قصر عقله وخزانة فكره
واعتدلت مظاهر قواه الباطنة لم يصرفها إلاَّ في عبادة خالقه، فكان يخلو بغار حرا للتحنّث فيه
إلى أن أرسله الله إلى الناس كافة فكان يذكر الله على كل أحيانه كما ذكرت عنه عائشة أم المؤمنين
رضي الله عنها، وقد قال وَّ عن نفسه وهو الصادق: ((أَنَّهُ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ)) فأخبر عن
قلبه أنه لا ينام عند نوم عينه عن حسّه، فكذلك موته إنما مات حسّاً كما نام حسّاً، فإن الله
يقول له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [سورة الزمر: الآية ٣٠] وكما أنه لم ينم قلبه لم يمت قلبه، فاستصحبته الحياة
من حين خلقه الله، وحياته إنما هي مشاهدة خالقه دائماً لا تنقطع .
وقد أخبر ذو النون المصري حين سئل عن قوله تعالى في أخذ الميثاق فقال: كأنه الآن
في أذني يشير إلى علمه بتلك الحال، فإن كان عن تذكّر فلم يلحق بالملائكة في هذا المقام،
وإن لم يكن عن تذكّر بل استصحاب حال من حين أشهد إلى حين سئل فيكون ممّن خصّه الله
بهذا المقام فلا أنفيه ولا أثبته، وما عندي خبر من جانب الحق تعالى في ذلك مروي ولا غير
مروي أنه ناله أحد من البشر، وإنما ذكرنا ذلك في حق رسول الله وَ ﴿ أعني أنه ناله على
طريق الاحتمال لا على القطع فإنه لا علم لي بذلك، والظاهر أنه تخلّله في هذا المقام ما
يتخلّل البشر فإنه كثيراً ما أوحى إليه في القرآن أن يقول: ﴿قُلّ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [سورة
فصلت: الآية ٦] فاستروحنا من هذا أن حكمه حكم البشر إلاَّ ما خصّه الله به من التقريب الإلهيّ
الذي ورد وثبت عندنا، وقد ثبت عنه أنه قال: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ البَشَرُ وَأَرْضَى
كَمَا يَرضَى البَشَرُ)) والرضى والغضب من صفات النفس الحيوانية في البشر لا من صفات النفس
الناطقة، وإن اتصفت النفوس الناطقة بالرضى والغضب فما هو على حد ما أراده بقوله:
((أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ البَشَرُ وَأَرْضَى كَمَا يَرْضَى البَشَرُ» وإذا قلنا بإضافة ذلك إلى النفس الحيوانية
لما نشاهده من الحيوانات من ذلك.
وقد ثبت النهي عن رسول الله وَّر عن التحريش بين البهائم وجميع الحيوان كله من
صفته المباشرة التي بحقيقتها سمّي الإنسان بشراً، وبهذا القدر تبين فضل الملك على الإنسان
في العبادة لكونه لا يفتر، لأن حقيقة نشأته تعطيه أنه لا يفتر، فتقديسه ذاتي لأن تسبيحه لا
يكون إلاَّ عن حضور مع المسبح، وليس تسبيحه إلاّ لمن أوجده، فهو مقدس الذات عن
الغفلات فلم تشغله نشأته الطبيعية النورية عن تسبيح خالقه على الدوام مع كونهم من حيث
نشأتهم يختصمون، كما أن البشر من حيث نشأته تنام عينه ولا ينام قلبه، ولم يعط البشر قوّة
الملك في ذلك لأن الطبيعة يختلف مزاجها في الأشخاص، وهذا مشهود بالضرورة في عالم
العناصر، فكيف بمن هو في نسبته إلى الطبيعة أقرب من نسبة العناصر إليها، وعلى قدر ما

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٦٣
يكون بين الطبيعة المجرّدة وبين ما يتولد عنها من وسائط المولدات يكثف الحجاب وتترادف
الظلم، فأين نسبة آخر موجود من الأناسي من ربه من حيث خلق جسد آدم بيديه من نسبة آدم
إلى ربه من حيث خلقه بيديه، فآدم يقول: خلقني ربي بيديه، وابنه شيث يقول: بيني وبين
يدي ربي أبي، وهكذا الموجودات الطبيعية مع الطبيعة من ملك وفلك وعنصر وجماد ونبات
وحيوان وإنسان وملك مخلوق من نفس إنسان، وهذا الملك آخر موجود طبيعيّ، ولا يعرف
ذلك من أصحابنا إلاَّ القليل فكيف من ليس من أهل الإيمان والكشف.
وأما القسم الذي تقديسه لا من ذاته فهي كل ذات يتخلّل شهودها خالقها غفلات،
فالأحيان التي تكون فيها حاضرة مع خالقها هي من ملك القدس، وسنبين ما ذكرناه في سؤاله
ما القدس إذا أجبنا عنه بعد هذا إن شاء الله، فمن صفات ملك القدس التباعد عن الطبيعة
بالأصل، والتباعد عن مشاهدة آثار الأسماء الإلهية بمشاهدة الأسماء الإلهية لا من كونها
مؤثرة بل بما تستحقه الألوهية والذات، فإذا كان القدس عين الملك وأضيف إلى عينه
لاختلاف اللفظ واختلاف معنى الملك والقدس فإنه يدل على المبالغة في الطهارة والمبالغة
في الطهر هي نسبة في الطهر ما هي عين الطهر لوجود الطهر دونها، وما هي غير الطهر فإن
المبالغة ليست سوى استقصاء هذه الصفة، فيكون ملك القدس استقصاء وهو المبالغة فيه
فيكون سؤاله عن صفاته الذاتية، فإن هذه المراتب نشآت في المعاني كالنشآت الطبيعية، وقد
علمت أن النشء الطبيعيّ كما أخبر الله مخلقة وغير مخلقة أي تامة الخلق وغير تامة الخلق،
والغير التامة الخلق داخلة في قوله: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فأعطى النقص
خلقه أن يكون نقصاً، فالزيادة على النقص الذي هو عينه لو كانت لكانت نقصاً فيه ولم يعط
النقص خلقه فتمام النقص أن يكون نقصاً.
السؤال الرابع عشر ومائة: ما القدس؟ الجواب: الطهارة وهي ذاتية وعرضية، فالذاتية
كتقديس الحضرة الإلهية التي أعطيها الاسم القدوس فهي القدس عن أن تقبل التأثّر فيها من
ذاتها، فإن قبول الأثر تغيير في القابل، وإن كان التغيير عبارة عن زوال عين بعين إما في محل
أو مكان، فيوصف المحل أو المكان بالتغيير، ومعنى ذلك أنه كان هذا المحل مثلاً أصفر
فصار أخضر، أو كان ساكناً فصار متحرّكاً، فتغير المحل أي قبل الغير، فالقدس والقدوس لا
يقبل التغيير جملة واحدة، وأما القدس العرضي فيقبل الغير وهو النقيض، وما تفاوت الناس
إلاَّ في القدس العرضي، فمن ذلك تقديس النفوس بالرياضات وهي تهذيب الأخلاق،
وتقديس المزاج بالمجاهدات، وتقديس العقول بالمكاشفات والمطالعات، وتقديس الجوارح
بالوقوف عند الأوامر والنواهي المشروعات، ونقيض هذا القدس ما يضاده ممّا لا يجتمع معه
في محل واحد في زمان واحد، فهذا هو القدس الذي ذكرنا ملكه، فالقدس العارف لا يكون
إلا في المركبات، فإذا اتصف المركب بالقدس فذلك المسمّى حظيرة القدس أي المانعة قبول
ما يناقض كونها قدساً، ومهما لم تمنع فلا تكون حظيرة قدس فإن الحظر المنع ﴿وَمَا كَانَ
عَطَاءُ رَبِّكَ مَخْطُورًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٠] أي ممنوعاً، فالقدس حقيقة إلهية سيالة سارية في

١٦٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
المقدسين، لا يدرك لنورها لون مخصوص معين، ولا عين تسري في حقائق الكون، ليس
العالم الأرواح المنفصلين عن الظلمة عليها أثر، وذلك أن الأرواح المدبّرة للأجسام العنصرية
لا يمكن أن تدخل أبداً حظيرة القدس، ولكن العارض الكامل يشهدها حظيرة قدس فيقول
العارف عند ذلك: إن هذه الأرواح لا تدخل حظيرة القدس أبداً لأن الشيء يستحيل أن يدخل
في نفسه فهي عنده حظيرة قدس، وغير العارف يشارك العارف في هذا الإطلاق فيقول: إنها
لا تدخل حظيرة القدس أي لا تتصف بالقدس أبداً، فإن ظلمة الطبع لا تزال تصحب الأرواح
المدبّرة في الدنيا والبرزخ والآخرة فاختلفا في المشهد وكل قال حقاً وأشار إلى معنى وما
تواردوا على معنى واحد، ولهذا لا يتصوّر الخلاف الحقيقيّ في هذا الطريق، فإذا كان ملك
القدس كل من اتصف بالطهارة الذاتية والعرضية، والقدوس اسم إلهيّ منه سرت الطهارة في
الطاهرات كلها، فمن نظر الأشياء كلها بعين ارتباطها بالحقائق الإلهية كان ملك القدس جميعٍ
ما سوى الله من هذه الحيثية، ومن نظر الأشياء من حيث أعيانها فليس ملك القدس منها إلا
من كان طهوره عرضياً .
وأما الطهور الذاتيّ فلا ينبغي أن يكون ملك القدس إلاّ أن يكون ملك القدس عين
القدس، فحينئذ يصحّ أن يقال فيه ملك القدس، وطهور كل مطهر بحسب ما تقضيه ذاته من
الطهارة، فطهارة حسّيّة وطهارة معنوية، فملك القدس منه ما هو من عالم المعاني، ومنه ما
هو من عالم الحسّ، وقد تورث الأسباب الحسّيّة المطهرة طهارة معنوية، وقد تورث الأسباب
المعنوية المطهرة طهارة حسّيّة، فأما الأول: فقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ
◌ِيطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطِنِ وَلِيَرِبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [سورة الأنفال: الآية
١١] وسبب هذه الطهارة المعنوية كلها إنما هو نزول هذا الماء من السماء. وأما الثاني فقول
النبيّ ◌َّة لأبي هريرة حين كان جنباً فانتزع أبو هريرة يده من يد النبي وقال تعظيماً له لكونه غير
طاهر لجنابة أصابته فقال له رسول الله وَلّر: ((إِنَّ المُؤْمِنَ لاَ يَنْجَسُ فَعَرَقُ المُؤْمِنِ وَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ))
فهذه طهارة حسّيّة عن طهر معنويّ، وكذلك المقدس طهارته الحسّيّة عن طهر معنويّ فإن له
التواضع وهو مسيل الحياة والعلم والحياة مطهرة والعلم كذلك فبالمجموع نال الطهارة، فإن
الأودية كلها طاهرة وإنما تنجس بالعرض، وكل واد به شيطان فهو نجس، فما يجد المؤمن فيه
خيراً لأجل ذلك الشيطان كما ثبت عن رسول الله وَّرَ: ((أَنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ)) فارتفع عنه وصلَّ
في موضع آخر. ووادي عرنة بعرفة موقف إبليس، وكذلك بطن محسر، فلهذا أمرنا بالارتفاع يوم
عرفة عن بطن عرنة، وأمرنا بالإسراع في بطن محسر، ولهذا يعتبر الأولياء أهل الكشف ألفاظ
الذكر، كان شيخنا يقول: الله الله، فقلت له: لم لا تقول لا إله إلاَّ الله؟ فقال: أخاف أن أموت في
وحشة النفي إذ كان كل حرف نفس، فهذا مثل الإسراع في بطن محسر لئلا يدركه الموت في مكان
غير طاهر، ولأولياء الله في هذا الكشف التام نظر دقيق جعلنا الله من أهله.
السؤال الخامس عشر ومائة: ما سبحات الوجه؟ الجواب: وجه الشيء ذاته وحقيقته،
فهي أنوار ذاتية بيننا وبينها حجب الأسماء الإلهية ولهذا قال: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٦٥
[سورة القصص: الآية ٨٨] في أحد تأويلات هذا الوجه، وهذه السبحات في العموم باللسان
الشامل أنوار التنزيه وهو سلب ما لا يليق به عنه وهي أحكام عدمية، فإن العدم على الحقيقة
هو الذي لا يليق بالذات وهنا الحيرة فإنه عين الوجود فإذا لا ينزّه عن أمر وجوديّ، ولهذا
كانت الأسماء الإلهية نسباً إن تفطنت أحدثت هذه النسب أعيان الممكنات لما اكتسبت من
الحالات من هذه الذات، فكل حال تلفظ باسم يدل عليه من حيث نفسه إما بسلب أو إثبات
أو بهما، وهي هذه الأسماء على قسمين: قسم كله أنوار وهي الأسماء التي تدل على أمور
وجودية، وقسم كله ظلم وهي الأسماء التي تدل على التنزيه، فقال: ((إِنَّ لِلَّهِ سَبْعِينَ حِجَاباً أَوْ
سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ لَوْ كَشَفَهَا لِأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ
خَلْقِهِ)) فإنه لو رفع الأسماء الإلهية ارتفعت هذه الحجب، ولو ارتفعت الحجب التي هي هذه
الأسماء ظهرت أحدية الذات، ولا يقف لأحديتها عين تتصف بالوجود، فكانت تذهب وجود
أعيان الممكنات، فلا توصف بالوجود لأنها لا تقبل الاتصاف بالوجود إلاَّ بهذه الأسماء، ولا
تقبل الاتصاف بهذه الأحكام كلها عقلاً وشرعاً إلاَّ بهذه الأسماء، فالممكنات من خلف هذه
الحجب تما يلي حضرة الإمكان، فهو تجل ذاتي أورثها الاتصاف بالوجود من خلف حجاب
الأسماء الإلهية، فلم يتعلق لأعيان الممكنات علم بالله إلاَّ من حيث هذه الأسماء عقلاً وكشفاً.
السؤال السادس عشر ومائة: ما شراب الحب؟ الجواب: تجلّ متوسط بين تجليين؛
وهو التجلّي الدائم الذي لا ينقطع وهو أعلى مقام يتجلى الحق فيه لعباده العارفين وأوله تجلّي
الذوق. وأما التجلّي الذي يقع به الريّ فهو لأصحاب الضيق فغاية شربهم ريّ. وأما أهل
السعة فلا ريّ لشربهم كأبي يزيد وأمثاله، فأول ما أقدّم في هذا السؤال معرفة الحب وحينئذ
يعرف شرابه الذي أضيف إليه وكأسه .
فاعلم أن الحب على ثلاث مراتب: حب طبيعي وهو حب العوامّ وغايته الاتحاد في
الروح الحيوانيّ فتكون روح كل واحد منهما روحاً لصاحبه بطريق الالتذاذ وإثارة الشهوة
ونهايته من الفعل النكاح، فإن شهوة الحب تسري في جميع المزاج سريان الماء في الصوفة
بل سريان اللون في المتلون. وحب روحانيّ نفسيّ وغايته التشبّه بالمحبوب مع القيام بحق
المحبوب ومعرفة قدره. وحب إلهيّ وهو حب الله للعبد وحب العبد ربه كما قال: ﴿يُحِبُهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥٤] ونهايته من الطرفين أن يشاهد العبد كونه مظهراً للحق وهو
لذلك الحق الظاهر كالروح للجسم باطنه غيب فيه لا يدرك أبداً ولا يشهده إلاَّ محب، وأن
يكون الحق مظهراً للعبد فيتصف بما يتصف به العبد من الحدود والمقادير والأعراض ويشاهد
هذا العبد وحينئذ يكون محبوباً للحق، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا حدّ للحب يعرف به ذاتيّ،
ولكن يحد بالحدود الرسمية واللفظية لا غير، فمن حدّ الحب ما عرفه ومن لم يذقه شرباً ما
عرفه، ومن قال: رويت منه ما عرفه فالحب شرب بلا ريّ. قال بعض المحجوبين: شربت
شربة فلم أظمأ بعدها أبداً، فقال أبو يزيد: الرجل من يحسي البحار ولسانه خارج على صدره
من العطش وهذا هو الذي أشرنا إليه.

١٦٦ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقبلة والاتحرف
واعلم أنه قد يكون الحب طبيعياً والمحبوب ليس من عالم الطبيعية، ولا يكون الحب
طبيعياً إلاَّ إذا كان المحب من عالم الطبيعة لا بدّ من ذلك، وذلك أن الحب الطبيعيّ سببه نظرة
أو سماع فيحدث في خيال الناظر ممّا رآه إن كان المحبوب ممّن يدرك بالبصر، وفي خيـ
السامع ممّا سمع فحمله في نشأته فصوّره في خياله بالقوّة المصوّرة، وقد يكون المحبوب ذ
صورة طبيعية مطابقة لما تصوّر في الخيال أو دون ذلك أو فوق ذلك، وقد لا يكون للمحبوب
صورة ولا يجوز أن يقبل الصور، فصور هذا المحبّ من السماع ما لا يمكن أن يتصوّر، ولم
يكن مقصود الطبيعة في تصوير ما لا يقبل الصورة إلا اجتماعها على أمر محصور ينضبط لهـ
مخافة التبديد والتعلّق بما ليس في اليد منه شيء، فهذا هو الداعي لما ذكرناه من تصوير من
ليس بصورة، أو من تصوير من لم يشهد له صورة وإن كان ذا صورة، وفعل الحبّ في هذه
الصورة أن يعظم شخصها حتى يضيق محل الخيال عنها فيما يخيّل إليه فتثمر تلك العظمة
والكبر التي في تلك الصورة نحولاً في بدن المحبّ فلهذا تنحل أجساد المحبين، فإن مواذ
الغذاء تنصرف إليها فتعظم وتقل عن البدن فينحل، فإن حرقة الشوق تحرقه فلا يبقى للبدن ما
يتغذى به، وفي ذلك الاحتراق نموّ صورة المحبوب في الخيال فإن ذلك أكلها، ثم إن القوّة
المصوّرة تكسو تلك الصورة في الخيال حسناً فائقاً وجمالاً رائقاً يتغير لذلك الحسن صورة
المحب الظاهرة فيصفر لونه وتذبل شفته وتغور عينه، ثم إن تلك القوّة تكسو تلك الصورة قوّة
عظيمة تأخذها من قوّة بدن المحبّ فيصبح المحبّ ضعيف القوى ترعد فرائصه، ثم إن قوّة
الحبّ في المحب تجعله يحبّ لقاء محبوبه ويجبن عند لقائه لأنه لا يرى في نفسه قوّة للقائه،
ولهذا يغشى على المحب إذا لقي المحبوب ويصعق، ومن فيه فضلة وحبّه ناقص يعتريه عند
لقاء محبوبه ارتعاد وخبلان كما قال بعضهم: [الوافر]
أفكّرُ ما أقول إذا افترقنا
وأُحْكِمُ دائباً حُجَجَ المَقَالِ
وأنطقُ حين أنطقُ بالمُحَالِ
فأنساها إذا نحن التقينا
ثم إن قوّة الحبّ الطبيعيّ تشجع المحب بين يدي محبوبه له لا عليه، فالمحب جبان
شجاع مقدام، فلا يزال هذا حاله ما دامت تلك الصورة موجودة في خياله إلى أن يموت
وينحل نظامه أو تزول عن خياله فيسلو. ومن الحب الطبيعيّ أن تلتبس تلك الصورة في خياله
فتلصق بصورة نفسه المتخيلة له، وإذا تقاربت الصورتان في خياله تقارباً مفرطاً وتلتصق به
لصوق الهواء بالناظر يطلبه المحب في خياله فلا يتصوره ويضيع ولا ينضبط له للقرب المفرط
فيأخذه لذلك خبال وحيرة مثل ما يأخذ من فقد محبوبه، وهذا هو الاشتياق والشوق من
البعد، والاشتياق من القرب المفرط.
كان قيس ليلى في هذا المقام حيث كان يصيح ليلى ليلى في كل ما يكلم به فإنه كان
يتخيّل أنه فقيد لها ولم يكن، وإنما قرب الصورة المتخيلة أفرطت في القرب فلم يشاهدها
فكان يطلبها طلب الفاقد، ألا تراه حين جاءته من خارج فلم تطابق صورتها الظاهرة الصورة
الباطنة المتخيلة التي مسكها في خياله منها فرآها كأنها مزاحمة لتلك الصورة فخاف فقدها فقال

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٦٧
لها: إليك عني فإن حبّك شغلني عنك، يريد أن تلك الصورة هي عين الحبّ فبقي يطلبها ليلى
ليلى، فإذا تقوت تلك الصورة في خيال المحبّ أثرت في المحبوب تأثير الخيال في الحسّ
مثل الذي يتوهم السقوط فيسقط أو يتوهم أمراً ما مفزعاً فيتغير له المزاج فتتغير صورة حسّه،
كذلك هذه الصورة إذا تقوّت أثرت في المحبوب فقيدته وصيرته أشد طلباً لها منها له، فإن
النفوس قد جبلت على حبّ الرياسة، والمحب عبد مملوك بحبه لهذا المحبوب، فالمحبوب
لا يكون له رياسة إلاَّ بوجود هذا المحب فيعشقه على قدر عشقه رياسته، وإنما يتيه عليه
للطمأنينة الحاصلة في نفس المحبوب بأن المحب لا يصبر عنه وهو طالب إياه فتأخذه العزّة
ظاهراً وهو الطالب له باطناً، ولا يرى في الوجود أحداً مثله لكونه ملكه، فالمحب لا يعلّل
فعل المحبوب لأنّ التعليل من صفات العقل ولا عقل للمحب، يقول بعضهم: ولا خير في
حب يدبر بالعقل .
وأنشدني أبو العباس المقراني وكان من المحبين لنفسه: الحب أملك للنفوس من
العقل. والمحبوب يعلل أفعال المحب بأحسن التعليل لأنه ملكه، فيريد أن يظهر شرفه وعلوه
حتى يعلو المحبوب إذ هو المالك وهو يحب الثناء على نفسه وهذا كله فعل الحب فعل في
المحبوب ماذكرناه وفعل في المحب ما ذكرناه، وهذا من أعجب الأشياء أنّ المعنى أوجب
حكمه لمن لم يقم به وهو المحبوب فإنه أثر فيه حب المحب كما أثر في المحب، كمسألة
المعتزلي أن الله مريد بإرادة لم تقم بمحل بل خلقها إما في محل أو في لا محل وأراد بها،
وهذا خلاف المعقول إيجاب المعاني أحكامها لمن لم تقم به، وكذلك الحب لا يجتمع مع
العقل في محل واحد، فلا بدّ أن يكون حكم الحب يناقض حكم العقل، فالعقل للنطق
والتهيام للخرس. ثم إنه من شأن الحب الطبيعي أن تكون الصورة التي حصلت في خيال
المحب على مقدار المحل الحاصلة فيه بحيث لا يفضل عنها منه ما يقبل به شيئاً أصلاً، وإن
لم يكن كذلك فما هي صورة الحب، وبهذا تخالف صورة الحب سائر الصور كما كانت
صورة العالم على قدر الحضرة الإلهية الأسمائية، فما في الحضرة الإلهية اسم إلهي إلاَّ وهو
على قدر أثره في نشء العالم من غير زيادة ولا نقصان، ولهذا كان إيجاد العالم عن حب.
وقد ورد ما يؤيّد هذا في السنّة وهو قوله: ((كنتُ كنزاً لم أُعْرَفْ فأحببتُ أن أُعْرَفَ
فخلقْتُ الخلقَ وتَعَرَّفْتُ إليهم فعرفوني)). فأخبر أن الحب كان سبب إيجاد العالم فطابق الأسماء
الإلهية، ولولا تعشق النفس بالجسم ما تألم عند مفارقته مع كونه ضداً له، فجمع بين المقادير
والأحوال لوجود النسب والأشكال، فالنسب أصل في وجود الأنساب، وإن كانت الأرواح
تخالف الأشباح والمعاني تخالف الكلمات والحروف، ولكن تدل الكلمة على المعنى بحكم المطابقة
بحيث لو تجسد المعنى لما زاد على كمية الكلمة، ومثل هذا النوع يسمى حباً.
وأما الحب الروحاني فخارج عن هذا الحد وبعيد عن المقدار والشكل، وذلك أن
القوى الروحانية لها التفات نسبي، فمتى عمّت النسب في الالتفاتات بين المحب والمحبوب
عن نظر أو سماع أو علم كان ذلك الحب، فإن نقص ولم تستوف النسب لم يكن حباً، ومعنى

١٦٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
النسب أن الأرواح التي من شأنها أن تهب وتعطي متوجهة على الأرواح التي من شأنها أن
تأخذ وتمسك وتلك تتألم بعدم القبول وهذه تتألم بعدم الفيض وإن كان لا ينعدم إلاَّ أن كونه
لم تكمل شروط الاستعداد والزمان سمّي ذلك الروح القابل عدم فيض وليس بصحيح، فكل
واحد من الروحين مستفرغ الطاقة في حب الآخر، فمثل هذا الحب إذا تمكن من الحبيبين لم
يشك المحبّ فرقة محبوبه لأنه ليس من عالم الأجسام ولا الأجساد، فتقع المفارقة بين
الشخصين أو يؤثر فيه القرب المفرط كما فعل في الحب الطبيعيّ، فالمعاني لا تتقيد ولا تتحيّز
ولا يتخيلها إلاَّ ناقص الفطرة فإنه يصوّر ما ليس بصورة، وهذا هو حبّ العارفين الذين
يمتازون به عن العوام أصحاب الاتحاد، فهذا محب أشبه محبوبه في الافتقار لا في الحال
والمقدار، ولهذا يعرف المحب قدر المحبوب من حيث ما هو محبوب.
وأما الحب الإلهي فمن اسمه الجميل والنور فيتقدّم النور إلى أعيان الممكنات فينفر
عنها ظلمة نظرها إلى نفسها وإمكانها فيحدث لها بصراً هو بصره إذ لا يرى إلاَّ به، فيتجلى
لتلك العين بالاسم الجميل فتتعشق به فيصير عين ذلك الممكن مظهراً له، فيبطن العين من
الممكن فيه وتفنى عن نفسها فلا تعرف أنها محبة له سبحانه، أو تفنى عنه بنفسها مع كونها
على هذه الحالة فلا تعرف أنها مظهر له سبحانه، وتجد من نفسها أنها تحب نفسها، فإن كل
شيء مجبول على حب نفسه وما ثم ظاهر إلاَّ هو في عين الممكن، فما أحب الله إلاَّ الله،
والعبد لا يتصف بالحب إذ لا حكم له فيه فإنه ما أحبه منه سواه الظاهر فيه وهو الظاهر، فلا
تعرف أيضاً أنها محبة له فتطلبه وتحب أن تحبه من حيث أنها ناظرة إلى نفسها بعينه، فنفس
حبّها أن تحبه هو بعينه حبّها له، ولهذا يوصف هذا النور بأنه له أشعة أي أنه شعشعاني
لامتداده من الحق إلى عين الممكن ليكون مظهراً له بنصب الهاء لا اسم فاعل، فإذا جمع من
هذه صفته بين المتضادّات في وصفه فذلك هو صاحب الحب الإلهي، فإنه يؤدّي إلى إلحاقه
بالعدم عند نفسه كما هو في نفس الأمر، فعلامة الحب الإلهي حب جميع الكائنات في كل
حضرة معنوية أو حسية أو خيالية أو متخيلة، ولكل حضرة عين من اسمه النور تنظر بها إلى
اسمه الجليل فيكسوها ذلك النور حلة وجود، فكل محب ما أحب سوى نفسه، ولهذا وصف
الحق نفسه بأنه يحب المظاهر والمظاهر عدم في عين، وتعلق بالمحبة بما ظهر وهو الظاهر
فيها، فتلك النسبة بين الظاهر والمظاهر هي الحب، ومتعلق الحب إنما هو العدم فمتعلقها هنا
الدوام والدوام ما وقع فإنه لا نهاية له وما لا نهاية له لا يتصف بالوقوع، ولما كان الحب من
ـُِهُمْ﴾ ومن صفات الخلق حيث قال ﴿ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية
صفات الحق حيث قال:
٥٤] اتصف الحب بالعزّة لنسبته إلى الحق ووصف الحق به وسرى في الخلق بتلك النسبة
العزية، فأورثت في المحل ذلّة من الطرفين، فلهذا ترى المحب يذلّ تحت عزّ الحب لا عزّ
المحبوب، فإن المحبوب قد يكون مملوكاً للمحب مقهوراً تحت سلطانه ومع هذا تجده يذلّ
له المحب، فعلمنا أن تلك عزّة الحب لا عزّة المحبوب، قال أمير المؤمنين هارون الرشيد في
محبوباته : [الكامل]

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٦٩
وحلَلْنَ من قلبي بكل مكانٍ
مَلَكَ الثلاث الآنساتِ عَنَاني
وأطيعُهُنّ وهنَّ في عِضياني
ما لي تطاوعني البريةُ كلُّها
وبه قَوَيْنَ أَعَزُّ من سلطاني
ما ذاك إلاَّ أنَّ سلطانَ الهوى
فأضاف القوّة إلى الهوى بقوله: سلطان الهوى، يقول الله في غير ما موضع من كتابه
متلطفاً بعباده: ((يا عبادي اشتَقْتُ إليكم وأنا إليكم أشِدُّ شوقاً))، ويخاطبهم بنزول من لطف
خفي، وهذا الخطاب كله لا يتمكن أن يكون منه إلا من كونه محباً، ومثل ذلك يصدر من
المحبين له تعالى، فالمحب في حكم الحب لا في حكم المحبوب، ومن هي صفته عينه فعينه
تحكم عليه لا أمر زائد فلا نقص، غير أن أثره في المخلوقين التلاشي عند استحكامه لأنه يقبل
التلاشي، فلهذا يتنوّع العالم في الصور فيكون في صورة، فإذا أفرط فيها الحب من حيث لا
يعلم وحصل التجلي من حيث لا يظهر تلاشت الصورة وظهرت في العين صورة أخرى وهي
أيضاً مثل الأولى في الحكم راجعة إليه، ولا يزال الأمر كذلك دائماً لا ينقطع، ومن هنا غلط
من يقول: إن العالم لا بدّ له من التلاشي، ومن نهاية علم الله في العالم حيث وصف نفسه
بالإحاطة في علمه بهم، ثم إنه من كرمه سبحانه أن جعل هذه الحقيقة سارية في كل عين ممكن
متصف بالوجود، وقرن معها اللذة التي لا لذة فوقها، فأحب العالم بعضه بعضاً حب تقييد من
حقيقة حب مطلق فقيل: فلان أحب فلاناً، وفلان أحب أمراً ما، وليس إلاَّ ظهور حق في عين
ما أحب ظهور حق في عين أخرى كان ما كان، فمحب الله لا ينكر على محب حبّ من أحب،
فإنه لا يرى محباً إلاَّ الله في مظهر ما، ومن ليس له هذا الحب الإلهي فهو ينكر على من يحب،
ثم إنه ثم دقيقة من كون من قال: إنه يستحيل أن يحب أحد الله تعالى فإن الحق لا يمكن أن
يضاف إليه ولا إلى ما يكون منه نسبة عدم أصلاً، والحب متعلقه العدم، فلا حب يتعلق بالله من
مخلوق، لكن حبّ الله يتعلق بالمخلوق لأنّ المخلوق معدوم، فالمخلوق محبوب لله أبداً دائماً،
وما دام الحبّ لا يتصوّر معه وجود المخلوق فالمخلوق لا يوجد أبداً، فأعطت هذه الحقيقة أن
يكون المخلوق مظهراً للحق لا ظاهراً، فمن أحبّ شخصاً بالحبّ الإلهيّ فعلى هذا الحدّ يكون
حبّه إياه فلا يتقيد بالخيال ولا بجمال مّا فإنها كلها موجودة له فلا يتعلق الحبّ بها، فقد بان
الفرقان بين المراتب الثلاثة في الحبّ، واعلم أنّ الخيال حق كله والتخيّل منه حق ومنه باطل .
السؤال السابع عشر ومائة: ما كأس الحبّ؟ الجواب: القلب من المحب لا عقله ولا
حسّه، فإنّ القلب يتقلب من حال إلى حال، كما أنّ الله الذي هو المحبوب ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي
شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] فيتنوّع المحب في تعلّق حبّه بتنوّع المحبوب في أفعاله، كالكأس
الزجاجيّ الأبيض الصافي يتنوّع بحسب تنوّع المائع الحالّ فيه، فلون الحب لون محبوبه
وليس هذا إلاَّ للقلب، فإنّ العقل من عالم التقييد، ولهذا سمّي عقلاً من العقال والحسّ،
فمعلوم بالضرورة أنه من عالم التقييد بخلاف القلب، وذلك أنّ الحبّ له أحكام كثيرة مختلفة
متضادة، فلا يقبلها إلاَّ من في قوّته الانقلاب معه فيها وذلك لا يكون إلاَّ للقلب، وإذا أضفت
مثل هذا إلى الحق فهو قوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] وأن الله لا

١٧٠ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
يملّ حتى تملّوا. ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. والشرع كله أو أكثره في هذا الباب
وشرابه عين الحاصل في الكأس، وقد بينًا أنّ الكأس هو عين المظهر، والشراب عين الظاهر
فيه، والشرب ما يحصل من المتجّي للمتجلّى له، فاعلم ذلك على الاختصار. انتهى الجزء
التاسع والثمانون.
(الجزء التسعون)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرّحمةِ
السؤال الثامن عشر ومائة: من أين؟ الجواب: من تجلّيه في اسمه الجميل. قال ◌َّ:
((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ)) وهو حديث ثابت، فوصف نفسه بأنه يحب الجمال وهو يحب
العالم، فلا شيء أجمل من العالم وهو جميل والجمال محبوب لذاته، فالعالم كله محب لله، وجمال
صنعه سار في خلقه والعالم مظاهره، فحب العالم بعضه بعضاً مذهب من حب الله نفسه، فإنّ
الحب صفة الموجود، وما في الوجود إلاَّ الله، والجلال والجمال لله وصف ذاتي في نفسه وفي
صنعه، والهيبة التي هي من أثر الجمال، والأنس الذي هو من أثر الجلال نعتان للمخلوق لا
للخالق ولا لما يوصف به ولا يهاب ولا يأنس إلاّ موجود ولا موجود إلاّ الله، فالأثر عين
الصفة، والصفة ليست مغايرة للموصوف في حال اتصافه بها بل هي عين الموصوف، وإن
عقلت ثانياً فلا محب ولا محبوب إلاَّ الله عزّ وجلّ، فما في الوجود إلاَّ الحضرة الإلهية وهي ذاته
وصفاته وأفعاله، كما تقول: كلام الله علمه وعلمه ذاته، فإنه يستحيل عليه أن يقوم بذاته أمر
زائد أو عين زائدة، ما هي ذاته تعطيها حكماً لا يصحّ لها ذلك الحكم دونها تما يكون كمالاً لها
في ألوهيتها، بل لا تصحّ الألوهة إلاَّ بها وهو كونه عالماً بكل شيء، ذكر ذلك عن نفسه بطريق
المدحة لذاته ودلّ عليه الدليل العقليّ، ومن المحال أن تكمل ذاته بغير ما هي ذاته فتكون مكتسبة
الشرف بغيرها، ومن علمه بذاته علم العلماء بالله من الله ما لا تعلمه العقول من حيث أفكارها
الصحيحة الدلالة، وهذا العلم ما تقول فيه الطبيعة أنه وراء طور العقل، قال تعالى في عبده
الخضر: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَا عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] وقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن:
الآية ٤] فأضاف التعليم إليه لا إلى الفكر، فعلمنا أن ثم مقاماً آخر فوق الفكر يعطي العبد العلم
بأمور شتى: منها ما يمكن أن يدركها من حيث الفكر. ومنها ما يجوّزها الفكر وإن لم يحصل
لذلك العقل من الفكر. ومنها ما يجوّزها الفكر وإن كان يستحيل أن يعينها الفكر. ومنها ما
يستحيل عند الفكر ويقبلها العقل من الفكر مستحيلة الوجود لا يمكن أن یکون له تحت دليل
الإمكان فيعلمها هذا العقل من جانب الحق واقعة صحيحة غير مستحيلة ولا يزول عنها اسم
الاستحالة ولا حكم الاستحالة عقلاً .
قالَ بَّهُ: ((إنَّ مِنَ العِلْم كَهَيْئَةِ المَكْنُونِ لاَ يَعْلَمُهُ إِلاَّ العُلَمَاءُ بِاللَّهِ فَإِذَا نَطَقُوا بِهِ لَمْ يُنْكِرُهُ
إِلاَّ أَهْلُ الغِرَّةِ بِاللَّهِ)) هذا وهو مَن العلم الذي يكون تحت النطق، فما ظنك بما عندهم من العلم
تما هو خارج عن الدخول تحت حكم النطق فما كل علم يدخل تحت العبارات، وهي علوم

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٧١
الأذواق كلها، فلا أعلم من العقل ولا أجهل من العقل، فالعقل مستفيد أبداً فهو العالم الذي لا
يعلم علمه وهو الجاهل الذي لا ينتهي جهله .
السؤال التاسع عشر ومائة: ما شراب حبّه لك حتى يسكرك عن حبك له؟ الجواب: إن
أراد باللام الذي في لك وله الأجلية فجوابه مغاير لجوابه إذا كانت لا للأجلية، إذ يكون
المعنى ما شراب حبّه إياك حتى يسكرك عن حبّك إياه، فجواب الوجه الأول والثاني متغاير،
نقول: تغاير التجليات إنما كان من حيث ظهوره فيك فوصف نفسه بالحب من أجلك فأسكرك
هذا العلم الحاصل لك من هذا التجلي عن أن تكون أنت المحب له أي المحب من أجله،
فلم تحب أحداً من أجله وهو أحبّ من أجلك، فلو زلت أنت لم يتصف هو بالمحبة وأنت لا
تزول فوصفه بالحب لا يزول، فهذا جواب يعم الأول والثاني لفرقان بين ما يستحقه الأوّل منه
والثاني دقيق غامض .
وأما الجواب عن الثاني أن شراب حبّه إياك وهو حبّه إياك أن تحبه فإذا أحببته علمت
حين شربت شراب حبّه إياك أن حبّك إياه عين حبّه إياك وأسكرك عن حبّك إياه مع إحساسك
بأنك تحبّه فلم تفرق وهو تجلّ المعرفة، فالمحب لا يكون عارفاً أبداً، والعارف لا يكون
محباً أبداً، فمن ههنا يتميز المحب من العارف والمعرفة من المحبة، فحبّه لك مسكر عن
حبك له وهو شراب الخمر الذي لو شربه رسول الله 8# ليلة الإسراء لغوت عامّة الأمة،
وحبّك له لا يسكرك عن حبّه لك وهو شراب اللبن الذي شربه رسول الله وَ# ليلة الإسراء
فأصاب الله به الفطرة التي فطر الله الخلق عليها فاهتدت منه في ذوقها وشربها وهو الحفظ
الإلهيّ والعصمة وعلمت ما لها وماله في حال صحو وسكر، فشراب حبّه لك هو العلم بأن
حبّك إياه من حبّه إياك فغيبك عن حبك إياه فأنت محب لا محب ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] ﴿ وَلِيُْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءُ حَسَنًا﴾ [سورة الأنفال: الآية
١٧] مثل هذا البلاء في فنون من المقامات يظهر فيه كما ظهر في حق رسول الله وَّر في رميه
التراب في وجوه الأعداء، فأثبت أنه رمى ونفى أنه رمى فعبر عنه الترمذيّ بالسكر إذ كان
السكران هو الذي لا يعقل فإن الترمذيّ كان مذهبه في السكر مذهب أبي حنيفة وكان حنفيّ
المذهب في الأصل قبل أن يعرف الشرع من الشارع وهو الصحيح في حدّ السكر، ولكن من
شيء يتقدم هذا السكران قبل سكره من شربه طرب وابتهاج وهو الذي اتخذه غير أبي حنيفة
في حدّ السكر وهو ليس بصحيح، فكل مسكر بهذه المثابة فهو الذي يترتب عليه الحكم
المشروع، فإن سكر من شيء لا يتقدّم سكره طرب لم يترتب عليه حكم الشرع لا بحدّ ولا
بحکم .
السؤال العشرون ومائة: ما القبضة؟ الجواب: قال الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُهُ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٧] والأرواح تابعة للأجسام ليست الأجسام تابعة للأرواح، فإذا
قبض على الأجسام فقد قبض على الأرواح فإنها هياكلها، فأخبر أن الكل في قبضته، وكل
جسم أرض لروحه وما ثم إلاَّ جسم وروح غير أن الأجسام على قسمين: عنصرية ونورية

١٧٢ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
وهي أيضاً طبيعية، فربط الله وجود الأرواح بوجود الأجسام وبقاء الأجسام ببقاء الأرواح.
وقبض عليها ليستخرج ما فيها ليعود بذلك عليها فإنه منها يغذيها ومنها يخرج ما فيها ﴿مِنْهَ
◌َلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [سورة طه: الآية ٥٥] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِنْ سُكَلَغْ
مِّن طِينٍ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٢] ﴿أَلَّ نَخْلُقُكُمْ مِنْ مَّاءٍ فَهِينٍ﴾ [سورة المرسلات: الآية ٢٠] وهي دخان
﴿فَسَوَّهُنَ سَبْعَ سَمَنَاتٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٩] فهي من العناصر فهي أجسام عنصريات، وإن
كانت فوق الأركان بالمكان فالأركان فوقهنّ بالمكانة ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْضُّطْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٥]
فيقبض منها ما يبسطها بها فلا يعطيها شيئاً من ذاته فإنها لا تقبله فلا وجود لها إلاَّ بها،
فالممكنات إنما أقامها الحق من إمكانها فقيامها منها بها، والحق واسطة في ذلك مؤلف رائق فائق
﴿كَانَنَا رَتْقًا﴾ لأنه كذا أوجدها بإمكانها ﴿فَفَتَقْنَهُمَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] بإمكانهما لو لم
يكن الفتق ممكناً لما قام بهما فما أثر في الممكنات إلاَّ الممكنات لكن العمى غلب على أكثر
الخلق ﴿يَعْلَمُونَ ظَهِرًا مِّنَ الْحَوَةِ الذُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ٧].
ألا ترى ما هو محال لنفسه هل يقبل شيئاً ممّا يقبله الممكن؟ فبنفسه تمكّن منه الواجب
الوجود بالإيجاد فأوجده، وهذه هي الإعانة الذاتية، ألا ترى الحجر إذا رميت به علواً فيقال:
إنّ حركته نحو العلو قهرية لأنّ طبيعته النزول إما إلى الأعظم وإما إلى المركز، فلولا أن
طبيعته تقبل الصعود علواً بالقهر لما صعد، فما صعد إلاَّ بطبعه أيضاً مع سبب آخر عارض
ساعده الطبع بالقبول لما أراد منه، فالقبضة على الحقيقة قوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾ [سورة
فصلت: الآية ٥٤] ومن أحاط بك فقد قبض عليك لأنه ليس لك منفذ مع وجود الإحاطة، وإلاّ
فليست إحاطة وما هو محيط، وصورة ذلك أنه ما من موجود سوى الله من الممكنات إلاَّ وهو
مرتبط بنسبة إلهية وحقيقة ربانية تسمّى أسماء حسنى، فكل ممكن في قبضة حقيقة إلهية فالكل
في القبضة .
واعلم أن القبضة تحتوي على المقبوض بأربعة عشر فصلاً وخمسة أصول عن هذه
الأربعة عشر فصلاً ظهر نصف دائرة الفلك وهي أربع عشرة منزلة وفي الغيب مثلها، وهذه
الفصول تحوي جميع الحروف إلاَّ حرف الجيم فإنها تبرّأت منه دون سائر الحروف وما علمنا
لماذا، وما أدري هل هو ممّا يجوز أن يعلم أم لا؟ فإنّ الله تعالى ما نفث في روعنا شيئاً ولا
رأيته لغيرنا ولا ورد في النبوّات، فرحم الله عبداً وقف عليه فألحقه في هذا الموضع من كتابي
هذا وينسب ذلك إليه لا إليّ، فتحصل الفائدة بطريق الصدق حتى لا يتخيل الناظر فيه أن ذلك
ممّا وقع لي بعد هذا، فإن فتح عليّ به حينئذ أذكره أنه لي، فإن الصدق في هذا الطريق أصل
قاطع لا بدّ منه ولا حظ له في الكذب، وهذه الخمسة الأصول متفاضلة في الدرجات فأعلاها
وأعمّها هو العلم وهو الأصل الوسط، وعن يمينه أصلان: الحياة والقدرة، وعن يساره
أصلان: الإرادة والقول، وكل أصل فله ثلاثة فصول إلاَّ أصل القدرة فإن له فصلين خاصة،
وإنما سقط عنه الفصل الثالث لأن اقتداره محجور غير مطلق وهو قول العلماء، وما لم يشأ أن
يكون أن لو شاء أن يكون لكان كيف يكون، فعلق كونه بلو فامتنع عن نفوذ الاقتدار عليه

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٧٣
لسبب آخر فلم يكن له النفوذ، وهذا موضعٍ إبهام لا يفتح أبداً، ومن هنا وجد في العالم
الأمور المبهمة لأنه ما من شيء في العالم إلاّ وأصله من حقيقة إلهية، ولهذا وصف الحق
نفسه بما يقوم الدليل العقليّ على تنزيهه عن ذلك، فما يقبله إلاّ بطريق الإيمان والتسليم، ومن
زاد فبالتأويل على الوجه اللائق في النظر العقليّ، وأهل الكشف أصحاب القوّة الإلهية التي
وراء طور العقل يعرف ذلك كما تفهمه العامة ويعلم ما سبب قبوله لهذا الوصف مع نزاهته
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١]، وهذا خارج عن مدارك العقول بأفكارها،
فالعامة في مقام التشبيه وهؤلاء في التشبيه والتنزيه والعقلاء في التنزيه خاصة، فجمع الله لأهل
خاصته بين الطرفين، فمن لم يعرف القبضة هكذا فما قدر الله حق قدره، فإنه إن لم يقل العبد
إن الله ليس كمثله شيء فما قدر الله حق قدره، وإن لم يقل أن خلق آدم بيده فما قدر الله حق
قدره، وأين الانقسام من عدم الانقسام؟ وأين المركب من البسيط؟ فالكون يغاير مركبه بسيطه
وعدده، توحيده وأحديته، والحق عين تركيبه عين بسيطه عين أحديته عين كثرته من غير
مغايرة ولا اختلاف نسب، وإن اختلفت الآثار فعن عين واحدة، وهذا لا يصحّ إلاَّ في الحق
تعالى، ولكن إذا نسبنا نحن بالعبارة فلا بدّ أن نغاير كان كذا من نسبة كذا وكذا من نسبة كذا لا
بدّ من ذلك للإفهام .
السؤال الحادي والعشرون ومائة: من الذين استوجبوا القبضة حتى صاروا فيها؟
الجواب: الشاردون إلى ذواتهم من مرتبة الوجوب ومرتبة المحال، إذ لا يقبض إلاَّ على
شارد، فإنه لو لم يشرد لما قبض عليه، فالقبض لا يكون إلاَّ عن شرود أو توقع شرود، فحكم
الشرود حكم عليه بالقبض فيه استوجبوا أن يقبض عليهم، فمنهم من قبض عليه مرتبة
الوجوب، ومنه من قبض عليه مرتبة المحال وهنا غور بعيد، والإشارة إلى بعض بيانه أن كل
ممكن لم يتعلق العلم الإلهيّ بإيجاده لا يمكن أن يوجد فهو محال الوجود فحكم على
الممكن المحال وألحقه به فكان في قبضة المحال، وما تعلق العلم الإلهيّ بإيجاده فلا بدّ أن
يوجد فهو واجب الوجود فحكم على الممكن الوجوب، فكان في قبضة الواجب وليس له
حكم بالنظر إلى نفسه، فما خرج الممكن من أن يكون مقبوضاً عليه إمّا في قبضة المحال وإمّا
في قبضة الواجب، ولم يبق له في نفسه مرتبة يكون عليها خارجة عن هذين المقامين فلا
إمكان، فإمّا محال، وإما واجب، وإمّا الغور البعيد، فإن جماعة قالوا وذهبوا إلى أنه ليس في
الإمكان شيء إلاَّ ولا بدّ أن يوجد إلى ما لا يتناهى، فما ثم ممكن في قبضة المحال، ولا
شك أنهم غلطوا في ذلك من الوجه الظاهر وأصابوا من وجه آخر، فأما غلطهم فما من حالة
من الأكوان في عين ما تقتضي الوجود فتوجد إلاَّ ويجوز ضدها على تلك العين كحالة القيام
للجسم مع جواز القعود لا نفي القيام، ومن المحال وجود القعود في الجسم القائم في حال
قيامه وزمان قيامه، فصار وجود هذا القعود بلا شك في قبضة المحال لا يتصف بالوجود أبداً
من حيث هذه النسبة لهذا الجسم الخاص وهو قعود خاص، وأما مطلق القعود فإنه في قبضة
الواجب فإنه واقع، وأما وجه الإصابة فإن متعلق الإمكان إنما هو في الظاهر في المظاهر

١٧٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
والمظاهر محال ظهورها وواجب الظهور فيها، والظاهر لا يجوز عليه خلافه فإنه ليس بمحل
لخلافه، وإنما المظهر هو المحل وقد قبل ما ظهر فيه ولا يقبل غيره، فإذا وجد غيره فذلك
ظهور آخر ومظهر آخر، فإن كل مظهر لظاهر لا ينفك عنه بعد ظهوره فيه، فلا يبقى في
الإمكان شيء إلاَّ ويظهر إلى ما لا يتناهى، فإن الممكنات غير متناهية، وهذا غور بعيد التصوّر
لا يقبل إلاَّ بالتسليم أو تدقيق النظر جداً فإنه سريع التفلت من الخاطر لا يقدر على إمساكه إلاّ
من ذاقه والعبارة تتعذر فيه.
السؤال الثاني والعشرون ومائة: ما صنيعه بهم في القبضة؟ الجواب: المحض وهو ما
هم عليه فهو يرفع ويخفض، ويبسط ويقبض، ويكشف ويستر، ويخفى ويظهر، ويوقع
التحريش، ويؤلف وينفر، وصنيعه العام بهم التغيير في الأحوال فإنه صنع ذاتيّ إذ لو لم يغيّر
لتعطل كونه إلهاً، وكونه إلهاً نعت ذاتيّ له، فتغيير الصنع في الممكنات واجب لا ينفك كما
أنهم في القبضة دائماً .
السؤال الثالث والعشرون ومائة: كم نظرته إلى الأولياء في كل يوم؟ الجواب: بعدد ما
يغير عليهم الحال من حيث هو متوليهم لا غير، وينحصر ذلك في مائة مرّة من غير زيادة ولا
نقصان، ولكن ما دام الوليّ مظروفاً لليوم، وأما نظره للأولياء إذا خرجوا من الأوقات فنظر
دائم لا توقيت فيه ولا يقبل التوقيت فإنه لا يدخل تحت العدد ولا المغايرة ولا التمييز، فإذا
دخلوا أو كان حالهم الزمان فمائة مرّة، وكل مرّة يحصل لهم في تلك النظرة ما لا يحدّه توقّت
فهو عطاء إلهيّ من غير حساب ولا هنداز.
السؤال الرابع والعشرون ومائة: إلى ماذا ينظر منهم؟ الجواب: إلى أسرارهم لا إلى
ظواهرهم، فإن ظواهرهم يجريها سبحانه بحسب الأوقات وسرائرهم ناظرة إلى عين واحدة،
فإن أعرضوا أو أطرفوا نقصهم في ذلك الإعراض أو تلك الطرفة ما تقتضيه النظرة، وهو أكثر
ممّا نالوه من حين أوجدهم إلى حين ذلك الإعراض، قال بعض السادة فيما حكاه القشيريّ
في رسالته، لو أن شخصاً أقبل على الله طول عمره ثم أعرض عنه لحظة واحدة كان ما فاته في
تلك اللحظة أكثر ممّا ناله في عمره، وذلك أن الشيء في المزيد وأن المتأخر يتضمن ما
تقدمه، وزيادة ما تعطيه عينه من حيث ما هو جامع، فيرى ما تقدم في حكم الجمع وهو
يخالف حكم انفراده وحكم جمعه دون هذا الجمع الخاص، ومن حيث ما تختص به هذه
اللحظة من حيث ما هي لنفسها لا من حيث كونها حضرة جمع لما تقدمها، فبالضرورة يفوته
هذا الخير، فما أشأم الإعراض عن الله، وفي هذا يتبين لك شرف العلم، فإن العلم هو الذي
يفوتك، والعلم هو الذي تستفيده، قال تعالى آمراً لنبيّه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِی
عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] فإنه أشرف الصفات وأنزه السمات.
السؤال الخامس والعشرون ومائة: إلى ماذا ينظر من الأنبياء عليهم السلام؟ الجواب:
إن أراد العلم فإلى أسرارهم، وإن أراد الوحي فإلى قلوبهم، وإن أراد الابتلاء فإلى نفوسهم،
إلاّ أن نظره سبحانه على قسمين: نظر بواسطة وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ اٌلُوُجُ الْأَمِينُّ عَلَى قَلْكَ﴾ [سورة

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٧٥
الشعراء: الآية ١٩٣] ونظر بلا واسطة وهو قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَىَ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى﴾ [سورة النجم:
الآية ١٠] فإذا نظر إلى أسرارهم أعطاهم من العلم به ما شاء لا غير، وهو أن يكشف لهم عنهم
أنهم به لا بهم، فيرونه فيهم ولا يرونهم، فيعلمون ﴿َّ أُخْفِىَ لَهُمْ مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [سورة
السجدة: الآية ١٧]، فتقرّ عيونهم بما شاهدوه ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [سورة النور: الآية
٢٥] بهم في كل نظرة، وهو مزيد العلم الذي أمر بطلبه لا علم التكليف، فإن النقص منه هو
مطلوب الأنبياء عليهم السلام، ولهذا كان رسول الله وَلَه يقول: (اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ)) وقوله:
(لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَمَا كُنْتُمْ تُطِيقُونَهَا)) وإذا نظر إلى قلوبهم قلب الوحي فيهم بحسب ما
تقلبوا فيه فلكل حال يتقلبون فيه حكم شرعيّ يدعو إليه هذا النبيّ وسكوته عن الدعوة شرع أي
ابقوا على أصولكم، وهذا هو الوحي العرضيّ الذي عرض لهم، فإن الوحي الذاتي الذي
تقتضيه ذواتهم هو أنهم يسبحون بحمد الله لا يحتاجون في ذلك إلى تكليف بل هو لهم مثل
النفس للمتنفس، وذلك لكل عين على الانفراد، والوحي العرضي هو لعين المجموع، وهو
الذي يجب تارة ولا يجب تارة، ويكون لعين دون عين، وهو على نوعين: نوع يكون بدليل أنه
من الله وهو شرع الأنبياء ومنه ما لا دليل عليه وهو الناموس الوضعي الذي تقتضيه الحكمة
يلقيه الحق تعالى من اسمه الباطن الحكيم في قلوب حكماء الوقت من حيث لا يشعرون،
ويضيفون ذلك الإلقاء إلى نظرهم لا يعلمون أنه من عند الله على التعيين، لكنهم يرون أن
الأصل من عند الله فيشرعونه لمتبعيهم من أهل زمانهم، إذ لم يكن فيهم نبي مدلول على نبوّته،
فإن هم قاموا بحدود ذلك الناموس ووقفوا عنده ورعوه جازاهم الله على ذلك بحسب ما
عاملوه به في الدنيا والآخرة جزاء الشرع المقرّر المدلول عليه ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [سورة
الحديد: الآية ٢٧] فيما ابتدعوه من الرهبانية. ومن سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها،
ومن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، وأن الله يصدق قول واضع الناموس
الحكميّ كما هو مصدق واضع الناموس الشرعي الحكمي، فأما جزاؤه في الدنيا فلا شك ولا
خفاء بوقوع المصلحة ووجودها في الأهل والمال والعرض، وأما الآخرة فعلى هذا المجرى وإن لم
يتعرّض إليها صاحب الناموس الحكميّ، كما أنه في ناموس الحكم الإلهيّ أن في الآخرة لنا ما
لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويحصل لنا من غير تقدم علم به كذلك
الحاصل في الآخرة جزاء لعمل الناموس الذي اقتضته الحكمة عند من ابتدعه للمصلحة، فإن
قال في ناموسه: قال الله ، ويكون تمن قد علم أنه مظهر وأن لا موجود على الحقيقة إلاَّ الله
صدق وعفا الله عنه، وإن كان من أهل الحجاب عن هذا العلم فأمره إلى الله وهو بحسب قصده
في ذلك، فإنه قد يقصد الرياسة وتكون المصلحة في حكم التبع، وقد يقصد المصلحة وتكون
الرياسة تبعاً، وهذا الكلام لا يتصوّر إلاَّ مع عدم الشرع المقرّر بالدليل في تلك الجماعة وذلك
المكان خاصة، وإذا نظر إلى نفوسهم ابتلاهم بمخالفة أممهم فاختلفوا عليه واختلفوا فيما بينهم
وإن اجتمعوا عليه، وهذا كله إذا اتفق أن ينظر النبيّ إلى نفسه ولا بدّ له من النظر إلى نفسه فإن
الجلوس مع الله لا تقتضي البشرية دوامه، وإذا لم يدم فما ثم الأ النفس، فيكون نظره في هذا

١٧٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
الحال نظر ابتلاء لأن النبي في تلك الحالة صاحب دعوى أنه قد بلغ رسالة ربه، وكذا ورد: ((مَا
مِنْ نَبِيِّ إِلاَّ وَقَدْ قَالَ: قَدْ بَلَّغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ)) وقال: ((ألا هل بلغت؟)) فأضاف التبليغ
إليه، ولم يقل في هذه الحال قد بلغ الله إليكم بلساني ما قد أسمعكم، فلو قال هذا ما ابتلوا
ببلاء النفوس، وفي هذا الله حكم خفيّ ليعلم العبد أنه محل للتوفيق ونقيضه، وأنه لا حول ولا
قوّة إلاَّ بالله على ما أمر به ونهى عنه، فالحكم لله العلّ الكبير.
السؤال السادس والعشرون ومائة: كم إقباله على خاصته في كل يوم؟ الجواب: أربعة
وعشرون ألف إقبال في كل يوم، يهبهم في ذلك الإقبال ما شاء ويأخذ منهم في الإقبال الثاني
ما كان أعطاهم في الإقبال الأول، إما أخذ قبول، وإما أخذ ردّ غير مقبول، فإنّ الله قد أمرهم
بالأدب في كل ما يلقى إليهم عند أخذهم، وكذلك إذا ردّوا الأمور إليه يردّونها محلاة بالأدب
الإلهيّ فذلك داعية القبول الإلهيّ، فإن أساؤوا الأدب في الأخذ والردّ عاد وبال ذلك عليهم
وليسوا عند ذلك بخاصة الله، فالخاصة تحضر مع الله أربعة وعشرين ألف مرة في كل يوم،
وإن أردت التحرير في المقال إن لم يكن عندك علم وتخرج من العهدة فقل إقباله على خاصته
كل يوم بعدد أنفاسهم كانت ما كانت، فمن اطلع على توقيت أنفاسه علم توقيت إقبال الله عليه
في كل يوم، فإنّ ذلك النفس من نفس الرحمن، فهو عين إقبال الحق عليهم، وبه تنوّرت
هياكلهم، فهو في الأجسام ريح، وفي اللطائف أرواح جمع روح بفتح الراء وتسكين الواو
سكوناً حياً .
السؤال السابع والعشرون ومائة: ما المعية مع الخلق والأصفياء والأنبياء والخاصة
والتفاوت والفرق بينهم في ذلك؟ الجواب: قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ﴾ [سورة
الحديد: الآية ٤] فالأينية إلينا، وقال لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [سورة ◌ُه:
الآية ٤٦] فنبههما على أنه سمعهما وبصرهما تذكرة لهما أو إعلاماً لم يتقدمه علم به عندهما،
فإنه قد صحّ عندنا في الخبر أنّ العبد إذا أحبّه ربّه کان سمعه وبصره الذي يسمع به ویبصر به،
فالنبيّ أولى بهذا ممّن ليس بنبيّ، وطبقات الأولياء كثيرة، ولكن ما ذكر منها إلاَّ ما قلناه، فلا
نتعدّى بالجواب قدر ما سأل فنقول: إن المعية تقتضي المناسبة، فلا نأخذ من الحق إلاَّ الوجه
المناسب لا الوجه الذي يرفع المناسبة، ثم إننا أردنا أن نعمّم الجواب بتعميم قوله تعالى:
﴿أَيْنَ مَا كُتُمَّ﴾ من الأحوال ولا يخلو موجود عن حال بل ما تخلو عين موجودة ولا معدومة
أن تكون على حال وجودي أو عدميّ في حال وجودها أو عدمها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَيْنَ مَا
فإن قلت: قوله: ﴿ كُثُمَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] لفظة معناها
وجوديّ فالمعنى: ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ من الوجود فنقول صحيح، ولكن من أيّ الوجوه من
الوجود من حيث العلم بكم وما ثم إلاَّ هو أو من حيث الوجود الذي يتصف به عين الممكنات
من حيث ما هي مظاهر، فحالة منها توصف العين الممكنة بها بالعدم ولهذا نقول: كان هذا
معدوماً ووجد، والكون يناقض العدم مع صحة هذا القول، فيعلم عند ذلك أن قوله تعالى:

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٧٧
﴿أَيْنَ مَا كُتُمَّ﴾ أي على أيّ حالة تكونون من الوصف بالعدم أو الوجود، ثم نقول: أنه مع
الخلق بإعطاء كل شيء خلقاً من كونهم خلقاً لا غير فينجرّ معه أنه معهم بكل ما تطلبه ذواتهم
من لوازمها، ومعيته مع الأصفياء بما يعطيه الصفاء من التجلي، فإنه قد وصفهم: أنهم
أصفياء، فما هو معهم بالصفاء والاصطفاء وإنما هو معهم بما يطلبه الاصطفاء وقدم الخلق
فإنه مقدم بالرتبة، فإن الاصطفاء لا يكون إلاّ بعد الخلق، بل هم من الخلق عند الحق بمنزلة
الصفي الذي يأخذه الإمام من المغنم قبل القسمة، فذلك هو نصيب الحق من الخلق وما بقي
فله ولهم، وأما معيته مع الأنبياء فبتأييد الدعوى لا بالحفظ والعصمة إلاَّ أن أخبر بذلك في
حق نبيّ معين، فإن الله قد عرّفنا أن الأنبياء قتلتهم أممهم وما عصموا ولا حفظوا، فلا بدّ أن
يكون ظرف المعية التأييد في الدعوى لإقامة الحجة على الأمم فإنه قال: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَّةُ﴾
[سورة الأنعام: الآية ١٤٩] ولا يكون نبياً حتى يقدمه الإصطفاء فلهذا أخّر النبوّة عن الاصطفاء، فإنه
ما كل خلق مصطفى وما كل مصطفى نبيّ، ومعيته مع الخاصة بالمحادثة برفع الوسائط بعد
تبليغ ما أمر بتبليغه مثل قوله: ﴿ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَيِّكَ
وَأُسْتَغْفِرْهُ﴾ من أيام التبليغ ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سورة النصر: ٢ - ٣] أي يرجع إليك الرجوع
الخاص الذي يربي على مقام التبليغ، فيجتمع هذا كله في الرسول وهو شخص واحد وفي كل
مقام أشخاص، فيكون الشخص الواحد خلقاً مصطفى نبياً خاصاً، وأما معية الذات فلا تنقال،
فإن الذات مجهولة فلا تعلم نسبة المعية إليها فهو مع الخلق بالعلم واللطف، ومع الأصفياء
بالتولي، ومع الأنبياء بالتأييد، ومع الخاصة بالمباسطة والأنس.
السؤال الثامن والعشرون ومائة: ما ذكره الذي يقول: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؟ [سورة
العنكبوت: الآية ٤٥] الجواب: ذكره نفسه لنفسه بنفسه أكبر من ذكره نفسه في المظهر لنفسه.
اعلم أن الله ما قال هذا الذكر ووصفه بهذه الصفة من الكبرياء إلاَّ في قوله تعالى: ﴿إِن
الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَّرِ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٥] إنباء عن حقيقة لأجل ما فيها
من الإحرام وهو المنع من التصرّف في شيء ممّا يغاير كون فاعله مصلياً، فهي تنهى عن
الفحشاء والمنكر ولا تنهى عن غيرها من الطاعات فيها ممّا لا يخرجك فعله عن أن تكون
مصلياً شرعاً فيكون قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ فيها أكبر أعمالها وأكبر أحوالها، إذ الصلاة تشتمل
على أقوال وأفعال، فتحريك اللسان بالذكر من المصلي من جملة أفعال الصلاة، والقول
المسموع من هذا التحريك هو من أقوال الصلاة وليس في أقوالها شيء يخرج عن ذكر الله في
حال قيام وركوع ورفع وخفض إلاَّ ما يقع به التلفظ من ذكر نفسك بحرف ضمير أو ذكر صفة
تسأله أن يعطيكها مثل: اهدني وارزقني، ولكن هو ذكر شرعاً لله فإن الله سمّى القرآن ذكراً
وفيه أسماء الشياطين والمغضوب عليهم والمتلفظ به يسمّى ذكر الله فإنه كلام الله فذكرتهم
بذكر الله، وهذا ممّا يؤيد قول من قال: ليس في الوجود إلاّ الله، فالأذكار أذكار الله، ثم إن
قوله تعالى ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ هذه الإضافة تكون من كونه ذاكراً ومن كونه مذكوراً، فهو أكبر
الذاكرين، وهو أكبر المذكورين، وذكره أكبر الأذكار التي تظهر في المظاهر، فالذكر وإن لم
الفتوحات المكية ج٣ - م١٢

١٧٨ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
يخرج عنه فإن الله قد جعل بعضه أكبر من بعض، ثم يتوجه فيه قصد آخر من أجل الاسم الله
فيقول: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ بهذا الاسم الذي ينعت ولا ينعت به ويتضمن جميع الأسماء الحسنى
ولا يتضمنه شيء في حكم الدلالة ﴿أَكْبَرٌ﴾ من كل اسم تذكره به سبحانه من رحيم وغفور
ورب وشكور وغير ذلك، فإنه لا يعطي في الدلالة ما يعطي الاسم الله لوجود الاشتراك في
جميع الأسماء كلها، هذا إذا أخذنا أكبر بطريق أفعل من كذا، فإن لم تأخذها على أفعل من
كذا فيكون إخباراً عن كبر الذكر من غير مفاضلة بأيّ اسم ذكر، وهو أولى بالجناب الإلهيّ،
وإن كانت الوجوه كلها مقصودة في قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ إنه كل وجه تحتمله
كل آية في كلام الله من فرقان وتوراة وزبور وإنجيل وصحيفة عند كل عارف بذلك اللسان فإنه
مقصود لله تعالى في حق ذلك المتأوّل لعلمه الإحاطي سبحانه بجميع الوجوه، وبقي عليه في
ذلك الكلام من حيث ما يعلمه هو، فكل متأوّل مصيب قصد الحق بتلك الكلمة، هذا هو
الحق الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت: الآية
٤٢] على قلب من اصطفاه الله به من عباده، فلا سبيل إلى تخطئة عالم في تأويل يحتمله
اللفظ، فإن مخطئه في غاية من القصور في العلم، ولكن لا يلزمه القول به ولا العمل بذلك
التأويل إلاَّ في حق ذلك المتأوّل خاصة ومن قلّده.
السؤال التاسع والعشرون ومائة: قوله تعالى: ﴿فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢] ما
هذا الذكر؟ الجواب: هذا ذكر الجزاء الوفاق. قال تعالى: ﴿جَزَّآءُ وِفَاقًا﴾ [سورة النبأ: الآية ٢٦]،
فذكر الله في هذا الموطن هو المصلي عن سابق ذكر العبد، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى
عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣] أي يؤخّر ذكره عن ذكركم، فلا يذكركم حتى تذكروه، ولا
تذکرونه حتی یوفقکم ویلهمکم ذكره، فیذکرکم بذکره إیاکم فتذکروه به أو بکم فیذکر کم بکم
وبه بالواو لا بأو فإن له الذكرين معاً، وقد يكون لبعض العلماء الذكران معاً، وقد يكون الذكر
الواحد دون الآخر في حق بعض الناس، وتختلف أحوال الذاكرين منا، فمنا من يذكره في
نفسه وهم على طبقات طبقة تذكره في نفسها والضمير من النفس يعود على الله من حيث
الهو، وشخص يذكره في نفسه والضمير يعود على الشخص، وشخص يذكره في نفسه
والضمير يعود على الله من حيث ما هو خالقها لا من حيث ما هي نفسه من كونها ظاهرة في
مظهر خاص، فإذا ذكره كل شخص من هؤلاء إما بوجه واحد من هذه الوجوه أو بكل
الوجوه، فإنّ الله يذكره في نفسه، وقد يكون قوله: ذكرته في نفسي عين ذكر هذا العبد ربّه في
نفسه من حيث ما هو الضمير يعود على الله من نفسه من حيث ما هي نفسه عيناً لا من حيث ما
هي نفسه خلقاً، فيكون عين ذكر العبد هو عين ذكر الحق كما قلنا في قوله: ﴿وَمَكَرُوا
وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٤] وهو عين مكرهم عين مكر الله بهم لا أنه استأنف مكراً
آخر، ويؤيده أيضاً بقوله: ذكرته في نفسي يريد نفس العبد مضافة إلى الله من حيث ما هي
ملك له خلقاً وإيجاداً، ويريد أيضاً ذكرته في نفسي نفس الحق لا من حيث الوجه الذي ذكره
به العبد من حيث نفسه نفس الحق وهوٍ الوجه الأوّل، فهذه أحوال ذكر النفس بالجزاء الوفاق

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٧٩
في كل وجه، والحالة الثانية أن يذكره في ملأ فيذكره الله في ملأ خير من ذلك الملأ، وقد
يكون عين ذلك الملأ وتكون الخيرية بالحال، فحال ذلك الملأ في ذكر هذا العبد لله دون حال
ذلك الملأ في ذكر الله فيهم لهذا العبد، فهو في هذه الحال خير منه في حال ذكر العبد والملأ
واحد، كما تتشرف الجماعة بالملك إذا كان فيها على شرفها، إذا لم يكن الملك فيها، وعين
الجماعة واحدة فهي خير منها، ولكن بشرط أن يكون كل واحد من ذلك الملأ حاله الكشف
أن الله قد ذكر هذا العبد فيه وهم يسمعون ذكر الله إياه كما سمعوا ذكر هذا العبد ربه، فحينئذ
يكون الشرف في الملأ الواحد يتفاضل، والوجه الآخر أن يكون الملأ مغايراً لذلك الملأ
فيكون خيره على هذا الملأ، إما يكون الحق أسمعهم ذكره عبده وهو فيهم، أو يكون خيره
لأمر آخر تقتضيه مرتبته عند الله إمّا نشأة أو حالاً أو علماً، وهذه أمور إن تأملتها انفتح لك منها
علوم جمة من العلم الإلهيّ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
السؤال الثلاثون ومائة: ما معنى الاسم؟ الجواب: أمر يحدث عن الأثر، أو أمر يكون
عنه الأثر، أو منه ما يكون عنه الأثر، ومنه ما يحدث عن الأثر إذا لم ترد به المسمّى، فإن
أردت به المسمّى فمعناه المسمّى كان ما كان مركباً تركيباً معنوياً أو حسّياً، أو غير مركب
معنوياً أو حسّياً كلفظة رحيم أي ذات راحمة، فالمسمّى بهذه التسمية هي عين تلك النسبة
الجامعة بين ذات ورحمة حتى جعل عليها من هذه النسبة اسم فاعل، وإن كانت التسمية
جامدة لا يعقل منها غير الذات فليست بمركبة تركيباً معنوياً فقد تكون هذه الذات مفردة معنى
وفي نفسها، وقد تكون مركبة حسّاً مثل إنسان تحته مركب حسيّ ومعنويّ، والاسم والرسم
عند بعض أصحابنا نعتان يجريان في الأبد على حكم ما كان عليه أزلاً، وفرّق بين الاسم
والرسم، وسيأتي ذكرهما في شرح معاني ألفاظ أهل الله من هذا الباب فإنه يطلبها .
السؤال الحادي والثلاثون ومائة: ما رأس أسمائه الذي استوجب منه جميع الأسماء؟
الجواب: الاسم الأعظم الذي لا مدلول له سوى عين الجمع وفيه: ﴿اَلْحَىُّ الْقَيُّوُمُ﴾ [سورة
البقرة: الآية ٢٥٥] ولا بدّ. فإن قلت: فهو الاسم الله. قلت: لا أدري فإنه يفعل بالخاصية، وهذه
اللفظة إنما تفعل بالصدق إذا كان صفة للمتلفظ بها بخلاف ذلك الاسم، ولكن الظاهر من
مذهب الترمذيّ أن رأس الأسماء الذي استوجب منه جميع الأسماء إنما هو الإنسان الكبير
وهو الكامل، وإذا كان هذا فهو الأولى في طريق القوم أن يشرح به رأس الأسماء، فإن آدم
علمه الله جميع الأسماء كلها من ذاته ذوقاً فتجلّى له تجلّياً كلياً، فما بقي اسم في الحضرة
الإلهية إلاَّ ظهر له فيه، فعلم من ذاته جميع أسماء خالقه.
السؤال الثاني والثلاثون ومائة: ما الاسم الذي أبهم على الخلق إلاَّ على خاصته؟
الجواب: هذا الاسم الذي استوجب منه جميع الأسماء، وإن شئت قلت: هو اسم مركب من
عشرين وثلاثين بينهما أحد وأربعون حسّاً ومعنى، وقد يتركب حسّاً لا معنى من ثمانية
وثمانين ومائتين وستة عدداً، فإذا جمعتها على وجه مخصوص من غير إسقاط الستة كان اسماً
مركباً، وإن أسقطت الستة كان اسماً غير مركب، ولا ينبغي أن يوضح في العامة ما أبهمه

١٨٠ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
الحق على خلقه وخصّ به خاصته فإن هذا من غاية سوء الأدب، وما أظنّ الترمذيّ قصد بهذا
السؤال طلب الشرح والإيضاح لمعناه، وإنما قصد اختبار المسؤول أنه إن كان من أهل الله لا
يوضحه، فإن أوضحه فيكون قد تلقاه من أحد غلطاً ممّن تلقاه منه لقرينة حال وذكاء فيه، وأما
أهل الله فعندهم من الأدب الإلهيّ ما يمنعهم أن يستروا ما كشف الله أو يكشفوا ما ستره الله .
السؤال الثالث والثلاثون ومائة: بما نال صاحب سليمان عليه السلام ذلك وطوي عن
سليمان عليه السلام؟ الجواب: بجمعيته وتلمذته ليعرف الشيخ بما حصل عنده وبسببه وطوى
عن سليمان بوجوده في محل التبديد في الوقت، فإن الحكم للوقت ووقته أنه رسول، فهو
صاحب وجود مصروف العين إلى من أرسل إليه، وصاحبه في جمعيته على أمر واحد متحقق
بها، فظهر بما طوى عن سليمان العمل به تعظيماً لقدر سليمان عليه السلام عند أهل بلقيس
وسائر أصحابه، وما طوى عن سليمان العلم به وإنما طوى عنه الإذن في التصرّف به تنزيها
لمقامه .
السؤال الرابع والثلاثون ومائة: ما سبب ذلك؟ الجواب: إعلام الغير بأن التلميذ التابع
إذا كان أمره بهذه المثابة فما ظنك بالشيخ؟ فيبقى قدر الشيخ مجهولاً في غاية التعظيم فلو ظهر
على سليمان لتوهم أن هذا غايته، ولا شك أن مشهد سليمان في ذلك الوقت والله أعلم كان
مشهد أدب لا يريد أن يكون عنه شرك في التصرّف، كما قال أبو السعود: أعطيت التصرّف
وتركته تظرفاً، في حكاية طويلة، والغرض للنبي إنما هو الدلالة وظهورها على يد صاحبه أتم
في حقّه، إذ كان هذا التابع مصدقاً به وقائماً في خدمته بين يديه تحت أمره ونهيه، فيزيد
المطلوب رغبة في هذا الرسول إذا رأى بركته قد عادت على تابعيه فيرجو هذا الداخل أن
يكون له بالدخول في أمره ما كان لهذا التابع، والنفس مجبولة على الطمع وحب الرياسة
والتقدم .
السؤال الخامس والثلاثون ومائة: ماذا أطلع من الاسم على حروفه أو معناه؟ الجواب:
على حروفه دون معناه، فإنه لو وقف على معناه لمنعه العمل به كما منع سليمان، ألا ترى إلى
قوله تعالى في صاحب موسى: ﴿فَأَنسَلَخَ مِنْهَا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٥] فكانت عليه كالثوب
وهو مثل الحرف على المعنى فعمل بها في غير طاعة الله فأشقاه الله، وصاحب سليمان عمل
به في طاعة الله فسعد، وما وقف على معناه من الأمم الخالية سوى الرسل والأنبياء، فإنهم
وقفوا على معناه وحروفه إلاّ هذه الطائفة المحمدية فإنهم جمع لبعضهم بين حروفه ومعناه،
ولبعضهم أعطي معناه دون حروفه، وليس في هذه الأمة من أعطي حروفه دون معناه، وكذلك
صاحب الأخدود أعطي حروفه دون معناه، فإنه تلقاه من الراهب كلمات كما ورد وهي
الكلمات التي ذكرناها في السؤال الثاني والثلاثين ومائة .
السؤال السادس والثلاثون ومائة: أين باب هذا الاسم الخفيّ على الخلق من أبوابه؟
الجواب: بالمغرب. قال رسول الله وَ﴿: ((لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أهْلِ المَغْربِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ
إِلَى يَومِ القِيَامَةِ)) وعليه تطلع الشمس من المغرب عندما يسدّ باب التوبة ويغلق فلا ينفع نفساً