النص المفهرس
صفحات 141-160
في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٤١ وجود لونين أو طعمين أو ريحين في ذلك الجزء الذي لا ينقسم، فلا يصحّ إلهان لأنهما مثلان، ويصحّ وجود جميع الأسماء للعين الواحدة لأنها خلاف والخلاف قابل للاجتماع بخلاف المماثل، فإذا استحال الاجتماع فلحكم الضديّة لا لحكم الخلاف إذ الاجتماع لا يناقض الخلاف، فكل اجتماع يطلب الخلاف وما كل خلاف يطلب الاجتماع، وإنما يقتضي الحق من الموحّدين عدم المزاحمة ليبقى الرب رباً والعبد عبداً، فلا يزاحم الرب العبد في عبوديته، ولا يزاحم العبد الرب في ربوبيته مع وجود عين الرب والعبد، فالموحد لا يتخلق بالأسماء الإلهية. فإن قلت: فيلزم أن لا يقبل ما جاء من الحق من اتصافه بأوصاف المحدثات من معية ونزول واستواء وضحك فهذه أوصاف العباد وقد قلت أن لا مزاحمة فهذه ربوبية زاحمت عبودية. قلنا: ليس الأمر كما زعمت ليس ما ذكرت من أوصاف العبودية، وإنما ذلك من أوصاف الربوبية من حيث ظهورها في المظاهر لا من حيث هويتها، فالعبد عبد على أصله، والربوبية ربوبية على أصلها، والهوية هوية على أصلها فإن قلت: فالربوبية ما هي عين الهوية. قلنا: الربوبية نسبة هوية إلى عين، والهوية لنفسها لا تقتضي نسبة، وإنما ثبوت الأعيان طلبت النسب من هذه الهوية فهو المعبر عنها بالربوبية، فاقتضى الحق من الموحدين أن يوحدوا كل أمر لترتفع المزاحمة فيزول النزاع فيصح الدوام للعالم فيتعين عند ذلك ما معنى الأزل بمعقولية الأبد وهو قولك: لا يزال، فلولا النقطة المفروضة في الخط التي تشبه الآن ما فرّق بين الأزل والأبد كما لا نفرّق بين الماضي والمستقبل بانعدام الآن من الزمان إلاَّ أن النقطة هي الربوبية ففرقت بين الهوية والأعيان وهو المسمّى المظاهر، إلا أن النقطة أنت فتميز هو وأنا بأنت، فإذا علمت هذا فأنت موحّد فأعط الحق ما يقتضيه منك إذا اقتضاه، فإن قال لك: أليس قد تبين لك في المرتبة الأخرى أنه ما ثم إلاَّ الله وبيّنت في ذلك ما بيّنت فلماذا نزعت هنا هذا المنزع قلنا: لأنك سميت نفسك مقتضياً منا من كوننا موحدين أمراً ما لا يقتضي أنت ما يعطيك نحن، نحن ما أعطيناك إنما أعطينا للمقتضى فلا تكلمنا بغير لغتنا إذ أنت القائل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٤] يكون المقتضى في هذا الفصل مشهودنا، ويخاطبنا اسم آخر ليس مشهودنا هذا خطاب ابتلاء وتمحيص. السؤال الثامن والثمانون: عن الحق المقتضي ما الحق؟ الجواب: سمّي الحق حقاً لاقتضائه من عباده من حيث أعيانهم ومن حيث كونهم مظاهر ما يستحق، إذ لا يطلب الحق إلاّ بالحق وهو العلم الحاصل بعد العين، وهو ما يجب على المقتضى منه ما يعطيه إذا طلبه منه ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةً﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٤] أي أوجبها فصارت حقاً عليه قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم: الآية ٤٧] فهو الحق لا غيره، وهو المستحق والمحق، وهو الذي تجب عليه الحقوق من حيث إيجابه لا من حيث ذاته، فالأعيان لولا ما تستحق أن تكون مظاهر ما ظهر الحق فيها، ولم يكن حكيماً لما كان يلزم من الخلل في ذلك، ولو لم تكن الهوية تستحق الظهور في هذه المظاهر العينية لظهور سلطان الربوبية ما ظهرت في هذه الأعيان لأنّ الشيء لا يظهر في نفسه لنفسه، فلا بدّ من عين يظهر فيها لها، ١٤٢ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف فيشهد نفسه في المظهر فيسمّى مشهوداً وشاهداً، فإن الأعيان لا تستحق ولهذا قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ولم يقل إنّ الأعيان تستحق الرحمة، فالأعيان ليس لها استحقاق إلاَّ أن تكون مظاهر خاصة: [الوافر] سواه فهو حقٌّ في الحقيقَة فقلْ للحقُ إنّ الحقَّ ما هو فعينُ الحقِّ أعيانُ الخلیقَه فلم أنظُرْ بعيني غيرَ عيني الحق هويته الحق اسمه خلق هو المخلوق به خلق كل شيء حقّه أعطى كل شيء خلقه ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيِّنَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقُِّ﴾ [سورة الحجر: الآية ٨٥] ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَّلَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٠٥] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٩] ﴿وَقُلِ اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [سورة الكهف: الآية ٢٩] الحق طلب الحقوق، فبالحق يطلب الحق ﴿فَمَاذَا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ فَى تُصْرَفُونَ﴾ [سورة يونس: الآية ٣٢] فالحق الوجود والضلال الحيرة في النسبة، فالحق المنزّل، والحق التنزيل، والحق المنزّل، والحق من الله من حيث هو ربنا، ومن صرف عن الحق إلى أين يذهب؟ ﴿فَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [سورة التكوير: الآية ٢٦ - ٢٧] أصحاب العلامات والدلائل، فالحق المسؤول عنه في هذا السؤال هو المقتضى الذي يقتضي من الموحدين لما ذكرناه، فسمّي حقاً لوجوب وجوده لنفسه، فاقتضاؤه إنما اقتضى من نفسه، فإنه إنما اقتضاه من الظاهر في مظهره، وهويته هي الظاهرة في المظهر الذي به كانت رتبة الربوبية، فما اقتضى إلاَّ منه، وما كان المقتضى إلاَّ هو، والذي اقتضى هو حق وهو عين الحق، فإن أعطى فهو الآخذ، وإن أخذ فهو المعطي، فمن عرفه عرف الحق. السؤال التاسع والثمانون: وماذا بدؤه؟ الجواب: الضمير يعود على الحق وبدؤه من الاسم الأوّل الذي تسمّى الحق به، قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَِّرُ وَالْبَاِنُّ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] فسمّى لنا نفسه أوّلاً فبدؤه أوّلية الحق وهي نسبة لأنّ مرجع الموجودات في وجودها إلى الحق، فلا بدّ أن تكون نسبة الأوّلية له، فبدؤه نسبة الأوّلية له، ونسبة الأوّلية له لا تكون إلاَّ في المظاهر، فظهوره في العقل الأول الذي هو القلم الأعلى وهو أول ما خلق الله، فهو الأول من حيث ذلك المظهر لأنه أول الموجودات عنه، فالذات الأزلية لا توصف بالأولية وإنما يوصف بها الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿سَبِّحَ لِلَّهِ﴾ فهو المسبح ﴿مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ من حيث أعيانهم ﴿وَهُوَ الْعَزِبِزُ﴾ المنيع الحمى من هويته ﴿الْحَكِيمُ﴾ [سورة الضمير يعود على الله ﴿مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ﴾ ولهذا ﴿كثر﴾ الحديد: الآية ١] بمن ينبغي أن يسبح يسبحه أهلهما لأنهم مقهورون محصورون في قبضة السموات والأرض ﴿يُحِ، وَيُمِيتٌ﴾ يحيي العين ويميت الوصف فالعين لها الدوام من حيث حييت والصفات تتوالى عليها فيميت الصفة بزوالها عن هذه العين ويأتي بأخرى ﴿وَهُوَ﴾ الضمير يعود على الله ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَدِيرٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٢] أي شيئية الأعيان الثابتة يقول: إنها تحت الاقتدار الإلهيّ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] الضمير يعود على الله من الله والأول خبر الضمير الذي هو المبتدأ وهو في موضع الصفة لله ومسمّى الله إنما هو من حيث المرتبة، وأول مظهر ظهر القلم الإلهيّ وهو في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٤٣ العقل الأول والعين ما كانت مظهراً إلاَّ بظهور الحق فيها فهي أول، والكلام في الظاهر في المظهر لأنّ به يتميز، فالأول هو الله والعقل حجاب عليه ومجنّ تتوالى الصفات عليه. ولما كانت الأعيان كلها من كونها مظاهر نسبتها إلى الألوهية نسبة واحدة من حيث ما هي مظاهر تسمّى بالآخر فهو الآخر آخرية الأجناس لا آخرية الأشخاص، وهو الأول بأولية الأجناس وأولية الأشخاص لأنه ما أوجد إلاَّ عيناً واحدة وهو القلم أو العقل كيفما شئت سميته، ولما كان العالم له الظهور والبطون من حيث ما هو مظاهر كان هو سبحانه ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَِّهِرُ وَالْبَاِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] لنسبة ما ظهر منه ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَِّهِرُ وَالْبَاِنٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ لنسبة ما بطن منه ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ شيئية الأعيان وشيئية الوجود من حيث أجناسه وأنواعه وأشخاصه، فقد تبيّن أنّ بدأه عين وجود العقل الأول. قال النبيّ بَّ: ((أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ العَقْلَ)) وهو الحق الذي خلق به السموات والأرض، وقد مشى معنا هذا في سؤاله في العدل في السؤال الثامن والعشرين من هذه السؤالات . السؤال التسعون: أيّ شيء فعله في الخلق؟ الجواب: إن كان قوله في الخلق من كونهم مقدّرين فالإيجاد وهو حال الفعل، وإن كان قوله في الخلق من كونهم موجودين فحال الفناء، وذلك أنّ الله تعالى قال للإنسان: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ﴾ أي قدّرناه ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم: الآية ٦٧] نبهه على أصله فأنعم عليه بشيئية الوجود وهو عين وجود الظاهر فيه، وإنما خاطب الإنسان وحده لأنه المعتبر الذي وجد العالم من أجله، وإلاَّ فكل ممكن بهذه المنزلة هذا الذي تعطيه نشأته لكونه مخلوقاً على الصورة الإلهية وأنه مجموع حقائق العالم كله، فإذا خاطبه فقد خاطب العالم كله وخاطب أسماءه كلها. وأما الوجه الآخر الذي ينبغي أيضاً أن يقال وهو دون هذا في كونه مقصوداً بالخطاب، وذلك أنه ما ادّعى أحد الألوهية سواه من جميع المخلوقات، وأعصى الخلائق إبليس وغاية جهله أنه رأى نفسه خيراً من آدم لكونه من نار لاعتقاده أنه أفضل العناصر، وغاية معصيته أنه أمر بالسجود لآدم فتكبر في نفسه عن السجود لآدم لما ذكرناه وأبى فعصى الله فى أمره فسمّاه الله كافراً، فإنه جمع بين المعصية والجهل والإنسان ادّعى أنه الرب الأعلى فلهذا خصّ بالخطاب في قوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ اُلْإِنِسَنُ﴾ فلذا قلنا الفناء أي أحاله على هذه الصفة أن يكون مستحضراً لها . وأما الفعل الخاص بكل خلق فهو إعطاؤه ما يستحقه كل خلق ممّا تقضيه الحكمة الإلهية وهو قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] أي بين أنه تعالى أعطى كل شيء خلقه حتى لا يقول شيء من الأشياء قد نقصني كذا، فإنّ ذلك النقص الذي يتوهمه هو عرض عرض له لجهله بنفسه وعدم إيمانه إن كان وصل إليه قوله: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ فإنّ المخلوق ما يعرف كماله ولا ما ينقصه لأنه مخلوق لغيره لا لنفسه، فالذي خلقه إنما خلقه له لا لنفسه فما أعطاه إلاَّ ما يصلح أن يكون له تعالى، والعبد يريد أن يكون لنفسه لا لربّه، فلهذا يقول: أريد كذا وينقصني كذا، فلو علم أنه مخلوق لربّه لعلم أنّ الله خلق الخلق على ١٤٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف أكمل صورة تصلح لربّه ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٧] وهذه المسألة ممّا أغفلها أصحابنا مع معرفة أكابرهم بها وهي ممّا يحتاج إليها في المعرفة المبتدىء والمنتهي والمتوسط، فإنها أصل الأدب الإلهيّ الذي طلبه الحق من عباده وما علم ذلك إلاّ القائلون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةُ وَعِلْمًا﴾ [سورة غافر: الآية ٧] وأما الذين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] فما وقفوا على مقصود الحق من خلقه الخلق، ولو لم يكن الأمر كما وقع لتعطّل من الحضرة الإلهية أسماء كثيرة لا يظهر لها حكم. قال رسول الله وَّر: ((لو لم تُذْنبوا لجاء الله بقوم يُذْنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم)) فنبّه أن كل أمر يقع في العالم إنما هو لإظهار حكم اسم إلهيّ، وإذا كان هكذا الأمر فلم يبق في الإمكان أبدع من هذا العالم ولا أكمل، فما بقي في الإمكان إلاَّ أمثاله إلى ما لا نهاية له، فاعلم ذلك فهذا فعله في الخلق. وأما الجواب العامّ في هذه المسألة أن يقال فعله في الخلق ما هو الخلق عليه في جميع أحواله . السؤال الحادي والتسعون: وبماذا وكّل؟ يعني الحق الجواب: وكل بتمشية أوامر الله وإنفاذ كلماته لا غير، فهو مخصوص بالشرائع الإلهية سنّها من سنّها كما قال تعالى: ﴿وَرَهَبَانِيَّةٌ أَبْتَدَعُوهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾ فذمّهم لما لم يرعوها فقال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٢٧]. وقال وَّ: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا)) فالخير يطلب الثواب بذاته، والشرع مبين للناس توقيت ذلك الثواب كقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَنَةِ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٦٠] وقال الله لداود: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةٌ فِ اَلْأَرْضِ﴾ لمن تقدّمك أو نيابة عنا بالاسم الظاهر الذي لنا فقد خلعناه عليك لتظهر به في خلقي ﴿فَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى﴾ [سورة ص: الآية ٢٦] فعرفنا أنّ الحق سبحانه قد وكل الحق بتمشية دينه فقال لخلفائه: احكموا بما يقتضيه أمر هذا الوكيل ولا تتبعوا الهوى، وهو إرادة النفوس التي يخالفها حكم الحق الموكل بتمشية الكلمات الإلهية المشروعة، وكل مخاطب راع ومسؤول عن رعيته، فكان العدل صفة هذا الحق الذي وكّله الله أن يصرفها في المخلوقات بمساعدة الخلفاء والله المرشد. السؤال الثاني والتسعون: وما ثمرته؟ يعني فيمن حكم به من الخلفاء. الجواب: الوقوف دائماً مع العبودة هذه ثمرته، ولكن جوائح الربوبية تمنع من ظهور هذه الثمرة ولا سيما في البشر، ولكن له ثمرة أخرى دون هذه الثمرة وهو أن يكون الحق سمعه وبصره وجميع قواه، ثم إنّ له في كل شخص من الثمر بحسب ما أمضاه في سلطانه من أحكامه، وأما ثمرته التي يعمل عليها ولها أكثر العقلاء من أهل الله فتهيؤ مراداتهم بمجرّد الهمم، فمنهم من ينال ذلك في الدنيا، ومنهم من يدّخر له ذلك إلى يوم القيامة، فإنّ أكابر الرجال مع معرفتهم بما خلقوا له لو وقفوا مع التكوين قوبلوا، ولكنهم تركوا الحق يتصرّف في خلقه كما هو في نفس الأمر، وأبوا أن يكونوا محلاً لظهور التصريف، وإن ظهر عليهم من ذلك شيء فما هو عن قصد منهم لذلك، ولكن الله أجراه لهم وأظهره عليهم لحكمة علمها الحق وهؤلاء في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٤٥ عن ذلك بمعزل، وأما أن يقصدوا ذلك فلا يتصوّر منهم إلاَّ أن يكونوا مأمورين كالرسل عليهم السلام فذلك إلى الله وهم لا يعصون الله ما أمرهم، فإنهم معصومون من إضافة الأفعال إليهم إذا ظهرت منهم فيقولون: هي للظاهر من أسمائه في مظاهره فما لنا وللدعوى فنحن لا شيء في حال كوننا مظاهر له، وفي غير هذه الحال وهذا المقام يسمّى راحة الأبد والقائم فيه مستريح، وهذا هو الذي وفى الربوبية حقّها لأن الحكم للمرتبة لا للعين، ألا ترى أن السلطان تمشي أوامره في مملكته فلا يعصى ويخاف ويرجى وما هو لكونه إنساناً فإن الإنسانية عينه، وإنما هو لكونه سلطاناً وهي المرتبة، فالعاقل من الناس يرى أن المتحكم في المملكة إنما هي المرتبة لا عينه، إذ لو كان ذلك لكونه إنساناً فلا فرق بينه وبين كل إنسان، وهكذا كل المظاهر، فرجال الله ينظرون أنفسهم من حيث أعيانهم لا من حيث كونهم مظاهر، فكانت المرتبة الحاكمة لا هم، وهذه هي ثمرة الحق التي جنوها حين حكموا به وفازوا بالعبودة والعبودية عبادة الفرائض وعبادة النوافل. السؤال الثالث والتسعون: وما المحق؟ الجواب: معطي الحق، وهو الموصوف بالحكم العدل، وذلك أني أنبهك على تحقيق هذا الأمر، فاعلم أن المحق إذا كان هو معطي الحق فليس إلاَّ الله، ومقصود الطائفة من المحق أن يكون الصادق الدعوى في طلب الحق الذي يستحقه وهي مسألة صعبة، فإن الله أعطى كل شيء خلقه وهو ما يستحقه، فقد أعطى كل شيء استحقاقه فهذا الطالب ما يستحقه، كيف يصحّ أن يكون ممنوعاً عنه ما يستحقه مع قوله: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فلنقل: اعلم أن قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ إنما هو ممّا يقوم ذات ذلك الشيء من الفصول المقومة لذاته، وأما ما تطلبه تلك الفصول من اللوازم والأعراض فما أعطاه ذلك لأن أعراض كل ذات لا يتناهى ما دام موصوفاً بالبقاء في الوجود، وما لا يمكن فيه التناهي لا يصحّ أن يدخل في الوجود بل على التتالي والتتابع، فالطالب المحق هو الذي لا يطلب ما لا تستحقه ذاته من لوازمها وأعراضها، كمن ليس من حقيقته أن يقبل التفكّر فيطلب أن يتصف بالفكر فما هو محق في طلبه، فإذا طلبه الإنسان إذا كان الغالب عليه الوقوف مع المحسوسات فله أن يطلب الاشتغال بالتفكّر في خلق السموات والأرض وجميع الآيات فهو محق في طلبه صادق الدعوى في نفي التفكّر عنه لاستيلاء الغفلة عليه، فهذا هو المحق الذي لا يعارض طلب حقه الذي يستحق بذاته طلبه قوله: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ فقد تبين لك كيف ينبغي لك أن تسأل وماذا تسأل فيه. ومن أوصاف المحق أن لا يسأل إلاَّ من بيده قضاء ذلك الحق المسؤول، فإن لم يفعل فقد شكى إلى غير مشتكى، كان شيخنا أبو العباس بن العريف الصنهاجيّ يقول في دعائه: اللهم إنك سددت باب النبوّة والرسالة دوننا ولم تسد باب الولاية، اللهم مهما عينت أعلى رتبة في الولاية لأعلى وليّ عندك فاجعلني ذلك الوليّ، فهذا من المحقين الذين طلبوا ما يمكن أن يكون حقاً لهم، وإن كانت النبوّة والرسالة ممّا يستحقه الإنسان عقلاً لكون ذاته قابلة لها، لكن لما علم أن الله قد سدّ بابها شرعاً وسدّ باب نبوّة الشرائع لم يسألها وسأل ما الفتوحات المكية ج٣ - م١٠ ١٤٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف يستحقه، فإن الله ما حجر الولاية علينا، ومن هذا الباب سؤال الوسيلة وإن لم يكن مثلها لكن يقرب منها، وإنما ألحقناها بها في التشبيه لقرينة حال وهي درجة في الجنة لا ينالها أو لا تنبغي إلاَّ لرجل واحد، قال وَّرَ: ((وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ)) فلو سأل واحد منّا ربه الوسيلة في حق نفسه لما سأل ما لا يستحقه لأنه ربما لا ينالها إلاَّ شخص هو على صفة مخصوصة والله يقول لنا: ﴿وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٥] إلاَّ أنه لم يقل منه فقد يمكن أن يكون هذه من التوسّل، وتلك الصفة إما موهوبة أو مكتسبة، ولم يعينها رسول الله الله ولا حجرها على واحد بعينه، ولم يقل أنها لا تنبغي إلاَّ لمن هو أفضل عند الله من البشر، ونحن نعلم أنه أفضل الناس عند الله بما نصّ على نفسه فكان يكون ذلك تحجيراً. ولم ينص أيضاً في وحدانية ذلك الشخص هل هو واحد لعينه أو واحد تلك الصفة فتكون الأحدية لتلك الصفة، ولو ظهرت في ألف لكان كل واحد من الألف له الوسيلة لأن تلك الصفة تطلبها، فلما لم يقع من الشارع شيء من هذا كله ساغ لنا أن نطلبها لأنفسنا، ولكن يمنعنا من ذلك الإيثار وحسن الأدب مع الله في حق رسول الله مَّر الذي اهتدينا بهديه، وقد طلب منّا أن نسأل الله له الوسيلة فتعين علينا أدباً وإيثاراً ومروءة ومكارم خلق أن لو كانت لنا لوهبناها له، إذ كان هو الأولى بالأفضل من كل شيء لعلو منصبه وما عرفناه من منزلته عند الله، ونرجوا بهذا أن يكون لنا في الجنة ما يماثل تلك الدرجة مثل قيمة المثل عندنا في الحكم المشروع في الدنيا، وذلك أن بيننا وبينه وَ ل# أخوة الإيمان، وإن كان هو السيد الذي لا يقاوم ولا يكاثر ولكن قد انتظم معنا في سلك الإيمان فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٠] وثبت في الشرع أن الإنسان إذا دعى لأخيه بظهر الغيب قال الملك له: ولك بمثله ولك بمثليه، فإذا دعونا له بالوسيلة وهو غائب عنا قال الملك: ولك بمثله فهي له والمثل للداعي فينال من درجات مجموعه ما يناله صاحب الوسيلة من الوسيلة مثل قيمة المثل لأن الوسيلة لا مثل لها أي ما ثم درجة واحدة تجمع ما جمعت الوسيلة، وإن كانت ما جمعت الوسيلة متفرّقاً في درجات متعدّدة ولكن للوسيلة خاصية الجمع . السؤال الرابع والتسعون: فأين محل من يكون محقاً؟ الجواب: ﴿فِي مَفْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْنَدِرٍ ﴾ [سورة القمر: الآية ٥٥] فإن الحقوق ما يطلبها المحق إلاَّ وهو في المقعد الصدق لأنه صادق، ولا تطلب الحقوق إلاَّ عند من يعلم أنه قادر على إيصالها وملك ماضي الكلمة في ملكه فلهذا قلنا: ﴿فِي مَفْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْنَدِرٍ ﴾ فاجتمع هذا المحق مع المتقي في هذا المحل ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَهَرٍ﴾ [سورة القمر: الآية ٥٤] وإن كان المحق كذلك، ولكن لما كان الفرق بين المتقي وبين هذا معلوماً لم تكن الجنات كالجنات ووقع الاشتراك في كونه محقاً مع المتقي، فالمتقي ما نال المقعد الصدق إلاَّ من كونه محقاً ﴿عِندَ مَلِيكٍ مُقْنَدِرٍ﴾ حضرة بقاء العين والاقتدار والتأييد، ولهم أماكن مختلفة بحسب الحضرات التي ينزلونها من حضرات الأسماء محلهم الاسم الصادق والحق والناصر وما في معنى هذه الأسماء، فأي اسم في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٤٧ من هؤلاء الأسماء نظر إليه كان محله، وأما في الذاتيات فمحله الواجبات، وأما في الألوهية فمحلها بالظفر بالمطلوب، وأما في العبودية فمحلها عبودية الفرائض، وأما في الأحوال فالتأثير، وأما في المقامات فالصدق، وأما في الجنان فارتفاع الحجب، وأما في الدنيا فالفعل بالهمة، وأما في المعارف فإن يكون مع الحق من حيث أمره ومع عالمه من حيث عدله ووفائه فيعين كل طالب حق فمقامه لا يتزلزل ولا ينخرم، فإن له في كل حضرة مقعداً ومجلساً فحيث حل فهو بيته، فلا يفطر إن كان صائماً ولا يقصر الصلاة فإنه مقيم غير مسافر لأن السفر فيه لا يجوز فيه القصر ولا الفطِر فهو كمثل عائشة قالت: ((لا أَقْصُرُ فَإِنِّي أُمُّ المُؤْمِنِينَ فَحَيْثُ مَا حَلَلْتُ حَلَلْتُ عِنْدَ بَنِيَّ فَأَنَا فِي بَيْتِي)) والسفر إليه بخلاف ذلك فإنه يقصر ويفطر فهو فطر الصائمين . السؤال الخامس والتسعون: ما سكينة الأولياء؟ الجواب: إذا اتبع الوليّ الأسباب وقطعها سبباً سبباً، وولي مملكة جابر قينا وجابر سينا، وجمع له بين المشرقين والمشارق والمغربين والمغارب، واطلع على المشرق والمغرب، ووفى المقامات حقّها، وأعطى الأنبياء حقّهم، وأنبياء الشرائع حقّهم، وأنصف الملأ الأعلى، وأحال الأسماء الإلهية على الأسماء الإلهية ولم يتوجه لمخلوق عليه حق فإنه غير وارث ولا رسول ولا إمام ولا صاحب منصب يخاف عليه فيه عدله أو جوره ويرجى فيه فضله وجهل قدره ولم يعرف حقّه، وتمنّ الرسل في موطن ما أن تكون مثله وجمع هذا كله، فتلك سكينة الأولياء التي يسكنون إليها، فهم العرائس المصانون رجال أيّ رجال يسكنون إليها ولا تحصل لهم دائماً لكن لهم اختلاسات فيها كالبروق فهي تشبه المشاهد الذاتية في كونها لا بقاء لها، فإن المواطن تحكم عليهم وطبيعتهم تطلبهم، فإن اتفق أن تحصل لأحد وقتاً ما قصيراً أو طويلاً فإن الدوام محال، فيكون الوليّ في تلك الحال ناظراً لمن يطلب طبيعته فيكون كالمتفرّج ويرى الظاهر فيهِ المسؤول ذلك، إما يعطيها ما سألته، وإما يمنعها وهو مهيمن على ذلك من حيث عينه، إلاَّ أن هذه هي العبودة المحضة التي لا يتخللها شوب من الربوبية . السؤال السادس والتسعون: ما حظ المؤمنين من قوله: ﴿وَالَِّرُ وَالْبَالِنٌ﴾ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَاْأَخِرُ ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣]. الجواب: كل مصدق بأمر لم يعلمه إلاَّ من الذي أخبره به فقد بطن عنه ما صدقه فيه وظهر له ما صدقه فيه عند إخباره وحظّه من الأول أن لا يتوقف في تصديقه عند سماعه الخبر منه، وحظه من الآخر أن لا يتردّد فيما صدّقه فيه إن قدح فيه نظره عند التفكّر فيما أخبره به المخبر، وذلك أن الإيمان نور شعشعانيّ ظهر عن صفة مطلقة لا تقبل التقييد، فإذا خالط هذا النور بشاشة القلوب كان حكمه ما ذكرناه من ﴿ وَاُلَّهِرُ وَالْبَالٌِ﴾ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾ والمؤمنون فيه على قسمين: مؤمن عن نظر واستدلال وبرهان فهذا لا يوثق بإيمانه ولا يخالط نوره بشاشة القلوب فإن صاحبه لا ينظر إليه إلاَّ من خلف حجاب دليله، وما من دليل لأصحاب النظر إلاّ وهو معرض للدخل فيه والقدح ولو بعد حين، فلا يمكن لصاحب البرهان أن يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وهذا الحجاب بينه وبينه. والمؤمن ١٤٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف الآخر الذي كان برهانه عين حصول الإيمان في قلبه لا أمر آخر، وهذا هو الإيمان الذي يخالط بشاشة القلوب فلا يتصوّر في صاحبه شك لأن الشك لا يجد محلاً يعمره فإن محله الدليل ولا دليل، فما ثم على ما يرد الدخل ولا الشك بل هو في مزيد. ثم إن المؤمن على نوعين: مؤمن له عين فيه نور بذلك العين إذا اجتمع بنور الإيمان أدرك المغيبات التي متعلقها الإيمان. ومؤمن ما لعينه نور سوى نور الإيمان فنظر إليه به ونظر إلى غيره به، فالأول يمكن أن يقوم بعينه أمر يزيل عنه النور الذي إذا اجتمع بنور الإيمان أدرك الأمور التي ألزمه الإيمان القول بها، وهو المؤمن الذي لا دليل له، وينظر الأشياء بذاته فيدخله الشك ممن يشككه، فإن فطرته تعطي النظر في الأدلة إلاّ أنه لم ينظر فإذا نبّه تنبّه، فمثل هذا إن لم يسرع إليه الذوق وإلاَّ خيف عليه، والمؤمن الآخر هو بمنزلة الجسد الذي قد تسوّت بنيته واستوت آلات قواه وتركّبت طبقات عينه غير أنه ما نفخ فيه الروح فلا نور لعينه، فإذا كان الإنسان بهذه المثابة من الطمس فنفخ فيه روح الإيمان فأبصرت عينه بنور الإيمان الأشياء فلا يتمكن له إدخال الشكوك عليه جملة ورأساً، فإنه ما لعينه نور سوى نور الإيمان والضدّ لا يقبل الضدّ، فماله نور في عينه يقبل به الشك والقدح فيما يراه، وهكذا هي الأذواق وهذه فائدتها، ومتى لم يكن الإيمان بهذه المثابة والفطرة بهذه المثابة وإلاَّ فقليل أن يجيء منه ما جاء من الأنبياء والأولياء من الصدق بالإلهيات، فالفطرة الذكية التي تقبل النظر في المعقولات من أكبر الموانع لحصول ما ينبغي أن يحصل من العلم الإلهيّ، والفطرة المطموسة هي القابلة التي لا نور لعينها من ذاتها إلاَّ من نور الإيمان، فلا تعطي فطرته النظر في الأمور على اختلافها، وممّا يعضد ما قلناه حديث إبار النخل وحديث نزوله بأصحابه يوم بدر وقوله: ﴿وَمَّا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمَّ إِنْ أَنَّعُ إِلَّا مَا يُوحَىّ إِلَىَ﴾ [سورة الأحقاف: الآية ٩] أي ما لي علم ولا نظر بغير ما يوحى إليّ، وهذا باب لا يعرفه إلاَّ أهل الله، ومنزلة الأنبياء فيما يأخذونه من الغيب بطريق الإيمان من الملائكة منزلة المؤمنين مع ما يأخذونه من الأنبياء، فالأنبياء مؤمنون بما يلقى إليهم الروح، والروح مؤمن بما يلقى إليه من يلقى إليه، فحظ المؤمن كان من كان من الظاهر ما ألقي إليه، وحظه من الباطن ما استتربه، وحظه من الأول علم الخواطر الإلهية، وحظه من الآخر إلحاق بقية الخواطر بالخواطر الإلهية وهو تتميم قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣]. السؤال السابع والتسعون: ما حظ المؤمنين من قوله: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾؟ [سورة القصص: الآية ٨٨] الجواب: المؤمن هو الذي ذكرناه الذي لا نور لعين بصيرته إلاَّ نور الإيمان، فكل شيء عنده هالك عن شيئيته شيئية ثبوته وشيئية وجوده إلاَّ وجهه وجه الشيء ذاته وحقيقته ووجهه مظهره أي ظهوره في الأعيان، فأما شيئية ذاته فهي المستثناة لا بدّ من ذلك، وأما وجهه في المظهر فبعض أصحابنا يدخلها في ﴿ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ﴾ وبعض أصحابنا لا يدخلها هنالك، فأما من أدخلها في الهلاك فاعتبر مظهراً خاصاً، وأما من لم يدخلها في الهلاك فاعتبر أنها لا تخلو عن مظهر ما، وأما نحن فلا نثبت إطلاق لفظ الشيئية على ذات الحق لأنها ما وردت ولا خوطبنا بها والأدب أولى، والأولى أن يكون هنا وجهه مثل إطلاق في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٤٩ الأول يريد المظهر لا هويته، والمظهر له مناسبة بينه وبين الوجه الظاهر فيه فلذلك صح الاستثناء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فسمّاه شيئاً في حال هلاكه، فكل شيء موصوف بالهلاك لأن هالك خبر المبتدأ الذي هو ﴿ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي كل ما ينطلق عليه اسم شيء فهو ﴿هَالِكُ﴾ وإن كان مظهراً فهو في حال كونه مظهراً في شيئية عينه وهي هالكة فهو هالك في حال اتصافه بالوجود، كما هو هالك في حال اتصافه بالهلاك الذي هو العدم، فإن العدم للممكن ذاتيّ أي من حقيقة ذاته أن يكون معدوماً، والأشياء إذا اقتضت أموراً لذواتها فمن المحال زوالها، فمن المحال زوال حكم العدم عن هذه العين الممكنة، سواء اتصفت بالوجود أو لم تتصف، فإن المتصف بالوجود ما هو عين الممكن، وإنما هو الظاهر في عين الممكن الذي سمّي به الممكن مظهراً لوجود الحق فكل شيء هالك، فلهذا نفينا عن الحق إطلاق لفظ الشيء عليه ويكون الاستثناء استثناء منقطعاً مثل قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّ إِيْلِسَ﴾ [سورة الحجر: ٣١،٣٠] ألا ترى لما استحق الحق الوجود لذاته استحال عليه العدم، كذلك إذا استحق الممكن العدم لذاته استحال وجوده، فلهذا جعلناه مظهراً . قلنا في كتاب المعرفة: إن الممكن ما استحق العدم لذاته كما يقوله بعض الناس، وإنما الذي استحقه الممكن تقدم اتصافه بالعدم على اتصافه بالوجود لذاته لا العدم، ولهذا قبل الوجود بالترجيح إذن، فالعدم المرجح عليه الوجود ليس هو العدم المتقدم على وجوده، وإنما هو العدم الذي له في مقابلة وجوده في حال وجوده إن لو لم يكن الوجود لكان العدم، فذلك العدم هو المرجح عليه الوجود في عين الممكن، هذا هو الذي يقتضيه النظر العقلي، وأما مذهبنا فالعين الممكنة إنما هي ممكنة لأن تكون مظهراً إلاّ لأن تقبل الاتصاف بالوجود فيكون الوجود عينها إذن، فليس الوجود في الممكن عين الموجود بل هو حال لعين الممكن به يسمّى الممكن موجوداً مجازاً لا حقيقة، لأن الحقيقة تأبى أن يكون الممكن موجوداً، فلا يزال كل شيء لك كما لم يزل لم يتغير عليه نعت ولا تغير على الوجود نعت، فالوجود وجود والعدم عدم، والموصوف بأنه موجود موجود والموصوف بأنه معدوم معدوم، هذا هو نفس أهل التحقيق من أهل الكشف والوجود، ثم يندرج في هذه المسألة الوجه الذي له الإمام وهو الوجه المقيد بالنظر وبه تميز عن الخلف، فإذا كان الشخص يرى من خلفه مثل ما يرى من أمامه كان وجهاً كله بلا قفا فلا يهلك من هذه صفته لأنه يرى من كل جهة فلا يهلك لأن العين تحفظه بنظرها، فمن أي جهة جاءه من يريد إهلاكه لم يجد سبيلاً إليه لكشفه إياه، كما يتقي صاحب الوجه المقيد من يأتيه من أمامه. انتهى الجزء السابع والثمانون. (الجزء الثامن والثمانون) بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَةِ السؤال الثامن والتسعون: كيف خصّ ذكر الوجه؟ الجواب: لأنّ السبحات له فهي ١٥٠ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف مهلكة والمهلك لا يكون هالكاً. فاعلم أن الحقائق لا تتصف بالهلاك ووجه الشيء حقيقته. وإنما يتصف بالهلاك الأمور العوارض للحقائق من نسبة بعضها إلى بعض، فهي أعني الأمور العوارض حقيقتها أن تكون عوارض فلا يهلك وجهها عن كونها عوارض، فاتصاف من عرضت له نسبة ما ثم بها زالت تلك النسبة بحصول نسبة أخرى، فإزالة تلك النسبة العارضة تسمّى هلاكاً، ويسمّى ذلك المحل المنسوب إليه ذلك العارض بزواله هالكاً، وما ثم إلاَّ حقائق، فما ثمَّ إلاَّ وجوه غير هالكة، وما ثم إلاَّ نسب، فما ثم إلاَّ هالك، فانظر كيف شئت وانطق بحسب ما تنظر، فلهذا خصّ الوجه لاستحالة اتصافه بالهلاك إذا كانت الحقيقة لا تهلك . السؤال التاسع والتسعون: ما مبتدأ الحمد؟ الجواب: مبتدأه الابتداء، وهو المعنى القائم في نفس الحامد، فلا بدّ أن يكون مقيداً من طريق المعنى أنه ابتداء حادث، فلا بدّ له من سبب والسبب عين التقييد، ومن طريق التلفّظ بالحمد فمبتدأه الإطلاق، ثم بعد ذلك إن شئت قيدته بصفة فعل إلهيّ، وإن شئت نزهته في التقييد بصفة تنزيه وما ثم أكثر من هذا، وإن أراد السائل بالحمد هنا العبد فإنه عين الثناء على الحق بوجود عينه، فمبتدؤه الحق الذي أوجده لما أوجده وإن أراد بالحمد، ومبتدئه إضافة المبدأ إلى الحمد أي بما يبتدأ الحمد فنقول بالوجود، سواء اقترنت سعادة بذلك الموجود أو شقاوة، وإن أراد بالحمد حمد الحمد فمبتدؤه الوهب والمنة، وإن أراد بمبتدأ الحمد حمد الحق الحمد أو حمد الحق نفسه أو حمد الحق مخلوقاته فالثناء على الثناء بأنه ثناء ثناء عليه فمبتدؤه العلم بأنه ثناء، وإن أراد به حمد الحق نفسه فمبتدؤه الهوية فهو غيب لا يظهر أبداً، وإن أراد به حمد الحق خلقه فمبتدؤه إضافة الخلق إله تعالى لا إلى غيره، وإن أراد بالحمد الفاتحة التي هي السورة فمبتدؤها الباء، إن نظرت الحق من حيث دلالة الخلق عليه فيكون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ﴾ آية من سورة الفاتحة، وإن كان ينظرها من حيث الحق مجرّداً عن تعلّق العالم به للدلالة فمبتدؤها الألف من ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فلم تتصل بأمر ولا ينبغي لها أن تتصل ولم يتصل بها فإنها تتعالى في الفاتحة أن يتصل بها، فإنه ما اتصل بها في المعنى إلاَّ أسماؤها وأسماؤها عينها فلم يتصل بها سواها، فإن أراد بالحمد عواقب الثناء فمبدؤه من حيث هو عواقب رجوع أسمائه إليه فإنه لا أثر لها إلاَّ في الظاهر في المظاهر، وعلى الظاهر يقع الثناء وليس الظاهر في المظاهر غيره، فلا مثنى ولا مثنى ولا مثنى عليه إلاَّ هو، والتبس على الناس ما يتعلق بالمظاهر من الثناء فلهذا قالوا: ما مبتدأ الحمد، والظاهر من سؤال هذا السائل أنه أراد الفاتحة لأنه قال في السؤال الذي يليه: ما معنى آمين؟ وهي كلمة شرعت بعد الفراغ من الفاتحة فهو ثناء بدعاء، وكل ثناء بدعاء فهو مشوب، ولهذا قال: ((قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَينٍ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصِفُهَا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي مَا سَأَلَ)) فآمين المشروعة لما فيها من السؤال وهو قوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ اٌلْمُسْتَقِيمَ﴾ ومن طلب شيئاً من أحد فلا بدّ أن يفتقر إليه بحال طلبه فمبتدأ الحمد على هذا هو الافتقار، ولهذا سأل في الإجابة. في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٥١ ثم إنه ما أوجب له الافتقار إليه إلاَّ أثر غناه تعالى بما افتقر إليه فيه، فمبتدأ الحمد غنى الحق عن العالمين، قال الله تعالى: ﴿اَللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] فقدّم الفقر على الغنيّ في اللفظ وغنى الحق مقدّم في المعنى على فقراء الخلق إليه، لا بل هما سؤالان تقدّم أحدهما على الآخر، فإن الغني عن الخلق لله أزلاً، والفقر للممكن في حال عدمه إلى الله من حيث غناه أزلاً، والموصوفان بالأزل نفياً وإثباتاً لا يتقدّم أحدهما على الآخر لأن الأزل لا يصحّ فيه تقدّم ولا تأخّر فافهم. السؤال الموفي مائة: ما قوله آمين؟ الجواب: لما أراد الثناء بما هو دعاء في مصالح ترجع إلى الداعي لهذا قيل له قل آمين وهي تقصر وتمدّ، قال الشاعر في القصر: [الطويل] أمينٌ فزاد الله ما بيننا بُعدَا تَبَاعَدَ مني فَطْحَلٌ وابنُ أُمْهِ يعني حتى يتفرد مع الحق الذي لا يقبل البينية. وقال الشاعر في المد: [البسيط] يا ربُّ لا تسلبَنْي حُبَّها أبداً ويرحمُ الله عبداً قال آمينًا يعني في دعائه بالبعد بينه وبين من يقبل البينية. وورد في الشرع الجهر بها والإخفاء، لأن الأمر ظاهر وباطن، فالباطن يطلب الإخفاء والظاهر يطلب الجهر غير أن الظاهر أعمّ، فإذا جهر بها فقد حصل حظ الباطن، وإذا أسر بها لم يعلم الظاهر ما جرى، والباطن خصوص والأسرار بها خاص لخاص، والظاهر عموم فالجهر بها عام لعام، وخاص: ((مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلٍ خَيْرٍ مِنْهُ)). وكل مذكور في ملأ فهو مذكور في النفس، وما كل ما هو مذكور في النفس يكونِ مذكوراً في الملأ، قوله عليه السلام: ((أَو اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْم غَيْبِكَ)) هي أسماء لا يعلمها إلاَّ هو فعلم السر أتم ﴿ وَعِندَؤُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٩] فالمفاتيح العلم بها خاص له، والغيب قد يظهر على غيبة من يرتضيه من رسله ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [سورة الجن: الآية ٢٧] فالسر بها أتم مقاماً من الجهر بها، والجهر بها أعمّ منفعة من السر، السر بها آمين معناه أجب دعاءنا، لا بل معناه قصدنا إجابتك فيما دعوناك فيه، يقال: أمّ فلان جانب فلان إذا قصده ﴿وَلَّ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٢] أي قاصدين، وخفّف أمين للسرعة المطلوبة في الإجابة، والخفة تقتضي الإسراع في الأشياء، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة فقد غفر له ولم يقل فقد أجيب لأنه لو أجيب لما غفر له، لأن المهدي ما له ما يغفر أي فمن أمّن مثل تأمين الملائكة، هذا معنى الموافقة لا الموافقة الزمانية، وقد تكون الموافقة الزمانية فيحويهم زمان واحد عند قولهم آمين . والملائكة لا يخلو قولها في آمين هل يقولونها متجسدين أو يقولونها غير متجسدين؟ فإن قالتها متجسدة فربما يريد الموافقة الزمانية خاصة لأن التجسّد يحكم عليهم بالإتيان بلفظة آمين أي بترتيب هذه الحروف. وإن قالتها غير متجسدة فلم تبق الموافقة إلاَّ أن يقولها العبد بالحال التي يقولها الملك، والحال هنا على أقسام الحال الواحدة أن يقولها بربّه، فإن الملك يقولها كذلك أو يقولها بحاله التي تقتضيها ذاته، فالإنسان إذا قالها كذلك قالها من حيث ١٥٢ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف روحانيته لا من حيث حسّه أو يقولها بحكم النيابة، فالملك قد يقولها كذلك أو يقولها وهو هو، فالملك قد يقولها كذلك، وقول الإنسان بحكم النيابة هو قوله بحكم الصورة التي خلق عليها، فينبغي للإنسان أن يقولها بكل حال يقولها الملك من هذه الأقسام التي ذكرناها، فإذا قالها غفر الله له، ولا بدّ أن يستره الله عن كل أمر يضادّ الهداية بما تنتج لا بدّ من ذلك لأن نتيجة الهداية سعادة، وقد يكون في حياته الدنيا غير مهدي والعناية قد سبقت فيجني ثمرة الهداية، فلهذا لم يقل أجيب وقال غفر، فهذا معنى قوله آمين، وكل داع بحسب ما دعا فإن الله يستجيب له بأمر سعادي لا بما عينه فقد أجابه بما فيه سعادته إذ هي المطلوب الأعم في کلی دعاء داع . السؤال الحادي ومائة: ما السجود؟ الجواب: السجود من كل ساجد مشاهدة أصله الذي غاب عنه حين كان فرعاً عنه، فلما اشتغل بفرعيته عن أصليته قيل له اطلب ما غاب عنك وهو أصلك الذي عنه صدرت، فسجد الجسم إلى التربة التي هي أصله، وسجد الروح إلى الروح الكل الذي عنه صدر، وسجد السر لربه الذي به نال المرتبة، والأصول كلها غيب، ألا تراها قد ظهرت في الشجر أصولها غيب؟ فإن التكوين غيب لا يشاهده أحد، الجنين يتكوّن في بطن أمّه فهو غيب، حيوان آخر يتكوّن في البيض فإذا كمل تشقق عنه الحق، أصل وجود الأشياء وهو غيب لها، السجود تحية الملوك لما كان السوقة دون الملك، فالملك له العلو والعظمة، فإذا دخل عليه من دونه سجد له، أي منزلتنا منك منزلة السفل من العلو، فإنهم نظروا إليه من حيث مكانته ومرتبته فإنهم على السواء في النشأة، سجدت الملائكة لمرتبة العلم فكان سجودها لا علم لها وهو الجهل، سجدت الظلال لمشاهدتها من خرجت عنه وهي الأشخاص يتستّر ظل الشخص عن النور بأصله الذي انبعث عنه لئلا يفنيه النور، فلم يكن له بقاء إلاَّ بوجود الأصل فلا بقاء للعالم إلاّ بالله ، السلطان ظل الله في أرضه، العرش ظل الله يوم القيامة العرش عين الملك، يقال: ثل عرش الملك إذا اختلّ ملكه عليه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى اُلْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥] أي على ملكه سجود القلب إذا سجد لا يرفع أبداً لأن سجوده للأسماء الإلهية لا للذات، فإنها هي التي جعلته قلباً فهي تقلبه من حال إلى حال دنيا وآخرة فلهذا سمته قلباً، فإذا تجلّى له الحق مقلباً فيرى أنه في قبضة مقلبه وهو الأسماء الإلهية التي لا ينفكّ مخلوق عنها فهي المتحكمة في الخلائق، فمن مشاهد لها وهو الذي سجد قلبه، ومن غير مشاهد لها فلا يسجد قلبه وهو المدعي الذي يقول أنا، وعلى من هذه صفته يتوجّه الحساب والسؤال يوم القيامة والعقاب إن عوقب، ومن سجد قلبه فلا دعوى له فلا حساب ولا سؤال ولا عقاب، فلا حالة أشرف من حالة السجود لأنها حالة الوصول إلى علم الأصول، فلا صفة أشرف من صفة العلم فإنه معطي السعادة في الدارين والراحة في المنزلتين أصل الأعداد الواحد فلا وجود لها إلاّ به وبه بقاؤها، فمن لا علم له بأحدية خالقه كثرت آلهته وغاب عن معرفته بنفسه فجهل ربه: [مخلع البسيط] فهو مَحَلِّ لكل ذتْبٍ فصار عبداً لكلِ ربِّ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٥٣ والسجود يقتضي الديمومية، ولهذا قال الشيخ أيضاً لسهل بن عبد الله إلى الأبد لأن السجود الخضوع، والإسجاد إدامة النظر، وكل من تطأطأ فقد سجد. وقلن له اسجد لليلى فأسجدا. أي طأطأ البعير لها لتركبه، والتطأطؤ لا يكون إلاَّ عن رفعة، والرفعة في حق كل ما سوى الله خروج عن أصله، فقيل له: اسجد أي تطأطأ عن رفعتك المتوهمة واخضع من شموخك بأن تنظر إلى أصلك فتعرف حقيقتك، فإنك ما تعاليت حتى غاب عنك أصلك، فطلبك على أصلك طلبك الغيب عينه، ومن عرف أصله عرف عينه أي نفسه، ومن عرف نفسه عرف ربّه، ومن عرف نفسه لم يرفع رأسه، ومن عرف ربّه رفع رأسه فإنه مخلوق على صورة ربّه، ومن نعوت ربّه الرفيع فلا بدّ أن يرفع نفسه وبعد هذه الرفعة يقال له اسجد فيسجد وجهه فيسجد قلبه فيرفع وجهه من السجود فلا يدوم، فإن القبلة التي سجد لها لا تدوم، والجهة التي سجد لها لا تدوم، فرفع لرفع المسجود له وسجد القلب فلم يرفع لأنه سجد لربه فقبلته ربه وربه لا يزول ولا ترتفع عن الوجود ربوبيته، فالقلب لا يرفع رأسه من سجوده أبداً لأن قبلته لا ترتفع، فهذا معنى السجود. السؤال الثاني ومائة: ما بدؤه؟ الجواب: بدؤ السجود الذي أسجدك تنوّع الحالات وتغيراتها عليك، فنبهك ذلك على النظر في السبب الموجب لذلك فطلبت فعلمت أنك معلول وكل معلول فلا قيام له بنفسه، فإن المريض لا يمرض نفسه، وما كل ما تقام فيه من تغيّر الأحوال يرضيك، وإذا لم يرضك فقد أمرضك فلا بدّ من ممرض، ومن طلب الممرض فقد افتقر، فعلمت أنك فقير، وإذا افتقرت فهو كسر فقار ظهرك لم يتمكن لك أن ترفع رأسك فأنت موصوف بالسجود دائماً فهذا بدء السجود، وإن أراد بقوله ما بدؤه يعني ما بدؤه فيك أي ما هو أوّل شيء يعطيك السجود من منحه فنقول: القربة والقربة مؤذنة ببعد متقدّم، وكل ذلك يؤدّي إلى الحدّ ولا حدّ فإنه البعيد القريب، فاعلم أن الهوية المسمّاة بالبعيد القريب هي التي أعطتك السجود وبدأك بها منحة، ولكن من كونها تسمّى بالبعيد القريب فنقلتك من النعت البعيد إلى النعت القريب، فنقلتك من البعد إلى القربة، قال الله تعالى: ﴿وَأُسْجُدْ وَأَقْتَبِ﴾ [سورة العلق: الآية ١٩] ولم يقل غير ذلك من الأحوال، فدل على أن أول شيء يمنحك السجود هو القربة، ثم بعد ذلك تعطى من مقام القربة ما يليق بالمقربين من الملائكة والنبيين، فتلك عوارف التقريب والتقريب منحة السجود والسجود منحة النظر في تغيّر الأحوال، والنظر في تغيّر الأحوال حكم تغير الأحوال، وتغيّر الأحوال كونك على الصورة ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأَنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] وكونك على الصورة كونك مظهراً للأسماء الإلهية، وكونك مظهراً للأسماء الإلهية أعطاك الرفعة، ولاتصافك بالرفعة أمرت بالسجود فاعلم. السؤال الثالث ومائة: ما قوله: ((العزّة إزاري))؟ الجواب: لما أنعم الحق على عباده حين دعاهم إلى معرفته بالتنزّل بضرب الأمثال لهم ليحصلوا بذلك القدر الذي أراد منهم أن يعلموا منه مثل قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِهَا مِصْبَاحٌ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] لقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] فجعل النور نفسه لأنه خبر المبتدأ أي صفته وهويته النور من ١٥٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف حيث إنه الله النور، وأين نور المصباح من قوله: ﴿اَللَّهُ نُورُ﴾ وكذلك الخبر: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَكَلَّمَ بِالْوَخِي كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ)) وأين كلام الحق تعالى من ضرب سلسلة على صفوان كذلك قوله: العزّة إزاري، فأنزل نفسه لعباده منزلة من يقبل الاتصاف بالإزار، وأن مراده من علمهم به في مثل هذا ما يناسب الإزار وما يستره الإزار. واعلم أن الإزار يتخذ لثلاثة أمور: الواحد للتجمّل. والثاني: للوقاية. والثالث: للستر. والمقصود في هذا الخبر من الثلاثة الوقاية خاصة لأجل قوله العزّة، فإن العزّة تطلب هنا الامتناع من الوصول إليه، لأن الإزار بقي موضع الغيرة أن تطلع إليه الأبصار. ولما كانت العزّة منيعة الحمى أن يتصف بها على الحقيقة خلق من المخلوقات أو مبدع من المبدعات لاستصحاب الذلّة للمخلوقات والمبدعات وهي تناقض العزّة، فلما اتزر الحق بالعزّة منع العقول أن تدرك قبول الأعيان للإيجاد الذي اتصفت به وتميّزت لأعيانها، فلا يعلم ما سوى الله صورة إيجاده ولا قبوله ولا كيف صار مظهراً للحق ولا كيف وصفه بالوجود، فقيل فيه موجود وقد كان يقال فيه معدوم فقال الحق: العزّة إزاري أي هي حجاب على ما من شأن النفوس أن تتشوّف إلى تحصله ولهذا قال: من نازعني واحداً منهما قصمته، فأخبر أنه ينازع في مثل هذه الصفات التي لا تنبغي إلا له، مثل العزّة والعظمة والكبرياء، والعزّة القهر الذي نجده عن إدراك السرّ الذي به ظهور العالم. السؤال الرابع ومائة: ما قوله: والعظمة ردائي؟ الجواب: إن الله قد نبّه أن العظمة التي تلبسها العقول رداء يحجبها عن إدراك الحق عند التجلّي، فليست العظمة صفة للحق على التحقيق وإنما هي صفة للقلوب العارفة به، فهي عليها كالرداء على لابسه وهي من خلفه تحجبها تلك العظمة عن الإدلال عليه وتورثها الإذلال بين يديه، ومن الدليل على أن يوصف العظيم بالعظمة أنه راجع إلى العالم به لا إليه، أن المعظم إذا رآه من لا يعرفه لا يجد لذلك النظر في قلبه هيبة ولا تعظيماً لجهله به، والذي يعلم مكانته ومنزلته له على قلبه سلطان العلم به فيورثه ذلك العلم عظمة في قلبه فهو الموصوف بالعظمة لا العظيم. وقد ورد خبر ذكره أبو نعيم الحافظ في دلائل النبوّة: ((إِنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ فَأَسْرَى بِهِ فِي شَجَرَةٍ فِيها كَوِكُرَيْ طَائِرٍ فَقَعَدَ جِبْرِيلُ فِي الْوَاحِدٍ وَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ وَ فِي الآخَرِ فَلَمَّا وَصَلاَ إِلَى السَّمَاءِ الذُّنْيَا تَدَلَّى إِلَّيْهِمَا شِبْهُ الَرَّفْرَفِ دُرّاً وَيَاقُوتاً، فَأَمَّ جِبْرِيلُ فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مُحَمِدٌ وَ لَ فَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ مَا تَغَيَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: فَعَلَمْتُ فَضْلٌ جِبْرِيلَ عَلَيَّ فِي العِلْم لأَنَّهُ عَلِمَ مَا رَأَىْ وَأَنَا مَا عِلِمْتُهُ)) فالعظمة التي حصلت في قلب جبريل إنما كانت من علمه بما تدلّ إليه، فقلب جبريل هو الموصوف بتلك العظمة فهي حال للرائي لا للمرئيّ، ولو كانت العظمة حالة للمرئيّ لعظمه كل من رآه، والأمر ليس كذلك، وقد ورد في الحديث الصحيح: ((إِنَّ اللَّهَ يَتَجَلَّى يَوْمَ القِيَامَةِ لِهَذِهِ الأُمَّ وَفِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَسْتَعِيذُونَ مِنْهُ وَلَا يَجِدُونَ لَهُ تَعْظِيماً وَيُنْكِرُونَهُ لِجَهْلِهِمْ بِهِ فَإِذَا تَجَلَّى لَهُمْ فِي العَلَامَةِ التي يَعْرِفُونَهُ بِهَا أَنَّهُ رَبَّهُمْ حِينَئِذٍ يَجِدُونَ عَظَمَتَهُ فِي قُلُوبِهِمْ وَالهَيْبَةَ)) فلهذا قلنا في قوله: العظمة ردائي أي هي رداؤه لذي تلبسه عقول العلماء به، وجعلها رداء ولم يجعلها ثوياً فإن الرداء له كمية واحدة والثوب مؤلف من كميات في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٥٥ مختلفة ضمّ بعضها إلى بعض كالقميص، وكذلك أيضاً الإزار مثل الرداء، ولم يقل السراويل لأن ذلك أقرب إلى الأحدية من الثوب المؤلف لتنوّع الشكل. السؤال الخامس ومائة: ما الإزار؟ الجواب: حجاب الغيرة والستر على تأثير القدرة الإلهية في الحقيقة الخامسة، الكلية الظاهرة في القديم قديمة وفي المحدثات محدثة، وهو ظهور الحقائق الإلهية، والصور الربانية في الأعيان الثابتة الموصوفة بالإمكان التي هي مظاهر الحق، فلا يعلم نسبة هذا الظهور إلى هذا المظهر إلاَّ الله سبحانه وتعالى، فالحجاب الذي حال بيننا وبين هذا العلم هو المعبّر عنه بالإزار وهي كلمة: ﴿كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] ولا أريد به حرف الكاف والواو والنون وإنما أريد به المعنى الذي به كان هذا الظهور. السؤال السادس ومائة: ما الرداء؟ الجواب: العبد الكامل المخلوق على الصورة الجامع للحقائق الإمكانية والإلهية وهو المظهر الأكمل الذي لا أكمل منه الذي قال فيه أبو حامد: ما في الإمكان أبدع من هذا العالم لكمال وجود الحقائق كلها فيه وهو العبد الذي ينبغي أن يسمّى خليفة ونائباً وله الأثر الكامل في جميع الممكنات وله المشيئة التامّة وهو أكمل المظاهر. واختلف العلماء هل يصحّ أن يكون منه في الوجود شخصان فصاعداً أو لا يكون إلاَّ شخص واحد؟ فإن كان شخص واحد فمن هو ذلك الشخص؟ ومن أيّ قسم هو من أقسام الموجودات؟ هل من البشر أو من الجنّ أو من الملائكة؟ وإنما سمّاه رداء لأنه مشتق من الرّدى المقصور وهو الهلاك، لأنه مستهلك في الحق استهلاكاً كلياً بحيث أن لا يظهر له وجود عين مع ظهور الانفعالات الإلهية عنه، فلا يجد في نفسه حقيقة ينسب بها شيئاً من تلك الانفعالات إليه فيكون حقاً كله وهو قوله ◌َله: ((واجْعَلْنِي نُوراً)) أي يظهر فيّ كل شيء ولا أظهر بشيء، وقد يستهلك الحق فيه فلا ينسب بوجوده شيء إلى الحق وهو الوجه الذي اعتمد عليه من أثبت الحق المخلوق به كأبي الحكم بن برجان وسهل بن عبد الله التستري وغيرهما، وإليه أشرنا بقولنا: [البسيط] أنا الرداءُ أننا السرُّ الذي ظهرتْ بي ظلمةُ الكونِ إذْ صِيَّرتُها نورا فالمرتدي هو الهالك بهذا الرداء، فانظر من هو المرتدي فاحكم عليه بأنه مستهلك فيه فتجد حقيقة ما ذكرناه، فكل مرتد محجوب بردائه عن إدراك الأبصار، قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠٣] لأن الرداء يحجب الأبصار عنه ولا يحجبه عنها، فهو يدركها ولا تدركه، فالأبصار تدرك الرداء والرداء هو الذي استهلك المرتدي فيه بظهوره ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الرعد: الآية ٤]. السؤال السابع ومائة: ما الكبر؟ الجواب: ما ظهر عن دعاوى الخلق في حضرة الربوبية من ((أنا)) على طبقات القائلين بها الكبر حال من أحوال القلوب من حيث ما هي عالمة بمن ينبغي أن ينسب إليه الكبرياء، فإن الحق معلوم عند كل موجود ويتبع العلم الكبرياء، فمن كان أعلم به كان كبرياء الحق في قلبه أعظم تمن ليس في قلبه ما يوجب ذلك، فلو كان الكبرياء صفة للذات لكانت الذات مركبة، وإن كان عين الذات وتجلّ سبحانه وسلب العلم به في تجلّيه لم يجد المتجلّ له أثر كبر ١٥٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف عنده لهذا المتجلّ لجهله به، فإن رزقه العلم به تبعه الكبر، والعلم تما يوصف به العالم لا المعلوم، كذلك الكبر يوصف به من يوصف بالعلم بمن يكون الكبرياء من أثره في قلب هذا الشخص، ولهذا قد ورد: ((الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي)) فهو حجاب بين العبد وبين الحق، يحجب العبد أن يعرف كنه المرتدي به وهو نفسه فأحرى أن يعرف ربه، ومع هذا فلا يضاف الكبر إلاَّ لغير لابسه فإنه حالة عجيبة، وكذلك العظمة فإن الحق ما هي صفته لا ذاتية ولا معنوية، فإنه يستحيل على ذاته قيام صفات المعاني بها، ويستحيل أن تكون صفة نفسية من أجل ما ورد من إنكار الخلق له في تجّيه مع كونه هو هو، وإذا بطل الوجهان فلم يبق إلاَّ أن تكون صفة للمتجلّ له وهو الكون، أو حالة تعقل بين المتجلّ والمتجلّ له لا يتصف بها المتجلّ له لأن العبودة تقابل الكبر وتضادها، ومحال أن تقوم بنفسها بينهما، فلم يبق إلاَّ أن تكون من أوصاف العلم، فتكون نسبة كبر وتعظيم وعزّة تتصف بها نسبة علم بمعلوم محقق من حيث ما يؤدي إليه ذلك العلم من وجود هذه النسب ذوقاً وشرباً، كما تقول في التشبيه: وضرب المثل سواد مشرق وعلم حسن، فوصف السواد بالإشراق والعلم بالحسن وهو وصف من لا قيام له بنفسه بما لا قيام له بنفسه، فلذلك جعلنا الكبرياء والعظمة حالة نابعة للعلم بالمعظم والمكبر في نفس من عظّمه وكبّره. السؤال الثامن ومائة: ما تاج الملك؟ الجواب: تاج الملك علامة الملك، وتتويج الكتاب السلطانيّ خط السلطان فيه، والوجود كتاب مرقوم يشهده المقرّبون، ويجهله من ليس بمقرّب، وتتويج هذا الكتاب إنما يكون بمن جمع الحقائق كلها وهي علامة موجده، فالإنسان الكامل الذي يدل بذاته من أوّل البديهة على ربّه هو تاج الملك وليس إلاَّ الإنسان الكامل وهو قوله وَّهُ: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) ﴿هُوَ اُلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاُلََّهِرُ وَالْبَالِنٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] فلم يظهر الكمال الإلهيّ إلاّ في المركب، فإنه يتضمن البسيط ولا يتضمن البسيط المركب، فالإنسان الكامل هو الأوّل بالقصد والآخر بالفعل والظاهر بالحرف والباطن بالمعنى، وهو الجامع بين الطبع والعقل، ففيه أكثف تركيب وألطف تركيب من حيث طبعه، وفيه التجرّد عن المواد والقوى الحاكمة على الأجساد، وليس ذلك لغيره من المخلوقات سواه، ولهذا خصّ بعلم الأسماء كلها وبجوامع الكلم، ولم يعلمنا الله أن أحداً سواه أعطاه هذا إلاَّ الإنسان الكامل، وليس فوق الإنسان مرتبة إلاَّ مرتبة الملك في المخلوقات، وقد تلمذت الملائكة له حين علمهم الأسماء، ولا يدل هذا على أنه خير من الملك ولكنه يدل على أنه أكمل نشأة من الملك، فلما كان مجلّ الأسماء الإلهية صحّ له أن يكون للكتاب مثل التاج لأنه أشرف زينة يتزيّن بها الكتاب، وبذلك التتويج ظهرت آثار الأوامر في الملك، كذلك بالإنسان الكامل ظهر الحكم الإلهيّ في العالم بالثواب والعقاب، وبه قام النظام وانخرم، وفيه قضى وقدّر وحكم. السؤال التاسع ومائة: ما الوقار؟ الجواب: حمل أعباء التجلّي قبل حصوله والفناء فيه كسكرات الموت قبل حلوله، وذلك أن للتجلّ مقدّمات كطلوع الفجر لطلوع الشمس، وكما ورد في الخبر عن مقدّمات تجلّي الرب للجبل بما ينزل من الملائكة والقوى الروحانية في الضباب وهي أثقال التجلّي التي تتقدّمه من الوقر وهو الثقل، وإذا حصل الثقل ضعف الإسراع في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٥٧ والحركة، فسمّى ذلك السكون وقاراً أي سكون عن ثقل عارض لا عن مزاج طبيعيّ، فإن السكون الكائن عن الأمر الذي يورث الهيبة والعظمة في نفس الشخص يسمّى وقاراً وسكينة، والسكون الطبيعيّ الذي يكون في الإنسان من مزاجه لغلبة البرد والرطوبة على الحرارة واليبس لا يسمّى وقاراً، إنما الوقار نتيجة التعظيم والعظمة، ولا سيما أن تقدم التجلي خطاب إلهيّ فصاحبه أشدّ وقاراً، لأنّ خطاب الحق بوساطة الروح يورث هيبة ولا سيما إن كان قولاً ثقيلاً. وقد كان رسول الله وَّو إذا نزل عليه الوحي كصلصلة الجرس يجد منه مشقة عظيمة ويورثه سكوناً وغشياً مع الواسطة، فكيف به إذا خاطبه الحق بارتفاع الوسائط مثل موسى عليه السلام ومن كلّمه الله، فإذا كان هذا وأمثاله من مقدمات التجلّ الإلهيّ فكيف يكون حال الإنسان بعد حصول التجلّي من الوقار؟ ألا ترى إلى ما يحصل في قلوب الناس من هيبة الصالحين المنقطعين إلى الله الذين لم تجر العادة عند العامّة برؤيتهم، فإذا وقع نظرهم عليهم ظهر عليهم من الوقار والسكينة والخمود برؤيتهم ما لا يقدر قدره إلاّ الله وهو إجلال المتجلّي، يقول بعضهم : [البسيط] كأنما الطيرُ منهم فوق أرؤسهم لا خوفَ ظلمٍ ولكنْ خوفَ إجلالٍ وقال آخر: [مجزوء الكامل] أطرقتُ من إجلالهِ أشتاقه فإذا بدا وصيانةٌ لجمالهِ لا خيفةً بل هيبةً فهذا الإطراق هو عين الوقار. وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٣] وقال عليه السلام: ((فَلا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَونَ يَعْنِي الجُمُعَةَ واثْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ)) أي امشوا مشي المثقلين، وهذا لا يكون إلاّ إذا تجلّ لهم في جلال الجمال . السؤال العاشر والمائة: وما صفة مجالس الهيبة؟ الجواب: لما كانت الهيبة تورث الوقار سأل عن صفة مجلسه أي ما صفته في قعوده بين يديه؟ فمن صفته عدم الالتفات، واشتغال السرّ بالمشاهد، وعصمة القلب من الخواطر، والعقل من الأفكار، والجوارح من الحركات، وعدم التمييز بين الحسن والقبيح، وأن تكون أذناه مصروفة إليه، وعيناه مطرقتين إلى الأرض، وعين بصيرته غير مطموسة، وجمع الهم وتضاؤله في نفسه، واجتماع أعضائه اجتماعاً يسمع له أزيز، وأن لا يتأوّه مع جمود العين عن الحركة، وأن لا تعطيه المباسطة الإذلال، فإن جالسه بتقييد جهة كما كلّمه بتقييد جهة من حضرة مثالية كجانب الطور الأيمن ﴿فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [سورة القصص: الآية ٣٠] فليكن سمعه بحيث قيده، فإن أطلق سمعه لأجل حقيقة أخرى تعطيه عدم التقييد وهو تعالى قد قيّد نفسه به في جانب خاص فقد أساء الأدب، وليس هو في مجلس هيبة، ولا يكون صاحب مجلس الهيبة صاحب فناء لكنه صاحب حضور أو استحضار، لا يرجح ولا يجرح ولا يرفع ميزاناً ولا يسمّى إنساناً، فإن الإنسان مجموع أضداد ومختلفات. ١٥٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف السؤال الحادي عشر ومائة: ما صفة ملك الآلاء؟ الجواب: روحاني وذلك أن الملك لا يتصف به إلاّ الجماد خاصة وهو أشدّ الخلق طواعية لله سبحانه المعترف بأنه ملك الله سبحانه، على أن جميع ما سوى الله ملك الله، ولكن الفضل في الملك أن يعلم أنه ملك، وأن يكون معاملته مع الله معاملة من هو ملك الله، وليس ذلك إلاَّ للمهيّمين من الملائكة والجمادات، وأما النبات فلم يتصف بذلك كل النبات، فإن منه من لا يخرج إلاَّ نكداً ولكن باقي الخلائق فيهم من قام بحق كونه ملكاً ومنهم من لم يقم بذلك في كلّ صنف، وبهذا وصفهم الحق سبحانه فقال: ﴿وَإِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [سورة الرعد: الآية ١٥] فالطائع في الإمكان أن يكون صاحب كره، والكاره في الإمكان أن يكون طائعاً، فأعظم الآلاء وأتمّها بل هي النعمة المطلقة أن يرزق الخلائق طاعة الله، فإنهم لذلك خلقوا فملك الآلاء هو الذي ملكته النعمة لله وهو قوله عليه السلام: ((أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ)) وكل ما سوى الله متغذ، فكلّ ما سوى الله منعم عليه، فكل من تعبّدته نعمة الله لله، فهو ملك الآلاء والآلاء من جملة الملك فيحتاج إلى نعمة، وتلك النعمة عين وجودها وبقائها في المنعمين عليهم، فالنعم ملك الآلاء أيضاً، فإذا كان ملك الآلاء المنعم عليهم ردّتهم النعمة إلى الله فكان ملكهم الله بتلك النعم فهم ملك الآلاء فملك الآلاء من كل بهذه الصفة، وإذا كان ملك الآلاء عبارة عن عين الآلاء فصفة هذا العين أن لا تنسب إلاَّ إلى الله، فإن نسبت إلى غير الله فذلك من جهة المنعم عليه لا من جهة النعمة، والمنعم عليه هو المذموم بقدر ما أضاف من الآلاء إلى غير الله لما تلا رسول الله وَّة سورة الرحمن العامّة لجميع ما خلق الله دنيا وآخرة وعلواً وسفلاً على الجن فما قال في آية منها: ﴿فَأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١٣] إلاَّ قالت الجن: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فمدحهم رسول الله وَّر لأصحابه بحسن الاستماع حين تلاها عليهم ولم يقولوا شيئاً من ذلك، ولم يكن سكوتهم عن جهل بأن الآلاء من الله، ولا أن الجن أعرف منهم بنسبة الآلاء إلى الله، ولكن الجن وفت بكمال المقام الظاهر حيث قالت: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فإن الموطن يقتضيه. ولم تقل الصحابة من الإنس حين تلاها عليهم شغلاً منهم بتحصيل علم ما ليس عندهم ممّا يجيء به رسول الله وَّر فشغلهم ذلك الحرص على تعمير الزمان الذي يقولون فيه ما قالت الجن أن يقوله النبيّ وَّ ما يقول من العلم فيستفيدون فهم أشدّ حرصاً على اقتناء العلم من الجن، والجن أمكن في توفية الأدب بما يقتضيه هذا الموطن من الجواب من الإنس، فمدحهم رسول الله وَّ بما فضلوا به على الإنس، وما مدح الإنس بما فضلوا به على الجنّ من الحرص على مزيد العلم بسكوتهم عند تلاوته ولا سيما والحق يقول لهم: ﴿وَإِذَا قُرِئَّ اَلْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٠٤] والسورة واحدة في نفسها كالكلام غير التام، فهم ينصتون حتى يتمّها. فجمع الصحابة من الإنس بين فضيلتين لم يذكرهما رسول الله وَّ # وذكر فضل الجن فيما نطقوا به، فإن نطقه تصريح بالعبودية بلسان الظاهر وهم بلسان الباطن أيضاً عبيد فجمعوا بين اللسانين بهذا النطق. والجواب: ولم يفعل الإنس من في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٥٩ الصحابة ذلك عند التلاوة فنقصهم هذا اللسان، فكان توبيخ رسول الله وَلَّه إياهم تعليماً بما تستحقه المواطن أعني مواطن الألسنة الناطقة ليتنبهوا فلا يفوتهم ذلك من الخير العملي فإنهم كانوا في الخير العلمي في ذلك الوقت، وحكم العمل في موطنه لا يقاومه العلم، فإن الحكم للموطن وحكم العلم في موطنه لا يقاومه العمل، والجن غرباء في الظاهر، فهم يسارعون في الظهورية ليعلموا أنهم قد حصل لهم فيه قدم لكونهم مستورين، فهم إلى الباطن أقرب منهم إلى الظاهر، والتلاوة كانت بلسان الظاهر، والإنس في مرتبة الظاهر فحجبهم عن الجواب الذي أجابت به الجن كونهم أصحاب موطن الظاهر، فذهلوا عن الجواب لقرينة حال موطنهم، ولو وفوا به لكان أحسن في حقّهم، فنبّههم رسول الله وَّر على الأكمل في موطنه وهو المعلم فنعم المؤذّب. فمن أراد تحقيق ملك الآلاء فليتدبّر سورة الرحمن من القرآن وينظر إلى تقديم الإنس على الجن في آيتها وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنِسَنَ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣] أيضاً فابتدأ به تقديراً ومرتبة نطقية تهمماً به على الجن وإن كان الجن موجوداً قبله يؤذن بأنه وإن تأخرت نشأته فهو المعتنى به في غيب ربّه لأنه المقصود من العالم لما خصّه به من كمال الصورة في خلقه باليدين وعلمه الأسماء والإفصاح عمّا علّمه بقوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٤] . وبعض أصحابنا يطلق ملك الآلاء على ما يحصل للعبد من مزيد الشكر على نعم الله، فذلك القدر لمن حصل له يسمّى ملك الآلاء فهو ملك الشاكرين، فمن شكر نعم الله بلسان حق وناب الحق مناب العبد من اسمه الشكور وهو شكره لعباده على ما كان منهم من شكرهم على ما أنعم عليهم ليزيدوا في الأعمال في مقابلة شكره، فيكون ما جازاهم به من ذلك على قدر علم الشاكر بالمشكور، والله هو الشاكر في هذا الحال وهو العالم بنفسه، فالجزاء الذي يليق بهذا الشاكر لو جوزي هو الذي يحصل لهؤلاء الشاكرين الذين لهم هذا الحال، فهذا الجزاء يسمّى ملك الآلاء وهو أعظم الملك وهو قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [سورة القيامة: الآية ٢٢ - ٢٣] أي نعم ربها جمع آلاء، وإلى ربها المضافة إليه هنا الذي يستحقها لو قبل الجزاء الذي هذه صفته، فتكون تلك جزاء هؤلاء، وهذا من باب ما طلبه الله من عباده فقال: ﴿فَأَذْكُرُونِّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢] و﴿أَعْبُدُونِيِ﴾ [سورة فاطر: آية ٣٦] ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ [سورة آل عمران: آية ٥٠] ﴿وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وهذا كله جزاء من العبد في مقابلة ما أنعم الله عليه به من الوجود خاصة، فكيف إذا انضاف إلى ذلك ما خلق من أجله من النعم المعنوية والحسيّة؟ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] فعلّل فيعبدوه لكونه أنعم عليهم بالإيجاد لكمال مرتبة العلم والوجود من حيث من ذكر من الأجناس فاعلم ذلك لا لكمال مرتبة الوجود والمعرفة من غير هذا التقييد، فإن ذلك يكفي فيه خلق محدث واحد، وإيجاد العلم المحدث فيه المتعلق بالله والكون، ولكن لما كانت الأجناس منحصرة عند الله وأوجدها كلها وبقي هذان الجنسان أوقع الأخبار عنهما بما ذكر فشرحناه بما يعطيه الحال المقصودة لخالقهما تعالى بهما. انتهى الجزء الثامن والثمانون. ١٦٠ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف (الجزء التاسع والثمانون) بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحَمَةِ السؤال الثاني عشر ومائة: ما صفات ملك الضياء؟ الجواب: قال تعالى في القرآن: ﴿وَضِيَاءُ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٤٨] فكل ما أضاء بالقرآن فهو ملك الضياء، وكذلك جعل الشمس ضياء، فكل ما أضاء بالشمس في الدنيا ويوجد به عينه فهو من ملك الضياء وكلّ نور أعطى ضياء فهو من ملك الضياء ممّا لا يقابله معطي الضياء بنفسه، أي نوع كان من الأنوار فضياؤه هو الضوء الذي لا يكون معه الحجاب عمّا يكشفه والنور حجاب، قال رسول الله وَّ في حق الحق تعالى: ((حِجَابُهُ النُّورُ)) وقال: ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)) والضياء ليس بحجاب، فالضياء أثر النور وهو الظل، فإن النور صيّره الحجاب ضياء فهو بالنسبة إلى الحجاب ظل وإلى النور ضياء، فله الكشف من كونه ضياء، وله الراحة من كونه ظلاً، فملك الضياء ملك الكشف فهو ملك العلم، وملك الراحة فهو ملك الرحمة، فجمع الضياء بين الرحمة والعِلم، قال تعالى في منّته على عبده الخضر: ﴿َانَيْتَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا﴾ وهو الظل ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] وهو الضياء أي الكشف الضيائي وهو أتم الكشوف، وإنما قلنا النور حجاب لقوله عليه الصلاة والسلام: ((نورٌ أَنَّى أراه» أي النور لا يتمكن أن تدركه الأبصار لأنها تضعف عنه فهو حجاب على نفسه بنفسه، والضياء ليس كذلك فالضياء روح النور والضياء للنور ذاتي، فملك الضياء ملك ذاتي، وضوء الذات الأسماء الإلهية، فملك الضياء ملك الأسماء والقرآن ضياء فملكه ما أظهره القرآن، فعلم الخضر في زمان موسى عليه السلام جزء من أجزاء ما يحويه صاحب القرآن المحمديّ من العلوم، فبالقرآن يكشف جميع ما في الكتب المنزلة من العلوم، وفيه ما ليس فيها، فمن أوتي القرآن فقد أوتي الضياء الكامل الذي يتضمن كل علم، قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطَّنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٨] وهو القرآن العزيز الذي ﴿لَّ يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ،﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٢] وبه صحّ لمحمد ◌َليّ جوامع الكلم. فعلوم الأنبياء والملائكة وكل لسان علم فإن القرآن يتضمنه ويوضحه لأهل القرآن بما هو ضياء، فهو نور من حيث ذاته لأنه لا يدرك لعزّته وهو ضياء لما يدرك به ولما يدرك منه، فمن أعطى القرآن فقد أعطي العلم الكامل، فما ثم في الخلق أتمّ من المحمديين وهم: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١١٠] ثم ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءٍ﴾ [سورة يونس: الآية ٥] لوجود روح الحياة في العالم كله، وبالحياة رحم العالم، فالحياة فلك الرحمة التي ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَىءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] وكذلك نسبة الحياة إلى الذات الإلهية شرط في صحة كل نسبة نسبت إلى الله من علم وإرادة وقدرة وكلام وسمع وبصر وإدراك، فلو رفعت نسبة الحياة إليه ارتفعت هذه النسب كلها، فهي الرحمة الذاتية التي وسعت جميع الأسماء، فهي ضياء النور الذاتي وظل الحجاب النسبيّ لأنه لا يعقل الإله إلاَّ بهذه النسب، وتعقل الذات نوراً لا من حيث هذه النسب، فكونه إلهاً حجاب على الذات فكانت الألوهية عين الضياء فهي عين