النص المفهرس

صفحات 41-60

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٤١
هو عليه فسمّاهم الله مسلمين، فمن وقع فيمن هذه صفته فليس بمسلم لأن ذلك الوصف الذي
وصفه المسلم به ورماه به ولم يكن المسلم محلاً له عاد على قائله فلم يكن الرامي له بمسلم فإنه ما
سلم تما قال إذ صار عليه سهم كلامه الذي رماه به، قال ◌َ: «مَنْ قَالَ لأَخِيهِ كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهِ
أَحَدُهُمَا)) وقال تعالى في حق قوم: ﴿قِلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ
الشُّفَهََّةُ﴾ قال الله فيهم: ﴿أَلََّ إِنَّهُمْ هُمُ التُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٣] فأعاد
الصفة عليهم لما لم يكن المسلمون المؤمنون أهل سفه أي ضعف رأى في إيمانهم، فعاد ما نسبوه
من ضعف الرأي الذي هو السفه إليهم، فليس المسلم إلاّ من سلم من جميع العيوب الأصلية
والطارئة، فلا يقول في أحد شراً ولا يؤثر فيه إذا قدر عليه شرّاً أصلاً، وليس إقامة الحدود بشرّ
فإنه خير إذ جعل الله إقامة الحدود كشرب الدواء للمريض لأجل العافية وزوال المرض، فهو
وإن كان كريهاً في الوقت فإن عاقبته محمودة، فما قصد الطبيب بشرب الدواء شرّاً للمريض
وإنما أعطاه سبب حصول العافية فيتحمل ما فيه من الكراهة في الوقت كذلك إقامة الحدود.
وأما القصاص في مثل قوله: ﴿وَحَزَّوُاْ سَفِئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى: الآية ٤٠] فلا
يخرجه ذلك عن الإسلام، فإن النبيّ وَّ اشترط سلامة المسلمين ومن آذاك ابتداء عن قصد
منه فليس بمسلم فإنك ما سلمت منه، والنبيّ وَلَه يقول: ((مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ)) فلا يقدح
القصاص في الإسلام فإنك ما آذيت مسلماً من حيث آذاك فإن المسلم لا يؤذي المسلم بل أسقط
عنه القصاص في الدنيا القصاص في الآخرة فقد أنعم عليه بضرب من النعم، فإن عفا وأصلح
ولم يؤاخذه وتجاوز عن سيئته فذلك المقام العالي وأجره على الله بشرط ترك المطالبة في الآخرة،
وحق الله ثابت قبله لأنه تعدّى حدّه فقدح في إسلامه قدر ما تعدّى فيه، فإن عصى المسلم ربه
في غير المسلم هل يكون مسلماً بذلك أم لا؟ قلنا: لا يكون مسلماً فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٧] والمسلم لا يكون
ملعوناً، فلقائل أن يقول هنا بالمجموع كانت اللعنة ونحن إنما قلنا: من آذى الله وحده قلنا كل
من آذى الله وحده في زعمه فقد آذى المسلمين، فإن المسلم يتأذى إذا سمع في الله من القول ما
لا يليق به فهو مؤاخذ من جهة ما تأذّى به المسلمون من قولهم في الله ما لا يليق به. فإن قيل:
فإن لم يعرف ذلك المسلمون منه حتى يتأذّوا من ذلك. قلنا: حكم ذلك حكم الغيبة فإنه لو
عرف من اغتيب تأذى وهو مؤاخذ بالغيبة فهو مؤاخذ بإيذائه الله وإن لم يعرف بذلك مسلم،
قال ◌َله: ((لا أَحَدَ أَضْبَرُ عَلَى أَذى مِنَ اللَّهِ» المسلم من كان بهذه المثابة وهو السعيد المطلق وقليل
ماهم.
ومن الأولياء أيضاً رضي الله عنهم المؤمنون والمؤمنات تولاهم الله بالإيمان الذي هو
القول والعمل والاعتقاد، وحقيقته الاعتقاد شرعاً ولغة وهو في القول والعمل شرعاً لا لغة،
فالمؤمن من كان قوله وفعله مطابقاً لما يعتقده في ذلك الفعل ولهذا قال في المؤمنين: ﴿نُرُهُمْ
يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ﴾ [سورة التحريم: الآية ٨] يريد ما قدّموه من الأعمال الصالحة عند الله
فأولئك من الذين ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥] قال ◌َه:

٤٢ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
((المؤمنُ من أَمِنهُ الناسُ على أموالِهم وأنفسِهِم)) وقال ◌ََّ: ((المؤمنُ من أَمِنَ جارُهُ بوائقَهُ» ولم
يخص مؤمناً ولا مسلماً بل قال: الناس والجار من غير تقييد، فإن المسلم قيده بسلامة المسلمين،
ففرّق بين المسلم والمؤمن بما قيده به وبما أطلقه، فعلمنا أن للإيمان خصوص وصف وهو
التصديق تقليداً من غير دليل ليفرق بين الإيمان والعلم.
واعلم أن المؤمن المصطلح عليه في طريق الله عند أهله الذي اعتبره الشرع له علامتان
في نفسه إذا وجدهما كان من المؤمنين، العلامة الواحدة: أن يصير الغيب له كالشهادة في
عدم الريب فيما يظهر على المشاهد لذلك الأمر الذي وقع به الإيمان من الإيثار في نفس
المؤمن كما يقع في نفس المشاهد له فيعلم أنه مؤمن بالغيب. والعلامة الثانية: أن يسري
الأمان منه في نفس العالم كله فيأمنوه على القطع على أموالهم وأنفسهم وأهليهم من غير أن
تتخلل ذلك الأمان تهمة في أنفسهم من هذا الشخص وانفعلت لأمانة النفوس فذلك هو
المشهود له بأنه من المؤمنين، ومهما لم يجد هاتين العلامتين فلا يغالط نفسه ولا يدخلها في
المؤمنين فليس إلاَّ ما ذكرناه.
ومن الأولياء أيضاً القانون لله والقانتات رضي الله عنهم تولاهم الله بالقنوت وهو الطاعة
لله في كل ما أمر به ونهى عنه، وهذا لا يكون إلاّ بعد نزول الشرائع، وما كان منه قبل نزول
الشرائع فلا يسمّى قنوتاً ولا طاعة ولكن يسمّى خيراً ومكارم خلق وفعل ما ينبغي، قال الله
تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٨] أي طائعين فأمر بطاعته، وقال تعالى:
﴿وَالْقَنِينَ وَاَلْقَِشَتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥] وقال تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ
الصََّلِحُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٥] وليس يرث الصالح من الأرض إلاَّ إتيانها لله طائعة مع
السماء حين قال لها وللأرض: ﴿أَثْقِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهاً قَالَتَاً أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾ [سورة فصلت: الآية ١١]
فورث العباد منها الطاعة لله وهي المعبر عنها بالقنوت، إذ الساجدون لله على قسمين: منهم
من يسجد طوعاً، ومنهم من يسجد كرهاً، فالقانت يسجد طوعاً، وتصحيح طاعتهم الله
وقنوتهم أن يكون الحق لهم بهذه المثابة للموازنة كما قال: ﴿ فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية
١٥٢] و ((مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً» فالحق مع العبد على قدر ما هو العبد مع الحق.
وقفت يوماً أنا وعبد صالح معي يقال له الحاج مدور يوسف الأستجيّ كان من الأمّيين
المنقطعين إلى الله المنورة بصائرهم على سائل يقول: من يعطي شيئاً لوجه الله؟ ففتح رجل
صرّة دراهم كانت عنده وجعل ينتقي له من بين الدراهم قطعة صغيرة يدفعها للسائل فوجد
ثمن درهم فأعطاه إياه وهذا العبد الصالح ينظر إليه فقال لي: يا فلان تدري على ما يفتش هذا
المعطي؟ قلت: لا، قال: على قدره عند الله لأنه أعطى السائل لوجه الله فعلى قدر ما أعطى
لوجهه ذلك قيمته عند ربه، ولكن من شرط القانت عندنا أنه يطيع الله من حيث ما هو عبد الله
لا من حيث ما وعده الله به من الأجر والثواب لمن أطاعه. وأمّا الأجر الذي يحصل للقانت
فذلك من حيث العمل الذي يطلبه لا من حيث الحال الذي أوجب له القنوت، قال الله تعالى
في القانتات من نساء رسول الله وَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٤٣
مَرَّتَيْنِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣١] فالأجر هنا للعمل الصالح الذي عملته وكان مضاعفاً في مقابلة
قوله تعالى في حقهنّ: ﴿يَلْنِسَآءَ النَّبِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ
ضِعْفَيْنِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٠] لمكانة رسول الله وَ ل ولفعل الفاحشة كذلك ضوعف الأجر
للعمل الصالح ومكانة رسول الله وَّر، وبقي القنوت معرى عن الأجر فإنه أعظم من الأجر
فإنه ليس بتكليف وإنما الحقيقة تطلبه وهو حال يستصحب العبد في الدنيا والآخرة ولهذا قال:
﴿إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [سورة مريم: الآية ٩٣] يعني يوم القيامة،
فالقنوت مع العبودية في دار التكليف لا مع الأجر ذلك هو القنوت المطلوب، والحق إنما
ينظر للعبد في طاعته بعين باعثة على تلك الطاعة ولهذا قال تعالى آمراً: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
[سورة البقرة: الآية ٢٣٨] ولم يسم أجراً ولا جعل القنوت إلاَّ من أجله لا من أجل أمر آخر فهؤلاء
هم القانتون والقانتات.
ومن الأولياء أيضاً: الصادقون والصادقات رضي الله عنهم، تولاهم الله بالصدق في
أقوالهم وأحوالهم فقال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢٣] فهذا
من صدق أحوالهم، والصدق في القول معلوم وهو ما يخبر به، وصدق الحال ما يفي به في
المستأنف وهو أقصى الغاية في الوفاء لأنه شديد على النفس فلا يقع الوفاء به في الحال والقول
إلاَّ من الأشدّاء الأقوياء ولا سيما في القول، فإنك لو حكيت كلاماً عن أحد كان بالفاء
فجعلت بدله واواً لم تكن من هذه الطائفة فانظر ما أغمض هذا المقام وما أقواه، فإن نقلت الخبر
على المعنى تعرف السامع أنك نقلت على المعنى فتكون صادقاً من حيث إخبارك عن المعنى عند
السامع ولا تسمّى صادقاً من حيث نقلك لما نقلته فإنك ما نقلت عين لفظ من نقلت عنه، ولا
تسمّى كاذباً فإنك قد عرّفت السامع أنك نقلت المعنى فأنت مخبر للسامع عن فهمك لا عمّن
تحكي عنه، فأنت صادق عنده في نقلك عن فهمك لا عن الرسول أو من تخبر عنه أن ذلك
مراده بما قال، فالصدق في المقال عسير جداً، قليل من الناس من يفي به إلاَّ من أخبر السامع
أنه ينقل على المعنى فيخرج عن العهدة، فالصدق في الحال أهون منه إلاّ أنه شديد على النفوس
فإنه يراعي جانب الوفاء لما عاهد من عاهد عليه، وقد قرن الله الجزاء بالصدق والسؤال عنه
فقال: ﴿لِيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢٤] ولكن بعد أن يسأل الصادقين
عن صدقهم، فإذا ثبت لهم جازاهم به وجزاؤهم به هو صدق الله فيما وعدهم به، فجزاء
الصدق الصدق الإلهيّ، وجزاء ما صدق فيه من العمل والقول بحسب ما يعطيه ذلك العمل أو
القول فهذا معنى الجزاء .
وأما السؤال عنه فمن حيث إضافة الصدق إليهم لأنه قال تعالى عن صدقهم وما قال عن
الصدق، فإن أضاف الصادق إذا سُئِل صدقه إلى ربه لا إلى نفسه وكان صادقاً في هذه الإضافة
أنها وجدت منه في حين صدقه في ذلك الأمر في الدار الدنيا ارتفع عنه الاعتراض، فإن
الصادق هو الله وهو قوله المشروع: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فإذا كانت القوّة به وهي
الصدق فإضافتها إلى العبد إنما هو من حيث إيجادها فيه وقيامها به، وإن قال عند سؤال الحق

٤٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
إياه عن صدقه أنه لما صدق في فعله أو قوله في الدنيا لم يحضر في صدقه أن ذلك بالله كان
منه كان صادقاً في الجواب عند السؤال، ونفعه ذلك عند الله في ذلك الموطن وحشر مع
الصادقين وصدق في صدقه، وهذا من أغمض ما يحتوي عليه هذا المقام، ويطرأ فيه غلط
كبير في هذا الطريق وهو أن يقول المريد أو العارف كلاماً ما يترجم به عن معنى في نفسه قد
وقع له، ويكون في قوّة دلالة تلك العبارة أن تدل على ذلك المعنى وعلى غيره من المعاني
التي هي أعلى ممّا وقع له في الوقت، ثم يأتي هذا الشخص في الزمان الآخر فيلوح له من
مطلق ذلك اللفظ معنى غامض هو أعلى وأدق وأحسن من المعنى الذي عبر عنه بذلك اللفظ
أولاً، فإذا سُئِلَ عن شرح قوله ذلك شرحه بما ظهر له في ثاني الحال لا بأول الوضع، فيكون
كاذباً في أصل الوضع صادقاً في دلالة اللفظ، فالصادق يقول: كان قد ظهر لي معنى ما وهو
كذا فأخرجته أو كسوته هذه العبارة ثم إنه لاح لي معنى هو أعلى منه لما نظرت في مدلول
هذه العبارة فتركت هذه العبارة عليه أيضاً في الزمان الثاني ولا يقول خلاف هذا، وهذا من
خفيّ رياسة النفوس وطلبها للعلوّ في الدنيا، وقد ذمّ الله من طلب علوّاً في الأرض، فإذا أراد
العارف أن يسلم من هذا الخطر ويكون صادقاً إذا أراد أن يترجم عن معنى قام له فليحضر في
نفسه عند الترجمة أنه يترجم عن الله عن كل ما يحويه ذلك اللفظ من المعاني في علم الله،
ومن جملتها المعنى الذي وقع له، فإذا أحضر هذا ولاح له ما شاء الله أن يمنحه من المعاني
التي يدل عليها ذلك اللفظ كان صادقاً في الشرح أنه قصد ذلك المعنى على الإجمال
والإبهام، لأنه لم يكن يعلم على التعيين ما في علم الله ممّا يدل عليه ذلك اللفظ إحضار مثل
هذا عند كل إخبار وقت الإخبار عزيز لسلطان الغفلة والذهول الغالب على الإنسان، فليعوّد
الإنسان نفسه مثل هذا الاستحضار فإنه نافع في استدامة المراقبة والحضور مع الحق، وهذا
التنبيه الذي نبهت الصادقين عليه ما يشعر به أكثر أهل طريقنا فإنهم لا يحققون معناه، وربما
يتخيلون فيه أنه شبهة فيفرّون منه وليس كذلك بل ذلك هو غاية الأدب البشريّ مع الله حيث
يعبر عمّا في علم الله، فهذا من الأدوية النافعة لهذا المرض لمن استعمله، وفقنا الله والسامعين
لاستعماله واستعمال أمثاله.
ومن الأولياء أيضاً: الصابرون والصابرات رضي الله عنهم تولاهم الله بالصبر، وهم
الذين حبسوا أنفسهم مع الله على طاعته من غير توقيت، فجعل الله جزاءهم على ذلك من غير
توقيت فقال تعالى: ﴿إِنَّا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ١٠] فما وقت لهم
فإنهم لم يوقتوا فعم صبرهم جميع المواطن التي يطلبها الصبر، فكما حبسوا نفوسهم على
الفعل بما أمروا به حبسوها أيضاً على ترك ما نهوا عن فعله، فلم يوقتوا فلم يوقت لهم الأجر،
وهم الذين أيضاً حبسوا نفوسهم عند وقوع البلايا والرزايا بهم عن سؤال ما سوى الله في رفعها
عنهم بدعاء الغير أو شفاعة أو طب إن كان من البلاء الموقوف إزالته على الطب، ولا يقدح
في صبرهم شكواهم إلى الله في رفع ذلك البلاء عنهم، ألا ترى أيوب سأل ربه رفع البلاء عنه
بقوله: ﴿مَسَّفِىَ الُُّّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٨٣] أي أصاب مني، فشكا ذلك

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٤٥
إلى ربّه عزّ وجلّ وقال له: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ ففي هذه الكلمة إثبات وضع الأسباب
وعرّض فيها لربه برفع البلاء عنه، فاستجاب له ربه وكشف ما به من الضرّ فأثبت بقوله تعالى:
﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٨٤] أنّ دعاءه كان في رفع البلاء فيكشف ما به من ضر، ومع
هذا أثنى عليه بالصبر وشهد له به فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِأَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ، أَوََّبٌ﴾ [سورة ص: الآية
٤٤] أي رجاع إلينا فيما ابتليناه به وأثنى عليه بالعبودية، فلو كان الدعاء إلى الله في رفع الضر
ورفع البلاء يناقض الصبر المشروع المطلوب في هذا الطريق لم يثن الله على أيوب بالصبر
وقد أثنى عليه به، بل عندنا من سوء الأدب مع الله أن لا يسأل العبد رفع البلاء عنه لأنّ فيه
رائحة من مقاومة القهر الإلهي بما يجده من الصبر وقوّته، قال العارف: إنما جوّعني لأبكي،
فالعارف وإن وجد القوّة الصبرية فليفر إلى موطن الضعف والعبودية وحسن الأدب ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ
لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٥] فيسأل ربه رفع البلاء عنه أو عصمته منه إن توهم وقوعه،
وهذا لا يناقض الرضا بالقضاء، فإنّ البلاء إنما هو عين المقضيّ لا القضاء، فيرضى بالقضاء
ويسأل الله في رفع المقضيّ عنه فيكون راضياً صابراً، فهؤلاء أيضاً هم الصابرون الذين أثنى
الله عليهم .
ومن الأولياء أيضاً الخاشعون والخاشعات رضي الله عنهم، تولاهم الله بالخشوع من ذلّ
العبودية القائم بهم لتجلي سلطان الربوبية على قلوبهم في الدار الدنيا، فينظرون إلى الحق
سبحانه من طرف خفي يوجده الله لهم في قلوبهم في هذه الحالة خفي عن إدراك كل مدرك
إياه بل لا يشهد ذلك النظر منهم إلاّ الله، فمن كانت حالته هذه في الدار الدنيا من رجل وامرأة
فهو الخاشع وهي الخاشعة فيشبه القنوت من وجه، إلاَّ أن القنوت يشترط فيه الأمر الإلهي،
والخشوع لا يشترط فيه إلاَّ التجلّي الذاتي، وكلتا الصفتين تطلبهما العبودية، فلا يتحقق بهما
إلاّ عبد خالص العبودية والعبودة، وله حال ظاهر في الجوارح التي لها الحركات وحال باطن
في القلوب، فيورث في الظاهر سكوناً ويؤثر في الباطن ثبوتاً، والقنوت يورث في الظاهر
بحسب ما نرد به الأوامر من حركة وسكون، فإن كان القانت خاشعاً فحركته في سكون ولا بدّ
إن ورد الأمر بالتحرّك فيورث القنوت في الباطن انتقالات أدق من الأنفاس متوالية مع الأوامر
الإلهية الواردة عليه في عالم باطنه، فالخاشع في قنوته في الباطن ثبوته على قبول تلك الأوامر
الواردة عليه من غير أن يتخللها ما يخرجها عن أن تكون مشهودة لهذا الخاشع، فالخاشع
والقانت خشوعه وقنوته أخوان متفقان في الموفقين من عباد الله.
ومن الأولياء أيضاً المتصدقون والمتصدقات رضي الله عنهم، تولاهم الله بجوده
ليجودوا بما استخلفهم الله فيه ممّا افتقر إليه خلق الله، فأحوج الله الخلق إليهم لغناهم بالله
فالكلمة الطيبة صدقة، ولما كان حالهم التعمّل في الإعطاء لا العمل دلّ على أنهم متكسبون
في ذلك لنظرهم أنّ ذلك ليس لهم وإنما هو الله، فلا يدعون فيما ليس لهم، فلا منّة لهم في
الذي يوصلونه إلى الناس أو إلى خلق الله من جميع الحيوانات، وكل متغذ عليهم لكونهم
مؤدّين أمانة كانت بأيديهم أوصلوها إلى مستحقيها فلا يرون أن لهم فضلاً عليهم فيما

٤٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
أخرجوه، وهذه الحالة لا يمدحون بها إلاَّ مع الدوام والدؤوب عليها في كل حال، والعارفون
هنا في هذه الصفة على طبقتين: منهم من يكون عين ما يعطيه مشهوداً له أنه حق لمن يعطيه
لأنّ الله ما خلق الأشياء التي يقع بها الانتفاع لنفسه وإنما خلق الخلق للخلق فهذا معنى
الاستحقاق، وطبقة أخرى يكون مشهوداً لهم كون خالق النعمة مختاراً فيبطل عندهم
الاستحقاق بأنهم يرون أنّ الله ما خلق الخلق أجمعه إلاَّ لعبادته ولهذا قال: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا
يُسَبِحُ بِْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] ﴿يَسْجُدُ لَهُ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨] وكان إيصال بعض الخلق
للخلق بحكم التبعية لا بالقصد الأوّل، وإن لم يكن هناك ما يقال فيه قصد أول ولا ثان،
ولكن العبارات من أجل إبراز الحقائق تعطي ذلك، ولله عباد من المتصدقين أقامهم الحق بين
هاتين الطبقتين، فهم ينظرون في حين كونهم متصدّقين الاستحقاق لبقاء عين من تصدّق عليه
ليصحّ منه ما خلق له من التسبيح لربّه والثناء عليه، ولكن لا من حيث أنه آكل مثلاً ولا شارب
في حق من يكون بقاؤه بالأكل والشرب فذلك لا يكون باستحقاق، وإنما الاستحقاق ما به
بقاؤه وأسبابه كثيرة، ثم تنظر هذه الطبقة الثالثة المتولدة بينهما من عين آخر معاً وهو أن تنظر
إلى الحق من حيث ما تقتضيه ذاته فيرتفع عندها الاختيار وترى أنّ المظاهر الإلهية هي
المسبحة، فلا يسبح الله إلاَّ الله، ولا يحمده هو، فهو إلاَّ ثناء ذاتيّ لا ثناء افتقار لاكتساب
ثناء، فهؤلاء أحق باسم المتصدّقين من غيره حيث أثبتوا أعيانهم ونفوا أحكامهم والله الهادي.
ومن الأولياء أيضاً الصائمون والصائمات رضي الله عنهم، تولاهم الله بالإمساك الذي
يورثهم الرفعة عند الله تعالى عن كل شيء أمرهم الحق أن يمسكوا عنه أنفسهم وجوارحهم،
فمنه ما هو واجب ومندوب، وأمّا قوله تعالى لهذه الطائفة: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾ [سورة
البقرة: الآية ١٨٧] تنبيهاً على غاية توقيت الإمساك في عالم الشهادة وهو النهار، والليل ضرب
مثال محقق للغيب، فإذا وصلوا إلى رتبة مصاحبة عالم الغيب المعبّر عنه بالليل لم يصحّ
هنالك الإمساك، فإنّ إمساك النفس والجوارح إنما هو في المنهيات وهي في عالم الشهادة،
فإن عالم الغيب أمر بلا نهي، ولهذا سمّوا عالم الأمر، وذلك لأنّ عالم الغيب عقل مجرّد لا
شهوة لهم، فلا نهي عندهم في مقام التكليف فهم كما أثنى الله عليهم في كتاب العزيز: ﴿لَّا
يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم: الآية ٦] ولم يذكر لهم نهي عن شيء لأنّ
حقائقهم لا تقتضيه، فإذا صام الإنسان وانتقل من بشريته إلى عقله فقد كمل نهاره وفارقه
الإمساك لمفارقة النهى والتحق بعالم الأمر بعقله، فهو عقل محض لا شهوة عندهم، ألا ترى
إلى قوله وَّ في حقّه ((إذا أقبلَ الليلُ من ههنا وأدبرَ النهار من ههنا وغَرَبَتِ الشمسُ فقد أفطرَ
الصائمُ)) يقول: وغربت الشمس عن عالم الشهادة وطلعت على عالم عقله فقد أفطر الصائم أي لم
يمتنع فارتفع عنه التحجير لأنّ عقله لا يتغذّى مما أمره الحق بالإمساك عنه وهو حظ طبعه فاعلم
ذلك. وإذا كان الأمر على هذا الحدّ وحصلت له الرفعة الإلهية عن حكم طبعه ورفعه التجلّ
عن حكم فكره إذ كان الفكر من حكم الطبع العنصريّ، ولهذا لا يفكر الملك ويفكر الإنسان
لأنه مركّب من طبيعة عنصرية وعقل، فالعقل من حيث نفسه له التجلّ فيرتفع عن حضيض

في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٤٧
الفكر الطبيعيّ المصاحب للخيال الآخذ عن الحسّ والمحسوس، قال الشاعر: إذا صام النهار
وهجر. أي ارتفع النهار، فمن ليست له هذه الرفعة عن هذا الإمساك فما هو الصائم المطلوب
المسمّى عندنا، فهذا هو صوم العارفين بالله وهم أهل الله. انتهى الجزء الثامن والسبعون.
(الجزء التاسع والسبعون)
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
ومن الأولياء: الحافظون لحدود الله والحافظات رضي الله عنهم، تولاهم الله بالحفظ
الإلهيّ، فحفظوا به مانعين عليهم أن يحفظوه وهم على طبقتين ذكرهم الله وهم: ﴿وَالْخَفِظِينَ
فُرُوجَهُمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥] فعين وخصّص ﴿وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اَللَّهُ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٢]
فعمّم، وقال في الحافظين لحدود الله ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٥] على ذلك،
وهم الذين حبسوا نفوسهم عند الحدود ولم يتعدّوها مطلقاً. وقال في الحافظين فروجهم:
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ تَّغْفِرَةَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥] أي ستراً لأن الفرج عورة تطلب الستر، فهو إنباء
عن حقيقة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٦] فيسترها
غيرة وفيها قال: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٦] والوقاية ستر لأنه يتقي بها ما ينبغي أن
يتقي منه، فجعل التقوى لباساً ينبّه أنّ ذلك ستر، والستر الغفر، والعورة هي المائلة يريد
المائلة إلى الحق عن نفسه ورؤية شهود وجودها، فأمر بستر ذلك من أجل الأدب الإلهيّ لما
نسب إليها من المذامّ وجعلها من الأسرار المكتوبة المستورة، ألا ترى النكاح يسمّى سراً،
قال الله تعالى: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٥] وهذا كله يؤذن بالستر، فمن صبر
على حفظ الحدود وسترها فإنّ الله يستره بما تطلبه هذه الحقيقة .
واعلم أنّ الحفظ حفظان وأهله طبقتان، وقد يجتمع الحفظان في شخص واحد، وقد
تنفرد طبقة واحدة بحفظ واحد، فلهذا فصل الله بينهما، فأطلق في حق طائفة وقيّد في حق
أخرى، ثم إنّ الذين أطلق في حقهم الحفظ لحدود الله هم على طبقتين: فمنهم من عرف
الحدود الذاتية فوقف عندها وذلك العالم الحكيم المشاهد المكاشف صاحب العين السليمة،
وصاحب هذا المقام قد لا يكون صاحب طريقة معينة لأنّ الإنسانية تطلبها. ومنهم من عرف
الحدود الرسمية ولم يعلم الحدود الذاتية وهم أرباب الإيمان. ومنهم من عرف الحدود
الرسمية والذاتية وهم الأنبياء والرسل ومن دعا إلى الله على بصيرة من أتباع الرسول وَل
فهؤلاء هم الأولى بأن يطلق عليهم الحافظون لحدود الله الذاتية والرسمية معاً. وأمّا الحافظون
فروجهم فهم على طبقتين: منهم من يحفظ فرجه عمّا أمر بحفظه منه ولا يحفظه ممّا رغب في
استعماله لأمور إلهية وحكم ربانية أظهرها إبقاء النوع على طريق القربة. ومنهم من يحفظ
فرجه إبقاء على نفسه لغلبة عقله على طبعه وغيبته عمّا سنّه أهل السنن من الترغيب في ذلك،
فإن انفتح له عين وانفرج له طريق إلى ما تعطيه حقيقة الوضع المرغب في النكاح فذلك
صاحب فرج فلم يحفظه الحفظ الذي أشرنا إليه. وأما صاحب الشرع الحافظ به فلا بد له من

٤٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
الفتح ولكن إذا اقترنت مع الحفظ الهمة، فإن لم تقترن معه الهمة فقد يصل إلى هذا المقام
وقد لا يصل، جعلنا الله من الحافظين لحدود الله الذاتية والرسمية فإنَّ الله بكل شيء حفيظ .
ومن الأولياء: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات رضي الله عنهم، تولاهم الله بإلهام الذكر
ليذكروه فيذكرهم، وهذا يتعلق بالاسم الآخر وهو صلاة الحق على العبد، فالعبد هنا سابق
والحق مصل لأنّ المقام يقتضيه فإنه قال تعالى: ﴿فَذْكُرُونِ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢] فأخّر
ذكره إياهم عن ذكرهم إياه، وقال: ((مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ
ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ منهم)) وقال: ((مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيهِ ذِرَاعاً)) وقال: ﴿فَأَتَِّعُونِ
يُحْيِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١] فكل مقام إليه يتأخر عن مقام كوني فهو من الاسم الآخر،
ومن باب قوله تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣] فالأمر يتردّد بين
الاسمين الإلهيين: الأول والآخر، وعين العبد مظهر لحكم هذين الاسمين، وهذا هو الفصل
الذي تسميه الكوفيون العماد مثل قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِ بِهِ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ
وَكُنْتُ عَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ فَلَا تَوَقَّيْتَنِى كُنُتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سورة
المائدة: الآية ١١٧] من قوله: ﴿كُنْتَ أَنتَ الَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ﴾ فلولا الاعتماد على عين العبد ما ظهر
سلطان هذين الاسمين، إذ العين هنالك واحدة لا متحدة، وفي العبد متحدة لا واحدة،
فالأحدية لله والاتحاد للعبد لا الأحدية، فإنه لا يعقل العبد إلاَّ بغيره لا بنفسه، فلا رائحة له في
الأحدية أبداً، والحق قد تعقل له الأحدية وقد تعقل بالإضافة، لأنّ الكل له بل هو عين الكل
لا كلية جمع، بل حقيقة أحدية تكون عنها الكثرة، ولا يصحّ هذا إلاَّ في جناب الحق خاصة،
فلا يصدر عن الواحد أبداً في قضية العقل إلاَّ واحداً لا أحدية الحق، فإن الكثرة تصدر عنها،
لأنّ أحديته خارجة عن حكم العقل وطوره، فأحدية حكم العقل هي التي لا يصدر عنها إلاَّ
واحد، وأحدية الحق لا تدخل تحت الحكم، كيف يدخل تحت الحكم من خلق الحكم والحاكم
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَهِزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٦] فالذكر أعلى المقامات كلها، والذاكر هو
الرجل الذي له الدرجة على غيره من أهل المقامات كما قال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [سورة
البقرة: الآية ٢٢٨] ومن الذكر سمّي الذكر الذي هو نقيض الأنثى فهو الفاعل والأنثى منفعلة
كحواء من آدم، فقد نبهتك بذكر الحق عن ذكرك من كونه مصلياً، فحوّاء عن ذكر بشري
صوريّ إلهي، وعيسى عن ذكر روحيّ ملكيّ في صورة بشر، فذكر حوّاء أتم بسبب الصورة،
وذكر عيسى أتم بالملكية المتجلية في الصورة البشرية المخلوقة على الحضرة الإلهية، فجمع بين
الصورة والروح فكان نشأة تمامية ظاهره بشر وباطنه ملك فهو روح الله وكلمته، ف﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ
الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَبِّكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [سورة النساء: الآية ١٧٢] أي من أجل الله لمن
ظهر من المخلوقين بالعزّة فذلّوا لهم تحت العزّة الإلهية، إذ لا يصحّ ذلّة إلاَّ بظهورها، فالأعزاء
من الخلائق هم مظاهر العزّة الإلهية، فالمتواضع من تواضع تحت جبروت المخلوقين، والفقير
على الحقيقة من افتقر إلى الأغنياء من المخلوقين، لأنّ غنى المخلوق هو مظهر لصفة الحق،
فالفقير من افتقر إليها ولم يحجبه المظهر عنها، وهكذا كل صفة علوية إلهية لا تنبغي إلاَّ الله،

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٤٩
يكون مظهرها في المخلوقين، فإن العلماء بالله يذلّون تحت سلطانها ولا يعرف ذلك إلاَّ العلماء
بالله، فإذا رأيت عارفاً يزعم أنه عارف وتراه يتعزّز على أبناء الدنيا لما يرى فيهم من العزّة
والجبروت فاعلم أنه غير عارف ولا صاحب ذوق، وهذا لا يصحّ إلاَّ للذاكرين الله كثيراً
والذاكرات، أي في كل حال، هذا معنى الكثير، فإنه من الناس من يكون له هذه الحالة في
أوقات ما ثم تنحجب، فدلّ انحجابه على أنها لم تكن هذه المعرفة عنده عن ذوق وإنما كانت عن
تخيّل وتوهّم وتمثّل لا عن تحقّق .
ومن الأولياء أيضاً: التائبون والتائبات والتّابون رضي الله عنهم، تولاهم الله بالتوبة إليه
في كل حال أو في حال واحد سار في كل مقام. واعلم أن الله سبحانه وصف نفسه بالتّاب لا
بالتائب وذكر محبته للتوّابين فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَِّينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢] وهم
الراجعون منه إليه. وأمّا من رجع إليه من غيره فهو تائب خاصة فإنه لا يرجع إليه من غيره من
هذه صفته إلا إلى عين واحدة، ومن يرجع منه إليه فإنه يرجع إلى أسماء متعدّدة في عين
واحدة وذلك هو المحبوب، ومن أحبّه الله كان سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه وجميع قواه
ومحال قواه أي هو عين قواه بل محال قواه فما أحبّ إلاَّ نفسه وهو أشدّ الحب من حبّ
الغير، فإن حبّ الغير من حبّ النفس وليس حبّ النفس من حبّ الغير، فالحبّ الأصليّ هو
حبّ الشيء نفسه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الثَّوَّبِينَ﴾ و﴿هُوَ النََّّبُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٧] والتوّابون مجلى
صورة التوّاب فرأى نفسه فأحبها لأنه الجميل فهو يحب الجمال، والكون مظاهره فما تعلقت
محبته إلاَّ به، فإن الصور منه، وعين العبد في العناية الإلهية غرق، فالتائب راجع إليه من عين
المخالفة، ولو رجع ألف مرة في كل يوم فما يرجع إلاّ من المخالفة إلى عين واحدة وهو
القابل التوب خاصة، والتّاب ينتقل في الآنات مع الأنفاس من الله إلى الله بالموافقات بل لا
يكون إلاَّ كذلك، وإن ظهرت في الظاهر ممّن هذه صفته عند الله مخافة فلجهل الناظر بالصورة
التي أدخلت عليه الشبهة، فإنه يتخيل أنه قد اجتمع معه في الحكم وما عنده خبر أنه ممّن قيل
له اعمل ما شئت وأبيح له ما حجر على غيره، ثم بيّن له فقال: فقد غفرت لك أي سترتك
عن خطاب التحجير، فالتوّاب هو المجهول في الخلق لأنه محبوب، والمحب غيور على
محبوبه فستره عن عيون الخلق، فإنه لو كشفه لعباده ونظروا إلى حسن المعنى في باطنه
لأحبّوه، ولو أحبّوه لصرفوا همتهم إليه فآثروا فيه الإقبال عليهم تخلّقاً حقيقياً من قوله:
﴿فَذْكُونِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢] ﴿فَاتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١] فكان
سبب إقبال الحق على العبد إقبال العبد على أمر الحق، فما ظنّك بالمخلوق فهو أسرع في
الإقبال عليهم لأنه محل يقبل الأثر، فلهذا القبول الصادر منهم لو أحبهم الخلق سترهم فلم
يعرفوا فهم العرائس المخدّرات خلف حجاب الغيرة فيقال فيهم مذنبون وليسوا والله بمذنبين
بل مصانين محفوظين، وهذا المقام هو مقام التوبة من التوبة، أي من التوبة التي يقال في
صاحبها تائب بالتوبة التي يقال في صاحبها توّاب، قال بعضهم في ذلك: [السريع]
وحركي من صوته ما وَنَا
يا ربَّةً العود خذي في الغنا
الفتوحات المكية ج ٣ - ٤٢

٥٠ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
لونه الصبحُ بما لونا
فإنَّ مسْوَدَّ قميصٍ الدجى
تابَ من التوبة إلاَّ أنا
قد تابَ أقوامٌ كثيرٌ وما
ولنا في هذا المقام على أتم إشارة من قول الأوّل: [السريع]
ما فازَ بالتوبة إلاَّ الذي
قد تابَ منها والوَرَى نُوَّمُ
من توبة الناس ولا يعلموا
فمن يتُبْ أدرك مطلوبَه
فالتوّابون أحباب الله بنص كتابه الناطق بالحق الذي ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ،
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٢]. ومن الأولياء أيضاً المتطهرون من رجال ونساء
رضي الله عنهم، تولاهم الله القدوس بتطهيره، فتطهيرهم تطهير ذاتيّ لا فعليّ وهي صفة
تنزيه، وهو تعمل في الطهارة ظاهراً وفي الحقيقة ليس كذلك، ولهذا أحبّهم الله، فإنها صفة
ذاتية له، يدل عليها اسمه: ﴿اَلْقُدُّوسُ السَّلَمُ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢٣] فأحبّ نفسه، والصورة
فيهم مثل الصورة في التوّابين ولهذا قرن بينهما في آية واحدة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُ
اَلْمُطَهِرِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢] فعين محبته لهم ليعلم أنّ صفة التوبة ما هي صفة التطهير،
وجاور بينهما لأحدية المعاملة من الله في حقّهما من كونه ما أحبّ سوى نفسه.
واعلم أنّ المتطهر في هذا الطريق من عباد الله الأولياء هو الذي تطهر من كل صفة
تحول بينه وبين دخوله على ربّه، ولهذا شرع في الصلاة الطهارة، لأن الصلاة دخول على
الرب لمناجاته، والصفات التي تحول بين العبد وبين دخوله على ربه هي كل صفة ربانية لا
تكون إلاَّ لله، وكل صفة تدخله على ربّه ويقع بها لهذا العبد التطهير فهي صفاته التي لا
يستحقها إلاَّ العبد، ولا ينبغي أن تكون إلاّ له، ولو خلع الحق عليه جميع الصفات التي لا
تنبغي إلاّ له، ولا بدّ من خلعها عليه لا تبرح ذاته من حيث تجلّى الرب له موصوفة بصفاته
التي له، فإن كان التجلّي ظاهراً كان حكم صفاته عليه ظاهراً مثل الخشوع والخضوع وخمود
الجوارح وسكون الأعضاء والارتعاش الضروريّ وعدم الالتفات، وإن كان التجلّ باطناً لقلبه
كان أيضاً حكم صفاته في باطنه قائماً، وسواء كان موصوفاً في ظاهره في ذلك الحال بصفة
ربانية أي حكمها ظاهر عليه من قهر واستيلاء أو قبض أو عطاء أو عطف أو حنان، فالتجلّي
في الباطن بصفات العبودة لازم لا ينفك عنه باطن المتطهر أبداً، فإنّ طهارة القلب مثل
سجوده إذا تطهر وصحّ تطهيره لا تنتقض طهارته أبداً، وكل من قال في هذا بتجديد طهارة
القلب وأنّ طهارته يدخل عليها في القلب ما ينقضها فهو حديث نفس أعني طهره ما تطهر
قط، فإنّ طهارة القلب مؤيّدة، وهؤلاء هم المتطهرون الذين أحبّهم الله وهي حالة مكتسبة
يتعمّل لها الإنسان، فإنّ التفعل تعمّل الفعل، ثم الكلام في التعمّل في ذلك على صورة ما
ذكرناه في التوّاب سواء آنفاً وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى الصراط المستقيم.
ومن الأولياء أيضاً الحامدون من رجال ونساء رضي الله عنهم، تولاهم الله بعواقب ما
تعطيه صفات الحمد فهم أهل عاقبة الأمور، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [سورة الحج:
الآية ٤١] فالحامد من عباد الله من يرى في الحمد المطلق على ألسنة العالم كله، سواء كان

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٥١
الحامدون من أهل الله أو لم يكونوا، وسواء كان المحمود الله أو كان ممّا يحمد الناس به بعضهم
بعضاً، فإنه في نفس الأمر يرجع عواقب الثناء كله إلى الله لا إلى غيره، فالحمد إنما هو لله خاصة
بأيّ وجه كان، فالحامدون الذين أثنى الله عليهم في القرآن هم الذين طالعوا نهايات الأمور في
ابتدائها وهم أهل السوابق، فشرعوا في حمده ابتداء بما يرجع إليه سبحانه وتعالى جلّ جلاله من
حمد المحجوبين انتهاء، فهؤلاء هم الحامدون على الشهود بلسان الحق.
ومن الأولياء أيضاً السائحون، وهم المجاهدون في سبيل الله من رجال ونساء،
قال ◌َّرَ: ((سياحة أمّتي الجهاد في سبيل الله))، قال تعالى: ﴿الثَِّبُونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ
اُلسَّبِحُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٢] والسياحة المشي في الأرض للاعتبار برؤية آثار القرون الماضية
ومن هلك من الأمم السالفة، وذلك أنّ العارفين بالله لما علموا أنّ الأرض تزهو وتفخر بذكر
الله عليها وهم رضي الله عنهم أهل إيثار وسعي في حق الغير ورأوا أنّ المعمور من الأرض لا
يخلو عن ذاكر الله فيه من عامّة الناس، وأنّ المفاوز المهلكة البعيدة عن العمران لا يكون فيها ذاكر
لله من البشر، لزم بعض العارفين السياحة صدقة منهم على البيداء التي لا يطرقها إلاَّ أمثالهم،
وسواحل البحار وبطون الأودية وقنن الجبال والشعاب والجهاد في أرض الكفر التي لا يوحّد
الله تعالى فيها ويعبد فيها غير الله، ولذلك جعل النبيّ وَّلَو سياحة هذه الأمة الجهاد، فإنّ
الأرض وإن لم يكفر عليها ولا ذكر الله فيها أحد من البشر فهي أقل حزناً وهما من الأرض التي
عبد غير الله فيها وكفر عليها وهي أرض المشركين والكفار، فكأن السياحة بالجهاد أفضل من
السياحة في غير الجهاد، ولكن بشرط أن يذكر الله عليها ولا بدّ، فإنّ ذكر الله في الجهاد أفضل
من لقاء العدوّ، فيضرب المؤمنون رقابهم ويضرب الكفار رقاب المؤمنين، والمقصود إعلاء كلمة
الله في الأماكن التي يعلو فيها ذكر غير الله تمن يعبد من دون الله فهؤلاء هم السائحون، لقيت
من أكابرهم يوسف المغاور الجلاء ساح مجاهداً في أرض العدو عشرين سنة. وتمن رابط بثغر
الأعداء شاب بجلمانية نشأ في عبادة الله تعالى يقال له أحمد بن همام الشقاق بالأندلس، وكان
من كبار الرجال مع صغر سنّه، انقطع إلى الله تعالى على هذه الطريق وهو دون البلوغ واستمرّ
حاله على ذلك إلى أن مات.
ومن الأولياء أيضاً: الراكعون من رجال ونساء رضي الله عنهم، وصفهم الله في كتابه
بالراكعين وهو الخضوع والتواضع لله تعالى من حيث هويته سبحانه ولعزّته وكبريائه حيث ظهر
من العالم، إذ كان العارف لا ينظر العالم من حيث عينه وإنما ينظره من حيث هو مظهر
الصفات الحق، قال الله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [سورة غافر:
الآية ٣٥] وقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [سورة الدخان: الآية ٤٩] وقال: ((الكبرياءُ ردائي
والعظمةُ إزاري مَنْ نازعني واحداً منهما قَصَمْتُه)) فالعين هالكة والصفة قائمة، فالراكعون ركعوا
للصفة لا للعين لأنهم سمعوا الحق يقول: من نازعني واحداً منهما قصمته، فعلموا أنها صفة
الحق لا صفتهم، ولهذا أوقع التنازع فيهما فعرفوا من العالم ما لم يعرف العالم من نفسه، فلو كان
الكبرياء والجبروت والعزّة والعظمة التي يدّعيها العزيز الجبار العظيم المتكبّر من العباد صفة لهم

٥٢ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
حقيقة لما ذمّهم ولا أخذهم أخذة رابية، كما أنه لم يأخذهم بكونهم أذلاء خاشعين حقراء
محقرين، فإنّ الحقارة والذلّة والصغار صفتهم، فمن ظهر بصفته لم يؤاخذه الله لأنه كيف يؤاخذه
إذا ظهر بما هو حق له؟ ولما لم يكن لهم الجبروت وما في معناه وظهروا به أهلكهم الله فتحقق
عند العارفين أنها صفة الحق تعالى ظهرت فيمن أراد الله أن يشقيه، فتواضع العارفون للجبابرة
والمتكبرين من العالم للصفة لا لعينهم، إذ كان الحق هو مشهودهم في كل شيء حتى الانحناء
في السلام عند الملاقاة ربما انحنى العارفون لإخوانهم عند ما يلقونهم في سلامهم، فيسَّر بذلك
الشخص الذي ينحني من أجله، وسروره إنما هو من جهله بنفسه حيث تخيّل أن ذلك الانحناء
والركوع له تمن لقيه إنما هو لما يستحقه من الرفعة، فيفعله عامّة الأعاجم مقابلة جهل بجهل
وعادة وعرفاً وهم لا يشعرون، ويفعله العارفون مشاهدة جبروت إلهيّ يجب الانحناء له إذ لا
يرون إلاّ الله، قال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. والباطل هو العدم بلا شك، والوجود
كله حق، فما ركع الراكع إلاَّ لحق وجودي باطنه عدم وهو عين المخلوق. فإن قلت: فالراكع
أيضاً وجود. قلنا: صدقت فإن الأسماء الإلهية التي تنسب إلى الحق على مراتب في النسبة
بعضها يتوقف على بعض، وبعضها لها الهيمنة على بعض، وبعضها أعمّ تعلّقاً وأكثر أثراً في
العالم من بعض، والعالم كله مظاهر هذه الأسماء الإلهية، فيركع الاسم الذي هو تحت حيطة
غيره من الأسماء للاسم الذي له الهيمنة عليه فيظهر ذلك في الشخص الراكع فكان انحناء حق
لحق. ألا ترى الأحاديث الواردة الصحيحة بالفرح الإلهيّ والتبشيش والنزول والتعجّب
والضحك أين هذه الصفات من ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] ومن ﴿وَهُوَ
اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ،﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٨] وأمثال ذلك من صفات العظمة، فمن ركع فبهذه
الصفة فهي الراكعة، ومن تعاظم فبتلك الصفة أيضاً الإلهية فهي العظيمة، والراكعون من
الأولياء على هذا الحد هو ركوعهم.
ومن الأولياء أيضاً: الساجدون من رجال ونساء رضي الله عنهم، تولاهم الله بسجود
القلوب، فهم لا يرفعون رؤوسهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو حال القربة وصفة
المقرّبين، ولا يكون السجود إلاَّ عن تجلِ وشهود، ولهذا قال له: ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتَّبِ﴾ [سورة
العلق: الآية ١٩] يعني اقتراب كرامة وبرّ وتحف، كما يقول الملك للرجل إذا دخل عليه فحيّاه
بالسجود له بين يديه فيقول له الملك: أدنه أدنه حتى ينتهي منه حيث يريد من القربة، فهذا
معنى قوله: ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ وَأَسْبُدْ وَأَقْتَبِ﴾ في حال السجود إعلاماً بأنه قد شاهد من سجد له
وأنه بين يديه وهو يقول له ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتِبِ﴾ ليضاعف له القربة، كما قال: ((مَنْ
تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا)) إذا كان اقتراب العبد عن أمر إلهيّ كان أعظم وأتمّ في برّه
وإكرامه لأنه ممتثل أمر سيده على الكشف، فهذا هو سجود العارفين الذين أمر الله نبيّه وَلّ أن
يطهر بيته لهم ولأمثالهم فقال عزّ من قائل: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلَّآَيِفِينَ وَالْقَآِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
[سورة الحج: الآية ٢٦] وقال لنبيّه عليه الصلاة والسلام: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنِ مِنَ السَِّدِينَ﴾ [سورة
الحجر: الآية ٩٨] يريد الذين لا يرفعون رؤوسهم أبداً، ولا يكون ذلك إلاَّ في سجود القلب.

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٥٣
ولهذا قال له عقيب قوله: ﴿وَكُنْ مِّنَ السَّجِدِينَ﴾ تمم فقال: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِيرُ﴾
[سورة الحجر: الآية ٩٩] فتعرف باليقين من سجد منك ولمن سجدت، فتعلم أنك آلة مسخّرة بيد
حق قادر اصطفاك وطهرك وحلاك بصفاته، فصفاته سبحانه طلبته بالسجود لذاته لنسبتها إليه .
فانظر يا أخي سرّ ما أشرنا إليه في هذه المسألة إذ كانت النسب أو الصفات أو الأسماء
لا تقوم بأنفسها لذاتها، فهي طالبة بطلب ذاتيّ لعين تقوم بها فيظهر حكمها بأن توصف تلك
العين بها أو تسمّى بها أو تنسب إليها كيف ما شئت من هذا كله فقل: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾
[سورة طه: الآية ١١٤] وكذلك انظر في قوله وتنبه: ﴿الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُبُّكَ فِى السَِّدِينَ﴾
[سورة الشعراء: الآية ٢١٩] فأشار إلى تنوّع الحالات عليه في حال سجوده من غير رفع يتخلّل
ذلك، ولقد رفع وقام وركع وثنى السجود، ولم يثن حالة من حالات صلاته إلاّ السجود
لشرفه في حق العبد، فأكّده بتثنيته في كل ركعة فرضاً واجباً وركناً لا ينجبر إلاَّ بالإتيان به .
ومن الأولياء: الآمرون بالمعروف من رجال ونساء رضي الله عنهم، تولاهم الله بالأمر
بالله إذا كان هو المعروف، فلا فرق أن تقول: الآمرون بالله أو الآمرون بالمعروف لأنه سبحانه
هو المعروف الذي لا ينكر ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٨٧] مع
كونهم مشركين، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ يعني الآلهة ﴿إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر: الآية
٣] فهو المعروف عندهم بلا خلاف في ذلك في جميع النحل والملل والعقول، قال وَيَو:
((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فهو المعروف، فمن أمر به فقد أمر بالمعروف، ومن نهی به فقد نهى
عن المنكر بالمعروف، فالآمرون بالمعروف هم الآمرون على الحقيقة بالله، فإنه سبحانه إذا أحبّ
عبده كان لسانه الذي يتكلم به، والأمر من أقسام الكلام فهم الآمرون به لأنه لسانهم، فهؤلاء
هم الطبقة العليا في الأمر بالمعروف، وكل أمر بمعروف فهو تحت حيطة هذا الأمر فاعلم ذلك.
ومن الأولياء أيضاً: الناهون عن المنكر من رجال ونساء رضي الله عنهم، تولاهم الله
بالنهي عن المنكر بالمعروف، والمنكر الشريك الذي أثبته المشركون بجعلهم فلم يقبله
التوحيد العرفانيّ الإلهيّ وأنكره فصار منكراً من القول وزوراً، فلم يكن ثم شريك له عين
أصلاً بل هو لفظ ظهر تحته العدم المحض فأنكرته المعرفة بتوحيد الله الوجوديّ فسمّي منكراً
من القول إذ القول موجود وليس بمنكر عينيّ فإنه لا عين للشريك إذ لا شريك في العالم عيناً
وإن وجد قولاً ونطقاً، فهم الناهون عن المنكر، وهو عين القول خاصة، فليس لمنكر من
المنكرات عين موجودة فلهذا وصفهم الله بأنهم ﴿ وَالْنَاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [سورة التوبة: الآية
١١٢] ولكن نهيهم بالمعروف في ذلك.
ومن الأولياء أيضاً: الحلماء من رجال ونساء رضي الله عنهم، وما من صفة للرجال إلاَّ
وللنساء فيها مشرب تولاهم الله بالحلم، وهو ترك الأخذ بالجريمة في الحال مع القدرة على
ذلك فلم يعجل، فإن العجلة بالأخذ عقيب الجريمة دليل على الضجر، وحكمه في المستأنف
في المشيئة، فالحليم هو الذي لا يعجل مع القدرة وارتفاع المانع والعلم السابق مانع، وهو
محجوب عن العبد قبل الاتصاف بصفة الحلم، فالعبيد على الحقيقة إذا لم يعجلوا بالأخذ

٥٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
عقيب الجريمة مع القدرة هم الحلماء فإنهم لا علم لهم سابق يمنع من وقوع الأخذ لا في
نفس الأمر، فإن حلم العبد من العلم الإلهيّ السابق، ولا يشعر به العبد حتى تقوم به صفة
الحلم، فحينئذ يعلم ما أعطاه حكم علم الله في حكمه، ولهذا إن تقدّمه العلم بذلك لا يسمّى
حليماً على جهة التشريف، فالحق يوصف بالحلم لعدم الأخذ لا على طريق التشريف، والعبد
ينعت بالحليم لعدم الأخذ أيضاً ولكن على طريق التشريف لجهله بما في علم الله من ذلك قبل
اتصافه بعدم المؤاخذة والإمهال من غير إهمال، فشرف الحق بالعلم لا بالحلم، وشرف العبد
بالحلم لا بالعلم لجهله بذلك، فإن علم قبل قيام صفة الحلم به لم يكن له الحلم تشريفاً،
فالأمر فيه بمنزلة من هو مجبور في اختياره، فلا يثنى عليه بالاختيار إلاَّ مع رفع العلم عنه
بالجبر في ذلك الاختيار سواء، لأنّ الاختيار يناقض الجبر، فيعلم الإنسان عند ذلك ما هو
المراد بالاختيار، ويرى أنه ما ثم في الوجودين إلاَّ الجبر من غير إكراه فهو مجبور غير مكره،
وهذه المسألة من أعظم المسائل في المعارف، وكم هلك فيها من الخلق قديماً وحديثاً.
ومن الأولياء أيضاً: الأواهون من رجال ونساء رضي الله عنهم، لقيت منهم امرأة
بمرشانة الزيتون من بلاد الأندلس تدعى بشمس مسنّة تولى الله هذا الصنف بالتأوّه ممّا يجدونه
في صدورهم من ردّهم لقصورهم من عين الكمال والنفوذ، ويكون عن وجود أو عن وجود
وجد على مفقود، أثنى الله تعالى على خليله إبراهيم عليه السلام بذلك أنّ إبراهيم ﴿لَأَوَّةُ
حَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٤] فتأوّه لما رأى من عبادة قومه ما نحتوه وحلم فلم يعجل بأخذهم
على ذلك مع قدرته عليهم بالدعاء عليهم ولهذا سمّي حليماً، فلو لم يقدر ولا مكّنه الله من
أخذهم ما سمّاه سبحانه حليماً، ولكنه عليه السلام علم أنه في دار الامتزاج والتحوّل من حال
إلى حال، فكان يرجو لهم الإيمان فيما بعد، فهذا سبب حلمه وجود الموطن الذي يقتضي
التحوّل من العبد والقبول من الله، فلو علم من قومه ما علم نوح عليه السلام حيث قال: ﴿وَلَا
يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [سورة نوح: الآية ٢٧] ما حلم عنهم، فالأوّاه هو الذي يكثر التأوّه لبلواه،
ولما يقاسيه ويعانيه ممّا يشاهده ويراه وهو من باب الغيرة والحيرة، والتأوّه أمر طبيعيّ لا
مدخل له في الأرواح من حيث عروها عن الامتزاج بالطبع .
ومن الأولياء: الأجناد الإلهيون الذين لهم الغلبة على الأعداء من رجال ونساء رضي الله
عنهم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنَدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٧٣] فأضافهم إليه سبحانه من
اسمه الملك، فهم عبيد الملك وهنا سرّ، فإن العالم أجناده سلّط بعضهم على بعض ﴿وَمَا يَعْلَُّ
جُدَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾ [سورة المدثر: الآية ٣١] أي ما يحصيهم عدداً تولّى الله طائفة منهم بالعناية الإلهية
فأضافهم إلى نفسه بضمير الكناية عن ذاته، ولم يصرَّح باسم إلهيّ معين منصوص عليه اكتفاء
بتسميتهم جنداً، والأجناد لا تكون إلاَّ للملك، فبين أنهم أهل عدّة، إذ كانت العدّة من
خصائص الأجناد التي تقع بها الغلبة على الأعداء، والأعداء الذين في مقابلة هؤلاء الأجناد
الشياطين والأهواء والمصارف المذمومة كلها وسلطانهم الهوى، وعدّة هؤلاء الجند التقوى
والمراقبة والحياء والخشية والصبر والافتقار، والميدان الذي يكون فيه المصاف والمقابلة إذا

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٥٥
﴿تَرَّءَ الْجَمْعَانِ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٦١] بينهم وبين الأعداء هو العلم في حق بعض الأجناد
والإيمان في حق بعضهم، والعلم والإيمان معاً في حق الطبقة الثالثة من الجند، فإن أجناد
الإنابة الذين لهم الغلبة على ثلاث طبقات: الطبقة الخاصة العلية: أهل علم بتوحيد الله،
وأهل علم برسول الله عن دليل عقليّ برهاني، وأهل إيمان مبناه على هذا العلم. والطبقة
الثانية: أهل علم بتوحيد الله عن دليل قطعيّ من جهة النظر لا عن علم ضروريّ يجدونه في
نفوسهم فإنه من الجند، فلا بدّ له من آلة يدفع بها العدو المنازع ولا يقدر يدفعه صاحب العلم
الضروريّ لكونه عالماً من هذا الوجه من غير دليل، فإن العدو ما يندفع إلاَّ بالدليل وترتيبه،
وأصحاب العلم بالله من جهة الضرورة طائفة أخرى لا يتميزون في الأجناد ولا يتعرّضون لدفع
عدو بشبهة قادحة. والطبقة الثالثة: أهل إيمان لا أهل علم، فهم أهل إيمان يكون عنه خرق
عوائد يقوم لهم ذلك مقام الأدلة للعالم فيدفعون بخرق العوائد أعداء الله وأعداءهم كما يدفعه
صاحب الدليل، فمثل هذه الطبقة هم المسمّون جنداً، وأمّا المؤمنون الذين ليس عندهم خرق
عادة لدفع عدو فليسوا بأجناد وإن كانوا مؤمنين، والجامع لمعرفة هذه الطبقة أن كل شخص
يقدر على دفع عدو بآلة تكون عنده فهو من جنده سبحانه وتعالى الذين لهم الغلبة والقهر،
وهو التأييد الإلهيّ الذي به يقع ظهورهم على الأعداء، قال تعالى: ﴿فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِهِمْ
فَأَصَبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ [سورة الصف: الآية ١٤].
ومن الأولياء أيضاً: الأخيار من رجال ونساء رضي الله عنهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ
عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [سورة ص: الآية ٤٧] تولاهم الله بالخيرة، قال تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُ
اُلْخَيْرَتُ﴾ [سورة التوبة: الآية ٨٨] جمع خيرة وهي الفاضلة من كل شيء، ومنه: ﴿فِيهِنَ خَيْرَتُّ
حِسَانٌ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٧٠] والفضل يقتضي الزيادة على ما يقع فيه الاشتراك ممّا لا يشترك
فيه من ليس من ذلك الجنس، فالأخيار كل من زاد على جميع الأجناس بأمر لا يوجد في غير
جنسه من العلم بالله على طريق خاص لا يحصل إلاَّ لأهل ذلك الجنس، ثم في هذا الجنس
العالم بهذا العلم الخاص الذي به سمّوا أخياراً: منهم من أعطى الإفصاح عمّا علمه. ومنهم
من لم يعط الإفصاح عمّا علمه في نفسه، فالذي أعطى الإفصاح أخير ممّن هو دونه وهو
المستحق بهذا الاسم فإن الخير بالكسر الكلام، يقال في فلان كرم وخير أي كرم وفصاحة،
فإذا أعطى الفصاحة عمّا عنده اهتدى به من سمع منه فكانت المنفعة به أتمّ فكان أفضل من
غيره فإنه أقرب إلى التشبّه بالاسم النافع، فاعلم ذلك فقد بيّنت لك مرتبة الأخيار، ولهذا ورد
في أوصاف المرسلين، لأن الرسول لا بدّ أن يكون مؤيداً بالنطق ليبين لمن أرسل إليه ما أرسل
به إليه فهم الأخيار أي أصحاب هذه الفضيلة.
ومن الأولياء أيضاً: الأوّابون من رجال ونساء رضي الله عنهم، تولاّهم الله بالأوبة في
أحوالهم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَّبِينَ غَفُورًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٥] يقال: آبت الشمس
لغة في غابت، فالرجال الغائبون عند الله فلم يشهد حالهم مع الله أحد من خلق الله، فإن الله
وصف نفسه بأنه غفور لهم أي ساتر أي يستر مقامهم عن كل أحد سواه لأنهم طلبوا الغيبة

٥٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
عنده حتى لا يكون لهم مشهود سواه سبحانه. والآيب أيضاً الذي يأتي القوم ليلاً كالطارق
والليل ستر، وهم الراجعون إلى الله في كل حال من كل ناحية، يقال: جاؤوا من كل أوبة أي
ناحية، فالأوّاب الراجع إلى الله من كل ناحية من الأربع التي يأتي منها إبليس إلى الإنسان من
ناحية أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، فهم يرجعون في ذلك كله إلى الله أولاً
وآخراً فيما ذمّ وحمد من ذلك، ولما اقتضى الأدب أن لا يرجعوا في حصول ما ذمّ إلى الله
واقتضى لهؤلاء هذا الحال أن يرجعوا فيه إلى الله سمّى نفسه غفوراً للأوّابين أي يغفر لهم هذا
القدر الذي يصحبه من مقام آخر من سوء الأدب، فالرجال الذين هم بهذه المثابة وهذه الصفة
هم الأوّابون.
ومن الأولياء أيضاً: المخبتون من رجال ونساء رضي الله عنهم، تولاهم الله بالإخبات
وهو الطمأنينة، قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَلَكِنْ لِيَظْمَبِنَّ قَلْبِىٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦] أي
يسكن، والخبت المطمئن من الأرض، فالذين اطمأنوا بالله من عباده وسكنت قلوبهم لما
اطمأنوا إليه سبحانه فيه وتواضعوا تحت اسمه رفيع الدرجات وذلّوا لعزّته، وأولئك هم
المخبتون الذين أمر الله نبيّه وَّر في كتابه أن يبشرهم فقال له: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [سورة الحج:
الآية ٣٤] فإن قيل: ومن المخبتون؟ فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّبِرِينَ عَلَى مَآَ
أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِى الصَّلَوةِ وَمَا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٥] فهذه صفات المخبتين أي كانوا
ساكنين فحرّكهم ذكر الله بحسب ما وقع به الذكر وصبروا أي حبسوا نفوسهم على ما أصابهم
من ذلك، ولم يمنعهم ذلك الوجل ولا غلبة الحال عن إقامة الصلاة إذا حضر وقتها على أتم
نشأتها لما أعطاهم الله من القوّة على ذلك، ثم مع ما هم فيه من الصبر على ما نابهم من
الشدّة، فسألهم سائل وهم بتلك المثابة في رزق علميّ أو حسيّ من سدّ جوعة أو ستر عورة
أعطوه ممّا سألهم منه فلم يشغلهم شأن عن شأن، فهذا نعت المخبتين الذي نعتهم الله به وهم
ساكنون تحت مجاري الأقدار عليهم راضون بذلك من خبت النار إذا سكن لهبها .
ومن الأولياء أيضاً: المنيبون إلى الله من رجال ونساء رضي الله عنهم، تولاهم الله
بالإنابة إليه سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِتَزِهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّةٌ مُنِيبٌ﴾ [سورة هود: الآية ٧٥] والرجال
المنيبون هم الذين رجعوا إلى الله من كل شيء أمرهم الله بالرجوع عنه مع شهودهم في حالهم
أنهم نوّاب عن الله في رجوعهم، إذ الرجوع عن الكشف إنما هو الله، إذ كانت نواصي الخلق
بيده يصرفهم كيف يشاء، فمن شاهد نفسه في إنابته إلى ربّه نائباً عن الله كما ينوب المصلي
عن الله في قوله: سمع الله لمن حمده وفي تلاوته كذلك رجوعه إلى الله في كل حال يسمّى
منيباً فلهم خصوص هذا الوصف .
ومن الأولياء أيضاً: المبصرون من رجال ونساء رضي الله عنهم، تولاهم الله بالإبصار
وهو من صفات خصائص المتقين، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَثَّقَوْاْ إِذَا مَسَهُمْ طَيِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ
تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٠١] فهم علماء أهل تقوى طرأ عليهم خاطر حسن
أصله شيطانيّ فوجدوا له ذوقاً خاصاً لا يجدونه إلاّ إذا كان من الشيطان فيذكرهم ذلك الذوق بأنّ

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٥٧
ذلك الخاطر من الشيطان ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ أي مشاهدون له بالذوق، فإن اقتضى العلم أخذه
وقلب عينه ليحزن بذلك الشيطان أخذه ولم يلتفت منه وكان من المبصرين، فعلم كيف يأخذه ما
يجب أخذه من ذلك، ففرّق بينه وبين ما يجب تركه كما قال عيسى عليه السلام لما قال له إبليس
حين تصوّر له على أنه لا يعرفه فقال له: يا روح الله قل لا إله إلاَّ الله رجاء منه أن يقول ذلك لقوله
فيكون قد أطاعه بوجه ما وذلك هو الإيمان، فقال له عيسى عليه السلام: أقولها لا لقولك لا إله
إلاَّ الله، فجمع بين القول ومخالفة غرض الشيطان لا امتثالاً لأمر الشيطان، فمن عرف كيف
يأخذ الأشياء لا يبالي على يدي من جاء الله بها إليه، وإن اقتضى العلم ردّ ذلك في وجهه ردّه،
فهذا معنى قوله: ﴿تَذَكَّرُواْ﴾ ولا يكون التذكّر إلاَّ لمعلوم قد نسي ﴿فَإِذَا هُم تُبْصِرُونَ﴾ أي رجع
إليهم نظرهم الذي غاب عنهم رجع بالتذكّر.
ومن الأولياء أيضاً: المهاجرون والمهاجرات رضي الله عنهم، تولاهم الله بالهجرة بأن
ألهمهم إليها ووفقهم لها، قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ المَوْتُ
فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الَّهِ﴾ [سورة النساء: الآية ١٠٠] فالمهاجر من ترك ما أمره الله ورسوله بتركه وبالغ
في ترك ذلك لله خالصاً من كل شبهة عن كرم نفس وطواعية لا عن كره وإكراه ولا رغبة في
جزاء، بل كرم نفس بمقاساة شدائد يلقاها من المنازعين له في ذلك، ويسمعونه ما يكره من
الكلام طبعاً، فيتغير عند سماعه ويكون ذلك كله عن اتساع في العلم والدؤوب على مثل هذه
الصفة وتقيده في ذلك كله بالوجوه المشروعة لا بأغراض نفسه، ويكون به كمال مقامه، فإذا
اجتمعت هذه الصفات في الرجل فهو مهاجر، فإن فاته شيء من هذه الفصول والنعوت فاته
من المقام بحسب ما فاته من الحال، وإنما قلنا هذا كله واشترطناه لما سمّاه الله مهاجراً ﴿وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٦] فكل ما يدخل تحت هذا اللفظ ممّا ينبغي أن يكون
وصفاً حسناً للعبد فيسمى به صاحب هجرة اشترطناه في المهاجر لانسحاب هذه الحقيقة
اللفظية في نفس الوضع على ذلك المعنى الذي اشتق من لفظه هذا الاسم.
ومن الأولياء أيضاً: المشفقون من رجال ونساء رضي الله عنهم، تولاهم الله بالإشفاق
من خشية ربهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٥٧]
يقال: أشفقت منه فأنا مشفق إذ حذرته، قال تعالى: ﴿مِّنْ عَذَابٍ رَبِّهِم ◌ُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيْرُ
مَأْمُونٍ﴾ [سورة المعارج: الآية ٢٧. ٢٨] أي حذرون من عذاب ربهم غير آمنين يعني وقوعه بهم،
ولا يقال: أشفقت منه إلاَّ في الحذر، ويقال: أشفقت عليه إشفاقاً من الشفقة والأصل واحد
أي حذرت عليه، فالمشفقون من الأولياء من خاف على نفسه من التبديل والتحويل، فإن أمنه
الله بالبشرى مع إشفاقه على خلق الله مثل إشفاق المرسلين على أممهم، ومن بشّر من
المؤمنين وهم قوم ذوو كبد رطبة لهم حنان وعطف إذا أبصروا مخالفة الأمر الإلهيّ من أحد
ارتعدت فرائصهم إشفاقاً عليه أن ينزل به أمر من السماء، ومن كان بهذه المثابة فالغالب على
أمره أنه محفوظ في أفعاله، فلا يتصوّر منه مخالفة لما تحقق به من صفة الإشفاق، فلما كانت
ثمرة الإشفاق الاستقامة على طاعة الله أثنى الله عليهم بأنهم مشفقون للتغيير الذي يقوم

٥٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
بنفوسهم عند رؤية الموجب لذلك مأخوذ من الشفق الذي هو حمرة بقية ضوء الشمس إذا
غربت أو إذا أرادت الطلوع.
ومن الأولياء: الموفون بعهد الله من رجال ونساء رضي الله عنهم، تولاهم الله بالوفاء،
قال تعالى: ﴿وَأَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧٧] وقال: ﴿الَّذِينَ يُونُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَلَا يَنَقُضُونَ أَلْمِيثَقَ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢٠] وهم الذين لا يغدرون إذا عاهدوا. ومن جملة ما سأل
قيصر ملك الروم عنه أبا سفيان بن حرب حين سأله عن صفة النبيّ وَلّر: هل يغدر؟ فالوفاء
من شيم خاصة الله، فمن أتى في أموره التي كلّفه الله أن يأتي بها على التمام وكثر ذلك في
حالاته كلها فهو وفيّ، وقد وفى، قال تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِى وَلَ﴾ [سورة النجم: الآية ٣٧] وقال
تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة الفتح: الآية ١٠] يقال: وفى
الشيء وفياً على فعول بضم فاء الفعل إذا تمّ وكثر، وهم على إشراف على الأسرار الإلهية
المخزونة ولهذا يقال: أوفى على الشيء إذا أشرف، فمن كان بهذه المثابة من الوفاء بما كلّفه
الله وأشرف على ما اختزنه الله من المعارف عن أكثر عباده فذلك هو الوفي. ومن توفّاه الله في
حياته في دار الدنيا أي آتاه من الكشف ما يأتي للميت عند الاحتضار إذ كانت الوفاة عبارة عن
إتيان الموت، فإذا طولع العبد على هذه المرتبة أوجبت له الوفاء بعهود الله التي أخذها عليه،
فقد يكون الوفاء لأهل هذه الصفة سبب الكشف، وقد يكون الكشف في حق طائفة منهم
سبب الوفاء .
ومن الأولياء أيضاً: الواصلون ما أمر الله به أن يوصل من رجال ونساء رضي الله عن
جميعهم، تولاهم الله بالتوفيق بالصلة لمن أمر الله به أن يوصل، قال تعالى: ﴿يَصِلُونَ مَا أَمَرَ
اللَّهُ بِ أَن يُوصَلَ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢١] يعني من صلة الأرحام، وأن يصلوا من قطعهم من
المؤمنين بما أمكنهم من السلام عليهم فما فوقه من الإحسان، ولا يؤاخذ بالجريمة التي له
الصفح عنها والتغافل، ولا يقطعون أحداً من خلق الله إلاَّ من أمرهم الحق بقطعه، فيقطعونه
معتقدين قطع الصفة لا قطع ذواتهم، فإن الصفة دائمة القطع في حق هؤلاء اتصف بها من
اتصف، فهم ينتظرون به رحمة الله أن تشمله، والوصل ضدّ القطع. ولما كان الوجود مبنياً
على الوصل ولهذا دلّ العالم على الله واتصف بالوجود الذي هو الله فالوصل أصل في
الباب والقطع عارض يعرض، ولهذا جعل الله بينه وبين عباده حبلاً منه إليهم يعتصمون به
ويتمسكون ليصحّ الوصلة بينهم وبين الله سبحانه، قال النبيّ وَّرَ: ((الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ
الرَّحْمنِ)) أي هذه اللفظة أخذت من الاسم الرحمن عيناً وغيباً، فمن وصلها وصله الله، ومن
قطعها قطعه الله، وقطعه إياها هو قطع الله لا أمر زائد، فلما علموا أن الحق تعالى ما دعاهم
إليه ولا شرع لهم الطريق الموصل إليه إلاَّ ليسعدوا بالاتصال به فهم الواصلون أهل الإنس
والوصال. [مجزوء الكامل]
أهلُ المودّة في القديم
فهمُ الذين هُمُو هُمُو
وقد ورد في الخبر: ((لاَ تَحَاسَدُوا وَلا تَدَابَرُوا وَلا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)) فنهوا
٠ ٥ ٥ ٠٠٠١ ٠٨

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٥٩
عن التقاطع، ألا ترى اتصال الأنفاس داخلها بخارجها يؤذن بالبقاء والحياة، فإذا انقطعت
الوصلة بين النفسين فخرج الداخل يطلب دخول الخارج فلم يجده مات الإنسان لانقطاع تلك
الوصلة التي كانت بين النفسين، فالواصلون ما أمر الله به أن يوصل ذلك هو عين وصلتهم بالله
تعالى فأثنى عليهم.
ومن الأولياء أيضاً: الخائفون من رجال ونساء رضي الله عنهم، تولاهم الله بالخوف منه
أو ممّا خوّفهم منه امتثالاً لأمره فقال: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٧٥] وأثنى
عليهم بأنهم ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [سورة النور: الآية ٣٧] و﴿وَيَخَافُونَ سُوَّهَ
اُلْحِسَابِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢١] فإذا خافوه التحقوا بالملأ الأعلى في هذه الصفة فإنه قال فيهم:
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٥٠] فمن كان بهذه المثابة تميّز مع
الملأ الأعلى، فمن أدّبهم مع الله أنهم خافوا اليوم لما يقع فيه لكون الله خوّفهم، ومنه ولما
تحققوا بهذا الأدب أثنى الله عليهم بأنهم ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَّلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [سورة
النور: الآية ٣٧] فهذا خوف الزمان، وأما خوف الحال فهو قوله: ﴿وَيَخَافُونَ سُوَءَ الْحِسَابِ﴾ فهم أهل
أدب مع الله وفقوا له حيث وفقهم، فإن كثيراً من أهل الله لا يتفطنون لهذا الأدب، ولا
يعرّجون على ما خوّفوا به من الأكوان، وعلقوا أمرهم بالله، فهؤلاء لهم لقب آخر غير اسم
الخائف، وإنما الخائفون الذين استحقوا هذا الاسم فهم الأدباء أوحى الله إلى رسوله موسى
عليه السلام: يا موسى خفني وخف نفسك يعني هواك وخف من لا يخافني وهم أعداء الله،
فأمره بالخوف من غيره، فامتثل الأدباء أمر الله فخافوهم في هذا الموطن، كما شكروا غير الله
من المحسنين إليهم بأمر الله لا من حيث إيصال النعم إليهم على أيديهم، فهم في عبادة إلهية
في شكرهم وفي خوفهم، وهذا صراط دقيق خفيّ على العارفين فما ظنّك بالعامّة. وأمّا
المتوسطون أصحاب الأحوال فلا يعرفونه لأنهم تحت سلطان أحوالهم.
ومن الأولياء أيضاً: المعرضون عمّن أمرهم الله بالإعراض عنه من رجال ونساء رضي
الله عنهم، تولاهم الله بالإعراض عنهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة
المؤمنون: الآية ٣] وقال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا﴾ [سورة النجم: الآية ٢٩] وقد علمت هذه
الطبقة أنه ما ثم إلاَّ الله فأعرضوا بأمره عن فعله فكانوا أدباء زمانهم ولم يعرضوا بأنفسهم إذا
المؤمن لا نفس له ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَّرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١١] فمن
ادّعى الإيمان وزعم أنّ له نفساً يملكها فليس بمؤمن فقال الحق لمن هذه صفته: ﴿فَأَعْرِضْ عَن
مَّن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا﴾ [سورة النجم: الآية ٢٩] بها يعني بالنفس التي اشتريتها
منك، أعرض بها عن من تولّى عن ذكرنا ممّن لم نشتر منه نفسه لكونه غير مؤمن، فقوله:
﴿ وَلَِّيْنَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أي عن الذي أسقطه الله عن أن يعتبر معرضون لكون الحق
أسقطه، يقال لما لا يعتدّ به في الديّة من أولاد الإبل لغو أي ساقط، ومنه لغو اليمين لإسقاط
الكفارة والمؤاخذة بها فأثنى الله عليهم بالإعراض وإن تحققوا أنه ما ثم إلاَّ الله.
ومن الأولياء أيضاً: الكرماء من رجال ونساء رضي الله عنهم، تولاهم الله بكرم النفوس

٦٠ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
فقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُوا كِرَامًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٧٢] أي لم ينظروا لما أسقط الله
النظر إليه فلم يتدنسوا بشيء منه، فمرّوا به غير ملتفتين إليه كراماً، فما أثر فيهم فإنه مقام
تستحليه النفوس وتقبل عليه للمخالفة التي جبلها الله عليها، وهذه هي النفوس الأبية أي تأبى
الرذائل، فهي نفوس الكرام من عباد الله، والتحق بهذه الصفة بالملأ الأعلى الذين قال الله
فيهم أنّ صحفه ﴿ بِأَيْدِى سَفَقِ كِرَامٍ بَرَةٍ﴾ [سورة عبس: الآيتان ١٥ و١٦] فنعتهم بأنهم كرام، فكل
وصف يلحقك بالملأ الأعلى فهو شرف في حقك، فإن العارفين من عباد الله يجعلون بينهم
وبين نعوت الحق عند التحاق بأسمائه ما وصف الله به الملأ الأعلى من تلك الصفة فيأخذونها
من حيث هي صفة لعبيد من عباد الله مطهرين لا من حيث هي صفة للحق تعالى، فإن شرفهم
أن لا يبرحوا من مقام العبودية، وهذا الذوق في العارفين عزيز، فإن أكثر العارفين إنما
يتخلقون بالأسماء الحسنى من حيث ما هي أسماء الله تعالى لا من حيث ما ذكرناه من كون
الملأ الأعلى قد اتصف بها على ما يليق به، فلا يتخلق العارف بها إلا بعد أن اكتسبت من
اتصاف الملأ الأعلى روائح العبودة، فمثل هؤلاء لا يجدون في التخلّق بها طعماً للربوبية التي
تستحقها هذه الأسماء، فمن عرف ما ذكرناه وعمل عليه ذاق من علم التجلّي ما لم يذقه أحد
ممّن وجد طعم الربوبية في تخلّقه، وصفات أولياء الله في كتاب الله المودع كلام الله كثيرة،
ومن أعلى الثناء وأكمله ما أوقع الاشتراك فيه بما يدل على المفاضلة، وأكثر من هذا التنزّل
الإلهيّ ما يكون، ولولا أنّ الكيان مظاهر الحق فكان نزوله منه إليه لما أطاق العارفون حمل
كلام الحق ولا سماعه، فجعل نفسه أرحم الراحمین بعباده، وأحكم الحاکمین بفصل قضائه،
وأحسن الخالقين بتقديره، وخير الغافرين بستر جلاله، وخير الفاتحين لمغالق غيوبه، وخير
الفاصلين بأحكام حكمته، فهم لأماناتهم وعهدهم راعون بكلاءته، وبشهادتهم قائمون بين
يديه في بساط جلاله، وداعون إليه على بيّنة منه وبصيرة بما يطلبه حسن بلائه، وهم العاملون
بأوامره، والراسخون في العلم بشهادة توحيده بلسان إيمانه، وأولو الأبصار بالاعتبار في
مخلوقاته، وأولو النهى بما زجرهم به في خطابه، وأولو الألباب بما حفظهم من الاستمداد
لبقاء نوره، وهم العارفون عن الناس لما حجبهم به عن الاطلاع إلى سابق علمه، والكاظمون
الغيظ لتعدّي حدوده، والمنفقون مما استخلفهم فيه أداء أمانة لمن شاء من عبيده،
والمستغفرون بالأسحار عند تجلّيه من سمائه، والشاكرون لما أسداه من آلائه، والفائزون بما
وهبهم من معرفته، والسابقون على نجب الأعمال إلى مرضاته، والأبرار بما غمرهم به من
إحسانه، والمحسنون بما أشهدهم من كبريائه، والمصطفون من بين الخلائق باجتبائه،
والأعلون بإعلاء كلمته على كلمة أعدائه، والمقرّبون بين أسمائه وأنبيائه، والمتفكرون فيما
أخفاه من غامض حكمته في أحكامه، والمذكرون من نسي إقراره بربوبيته عند أخذ ميثاقه،
والناصرون أهل دينه على من ناوأهم فيه ابتغاء منازعته وإن كان بقضائه، أولئك عباد الله الذين
ليس لأحد عليهم سلطان لكونهم من أهل الحجة البالغة، لما تكلموا بالنيابة عنه في كلامه فهو
لسانهم، وسمعهم، وبصرهم، ويدهم، في نوره وظلماته، ولو تقصينا ما ذكر الله في كتابه من