النص المفهرس

صفحات 1-20

الْفُوْحَاتُ
المَكْنَة
للشيخ الإمام خاتم الأولياء أبي بكر محي الدّين محمّد بن علي
بن محمّد بن أحمد بن عبد الله الحاميّ المعروف بأبن عربي"
المتوفى سنة ٦٣٨ هـ
ضَبطُهُ وَصَّه وَوَضَعَ فَارَسَه
أحمد ◌ٌمن الدين
المجلد الثالث
مشَّورات
محمد عَسلمى بيضون
دار الكتب العلمية
برايت - لبنان

الفِتَوْحَانَةُ المَكِيَةَ
تأليف
الشيخ الإمَام خاتم الأولياء أبي بكر محي الدين
مُحَمَّد بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن عَبْدُ اللَّه الحافي
المعروف بابن عَرَبي
المتوفى سنة ٦٣٨هـ
ضَبَطَهِ وَمّه وَ وَضَ فَارسَه
أحمد من الدِّين
الجُزء الثَّالث
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا" أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً".
Copyright C
All rights reserved
Exclusive rights by
DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirut . Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطَّبعَة الأولى
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
: رمل الظريف. شارع البحتري، بناية ملكارت
العنوان
تلفون وفاكس: ٢٦٤٢٩٨ - ٢٦٦١٢٥ - ٦٠٢١٢٣ :١ ٩٦١ )٠٠
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., Ist Floore.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon
DET KONGELIGE BIBLIOTEK
ISBN 2-7451-2275-4
90000>
9782745 122759
http://www.al-ilmiyah.com.lb/
e-mail : sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
:

الفُوَاتُ المَكِيَ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
الباب الثالث والسبعون
في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند
المقابلة والانحراف، وعلى كم ينحرف من المقابلة
[نظم: الوافر]
ملائكةُ الإلهِ أتتْ إلينا
فقالت قَوْلَ مَغْصومٍ عليم
ثمانيةٌ وعشرٌ قدّ أتتناً
ثمانيةٌ أشدّاءٌ غِلاظٌ
بأربعةٍ وعشرينَ افتتحنا
وخامسُ عَشْرةٍ في لينِ عيشٍ
وفي إحدى وعشرين انْسَفَلْنَا
مددنا ظلَّنا لحجاب غصن
صلاةُ المشركين بها مُكَاءً
وواحدٌ استطال فصال قهراً
إذا انفشَّ الوحيدُ يصير جمعاً
تفرَّقتِ الهمومُ غَداة ثَبْتٍ
بِشَفْعٍ من إبانتكم غَنينا
وأن زَّواتَدَ الأفلاك عشرٌ
ومن عَقْدِ المئين لنا ثلاثٌ
وأن الأربعين لقلبِ نوحٍ
على قلب الخليل لنا رجال
وخمسةُ أنفس لهمُ ثَبَاتٌ
وميكائيلُ يتلوه ثلاثٌ
وإسرافيلُ يتبعه وحيدٌ
يُقَلْقِلُهم عن الشَّثْبِيتِ خمسٌ
وينصرني على الإشراك وَثري
لتُوقِفَنا على النَّبأ اليقينِ
بريءٍ من مُلاَبَسَة الظُّنونِ
جَهاراً ثم عَشْرٌ في كَمينٍ
وخَمْسَتُهم أشدّاءٌ بِلِينٍ
وما يعلو بسبْعَتِهم قريني
وأربعةٌ لتطبيق الجفونِ
عن التقويم بالبلد الأمينِ
على الأقوام فِي عَطْفٍ ولينٍ
مثلْئَةٌ تُحلِّيني بديني
ومنحرفٌ توحَّد في الوتين
ويهوَى مثله يهواه دوني
ويعرفها المتيَّمُ بعد حينٍ
فكُرِّر واحدُ الصبح المبينِ
وللبُدَلاء أبراجُ الشُّؤونِ
على قلبٍ لآدم عن يقينٍ
على بيضاءَ بالنور المبينِ
سباعيةٌ كآساد العرينِ
بقلب الطاهرِ الروحِ الأمينِ
تمسّكُهُنَّ بالحبل المتينِ
بقلبٍ قد تفنّن بالفنونِ
ولولاهنَّ كانوا في سُكونِ
تلقّي نصرَ ذلك باليمينِ
٥

٦
في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
وثِنْتَا عَشْرَة نُقَباءُ دينٍ
نّجيبٌ من ثمانيةٍ كرامِ
على التمثيل في رأي العيون
من الأوتاد في الحصن الحصينِ
أقاليمُ البلاد لها رجالٌ
وتَخْرُسنا بأربعةٍ رجالٍ
إماما العال مين هُما وزيرا
أثمتهُنَّ من نور وضينٍ
ترى سرَّ الُهور مع الكُمونِ
مليكِ العالمِ القطبِ الْمَكينِ
وسنّة أَنْفُسِ لجهات ستُ
فهذا الرمزّ إن فكّرتَ فيه
اعلم أيّدنا الله وإياك بروح منه أن هذا الباب يتضمن أصناف الرجال الذين بحصرهم
العدد والذين لا توقيت لهم، ويتضمن المسائل التي لا يعلمها إلاَّ الأكابر من عبد الله الذين
هم في زمانهم بمنزلة الأنبياء في زمان النبوّة وهي النبوّة العامّة، فإن النبوّة التي انقطعت بوجود
رسول الله وَّ إنما هي نبوّة التشريع لا مقامها، فلا شرع يكون ناسخاً لشرعه *. ولا يزيد
في حكمه شرعاً آخر، وهذا معنى قوله بََّ: ((إِنَّ الرَّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَد انْقَطَّعَتْ فَلَا رَسُولَ بَعْدِي
وَلا نَبِيَّ)) أي لا نبيّ بعدي يكون على شرع يخالف شرعي، بل إذا كان يكون تحت حكم
شريعتي، ولا رسول أي لا رسول بعدي إلى أحد من خلق الله بشرع يدعوهم إليه. فهذا هو
الذي انقطع وسدّ بابه لا مقام النبوّة، فإنه لا خلاف أن عيسى عليه السلام نبيّ ورسول، وأنه
لا خلاف أنه ينزل في آخر الزمان حكماً مقسطاً عدلاً بشرعنا لا بشرع آخر ولا بشرعه الذي
تعبّد الله به بني إسرائيل من حيث ما نزل هو به، بل ما ظهر من ذلك هو ما قرره شرع
محمد رَله، ونبوّة عيسى عليه السلام ثابتة له محققة، فهذا نبيّ ورسول قد ظهر بعده حمة وهو
الصادق في قوله أنه لا نبيّ بعده، فعلمنا قطعاً أنه يريد التشريع خاصة وهو المعبّر عنه عند أهل
النظر بالاختصاص وهو المراد بقولهم: إن النبوّة غير مكتسبة .
وأما القائلون باكتساب النبوّة فإنهم يريدون بذلك حصول المنزلة عند الله المختصة من
غير تشريع لا في حق أنفسهم ولا في حق غيرهم، فمن لم يعقل النبوّة سوى عين الشرع
ونصب الأحكام قال بالاختصاص ومنع الكسب، فإذا وقفتم على كلام أحد من أهل الله
أصحاب الكشف يشير بكلامه إلى الاكتساب كأبي حامد الغزاليّ وغيره فليس مرادهم سوى ما
ذكرناه، وقد بيّنا هذا في فصل الصلاة على النبيّ وَّ في آخر باب الصلاة من هذا الكتاب،
وهؤلاء هم المقرّبون الذين قال الله فيهم: ﴿عَيِّنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [سورة المطففين: الآية ٢٨] وبه
وصف الله نبيه عيسى عليه السلام فقال: ﴿وَجِيهًا فِى الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [سورة آل عمران:
الآية ٤٥] وبه وصف الملائكة فقال: ﴿وَلَا اُلْمَلَبِّكَّةَ الْقَرَّبُونَ﴾ [سورة النساء: الآية ١٧٢].
ومعلوم قطعاً أن جبريل كان ينزل بالوحي على رسول الله وَّر ولم يطلق عليه في الشرع
اسم نبيّ، مع أنه بهذه المثابة فالنبوّة مقام عند الله يناله البشر وهو مختص بالأكابر من البشر،
يعطى للنبيّ المشرّع ويعطى للتابع لهذا النبيّ المشرّع الجاري على سنته، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا
لَهُ مِن رَّحْمَيِّنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٥٣] فإذا نظر إلى هذا المقام بالنسبة إلى التابع وأنه
باتباعه حصل له هذا المقام سمّي مكتسباً والتعمّل بهذا الاتباع اكتساباً، ولم يأته شرع من ربه

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٧
يختص به ولا شرع يوصله إلى غيره، وكذلك كان هارون، فسددنا باب إطلاق لفظ النبوّة
على هذا المقام مع تحقّقه لئلا يتخيل متخيّل أن المطلق لهذا اللفظ يريد نبوّة التشريع فيغلط،
كما اعتقده بعض الناس في الإمام أبي حامد فقال عنه: إنه يقول باكتساب النبوّة في كيمياء
السعادة وغيره، معاذ الله أن يريد أبو حامد غير ما ذكرناه، وسأذكر إن شاء الله ما يختص به
صاحب هذا المقام من الأسرار الخاصة به التي لا يعلمها إلاَّ من حصله، فإذا سمعتني أقول
في هذا الباب وممّا يختص بهذا المقام كذا فاعلم أن ذلك الذي أذكره هو من علوم أهل هذا
المقام، فلنذكر أوّلاً شرح ما بوّبنا عليه من المقابلة والانحراف.
وصل: اعلم أن للحق سبحانه في مشاهدة عباده إياه نسبتين : نسبة تنزيه ونسبة تنزل إلى
الخيال بضرب من التشبيه، فنسبة التنزيه تجليه في: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية
١١] والنسبة الأخرى تجليه في قوله عليه السلام: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ فِي
قِبْلَةِ الْمُصَلِّي)). وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٥] وثمّ ظرف ووجه
الله ذاته وحقيقته والأحاديث والآيات الواردة بالألفاظ التي تطلق على المخلوقات باستصحاب
معانيها إياها، ولولا استصحاب معانيها إياها المفهومة من الاصطلاح ما وقعت الفائدة بذلك
عند المخاطب بها، إذ لم يرد عن الله شرح ما أراد بها مما يخالف ذلك اللسان الذي نزل به هذا
التعريف الإلهيّ، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ فَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمْ﴾ [سورة
إبراهيم: الآية ٤] يعني بلغتهم ليعلموا ما هو الأمر عليه، ولم يشرح الرسول المبعوث بهذه الألفاظ
هذه الألفاظ بشرح يخالف ما وقع عليه الاصطلاح، فنسب تلك المعاني المفهومة من تلك
الألفاظ الواردة إلى الله تعالى كما نسبها لنفسه، ولا يتحكم في شرحها بمعان لا يفهمها أهل
ذلك اللسان الذي نزلت هذه الألفاظ بلغتهم فنكون من الذين ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ،﴾
[سورة النساء: الآية ٤٦] ومن الذين ﴿يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٥] وهم
يعلمون بمخالفتهم، ونقرّ بالجهل بكيفية هذه النسب، وهذا هو اعتقاد السلف قاطبة من غير
مخالف في ذلك، فإذا تقرّر عندك ما ذكرناه من هاتين النسبتين للحق المشروعتين وأنت المطلوب
بالتوجّه بقلبك وبعبادتك إلى هاتين النسبتين فلا تعدل عنهما إن كنت كاملاً، أو إلى إحداهما إن
كنت نازلاً عن هذه المرتبة الكمالية، إما لما يقوله أهل الكلام في الله من حيث عقولهم، وإما لما
توهمه القاصرة عقولهم من تشبيه الحق بخلقه فهؤلاء جهلوا وهؤلاء جهلوا والحق في الجمع
بینھما .
وقد ورد الخبر في النشأة الآدمية، أن الله خلق آدم على صورته وورد في القرآن أن الله
خلقه بيديه على جهة التشريف لقرينة الحال حين عرف بذلك إبليس لما ادّعى الشرف على آدم
بنشأته فقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [سورة ص: الآية ٧٥] ولا يسوغ هنا حمل اليدين
على القدرة لوجود التثنية، ولا على أن تكون الواحدة يد النعمة والأخرى يد القدرة، فإن ذلك
سائغ في كل موجود فلا شرف لآدم بهذا التأويل، فلا بدّ أن يكون لقوله: ﴿بِيَدَىٌّ﴾ خلاف ما
ذكرناه ممّا يصحّ به التشريف، فتوجهت على خلق الإنسان هاتان النسبتان: نسبة التنزيه ونسبة

٨ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
التشبيه، فخرج بنو آدم لهذا على ثلاث مراتب: كامل وهو الجامع بين هاتين النسبتين، أو
واقف مع دليل عقله ونظر فكره خاصة، أو مشبّه بما أعطاه اللفظ الوارد، ولا رابع لهم من
المؤمنين. فالمقابلة أو الانحراف لا تكون إلاَّ من جهة نسبة التنزّل الإلهيّ الخياليّ في قوله
عليه السلام: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ))، في هذا هي المقابلة للمعبود، والانحراف عن هذه المقابلة
إما بتنزيه وهو انحراف المتكلمين، وإما بتشبيه محدود وهو انحراف المجسمين، والكمل هم أهل
القول بالأمرين.
وهذه الحضرة التي ذكرناها تحوي على ستين وثلاثمائة مقام منها ستة وثلاثون أمهات
وما بقي فهي نازلة عن هذه الستة والثلاثين تحصل كلها لأهل الشهود من الاسم الدهر، فإن
الله هو الدهر، ولا يتوهم من هذا القول الزمان المعروف الذي تعدّه حركات الأفلاك وتتخيّل
من ذلك درجات الفلك التي تقطعها الكواكب ذلك هو الزمان، وكلامنا إنما هو في الاسم
الدهر ومقاماته التي ظهر عنها الزمان، والزمان على التحقيق قد عرّفناك أنه نسبة لا أمر
وجودي وأنه للمحدث بمنزلة الأزل للقديم، فهذه المقامات تحصل لأهل الشهود إذا قابلوها
بذواتهم من حيث خلقهم على الصورة، كذلك يقابل الزمان الدهر والأبد يقابله الأزل، ولا
يكون منهم عند المقابلة نظر إلى كون أصلاً يميزونه عن ذواتهم وذوات ما قابلوه، فإن وقع
لمن هذا مقامه تميّز لكون من الأكوان، أو للذي قابلوه يميّز لهم عمّا قابلوه من ذواتهم، فقد
حدّوه وانحرفوا عن المقابلة، وانحطوا بذلك إلى ثمانية عشر مقاماً وهو النصف، فإما أن
يكون انحرافهم إليه أو إليهم، فإن كان إليه تعالى فقد غابوا عنهم والمطلوب منهم حضورهم
بهم له، وإن كان الانحراف إليهم فقد غابوا عنه والمطلوب حضورهم معه، فإن زاد الانحراف
انحطوا إلى نصف ذلك وهو تسعة مقامات فغاب عنهم من الذي انحطوا عنه النصف، فإن زاد
الانحراف انحطوا إلى ستة مقامات وهو غاية الانحطاط وهو الثلث من الثمانية عشر والسدس
من المجموع الذي هو ستة وثلاثون، فمنزل العبد الكامل يكون بين هاتين النسبتين يقابل كل
نسبة منهما بذاته، فإنه لا ينقسم في ذاته وما لا ينقسم لا يوصف بأنه يقابل كل نسبة بغير الذي
يقابل بها الأخرى وما ثَمَّ إلاّ ذاته، كالجوهر الفرد بين الجوهرين أو الجسمين يقابل كل واحد
ممّا هو بينهما بذاته، لأن ما لا ينقسم لا يكون له جهتان مختلفتان في حكم العقل، وإن كان
الوهم يتخيل ذلك كذلك الإنسان من حيث حقيقته ولطيفته يقابل بذاته الحق من حيث نسبة
التنزيه، وبذلك الوجه عينه يقابل الحق من حيث صفة النزول الإلهي إلى الاتصاف بالصفات
التي توهم التشبيه وهي النسبة الأخرى.
وكما أن الحق الذي هو الموصوف بهاتين النسبتين وله حد في نفسه وأحديته ولم تحكم
عليه هاتان النسبتان بالتعداد والانقسام في ذاته، كذلك العبد الكامل في مقابلة الحق في هاتين
النسبتين لا يكون له وجهان متغايران، فهذه هي المقابلة للحق من جميع النسب على كثرتها،
فإنها وإن كثرت فهي راجعة إلى هاتين النسبتين وليستا بأمر زائد على عين الموصوف بها
فالكل عين واحدة وما ثَمَّ كل وجودي، وإنما جئنا به من حيث النسب وهي لا أعيان لها،

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٩
فالعين من الحق واحدة والعين من العبد واحدة، لكن عين العبد ثبوتية ما برحت من أصلها
ولا خرجت من معدنها، ولكن كساها الحق حلّة وجوده، فعينها باطن وجوده ووجودها عين
موجدها، فما ظهر إلاَّ الحق لا غيره، وعين العبد باقٍ على أصله، لكنه استفاد ما لم يكن
عنده من العلم بذاته، وبمن كساه حلّة وجوده وبمعرفة أمثاله ورأى العالم بعضه بعضاً بعين
وجود ربّه، فمن نظر إلى ذاته بعين ربه ولم يميز فقد انحرف عمّا ينبغي له فهو العبد
الموصوف بالجهل في عين الحق، وحكمه في هذا الوصف والحال حكم من لم يتصف
بالوجود لأن الجهل عدم، فمن قال في رؤيته ما رأى الله إلاّ الله فهو العبد الكامل وهكذا في
كل نسبة، وهذه أسنى درجات المعارف. وتليها المعرفة الثانية التي يقول فيها صاحبها: كنت
مغمض العينين ففتحتهما فما وقعت على شيء إلاَّ كان هو الله فما رأيت إلاَّ الله والأعيان على
أصولها لا أثر لها في رؤيتي إياها. والمعرفة الثالثة هي التي يقول فيها صاحبها: ما رأيت
شيئاً. والمعرفة الرابعة أن يقول: ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الله قبله وهذه رؤية تحديد، وكذلك
فيما نزل عن هذه المعرفة من فيه وبعده وعنده وغير ذلك، وهي هذه المعارف التي تعطي
التحديد من النسبة النزولية التي توهم التشبيه، والمعارف الأول التي ذكرناها من مقام كون
العبد بين النسبتين لا غير.
وأما المعارف التي تحصل من نسبة التنزيه فلا تقال ولا تأخذها عبارة ولا تصحّ فيها
الإشارة فانحصر لك الأمر في ثلاث معارف أمّهات: معرفة نسبة التنزيه، ومعرفة نسبة التحديد
والتشبيه، ومعرفة أعطاها مقامك بين هاتين النسبتين وهو عينك لا وجود عينك لكون وجود
عينك هو وجود الحق فلا ينسب إليك. فمن لا علم له بهذه الأمّهات فهو المنحرف.
واعلم أن الله في كل نوع من المخلوقات خصائص، وقد ذكرنا ذلك في هذا الكتاب،
وهذا النوع الإنساني هو من جملة الأنواع ولله فيه خصائص وصفوة، وأعلى الخواص فيه من
العباد الرسل عليهم السلام ولهم مقام النبوّة والولاية والإيمان، فهم أركان بيت هذا النوع،
والرسول أفضلهم مقاماً وأعلاهم حالاً أي المقام الذي يرسل منه أعلى منزلة عند الله من سائر
المقامات وهم الأقطاب والأئمة والأوتاد الذين يحفظ الله بهم العالم كما يحفظ البيت بأركانه،
فلو زال ركن منها زال كون البيت بيتاً، ألا إن البيت هو الدين، ألا إن أركانه هي الرسالة
والنبوّة والولاية والإيمان، ألا إن الرسالة هي الركن الجامع للبيت وأركانه، ألا إنها هي
المقصودة من هذا النوع فلا يخلو هذا النوع أن يكون فيه رسول من رسل الله، كما لا يزال
الشرع الذي هو دين الله فيه، ألا إن ذلك الرسول هو القطب المشار إليه الذي ينظر الحق إليه
فيبقى به هذا النوع في هذه الدار ولو كفر الجميع، إلاّ أن الإنسان لا يصح عليه هذا الاسم إلاّ
أن يكون ذا جسم طبيعيّ وروح، ويكون موجوداً في هذه الدار الدنيا بجسده وحقيقته، فلا بدّ
أن يكون الرسول الذي يحفظ الله به هذا النوع الإنساني موجوداً في هذا النوع في هذه الدار
بجسده وروحه يتغذى، وهو مجلّي الحق من آدم إلى يوم القيامة.
ولما كان الأمر على ما ذكرناه ومات رسول الله وَل# بعدما قرّر الدين الذي لا ينسخ

١٠ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
والشرع الذي لا يبدّل، ودخلت الرسل كلهم في هذه الشريعة يقومون بها، والأرض لا تخلو
من رسول حيّ بجسمه، فإنه قطب العالم الإنساني، ولو كانوا ألف رسول لا بدّ أن يكون
الواحد من هؤلاء هو الإمام المقصود، فأبقى الله تعالى بعد رسول الله وَله من الرسل الأحياء
بأجسادهم في هذه الدار الدنيا ثلاثة وهم: إدريس عليه السلام بقي حياً بجسده وأسكنه الله
السماء الرابعة والسموات السبع هنّ من عالم الدنيا وتبقى ببقائها وتفنى صورتها بفنائها فهي
جزء من الدار الدنيا، فإن الدار الأخرى تبدّل فيها السموات والأرض بغيرهما كما تبدّل هذه
النشأة الترابية منّا نشآت أخر غير هذه كما وردت الأخبار في السعداء من الصفاء والرقة
واللطافة، فهي نشآت طبيعية جسمية لا تقبل الأثقال، فلا يغوطون ولا يبولون ولا يتمخطون
كما كانت هذه النشأة الدنياوية، وكذلك أهل الشقاء. وأبقى في الأرض أيضاً إلياس وعيسى
وكلاهما من المرسلين وهما قائمان بالدين الحنيفيّ الذي جاء به محمد ◌َّر، فهؤلاء ثلاثة من
الرسل المجمع عليهم أنهم رسل. وأما الخضر وهو الرابع فهو من المختلف فيه عند غيرنا لا
عندنا، فهؤلاء باقون بأجسامهم في الدار الدنيا فكلهم الأوتاد، واثنان منهم الإمامان وواحد
منهم القطب الذي هو موضع نظر الحق من العالم، فما زال المرسلون ولا يزالون في هذه
الدار إلى يوم القيامة، وإن لم يبعثوا بشرع ناسخ ولا هم على غير شرع محمد بَلّ ﴿وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٣٨].
والواحد من هؤلاء الأربعة الذين هم: عيسى وإلياس وإدريس وخضر هو القطب، وهو
أحد أركان بيت الدين، وهو ركن الحجر الأسود، واثنان منهم هما الإمامان، وأربعتهم هم
الأوتاد، فبالواحد يحفظ الله الإيمان، وبالثاني يحفظ الله الولاية، وبالثالث يحفظ الله النبوّة،
وبالرابع يحفظ الله الرسالة، وبالمجموع يحفظ الله الدين الحنيفي. فالقطب من هؤلاء لا
يموت أبداً أي لا يصعق .
وهذه المعرفة التي أبرزنا عينها للناظرين لا يعرفها من أهل طريقنا إلاَّ الأفراد الأمناء،
ولكل واحد من هؤلاء الأربعة من هذه الأمّة في كل زمان شخص على قلوبهم معٍ وجودهم
هم نوابهم، فأكثر الأولياء من عامّة أصحابنا لا يعرفون القطب والإمامين والوتد إلاّ النوّاب لا
هؤلاء المرسلون الذين ذكرناهم، ولهذا يتطاول كل واحد من الأمّة لنيل هذه المقامات، فإذا
حصلوا أو خصّوا بها عرفوا عند ذلك أنهم نوّاب لذلك القطب، ونائب الإمام يعرف أن الإمام
غيره وأنه نائب عنه وكذلك الوتد. فمن كرامة رسول الله وَّ محمد أن جعل من أمّته وأتباعه
رسلاً وإن لم يرسلوا فهم من أهل المقام الذي منه يرسلون وقد كانوا أرسلوا فاعلم ذلك،
ولهذا صلَّى رسول الله وَلّ ليلة إسرائه بالأنبياء عليهم السلام في السموات لتصحّ له الإمامة
على الجميع حساً بجسمانيته وجسمه، فلما انتقل لل بقي الأمر محفوظاً بهؤلاء الرسل،
فثبت الدين قائماً بحمد الله ما انهدم منه ركن إذ كان له حافظ يحفظه وإن ظهر الفساد في
العالم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
وهذه نكتة فاعرف قدرها فإنك لست تراها في كلام أحد منقول عنه أسرار هذه الطريقة

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١١
غير كلامنا. ولولا ما ألقى عندي في إظهارها ما أظهرتها لسر يعلمه الله ما أعلمنا به، ولا
يعرف ما ذكرناه إلاّ نوابهم خاصة لا غيرهم من الأولياء. فاحمدوا الله يا إخواننا حيث جعلكم
الله ممّن قرع سمعه أسرار الله المخبوّة في خلقه التي اختصّ الله بها من شاء من عباده، فكونوا
لها قابلين مؤمنين بها ولا تحرموا التصديق بها فتحرموا خيرها. قال أبو يزيد البسطاميّ وهو
أحد النواب لأبي موسى الديبليّ: يا أبا موسى إذا رأيت من يؤمن بكلام أهل هذه الطريقة فقل
له يدعو لك فإنه مجاب الدعوة. وسمعت شيخنا أبا عمران موسى بن عمران الميرتلي بمنزله
بمسجد الرضى بأشبيلية وهو يقول للخطيب أبي القاسم بن عفير وقد أنكر أبو القاسم ما يذكر
أهل هذه الطريقة: يا أبا القاسم لا تفعل فإنك إن فعلت هذا جمعنا بين حرمانين لا نرى ذلك
من نفوسنا ولا نؤمن به من غيرنا، وما ثم دليل يردّه ولا قادح يقدح فيه شرعاً وعقلاً، ثم
استشهدني على ما ذكره، وكان أبو القاسم يعتقد فينا فقرّرت عنده ما قاله بدليل يسلمه من
مذهبه فإنه كان محدّثاً فشرح الله صدره للقبول وشكرني الشيخ ودعا لي.
واعلم أن رجال الله في هذه الطريقة هم المسمّون بعالم الأنفاس وهو اسم يعمّ
جميعهم، وهم على طبقات كثيرة وأحوال مختلفة، فمنهم من تجمّع له الحالات كلها
والطبقات. ومنهم من يحصل من ذلك ما شاء الله، وما من طبقة إلاَّ لها لقب خاص من أهل
الأحوال والمقامات التي يظهرون عليها في قوله: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [سورة الزخرف: الآية
٣٣] كل طائفة في جنسها. ومنهم من يحصره عدد في كل زمان. ومنهم من لا عدد له لازم
فيقلّون ويكثرون. ولنذكر منهم أهل الأعداد ومن لا عدد لهم بألقابهم إن شاء الله تعالى.
فمنهم رضي الله عنهم الأقطاب وهم الجامعون للأحوال والمقامات بالأصالة أو بالنيابة
كما ذكرنا، وقد يتوسعون في هذا الإطلاق فيسمون قطباً كل من دار عليه مقام ما من المقامات
وانفرد به في زمانه على أبناء جنسه، وقد يسمّى رجل البلد قطب ذلك البلد وشيخ الجماعة قطب
تلك الجماعة، ولكن الأقطاب المصطلح على أن يكون لهم هذا الاسم مطلقاً من غير إضافة لا
يكون منهم في الزمان إلاَّ واحد وهو الغوث أيضاً وهو من المقرّبين وهو سيد الجماعة في زمانه.
ومنهم من يكون ظاهر الحكم، ويحوز الخلافة الظاهرة، كما حاز الخلافة الباطنة من
جهة المقام كأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ والحسن ومعاوية بن يزيد وعمر بن عبد العزيز
والمتوكل. ومنهم من له الخلافة الباطنة خاصة ولا حكم له في الظاهر كأحمد بن هارون
الرشيد السبتيّ وكأبي يزيد البسطاميّ، وأكثر الأقطاب لا حكم لهم في الظاهر. ومنهم رضي
الله عنهم الأئمة ولا يزيدون في كل زمان على اثنين لا ثالث لهما الواحد عبد الرب والآخر
عبد الملك والقطب عبد الله، قال تعالى ﴿ وَأَنَّهُ لَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [سورة الجن: الآية ١٩] يعني
محمداً وَلّ فلكل رجل اسم إلهيّ يخصّه به يدعى عبد الله، ولو كان اسمه ما كان فالأقطاب
كلهم عبد الله، والأئمة في كل زمان عبد الملك وعبد الرب وهما اللذان يخلفان القطب إذا
مات، وهما للقطب بمنزلة الوزيرين الواحد منهم مقصور على مشاهدة عالم الملكوت والآخر
مع عالم الملك .

١٢ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
ومنهم رضي الله عنهم الأوتاد وهم أربعة في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون، رأينا
منهم شخصاً بمدينة فاس يقال له ابن جعدون كان ينخل الحناء بالأجرة، الواحد منهم يحفظ
الله به المشرق وولايته فيه، والآخر المغرب، والآخر الجنوب، والآخر الشمال، والتقسيم
من الكعبة، وهؤلاء قد يعبر عنهم الجبال لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا وَاَلْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾
[سورة النبأ: ٦ - ٧] فإنه بالجبال سكن ميد الأرض، كذلك حكم هؤلاء في العالم حكم الجبال
في الأرض، وإلى مقامهم الإشارة بقوله تعالى عن إبليس: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَيْلِهِمْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧] فيحفظ الله بالأوتاد هذه الجهات، وهمٍ
محفوظون من هذه الجهات، فليس للشيطان عليهم سلطان، إذ لا دخول له على بني آدم إلاّ
من هذه الجهات. وأما الفوق والتحت فربما يكون للستة التي نذكر أمرهم بعد هذا إن شاء
الله، وكل ما نذكره من هؤلاء الرجال باسم الرجال فقد يكون منهم النساء ولكن يغلب ذكر
الرجال، قيل لبعضهم: كم الأبدال؟ فقال: أربعون نفساً، فقيل له: لم لا تقول أربعون رجلاً؟
فقال: قد يكون فيهم النساء ألقابهم عبد الحيّ وعبد العليم وعبد القادر وعبد المريد.
ومنهم رضي الله عنهم الأبدال وهم سبعة لا يزيدون ولا ينقصون يحفظ الله بهم الأقاليم
السبعة، لكل بدل إقليم فيه ولايته الواحد منهم على قدم الخليل عليه السلام وله الإقليم الأول
وأسوقهم على الترتيب إلى صاحب الإقليم السابع. والثاني: على قدم الكليم عليه السلام.
والثالث: على قدم هارون. والرابع: على قدم إدريس. والخامس: على قدم يوسف.
والسادس: على قدم عيسى. والسابع: على قدم آدم على الكل السلام، وهم عارفون بما
أودع الله سبحانه في الكواكب السيارة من الأمور والأسرار في حركاتها ونزولها في المنازل
المقدّرة. ولهم من الأسماء أسماء الصفات فمنهم: عبد الحيّ وعبد العليم وعبد الودود
وعبد القادر وهذه الأربعة هي أربعة أسماء الأوتاد. ومنهم: عبد الشكور وعبد السميع
وعبد البصير لكل صفة إلهية رجل من هؤلاء الأبدال بها ينظر الحق إليهم وهي الغالبة عليه،
وما من شخص إلاَّ وله نسبة إلى اسم إلهي منه يتلقى ما يكون عليه من أسباب الخير، وهم
بحسب ما تعطيه حقيقة ذلك الاسم الإلهيّ من الشمول والإحاطة، فعلى تلك الموازنة يكون
علم هذا الرجل، وسمّوا هؤلاء أبدالاً لكونهم إذا فارقوا موضعاً ويريدون أن يخلفوا بدلاً منهم
في ذلك الموضع لأمر يرونه مصلحة وقربة يتركوا به شخصاً على صورته لا يشك أحد ممّن
أدرك رؤية ذلك الشخص أنه عين ذلك الرجل وليس هو بل هو شخص روحاني يتركه بدله
بالقصد على علم منه، فكل من له هذه القوّة فهو البدل، ومن يقيم الله عنه بدلاً في موضع ما
ولا علم له بذلك فليس من الأبدال المذكورين، وقد يتفق ذلك كثيراً، عایناه ورأيناه ورأينا
هؤلاء السبعة الأبدال بمكة لقيناهم خلف حطيم الحنابلة وهنالك اجتمعنا بهم فما رأيت أحسن
سمتاً منهم، وكنا قد رأينا منهم موسى السدّراتي بإشبيلية سنة ست وثمانين وخمسمائة وصل
إلينا بالقصد واجتمع بنا ورأينا منهم شيخ الجبال محمد بن أشرف الرنديّ، ولقي منهم
صاحبنا عبد المجيد بن سلمة شخصاً اسمه معاذ بن أشرس كان من كبارهم وبلغني سلامه

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٣
علينا، سأله عبد المجيد هذا عن الأبدال بماذا كانت لهم هذه المنزلة؟ فقال: بالأربعة التي
ذكرها أبو طالب المكيّ يعني: الجوع والسهر والصمت والعزلة، وقد يسمّون الرجبيين أبدالاً
وهم أربعون، وقد يسمّون الاثني عشر أيضاً أبدالاً، وسيأتي ذكر هؤلاء في الرجال
المعدودين. فمن رأى الرجبيين قال: إن الأبدال أربعون نفساً فإنهم أربعون.
ومنهم رضي الله عنهم النقباء وهم اثنا عشر نقيباً في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون
على عدد بروج الفلك الاثني عشر برجاً، كل نقيب عالم بخاصية كل برج، وبما أودع الله في
مقامه من الأسرار والتأثيرات، وما يعطي للنزلاء فيه من الكواكب السيارة والثوابت فإن
للثوابت حركات وقطعاً في البروج لا يشعر به في الحسّ، لأنه لا يظهر ذلك إلاَّ في آلاف من
السنين، وأعمار أهل الرصد تقصر عن مشاهدة ذلك.
واعلم أن الله قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة، ولهم استخراج خبايا
النفوس وغوائلها ومعرفة مكرها وخداعها. وأما إبليس فمكشوف عندهم يعرفون منه ما لا
يعرفه من نفسه، وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم أثر وطأة شخص في الأرض علم أنها
وطأة سعيد أو شقيّ مثل العلماء بالآثار والقيافة، وبالديار المصرية منهم كثير يخرجون الأثر
في الصخور، وإذا رأوا شخصاً يقولون: هذا الشخص هو صاحب ذلك الأثر، ويكون كذلك
وليسوا بأولياء الله، فما ظنك بما يعطيه الله هؤلاء النقباء من علوم الآثار. ومنهم رضي الله
عنهم النجباء وهم ثمانية في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون، وهم الذين تبدو منهم وعليهم
إعلام القبول من أحوالهم وإن لم يكن لهم في ذلك اختيار، لكن الحال يغلب عليهم ولا
يعرف ذلك منهم إلاَّ من هو فوقهم لا من هو دونهم، وهم أهل علم الصفات الثمانية السبع
المشهورة والإدراك الثامن ومقامهم الكرسي لا يتعدّوه ما داموا نجباء، ولهم القدم الراسخة في
علم تسيير الكواكب من جهة الكشف والاطلاع لا من جهة الطريقة المعلومة عند العلماء بهذا
الشأن، والنقباء هم الذين حازوا علم الفلك التاسع، والنجباء حازوا علم الثمانية الأفلاك التي
دونه وهي کل فلك فيه کو کب .
ومنهم رضي الله عنهم الحواريون وهو واحد في كل زمان لا يكون فيه اثنان فإذا مات
ذلك الواحد أقيم غيره. وكان في زمان رسول الله وَّو الزبير بن العوام هو كان صاحب هذا
المقام مع كثرة أنصار الدين بالسيف، فالحواريّ من جمع في نصرة الدين بين السيف والحجة
فأعطي العلم والعبارة والحجة، وأعطي السيف والشجاعة والإقدام ومقاومة التحدّي في إقامة
الحجة على صحة الدين المشروع كالمعجزة التي للنبي، فلا يقوم بعد رسول الله وَله بدليله
الذي يقيمه على صدقه فيما ادّعاه إلاّ حواريه، فهو يرث المعجزة ولا يقيمها إلاَّ على صدق
نبيّه وَّة، هذا مقام الحواريّ، ويبقى عليها اسم المعجزة أعني على تلك الدلالة فإنه يقترن بها
مع الحواريّ ما يقترن بها مع النبيّ وَّر، ويضيفها إلى النبيّ كما يضيفها النبيّ إلى نفسه، ولا
يسمّى مثل هذا كرامة لوليّ لأنه ما كان معجزة النبيّ على حدّها وشمول لوازمها لا يكون ذلك
أبداً كرامة لوليّ، وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينيّ ولكن على غير هذا الوجه

١٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
الذي أومأنا إليه، فإن أبا إسحاق يحيل وقوع عين الفعل المعجز وأكثر المتكلمين لا يحيله أن
يكون كرامة لا على طريق الإعجاز، فإذا وقع من الشخص على حد ما وقع من النبيّ بطريق
الإعجاز لصدق ذلك النبيّ من هذا التابع فإنه يقع ولا بدّ، وهذا لا يكون إلا من الحواريّ
خاصة، فمن ظهر منه مثل هذا على حد ما رسمناه فهو حواريّ ذلك العصر، وقد رأيناه في
زماننا سنة ست وثمانين وخمسمائة فهذا هو المسمّى بالحواريّ.
ومنهم رضي الله عنهم الرجبيون وهم أربعون نفساً في كل زمان لا يزيدون ولا
ينقصون، وهم رجال حالهم القيام بعظمة الله وهم من الأفراد، وهم أرباب القول الثقيل من
قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٥] وسمّوا رجبيون لأن حال هذا
المقام لا يكون لهم إلاَّ في شهر رجب من أول استهلال هلاله إلى انفصاله، ثم يفقدون ذلك
الحال من أنفسهم فلا يجدونه إلى دخول رجب من السنة الآتية، وقليل من يعرفهم من أهل
هذا الطريق وهم متفرّقون في البلاد، ويعرف بعضهم بعضاً منهم من يكون باليمن وبالشام
وبديار بكر لقيت واحداً منهم بدنيسير من ديار بكر ما رأيت منهم غيره وكنت بالأشواق إلى
رؤيتهم، ومنهم من يبقى عليه في سائر السنة أمر ما ممّا كان يكاشف به في حاله في رجب،
ومنهم من لا يبقى عليه شيء من ذلك، وكان هذا الذي رأيته قد أبقى عليه كشف الروافض من
أهل الشيعة سائر السنّة فكان يراهم خنازير فيأتي الرجل المستور الذي لا يعرف منه هذا
المذهب قط وهو في نفسه مؤمن به يدين به ربّه فإذا مرّ عليه يراه في صورة خنزير فيستدعيه
ويقول له: تب إلى الله فإنك شيعيّ رافضيّ، فيبقى الآخر متعجباً من ذلك، فإن تاب وصدق
في توبته رآه إنساناً، وإن قال له بلسانه تبت وهو يضمر مذهبه لا يزال يراه خنزيراً فيقول له :
كذبت في قولك تبت، وإذا صدق يقول له: صدقت فيعرف ذلك الرجل صدقه في كشفه
فيرجع عن مذهبه ذلك الرافضي. ولقد جرى لهذا مثل هذا مع رجلين عاقلين من أهل العدالة
من الشافعية ما عرف منهما قط التشيع ولم يكونا من بيت التشيع أداهما إليه نظرهما وكانا
متمكنين من عقولهما فلم يظهرا ذلك وأصرّا عليه بينهما وبين الله فكانا يعتقدان السوء في أبي
بكر وعمر ويتغاليان في عليّ، فلما مرّا به ودخلا عليه أمر بإخراجهما من عنده، فإنّ اللّه كشف
له عن بواطنهما في صورة خنازير، وهي العلامة التي جعل الله له في أهل هذا المذهب، وكانا
قد علما من نفوسهما أنّ أحداً من أهل الأرض ما اطلع على حالهما وكانا شاهدين عدلين
مشهورين بالسنّة فقالا له في ذلك فقال: أراكما خنزيرين وهي علامة بيني وبين الله فيمن كان
مذهبه هذا، فأضمرا التوبة في نفوسهما فقال لهما: إنكما الساعة قد رجعتما عن ذلك المذهب
فإني أراكما إنسانين، فتعجبا من ذلك وتابا إلى الله .
وهؤلاء الرجبيون أول يوم يكون في رجب يجدون كأنما أطبقت عليهم السماء فيجدون
من الثقل بحيث لا يقدرون على أن يطرفوا ولا يتحرّك فيهم جارحة، ويضطجعون فلا يقدرون
على حركة أصلاً ولا قيام ولا قعود ولا حركة يد ولا رجل ولا جفن عين يبقى ذلك عليهم
أول يوم ثم يخف في ثاني يوم قليلاً، وفي ثالث يوم أقل، وتقع له الكشوفات والتجليات

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٥
والاطلاع على المغيبات، ولا يزال مضطجعاً مسجّى يتكلم بعد الثلاث أو اليومين ويتكلم معه
ويقال له إلى أن يكمل الشهر، فإذا فرغ الشهر ودخل شعبان قام كأنما نشط من عقال، فإن
كان صاحب صناعة أو تجارة اشتغل بشغله وسلب عنه جميع حاله كله إلاَّ من شاء الله أن يبقى
عليه من ذلك شيء أبقاه الله عليه، هذا حالهم وهو حال غريب مجهول السبب، والذي
اجتمعت به منهم كان في شهر رجب وكان في هذه الحال.
ومنهم رضي الله عنهم الختم وهو واحد لا في كل زمان بل هو واحد في العالم يختم
الله به الولاية المحمدية فلا يكون في الأولياء المحمديين أكبر منه، وثم ختم آخر يختم الله به
الولاية العامّة من آدم إلى آخر وليّ وهو عيسى عليه السلام هو ختم الأولياء كما كان ختم دورة
الملك فله يوم القيامة حشران يحشر في أمّة محمد وَ لّ ويحشر رسولاً مع الرسل عليهم
السلام.
ومنهم رضي الله عنهم ثلاثمائة نفس على قلب آدم عليه السلام في كل زمان لا يزيدون
ولا ينقصون. فاعلم أن معنى قول النبيّ عليه السلام في حق هؤلاء الثلاثمائة أنهم على قلب
آدم، وكذلك قوله عليه السلام في غير هؤلاء ممّن هو على قلب شخص من أكابر البشر أو
الملائكة إنما معناه أنهم يتقلبون في المعارف الإلهية تقلب ذلك الشخص، إذ كانت واردات
العلوم الإلهية إنما ترد على القلوب، فكل علم برد على قلب ذلك الكبير من ملك أو رسول
فإنه يرد على هذه القلوب التي هي على قلبه، وربما يقول بعضهم: فلان على قدم فلان وهو
بهذا المعنى نفسه، وقد أخبر رسول الله وَلّر عن هؤلاء الثلاثمائة أنهم على قلب آدم، وما
ذكر ◌َّ أنهم ثلاثمائة في أمته فقط أو هم في كل زمان، وما علمنا أنهم في كل زمان إلاَّ من
طريق الكشف وأن الزمان لا يخلو عن هذا العدد، ولكل واحد من هؤلاء الثلاثمائة من
الأخلاق الإلهية ثلاثمائة خلق إلهيّ من تخلق بواحد منها صحت له السعادة، وهؤلاء هم
المجتبون المصطفون، ويستحبون من الدعاء ما ذكره الحق سبحانه في كتابه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآَ
أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّرْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٣] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا
اُلْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [سورة فاطر: الآية ٣٢] فمنهم ظالم لنفسه وهو آدم ومن كان
بهذه المثابة، ولهذه الطائفة من الزمان الثلاثمائة من السنين التي ذكر الله أنها لبثها أهل الكهف
وكانت شمسية ولهذا قال: ﴿وَأَزْدَادُواْ تِسْعًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٢٥] فإن الثلاثمائة سنة الشمسية
تكون من سني القمر ثلاثمائة وتسع سنين على التقريب، وكل سنة تمام الزمان بفصوله، وهذه
الجملة قريبة من ثلث يوم واحد من أيام الرب ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَا
تَعُدُّونَ﴾ [سورة الحج: الآية ٤٧] فإذا أخذ العارف في مشهد من مشاهد الربوبية حصل في مقدار
يومها في تلك اللحظة من العلوم الإلهية ما يحصل غيره في عالم الحسّ مع الاجتهاد والتهيؤ
من العلوم الإلهية في ألف سنة من هذه السنين المعلومة، وعلى هذا المجرى يكون ما يحصله
واحد من هؤلاء الثلاثمائة من العلوم الإلهية إذا اختطف عن نفسه وحصره يوم من أيام الرب،
ولا يعرف قدر ما ذكرناه وشرفه إلاّ من ذاقه وانطوى الزمان في حقّه في تلك اللحظة كما

١٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
تنطوي المسافة والمقادير في حق البصر إذا فتحه فوقع نظره على فلك الكواكب الثابتة في
زمان فتح عينه اتصلت أشعته بأجرام تلك الكواكب.
فانظر إلى هذا البعد وانظر إلى هذه السرعة، وكذلك تعلق إدراك السمع في الزمان الذي
يكون فيه الصوت فيه يكون إدراك السمع له مع البعد العظيم، فإن تفطنت لهذا الذي أشرنا إليه
علمت معنى رؤيتك ربك مع نفي التحيّز والجهات، وعلمت الرائي منك والمرئيّ والرؤية،
وكذلك السامع والسمع والمسموع، وهذه الطبقة هي التي علمت الأسماء الإلهية التي
توجهت على الأشياء المشار إليها في قوله تعالى: ﴿أَنْبِّتُونِ بِأَسْمَآءِ هَؤُلَاءٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١]
إذ كان الإنباء بالأسماء عين الثناء على المسمى، والناس يأخذون هذه الآية على أن الأسماء
هي أسماء المشار إليهم من حيث دلالتها عليهم كدلالة زيد في علميته على شخص زيد
وعمرو على شخص عمرو، وأي فخر في ذلك على الموصوفين بالعلم وهم الملائكة وما
تفطن الناس لقولهم نسبح بحمدك وقد فاتهم من أسماء الله تعالى ما توجهت على هؤلاء
المشار إليهم. انتهى الجزء الخامس والسبعون.
(الجزء السادس والسبعون)
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَمَةِ
ومنهم رضي الله عنهم أربعون شخصاً على قلب نوح عليه السلام في كل زمان لا
يزيدون ولا ينقصون، هكذا ورد الخبر عن رسول الله وَ﴾ في هذه الطبقة أنّ في أمّته أربعين
على قلب نوح عليه السلام وهو أول الرسل، والرجال الذين هم على قلبه صفتهم القبض،
ودعاؤهم دعاء نوح: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَ لِدَنَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ
الظَّالِينَ إِلَّا نَبَارًا﴾ [سورة نوح: الآية ٢٨] ومقام هؤلاء الرجال مقام الغيرة الدينية وهو مقام صعب
المرتقى فإنه صحّ عن رسول الله وَّر أنه قال: ((إِنَّ اللَّه غَيورٌ وَمِنْ غَيْرَتِهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ))،
فثبت من هذا الخبر أن الفاحشة هي فاحشة لعينها ولهذا حرّمها، قيل لمحمد عليه السلام: ﴿قُلّ
إِنََّا حَرَّمَ رَفِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٣٣] أي ما علم وما لم يعلم إلاّ
بالتوقيف لغموض إدراك الفحش، فكل محرّم حرّمه الله على عباده فهو فحش، وما هو عين ما
أحلّه في زمان آخر ولا في شرع آخر فهذا هو الذي بطن علمه، فإنّ الخمر التي أحلّت له ما
هي التي حرمت عليه ومنع من شربها، فعلل الأحكام قد تكون أعيان الأشياء، ومذاهب أهل
الكلام في ذلك مختلفة، والذي يعطيه الكشف تقرير المذهبين، فإنّ المكاشف يحكم بحسب
الحضرة التي منها يكاشف فإنها تعطيه بذاتها ما هي عليه، ومن هنا كان مقام الغيرة مقام حيرة
صعب المرتقى، ولا سيما والحق وصف بها نفسه على لسان رسوله وَّر وهي من صفات
القلوب والباطن وهي تستدعي إثبات المغاير، ولا غير على الحقيقة إلا أعيان الممكنات من حيث
ثبوتها لا من حيث وجودها، فالغيرة تظهر من ثبوت أعيان الممكنات، وعدم الغيرة من وجود
أعيان الممكنات، فالله غيور من حيث قبول الممكنات للوجود، فمن هناك حرّم الفواحش ما

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٧
ظهر منها وما بطن وما ثَمَّ إلاَّ ظاهر أو باطن، والغيرة قد انسحبت على الجميع، ثم إنها في
جبلة الحيوانات ولا يشعر لحكمها، فمن غار عقلاً كان مشهوده ثبوت الأعيان، ومن غار شرعاً
كان مشهوده وجود الأعيان، وهؤلاء الأربعون هم رجال هذا المقام، وحقيقة مقام ميقات
موسى أربعون ليلة لهؤلاء الأربعين، فالليل منها لما بطن والنهار منها لما ظهر ﴿فَتَّمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ»
أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٤٢] فأضاف الميقات إلى الربّ، فعلمنا أنّ قوله وَّ: ((وَاللَّهُ
أَغْيَرُ مِنِّي)) أنّ الاسم الله هنا يريد به الاسم الرب، لأنه لا يصحّ أن يطلق الاسم الله من غير
تقييد من طريق المعنى، فإنّ الأحوال تقيد هذا الإطلاق باسم خاص يطلبه الحال، فالغيرة
للاسم الرب وإن وصف بها الاسم الله .
ولما كانت المكالمة والتجلّي عقيب تمامها لذلك ظهر بتمام هؤلاء الأربعين رجل في
العالم مقامه مقام أبيه نوح فإنه الأب الثاني على ما ذكر، وكل ما تفرّق في هؤلاء الأربعين
اجتمع في نوح، كما أنه كلما تفرّق في الثلاثمائة اجتمع في آدم، وعلى معارج هؤلاء الأربعين
عملت الطائفة الأربعينيات في خلواتهم لم يزيدوا على ذلك شيئاً وهي خلوات الفتح عندهم،
ويحتجون على ذلك بالخبر المرويّ عن رسول الله وَله: ((مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً
ظَهَرَتْ يَتَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ) كما كانت المكالمة في التجلّ عن مقدّمة الميقات
الأربعينيّ الرباني.
ومنهم رضي الله عنهم سبعة على قلب الخليل إبراهيم عليه السلام لا يزيدون ولا
ينقصون في كل زمان، ورد به الخبر المرويّ عن رسول الله وَّةٍ ودعاؤهم دعاء الخليل:
﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٨٣] ومقامهم السلام من جميع
الريب والشكوك، وقد نزع الله الغل من صدورهم في هذه الدنيا وسلم الناس من سوء ظنّهم
إذ ليس لهم سوء ظنّ بل ما لهم ظنّ فإنهم أهل علم صحيح، فإنّ الظنّ إنما يقع ممّن لا علم
له فيما لا علم له به بضرب من الترجيح، فلا يعلمون من الناس إلاَّ ما هم عليه الناس من
الخير، وقد أرسل الله بينهم وبين الشرور التي همَّ عليها الناس حجاباً وأطلعهم على النسب
التي بين الله وبين عباده، ونظر الحق إلى عباده بالرحمة التي أوجدهم بها، فكل خير في
الخلق من تلك الرحمة فذلك هو المشهود لهم من عباد الله. ولقد لقيتهم يوماً وما رأيت
أحسن سمتاً منهم علماً وحلماً إخوان صدق على سرر متقابلين قد عجلت لهم جناتهم
المعنوية الروحانية في قلوبهم مشهودهم من الخلق تصريف الحق من حيث هو وجود لا من
حیث تعلّق حکم به.
ومنهم رضي الله عنهم خمسة على قلب جبريل عليه السلام لا يزيدون ولا ينقصون في
كل زمان، ورد بذلك الخبر المرويّ عن رسول الله وَليل هم ملوك أهل هذه الطريقة، لهم من
العلوم على عدد ما لجبريل من القوى المعبر عنها بالأجنحة التي بها يصعد وينزل، لا يتجاوز
علم هؤلاء الخمسة مقام جبريل وهو الممد لهم من الغيب ومعه يقفون يوم القيامة في الحشر.
ومنهم رضي الله عنهم ثلاثة على قلب ميكائيل عليه السلام لهم الخير المحض والرحمة
الفتوحات المکیة ج٣ - م٢

١٨ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
والحنان والعطف، والغالب على هؤلاء الثلاثة البسط والتبسّم ولين الجانب والشفقة المفرطة
ومشاهدة ما يوجب الشفقة ولا يزيدون ولا ينقصون في كل زمان، ولهم من العلوم على قدر
ما لميكائيل من القوى.
ومنهم رضي الله عنهم واحد على قلب إسرافيل عليه السلام في كل زمان وله الأمر
ونقيضه جامع للطرفين، ورد بذلك خبر مرويّ عن رسول الله وَّ له علم إسرافيل وكان أبو
يزيد البسطامي منهم ممّن كان على قلب إسرافيل، وله من الأنبياء عيسى عليه السلام، فمن
كان على قلب عيسى عليه السلام فهو على قلب إسرافيل، ومن كان على قلب إسرافيل قد لا
يكون على قلب عيسى، وكان بعض شيوخنا على قلب عيسى وكان من الأكبار.
وصل: وأما رجال عالم الأنفاس رضي الله عنهم فأنا أذكرهم وهم على قلب داود عليه
السلام ولا يزيدون ولا ينقصون في كل زمان وإنما نسبناهم إلى قلب داود وقد كانوا موجودين
قبل ذلك بهذه الصفة، فالمراد بذلك أنه ما تفرّق فيهم من الأحوال والعلوم والمراتب اجتمع
في داود، ولقيت هؤلاء العالم كلهم ولازمتهم وانتفعت بهم وهم على مراتب لا يتعدّونها
بعدد مخصوص لا يزيد ولا ينقص وأنا ذاكرهم إن شاء الله تعالى. فمنهم رضي الله عنهم
رجال الغيب وهم عشرة لا يزيدون ولا ينقصون هم أهل خشوع فلا يتكلمون إلاَّ همساً لغلبة
تجلي الرحمن عليهم دائماً في أحوالهم، قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَسْوَاتُ لِلَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا
هَمْسًا﴾ [سورة طه: الآية ١٠٨] وهؤلاء هم المستورون الذين لا يعرفون خبأهم الحق في أرضه
وسمائه فلا يناجون سواه ولا يشهدون غيره ﴿يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ
سَلَامًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٣] دأبهم الحياء، إذا سمعوا أحداً يرفع صوته في كلامه ترعد
فرائصهم ويتعجبون، وذلك أنهم لغلبة الحال عليهم يتخيلون أن التجلّي الذي أورث عندهم
الخشوع والحياء يراه كل أحد، ورأوا أنّ الله قد أمر عباده أن يغضوا أصواتهم عند
رسول الله وَلَه فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوّلِ
كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة الحجرات: الآية ٢] وإذا كنا نهينا
وتحبط أعمالنا برفع أصواتنا على صوت رسول الله ◌َّ# إذا تكلم وهو المبلغ عن الله فغض
أصواتنا عندما نسمع تلاوة القرآن آكد والله يقول: ﴿وَإِذَا قُرِينَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنِصِتُواْ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٠٤] وهذا هو مقام رجال الغيب وحالهم الذي ذكرناه،
فيمتاز الحديث النبويّ من القرآن بهذا القدر، ويمتاز كلامنا من الحديث النبويّ بهذا القدر،
وأما أهل الورع إذا اتفقت بينهم مناظرة في مسألة دينية فيذكر أحد الخصمين حديثاً عن
رسول الله مقلية خفض الخصم صوته عند سرد الحديث، هذا هو الأدب عندهم إذا كانوا أهل
حضور مع الله وطلبوا العلم لوجه الله. فأما علماء زماننا اليوم فما عندهم خير ولا حياء لا من
الله ولا من رسول الله، إذا سمعوا الآية أو الحديث النبويّ من الخصم لم يحسنوا الإصغاء إليه
ولا أنصتوا وداخلوا الخصم في تلاوته أو حديثه وذلك لجهلهم وقلة ورعهم عصمنا الله من
أفعالهم.

في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ١٩
واعلم أنّ رجال الغيب في اصطلاح أهل الله يطلقونه ويريدون به هؤلاء الذين ذكرناهم
وهي هذه الطبقة، وقد يطلقونه ويريدون به من يحتجب عن الأبصار من الإنس، وقد يطلقونه
أيضاً ويريدون به رجالاً من الجنّ من صالحي مؤمنيهم، وقد يطلقونه على القوم الذين لا
يأخذون شيئاً من العلوم والرزق المحسوس من الحسّ ولكن يأخذونه من الغيب.
ومنهم رضي الله عنهم ثمانية عشر نفساً أيضاً هم الظاهرون بأمر الله عن أمر الله لا
يزيدون ولا ينقصون. في كل زمان ظهورهم. بالله قائمون بحقوق الله مثبتون الأسباب خرق
العوائد عندهم عادة آيتهم: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩١] وأيضاً: ﴿إِنِّ دَعَوْتُهُمْ
جِهَارًا﴾ [سورة نوح: الآية ٨] كان منهم شيخنا أبو مدين رحمه الله كان يقول لأصحابه: أظهروا
للناس ما عندكم من الموافقة كما يظهر الناس بالمخالفة، وأظهروا بما أعطاكم الله من نعمه
الظاهرة يعني خرق العوائد والباطنة يعني المعارف فإن الله يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
[سورة الضحى: الآية ١١] وقال عليه السلام: ((التَّحَدُّثُ بِالنَّعَم شُكْرٌ)) وكان يقول بلسان أهل هذا
المقام: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٤٠] ﴿بَلّ إِيَّاهُ تَّدْعُونَ﴾ [سورة
الأنعام: الآية ٤١] هم على مدارج الأنبياء والرسل لا يعرفون إلاَّ الله ظاهراً وباطناً، وهذه الطبقة
اختصّت باسم الظهور لكونهم ظهروا في عالم الشهادة، ومن ظهر في عالم الشهادة فقد ظهر
بجميع العالم، فكانوا أولى بهذا اللقب من غيرهم.
كان سهل بن عبد الله يقول في رجال الغيب الأول: الرجل من يكون في فلاة من
الأرض فيصلي فينصرف من صلاته فينصرف معه أمثال الجبال من الملائكة على مشاهدة منه
إياهم فقلت لحاكي هذه الحكاية عن سهل: الرجل من يكون وحده في الفلاة فيصلي فينصرف
من صلاته بالحال الذي هو في صلاته فلا ينصرف معه أحد من الملائكة فإنهم لا يعرفون أين
يذهب، فهؤلاء هم عندنا رجال الغيب على الحقيقة لأنهم غابوا عنده، فإنّ رجال الغيب
قسمان في الظهور: منهم رجال غيب عن الأرواح العلى ظاهرون لله لا لمخلوق رأساً،
ورجال غيب عن عالم الشهادة ظاهرون في العالم الأعلى، فرجال الغيب أيضاً أهل ظهور
ولكن لا في عالم الشهادة. فاعلم أن الظاهرين بأمر الله لا يرون سوى الله في الأكوان، وأن
الأكوان عندهم مظاهر الحق فهم أهل علانية وجهر فكل طبقة عاشقة لمقامها تذب عنه ولهذا
لا تعرف منزلة مقامها من المقامات حتى تفارقه، فإذا نظرت إليه نظر الأجنبيّ المفارق حينئذ
تعرفه فقبل أن تحصل فيه يكون معلوماً لها من حيث الجملة وترى علوّ منصبه، فإذا دخلت فيه
كان ذوقاً لها وشرباً فيحجبها كونها فيه عن التمييز، فإذا ارتقت عنه نظرت إليه بعد ذوق
فكانت عارفة بقدره بين المقامات ومرتبته فيقبل كلام هذا الشخص فيه لأنه تكلم عن ذوق
وكان شهوده إياه عن صحو فتقبل شهادته لذلك المقام وعليه كما قبلنا شهادة الشبليّ، وقوله
في الحلاج ولم نقبل قول الحلاج في نفسه ولا في الشبليّ لأنّ الحلاج سكران والشبلي
صاح.
ومنهم رضي الله عنهم ثمانية رجال يقال لهم رجال القوّة الإلهية آيتهم من كتاب الله

٢٠ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف
﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢٩] لهم من الأسماء الإلهية ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ﴾ [سورة
الذاريات: الآية ٥٨] جمعوا ما بين علم ما ينبغي أن تعلم به الذات الواجبة الوجود لنفسها من
حيث هي، وبين علم ما ينبغي أن يعلم به من حيث ما هي إله فقدمها عزيز في المعارف لا
تأخذهم في الله لومة لائم، وقد يسمّون رجال القهر، لهم همم فعالة في النفوس وبهذا
يعرفون، كان بمدينة فاس منهم رجل واحد يقال له أبو عبد الله الدقاق كان يقول: ما اغتبت
أحداً قط ولا اعتيب بحضرتي أحد قط، ولقيت أنا منهم ببلاد الأندلس جماعة لهم أثر عجيب
وكل معنى غريب وكان بعض شيوخي منهم، ومن نمط هؤلاء رضي الله عنهم خمسة رجال
في كل زمان أيضاً لا يزيدون ولا ينقصون هم على قدم هؤلاء الثمانية في القوّة، غير أنّ فيهم
ليناً ليس للثمانية، وهم على قدم الرسل في هذا المقام، قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَِّنَا﴾ [سورة
طُه: الآية ٤٤] وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٥٩] فهم مع قوّتهم
لهم لين في بعض المواطن. وأمّا في العزائم فهم في قوّة الثمانية على السواء ويزيدون عليهم
بما ذكرناه ممّا ليس للثمانية، وقد لقينا منهم رضي الله عنهم وانتفعنا بهم.
ومنهم رضي الله عنهم خمسة عشر نفساً هم رجال الحنان والعطف الإلهيّ، آيتهم من
كتاب الله آية الريح السليمانية تجري بأمره رخاء حيث أصاب لهم شفقة على عباد الله، مؤمنهم
وكافرهم ينظرون الخلق بعين الجود والوجود لا بعين الحكم والقضاء، لا يولي الله منهم قط
أحداً ولاية ظاهرة من قضاء أو ملك لأن ذوقهم ومقامهم لا يحتمل القيام بأمر الخلق فهم مع
الحق في الرحمة المطلقة التي قال الله فيها: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية
١٥٦] لقيت منهم جماعة وماشيتهم على هذا القدم وانتقلت منهم إلى الخمسة التي ذكرناهم آنفاً
فإنّ مقام هؤلاء الخمسة بين رجال القوّة ورجال الحنان فجمعت بين الطرفين فكانت واسطة
العقد وهي الطائفة التي تصلح لهم ولاية الأحكام في الظاهر، وهاتان الطائفتان رجال القوّة
ورجال الحنان لا يكون منهم وال أبداً أمور العباد ولا يستخلف منهم أحد جملة واحدة.
ومنهم رضي الله عنهم أربعة أنفس في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون آيتهم من كتاب
الله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢]
وآيتهم أيضاً في سورة تبارك الملك ﴿ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن
تَفَوُنٍ﴾ [سورة الملك: الآية ٣] هم رجال الهيبة والجلال: [البسيط]
كأنما الطيرُ منهم فوقَ أرؤسهم
لا خَوْفَ ظُلمِ ولكن خَوْفَ إجلالٍ
وهم الذين يمدّون الأوتاد الغالب على أحوالهم الروحانية، قلوبهم سماوية، مجهولون
في الأرض، معروفون في السماء الواحد من هؤلاء الأربعة هو ممّن استثنى الله تعالى في
قوله: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اَلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ [سورة الزمر: الآية
٦٨] والثاني له العلم بما لا يتناهى وهو مقام عزيز يعلم التفصيل في المجمل وعندنا ليس في
علمه مجمل، والثالث له الهمة الفعالة في الإيجاد ولكن لا يوجد عنه شيء، والرابع توجد
عنه الأشياء وليس له إرادة فيها ولا همة متعلقة بها أطبق العالم الأعلى على علوّ مراتبهم،