النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
وإبقاء الملك على النفس الناطقة الذي به يسمّى ملكاً، وبوجوده تحصل فوائد العلوم الوهبية
والكسبية، والنفس الناطقة تراعي الطبيعة، والطبيعة وإن كانت خادمة البدن فإنها تعرف قدر ما
تراعيها النفس الناطقة التي هي في الملك، فإذا أبصرت الطبيعة أن في خزانة المعدة ما يؤدّي
إلى فساد هذا الجسم قالت للقوّة الدافعة: أخرجي الزائد المتلف بقاؤه في هذه الخزانة،
فأخذته الدافعة من الماسكة وفتحت له الباب وأخرجته، وهذا هو الذي ذرعه القيء، فمن
راعى كونه كان غذاء فخرج على الطريق الذي منه دخل عن قصد، ويسمّى لأجل مروره على
ذلك الطريق إذا دخل مفطراً أفطر عنده بالخروج أيضاً، ومن فرّق بين حكم الدخول وحكم
الخروج ولم يراع الطريق وهما ضدّان قال: لا يفطر وهذا هو الذي ذرعه القيء، فإن كان
للصائم في إخراجه تعمل وهو الاستقاء فإن راعى وجود المنفعة ودفع الضرر لبقاء هذه البنية
فقام عنده مقام الغذاء والصائم ممنوع من استعمال الغذاء في حال صومه وكان إخراجه ليكون
عنه في الجسم ما يكون للغذاء قال: إنه مفطر ومن فرّق بين حكم الدخول وحكم الخروج
قال: ليس بمفطر، وهذا كله في الاعتبار الإلهي أحكام الأسماء الإلهية التي يطلبها استعداد
هذا البدن لتأثيرها في كل وقت، فإن الجسم لا يخلو من حكم اسم إلهي فيه، فإن استعدّ
المحل لطلب اسم إلهي غير الاسم الذي هو الحاكم فيه الآن زال الحكم ووليّه الذي يطلبه
للاستعداد، ونظيره إذا خامر أهل بلد على سلطانهم فجاؤوا بسلطان غيره لم يكن للأول
مساعد فيزول عن حكمه ويرجع الحكم الذي طلبه الاستعداد، فالحكم أبداً إنما هو
للاستعداد، والاسم الإلهي المعد لا يبرح حكمه دائماً لا ينعزل، ولا يصحّ المخامرة من أهل
البلد عليه فهو لا يفارقه في حياة ولا موت ولا جمع ولا تفرقة، ويساعده الاسم الإلهي
الحفيظ والقويّ وأخواتهما فاعلم ذلك: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيََِِّّ ((احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ)) خرّجه
البخاري عن ابن عباس. وخرّج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل: ((مَنْ ذَرَعَهُ
القَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ القَضَاءُ وَإِن اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ)) رواة هذا الحديث كلهم ثقات.
وصل في فصل النيّة: فمنهم من رأى النيّة شرطاً في صحة الصيام وهو الجمهور.
ومنهم من قال: لا يحتاج رمضان إلى نيّة إلاَّ أن يكون الذي يدركه صوم رمضان مريضاً أو
مسافراً فيريد الصوم .
وصل في الاعتبار فيه: النيّة القصد، وشهر رمضان لا يأتي بحكم القصد من الإنسان
الصائم، فمن راعى أن الصوم الله لا للعبد قال بالنيّة في الصوم فإنه ما جاء شهر رمضان إلاَّ
بإرادة الحق من الاسم الإلهيّ رمضان، والنيّة إرادة بلا شك. ومن راعى أن الحكم للوارد
وهو شهر رمضان فسواء نواه الصائم الإنساني أو لم ينوه فإن حكمه الصوم، فليست النيّة
شرطاً في صحة صومه، فإن لم يجب عليه وخيره مع كونه ورد كالمريض والمسافر صار
حكمهما بين أمرين على التخيير فلا يمكن أن يعدل إلى أحد الأمرين إلاَّ بقصد منه وهو النيّة .
وصل في فصل من هذا الفصل وهو تعيين النيّة المجزئة في ذلك: فمن قائل: لا بدّ في
ذلك من تعيين صوم رمضان، ولا يكفيه اعتقاد الصوم مطلقاً، ولا اعتقاد صوم معين غير صوم

٣٤٢
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
رمضان. ومن قائل: إن أطلق الصوم أجزأه، وكذلك إن نوى فيه غير صيام رمضان أجزأه
وانقلب إلى صيام رمضان إلاَّ أن يكون مسافراً، فإن للمسافر عنده أن ينوي صيام غير رمضان
في رمضان. ومن قائل: أن كل صوم نوي في رمضان انقلب إلى رمضان المسافر والحاضر
في ذلك على السواء .
وصل الاعتبار فيه: قال تعالى: ﴿قَلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنّ ◌َيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ
اُلْحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١٠] فالحكم للمدعوّ بالأسماء الإلهية لا للأسماء، فإنها وإن تفرقت
معانيها وتميزت فإن لها دلالة على ذات معينة في الجملة وفي نفس الأمر، وإن لم تعلم ولا
يدركها حذّ فإنه لا يقدح ذلك في إدراكنا وعلمنا أن ثم ذاتاً ينطلق عليها هذه الأسماء كذلك
الصوم هو المطلوب سواء كان مندوباً أو واجباً على كثرة تقاسيم الوجوب فيه، ومن راعى
الاسم الإلهي رمضان فرّق بينه وبين غيره، فإن غيره هو من الاسم الممسك لا من اسم
رمضان، والأسماء الإلهية وإن دلّت على ذات واحدة فإنها تتميز في أنفسها من طريقين :
الواحد من اختلاف ألفاظها. والثاني من اختلاف معانيها، وإن تقاربت غاية القرب وتشابهت
غاية الشبه. وأسماء المقابلة في غاية البعد كالضارّ والنافع والمعزّ والمذلّ والمحيي والمميت
والهادي والمضلّ، فلا بدّ من مراعاة حكم ما تدل عليه من المعاني وبهذا يتميز العالم من
الجاهل، وما أتى الحق بها متعدّدة إلاَّ لمراعاة ما تدل عليه من المعاني، ومراعاة قصد الحق
تعالى في ذلك أولى من غيره، فلا بدّ من التعيين لحصول الفائدة المطلوبة بذلك اللفظ المعين
دون غيره من تركيبات الألفاظ التي هي الكلمات الإلهية، ومن اعتبر حال المكلف وهو الذي
فرّق بين المسافر والحاضر وله في التفرقة وجه صحيح لأن الحكم يتبع الأحوال فيراعى
المضطرّ وغير المضطرّ والمريض وغير المريض، وكذلك الأسماء تراعى أيضاً فيراعى اسم
الخمر إذا تخللت من اسم الخل فيتغير الحكم الإلهيّ في هذا الجسم المعين بتغيّر الأسماء،
كما تغيّرت الأسماء في بعض الأشياء لتغيّر الأحوال، إذ كان التغيير في ذلك لحكم اسم إلهيّ
أوجب له تغيير الاسم فتغيّر الحكم. [الكامل]
ما الحكمُ للأسماء في الأشياءِ
الحكمُ للمدعوِ بالأسماءِ
فيه كمثل الحُكْم للأنواءِ
لكنْ لها التحكيمُ في تصريفها
وقتاً وفي الأشياء كالأَنْدَاءِ
في الزَّهر والأشجار في أمطارها
كتَلاعُب الأفعال بالأسماءِ
لعِبَتْ بها الأرواحُ في تصريفها
وصل في فصل - وقت النيّة للصوم: فمن قائل: لا يجزىء الصيام إلاَّ بنيّة قبل الفجر
مطلقاً في جميع أنواع الصوم. ومن قائل: تجزىء النيّة بعد الفجر في صوم التطوّع لا في
الفروض. ومن قائل: تجزىء النيّة بعد الفجر في الصيام المتعلق وجوبه بوقت معين والنافلة
ولا تجزىء في الواجب في الذمّة .
وصل الاعتبار في ذلك: الفجر علامة على طلوع الشمس، فهو كالاسم الإلهيّ من
حيث دلالته على المسمّى به لا على المعنى الذي تميّز به عن غيره من الأسماء، والقاصد

٣٤٣
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
للصوم قد يقصده اضطراراً واختياراً، والإنسان في علمه بالله قد يكون صاحب نظر فكري أو
صاحب شهود، فمن كان علمه بالله عن نظر في دليل فلا بدّ أن يطلب على الدليل الموصل
إليه إلى المعرفة فهو بمنزلة من نوى قبل الفجر، ومدة نظره في الدليل كالمدة من طلوع الفجر
إلى طلوع الشمس، والمعرفة بالله على قسمين: واجبة كمعرفته بتوحيده في ألوهيته، ومعرفة
غير واجبة كمعرفته بنسبة الأسماء إليه التي تدل على معان، فإنه لا يجب عليه النظر في تلك
المعاني هل هي زائدة عليه أم لا؟ فمثل هذه المعرفة لا يبالي متى قصدها؟ هل بعد حصول
الدليل بتوحيد الإله أو قبله؟ وأمّا الواجب في الذمّة فكالمعرفة بالله من حيث ما نسب الشرع
إليه في الكتاب والسنّة، فإنه قد تعين بالدليل النظري أن هذا شرعه وهذا كلامه فوقع الإيمان
به فحصل في الذمّة فلا بدّ من القصد إليه من غير نظر إلى الدليل النظري، وهو الذي اعتبر فيه
النيّة قبل الفجر لأنه عنده علم ضروري وهو المقدم على العلم النظري لأن العلم النظري لا
يحصل إلاَّ أن يكون الدليل ضرورياً أو مولداً عن ضروري على قرب أو بعد، وإن لم يكن
كذلك فليس بدليل قطعي ولا برهان وجودي.
وصل في فصل - الطهارة من الجنابة للصائم: فالجمهور على أن الطهارة من الجنابة
ليست شرطاً في صحة الصوم، وأن الاحتلام بالنهار لا يفسد الصوم إلاَّ بعضهم، فإنه ذهب
إلى أنه إذا تعمّد ذلك أفسد صومه وهو قول ينقل عن النخعيّ وطاووس وعروة بن الزبير، وقد
روي عن أبي هريرة ذلك في المتعمد وغير المتعمد وكان يقول: من أصبح جنباً في رمضان
أفطر، وكان يقول: ما أنا قلته محمد ◌َّ قاله ورب الكعبة. وقال بعض المالكيين: إن
الحائض إذا طهرت قبل الفجر فأخّرت الغسل أن يومها يوم فطر .
وصل الاعتبار في هذا: الجنابة الغربة والغربة بعد، والحيض أذى والأذى يوجب
البعد، وأعني الأذى الخاص مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [سورة الأحزاب:
الآية ٥٧] أي أبعدهم، واللعنة البعد، وسببه وقوع الأذى منهم، فهو بعيد من الاسم القدّوس،
والصوم يوجب القرب من الله الذي ليس كمثله شيء، والصوم لا مثل له في العبادات، فكما
لا يجتمع القرب والبعد لا يجتمع الصوم والجنابة والأذى، ومن راعى أن الجنابة حكم
الطبيعة فكذلك الحيض، وقال: إن الصوم نسبة إلهية أثبت كل أمر في موضعه فقال بصحة
الصوم للجنب والطاهرة من الحيض قبل الفجر إذا أخّرت الغسل فلم تتطهر إلاَّ بعد الفجر
وهو الأولى في الاعتبار لما تطلبه الحكمة من إعطاء كل ذي حق حقّه، فإن الحكيم عزّ وجلّ
يقول: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] أي بيّن، وأثنى الله بهذا القول لما
حكاه عن موسى أنه قاله لفرعون ولم يجرّحه تعالى في هذا القول كما جرّح من قال: إن الله
فقير وإن الله ثالث ثلاثة .
وصل في فصل - صوم المسافر والمريض شهر رمضان: فمن قائل: إنهما إن صاماه
وقع وأجزأهما. ومن قائل: إنه لا يجزيهما وأن الواجب عليهما ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [سورة
البقرة: الآية ١٨٤] والذي أذهب إليه أنهما إن صاماه فإن ذلك لا يجزيهما، وأن الواجب عليهما

٣٤٤
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
أيام أخر، غير أني أفرّق بين المريض والمسافر إذا أوقعا الصوم في هذه الحالة في شهر
رمضان، فأمّا المريض: فيكون الصوم له نفلاً وهو عمل برّ وليس بواجب عليه ولو أوجبه
على نفسه فإنه لا يجب عليه. وأما المسافر: لا يكون صومه في السفر في شهر رمضان ولا
في غيره عمل برّ، وإذا لم يكن عمل برّ كان كمن لم يعمل شيئاً وهو أدنى درجاته، أو يكون
على ضدّ البرّ ونقيضه وهو الفجور، ولا أقول بذلك إلاَّ أني أنفي عنه أن يكون في عمل برّ في
ذلك الفعل في تلك الحال والله أعلم.
الاعتبار: السالك هو المسافر في المقامات بالأسماء الإلهية، فلا يحكم عليه الاسم
الإلهيّ رمضان بالصوم الواجب ولا غير الواجب، ولهذا قال وََّ: ((لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي
السَّفَرِ)) واسم رمضان يطلبه بتنفيذ الحكم فيه إلى انقضاء شهر سلطانه، والسفر يحكم عليه
بالانتقال الذي هو عدم الثبوت على الحال الواحدة، فبطل حكم الاسم الإلهيّ رمضان في حق
المسافر الصائم، ومن قال: إنه يجزيه جعل سفره في قطع أيام الشهر وجعل الحكم فيه الاسم
رمضان فجمع بين السفر والصوم. وأمّا حكم انتقاله المسمّى سفراً فإنه ينتقل من صوم إلى
فطر، ومن فطر إلى صوم، وحكم رمضان لا يفارقه، ولهذا شرع صيامه وقيامه، ثم جواز
الوصال فيه أيضاً مع انتقاله من ليل إلى نهار ومن نهار إلى ليل، وحكم رمضان منسحب
عليه، ولهذا أجزأ المسافر صوم رمضان. وأمّا المريض فحكمه غير حكم المسافر في
الاعتبار، فإن العلماء أجمعوا على أن المريض إن صام رمضان في حال مرضه أجزأه،
والمسافر ليس كذلك عندهم فضعف استدلالهم بالآية، فاعتباره أن المرض يضادّ الصحة
والمطلوب من الصوم صحته والضدان لا يجتمعان فلا يصحّ المرض والصوم، واعتبرناه في
شهر رمضان دون غيره لأنه واجب بإيجاب الله ابتداء، فالذي أوجبه هو الذي رفعه عن
المريض، فلا يصحّ أن يرجع ما ليس بواجب من الله واجباً من الله في حال كونه ليس
بواجب .
وصل في فصل - من يقول: إن صوم المسافر والمريض يجزيهما في شهر رمضان فهل
الفطر لهما أفضل أم الصوم؟: فمن قائل: إن الصوم أفضل. ومن قائل: إن الفطر أفضل.
ومن قائل: إنه على التخيير فليس أحدهما بأفضل من الآخر.
الاعتبار: من اعتبر أن الصوم لا مثل له وأنه صفة للحق قال: إنه أفضل. ومن اعتبر أنه
عبادة فهو صفة ذلّة وافتقار فهو بالعبد أليق، قال: إن الفطر أفضل ولا سيّما للسالك والمريض
فإنهما محتاجان إلى القوّة ومنبعها الفطر عادة فالفطر أفضل. ومن اعتبر أن الصوم من الاسم
الإلهيّ رمضان وأن الفطر من الاسم الإلهيّ الفاطر وقال: لا تفاضل في الأسماء الإلهية بما
هي أسماء للإله تعالى، قال: ليس أحد الاسمين بأفضل من الآخر، لأن المفطر في حكم
الفاطر، والصائم في حكم الرفيع الدرجات، وحكم الممسك، وحكم اسم رمضان، وهذا
مذهب المحققين رفع الشريف والأشرف والوضيع والشريف الذي في مقابلته من العالم الذي
هو عبارة عن كل ما سوى الله تعالى.

٣٤٥
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
وصل في فصل - هل الفطر الجائز للمسافر هل هو في سفر محدود أو غير محدود؟ :
فمن قائل: إنه يفطر في السفر الذي يقصر فيه الصلاة، وذلك على حسب اختلافهم في هذه
المسألة. ومن قائل: إنه يفطر في كل ما ينطلق عليه اسم سفر وبه أقول.
الاعتبار في ذلك: المسافرون إلى الله وهو الاسم الجامع وهو الغاية المطلوبة والأسماء
الإلهية في الطريق إليه كالمنازل للمسافرين ومنازل القمر المقدرة لسير القمر في الطريق إلى
غاية مقصوده، وأقل السفر الانتقال من اسم إلى اسم، فإن وجد الله في أول قدم من سفره كان
حكمه بحسب ذلك وقد انطلق عليه أنه مسافر وليس لأكثره عندنا نهاية ولا حدّ لقوله وَلّر في
دعائه: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلُ اسْم سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ
فِي عِلْم غَيْبِكَ)) فهذا اعتبار من قال: يفطر فيما ينطلق عليه اسم سفر، ومن قال بالتحديد في
ذلك فاعتباره بحسب ما حدّد، فمن اعتبر الثلاثة في ذلك كان كمن قال: الأحدية أو الواحد لا
حكِم له في العدد، وإنما العدد من الاثنين فصاعداً، والسفر هنا إلى الاسم الله ولا سفر إليه
إلاَّ به، فأول ما يلقاه من كونه مسافراً إليه في الفردية وهي الثلاثة أول الأفراد فهذا هو السفر
المحدود، ثم يؤخذ الاعتبار في تحديد العلماء تقصير الصلاة في باب الصلاة من هذا
الكتاب، وإنا قد ذكرناه في صلاة القصر من هذا الكتاب.
وصل في فصل - المرض الذي يجوز فيه الفطر: فمن قائل: المرض هو الذي يلحق
من الصوم فيه مشقة وضرر. ومن قائل: إنه المرض الغالب. ومن قائل: إنه أقل ما ينطلق
عليه اسم مرض وبه أقول وهو مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن.
الاعتبار: المريد تلحقه المشقة وهو صاحب مكابدة وجهد، ومن أجل ذلك شرع لنا
﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [سورة البقرة:
الآية ٤٥] فيعينه الاسم القويّ على ما هو بصدده فهذا مرض يوجب الفطر وأمّا من اعتبر المرض
بالميل وهو الذي ينطلق عليه اسم مرض وهو مذهب محمد بن عبد الجبار النفريّ صاحب
المواقف من رجال الله كذا أحسبه، والإنسان لا يخلو عن ميل بالضرورة فإنه بين حق وخلق
وبين حق وحق من حيث الأسماء الإلهيّة، وكل طرف يدعوه إلى نفسه فلا بدّ له من الميل إمّا
عنه أو إليه، به أو بنفسه بحسب حاله، ولا سيما أهل طريق الله فإنهم في مباحهم في حال
ندب أو وجوب فلا يخلص لهم مباح أصلاً، فلا يوجد أحد من أهل الله تكون كفتا ميزانه على
الاعتدال، والإنسان هو لسان الميزان فلا بدّ فيه من الميل إلى جانب داعي الحق، وهذا هو
اعتبار من يقول بالفطر فيما ينطلق عليه اسم مرض، وأن الله عند المريض بالإخبار الإلهيّ
الثابت، ألا تراه يلجأ إليه ويكثر من ذكره على أيّ دين كان أو نحلة؟ فإنه بالضرورة يميل إليه،
ويظهر لك ذلك بيناً في طلب النجاة ممّا هو فيه، فإن الإنسان بحكم الطبع يجري إذا مسّه
الضرّ إلى طلب من يزيله عنه وليس إلاَّ الله، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الغُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن
تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٦٧] وإن جهل الطريق إليها فما جهل الاضطرار فإنه حاله

٣٤٦
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
ذوقاً ونحن إنما نراعي القصد وهو المطلوب. وأمّا من اعتبر المرض الغالب فهو ما يضاف
إلى العبد من الأفعال فإنه ميل عن الحق في الأفعال إذ هي له، والموافق والمخالف يميل بها
إلى العبد سواء مال اقتداراً أو خلقاً أو كسباً، فهذا ميل حسيّ شرعيّ وهو قولهم: ﴿رَبَّنَآ
ءَامَنَا بِمَا أَنزَلْتَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٣] فأضافوا الإيمان إليهم إيجاداً، وقول الله لهم:
﴿ءَامَنُواْ بِاللَّهِ﴾ [سورة النساء: الآية ١٣٦] تقرير الصحة ما نسبوه من الأفعال إليهم بهذه الإضافة فهذا
هو الشرعيّ فهذا بمنزلة المرض وأنه الميل الغالب لأنه بين الحق والخلق .
وصل في فصل - متى يفطر الصائم ومتى يمسك: فمن قائل: يفطر في يومه الذي خرج
فيه مسافراً. ومن قائل: لا يفطر يومه ذلك. واستحب العلماء لمن علم أنه يدخل المدينة ذلك
اليوم أن يدخلها صائماً، فإن دخلها مفطراً لم يوجبوا عليه كفارة.
الاعتبار: إذا خرج السالك في سلوكه من حكم اسم إلهيّ كان له إلى حكم اسم آخر
إلهيّ دعاه إليه ليوصله إليه حكم اسم آخر ليس هو الذي خرج عنه ولا هو الذي يصل إليه،
كان بحكم ذلك الاسم الذي يسلك به وهو معه أينما كان، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا
كُتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] وإن اقتضى له ذلك الاسم الصوم كان بحكم صفة الصوم، وإن
اقتضى له الفطر كان بحكم صفة الفطر فإذا علم أنه يحصل في يومه الذي هو نفسه بفتح الفاء
في حكم الإسم الذي دعاه إليه ويريد النزول عليه كان بحكم صفة ذلك الاسم من فطر أو
صوم لا أعين له حالاً من الأحوال لأن الأحوال تختلف ولا حرج عليه فيما كان من ذلك
وبالله التوفيق .
وصل في فصل - المسافر يدخل المدينة التي سافر إليها وقد ذهب بعض النهار: اختلف
العلماء فيمن هذه حاله فقال بعضهم: يتمادى على فطره. وقال آخرون: يكف عن الأكل،
وكذلك الحائض تطهر تكف عن الأكل.
وصل الاعتبار في هذا الفصل: كان له مطلوب في سلوكه فوصل إليه هل يحجبه
فرحه بما وصل إليه عن شكر من أوصله إليه؟ فإن حجبه تغيّر الحكم عليه وراعى حكم
الإمساك عنه، وإن لم يحجبه ذلك اشتغل عند الوصول بمراعاة من أوصله فلم يخرج عن
حكمه وتمادى على الصفة التي كان عليها في سلوكه عابداً لذلك الاسم عبادة شكر لا
عبادة تكليف، وكذلك الحائض وهو كذب النفس ترزق الصدق فتطهر عن الكذب الذي
هو حيضها والحيض سبب فطرها، فهل تتمادى على صفة الفطر بالكذب المشروع من
إصلاح ذات البين؟ والكذب في الحرب، وكذب الرجل لزوجته، أو تستلزم ما هو صدق
في محمود وواجب ومندوب، فإن الصدق المحظور كالغيبة، والنميمة مثل الكذب
المحظور يتعلق بهما الإثم والحجاب على السواء مثاله من يتحدث بما جرى له مع امرأته
في الفراش فأخبر بصدق وهو من الكبائر، وكذلك ما ذكرناه من الغيبة والنميمة. انتهى
الجزء السادس والخمسون.

٣٤٧
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
(الجزء السابع والخمسون)
بِسْمِ اللهِ الرََّمَنِ الرَّحْمَدِ
وصل في فصل - هل يجوز للصائم بعض رمضان أن ينشىء سفراً ثم لا يصوم فيه؟:
اختلف العلماء فيمن هذه حاله، فمن قائل: يجوز له ذلك وهو الجمهور. ومن قائل: لم يجز
له الفطر، روي هذا القول عن سويد بن غفلة وغيره.
الاعتبار: لما كان عندنا وعند أهل الله كلهم أن كل اسم إلهي يتضمن جميع الأسماء،
ولهذا ينعت كل اسم إلهي بجميع الأسماء الإلهية لتضمنه معناها كلها، ولأن كل اسم إلهيّ له
دلالة على الذات كما له دلالة على المعنى الخاص به، وإذا كان الأمر كما ذكرناه فأيّ اسم
إلهيّ حكم عليك سلطانِه؟ قد يلوح لك في ذلك الحكم معنى اسم إلهيّ آخر يكون حكمه في
ذلك الاسم أجلى منه وأوضح من الاسم الذي أنت به في وقته فتنشىء سلوكاً إليه. فمن قائل
منا: يبقى على تجلّي الاسم الذي لاح له فيه ذلك المعنى. ومنّا من قال: ينتقل إلى الاسم
الذي لاح له معناه في التضمن فإنه أجلى وأتم، فالرجل مخيّر إذا كان قوياً على تصريف
الأحوال، فإن كان تحت تصريف الأحوال كان بحكم حال الاسم الذي يقضي عليه سلطانه .
وصل في فصل - المغمى عليه والذي به جنون: اتفق الفقهاء على وجوبه على المغمى
عليه واختلفوا في المجنون، فمنهم من أوجب القضاء عليه. ومنهم من لم يوجب القضاء وبه
أقول، وكذلك عندي في المغمى عليه، واختلفوا في كون الإغماء والجنون مفسداً للصوم،
فمن قائل: إنه مفسد. ومن قائل: إنه غير مفسد. وفرّق قوم بين أن يكون أغمي عليه قبل
الفجر أو بعد الفجر، وقوم قالوا: إن أغمي عليه بعدما مضى أكثر النهار أجزأه، وإن أغمي
عليه أوّل النهار قضى.
الاعتبار: الإغماء حالة فناء والجنون حالة وله، وكل واحد من أهل هذه الصفة ليس
بمكلف فلا قضاء عليه، على أن القضاء في أصله عندنا لا يتصوّر في الطريق، فإن كل زمان
له وارد يخصّه فما ثم زمان يكون فيه حكم الزمان الذي مضى، فما مضى من الزمان مضى
بحاله وما نحن فيه فنحن تحت سلطانهِ، وما لم يأت فلا حكم له فينا، فإن قالوا: قد يكون
من حكم الزمان الحالي الذي هو الآن قضاء ما كان له أداؤه فى الزمان الأوّل، قلنا له: فهو
مؤدّ إذن، إذ هذا زمان أداء ما سميته قضاء، فإن أردت به هذا فمسلم في الطريق فأنت سميته
قاضياً، وزمان الحال ما عنده خبر لا بما مضى ولا بما يأتي فإنه موجود بين طرفي عدم، فلا
علم له بالماضي ولا بما جاء به ولا بما فات صاحبه منه، وقد يشبه ما يأتي به زمان الحال ما
أتى به زمان الماضي في الصورة لا في الحقيقة، كما تشبه صلاة العصر في زمان الحال
الوجوديّ صلاة الظهر التي كانت في الزمان الماضي في أحوالها كلها حتى كأنها هي، ومعلوم
أن حكم العصر ما هو حكم الظهر، حتى لو رأينا شخصاً محافظاً على الصلوات في أوقاتها
واتفق أنه نسي الظهر أو نام عنها حتى دخل وقت العصر فرأيناه يصلي أربعاً في ذلك الوقت

٣٤٨
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
صلاة الظهر ويغلب علينا أنه يصلي العصر للشبه الكثير الذي بينهما وليست هذه هذه.
وصل في فصل - صفة القضاء لمن أفطر في رمضان: فمن العلماء من أوجب التتابع في
القضاء كما كان في الأداء. ومنهم من لم يوجبه وهؤلاء منهم من خيّر ومنهم من استحبّ
والجماعة على ترك إيجابه .
الاعتبار: إذا دخل الوقت في الواجب الموسّع بالزمان طلب الاسم الأوّل من المكلف
الأداء، فإذا لم يفعل المكلف وأخر الفعل إلى آخر الوقت تلقاه الاسم الآخر فيكون المكلف
في ذلك الفعل قاضياً بالنسبة إلى الاسم الأوّل، وأنه لو فعله في أوّل دخول الوقت كان مؤدّياً
من غير دخل ولا شبهة، وكان مؤدّياً بالنسبة إلى الاسم الآخر، فالصائم المسافر أو المريض
إذا أفطر إنما الواجب عليه عدة من أيام أخر في غير رمضان، فهو واجب موسّع الوقت من
ثاني يوم من شوّال إلى آخر عمره، أو إلى شعبان من تلك السنة، فيتلقاه الاسم الأوّل ثاني يوم
من شوّال، فإن صامه كان مؤدياً من غير شبهة ولا دخل، وإن أخّره إلى غير ذلك الوقت كان
مؤدياً من وجه قاضياً من وجه، وبالتتابع في ذلك في أول زمانه يكون مؤدّياً بلا شك، وإن لم
يتابع فيكون قاضياً، فمن راعى قصر الأمل وجهل الأجل أوجب، ومن راعى اتساع الزمان
خير، ومن راعى الاحتياط استحب، وكل حال من هذه الأحوال له اسم إلهيّ لا يتعدّى حكمه
فيه، فإن الكون في قبضة الأسماء الإلهية تصرّفه بطريقين بحسب حقائقها وبحسب استعدادات
الأكوان لها لا بدّ من الأمرين لذي عينين، فإن الأوصاف النفسية للأسماء وغير الأسماء لا
تنقلب فافهم ذلك وتحقّقه تسعد إن شاء الله تعالى.
وصل في فصل - من أخّر قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر: اختلف العلماء
فيمن هذه حاله فقالت طائفة: عليه القضاء والكفارة. وقالت طائفة: عليه القضاء ولا كفارة
عليه وبه أقول .
الاعتبار: المقامات التي لها جهات كثيرة مختلفة قد يغفل السالك عن حكمها في جهة
ما من جهات متعلقاتها كالورع فإن له حكماً في جهات كثيرة، منها في الطعام، والشراب،
واللباس، والأخذ، والنظر، والاستماع، والسعي، واللمس، والشم، فإن عمر بن الخطاب
أتي بمسك من المغانم قبل أن تأخذه القسمة ليعرض عليه فمسك بأنفه لئلاً ينال من رائحته
شيئاً دون المسلمين قبل أن تأخذه القسمة ورعاً، فسئل عن ذلك فقال: إنما ينتفع من هذا
بريحه، وكذلك الورع في النسب والأسماء، فإذا فات السالك وجه من وجوه متعلقات مثل
هذا المقام وانتقل إلى غيره من المقامات وقد بقيت عليه بقية من حكم هذا المقام الذي انتقل
عنه، فإذا تعيّن عليه استعماله في وقت آخر لحالة تطلبه بذلك من مطعم أو غيره يتذكر ما فاته
قبل ذلك منه، فمنا من قال: عليه الكفارة وكفارته التوبة ممّا جرى منه في تفريطه والاستغفار،
ومنّا من قال: لا كفارة عليه فإنه لم يتعمد ولا قصد انتهاك الحرمة وإنما جعله في ذلك عذر
من تأويل في المسألة أو غفلة، والإنسان في هذا الطريق مؤاخذ بالغفلات عند بعضهم، ولهذا
أوجب الكفارة عليه من أوجبها، ومن يرى أنه غير مؤاخذ بالغفلات لم يوجب عليه كفارة،

٣٤٩
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
والقضاء مجمع عليه عند الجميع، وصورته أنه إذا نال منه أحد أمراً حرم على المتناول تناوله
منه عرضاً كان أو مالاً أو أثراً بدنياً من جرح أو غيره، وله أن يعفو عنه فيما يتناول ذلك منه
فيعفو ويحسن ولا يؤاخذ بكل جريمة من الغير في حقّه ممّا يعطي الورع المتعدي في ذلك أن
لا يفعله فهذا هو صورة القضاء، ثم إنه يستقصي جميع جهات متعلقات ذلك المقام جهده
حتى لا يترك منه شيئاً، فتدبر هذه المسألة فإنها من أنفع المسائل في طريق الله .
وصل في فصل - من مات وعليه صوم: فمن قائل: يصوم عنه وليّه. ومن قائل: لا
يصوم أحد عن أحد. واختلف أصحاب هذا القول فبعضهم قال: يطعم عنه وليّه. وبعضهم
قال: لا صيام ولا إطعام إلاَّ أن يوصي به. وقال قوم: يصوم فإن لم يستطع أطعم. وفرّق قوم
بين النذر والصيام المفروض فقالوا: يصوم عنه وليّه في النذر ولا يصوم في الصيام
المفروض .
الاعتبار: قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَاللَّهُ وَبِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٦٨] وقال تعالى:
﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٦] فالمريد صاحب التربية يكون الشيخ قد
أهله وخصّه بذكر مخصوص لنيل حالة مخصوصة ومقام خاص فمات قبل تحصيله، فمنا من
يرى أن الشيخ لما كان وليّه وقد حال الموت بينه وبين ذلك المقام الذي لو حصل له نال به
المنزلة الإلهية التي يستحقها رب ذلك المقام فيشرع الشيخ في العمل الموصل إلى ذلك المقام
نيابة عن المريد الذي مات، فإذا استوفاه أحضر ذلك الميت إحضار من مثله في خياله بصورته
التي كان عليها وألبس تلك الصورة الممثلة ذلك الأمر وسأل الله أن يبقي ذلك عليه، فحصلت
نفس ذلك الميت في ذلك المقام على أتم وجوهه منة من الله وفضلاً ﴿وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
اٌلْعَظِيمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧٤] وهذا مذهب شيخنا أبي يعقوب يوسف بن يخلف الكومي
وما راضني أحد من مشايخي سواه، فانتفعت به في الرياضة وانتفع بنا في مواجيده فكان لي
تلميذاً وأستاذاً وكنت له مثل ذلك، وكان الناس يتعجبون من ذلك ولا يعرف واحد منهم سبب
ذلك، وذلك سنة ست وثمانين وخمسمائة فإنه كان قد تقدّم فتحي على رياضتي وهو مقام
خطر فأفاء الله عليّ بتحصيل الرياضة على يد هذا الشيخ جزاه الله عني كل خير، ومن أهل الله
من يقول: لا يقوم أحد عن أحد في العمل ولكن يطلبه له بهمته ودعائه والجماعة على ذلك
وهذا الأول نادر الوقوع، فهذا اعتبار من يقول: لا يصوم أحد عن أحد، واعتبار من يقول:
یصوم عنه وليه .
ومن قال: لا صيام ولا إطعام إلاَّ أن يوصي به فهو أن يقول المريد عند الموت للشيخ:
اجعلني من همتك واجعل لي نصيباً من عملك عسى الله أن يعطيني ما كان في أملي، وهذا إذا
فعله المريد كان سوء أدب مع الشيخ حيث استخدمه في حق نفسه وتهمة منه للشيخ في نسيان
حق المريد. والأصل في ذلك أن رجلاً سأل رسول الله وَّر أن يسأل ربّه في حقّه مرافقته في
الجنة فقال له رسول الله وَله: ((أَعِنِي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ)) فنبّهه بهذا العمل على نفسه
وسوء أدبه معه، والطريق يقتضي أن الشيخ لا ينسى أهل زمانه فكيف مريده المختص بخدمته؟

٣٥٠
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
فإنه من فتوّة أهل هذا الطريق ومعرفتهم بالنفوس أنهم إذا كان يوم القيامة وظهر ما لهم من
الجاه عند الله خاف منهم من آذاهم هنا في الدنيا، فأول ما يشفعون يوم القيامة فيمن آذاهم قبل
المؤاخذة، وهذا نص أبي يزيد البسطاميّ وهو مذهبنا، فإن الذين أحسنوا إليهم يكفيهم عين
إحسانهم فهم بإحسانهم شفعاء أنفسهم عند الله بما قدموه من الخير في حق هذا الوليّ و﴿هَلْ
جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٦٠] ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللّهِ﴾ [سورة
الشورى: الآية ٤٠] وذلك للعافين عن الناس، بل الوليّ لا ينسى من يعرف الشيخ وإن كان الشيخ
لا يعرفه فيسأل الله تعالى أن يغفر ويعفو عمّن سمع بذكره فسبّه وذمّه أو أثنى عليه خيراً، وهذا
ذقته من نفسي وأعطانيه ربي بحمد الله، ووعدني بالشفاعة يوم القيامة فيمن أدركه بصري ممّن
أعرف ومن لا أعرف، وعين لي هذا المشهد حتى عاينته ذوقاً صحيحاً لا أشك فيه .
وهذا مذهب شيخنا أيضاً أبي إسحاق بن طريف وهو من أكبر من لقيته، ولقد سمعت
هذا الشيخ يوماً وأنا عنده بمنزله بالجزيرة الخضراء سنة تسع وثمانين وخمسمائة وقال لي : يا
أخي والله ما أرى الناس في حقي إلاَّ أولياء عن آخرهم ممّن يعرفني، قلت له: كيف تقول يا
أبا إسحاق؟ فقال: إن الناس الذين رأوني أو سمعوا بي إما أن يقولوا في حقي خيراً أو يقولوا
ضد ذلك، فمن قال في حقي خيراً وأثنى عليّ فما وصفني إلاَّ بصفته، فلولا ما هو أهل
ومحل لتلك الصفة ما وصفني بها، فهذا عندي من أولياء الله تعالى. ومن قال فيّ شرّاً فهو
عندي وليّ أطلعه الله على حالي فإنه صاحبٍ فراسة وكشف ناظر بنور الله فهو عندي وليّ فلا
أرى يا أخي إلاَّ وليّاً لله. وما قال لي هذا إلاّ من أجل كلام جرى بيني وبينه في حق إنسان من
أهل سبتة كان خلف هذا الشيخ بخلاف ما كان يلقاه به، فهذا بلغ من حسن اعتقاده وكان من
الشيوخ الذين تحسب عليهم أنفاسهم ويعاقبون على غفلاتهم ومات في عقوبة غفلة ذكرناها
في الدرة الفاخرة عند ذكري إياه فيها .
وأما من فرّق بين النذر والصوم المفروض فإن النذر أوجبه الله عليه بإيجابه، والصوم
المفروض الذي هو رمضان أوجبه الله عليه ابتداء من غير إيجاب العبد، فلما كان للعبد في
واجب النذر تعمل بإيجابه صام عنه وليّه لأنه عن وجوب عبد فينوب عنه في ذلك عبد مثله
حتى تبرأ ذمته، والصوم المفروض ابتداء لم يكن للعبد فيه تعمل، فالذي فرضه عليه هو الذي
أماته فلو تركه صامه فكانت الدية على القاتل، وقال تعالى فيمن خرج مهاجراً إلى الله ثم
يدركه الموت فقد وقع أجره على الله، فالذي فرّق كان فقيه النفس سديد النظر علاماً بالحقائق
وهكذا حكمه في الاعتبار.
وصل في فصل - المرضع والحامل إذا أفطرتا ماذا عليهما؟: فمن قائل: يطعمان ولا
قضاء عليهما وبه أقول فإنه نص القرآن، والآية عندي مخصصة غير منسوخة في حق الحامل
والمرضع والشيخ والعجوز. ومن قائل: تقضيان فقط ولا إطعام عليهما. ومن قائل: تقضيان
وتطعمان. ومن قائل: الحامل تقضي ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم، والإطعام مدّ عن
كل يوم أو تحفن حفاناً ويطعم كما كان أنس يصنعه.

٣٥١
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الاعتبار: الحامل الذي يملكه الحال والمرضع الساعي في حق الغير يتعين عليهما حق
من حقوق الله، فمن رأى أن الدين قبل الوصية قدم حق الغير على حق الله لمسيس الحاجة
فإنه حكم الوقت، ومن قدم حق الله على حق الغير ورأى قول النبيّ وَّر أن حق الله أحق
بالقضاء، ورأى أن الله قدم في القرآن الوصية على الدين في آية المواريث فقدم حق الله وإليه
أذهب قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] ويرجع عندي حق
الغرماء إذا لم يف ما بقي لهم من مال هذا الميت في بيت المال يؤدّيه عنه السلطان من
الصدقات فإنهم من الثمانية الأصناف فلصاحب الدين أمر يرجع إليه في دينه وليس للوصية
ذلك فوجب تقديمها بلا شك عند المنصف، وأما المرضع وإن كانت في حق الغير فحق الغير
من حقوق الله حيث شرع الله أداءها، وصاحب الحال ليس في حق من حقوق الله لأنه غير
مكلف في وقت الحال، والمرضع كالساعي في حق الغير فهو في حق الله فإنه في أمر مشروع
له، فقد وكلناك بعد هذا البيان والتفصيل إلى نفسك في النظر فيمن ينبغي له القضاء والإطعام
أو أحدهما ممّن ذکرنا .
وصل في فصل - الشيخ والعجوز: أجمع العلماء على أنهما إذا لم يقدرا على الصوم أن
يفطرا، واختلفوا إذا أفطرا هل يطعمان أو لا يطعمان؟ فقال قوم: يطعمان. وقال قوم: لا
يطعمان وبه أقول غير أنهم استحبوا لهم الإطعام، والذي أقول به أن الإطعام إنما شرع مع
الطاقة على الصوم، وأما من لا يطيقه فقد سقط عنه التكليف في ذلك، وليس في الشرع إطعام
من هذه صفته من عدم القدرة عليه فإن الله ما كلف نفساً إلاَّ وسعها وما كلفها إلاّ الإطعام، فلو
كلفها مع عدم القدرة لم نعدل عنه وقلنا به .
الاعتبار: من كان مشهده أن لا قدرة له كأمثالنا أو يقول: إن القدرة الحادثة ما لها أثر
إيجاد في المقدور وكان مشهده أن الصوم الله فقد انتفى عنه الحكم بالصوم والإطعام يقول
الله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمْ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤] وقال مصدقاً لخليله: ﴿وَلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ﴾
[سورة الشعراء: الآية ٧٩] فقرّره ولم يردّه، والإطعام إنما هو عوض عن واجب يقدر عليه ولا
واجب فلا عوض فلا إطعام وهجير صاحب هذا المقام لا قوّة إلاَّ بالله وليس له في ﴿ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] مدخل، ولا في نون نفعل، وألف أفعل، لكن له من هذه
الأحرف الأربعة الزوائد حرف التاء المنقوط من أعلى بضمير المخاطب، وقد تكون الياء
المنقوطة من أسفل يفعل بضمير الهوية، فاعلم ذلك وبالله التوفيق.
وصل في فصل - من جامع متعمداً في رمضان: أجمعوا أن عليه القضاء والكفارة.
وقيل: لا يجب عليه إلاَّ القضاء فقط لأن الكفارة في ذلك لم تكن عزمة لقرائن الأحوال
لأنه وَّ لم يأمره عند عدم العتق والإطعام أن يصوم ولا بدّ إذ كان صحيحاً، ولو كان مريضاً
لقال له: إذا وجدت الصحة فصم. وقال قوم: ليس عليه إلاَّ الكفارة فقط ليس عليه قضاء،
والذي أذهب إليه أنه لا قضاء عليه، وأستحبّ له أن يكفر إن قدر على ذلك، والله أعلم
بحکمه في ذلك.

٣٥٢
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الاعتبار: القدرتان تجتمعان على إيجاد ممكن من ممكن فيما ينسب من ذلك إلى العبد
في الفعل عن كل من لا يصل عقله إلى معرفة ذلك إما بعتق رقبة من الرق مطلقاً أو مقيداً، فإن
أعتقه من الرق مطلقاً فهو أن يقيم نفسه في حال كون الحق عينه في قواه وجوارحه التي بها
تميز عن غيره من الأنواع بالصورة والحدّ، وإذا كان في هذا الحال وكان هذا نعته كان سيداً
وزالت عبوديته مطلقاً لأن العبودية هنا راحت إذ لا يكون الشيء عبد نفسه فهو هو، قال أبو
يزيد في تحقق هذا المقام مشيراً تالياً: ﴿إِنَّنِىّ أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدْنِ﴾ [سورة طه: الآية ١٤]
هذا أوحى الله به لموسى وهو خطاب يعم الخلق أجمعين.
وأما إن كان العبد مقيداً فهو أن يعتق نفسه من رق الكون فيكون حرّاً عن الغير عبداً لله،
فإن عبوديتنا لله يستحيل رفعها وعتقها لأنها صفة ذاتية له، واستحال العتق منها في هذه الحال
لا في الحال الأول، وقد نبّه على ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [سورة آل عمران:
الآية ٢٦] فسمّاه ملكاً ليصحّ له اسم المالك ولم يقل: مالك العالم، وقال أيضاً وهو من باب
الإشارة والتحقيق: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ﴾ [سورة الناس: الآية ١، ٢] فمن باب
التحقيق لما سمّاهم الناس ولم يسمّهم باسم يقتضي لهم أن يكونوا حقاً أضاف نفسه إليهم
باسم الملك، ومن باب الإشارة اسم فاعل من النسيان معرّفاً بالألف واللام لأنه نسي أن الحق
سمعه وبصره وجميع قواه في حال كونه كله نوراً وهو المقام الذي سأله رسول الله صل# من
ربه أن يقيم فيه أبداً فقال: ((وَاجْعَلْنِي نُوراً)) فإن الله من أسمائه النور بل هو النور، للحديث
الثابت: (نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)) وقد صحّفه بعض النقلة فقال: ((نُورَانِيَّ أراه)» فحصل في هذا التصحيف
معنى بديع، وهو إذا جعل عبده نوراً فيرى الحق فيه ومنه فعند ذلك يكون نورانياً لا غير، فهو
في ذاته نور وفي عبده نورانيّ فافهم ما قلنا .
فلما لم يتذكر الناسي هذه الحال وهو في نفسه عليها غافل عنها خاطبه الحق مذكراً له
بها في القرآن الذي تعبده بتلاوته ﴿لَيَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَ لَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلَْبِ﴾ [سورة ص: الآية ٢٩] ما
كانوا قد نسوه، فهذا يدلك على أنهم كانوا على علم متقدم في شيئية الثبوت وأخذ العهد.
وأما الإطعام في الكفارة فالطعام سبب في حفظ الحياة على متناوله، فهو في الإطعام
متخلق بالاسم المحيي لما أمات بما فعله عبادة لا مثل لها كان عليها، فكان منعوتاً بالمميت
في فعلها لأنه تعمد ذلك فأمر بالإطعام ليظهر اسم المقابل الذي هو المحيي فافهم. وأما صوم
شهرين في كفارته فالشهر عبارة في المحمديين عن استيفاء سير القمر في المنازل المقدرة،
وذلك سير النفس في المنازل الإلهية، فالشهر الواحد يسير فيها بنفسه ليثبت ربوبية خالقه عليه
عند نفسه، والشهر الآخر يسير فيه بربه، فإنه رجله التي يسعى بها من باب أن الحق جميع
قواه وجوارحه فإنه بقواه قطع هذه المنازل، والحق عيّن قواه فقطعها بربّه لا بنفسه. وأما قول
هذا الفاعل لرسول الله وَ# حين أمره بالصوم في الكفارة أي اتصف بصفة الحق فإن الصوم له
فقال: من الصوم أتى عليّ فضحك رسول الله وَالر، فضحكه علامة على خفة الأمر. ولما
علم أن الحق أنطقه وما أراد ذلك الناطق وإن جهله ذلك الأعرابيّ فكأنه قال له في قوله: كفر

٣٥٣
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
بالصوم أي كن حقاً فنطق أن يقول من الحق أتى عليّ فإني لما كنت حقاً زال التكليف عني
فإن الحق لا يكلف فلماذا تبقيني حقاً أنزلني إلى العبودية فأوجب عليّ الكفارة التي هي الستر
أي لا تذكر أنك عصيتني بي، ولهذا قال للنبيّ وَّ: «أَتُعْطِيهَا لِأَفْقَرَ مِنِّي؟ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَفْقَرُ
مِنِّي))، فأضاف كمال الفقر إليه لأنه رجع إلى العبودية عن سيادته فعظم ذلّه وفقره، فإن
استصحاب الفقر لا ألم له في الفقير مثل ألم من كان غنياً ثم يفتقر فإن ألمه أشدّ والحسرة عنده
أعظم، فإن حكمه حكم من استؤسر وكان حرّاً فيجد ألم الاسترقاق لكونه حصل فيه عن
حرّية . [مخلع البسيط]
قد حازَ هَلْكاً ومات فَتْكَا
من كان مَلْكاً فعاد مَلْكَا
والعبد الأصلي المؤثل القنّ لا يجد ذلك، فلهذا قال: ما بين لابتيها أفقر مني، أنطقه
الله بذلك من حيث لا يشعر حتى يكون مناسباً لما أنطقه به أيضاً في قوله: من الصوم أتى
عليّ، فانظر حكمة الله في إجراء هذه الحقائق في عباده من حيث لا يشعرون، فهو المتكلم
على الحقيقة لا هم، فهذا حكم الكفارة على من هذا فعله، والحمد لله قد دخل في هذا جميع
الأقوال التي ذكرنا في هذه المسألة إذا تدبرتها فلا حاجة للإطالة في ذلك فإنه كالتكرار، وإن
كان ذكرها يتضمن فوائد زائدة على ما ذكرنا لاختلاف النسب ولكن يكفي هذا في اعتبار هذه
المسألة .
وصل في فصل - من أكل أو شرب متعمداً: فقال قوم: عليه القضاء والكفارة التي
أوجبها في الجماع. وقال آخرون: لا كفارة عليه، والذي أقول به أنه لا قضاء عليه ولا كفارة
فإنه لا يقضيه أبداً ولكن يكثر من صوم التطوّع لتكمل له فريضته من تطوعه، فإن الفرائض
عندنا المقيدة بالأوقات إذا ذهب وقتها بتعمد من الواجبة عليه لا يقضيها أبداً مطلقاً، فليكثر
من التطوّع الذي يناسبها إلاّ الحج وإن كان مربوطاً بوقت ولكنه مرّة واحدة في العمر إلاَّ من
يقول بالاستطاعة، ولكن متى حجّ كان مؤدّياً ويكون عاصياً في التأخير مع الاستطاعة.
الاعتبار: الأكل والشرب تغذ له فأحياه الأكل والشرب عند هذا السبب لأن حياته
مستفادة كما كان وجوده مستفاداً ليتميز الممكن الواجب بالغير عن الواجب بنفسه، والصوم لله
لا للعبد فلا قضاء عليه ولا كفارة، ومن قال بالكفارة أوجب عليه ستر مقامه وحكمه فيها
حكم المجامع في الاعتبار سواء، ومن قال بالقضاء عليه يقول ما أوجب عليه القضاء إلاَّ كونه
غيراً كما كان في أصل التكليف كما كان في صوم رمضان سواء، فيقضيه بردّه إلى من الصوم
له، فإن الصوم للعبد الذي هو الله كمن سلف شيئاً من غيره فقضاؤه ذلك الدين إنما هو ردّه
إلى مستحقه مع ما عاد عليه من الانتفاع به، والعبد إنما يصوم مستسلفاً ذلك لأن الصمدانية
ليست له، والصوم صمدانية فهو لله لا له فاعلم ذلك.
وصل في فصل - من جامع ناسياً لصومه: فقيل: لا قضاء عليه ولا كفارة وبه أقول.
وقيل: عليه القضاء دون الكفارة. وقيل: عليه القضاء والكفارة.
الاعتبار: هذا من باب الغيرة الإلهية لما اتصف العبد بما هو لله، وإن كان مشروعاً وهو
الفتوحات المكية ج٢ - م٢٣

٣٥٤
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الصوم أنساه الله أنه صائم فأقامه في مقام وحالة تفسد عليه صيامه تنبيهاً له أن هذه الحقيقة لا
يتصف بها إلاَّ الله غيرة إلهية أن يراجع فيما هو له بضرب من الاشتراك، فلما لم يكن للعبد في
ذلك قصد ولا انتهك به حرمة المكلف سقط عنه القضاء والكفارة والجماع قد عرفت معناه
فيمن جامع متعمداً، ومن قال عليه القضاء دون الكفارة قال: يشهد بالصمدية له دون نفسه في
حال قيامها به فيكون موصوفاً بها لا موصوفاً بها مثل قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [سورة
الأنفال: الآية ١٧] فنفى وأثبت. ومن قال: عليه القضاء والكفارة قال: النسيان هو الترك،
والصوم ترك، وترك الترك وجود نقيض الترك، كما أن عدم العدم وجود، ومن هذه حاله فلم
يقم به الترك الذي هو الصوم فما امتثل ما كلف فلا فرق بينه وبين المتعمد، فوجب عليه
القضاء والكفارة والاعتبار قد تقدّم في ذلك، وأنه ليس في الحديث أن ذلك الأعرابيّ كان
ذاكراً لصومه حين جامع أهله ولا غير ذاكر ولا استفصله رسول الله و # هل كان ذاكراً لصومه
أو غير ذاكر؟ وقد اجتمعا في التعمّد للجماع، فوجب على الناسي كما وجب على الذاكر
لصومه ولا سيما في الاعتبار، فإن الطريق تقتضي المؤاخذة بالنسيان لأنه طريق الحضور،
فالنسيان فيه غريب .
وصل في فصل - هل الكفارة مرتبة كما هي في المظاهر أو على التخيير؟ : فإنه قال له :
أعتق. ثم قال له: صم. ثم قال له: أطعم. فلا يدري أقصد عليه السلام الترتيب أم لا؟
فقيل: إنها على الترتيب وأدلّها العتق، فإن لم يجد فالصوم، فإن لم يستطع فالإطعام. وقيل:
هي على التخيير. ومنهم من استحب الإطعام أكثر من العتق ومن الصيام، ويتصوّر هنا ترجيح
بعض هذه الأقسام على بعض بحسب حال المكلف أو مقصود الشارع، فمن رأى أنه يقدم
التغليظ وأن الكفارة عقوبة فإن كان صاحب الواقعة غنياً أو ملكاً خوطب بالصيام فإنه أشق عليه
وأردع، فإن المقصود بالحدود والعقوبات إنما هو الزجر، وإن كان متوسط الحال في المال
ويتضرّر بالإخراج أكثر ممّا يشق عليه الصوم أمر بالعتق أو الإطعام، وإن كان الصوم عليه أشق
أمر بالصوم، ومن رأى أن الذي ينبغي أن يقدّم في ذلك ما يرفع الحرج فإنه تعالى يقول: ﴿وَمَا
جَعَلَ عَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] فيكلف من الكفارة ما هو أهون عليه، وبه
أقول في الفتيا وإن لم أعمل به في حق نفسي لو وقع مني إلاَّ أن لا أستطيع ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] و﴿مَآ ءَاتَنَهَا﴾ [سورة الطلاق: الآية ٧] ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ
عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [سورة الطلاق: الآية ٧] وكذلك فعل فإنه قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
[سورة الشرح: ٦،٥] فأتى بعسر واحد ويسرين معه فلا يكون الحق يراعي اليسر في الدين ورفع
الحرج ويفتي المفتي بخلاف ذلك، فإنّ كون الحدود وضعت للزجر ما فيه نص من الله ولا
رسوله وإنما يقتضيه النظر الفكري، فقد يصيب في ذلك وقد يخطىء، ولا سيما وقد رأينا
خفيف الحدّ في أشد الجنايات ضرراً في العالم، فلو أريد الزجر لكانت العقوبة أشدّ فيها،
وبعض الكبائر ما شرع فيها حدّاً ولا سيما والشرع في بعض الحدود في الكبائر التي لا تقام إلاّ
بطلب المخلوق، وإن أسقط ذلك سقطت، والضرر بإسقاط الحد في مثله أظهر كوليّ المقتول

٣٥٥
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
إذا عفا وليس للإمام أن يقتله، وأمثال هذا من الخفة والإسقاط فيضعف قول من يقول:
وضعت الحدود للزجر.
ولو شرعنا نتكلم في سبب وضع الحدود وإسقاطها في أماكن وتخفيفها في أماكن
وتشديدها في أماكن أظهرنا في ذلك أسراراً عظيمة لأنها تختلف باختلاف الأحوال التي
شرعت فيها والكلام فيها يطول، وفيها إشكالات مثل السارق والقاتل، وإتلاف النفس أشد
من إتلاف المال، وإن عفا وليّ المقتول لا يقتل قاتله، وإن عفا رب المال المسروق أو وجد
عند السارق عين المال فرة على ربه ومع هذا فلا بدّ أن تقطع يده على كل حال وليس للحاكم
أن يترك ذلك، ومن هنا تعرف أن حق الله في الأشياء أعظم من حق المخلوق فيها بخلاف ما
تعتقده الفقهاء، قال رَّر: ((حَقُّ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يَقْضَىْ)).
الاعتبار: الترتيب في الكفارة أولى من التخيير، فإن الحكمة تقتضي الترتيب والله
حكيم، والتخيير في بعض الأشياء أولى من الترتيب لما اقتضته الحكمة، والعبد في الترتيب
عبد اضطرار كعبودة الفرائض، والعبد في التخيير عبد اختيار كعبودة النوافل، وفيها رائحة من
عبودية الاضطرار، وبين عبادة النوافل وعبادة الفرائض في التقريب الإلهيّ بون بعيد في علو
المرتبة، فإن الله جعل القرب في الفرائض أعظم من القرب في النوافل وأن ذلك أحب إليه،
ولهذا جعل في النوافل فرائض وأمرنا أن لا نبطل أعمالنا وإن كان العمل نافلة لمراعاة عبودية
الاضطرار على عبودية الاختيار لأن ظهور سلطان الربوبية فيها أجلى ودلالتها عليها أعظم.
وصل في فصل - الكفارة على المرأة إذا طاوعت زوجها فيما أراد منها من الجماع:
فمن قائل: عليها الكفارة. ومن قائل: لا كفارة عليها وبه أقول فإن النبيّ وَّر في حديث
الأعرابيّ ما ذكر المرأة ولا تعرّض إليها ولا سأل عن ذلك، ولا ينبغي لنا أن نشرع ما لم يأذن
به الله .
الاعتبار: النفس قابلة للفجور، والتقوى بذاتها فهي بحكم غيرها بالذات فلا تقدر
تنفصل عن التحكّم فيها فلا عقوبة عليها، والهوى والعقل هما المتحكمان فيها، فالعقل
يدعوها إلى النجاة والهوى يدعوها إلى النار، فمن رأى أنه لا حكم لها فيما دعيت إليه قال:
لا كفارة عليها، ومن رأى أن التخيير لها في القبول وأن حكم كل واحد منهما ما ظهر له حكم
إلا بقبولها إذ كان لها المنفع ممّا دعيت إليه والقبول، فلما حجت أثيبت، إن كان خيراً فخير،
وإن كان شرّاً فشرّ، فقيل: عليها الكفارة.
وصل في فصل - تكرّر الكفارة لتكرر الإفطار: فقيل: إنه من وطىء ثم كفر ثم وطىء
في يوم واحد أن عليه كفارة أخرى. وقيل: من وطىء مراراً في يوم واحد فليس عليه إلاَّ كفارة
واحدة. واختلفوا أيضاً فيمن وطىء في يوم من رمضان ولم يكفر حتى وطىء في يوم ثان فقال
بعضهم: عليه لكل يوم كفارة. وقال بعضهم: عليه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الجماع
الأوّل. والذي أقول به أن عليه كفارة واحدة لأنها ما شرعت إلاَّ لمراعاة رمضان في حال
الصوم لا لمراعاة الصوم لأنه لو أفطر في صوم القضاء لم يكفر، ولو كانت هذه الكفارة مثل

٣٥٦
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
كفارة الظهار لم يوجب عليه كفارة أخرى إذا كفر عن الجماع الأول فلما أوجبها بعد الوقوع
لهذا جعلناها تلزمه إذا أوقع الوطء بعد تكفير وطء قبله متعدداً كان ذلك الأول أو واحداً.
الاعتبار: الروح الواحد يدبر أجساماً متعددة إذا كان له الاقتدار على ذلك، ويكون ذلك
في الدنيا للوليّ بخرق العادة وفي الآخرة نشأة الإنسان تعطي ذلك، وكان قضيب البان ممّن له
هذه القوّة، ولذي النون المصريّ كما يدبر الروح الواحد سائر أعضاء البدن من يد ورجل
وسمع وبصر وغير ذلك كما تؤاخذ النفس بأفعال الجوارح على ما يقع منها كذلك الأجساد
الكثيرة التي يدبرها روح واحد، أيّ شيء وقع منها يسأل عنه ذلك الروح الواحد وإن كان عين
ما يقع من هذا الجسم من الفعل مثل ما يقع من الجسم الآخر فيكون ما يلزمه من المؤاخذة
على فعل أحد الجسمين يلزمه على فعل الآخر وإن كان مثله، وقسم المذاهب على هذا الحد
فيما يلزم الروح الواحد من تكرار الفعل بتعدد الأجسام المماثل لتعدد الزمان في حق المجامع
في رمضان فاعلم ذلك.
وصل في فصل - هل يجب عليه الإطعام إذا أيسر وكان معسراً في وقت الوجوب: فمن
قائل: لا شيء عليه وبه أقول. ومن قائل: يكفر إذا أيسر.
الاعتبار: المسلوب الأفعال مشاهدة وكشفاً معسر لا شيء له فلا يلزمه شيء، فإن
حجب عن هذا الشهود وأثبت ذلك من طريق العلم بعد الشهود كمتخيل المحسوس بعدما قد
كان أدركه بالحسّ فإن الأحكام الشرعية تلزمه بلا شك، ولا يمتنع الحكم في حقه بوجود
العلم ويمتنع بوجود المشاهدة فإنه يشاهد الحق محركاً له ومسكناً، وكذلك إن كان مقامه
أعلى من هذا وهو أن يكون الحق سمعه وبصره على الكشف والشهود، فمنا من قال: حكمه
حكم صاحب العلم فإن الله قد أوجب على نفسه ولا يدخل بذلك تحت حدّ الواجب، ومنّا
من ألحقه بمشاهدة الأفعال منه تعالى كما قدمناه فلا يلزمه الحكم كما لم يلزمه هناك، فتارة
ينطلق على هذا العبد اسم الحق وتارة ينطلق عليه اسم العبد مع اختلاف هذه الأحوال، وفي
كل واحد من هذه المراتب يلزمه الحكم من وجه وينتفي عنه من وجه.
وصل في فصل - من فعل في صومه ما هو مختلف فيه كالحجامة والاستقاء وبلع الحصى
والمسافر يفطر أول يوم يخرج عند من يرى أنه ليس له أن يفطر: فكل من أوجب في هذه الأفعال
وأشباهها الفطر اختلفوا، فمن قائل منهم: عليه القضاء. ومن قائل منهم: عليه القضاء
والكفارة. وهكذا كل مختلف فيه. والذي أذهب إليه ممّا ذكرناه أن الاستقاء فيه القضاء للخبر،
وقد تقدم اعتبار ما ذكرناه من هذه الأفعال، فمن أفطر في يوم يجوز له الإفطار فيه كالمرأة تفطر
قبل أن تحيض ثم تحيض في ذلك اليوم، والمريض والمسافر يفطران قبل المرض وقبل السفر
ثم يمرض في ذلك اليوم أو يسافر فمذهبنا عليه القضاء ولا كفارة، وإنما أوجبنا عليه القضاء
لأنها حاضت أو مرض أو سافر، وأمّا حكمه في الإثم حكم من أفطر متعمداً حتى أنها لو لم
تحض أو لم يمرض أو لم يسافر ما يقضي ذلك اليوم أبداً وليكثر من صيام التطوّع، ومع هذا
فأمرهم إلى الله لأنهم أفطروا في يوم يجوز لهم الفطر فيه عند الله وأمّا الظاهر فما قلناه.

٣٥٧
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الاعتبار: في هذا الفعل رائحة من الكشف الذي للنفوس واستطلاع على الغيب من
حيث لا يشعر، وسببه أنها من عالم الغيب وإن كانت النشأة الجسمية أمها فإن الروح الإلهيّ
أبوها، فلها الإطلاع من خلف حجاب رقيق بحيث أنه لو دخل صاحب هذا الفعل طريق أهل
الله سارع إليه الكشف لاستعداده وتأهّله لذلك، ومثل هذا لا يسمّى اتفاقياً إذ الأمر الاتفاقيّ
عندنا لا يصحّ فإن الأمر كله لله، والله لا يحدث شيئاً بالاتفاق وإنما يحدثه عن علم صحيح
وإرادة وقضاء غيبيّ وقدر، فلا بدّ من كون ما هو كائن في علمه، وإنما بقي هل يتعلق بمن
ظهر عليه مثل هذا الفعل الإلهيّ إثم أم لا؟ فعندنا الإثم متعلق به ولو حصلٍ له العلم الصحيح
بأنه في يوم يجوز له الإفطار فيه ولم يتلبس بالسبب فإنه ما شرع له الفطر إلاَّ مع التلبس بالحال
الذي تسمّى به حائضاً أو مريضاً أو مسافراً في اللسان الظاهر، هذا مذهب المحققين من أهل
الله وهو مذهبنا في مثل هذه المسألة، والحكم في صاحبها لله إن شاء عفا وإن شاء آخذ فضلاً
وعدلاً، إلاَّ إن كان حاله ممّن قد أعلم ما يقع منه من الجرائم مشاهدة وكشفاً، ومن اطلاعه
على المقدور عليه اطلاعه أنه غير مؤاخذ بذلك عند الله، فإن لم يطلع فلا يبادر ولا يكن له
تعمل في ذلك ما لم يعلم علم الله فيه، فإن علم أنه مؤاخذ ولا بدّ فيعلم أن الله قد راعى حكم
الظاهر في العموم فيتهيأ لقضاء الله النافذ فيه، وهذا عندنا ليس بواقع أصلاً، وإن كان جائزاً
عقلاً قيل لإبليس: لم أبيت عن السجود؟ قال: يا رب لو أردت مني السجود لسجدت، قال
له: متى علمت أني لم أرد منك السجود بعد حصول الإباية والمخالفة أو قبل ذلك؟ فقال: يا
رب بعد وقوع الإباية علمت، فقال: بذلك آخذتك.
واعلم أن من عباد الله من يطلعهم الله على ما قدر عليهم من المعاصي فيسارعون إليها
من شدّة حيائهم من الله ليسارعوا بالتوبة وتبقى خلف ظهورهم ويستريحون من ظلمة
شهودها، فإذا تابوا رأوها عادت حسنة على قدر ما تكون، ومثل هذا لا يقدح في منزلته عند
الله، فإن وقوع ذلك من مثل هؤلاء لم يكن انتهاكاً للحرمة الإلهية ولكن بنفوذ القضاء والقدر
فيهم وهو قوله ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢] فسبقت المغفرة
وقوع الذنب، فهذه الآية قد يكون لها في حق المعصوم وجه وهو أن يستر عن الذنوب فتطلبه
الذنوب فلا تصل إليه فلا يقع منه ذنب أصلاً فإنه مستور عنه أو يستر عن العقوبة فلا تلحقه،
فإن العقوبة ناظرة إلى محال الذنوب فيستر الله من شاء من عباده بمغفرته عن إيقاع العقوبة به
والمؤاخذة عليه والأول أتم، فتقدمت المغفرة من قبل وقوع الذنب فعلاً كان أو تركاً، فلا يقع
إلاَّ حسنة يشهدها وحسنها، ومن عباد الله من لم يأت في نفس الأمر إلاَّ ما أبيح له أن يأتيه
بالنظر إلى هذا الشخص على الخصوص وهذا هو الأقرب في أهل الله، فإنه قد ثبت في الشرع
أن الله يقول للعبد لحالة خاصة: افعل ما شئت فقد غفرت لك فهذا هو المباح، ومن أتى
مباحاً لم يؤاخذه الله به وإن كان في العموم في الظاهر معصية فما هو عند الشرع في حق هذا
الشخص معصية، ومن هذا القبيل هي معاصي أهل البيت عند الله قال عليه السلام في أهل
بدر: ((وَمَا يُذْرِيكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ الطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَذْرٍ فَقَالَ: افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُنْ)).

٣٥٨
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
وفي الحديث الثابت: أن عبداً أذنب ذنباً فيقول: رب اغفر لي فيقول الله: أذنب عبدي ذنباً
فعلم أنّ له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب إلى أن قال في الرابعة أو في الثالثة :
افعل ما شئت فقد غفرت لك فأباح له جميع ما كان قد حجره عليه حتى لا يفعل إلاَّ ما أبيح له
فعله، فلا يجري عليه عند الله لسان ذنب، وإن كنّا لجهلنا بمن هذه صفته وهذا حكمه عند الله
أن نعرفه فلا يقدح ذلك في منزلته عند الله، فمن هذه حالته ما فعل إلاَّ ما أبيح له فعله أو تركه
فإن الحكم يترتب على الأحوال، فحال أهل الكشف على اختلاف أحوالهم ما هو حال من
ستر عنه حاله، فمن سوّى بينهما فقد تعدّى فيما حكم به، ألا ترى المضطرّ ما حرمت الميتة
عليه قط متى وجد الاضطرار، وغير المضطرّ ما أحلت له الميتة قط، هذا ظاهر الشرع،
فأحكام الشرائع على الأحوال ونحن فيما جهلنا حاله أن نحسن الظن به ما وجدنا لذلك
سبيلاً.
وصل في فصل ــ من أفطر متعمداً في قضاء رمضان: فأكثر العلماء على أنه لا كفارة
عليه وإليه أذهب وعليه القضاء. وقال بعضهم: عليه قضاء يومين، ولصاحب هذا القول وجه
دقيق خفيّ أداه إلى هذا القول وهو أنه مخيّر في القضاء في ذلك اليوم فاختار القضاء ثم بدا له
فأفطر، ولو كان متنفلاً أوجبنا عليه بالشروع قضاء ذلك اليوم، فهذا هو اليوم الواحد واليوم
الآخر يوم رمضان الذي عليه فما قصر في نظره صاحب هذا القول، وقال قتادة: عليه القضاء
والكفارة .
الاعتبار: من كان مشهده الاسم الإلهيّ رمضان في حال القضاء كان حكمه حكم
الأداء، وحكم الأداء فيمن أفطر متعمداً في رمضان قد تقدم الكلام فيه وما فيه من الخلاف
فهو بحسب ما هو عنده فيجري على ذلك الأسلوب فيه وفي اعتباره، ومن لم يكن مشهده
الاسم الإلهيّ الذي يخصّ شهره الذي أوقع فيه القضاء لا شهر رمضان ولا اسم رمضان بل
مشهده الاسم الذي يحكم عليه بالإمساك فلا يكفر، ولكن فيمن كان مذهبه أن يكفر في شهر
رمضان وفي قوله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٤] كفاية فإنه قد سمّاها
أخر فما هي أيام رمضان وإنما هي أيام صوم على النكرة أي يوم شاء، ولا يسمّى يوماً إلاَّ
بکماله، فإذا لم یکمل في حقّه فليس بيوم صومه.
الأسماء التي الشهور القمرية: رمضان: لشهر رمضان. الرفيع: لشوال. الرحمن: لذي
قعدة. المريد: لذي حجة. المحرّم: للمحرّم. المخلي: لصفر. المحيي: لربيع الأول.
المعيد: لربيع الآخر. الممسك: لجمادى الأولى. الرب بمعنى الثابت: لجمادى الآخرة.
العظيم: لرجب. الفاصل والحاكم: لشعبان. وما في معنى كل اسم من هذه الأسماء الإلهية.
وصل في فصل - الصوم المندوب إليه: وسأذكر من ذلك ما هو مرغب فيه بالحال
كالصوم في الجهاد وبالزمان كصوم الاثنين والخميس وعرفة وعاشوراء والعشر وشعبان وأمثال
ذلك، وما هو معين في نفسه من غير تقييده بيوم مخصوص من أيام الجمعة كعاشوراء عرفة،
ضمن كونه معين الشهر ألحقناه بالزمان، ومن كونه مجهولاً في أيام الجمعة لم نقيده بالزمان،

٣٥٩
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
ومنه ما هو معين في الشهور كشهر شعبان، ومنه ما هو مطلق في الأيام مقيد بالشهور كالأيام
البيض وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ومنه ما هو مطلق كصوم أي يوم شاء، ومنه ما هو مقيد
بالتوقيت كصيام داود صيام يوم وفطر يوم وما يجري هذا المجرى. وأما صوم يوم عرفة في
عرفة فمختلف فيه، وفي غير عرفة مرغب فيه إلاّ أنه على كل حال يكفر السنة التي قبله والسنة
التي بعده. وأما صوم الستة الأيام من شوّال فمرغب فيها والخلاف في وقتها من شوّال وفي
تتابعها وفيها خلاف شاذ وهو أن يوقع أول يوم منها في شوّال وباقي الأيام في سائر أيام السنة .
وصل في فصل - الصوم في سبيل الله: خرّج مسلم في الصحيح عن أبي سعيد الخدري
قال: قال رسول الله وَّهُ: ((مَا مِنْ عَبْدِ يَصُومُ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّ بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ وَجْهَهُ
مِنَ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً)) فذكر صوم العبيد لا صوم الأحرار، والعبيد بالحال قليل وبالاعتقاد
جميعهم، والصوم تشبيه إلهيّ ولهذا نفاه عن العبد بقوله تعالى: الصوم لي وليس للعبيد من
الصوم إلاَّ الجوع. فالتنزيه في الصوم الله والجوع للعبد، فإذا أقيم العبد في التشبيه بالإله
المعبر عنه بالتخلق بالأسماء في صفة القهر والغلبة للمنازع الذي هو العدو ولهذا جعله في
الجهاد أعني الصوم لأن السبيل هنا في الظاهر الجهاد، عرفنا هذا بقرائن الأحوال لا مطلق
اللفظ، فإن أخذناه على مطلق اللفظ لا على العرف وهو نظر أهل الله في الأسماء يراعون ما
قيد الله وما أطلقه فيقع الكلام بحسب ما جاء فجاء بلفظ التنكير في السبيل، ثم عرفه بالإضافة
إلى الله تعالى، والله هو الاسم الجامع لجميع حقائق الأسماء كلها، وكلها لها برّ مخصوص
وسبيل إليها، فأيّ بر كان فيه العبد فهو في سبيل بر وهو سبيل الله فلهذا أتى بالاسم الجامع
فعمّ كما تعمّ النكرة أي لا تعين وكذلك نكر يوماً وما عرفه ليوسّع بذلك كله على عبيده في
القرب إلى الله، ثم نكر سبعين خريفاً فأتى بالتمييز والتمييز لا يكون إلاَّ نكرة ولم يعين زماناً
فلم ندر هل سبعين خريفاً من زمان أيام الرب؟ أو أيام ذي المعارج؟ أو أيام منزلة من المنازل؟
أو أيام واحد من الجواري الخنس والكنس؟ أو من أيام الحركة الكبرى؟ أو من الأيام
المعلومات عندنا؟ فأبهم الأمر فساوى التنكير الذي في مساق الحديث. وكذلك قوله: وجهه
أبهمه هل هو وجهه الذي هو ذاته؟ أو وجهه المعهود في العرف؟ وكذلك قوله: من النار
بالألف واللام هل أراد به النار المعروفة أو الدار التي فيها النار؟ لأنه قد يكون على عمل
يستحق دخول ذلك الدار ولا تصيبه النار، وعلى الحقيقة فما منا إلاَّ من يردها فإنها الطريق إلى
الجنة، ولو لم يكن في المعنى إلاَّ كون الصراط عليها في الآخرة وفي الدنيا حفت بالمكاره،
وقد ألقيتك على مدرجة التحقيق في النظر في كلام الله وفي كلام المترجم عن الله من رسول
مرسل أو وليّ محدث.
وصل في فصل - تخيير الحامل والمرضع في صوم رمضان مع الطاقة عليه بين الصوم
والإفطار: فأشبه المفروض من وجه وهو إذا اختاره، وقبل التخيير كان حكمه في حقّه حكم
المباح المخير في فعله وتركه، فأشبه التطوع وفعل المندوب إليه خير من تركه، ولهذا قال
فيه: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٤] خرّج مسلم عن سلمة بن الأكوع قال:

٣٦٠
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
كنّا في رمضان على عهد رسول الله وَل# من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بطعام مسكين
حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] فمنهم من جعل
ذلك نسخاً، ومنهم من جعله تخصيصاً وهو مذهبنا. فبقي حكم الآية في الحامل والمرضع إذا
خافتا على ولدهما وسمّاه الله تطوعاً. وقال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية
١٨٤] فنكر خيراً فدخل فيه الإطعام والصوم. ذكر البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٤] قال ابن عباس: ليست
بمنسوخة هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة. وقال أبو داود عن ابن عباس: أثبتت في الحبلى
والمرضع. وقال الدارقطني عن ابن عباس في هذا: يطعم كل يوم مسكيناً نصف صاع من
حنطة. اعلم أن الحق إذا خيّر العبد فقد حيّره فإن حقيقته العبودية فلا يتصرف إلاَّ بحكم
الاضطرار والجبر، والتخيير نعت السيد ما هو نعت العبد، وقد أقام السيد عبده في التخيير
اختباراً وابتلاء ليرى هل يقف مع عبوديته أو يختار فيجري في الأشياء مجرى سيده، وهو في
المعنى مجبور في اختياره مع كون ذلك عن أمر سيده، فكان لا يزول عن عبوديته ولا يتشبه
بربه فيما أوجب الله عليه التخيير، فمن العبيد من حار ولا يدري ما يرجح، ومن العبيد من
قال: إن ربي يقول: ما كان لهم الخيرة فنفى فأنا واقف مع النفي فلا أخرج عن عبوديتي طرفة
عين. ومنهم من قال: إن ربي يقول: ما كان لهم الخيرة من ذواتهم بل أنا أبحث لهم التصرّف
على الاختيار، اخترت لهم ذلك وعينت لهم محالها، ومن محالها ما جاء في هذه الآية من
التخيير بين الصوم والفطر وبعض الكفارات. ولما نبّه عباده على أن الصوم خير لهم إذا
اختاروه أبان لهم بذلك عن طريق الأفضلية ليرجحوا الصوم على الفطر، فكان هذا من رفقه
سبحانه بهم حيث أزال عنهم الحيرة في التخيير بهذا القدر من الترجيح، ومع هذا فالابتلاء له
مصاحب لأنه تعالى لم يوجب عليه فعل ما رجحه له بل أبقى له الاختيار على بابه ولذلك لا
يأثم بالإفطار، فمن صامه فقد أدّى واجباً فإنه فرض عليه فعل أحدهما لا على التعيين، فإذا
عيّنه المكلف وهو العبد تعينت الفرضية فيه وهو في أصله مخيّر فيه فهو يشبه صوم التطوّع
فيحصل للعبد الذي هذا حاله إذا صامه أجر الفرض وأجر التطوّع وأجر المشقة فهو أعظم أجراً
وأكثر من الذي يؤدي الواجب غير المخيّر، وكذلك الأجر في الكفارات المخيّر فيها أجر
الوجوب وأجر التطوّع وهذا من كرم الله في التكليف. انتهى الجزء السابع والخمسون.
(الجزء الثامن والخمسون)
بِسْمِ الَّهِ الرَّغَنِ الرّحمَةِ
وصل في فصل - تبييت الصيام في المفروض والمندوب إليه: خرّج النسائي عن حفصة
أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبيِّ وَّ قال: ((مَنْ لَمْ يبيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ
يُكْتَبُ لَهُ الصِّيَامُ مِنْ حِينٍ يُبيِّتُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ كَانَ أَوْ وَسَطَهُ أَوْ آخِرَهُ)) فيتفاضل الصائمون في
الأجر بحسب التبييت، ويؤيّد ذلك الوصال فكما يكتب له في إيصال يومه بالطرف الأول من