النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
المؤمنون: الآية ٦١] ومثاله أيضاً في الاعتبار: من جاز له النظر إلى المخطوبة فامتنع من ذلك
حياء من الله وحذراً أن يزيد في النظر على قدر الحاجة فلم يفعل حتى عقد عليها، وعندي في
النظر إلى المخطوبة تقسيم وهو إن كانت المخطوبة من ذرية الأنصار ولم ينظر إليها قبل العقد
فهو عاص، وإن نظر إلى وجهها قبل العقد كان نظره قربة إلى الله وطاعة لرسوله وَالية، وأما
غير الأنصارية فلا، وإن نظر فهو أولى إذا خطب. وأما ما ذكرناه من الجمع بين الصلاتين إذا
ضمّ الثانية إلى الأولى فهو في الباطن أن يجد في البسملة روح الفاتحة أو السورة التي يريد
قراءتها فإنّ البسملة في كل سورة مفتاحها .
وصل في فصل - زكاة الفطر: اختلف العلماء في حكم زكاة الفطر، فمن قائل: إنها
فرض. ومن قائل: إنها سنّة: ومن قائل: إنها منسوخة بالزكاة .
اعتبار الفطر: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة فاطر: الآية ١] ﴿أَوَلَمَّ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوَأْ
أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَا رَتْقًا فَفَنَقْنَهُمَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] والفطر الفتق، ومنه كل مولود
يولد على الفطرة، وأوّل ما فتق الله أسماع المكوّنات في حال إيجادها وهي حالة تعلّق القدرة
بين العدم والوجود بقوله: ﴿كُنْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٧] فتكوّنوا بأنفسهم عند هذا الخطاب
امتثالاً لأمر الله وتلك كلمة الحضرة، وأوّل ما فتق أسماعهم به وهم في الوجود الأوّل قوله:
﴿أَلَسْتُ بِرَيِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٢] فهذا خصوص بالبشر والتكوين عموم، وأوّل
ما فتق به ألسنتهم بقولهم: بلى، وأول ما فتق معى الصائمين ما أكلوه يوم عيد الفطر قبل
الخروج إلى المصلى، وأول ما فتق به معى أهل الجنة أكلهم زيادة كبد النون، فينبغي للعبد
في صدقة الفطر يوم العيد أنّ الصفة الصمدانية لا تنبغي إلاَّ لله تعالى، فإنّ الصوم الله لا للعبد،
وهذه الزكاة فرض على كل إنسان حرّ أو عبد صغير أو كبير ذكر أو أنثى أن يعرف ما تستحقه
الربوبية من صفة الصمدانية، ثم إنها لا تجزي عندنا إلاَّ من التمر والشعير غير ذلك لا يجزي
فيها، وعند الجمهور من العلماء تجوز من المقتات به وهي مسألة خلاف، والقوت ما تقوم به
هذه النشأة الطبيعية، وقوت الأرواح ما تتغذى به من علوم الكشف أو الإيمان خاصة، فإن
بهذا القدر من العلم تقوم نشأة الأرواح الناطقة وزكاتها علم الكشف خاصة .
وصل في فصل - وجوبها على الغنيّ والفقير والحر والعبد والذكر والأنثى والصغير
والكبير: أوجبها رسول الله وَّليل على كل اثنين صغير أو كبير.
اعتباره: متعلم وعالم، وقوله: حرّ أو عبد اعتباره من تحرّر عن رق الأكوان، فكان
وقته شهوده كونه حرّاً عنها أو عبداً من كان وقته شهود العبودية من غير نظر إلى الأكوان
وقوله: ذكر أو أنثى اعتباره في الذكر العقل وفي الأنثى النفس، ويعتبر فيهما أيضاً في الذكر
الناظر في العلم الإلهيّ وفي الأنثى الناظر في علم الطبيعة، فنسب كل ناظر إلى مناسبه من
جهة ما هو ناظر فيه. وقوله: غنيّ أو فقير اعتباره غنيّ بالله أو فقير إلى الله. وقوله: صاعاً من
تمر الصاع أربعة أمداد نشأته صاعه من أربعة أخلاط لكل ركن أو خلط مدّ لكمال نشأته روحاً
وعقلاً وجسماً ومرتبة، ثم شهوده فيها الأربع النسب التي يصف بها ربّه في إيجاده عينه،

٢٨٢
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
وأصول كونه من حياة وعلم وإرادة وقدرة لكل صفة مدّ ليكون الجملة صاعاً، إذ بهذه النسب
يصح كونه رباً، وكونك مربوباً عبداً له تعالى.
وصل في فصل - إخراج زكاة الفطر عن كل من يمونه الإنسان: ذكر الدارقطني من
حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: ((أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ
وَالحُرِّ وَالعَبْدِ مِمَّنْ تَمونُونَ)).
وصل الاعتبار في ذلك: الأستاذ يقصد بالتلميذ في التربية ما لا يبلغه علم التلميذ حتى
يحصل له ما قصده به الشيخ من الفائدة فذلك زكاة تعليمه، فإن فضل ذلك المنوي يعود على
التلميذ فكان التلميذ أعطاه الأستاذ لما يعود عليه من الفضل فقد يفتح على الأستاذ بصدق
التلميذ فيما ليس عنده وينجرّ في هذه المسألة الوليّ يزكي مال اليتيم الذي في حجره وتحت
نظره .
وصل في فصل - إخراجها عن اليهودي والنصراني: ذكره أبو الحسن الدار قطني رحمه
الله في كتابه عن رسول الله ◌َّ يعني إخراج زكاة الفطر عن اليهودي والنصراني ..
الاعتبار في ذلك: نيّة الخير في العمل فيمن ليس من جنسك يعود فضله عليك، وأنا
مؤمن بما هو اليهودي والنصراني به مؤمن ممّا هو حق في دينه وفي كتابه من حيث إيماني
بكتابي، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَئِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن
رُسُلِه٤ٌِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٥] فمن هناك يخرجها عنه فإني ممّن أمونه أيضاً، فإنّ كتابي
يتضمن كتابه وديني يتضمن دينه، فدينه وكتابه مندرج في كتابي وديني، النفس إذا أشركت في
العمل طلب حظها فهي بمنزلة اليهودي والنصراني اللذين يقولان: إن عزيراً ابن الله، والمسيح
ابن الله، ويجب على المؤمن إخراج الزكاة عنها وهي بهذه الصفة فإن النبيّ عليه السلام قام
إلى جنازة يهودية وقال: أليست نفساً؟ فهذا اعتبار إخراج الزكاة عن اليهودي والنصراني هذا
إذا اعتبرت المعنى، فإذا اعتبرت اشتقاق اللفظ من النصرة والهدى فالزكاة عنهما القصد بها
وجه الله لا غير ذلك. انتهى الجزء الثاني والخمسون.
(الجزء الثالث والخمسون)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
وصل في فصل - وقت إخراج زكاة الفطر: أمر رسول الله وَله بزكاة الفطر أن تؤدّى قبل
خروج الناس إلى المصلى.
الاعتبار في ذلك: المسارعة في إيصال الراحات إلى المفتقرين إليها وحينئذ يخرج إلى
المصلى وهو قوله: ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَّكُمْ صَدَقَّةً﴾ [سورة المجادلة: الآية ١٢] والمصلّي يناجي ربّه
وهو خارج إلى المصلى فذلك خير له وأطهر.
وصل في فصل - المتعدي في الصدقة: قال الراوي عن رسول الله وَلّ أنه قال:
«المتَعَدِّي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا)» خرّجه أبو داود.

٢٨٣
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
الاعتبار في ذلك: لنفسك عليك حق، ولعينك عليك حق، فإذا كلفتها فوق طاقتها أعللتها
فأدّى ذلك إلى تعطيل خير كثير فكنت بمنزلة المانع من الخير في عين ما تريده من الخير، وأنت
تعلم أن النفس إنما هي بهذه الجوارح، فإذا تعطلت الآلات وضعفت عن العمل بحملها الأوّل
على الشدائد من العمل كنت كالمانع عن العمل، ولنا في هذا المعنى : [البسيط]
آلاتُه أذِنَتْ فيه بإِفْسَادِ
ما يفعَلُ الصَّنِعُ النَّخريرُ في شُغُلٍ
والزيادة في الحد نقص من المحدود.
وصل في فصل - زكاة العسل: ذكر الترمذيّ عن ابن عمر عن رسول الله لَله: ((فِي
العَسَلِ فِي كُلُّ عَشَرَةِ أَزْقَاقٍ زِقٌّ)) .
الاعتبار في ذلك: العلم الذي يأخذه الوليّ من طريق الوحي ممّا يتعلق بالغير يجب عليه
إذاعته لأهله فإنه من أجلهم أعطيه، وإنما خصصناه بالوحي دون غيره من الصفات إذ صفات
تحصيل العلم كثيرة لأنا شبهناه بالعسل وهو نتيجة وحي، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النََّلِ﴾
[سورة النحل: الآية ٦٨] فزكاته تعليمه .
وصل في فصل - الزكاة على الأحرار لا على العبيد: قال رسول الله وَّرُ: ((لَيْسَ فِي
مَالِ المُكَاتبِ زَكَاةٌ حَتَى يُعْتَقَ)» ذكره الدارقطنيّ من حديث جابر.
الاعتبار في ذلك: كما لا يجوز للعبد أن يأخذ الصدقة قيل: ولهذا منع رسول الله وَثل
من الصدقة لتحققه بعبوديته فلم يخرج منه ◌َّ شيء في حركة ولا سكون يكون به حرّاً بغفلة
ولا غير غفلة جملة واحدة واجتبى آله عناية به في هذا الحكم، فكذلك لا يجب في ماله زكاة
حتى يكون حرّاً، فإنّ العبد لا يملك مع سيده، وعلة الزكاة على الحرّ دعوى الملك، والعبد
لا دعوى له في شيء العبد عين قيمته وهو ثمنه الذي اشترى به، فكما لا يتصوّر في ثمنه
دعوى ولا إباية فيما يريده السيد من التصرّف فيه كذلك العبد وكل عبد لم يكن نظره في ثمنه
في معاملة سيده فلا تحقق له في عبوديته ولا معرفة له بنفسه، هذا مذهب الطائفة بلا خلاف،
وإذا كان العبد مع سيده بهذه المثابة غاب العبد وظهر السيد، فإنّ أصل الظهور الدعوى،
ويكون السيد في هذه الحال يقوم عند الغير بصفة العبد تشريفاً للعبد وهو قوله تعالى: جعت
فلم تطعمني ومرضت فلم تعدني، وهما من صفة العبيد الجوع والمرض، وكذا قال الله في
الجواب: مرض فلان فلم تعده فلو عدته لوجدتني عنده، فالله عند عبد هذه صفته، والعبد إذا
کانت هذه صفته کان عند ربه فافهم.
وصل في فصل - أين تؤخذ الصدقات: خرّج أبو داود عن النبيّ وَّرِ: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ
تُؤْخَذُ إِلاَّ فِي دُورِهِمْ)).
اعتباره: دار الإنسان جسمه، وأخذ الصدقات من الأرواح الإنسانية إنما هو في الدار
الآخرة فلا بدّ من حشر الأجسام فإنه لا تؤخذ الصدقات ممّن وجبت عليه إلاّ في داره، وليس
الأرواح الأناسيّ ديار إلاَّ أجسامهم.
وصل في فصل - أخذ الإمام شطر مال من لا يؤدّي زكاة ماله بعد أخذ الزكاة منه: ذكر

٢٨٤
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
أبو داود أن رسول الله وَلوقال في حديث أخذ الزكاة ومن منعها: ((فَأَنَا آخُذُهَا وَشطر مَالِهِ
عزمة من عزمات ربنا)) الحديث.
اعتباره: ما يملكه الإنسان من أعماله ينقسم قسمين: قسم يختص بنفسه، وقسم يختص
بجوارحه، والزكاة التي تجب عليه في عمله هو ما فرض الله عليه من أعماله مندوبها
ومباحها، فإذا لم يؤدّ زكاة ماله نظر الله في أعماله التي عملها في الوقت الذي وجب عليه فيه
أداء فرض الله، فإن كان من مكارم الأخلاق لم يجازه عليها بما يستحقه من الثواب، ومسك
ذلك الثواب عنه عن زكاة عمل وقته، وإن كان من سفسافها ضاعف عليه الوزر فإنه صاحب
عمل مذموم في حال تركه لأداء ما وجب عليه، فجمع بين أمرين مذمومين: عمل وترك، وإن
كان في فعل مباح أخذ بترك الواجب خاصة، وأما أخذ شطر عمله فهو الشطر الذي يتصوّر فيه
الدعوى وهو العمل، فإن التكليف ينقسم إلى عمل وترك، فالترك لا دعوى فيه فيبقى العمل
فيأخذه الحق منه بالحجة بأن الله هو الفاعل لذلك العمل، فإذا كوشف بهذا لم يبق له على ما
يطلب جزاء إذ الجزاء من كونه عاملاً وقد تبين له أن العامل هو الله فيبقى في الحيرة إلى أن
يمتنّ الله عليه إما بعد العقوبة أو قبل العقوبة فيغفر له، فهذا شطر ماله الذي يؤخذ منه في الدار
الآخرة حيث يتصوّر الحساب.
وصل في فصل - رضى العامل على الصدقة: ذكر الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن
أنس قال: ((أَتَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي سليم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أَدَّيْتُ الزَّكَاةَ إِلَى رَسُولِكَ فَقَدْ بَرِثْتُ
مِنْهَا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: نَعَمْ إِذَا أَدَّيْتَهَا إِلَى رَسُولِيَ فَقَدْ بَرِثْتَ مِنْهَا وَلَكَ
أَجْرُهَا وَإِثْمُهَا عَلَى مَنْ بَدَّلَهَا)). وذكر أبو داود من حديث جابر أن رسول الله وَلّ قال:
((سَيَأْتِيَكُمَ رَكْبٌ مُبْغضُونَ فَإِذَا جَاؤُوِكُمْ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَخَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَبْتَغُونَ، فَإِنْ عَدَلُوا
فَلأَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ ظَلَمُوا فَعَلَيْهَا، وَأَرْضُوهُمْ فَإِنَّ تَمَّامَ زَكَاتِكُمْ رِضَاهُمْ وَلِيَدْعُوا لَكُمْ)). وفي
حديثه أيضاً عن بشير بن الخصاصية قال: ((فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَصْحَابَ الصَّدَقَةِ يَعْتَدُونَ
عَلَيْنَا أَفَتَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ مَا يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا؟ قَالَ: لاَ)).
وصل الاعتبار في ذلك: المصدّق هو الوقت، ورضاه أن يوفى له بما يقتضيه حاله ممّا
جاء به، وإن جاء بشدّة وقهر مثل ما يجد الإنسان من خاطر في عمل من الأعمال أي من
أعمال الخير إلاَّ أنه شاق ربما أدى إلى تلف فكان أبو مدين رضي الله عنه يقول فيه الدية على
القاتل، قال تعالى في المهاجر ﴿ِثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ١٠٠]
وصورة التعدّي فيه أن الله قد جعل لنفسك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً فاعتديت عليك في
ذلك، وهو قوله في المصطفين: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ٣٢] فالمعتدي هو
الوقت وهو الخاطر الذي يخطر بما خطر وهو المتعدي وهو العادل .
وصل في فصل - المسارعة بالصدقة: فإن مسلم بن الحجاج ذكر في صحيحه عن
رسول الله بَّ أنه قال: ((تَصَدَّقُوا فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الَّذِي أَعْطِيهَا لَوْ جِئْتَنَا
بِهَا بِالأَمْسِ قَبِلْتُهَا وَأَمَا الآنَ فَلا حَاجَةَ لِي بِهَا فَلاَ يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا)) .

٢٨٥
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
وصل الاعتبار في ذلك: المسارعة بالتوبة وهي من الفرائض فإن أخّرها إلى الاحتضار
لم تقبل، وهنا مسألة دقيقة القليل من أصحابنا من يعثر عليها وهي أن المراد قد يكون غير
تائب فيكون له كشف من الله عناية به، فيكون أوّل ما يكشف له أن الله هو خالق كل شيء،
فلا يرى لنفسه حركة ظاهرةً وباطنة ولا عملاً ولا نيّة ولا شيئاً إلاَّ الله ليس بيده من الأمر شيء
فهل تتصوّر منه توبة في هذه الحال أم لا؟ وهو يرى أنه مسلوب الأفعال، وإن تاب فهل تقبل
توبته مع هذا الكشف أو يكون بمنزلة من تاب بعد طلوع الشمس من مغربها؟ فإنّ شمس
الحقيقة قد طلعت له هنا من مغرب قلبه بصحة علمه، وهذا من أصعب الأحوال على قلب
المراد المجذوب، فإن قبول التوبة وقبول العمل إنما هو مع الحجاب حجاب إضافة العمل
إليك، وهنا ما خرج شيء عنه حتى يقبله بل هو في يديه والقبول لا يكون إلاّ من الغير، فاعلم
أن نسبة الناظر ما هي نسبة العامل، فالناظر يقبل من العامل، والعامل هو المتصرّف في هذه
الذات التي هي محل ظهور العمل أي عمل كان، فتتصوّر التوبة من صاحب هذا الكشف
ويكون الله هو التّاب هنا وهذا أقصى مشهده، فليسارع إلى الطاعات على أيّ حال كان ولا
يتوقف، فإنّ الأنفاس ليست له ولا تكليف إلاَّ هنا ويوم القيامة إذ يدعون إلى السجود سجود
تمييز لا سجود ابتلاء، فيتميز في دعاء الآخرة إلى السجود من سجد لله مِمَّن سجد اتقاء ورياء
وفي الدنيا لم يتميز لاختلاط الصور.
وصل في فصل - ما تتضمنه الصدقة من الأثر في النسب الإلهية وغيرها: فمن ذلك قوله
تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهٌ﴾ [سورة سبأ: الآية ٣٩] وخرّج مسلم في صحيحه عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّرَ: ((مَا مِنْ يَوْمِ يُصبِحُ فِيهِ الْعِبَادُ إِلاَّ وَمَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ يَقُولُ
أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً)) فانظر يا أُخي كيف
جعل هويته خلفاً من نفقتك، وإنك أحييت من تصدّقت عليه فأحياك الله به حياة أبدية، لأنه إن
لم يكن الحق حياتك فلا حياة. فإن قلت: لو كان ذلك النصب الياء ورفع اللام قلنا: الهوية
عين الذات، والهوية تخلف الشيء المتصدق به باسم إلهيّ تكون به حياة ذلك المنفق وأسماؤه
ليست غيره، ولكن هكذا تقع العبارة عنها لما يعقل في ذلك من اختلاف النسب، وكلامنا في
هذه المعاني إنما هو مع أصحابنا الذين قد علموا ما نقول ونشير به إليهم على ما تقرّر عندنا
في الاصطلاح في ذلك فالأجنبي لا يقبل اعتراضه، ألا ترى الملك يقول: اللهم أعط منفقاً
خلفاً مع أنه وعد بالخلف ووعده صدق، والإنفاق هنا من الهلاك والإتلاف أي أتلف ما كان
عنده عنه ولا خلاء فاجعل مكانه ما يناسب أثره فيمن أتلف من أجله فله أجر من أحيا، ألا
ترى الآخر يقول: اللهم أعط ممسكاً تلفاً لأن الملائكة لسان خير فيقول هذا الملك: اللهم
أعط ممسكاً ما أعطيت المنفق حتى يتلف ماله مثل صاحبه فكأنه يقول: اللهم ارزق الممسك
الإنفاق حتى ينفق، فإن كنت لم تقدر في سابق علمك أن ينفقه باختياره فأتلف ماله حتى
تأجره فيه أجر المصاب فيصيب خيراً، وأنت قد قلت: ﴿وَلِلَِّ يَسْجُدُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا
وَكَرْهَا﴾ [سورة الرعد: الآية ١٥] فهذا قد تلف ماله كرهاً فأعدّ عليه ثواباً ممّن وجد به راحة وإن لم

٢٨٦
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
يقصدها هذا الذي رزىء في ماله بالتلف، فهذا دعاء له بالخير لا ما يظنه من لا معرفة له
بمراتب الملائكة فإن الملك لا يدعو بشرّ ولا سيما في حق المؤمن بوجوده فكيف بتوحيده؟
فكيف بما جاء من عنده؟ ولا شك أن دعاء الملك مجاب لوجهين: الواحد لطهارته، والثاني :
أنه في حق الغير، فهو دعاء لصاحب المال بلسان لم يعصه به وهو لسان الملك، إذ هذا موجود
في لسان بني آدم مع كونهم عصاة الألسنة، ولكن قال الله تعالى لموسى عليه السلام: ادعني
بلسان لم تعصني به، فقال: وما هو؟ قال: دعاء أخيك لك ودعاؤك له فإن كل واحد منكما ما
عصاني بلسان غيره الذي دعاني به في حقّه فما دعاني له إلاَّ بلسان طاهر وأضاف الدعاء إليه لأن
الداعي نائب عن المدعوّ له، ولسان الداعي ما عصى الله به المدعوّ له.
ومن ذلك أيضاً ما خرّجه مسلم عن أبي هريرة قال: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ
وَجَلَّ قَالَ لِي: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ)) فقد أخبر الله تعالى أن إنفاقك جعل الحق ينفق عليك فهذا
من أثر الصدقة في النسبة الإلهية. ومن ذلك ما ذكره الترمذيّ عن أنس بن مالك قال: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِىءُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَذْفَعُ عَنْ مِيتَةِ السُّوءِ)) وهو حديث حسن
غريب. فهذا من أثر الصدقة الدفع وإطفاء نار الغضب، فإن الله يغضب يوم القيامة غضباً لم
يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله على الوجه الذي يليق بجلاله، فإن الغضب الذي
خاطبنا به معلوم بلا شك ولكن نسبته إلى الله مجهولة لا أن الغضب مجهول أو يحمل على ما
ينتجه في الغاضب أو يحمل على معنى آخر لا نعلمه نحن، إذ لو كان ذلك لخوطبنا بما لا
نفهم، فلا يكون له أثر فينا ولا يكون موعظة، فإن المقصود الإفهام بما نعلم، ولكن إنما
جهلنا النسبة خاصة لجهلنا بالمنسوب إليه لا بالمنسوب فاعلم ذلك.
ولقد جرى لبعض شيوخنا من أهل الموازنة بالمغرب الأقصى أنّ السلطان رفع إليه في
حقّه أمور يجب قتله بها فأمر بإحضاره مقيداً وينادي في الناس أن يحضروا بأجمعهم حتى
يسألهم عنه، وكان الناس فيه على كلمة واحدة في قتله والقول بما يوجب ذلك وزندقته، فمرّ
الشيخ في طريقه برجل يبيع خبزاً فقال له: أقرضني نصف قرصة فأقرضه فتصدق بها على
شخص عابر ثم حمل وأجلس في ذلك الجمع الأعظم والحاكم قد عزم عليه إن شهد فيه
الناس بما ذكر عنه أنه يقتله شرّ قتلة وكان الحاكم من أبغض الناس فيه فقال: يا أهل مراكش
هذا فلان ما تقولون فيه؟ فنطق الكل بلسان واحد: إنه عدل رضي، فتعجب الحاكم فقال له
الشيخ: لا تعجب فما هي هذه المسألة بعيدة، أيّ غضب أعظم غضبك، أو غضب الله
وغضب النار؟ قال: غضب الله وغضب النار. قال: وأيّ وقاية أعظم وزناً وقدراً نصف قرصة
أو نصف تمرة؟ قال: نصف فرصة، قال: دفعت غضبك وغضب هذا الجمع بنصف رغيف
لما سمعت النبيّ بََّ يقول: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ)) وقال: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِىءُ غَضَبَ
الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ)) وقد فعل الله ذلك دفع عني شرّكم وميتة السوء بنصف رغيف مع
حقارتكم وعظم صدقتي، فإن صدقتي أعظم من شق تمرة، وغضبكم أقل من غضب النار
وغضب الرب، فتعجب الحاضرون من قوّة إيمانه، وأسوأ الموتات أن يموت الإنسان على

٢٨٧
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
حالة تؤديه إلى الشقاء ولا يغضب الله إلاَّ على شقيّ، فانظر إلى أثر الصدقة كيف أثرت في
الغضب الربانيّ، وفي أسوأ الموتات، وفي سلطان جهنم، فالمتصدّق على نفسه عند الغضب
ليس إلاَّ بأن يملكها عند ذلك، فإن ملكه إياها عند الغضب صدقة عليها من حيث لا يشعر.
قال رسول الله وَّله: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ »
فَإِنَّ الْغَضَبَ نَارٌ مُخْرِقَةٌ فهذا من صدقة الإنسان على نفسه. ثم إن الله قد ذكر أنه لا يغفر
لمشرك ومع هذا فإن الله يهوّن عليه بقدر ما أنفق. وقد ذكر أبو داود عن عائشة قالت: ((يَا
رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ عَبْدُ اللَّهِ بِنُ جُذْعَانِ؟ قَالَ: فِي النَّارِ، قَالَ: فَاشْتَدَّ عَلَيْهَا فَقَالَ: يَا عَائِشَةَ مَا الَّذِي
اشْتَدَّ عَلَيْك؟ قَالَتْ: كَانَ يُطْعِمُ الطَّعامَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُهَوَّنُ عَلَيْهِ بِمَا تَقُولِينَ فِيهِ»
أَنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ مَا يُذْكَرُ بِهِ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ وقال البخاريّ في صحيحه إن النبي وَّ
قال: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقْ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدَّ شِقَّ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ)) وقد قال رََّ: ((إِنَّ الكَلِمَةَ
الطَّيْبَةَ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ)) وغير ذلك من الأذكار والأفعال التي
تقتضيها مكارم الأخلاق. ولقد ذكر مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّ: ((دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ دِينَارُ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةِ دِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينِ دِينَارٌ
أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرَأَ الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلى أَهْلِكَ)).
وصل في فصل - من أنفق ممّا يحبه: قال الله عزّ وجلّ: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا
تُحِبُّونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٢] وكان عبد الله بن عمر يشتري السكر ويتصدّق به ويقول: إني
أحبه عملاً بهذه الآية وأحب ما للإنسان نفسه فإن أنفقها في سبيل الله نال بذلك ما في موازنتها
فإنه من استهلك شيئاً فعليه قيمته، والحق قد استهلك نفس هذا العبد فإنه أمرك بإنفاق ما
تحب وما لها قيمة عنده إلاَّ الجنة، ولهذا إذا لم تجد شيئاً وجدت الله فإنه لا يوجد إلاَّ عند
عدم الأشياء التي يركن إليها، ونفس الإنسان هي عين الأشياء كلها وقد هلكت فقيمتها ما
ذكرناه فانظر إلى فضل الصدقة ما أعلاه.
وصل في فصل - الإعلان بالصدقة: من الاسم الظاهر والاستفتاح بها من الاسم الأول
والتأسّي بها من قوله: ﴿فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١] ومسألة الإمام الناس
لذوي الفاقة إذا وردوا عليه وليس عنده في بيت المال ما يعطيهم هو القلب الخالي من العلم
الذي تتعدّى منفعته الغير من جوارحه، ومن يحسن الظنّ به فيسأل الأسماء الإلهية لتعطيه من
الأحوال والعلوم ما تستعين بها قواه الظاهرة والباطنة على ما كلفها الله من الأعمال، فإن الله
أخبر الرسول وَ# أنه يصبح على كل سلامى كل يوم صدقة، وجعل كل تسبيحة صدقة، وكل
تهليلة صدقة إلى غير ذلك، وهذه أحوال تحتاج إلى نيّة وإخلاص، ولا تكون النيّة إلاَّ بعد
معرفة من يخلص له وهو الله تعالى، فلا بدّ للإمام أن يسأل ما يتصدَّق به على كل سلامى
وعن كل سلامى، والقلب مسؤول عن رعيته وهي جميع قواه الظاهرة والباطنة. والحديث
الجامع النبوي لما قرّرناه واعتبرناه ما خرجه مسلم عن جرير بن عبد الله قال: كنّا عند
رسول الله ◌َّ في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار متقلدين السيوف عامتهم

٢٨٨
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله مَلّ لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج
فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلّى بهم ثم خطب فقال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ
نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءَ، وَاتَّقُوا اللَّه الذي تَسَاءلون به
وَالأَرحامِ إِن اللَّهِ كَان عليكم رقِيباً، يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتقوا اللَّهَ ولتنظر نَفْسٌ مَا قَدَمَتْ لِغَدٍ
واتقوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، تَصَدَّقَ رَجُلٌ من دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرّهِ
مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ حَتَّى قَال: وَلَوْ بِشِقْ تَمْرَةٍ)) قَال: فَجَاءَ رَجُلٌ بِصُرَّةٍ مِنَ الأَنْصَارِ تكاد كِفُّه تَعَجز
عنها بلَ عجزت قال: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاس حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنٍ مِنْ طَعَام وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ
رَسُولِ اللَّهِ وَلَ يَتَهَّلُ كَأَنَّهُ مَذْهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: (مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ
أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسلامِ
سُنَّةَ سَيئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيئاً» .
وصل في فصل - شكوى الجوارح إلى الله النفس والشيطان ممّا يلقيان إليهنّ من السوء:
أهل الكشف يرون ويسمعون شكوى الجوارح إلى الله تعالى من النفس الخبيثة التي تدبر البدن
وتصرف الجوارح في السوء ممّا يلقي إليها الشيطان والنفس من حيث هيكلها النوريّ تشكو
النفس الحيوانية القابلة ما يلقي إليها الشيطان من السوء الذي تصرفه في القوى الظاهرة
والباطنة، فإذا صدقوا في شكواهم آمنهم الله ممّا يخافون ورزقهم قبول ما يلقي إليهم الملك
واستعملهم التوفيق بذلك الإلقاء في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله حتى تورثه تلك الأعمال
مشاهدة الحق تعالى ومناجاته على الكشف والشهود بلا واسطة يخاطبهم خطاب تقرير على
نعم وآلاء، والعامّة العمي من أهل الحروف والرسوم لا يشعرون صم بكم عمي فهم لا
يعقلون ولا يسمعون هذه الشكوى لقوّة صممهم وطمس عيونهم، فلو عملوا بما كلفوا
لعلمهم الله مثل هذا العلم ويرونه مشاهدة عين كما يراه ويناله أهل الله تعالى ويقول الله تعالى
في حق واحد منهم ﴿ وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾
[سورة البقرة: الآية ٢٨٢] و﴿إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٩] ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا
تَمْشُونَ بِهِ﴾ [سورة الحديد: الآية ٢٨] وقد أشار ◌َلَوَ إلى ما ذكرناه في حديث يعمّ ما وقع في الدنيا
والإشارة به إلى ما ذكرنا وهو ما خرّجه البخاريّ عن أخي جدّنا عديّ بن حاتم قال: ((بينا أنا
عند رسول الله وَ﴿ إذا أتى إليه رجل فشكا إليه الفاقة ثم أتى إليه آخر فشكا إليه قطع السبيل
فقال: يَا عُدَيُّ هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها، قال: فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ
لَتَرَيَنَّ الظَّعِينةِ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ أَحَداً إلاَّ الله، قلت فيما بيني
وبين نفسي: فأين ذعار طيّ الذين قد سعروا البلاد؟ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَفْتَحَنَّ كُنُوزَ
كِسْرَى، قلت: كِسْرَى بِن هُزْمُزٍ؟ قال: كِسْرَى بِنُ هُزْمُزٍ، وَلِئْنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ
يُخْرِجُ مِلء كَفَهِ مِنْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَّلَا يَجِدُ أَحَداً يَقَبَلُهُ مِنْهُ، وَلَيَلْقِيَنَّ اللّه
أَحَذُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَيَقُولُ لَهُ: أَلَمْ أَبْعَثْ إليْكَ رَسُولاً
فَيَلْغك؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَلَمْ أُعْطِكَ مَالاَ وَأُفْضِلُ عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَّى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ

٢٨٩
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
فَلَ يَرَى إِلاَّ جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَ يَرَى إِلاَّ جَهَنَّمَ)) قال عديّ: سمعت النبي ◌َّ يقول:
((اتَّقوا النار ولو بشقٌّ تمرةٍ فمن لم يجد شقّ تمرةٍ فبكلمة طيبةٍ)) الحديث.
أما قوله: لا تخاف أحداً إلاَّ الله فهو الخوف الأعظم فإنه هو المسلط وبيده ملكوت كل
شيء فأين الأمان؟ فهذا تنبيه على إدبارنا فإن الشخص الذي يكون في مثل هذه الحال هو في
أمان في دنياه وفي ماله وعلى نفسه ممّن يؤذيه وهذا مقصد رسول الله وَلقر، والله هو الذي
رزقه الأمان في تلك الحال فيخاف من الله ممّا في غيبه ممّا لا يعلمه ولا يعلم أوانه، ولو كان
هذا الخائف يخاف الله مطلقاً لتعلق خوفه على دينه، فإن سبيل الشيطان إلى قلبه ليست آمنة
كما أمنت السبيل الظاهرة التي تمرّ فيها السفار من الناس، وإذا خاف الله شغله خوفه عن ماله
ونفسه، ولو لم تكن السبيل آمنة لكان هذا الخائف في أمان، فإنه لا يخطر له خاطر إلاَّ في
دينه الذي يخاف عليه أن يسلبه حتى أنه لو أصيب في طريقه بتلف مال أو نفس لوقوع لصوص
عليه ربما فرح بذلك واستبشر لما له فيه من الأجر الجزيل المدخر والكفارات وكان حكمه
حكم تاجرٍ باع بنسيئة بربح كثير، فما أحسن تشبيه النبوّة بقوله: لا تخاف أحداً إلاَّ الله فأين
الأمان وهو رَّ ما ذكر ذلك لعدي إلاَّ في أن الأمان المعتاد حاصل في ذلك الوقت لما شكا
الرجل من قطع السبيل، ولكن أدرج رسول الله وَله في ذلك الأمان الخوف من الله الأولي
الألباب والنهى ليعمّ الخطاب العامّة بالأمان والخاصة بالخوف، فهو تبيين أحوال خاصة الله
أي كونوا على مثل هذه الحالة في أمنكم خائفين من الله تعالى، وهذا من جوامع الكلم لمن
نظر واستبصر .
وصل في فصل - الصدقة على الأقرب فالأقرب ومراعاة الجوار فى ذلك: أقرب أهل
الشخص إليه نفسه، فإن الله يقول في قربه من عبده: إنه أقرب إليه من حبل الوريد، فكأنه
يقول: إنه أقرب إليه من نفسه فهي أولى بما يتصدق به من غيرها، كما أن الله أولى بالقرض
لأنه أقرب إليه من نفسه، ولكل متصدق عليه صدقة تليق به من المخلوقين ثم جوارحه ثم
الأقرب إليه بعد ذلك وهو الأهل ثم الولد ثم الخادم ثم الرحم والجار، كما يتصدق على
تلميذه وطالب الفائدة منه، وإذا تحقق العارف بربه حتى كان كله نوراً وكان الحق سمعه
وبصره وجميع قواه كان حقاً كله، فمن كان أهل الله فإنه أهل هذا الشخص الذي هذه صفته
بلا شك، كما هم أهل القرآن أهل الله وخاصته كذلك من هم أهل الله، وخاصته هم أهل هذا
الذي ذكرناه فإنه حق كله كما قال ربَّر في دعائه: ((وَاجْعَلْنِي نُوراً)) لما رأى الحق سمّى نفسه
نوراً فإنه نائب الله في عباده، فالمتصدق على أهل الله هو المتصدق على أهله إذا كان
المتصدق بهذه المثابة .
كنت يوماً عند شيخنا أبي العباس العريبيّ بإشبيلية جالساً وأردنا أو أراد أحد إعطاء
معروف فقال شخص من الجماعة للذي يريد أن يتصدق: الأقربون أولى بالمعروف، فقال
الشيخ من فوره متصلاً بكلام القائل : إلى الله ، فيا بردها على الكبد ووالله ما سمعتها في تلك
الحالة إلاَّ من الله حتى خيّل لي أنها كذا نزلت في القرآن ممّا تحققت بها وأشربها قلبي وكذا
الفتوحات المكية ج٢ - م١٩

٢٩٠
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
جميع من حضر فلا ينبغي أن يأكل نعم الله إلاَّ أهل الله ولهم خلقت ويأكلها غيرهم بحكم
التبعية فهم المقصودون بالنعم ومن عداهم كما قلنا إنما يأكلها تبعاً بالمجموع ومن حيث
التفصيل، فما منه جوهر فرد ولا فيه عرض إلاّ وهو يسبح الله فهو من أهل الله، فما من العالم من
هو خارج عن هذه الأهلية العامة، وما فاز الخاصة إلاَّ بالاطلاع على هذا كشفاً، وهذه المسألة
في طريق الله من أغمض المسائل إذ ليس المجموع سوى هذه الأجزاء فالأبعاض عين الكل،
فكل جزء وبعض طائع وليس الكل ولا المجموع بهذه الصفة لكنه طائع بطاعة أحدية الجمع
وهي طاعة متميزة عن طاعة مفردات هذا المجموع، وقد ورد في خبر في النفقة على الأهل
المعلوم في الظاهر المقرّر وفضلها ما يكون هذا اعتباره وهو ما خرّجه مسلم في صحيحه عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَّ: ((دِينَارُ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةِ دِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ
عَلَى مِسْكِينٍ دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْراً الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ)) .
وصل في فصل ــ صلة أولي الأرحام وأن الرحم شجنة من الرحمن: افهم رزقك الله
الفهم عن الله لما كانت الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله يعني بمن هي شجنة
منه، ومن قطعها قطعه الله كانت الصدقة على أولي الأرحام صدقة وصلة بالرحمن، وعلى غير
الرحم صدقة تقع بيد الرحمن ما فيها صلة بالرحمن، هذه الصورة الآدمية خليفة، فمنزله
يعطي أن يكون الخليفة ظاهراً بصورة من استخلفه، فمن تصدق على نفسه بما فيه حياتها
كانت له صدقة وصلة بالله الذي الرحمن من نعوته، فإن الله خلق آدم على صورته على
خلافهم في الضمير، قال الله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فوصف الله بالرحمن.
وخرّج الترمذي عن سلمة بن عامر عن النبيّ وَّ قال: ((الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى
ذِي الرَّحِم اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ)) كلما قويت النسبة عظمت المنزلة هذا عند أصحابنا، والأمر
عندنا ليسَ كذلك فإنه كلما بعدت النسبة عظمت المنزلة ولنا في ذلك: [مخلع البسيط]
فقلتُ ربِّى فقال أنْتَا
رأيتُ ربي بعينِ ربَي
فيتخيل فيه بعض العارفين أن هذا البيت على النمط الأول وليس كذلك، فضمير
المتكلم من هذا البيت عين العبد بربه لا بنفسه، فتدبر هذا النظم فإنه من أعجب المعارف
الإلهية يحتوي على أسرار عظيمة وعلم كبير.
وصل في فصل - تصدق الآخذ على المعطي يأخذ منه: النفس تتصدق على العقل
بقبولها منه ما يلقي إليها إذ بعض النفوس لا تقبل والنفس تتصوّر نفوس مريديها وهم أيتام لا
أم لهم لأن نفوسهم ماتت عنهم فليس لهم مدبر إلاّ هذه النفس التي لشيخهم فتتصدق عليهم
بما يلقي الله إليها من الروح الإلهيّ إذا كانت في مقام الحال المؤثر بالفعل، فتجد نفس المريد
أموراً لا يعطيها مقامه ولا حاله خارجة عن كسبه، فيتخيل أن الله قد فتح عليه بلا واسطة،
وذلك الفتح إذا كان من حال نفس هذا الشخص الذي هو الشيخ، فإن المريد يتيم في حجر
الشيخ وله على ذلك أجر عظيم عند الله، فإنه ما من نبيّ إلاَّ قال في إفادته وتبليغه لما قيل له :
﴿وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ١٠٩] فهو تعليم يقتضي

٢٩١
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
الأجر، وهذا هو الأجر الذي لا يخرجك عن عبوديتك، فأنت العبد في صورة الأجير ما هو
أجر الأجير، فإن الأجير من استؤجر فهو أجنبيّ، والسيد لا يستأجر عبده لكن العمل يقتضي
الأجرة ولا يأخذها وإنما يأخذها العامل والعامل العبد فهو قابض الأجرة من الله فأشبه الأجير
في قبض الأجرة وفارقه بالاستيجار، يؤيد ما ذكرناه ما خرّجه مسلم في صحيحه عن بلال عن
النبيّ وَّ سأله عن صدقة المرأة على زوجها وعلى أيتام في حجرها فقال: ((أَجْرَانِ: أَخْرُ
الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ)) .
وصل في فصل - معرفة من هما أبوا نفس الإنسان: المدبرة لجسمه وقواه النفس الجزئية
التي هي نفس الإنسان هي ولد جسمه الطبيعي فهو أمها والروح الإلهيّ أبوها، ولهذا تقول في
مناجاتها: ربنا ورب آبائنا العلويات وأمهاتنا السفليات فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي مريم
أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا فكان عيسى عليه السلام ولدها وهي أمّه الجسم المسوي
نفخ فيه من الروح نفساً فالجسم أُم والمنفوخ منه أب، غير أن هذا الولد كاليتيم الذي لا أب له
لأن عقله لم يستحكم بالنظر إليه فكأنه لا عقل له فهو بمنزلة الصغير الذي لا أب له يعلمه
ويؤدّبه فتسوسه نفسه النباتية التي هي جسمه بما خلقها الله عليه من صلاح المزاج، فتكون
القوى الباطنة والظاهرة في غاية الصفاء والاعتدال، فتفيد النفس من العلوم التي هي بمنزلة
صدقة المرأة على ولدها اليتيم فيحصل لهذا الشخص من جهة جسمه من العلم الإلهيّ جزاء
لما تصدق به على نفسه ما لا يقدر قدره إلاّ الله، قالت أم سلمة زوج النبي وَليّ: ((هَلْ لِي أَجْرٌ
فِي بَنِي أَبِي سَلمَةَ أَنْفِقُ عَلَيْهِمْ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا إِنَّمَا هُمْ بَنِيّ؟ قَالَ: نَعَمْ لَكِ فِيهِمْ
أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ)) خرّجه مسلم في صحيحه .
وصل في فصل - المتصدق بالحكمة على من هو أهل لها: وهي الصدقة على
المحتاجين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى وَوَجَدَكَ مَالًا فَهَدَى﴾ [سورة الضحى: الآية ٦، ٧]
وقال: ﴿وَمَّا السَّآيِلَ فَلَا نَنْهَرْ﴾ [سورة الضحى: الآية ١٠] يعني السائل عن العلم، الإنسان يتصدق
بالعلم على أهل الله الذين هم أهله الحكمة لا ينبغي أن يتعدى بها أهلها ويحتسب تلك
الصدقة عند الله أي لا يرى له فضلاً على من علمه ولا تقدماً يستدعي بذلك خدمة منه في
أدب وتعظيم وتسخير في مقابلة ما أفضل عليه إن فعل ذلك لم يحتسب ذلك عند الله، وقد
لقينا أشياخاً على ذلك وهو طريقنا، وقد نبّه الشرع عليه في علم الرسوم وعالمه فقال: ((إِنَّ
الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَىْ أَهْلِهِ نَفَقَّةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَّهُ صَدَقَةً)) يعني تقع بيد الرحمن، خرّج هذا
الحديث مسلم عن أبي مسعود البدري عن رسول الله وَالد .
وصل في فصل - العلم اللدنيّ والمكتسب: العلم علمان: موهوب ومكتسب، فالعلم
الموهوب: لا ميزان له، والعلم المكتسب: هو ما حصل عن التقوى والعمل الصالح وتدخله
الموازنة والتعيين. فإن كل تقوى وعمل مخصوص له علم خاص لا يكون إلا لهُ، فثم من
يتقي الله لله، ومن يتقي الله للنار، ومن يتقي الله للشيطان، ومن يتقي الله لمن لا يتقي الله،
وكل تقوى لها عمل خاص وعلم خاص، يحصل لمن له هذه التقوى، فإنفاق الرجل على

٢٩٢
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
نفسه الذي له به صدقة هو ما يغذيها به من هذه العلوم المكتسبة التي بها حياته الأبدية في
الدنيا والآخرة، وذلك أن كل معروف صدقة وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في
الآخرة ولا معروف إلاَّ الله فلا أهل إلاَّ أهل الله، فالناصح نفسه من وقى عرضه فإنه من
صدقاته على نفسه، ووقاية العرض أن لا يجري عليه من جانب الحق لسان ذمّ لا غير فيكون
محموداً بلسان الشرع وبكل لسان إلهيّ من ملك وحيوان ونبات ومعدن وفلك، وكل ما عدا
الثقلين وبعض الثقلين وهل يتصوّر أن يقي عرضه من جميع الثقلين هذا لا يتصوّر لأن الأصل
الذي هو الله لم يق عرضه من ألسنة خلقه إلاَّ أنه يمكن أن يرتفع عن العرض، وإذا أمكن فقد
وقى نفسه الذي هو عرضه أن يكون له أثر في نفسه لا أنه وقى عرضه أن يقال فيه وهو معنى
قوله: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِّفٌُ﴾ [سورة سبأ: الآية ٣٩] فإن أنفق ليبتني مجداً في ألسنة
الخلق فهو لما أنفق، فإن ابتغى إعادة الثناء على الله من حيث إنه آل الله فإن أنفق في هذا
الشأن ولا يرى أنه المنفق وأنفق في معصية إبليس ولا يرى العصمة والإنفاق إلاَّ من يد الله،
فمثل هذا يستثنى في كل إنفاق إذا كان هذا حاله وذوقه، فلا يجد الثواب على من يعود إلاَّ
على معطيه، فيد الله منفقة ويد الرحمن آخذة منها: [المديد]
ويدُ الرحمن آخِذةٌ
فَيَدُ الله مُنْفِقَةٌ
والتي للعَبْد عاطِلَةٌ
فالتي للجُود خاليةٌ
وهي للأعيان واصِلةٌ
فُصّلتْ آيَاتُه عجباً
وهي في الأكوان جائلةٌ
لو تراها في تَقَلُبها
وهي بالبرهان ساكنةٌ
قلتَ أغراضي تصرّفُها
ويؤيّد ما ذكرناه ما يشير إليه قوله وَّله: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ
وَأَهْلِهِ كُتِبَ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا وَقَى بِهِ رَجُلٌ عِرْضَهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ مِنْ نَفَقَةٍ فَعَلَى اللـه
خَلَفُهَا إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ نَفَقَةِ فِي بُنْيَانٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ)) ذكر هذا الحديث أبو أحمد من حديث جابر،
قال عبد الحميد وهو الذي روى عنه أبو أحمد: قلت لابن المنكدر: ما وقى به الرجل عرضه
يعني ما معناه؟ قال: يعطي الشاعر وذا اللسان.
وصل في الفصل بين العبودية والحريّة: إضافة الإنسان بالعبودية إلى ربّه أو إلى العبودية
أفضل من إضافته بالحريّة إلى الغير بأن يقال: حرّ عن رق الأغيار، فإن الحريّة عن الله ما
تصحّ، فإذا كان الإنسان في مقام الحريّة لم يكن مشهوده إلاَّ أعيان الأغيار، لأن بشهودهم
تثبت الحريّة عنهم، وهو في هذه الحال غائب عن عبوديته وعبودته معاً، فمقام العبودية
أشرف من مقام الحريّة في حق الإنسان، والعبودة أشرف من العبودية، وقد أشار بَّل إلى مثل
هذا في حديث ميمونة بنت الحارث لما أعتقت وليدة لها في زمان رسول الله وَّلير فذكرت
ذلك لرسول الله ﴿ فقال: (لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالِكِ لَكَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ)) فمقام العبودية رجح
على ثواب الحريّة، كما رجح الفقر إلى الله على الغنى بالله بعض أشياخنا. حدثني عبد الله
القلفاط بجريرة طريف سنة تسعين وخمسمائة وقد جرى بيننا الكلام على المفاضلة بين الغنيّ

٢٩٣
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
والفقير أعني الغنيّ الشاكر والفقير الصابر وهي مسألة طبولية وانجرّ في ذلك حال الفقر والغنيّ
فقال لي: حضرت عند بعض المشايخ أو حكاها لي عن أبي الربيع الكفيف المالقيّ تلميذ أبي
العباس بن العريف الصنهاجيّ قال: لو أنّ رجلين كان عند كل واحد منهما عشرة دنانير
فتصدق أحدهما من العشرة بدينار واحد وتصدق الآخر بتسعة دنانير من العشرة التي عنده
أيهما أفضل؟ فقال الحاضرون: الذي تصدق بالتسعة، فقال: بماذا فضلتموه؟ فقالوا له: لأنه
تصدق بأكثر ممّا تصدق به صاحبه، فقال: حسن ولكن نقصكم روح المسألة وغاب عنكم،
قيل له: وما هو؟ قال: فرضناهما على التساوي في المال، فالذي تصدَّق بالأكثر كان دخوله
إلى الفقر أكثر من صاحبه ففضل بسبقه إلى جانب الفقر، وهذا لا ينكره من يعرف المقامات
والأحوال فإن القوم ما وقفوا مع الأجور وإنما وقفوا مع الحقائق والأحوال وما يعطيه الكشف
وبهذا فضلوا على علماء الرسوم، ولو تصدق بالكل وبقي على أصله لا شيء له كان أعلى
فنقصه من الدرجة والذوق على قدر ما تمسك به، ألا ترى ما قاله شيخنا أبو العباس السبتي
رحمه الله في المحتضِر يوصي بالثلث فإن المحتضر ما يملك من المال إلاَّ الثلث فخرج عمّا
يملك وما أبقى شيئاً، وأجاز له الشارع أن يتصدق بالثلث كله الذي يملكه وهو محمود في
ذلك شرعاً، فلقي الله فقيراً على حكم الأصل كما خرج من عنده رجع إليه صفر اليدين، قال
بعضهم في هذا المعنى: [الطويل]
دليلٌ على الحِرص المركَّب في الحَيِّ
إذا وُلد المولودُ يَقْبِضُ كَفَّهُ
ألا فانظروني قد خرجت بلا شَيِّ
ويَبْسُها عند الممات مَوَاعظاً
فكان أفضل ممّن لم يتصدق بذلك الثلث الذي يملكه، أو تصدق بأقل من الثلث وينوي
بما يبقيه أنه صدقه على ورثته وفيه إشارة عجيبة .
وصل في فصل - فضل من ترك صدقة بعد موته جارية في الناس من مال أو علم:
العارف بالله يحتضر وفي نفسه لو أطاق الكلام أفاد الناس علماً بربهم وقد عقل لسانه فنقل عنه
تلميذ مسألة في العلم النافع من توحيد وغيره أفادها السامعين الحاضرين، فإن ذلك العارف
المحتضر يجني ثمرتها، والتلميذ يجني ثمرة نقله عند الله، ويجازي الله بها الميت جزاء
وجوب فإنها من سَغْيِهِ يقول الله: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [سورة النجم: الآية ٣٩] وأفضل
ما أكله الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه، والتلميذ ولد ديني بلا شك فما هو من سعي
الإنسان، فهو له عند الله بطريق الإيجاب الإلهي الذي أوجبه على نفسه. وأما ما عمل عنه
غيره بحكم النيابة ممّا لم يؤذن فيه الميت ولا أوصى به ولا له فيه تعمل فإن الله يعطيه ذلك
المقام إذا وهبه إياه غيره، فيأخذه الميت لا من طريق الوجوب الإلهيّ لكن يجب عليه أخذه
ولا بدّ فإنه أتاه من غير مسألة. وفي الحديث الصحيح: ((مَا أَتَاكَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَخُذْهُ وَمَا لاَ
فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ)) وقد وردت من ذلك رائحة في علم الرسوم فيما خرّجه مسلم عن عائشة: ((أَنَّ
رَسُولَّ اللَّهِ وَ﴿ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَمي افتلتت نَفْسِهَا وَلَمْ تُوصٍ وَأَظُنُّهَا لَوْ
تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ)).

٢٩٤
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
وصل في فصل - ما تعطيه النشأة الآخرة: قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾ [سورة
الأعراف: الآية ٢٩] ﴿ وَلَقَدْ عَلْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٦٢] وبدأنا على غير
مثال وعلمنا ذلك، كذلك يعيدنا على غير مثال. اعلم أن من ثواب الدار الآخرة ونسبة
الإنسان إليه علم النشأة الآخرة، ولم يبعد عليه أن يكون الشخص في أماكن مختلفة في الزمن
الواحد، وهذا أمر تحيله العقول ويشهد بصحته الكشف فهو محال عقلاً وليس بمحال نسبة
إلهيَّة، كل مصلّ يناجي ربه، والإنسان مخلوق من حيث حقيقته التي نشأ عليها في الدار
الآخرة على الصورة العارف يكون مع كثير من الأسماء الإلهية في أحوال مختلفة مع أحدية
العين من العارف ومن المسمّى، ويراه كل إنسان بحسب عينه الذي يحب هذا الرجل أن يظهر
إليه به، فيكون زيد المصلي في حال صلاته يراه عمرو نائماً، ويراه خالد كاتباً، ويراه محمد
خائطاً، ويراه قاسم آكلاً، والعين واحدة، وكل ذلك بالفعل مشهود لكل راء، وكل راء في بلد
غير بلد صاحبه كما يدخل في أيّ صورة شاء من صور سوق الجنة، وما سمعت عن أحد نبّه
على هذا المقام إلاَّ عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في دخوله في حين واحد من جميع
أبواب الجنة الثمانية. وعن ذي النون المصريّ في مسائله المشهورة مثل الميت يراه وليّه ميتاً
لا حراك به، ويراه الآخر بعينه حيّاً يسأل في الآن الواحد.
أما حديث أبي بكر رضي الله عنه فذكره البخاريّ في صحيحه من حديث أبي هريرة
قال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَيَقُولُ: مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ
مِنْ أَيُّ أبوابِ الجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أهلِ الصَّلاةِ دُعِي مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ
كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ،
وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَّامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيامِ باب الريان، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا عَلَىَ هَذَا الَّذِي
يدعى مِنْ تِلْكَ الأَبُوابِ مِنْ ضَرُورَةٍ وقال: هلَ يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم
وأرجو أن تکون منھم یا أبا بكر)) .
ودعاء الله الناس إلى الدخول يوم القيامة دعاء واحد لدخول الجنان، فيدخل الواحد من
الباب الواحد وآخر من بابين وثلاثة، وأعمّهم دخولاً من دخل من الأبواب الثمانية لأن أعضاء
التكليف ثمانية لكل عضو باب فلا تنكره في الثواب في الآن الواحد وأنت تشهده في العمل من
فعل وترك كغاض بصره في حال استماع موعظة في حال تلاوة في حال صيام في حال تصدّق في
حال ورع في حال تحصين فرج، كل ذلك بنية قربة إلى الله تعالى، وفي كل باب منازل كالإيمان
بالله بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلاَّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ولا أذى أعظم من
أذى الشرك، ولا طريق أعظم من طريق الإيمان، فختم بمثل ما به بدأ فلا إله إلاَّ الله نفي ما سوى
الله ممّن يدعي أو يدّعى فيه الألوهة، وإماطة الأذى نفي الأذى عن الطريق فاجتمع آخر الدائرة
بأولها وانعطف عليها وما بين هذين بقية شعب الإيمان ولكل شعبة منزل في جنة الإيمان، فمن
علم ما قلناه يدخل من أبواب الجنة كلها في زمان واحد والنشأة الآخرة تعطي هذه الأمور كمـ
أعطت النشأة الدنيا جمع شعب الإيمان في الإنسان في زمان واحد ولا يستحيل ذلك.

٢٩٥
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
وصل في فصل - إعطاء الطيب من الصدقات عن طيب نفس: واعلم أن الطيب من
الصدقات هو أن تتصدق بما تملكه ولا تملك إلاَّ ما يحل لك أن تملكه عن طيب نفس، وأعلى
ذلك أن تكون فيه مؤدّياً أمانة سمّاها الشارع صدقة بلسان الرسم فتكون يدك يد الله عند الإعطاء
ولهذا قلنا أمانة، فإن أمثال هذا لا ينتفع بها خالقها وإنما يستحقها من خلقت من أجله وهو
المخلوق فهي عند الله من الله أمانة لهذا العبد يؤدّيها إليه إمّا منه إليه وإمّا على يد عبد آخر، هذا
أطيب الصدقات لأنها على حدّ العلم الصحيح خرجت، فإذا حصلت في يد المتصدق عليه
أخذها الرحمن بيمينه، فإن كان المعطي في نفس هذا العبد حين يعطيها هو الله المعطي فلتكن
يده تعلو يد المتصدق عليه وهو السائل ولا بدّ فإن اليد العليا هي يد الله وهي المنفقة، وإن شاهد
هذا المعطي يد الرحمن آخذة منه حين يتناولها السائل فتبقى يده من حيث إن المعطي هو الله
تعلو على يد الرحمن كما هي فإن الرحمن صفة الله ونعت من نعوته، ولكن ما يأخذ منها عينها
وإنما يناله منها تقوى المعطي في إعطائه، وأكمل وجوهه ما ذكرناه فشهد المعطي أن الله هو
المعطي وأن الرحمن هو الآخذ، وأن الرحمة هي المعطى وهي الصدقة، فإذا أخذها الرحمن في
يده بيمينه جعل محلها هذا العبد فأعطاه الرحمن إياها فلا يتمكن إلاَّ ذلك فإن الصدقة رحمة فلا
يعطيها إلاَّ الرحمن بحقيقته، وتناولها الله من حيث ما هو موصوف بالرحمن الرحيم لا من حيث
مطلق الاسم، والصدقة تقع بيد الرحمن قبل أن تقع بيد السائل، هكذا جاء الخبر.
فمثل هذه الصدقة إذا أكلها السائل أثمرت له طاعة وهداية ونوراً وعلماً وهذا كله هو
تربية الرحمن لها، فإن جميع ما أعطته قوّة هذه الصدقة في نفس السائل ممّا ذكرناه من طاعة
وهداية ونور وعلم يراه في الآخرة في ميزانه وفي ميزان من أعطاه وهو المتصدق نائب الله
فيقال له هذه ثمرة صدقتك قد عادت بركتها عليك وعلى من تصدقت عليه، فإن صدقتك على
زيد هي عين صدقتك على نفسك فإن خيرها عليك يعود، وأفضل الصدقات ما يتصدق به
الإنسان على نفسه، فيحضر هذا أيضاً المتصدق على أكمل الوجوه في نفسه، فمثل هذه
الصدقة لا يقال لمعطيها يوم القيامة من أين تصدقت ولا لمن أعطيت؟ فإنه بهذه المثابة، فإن
كان الآخذ مثله في هذه المرتبة تساويا في السعادة وفضل المتصدق بدرجة واحدة لا غير،
وإن لم يكن بهذه المثابة فتكون بحيث الصفة التي يقيمه الله فيها، فإن كانت الصدقة صدقة
تطوّع فهي منّة إلهية كونية، فإن كانت زكاة فرض فهي منّة إلهية، فإن كانت نذراً فهي إلهية
كونية قهرية فإن النذر يستخرج به من البخيل، وإن كانت هذه الأعطية هدية فما هو من هذا
الباب فإن هذا الباب مخصوص بإعطاء ما هو صدقة لا غير فتكبر هذه الصدقة في يد الرحمن
حسّاً ومعنى، فالحسّ منها من حيث ما هي محسوسة فتجدها في الجنة حسيّة المشهد مرئية
بالبصر، والمعنى فيها من حيث ما قام به من الكسب الحلال والتقوى فيه والمسارعة بها
وطيب النفس بها عند خروجها ومشاهدته ما ذكرناه من الشؤون الإلهية فيها فيجدها في الكثيب
عند المشاهدة العامّة، ويجدها في كل زمان تمر عليه الموازين لزمان إخراجها وهو في الجنة،
فيختص من الله بمشهد في عين جنته لا يشهده إلاَّ من هو بهذه المثابة .

٢٩٦
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
خرّجِ مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلَّ: (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طِيبٍ
وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّ الطَّيْبِ إِلَّ أَخَذَهَا الرَّحْمُنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفُ الرَّحْمُنِ حَتَّى
تَكونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ)) وكل من نزل في صدقته عن هذه
الدرجة التي وصفناها كانت منزلته عند الله بمنتهى علمه وقصده فالصدقة لا تكون إلاَّ من
الاسم الغنيّ الشديد ذي القوّة المتين بطريق الامتنان غير طالب الشكر عليها، فإن اقترن معها
طلب الشكر فليست من الاسم الغنيّ بل من الاسم المريد الحكيم العالم، فإن خطر للمتصدق
أن يقرض الله قرضاً حسناً بصدقته تلك مجيباً لأمر الله فهذا الباب أيضاً يلحق بالصدقة لكونه
مأموراً بالقرض وقد يكون القرض نفس الزكاة الواجبة، فإن طلب عوضاً زائداً ينتفع به على ما
أقرض خرج عن حدّه قرضاً وكان صدقة غير موصوفة بالقرضية فإنه لم يعط القرض المشروع
فإن الله لا ينهى عن الربا ويأخذه منّا، كذا قال رسول الله وَ﴿ فإنه كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا،
وهو أن يخطر له هذا عند الإعطاء فلا يعطيه إلاَّ لهذا.
وللمعطى الذي هو المقترض أن يحسن في الوفاء ويزيد فوق ذلك ما شاء من غير أن
يكون شرطاً في نفس القرض، فإن الله قد وعد بتضاعف الأجر في القرض، ولكن لا يقرضه
العبد لأجل التضاعف بل لأجل الأمر، والإحسان في الجزاء يوم القيامة لله تعالى على ذلك،
وهذا معنى قوله حسناً في وصف القرض فإن الله يعاملنا بما شرع لنا لا بغير ذلك، ألا تراه قد
أمر نبيّه ◌َ # أن يسأله يوم القيامة أن يحكم بالحق الذي بعثه به بين عباده وبينه فقال له قل:
﴿رَبِّ أَحْكُ بِالْحَقْ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١١٢] والألف واللام في الحق للحق المعهود الذي بعث
به، وعلى هذا تجري أحوال الخلق يوم القيامة، فمن أراد أن يرى حكم الله يوم القيامة فلينظر
إلى حكم الشرائع الإلهية في الدنيا حذوك النعل بالنعل من غير زيادة ولا نقصان، فكن على
بصيرة من شرعك فإنه عين الحق الذي إليه مآلك، ولا تغتر وكن على حذر وحسن الظنّ
بربك، واعرف مواقع خطابه في عباده من كتابه العزيز وسنّة نبيه اَله.
وصل في فصل - إخفاء الصدقة: اعلم أن إخفاء الصدقة شرط في نيل المقام العالي
الذي خصّ الله به الأبدال السبعة، وصورة إخفائها على وجوه، منها: أن لا يعلم بك من
تصدقت عليه وتتلطف في إيصال ذلك إليه بأيّ وجه كان فإن الوجوه كثيرة. ومنها: أن تعلمه
كيف يأخذ وأنه يأخذ من الله لا منك حتى لا يرى لك فضلاً عليه بما أعطيته فلا يظهر عليه بين
يديك أثر ذلّة أو مسكنة، ويحصل له علم جليل بمن أعطاه فتغيب أنت عن عينه حين تعطيه فإنه
قد قررت عنده أنه ما يأخذ سوى ما هو له فهذا من إخفاء الصدقة. ومنها: أن تخفي كونها صدقة
فلا يعلم المتصدق عليه بين يدي المتصدق، فإذا أخذها العامل الذي نصبه السلطان أخذها بعزّة
وقهر منك، فإذا حصلت بيد السلطان الذي هو الوكيل من قبل الله عليها أعطاها السلطان أربابها
الثمانية وأخذها أربابها بعزّة نفس لا بذلّة فإنه حق لهم بيد هذا الوكيل، فلا يعلم الآخذ في
أعطيته من هو رب ذلك المال على التعيين، فلم يكن للغنيّ رب المال على هذا الفقير منّة ولا
عزّة، ولا يعرف هل وصل إليه على التعيين عين ماله على التعيين، فكان هذا أيضاً من إخفاء

٢٩٧
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
الصدقة لأنه لم يعلم المتصدق عين من تصدق عليه ولا علم المتصدق عليه عين المتصدق،
وليس في الإخفاء أخفى من هذا، فلم تعلم شماله ما أنفقته يمينه هذا هو عين ذلك .
وقد ذكر رسول الله ﴾ ما قلناه من إخفاء الصدقة في الإبانة عن المنازل السبعة التي
هي لخصائص الحق المستظلين يوم القيامة بظل عرش الرحمن لأنهم من أهل الرحمن. خرّج
البخاريّ عن أبي هريرة عن النّبِيّ بَّه قال: ((سَبْعَةٌ يُظِلَّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلْهِ يومَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُهُ: إِمَامٌ
عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَسَاجِدِ، وَرَجُلانٍ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَّعَا
عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرِأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَّالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ
بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)).
وصل في فصل - من عين له صاحب هذا المال الذي بيده قبل أن يتصدق به عليه: إنّ
من عباد الله من يكشف له فيما بيده من الرزق وهو ملك له أنه لفلان ولفلان ويرى أسماء
أصحابه عليه ولكن على يده، فإذا أعطى من هذه صفته صدقة هل تكتب له صدقة؟ قلنا: نعم
تكتب له صدقة من حيث ما نسب الله الملك له، وإن كوشف فلا يقدح فيه ذلك الكشف، ألا
ترى إلى المحتضر قد زال عنه اسم الملك وحجر عليه التصرّف فيه وما أبيح له منه إلاَّ الثلث
وما فوق ذلك فلا يسمع له فيه كلام لأنه تكلم فيما لا يملك. واعلم أن النفس قد جبلت على
الشحّ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيِّرُ مَنُوعًا﴾ [سورة المعارج: الآية ٢١] وقال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ﴾
[سورة الحشر: الآية ٩] وسبب ذلك أنه ممكن، وكل ممكن فقير بالأصالة إلى مرجح يرجح له
وجوده على عدمه فالحاجة له ذاتية، والإنسان ما دامت حياته مرتبطة بجسده فإن حاجته بين
عينيه وفقره مشهود له وبه يأتيه اللعين في وعده فقال؛ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [سورة البقرة:
الآية ٢٦٨] فلا يغلب نفسه ولا الشيطان إلا الشديد بالتوفيق الإلهيّ فإنه يقاتل نفسه والشيطان
المساعد لها عليه ولهذا سمّاها الشارع صدقة لأنها تخرج عن شدّة وقوّة، يقال: رمح صدق
أي قويّ شديد، فلو لم يأمل البقاء وتيقن بالفراق هان عليه إعطاء المال لأنه مأخوذ عنه بالقهر
شاء أم أبى، فمن طمع النفس أن تجود في تلك الحالة لعل تحصل بذلك في موضع آخر قدر
ما فارقته كل ذلك من حرصها فلم تجد مثل هذه النفس عن كرم ولا وقاها الله شحّها. ذكر
مسلم في ذلكِ عن أبي هريرة قال: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولَ اللَّهِ وَرَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيّ
الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْراً؟ قَالَ: أَمَا وَأَبِيكَ لتنبأنه أَن تصدَّق وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمَلَ
البَقَاءَ وَلاَ تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومِ قُلْتَ لِفُلانٍ كَذَا وَكَذَا وَقد كَانَ لِفُلانٍ)) فينبغي لمن لم
يقه الله شحّ نفسه وقد وصل إلى هذا الحد وارتفع عنه في تعيينه لفلان طائفة من ماله أن يكون
ذلك صدقة فليجعل في نفسه عند تعيينه أنه مؤدّ أمانة وأن ذلك وقتها فيحشر مع الأمناء
المؤدّين أمانتهم لا مع المتصدقين، ولا يخطر له خاطر الصدقة ببال إن أراد أن ينصح نفسه.
وصل في فصل - ضروب الملك والتمليك عند أهل الله: العارف يقول الله له: هذا
ملكك فيقبله منه بالأدب والعلم في ذلك أنه ملك استحقاق لمن يستحقه ومن هو حق له،

٢٩٨
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
وملك أمانة لمن هو له بيده أمانة، وملك وجود لمن هو موجود عنه، فالأشياء كلها ملك لله
وجوديّ وهي للعبد بحسب الحال، فما لا بدّ له في نفس الأمر من المنفعة به على النفس فهو
ملك استحقاق له وهو من الطعام والشراب ما يتغذى به في حين التغذي به ممّا يتغذى لا ممّا
يفضل عنه ويخرج من سبيله وغير ذينك، ومن الثياب ما يقيه من حر الهواء وبرده. وأمّا ما
عدا هذا القدر فهو بيده ملك أمانة لمن يدفع به أيضاً ما دفع هو به عن نفسه مما ذكرناه، فلا
يخلو العارف إما أن يكون ممّن كشف أسماء أصحاب الأشياء مكتوبة عليها فيمسكها لهم حتى
يدفعها إليهم في الوقت الذي قدّره الحكيم وعينه فيفرق ما بين ما هو له فيسميه ملك استحقاق
لأن اسمه عليه وهو يستحقه، وبين ما هو لغيره فيسميه ملك أمانة لأن اسم صاحبه عليه والكل
بلسان الشرع ملك له في الحكم الظاهر، أو يكون هذا العارف ممّن لم يكشف له ذلك، فلا
يعرف على التعيين ما هو رزقه من الذي هو عنده، فإذا كوشف فيعمل بحسب كشفه فإن
الحكم للعلم في ذلك، وإن لم يكاشف فالأولى به أن يخرج عن ماله كله صدقة لله، ورزقه لا
بدّ أن يأتيه ثقة بما عند الله إن كان قد بقي له عند الله ما يستحقه، وإن لم يبق له عند الله شيء
فلا ينفعه إمساك ما هو ملك له شرعاً فإنه لا يستحقه كشفاً في نفس الأمر وهو تارك له وهو
غير محمود هذه أحوال العارفين.
وقد يخرج صاحب الكشف عن ماله كله عن كشفه لأنه يرى عليه اسم الغير فلا يستحق
منه شيئاً فيشبه بالصورة من خرج عن ماله كله من غير كشف، فإن لم يكن عنده ثقة بالله فيذمّه
الشرع إن خرج عن كل ماله ثم بعد ذلك يسأل الناس الصدقة، فمثل هذا لا تقبل صدقته كما
قد ورد في ذلك في حديث النسائيّ: فِي الرَّجل الْذِي تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِثَوْبَيْنٍ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ
يَطْلُبُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَيْضاً وَأَلْقَى هَذَا المُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ الأَوَّلِ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ فَانْتَهَرَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ وَقَالَ: ((خُذْ ثَوبَكَ)) وَلَمْ يَقْبَلْ صَدَقَتَهُ فإذا علم من نفسه أنه لا يسأل ولا
يتعرّض فحينئذ له أن يخرج عن ماله كله ولكن بميزان الأفضيلة إن كان عالماً إذا لم يكن له
کشف، فإن كان صاحب كشف عمل بحسب كشفه.
ولقد خرّج أبو داود ما يناسب ما ذكرناه من حديث عمر بن الخطاب قال: أَمَرَنَا رَسُولُ
اللَّهِ ﴿ يَوْماً أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالاً عِنْدِي وقلت: اليومُ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرِ إِن سَبَقْتُهُ يَوِماً
فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟)) قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو
بَكْرِ بِكُلِّ مَا عِنْده فَقَالَ: مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قلت: لا أُسَابِقُكَ
إِلَىّ شَيْءٍ أَبَداً . فينبغي للعالم بنفسه أن يعامل نفسه بما يعامله به الشرع الحاكم عليه، ولا
ينظر المريد لما يخطر له في الوقت فيكون تحت حكم خاطره فيكون خطأه أكثر من إصابته،
وهنا يتميز العاقل العالم من الجاهل، ولكن هذا كله لمن لا كشف له من أهل الله، وقد سكت
رسول الله وَّر عن أبي بكر لما أتاه بماله كله لمعرفته بحاله ومقامه وما قال له: هلا أمسكت
لأهلك شيئاً من مالك؟ وأثنى على عمر بذلك بحضرة رسول الله وَ ل ولم ينكره عليه. وقال
لكعب بن مالك في هذا الحديث: امسك بعض مالك، وكان كعب بن مالك قد انخلع من

٢٩٩
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
ماله كله صدقة لخاطر خطر له فلم يعامله رسول الله 83# بخاطره وعامله بما يقتضيه حاله
فقال: «أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) .
وصل في فصل - ما ينظره العارف في فضل الله وعدله ومكر الله تعالى: إن من مكر
الله وعدله وفضله أن يبين للناس ما فيه مصلحتهم هذا من فضله. وأمّا عدله ومكره هو أن
يعاملهم بصفاتهم، فالعارفون في مثل هذا المقام ينظرون في أحوال أنفسهم وفيما يأتيهم الله
في بواطنهم وظواهرهم ويزنون ذلك بالميزان الذي وضعه الرحمن ليقيم الوزن بالقسط ولا
يخسر الميزان، فإن اعتدلت الكفتان فذلك العلم الصحيح، وإن ترجحت كفة العطاء على كفة
الحال فلينظر في الحال، فإن كان ممّا يحمده الشرع فذلك إمّا جزاء معجّل وإمّا زيادة فضل،
وإن كان الحال ممّا يذمّه لسان الشرع فذلك مكر من الله، وإن كان الحال ممّا لا يذم ولا
يحمد فذلك عدل من الله يؤول، إمّا إلى فضل إن شكر الله وعمل بطاعته في المستأنف بتلك
الأعطية، أو يؤول إلى مكر خفيّ إن عمل فيه بمعصية الله، فإن ألهم الاستغفار والتوبة أو أن
ذلك مكر إلهيّ فلا يخلو، إمّا أن يتدارك الأمر أو يبقى على حاله، فإن بقي على حاله فهو مكر
في مكر، وإن تدارك الأمر فذلك من فضل الله وزال عنه حكم المكر في هذه الحال، فمن
مكر الله وفضله اليد العليا خير من اليد السفلى، فإن الصدقة تقع بيد الرحمن ففيه مكر
وفضل، فإنه قد ورد أنها تقع بيد الرحمن قبل وقوعها بيد السائل، وقد ذكر البخاريّ عن
حكيم بن حزام فيما نَّهنا عليه أن النبيّ وَّ قال: ((اليَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السَفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ
تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرٍ غِنى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يعفه اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ)) فهذا
الحديث يتضمن تفصيل ما ذكرناه من الأحوال، وأعلى الغنى الغنى بالله، والاستعفاف هنا
القناعة بالقليل، فإن العفو يرد في اللسان ويراد به القليل وهو من الأضداد، والصدقة عن ظهر
غنى هي الصدقة، والدعاء عن ظهر فقر هو الدعاء المجاب بلا شك، وأين الداعي عن ظهر
فقر والمعطي عن ظهر غنى .
وصل في فصل - حاجة النفس إلى العلم: اعلم أن حاجة النفس إلى العلم أعظم من حاجة
المزاج إلى القوت الذي يصلحه، والعلم علمان: علم يحتاج منه مثل ما يحتاج من القوت
فينبغي الاقتصاد فيه والاقتصار على قدر الحاجة وهو علم الأحكام الشرعية لا ينظر منها إلاَّ قدر
ما تمس الحاجة إليه في الوقت، فإن تعلق حكمها إنما هو بالأفعال الواقعة في الدنيا فلا تأخذ منه
إلاَّ قدر عملك، والعلم الآخر هو ما لا حدّ له يوقف عنده وهو العلم المتعلق بالله ومواطن
القيامة، فإن العلم بمواطن القيامة يؤدي العالم بها إلى الاستعداد لكل موطن بما يليق به لأن
الحق بنفسه هو المطالب في ذلك اليوم بارتفاع الحجب وهو يوم الفصل، فينبغي للإنسان العاقل
أن يكون على بصيرة من أمره معدّاً للجواب عن نفسه وعن غيره في المواطن التي يعلم أنه يطلب
منهُ الجواب فيها ولهذا ألحقناه بالعلم بالله. وينبغي لطالب العلم أن لا يسأل في المسؤول إلاَّ الله
لا عين المسؤول. هكذا ينبغي أن يكون عليه السائل من الحضور مع الله، فليستكثر هذا السائل
من السؤال، فإن الله هو المسؤول، فإن لم يحضر له ذلك ولم يشاهد سوى الأستاذ ولا يرى

٣٠٠
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
العلم إلاَّ منه ولا يردّه ذلك العالم إلى الله بقوله: الله أعلم ولا يقول له من العلم ما يردّه إلى الله
فيه فذلك الذي أشار إليه رسول الله وَلّ على ما ذكره مسلم من حديث أبي هريرة: ((مَنْ سَأَلَ
النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكثُّراً فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْراً فَلْيَسْتَقْلِلْ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ)) .
وإنما أراد الله تعالى من عباده أن يرجعوا إليه في المسائل لا إلى أمثالهم إلاَّ بقدر ما
يتعلمون منهم. كيف يسألون الله وهو حدّ التقوى المشروع فقال: ﴿وَأَتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة البقرة:
الآية ٢٨٢] بما علمكم من أعلمته بطريق التقوى ﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] فكان هو
سبحانه المعلم. وسواء كانت المسألة في العلم أو في غير العلم من أعراض الدنيا كما قال
لموسى عليه السلام ربّه عزّ وجلّ فيما أوحى إليه به أو كلّمه به سلني حتى الملح تلقيه في
عجينك. وقال في باب الإشارة لا التفسير: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١، ٢] في
أيّ قلب يكون ويستقرّ؟ وعلى أيّ قلب ينزل؟ ﴿خَلَقَ الْإِنِسَنَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن:
الآية ٣، ٤] لتبين للناس ما نزل إليهم، فأضاف التعليم إليه لا إلى غيره، هذا كله من الغيرة
الإلهية أن يسأل المخلوق غير خالقه ليريح عباده من سؤال من ليس بأيديهم من الأمر شيء،
وقد نبّه رسول الله وَ﴿ على هذا وِما خصّ وَّ مسألة من مسألة فقال وَّ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي
المَسْأَلَةِ مَا مَشَى أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ يَسْأَلُهُ شَيْئًا)) وقد كره رسول الله وَّ المسائل وعابها وأراد من
الناس أن يعملوا بما علمهم الله على لسان نبيّه ◌َيّ ويسألون الله في أعمالهم أن يزيدهم علماً
إلى علمهم منه فيتولى بنفسه تعليم عباده فإن الله غيور فلا يجب أن يسأل غيره، وإن سأل غيره
بلسان الظاهر فيكون القلب حاضراً مع الله عند سؤاله أن الله هو المسؤول الذي بيده ملكوت
كل شيء بالمعنى، فإن الاسم الظاهر من الله هو هذا الشخص فإنه من جملة الحروف
المرقومة في رق الوجود المنشور، فيأخذ هذا السائل جوابه من الله إما بقضاء الحاجة وإما
بالدعاء، ولهذا كان سؤال الرجل السلطان أولى من سؤال غير السلطان لأن وجود الحق أظهر
فيه من غيره من السوقة والعامة، ولهذا رفعت الكدية عن الذين يسألون الملوك فإنهم نوّاب الله
وهم موضع حاجة الخلق وهم المأمورون أن لا ينهروا السائل، يقول الله لنبيّه ◌َ ل وهو النائب
الأكبر: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَ نَنْهَرْ﴾ [سورة الضحى: الآية ١٠] ولهذا يسأل الله تعالى يوم القيامة النوّاب
وهم الرعاة عن من استرعاهم عليه، ويسأل الرعايا ما فعلوا فيهم.
ثم نرجع إلى مسائل الصدقة التي نحن في بابها فنقول: قال رسول الله وَالية: ((المسائل
كدوح يكدح بها الرجل في وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلاَّ أن يسأل ذا
سلطان في أمر لا يجد منه بدا)) وهذا نص ما ذكرناه وهو حديث خرّجه أبو داود عن سمرة بن
جندب عن رسول الله وَ*، وكذلك سؤال الصالحين العارفين أهل المراقبة أولى من سؤال
السلاطين إلاَّ أن تكون هذه الصفات في السلطان فإن أصحاب هذه الصفات أقرب نسبة إلى
الله تعالى. وقد رأينا بحمد الله من السلاطين من هو بهذه المثابة من الدين والورع والقيام
للحق بالحق رحمهم الله. وقد ورد في الخبر: ((أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ: أَسْأَلُ يَا رَسُولَ
اللَّهِ؟ قَالَ: لاَ وَإِنْ كُنْتَ سَائِلاَ وَلاَ بُدَّ فَسَلِ الصَّالِحِينَ)) فالعارفون إذا سألوا في أمر تَعَيَّن لهم من